هل تعدت الدعوة السلفية
مرحلة التصفية والتربية ؟
السؤال: يرى بعض الدعاة السلفيين أن الدعوة السلفية الآن قد تعدَّت مرحلة التصفية والتربية، أوإن صح التعبير: يرى بعض الدعاة الذي ينتمون أويزعمون أنهم من السلفيين: أن الدعوة السلفية الآن قد تعدَّت مرحلة التصفية والتربية، وأن عليها أن تستعد لمراحل أخرى تتطلبها حاجة العصر، وآخرون يرون أنه لا مانع من السير في التصفية والتربية، والاستعداد المادي والعسكري لمواجهة الحُكَّام إن أمكن ذلك، وكل ذلك يكون في آن واحد. فما تعليقكم على هذا؟
الشيخ: أرى أن قولهم، ولو أننا لا نتمسك بالألفاظ؛ لأن الألفاظ قوالب المعاني، أن قولهم: تعدت التربية، إذا كانوا يقصدون بهذه اللفظة أو بغيرها أن هذا الواجب قد تحقق، فالواقع يكذبهم.
وإن كانوا يعنون ظاهر هذه اللفظة أنه جاوزت هذه المرحلة التي يجب على السلفيين أن يعيشوها سنين طويلة علماً وتربية، تعدوها، جاوزوها قبل أن يتمكنوا منها، وهل يتحقق؟
فحينئذ نحن نقول: هذا خلاف ما ذكرناه آنفاً بأنه: من استعجل الشيء قبل أوانه، ابتلي بحرمانه.
стр. 422
أما ما جاء في السؤال من الاستعداد المادي والاستعداد الحربي أيضاً، فهذا في الحقيقة كما يقال في المثل المعروف: شنشنة نعرفها من أخزم.
هذا في الواقع يخرج من بعض الناس بحماس غير موزون، وغير مُنَهَّج: موضوع منهج له، وبخاصة أن كثيراً من الأفراد تكتلوا على هذا الأساس، فكان عاقبة أمرهم أن رجعوا بدعوتهم القهقرى، وذهبت أرواح كثير منهم هباءً منثوراً سدى، بدون فائدة تذكر أبداً، ذلك؛ لأنهم لم ينهجوا المنهج الذي ذكرناه آنفاً، وهوبلا شك منهج التربية التي جرى عليها الرسول ﵇ في تبليغه دعوته إلى الناس تعليماً وتربية.
فإذا كان النبي ﵌ وهوأفضل البشر عامة، وهوالممدود بحبل من الله بوحي السماء، ظل يدعوإلى التوحيد وبعض الأحكام الشرعية الضرورية التي كانت تنزل إليه ثلاثة عشر عاماً في مكة المكرمة، وأوذي أصحابه وأمرهم بالهجرة مرتين إلى الحبشة، والمرة الأخيرة هاجر هوعليه السلام بنفسه، ولحق به بعض أصحابه إلى المدينة، وهناك بدأ الرسول ﵇ يضع منهاج الاستعداد لملاقاة أعداء الله ، وليس في [مكة] (١).
ونحن نعلم أن مجتمعنا الإسلامي اليوم يعد الملايين المملينة، فأين هؤلاء الدعاة الذين أتيح لهم مجتمع كمجتمع المدينة يتعلمون فيه الإسلام على وجهه الصحيح، ثم يتمكنون فيه من الإعداد المادي والمأمور به في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُواللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
стр. 423
ما علمنا أن جماعة من هؤلاء ظلوا نفس المدة التي ظل فيها الرسول وهوالممدود بمدد السماء في مكة، تعلموا وربوا أنفسهم وغيرهم، ثم أخذوا يستعدون الاستعداد المادي.
أنا أرى من الحكمة بمكان أن التفكير في تنفيذ أوتحقيق وتصوير هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ليس هذا وقت بحثه، فضلاً عن أن يكون بحث تطبيقه؛ لأنه كما ترون لا يستطيع المسلمون على أوضاعهم التي يعيشونها الآن تحت حكام لا يسمحون بتطبيق الإسلام.
فإذاً: يجب أن نمشي الهوينة، يجب أن نمشي رويداً رويداً، والبدء بما هوالأهم كما قيل:
العلم إن طلبته كثير والعمر عن تحصيله قصير
فقدم الأهم منه فالأهم.
يوم يستعد طائفة من المسلمين كما أشرنا وليس كل المسلمين، جماعة من المسلمين كتلة اجتمعوا على الكتاب والسنة، وعلى التربية عليهما، وكانوا كقلب رجل واحد، يومئذ ربنا بفضله وكرمه الذي عود المؤمنين به أن يهيأ لهم سبل الانتصار على أعدائهم، يومئذ ستأتي الظروف التي تساعدهم ليقوموا بالاستعداد المادي الذي يرفع بعض الناس اليوم متحمسين على غير هدى من ربهم أصواتهم بوجوب القيام بهذا الاستعداد، وهم يرون الأمثلة قائمة هنا وهناك، أنهم لا يستفيدون بهذا الاستعجال شيئاً إلا الرجوع القهقرى.
(الهدى والنور / ٢٨٠/ ٠٠: ٥٢: ٠٠)
стр. 424
اتهام: منهج التصفية والتربية
لا يكفي لإنشاء الدولة الإسلامية
مداخلة: يقول بعضهم: إن منهج الدعوة السلفية في التغيير قائم على التصفية والتربية وهوأمر مفهوم واضح كما سبق قريباً، فهل من الممكن تصور التغيير المنشود لأنظمة الكفر وإنشاء الدولة الإسلامية المنتظرة نتيجة القيام بمنهج التصفية والتربية هذا فقط؟
الشيخ: طبعاً، هذا يستلزم التربية يستلزم التكتل الذي قلنا عنه آنفاً، هؤلاء يسألون هذا السؤال، نحن نقابل سؤالهم بسؤال: كيف قامت الدولة الإسلامية في الأول؟ في أول ما نشأت كيف قامت؟ أليس على التربية والتصفية؟ هذا هوجوابنا «التاريخ يعيد نفسه».
هم يتوهمون أننا نقصد التصفية والتربية أننا لا نعمل، لا نجاهد، لا نحمل السلاح، لا نقاوم الكفر، هذا ليس من ضمن التربية والتصفية، بل ذلك العكس هومن لوازم التربية والتصفية أن نعمل لذلك، لكن البحث متى يكون هذا؟ هذا هو.
(الهدى والنور / ٣٢٠/ ٠٨: ٥٠: ٠٠)
стр. 425
مرحلة التصفية والتربية متى تنتهي ؟
مداخلة: ... النقطة التي نريد أن توضحها لنا يأتي طلاب العلم أوأوأويقولوا نحن نسلم معاكم تصفية تربية كل الكلام هذا نحن نسلمه، لكن السؤال: متى تنتهي هذه المرحلة؟
الشيخ: هذا سؤال لا يجوز .. هذا سؤال لا يجوز؛ لأن قضيتنا نحن موقضية مادية، الأمور الاقتصادية يضعوا لك خمس سنوات ويمشوا على منهج وبعدين يلتقوا منهج ثاني، هذه أمور لها علاقة بالأمور القلبية والتربوية وإلى آخره، كيف متى؟ نحن علينا أن نمشي في الطريق أما متى نصل؟ لسنا مسئولين.
مداخلة: ليس القصد من الناحية الزمنية .. أنت كعالم مثلاً متى تحدد أن الأمة الآن مهيأة لتنصيب إمام، مش وقت زمني، يعني العلامات التي ..
الشيخ: سبق الجواب آنفاً أنا قلت لك هل علمت ألف رجل اجتمعوا على أساس التصفية والتربية؟ ماذا كان جوابك؟
مداخلة: طبعاً نعم.
الشيخ: أنا أعيد السؤال عليك وأنت عيده على من سألوه، متى يكتملوا هؤلاء الألف على تصفية واحدة وعلى تربية واحدة؟
مداخلة: بدون تحديد ..
الشيخ: هذا هو الجواب، إذا كان ألف رجل ما نستطيع أن نقول متى، فكيف
стр. 426
الأمة هذه التي ستوجد الخليفة وتبايع الخليفة وحتى ربنا ينصر المسلمين على أعدائهم، أنا أقول ..
مداخلة: يعني هل تكون الصبغة الغالبة عليهم التدين أوجماعة ... مثلاً اثنا عشر ألف لقول النبي لم يغلب اثنا عشر ألفاً ..
الشيخ: أنا قلت لك ألف الآن، أنا قانع بألف إذا الألف موجودين اثنا عشر ألف موجودين؟
مداخلة: لا يستحيل طبعاً.
الشيخ: يستحيل، أنا عندما أتكلم بشيء من التفصيل وهذا رجل عنده تسجيلات حول النقطة هذه، أقول يعجبني بهذه المناسبة الشعر الجاهلي الشاعر العربي الجاهلي.
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقين بقيصر
فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكاً أونموت فنعذر
الشاهد هوالشطر الأخير لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أونموت فنعذر، هذا رجل جاهلي ويسعى وراء ملك، لا يقدم ولا يؤخر كافر ومشرك بالله، نحن علينا نمشي فيما فرض الله علينا من تعلم العلم الصحيح، وأن نربي أنفسنا ومن يلوذ بنا التربية الإسلامية الصحيحة، يومئذ ربنا يأذن للمسلمين بأن ينصرهم نحن لووقفنا عند الآية اللي كل الإسلاميين يذكرونها ولكن لا يفكرون في دلالتها وما أوسع هذه الدلالة ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ما معناها؟
مداخلة: إذا طبقتم أوامر الله ومشيتم على منهج الله ينزل عليكم نصرته ويعزكم.
стр. 427
الشيخ: جميل جداً هذا معناها يعني معروف تماماً، لكن المجهول عند العالم الإسلامي إلا أفراد قليلة.
مداخلة: طريقة السلف.
الشيخ: نعم؟
مداخلة: طريقة السلف.
الشيخ: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] أي تعملوا بأحكامه، ما رأيك هذه الأحكام دخل فيها استحلال ما حرم الله، هل يُنصرون؟
مداخلة: لا يُنصرون.
الشيخ: إذاً نحن ليس من اللازم أن نفكر متى نصر الله؟ لأن الجواب ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] لكن يجب أن نفكر ما هوالطريق الذي نستأهل به نصر الله ﵎، والطريق عندي واضح جداً هوما أكني عنه بالتصفية والتربية، أما أن نسأل متى؟ إلى متى نمشي هكذا؟ لماذا لا نتكتل ولماذا لا نتحزب؟ ولا ننتظم؟ وإلى آخره .. ذلك لأننا في أنفسنا كأفراد ما انتظمنا كيف ننتظم كجماعة؟ فيه هنا كلمة تروى عن بعض المعاصرين من الدعاة الإسلاميين والذين ينتمون إليه ما اعتبروا بهذه الحكمة وهي أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تُقم لكم في أرضكم، سمعت هذه الحكمة وإلا لا؟
مداخلة: منك ومن السيد قطب.
الشيخ: جيد، هل أقام المسلمون هذه الحكمة في نفوسهم؟
مداخلة: لا والله ما أقمناها يا شيخ.
الشيخ: بارك الله فيك، إذاً نحن هنا لازم نتواجد, ما لازم نفكر الآن أنه متى
стр. 428
يأتي زمان نخرج اليهود من فلسطين؟ لازم نفكر نحن الآن متى نستطيع أن نقيم دولة إسلام في قلوبنا نحن؟ متى تستطيع أن تقيم دولة الإسلام في دولتك الصغيرة في دارك؟ ومع الأسف أكثر الذين ينادون بإقامة حكم الإسلام على وجه الأرض هم لا يقيمون حكم الإسلام في دورهم، في ذوات أنفسهم، في أولادهم، في بناتهم وفي نسائهم .. فاقد الشيء لا يعطيه، لذلك فأنا أظن أني أوضحت لك ما كان أشكل عليك أني أنا لا أؤيد الانتفاضة لأنها ليست قائمة على أساس ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].
مداخلة: أنا ظنتك تقصد لعدم وجود الاستطاعة، لكن الآن اتضحت الأمور.
(الهدى والنور / ٣٥٢/ ٠٧: ٣٠: ٠٠)
стр. 429
كيفية إقامة الدولة الإسلامية
(العقيدة-العلم-التصفية-التربية)
علي حسن: شيخنا وردت عدّة أسئلة، فأنا اخترت سؤالا يعني قد يدور في ذهن كثير من الشباب وخاصة في خضم الاختلافات والنزاعات بين الجماعات والمشايخ وما شابه ذلك ...
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: إي نعم.
وإن كنا سمعنا في حكم القرب منكم أستاذي - يعني - الجواب عليه مرارا وتكراراً، لكن في هذا الجمع نحبذ أن نسمعه أيضا لعل فيه زيادة فائدة إن
شاء الله.
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: إن شاء الله، جزاك الله خيرا وأكرمك الله.
علي حسن: بارك الله فيك، يقول السائل، بالنسبة للموضوع المثار في الجلسة حول السنّة، كما تعلمون أن من أعظم السنن التي اهتم بها رسول الله ﵌، إقامة دولة الإسلام، ومعلوم أن الرسول ﵌ كان يعمل بخطوط متوازية للوصول إلى هذه الغاية، وفي العصر الحاضر نرى بعض علمائنا وكذا بعض الجماعات الإسلامية تهتم بأمور وتعتقد أن من خلالها قد يكون الوصول إلى هذه الغاية، كمثل الدعوة مثلاً فقط، أو العلم فقط، أو السياسة فقط، وهكذا ...
ألا ترون أن بناء جماعات على مثل هذه الأسس محصورة فقط لا يمكن أن
стр. 430
يصل إلى تلكم الغاية السامية مع بيان رأيكم في الطرق التي يمكن الوصول بها إلى هذه الغاية، وجزاكم الله خيرا.
الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: هذا السؤال حقيقة كما أشرت، يُطرح كثيرا، وأجبنا عنه كثيرا.
نحن أيها السائل، أوأيها السائلون، ننطلق في دعوتنا من كتاب ربنا ومن سنّة نبينا الصحيحة منها، وهذا الانطلاق ناشئ من اقتناعنا القطعي وليس الظني، أن خير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، والذين يهتمون اليوم بإقامة الدولة المسلمة ما أحد يخالفهم بوجوب إقامة الدولة المسلمة، ولكن قد يُخالفون في طريقة إقامة الدولة المسلمة، ونحن نعتقد أن السبيل الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم لإقامة الدولة المسلمة ليس لها بديل ولا يجوز لفرد أوأفراد أولجماعة أولجماعات أن يتخذوا سبيلا غير سبيل الرسول ﵇ لتحقيق هذا الأمر الواجب، ألا وهوإقامة الدولة المسلمة.
أظن أنه لا مخالفة في هذا، أي لا أتصور أن مسلما أوتي شيئاً على الأقل من الثقافة العلمية والشرعية يناقش في هذه المسألة ألا وهي أن السبيل الذي سلكه الرسول ﵇ حتى أقام الدولة المسلمة في المدينة المنورة هوالسبيل الواجب سلوكه ولا سبيل سواه، لا أحد يناقش في هذا، بمعنى ذلك أمضي في الجواب عن السؤال فأقول: ماذا فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم؟ ما هوأول شيء طرقه ودعا الناس إليه كخطوة أولى لوضع النواة الأساسية لإقامة الدولة المسلمة؟
نحن نعتقد - وأرجو أن لا يكون هناك مخالف لما نعتقد -، نعتقد أن أول شيء دعا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلّم قومه هو: أن يعبدوا الله وأن
стр. 431
يجتنبوا الطاغوت، أي عبادة الله وحده لا شريك له، وأنا لا أريد أن أطيل كثيرا وكثيرا، أريد أن أقف في هذه النقطة:
الآن نقلب نحن موضوع السؤال إلى سؤال، الذين يهتمون ... وأرجوا الأخ الجالس في الزاوية، وفي الزوايا خبايا، ما يشرب باليد اليسرى -، المقصود لقد بدأ الرسول ﵇ في دعوته بالتوحيد وأظن يجب أن نجري نقاشاً هادئاً ولا بأس أن يكون واسعاً في هذه النقطة التي ستسمعونها، أنا أعتقد أن أكثر الدعاة وأحمسهم وأحرصهم على إقامة الدولة المسلمة لا يدعون إلى التوحيد، هذه كبيرة أنا أعرفها، فمن كان سائلا واحدا أوأكثر، أرجوإما أن يعترف بهذه الحقيقة لأمضي في كلامي، وإما أن نقف عندها لننظر هل نحن مخطئون، أم أولئك هم المخطئون. نحن نقول أن الذين يهتمون بإقامة الدولة المسلمة، الركيزة الأساسية الأولى أواللبنة الأولى لهذا البنيان الشامخ بعدُ ما وضعوها، هكذا نحن نعتقد، والدليل أننا نختلف معهم حينما نبحث في توحيد الله ، وأن معنى لا إله إلا الله الذي خُوطبَ نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلّم بها في قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، هذا التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام عند أهل العلم:
توحيد الربوية، وتوحيد العبادة، وتوحيد الصفات:
لا نجد في هؤلاء الدعاة يدعون عامة المسلمين، بل وخاصتهم الذين هم يريدون أن يقيموا دولة مسلمة، ما نراهم يعرفون من الشهادة سوى النطق بها، أما أن معناها أن تعتقد بأن الله كما هوواحد في ذاته فهوواحد في عبادته وواحد في صفاته، فهذا أمر منكر عندهم وأكثر من هذا أنهم يُنكرون على أمثالنا ممن يهتمون بتصحيح هذه العقيدة، تصحيح هذه الكلمة الطيبة، إلا إذا أنتم
стр. 432
بَدكو تشتغلوا بهذا المجال وما تهتمون بإقامة الدولة المسلمة، نحن نعكس الموضوع تماما ونقول نحن الذين نهتم، كمثل إنسان يريد أن يبني قصرا وإنسان آخر يُشاركه في هذه الإرادة، لكن الأول يمشي فيها مشية السلحفاة، يعني أول شيء اشترى الأرض ثم بدأ يجمع الحجارة لوضع الأساس إلخ ... ما يحتج الأمر إلى تفصيل، أما الأخر فما تسمع منه إلا مخطط عريض طويل، لازم تكون الأرض مساحتها كذا ولازم تكون في منطقة كذا ولازم تكون غرفها كذا ووإلخ ... وما نزال إلا نشبع كلاما، وكما قال العربي: «أسمع جعجعةً ولا أرى طحنا»، أما الرجل الأول البصير اللي ماشي رويدا رويدا، اشترى الأرض لكن لِسَّه مشاريع طويلة أمامو، إلى متى بِدَّك تبني هذا القصر! ! ! نحن سنبنيه قبلك، لأنك أنت ما فعلت فيه شيئاً، حتى الأرض التي تريد أن تقيم عليها قصرك وبنيانك الشامخ بعدُ ما أوجدتها.
أنا أعني هنا وأُكَنِّي بالأرض هنا هو الشعب الذي هو سوف يستطيع أن يقيم الدولة المسلمة وسوف يكون مستعداً فيما إذا بدأت أحكام هذه الدولة المسلمة تُفرض على هذا الشعب لماذا؟ لأنه أُسِّسَ وهُيِّئَ لتقبُّل هذا الحكم الذي هوحكم الله ﵎، فإذا كان التوحيد أساس الإسلام كله والذي .. من لم يُوحِّد الله كما أراد الله وكما أراد رسول الله، لا يفيده عمله الصالح بتاتاً، لأن الله يقول في القرآن الكريم يخاطب النبي ﵌ ولكنه يخاطبنا نحن في شخص النبي، فيقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فإذن كيف يمكن إقامة الدولة المسلمة دون العلم بالإسلام؟ ؟ ! !
أولا بالتوحيد، أما إذا دخلنا فيما دون التوحيد، أو في تفاصيل التوحيد، ثم
стр. 433
فيما دونه فهناك العجب العجاب، لأنك تجد هؤلاء الناس الذين يقولون أنتم تشتغلون بالدعوة ولا تشتغلون بإقامة الدولة المسلمة، والذين يشتغلون بالدعوة هم الذين يشتغلون بإقامة الدولة المسلمة لكن لا يلهجون بهذا الكلام ولا يستغلون عواطف الناس وإنما يعملون على السكت والصمت، هؤلاء الذين يريدون أن يقيموا دولة مسلمة، إذا قيل له هل تُحسن أن تصلي كما كان رسول الله يصلى، قد يقول لك في الجواب أن هذه المسائل فرعية، هذه من توافه الأمور، نحن يهمنا الآن إقامة الدولة المسلمة، هل تستطيع أن تحج إلى بيت الله الحرام كما حج الرسول ﵊ وكما أمر في سنته بالحج إلى بيت الله الحرام؟ لا تسمع جواباً ولا تسمع شيئاً سوى أننا نريد إقامة الدولة المسلمة، الدولة المسلمة نسبة إلى الإسلام، ما هوالإسلام يا جماعة؟ فاقد الشيء لا يعطيه، فاقد الشيء لا يعطيه، فإذن قامت نحن دعوتنا على أساسين وعلى ركيزتين لا يمكن للعالم الإسلامي كله أن تقوم قائمته وأن يعود إليه مجده الغابر وعزّه الذي نتفاخر بأنه كان المسلمون وكانوا ... ، ثم ذُلُّوا حتى احتل بعض بلادهم أذل الأمم ألا وهم اليهود، الركيزتان اللتان لابد منها لإقامة الدولة المسلمة هما:
العلم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، والثاني: العمل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥].
اليوم علم ما في! ! وعمل بالإسلام ما في! ! وإذا عملت بالإسلام إما أن يكون عملك لا يوافق الإسلام وإما أن تهمل العمل بالإسلام لأنه الشيء الأساسي هوأن نقيم الدولة المسلمة، نحن نكني عن هاتين الركيزتين بالتصفية والتربية، كثيرا ما نسمع من بعض الناس - مع الأسف الشديد - يقولون عن من ينهجون
стр. 434
منهج السلف الصالح، وقد ينتسبون اسماً إليهم فيقولون عن أنفسهم نحن سلفيون أتباع السلف الصالح، يقولوا ماذا قدّم السلفيون لإقامة الدولة المسلمة، أظن الجواب الآن عرفتموه، لكننا نحن نعكس هذا السؤال ونقول، ماذا قدّم غيرُ السلفيين، ماذا قدّم هؤلاء منذ سنين طويلة، تسأل أحدهم سؤالاً شرعياً متناقلاً متوارثاً عن رسول الله ﵌ ولا مؤاخذة هذا امتحان لكم معشر الحاضريين، «أين الله؟ » فلا تسمع جواباً إلا من كان يعمل لإقامة الدعوة المسلمة على ركيزتين اثنتين، التصفية والتربية، أما الذين يرفعون أصواتهم بإقامة الدولة المسلمة وقد يكون مضى عليهم قريب من قرن من الزمان، ثم ما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً، هل يحسنون الإجابة عن هذا السؤال، «أين الله؟ » الله الذي قال في كتابه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، أين الله؟ ما تسمع منهم جواباً، لا يدرون أين الله كيف هؤلاء يريدون أن يقيموا دولة الله - إذا صحّ التعبير - وهم لا يعلمون الله أين هو، هل هو مثل دودة الحرير في جحرها في شرنقتها، أم هو في هذا الفراغ في هذا الهواء، أم ماذا، لا تسمع منهم جوابا! ! !
ورحم الله أميرا من أمراء دمشق يوم جرى نقاش في حضرته بين عالم سلفي كبير وبين ناس آخرون متأثرون بعلم الكلام حيث كان هؤلاء العلماء المتأثرون بعلم الكلام وإن شئت قلت الاعتزال، قالوا: الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، هؤلاء علماء الشام في زمانه ينطقون بهذا الضلال المبين بين يدي حضرة أمير دمشق يومئذ، وهم يجادلون رجلاً يقول ربي الله، ربي في السماء، أأمنتم من في السماء، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
لما سمعه الأمير، والمفروض في الأمير أن يكون عاديا في علمه بالشرع،
стр. 435
يستعين بالعلماء لكنه عاقل،
فلما سمع علماء الكلام يقولون: الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، ماذا قال الأمير؟ «هؤلاء قوم أضاعوا ربهم»، صدق، هؤلاء قوم أضاعوا ربهم وأنا أعتقد ليس أولئك فقط أضاعوا ربهم، بل جماهير الإسلاميين اليوم أضاعوا ربهم، لماذا؟ لأنهم ما تفقهوا في كتاب الله ولا تفقهوا في حديث رسول الله ﵌، وإنما دراسات مكثفة وخفيفة وقليلة وليست مُدَعَّمة بالأدلة الشرعية، قد يتخرج الواحد منهم من الجامعة وهو لم يفهم بعد ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، لكن يلقي لك محاضرات وخطب طنانة رنانة ويهيج النفوس فتكاد تراها الآن [بدها تهجم] على اليهود، ثمّ كرغوة الصابون! ! ! . لو سألت هذا ومن خطبهم أين الله، ما في جواب! ! ! ! بينما جارية في عهد الرسول ﵇ لأنها تخرجت من مدرسته -بالتعبير العصري الموجود اليوم-، سألها الرسول ﵇ هذا السؤال فأجابت بالجواب الإسلامي الصحيح، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث معاوية ابن الحكم السُلَمِي، معاوية ابن الحكم هو غير معاوية ابن أبي سفيان الأموي الخليفة المعروف الذي كان في دمشق الشام، معاوية ابن الحكم السُلَمِي، يحدثنا هو عن قصته التي وقعت له وهو يصلي خلف نبيه ﵌ يوماً، قال: «صليت وراء النبي ﵌ فعطس رجل بجانبي فقلت له يرحمك الله وهويصلي قال فنظروا إلي هكذا، تسكيتا، فقلت واثكل أمياه، ما لكم تنظرون إلي، - وهويصلي وصلاته مقبولة يا ترى ما تظنوا أنه بطلت صلاته- واثكل أمياه فأخذوا ضربا على أفخاذهم»، يعني أسكت ليس الآن وقت كلام، قال: «فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إلي» تصوروا لو القصة وقعت اليوم، وراء إمام من أئمة المسلمين ما شاء الله اليوم ...
أخطأ وعرف نفسه بأنه أخطأ، وشاف الإمام جاي
стр. 436
لعندو، بدو يضرب أخماس في سداس بدو يضرب وبدو ينهر ويقول له حيوان، لا تفهم جاهل إلخ ... الله أعلم بالذي دار في خيال وفي ذهن معاوية هذا، لكن قال: فلما قضى رسول الله ﵌ الصلاة أقبل إلي، فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي تسبيح وتحميد وتكبير وتلاوة القرآن».
هذا الرجل فوجئ بما لم يكن في حسبانه، عرف من تسكيت الصحابة له أنه ارتكب خطأ ومعنى ذلك أن الرجل كان حديث عهد بالإسلام مش عارف الأحكام بعد المتعلقة بالصلاة، فبعد ما عرف أنه كان مخطئا تصور أنه سيلاقي من الرسول ﵇ صدمة عنيفة جداً، وإذا به لا يرى إلا اللطف وإلا الرأف الذي وُصف به الرسول ﵇: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، الأمر الذي هيّأ له الجو الذي يُفسح المجال ليتعلم وقد عرف أنه جاهل وأنه بحاجة إلى العلم، فقال يا رسول الله إن منا أقواماً يتطيرون، قال: «فلا يصدنّكم»، فلا يصدنّكم -أي التطيّر-، ومعروف التطيّر عندكم هوالتشاؤم ومع الأسف الشديد المسلمون اليوم خاصة عالم النساء، عالم الذي يسمونه اليوم الجنس اللطيف ما في أكثر منهم تشاؤماً، الصابون يوم كذا ما يجوز يدخل إلى الدار، المكنسة وراء الباب ما لازم تشتغل، أشياء لا يمكن إحصاؤها.
مع أن الإسلام قال: «لا طيرة في الإسلام»، وهذا الرجل عاش في الجاهلية ثمّ هداه الله وآمن برسول الله فلما عرف أنه أخطأ في الصلاة، إذن لازم أنا أغتنم فرصة وجودي بين يدي الرسول ﵌ فأسأله، قال: إن منا أقواماً يتطيرون، أنظروا الآن تعليم الرسول، لا يكلف الناس ما لا يطيقون، لم يقل لهم لا تتطيروا، لا، لأنه الطيرة التشاؤم يأتي الإنسان فجأة دون قصد منه، ولكن القصد منه أن
стр. 437
يتجاوب مع الطيَرة أولا يتجاوب، ولا بأس أن نلفت نظركم لماذا سميت الطيرة، كانوا في الجاهلية من خرافاتهم وضيق عقلهم، كما تعرف حتى اليوم الكثير من الأمم المتحضرة -زعمت-، لكنها في الحضيض من سلامة العقل، حتى الأوروبيين والأمريكيين وغيره، لأن هؤلاء بشهادة القرآن -لا تغفلوا عن القرآن- لا عقول لهم، أنتم بتظنوا أنهم عقلاء، ويجب أن نفرق هم أذكياء وليسوا عقلاء، هم أذكياء لذلك صعدوا إلى السماء إلى القمر إلى إلى النجوم هذه الأخرى- والحبل جرّار كما يقال-، هؤلاء أذكياء ولكنهم ليسوا عقلاء: ﴿وَقَالُوا لَوكُنَّا نَسْمَعُ أَونَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، الشاهد: العرب في الجاهلية كانوا يتطيرون، كان أحدهم إذا عزم على السفر وشدّ الرحل وخرج من داره فهو ينظر أول طير يراه، والطير لابد حينما يرى الإنسان يطير ويهرب منه، فإن طار يمينا ما شاء الله هذه سفرة ميمونة، وإن طار -الطير الحيوان الصغير- يساراً هذه سفرة مشؤومة ورجع إلى بيته وبَطَّل عن سفره، هذا من هنا جاءت كلمة الطيَرة، وقالوا الرسول ﵇: «لا طيرة في الإسلام».
أنا أُمَثِّل أحيانا رجل مسلم هيّأ حاله للسفر وفتح الباب وجد اثنين يتخاصموا واحد قال لثاني: «إن شاء الله ربنا الله لا يوفقك»، هذا الذي خرج للسفر بدُّوا يطاير، يتشاءم، لا امضي قدماً ولا تبالي، هذا معنى قول الرسول: «لا يصدنّكم»، لا تتطير أي لا تتجاوب مع الطيرة، قال يا رسول الله إنا منا أقواما يخطون، أي يضربون بالرمل، فقال ﵇: «قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطُه خطَّه فذاك»، أي الضرب بالرمل كان وسيلة ومعجزة لنبي في ذلك الزمان، الزمان الأول، فمن وافق خطه منكم خط ذلك النبي فذاك المصيب، وهذا كما يُسَمِّيه العلماء تعليق بالمحال، أي هذا غير ممكن.
стр. 438
الشاهد الآن يأتي، قال يا رسول الله، عندي جارية ترعى غنماً لي في أُحد، فسطا الذئب يوماً على غنمي وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكّة وعلي عتق رقبة، كأنه يقول أنا معترف بأني أخطأت مع هذه الجارية الراعية لغنمي، فماذا يجب علي أن أعمل، الرجل ممكن [ ... ]، فضلا عن إيش؟ الجارية المرأة، وعلي عتق رقبة، فهل يجزيني أن أعتقها؟ قال: «هاتها»، لما جاءت قال ﵊ لها: «أين الله؟ »، قالت: في السماء، قال لها: «من أنا؟ » قالت: أنت رسول الله، قال: «اعتقها فإنها مؤمنة».
الآن نسأل الآن هؤلاء المتحمسين فراغاً لإقامة الدولة المسلمة هل أتقنتم عقيدة الجارية راعية الغنم؟ لا، إنهم ينكرون هذه العقيدة وإنهم يقولون بقول علماء الكلام والمعتزلة: الله لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، فهؤلاء قوم أضاعوا ربهم، كيف يا إخواننا، يا إخواننا مسلمين يجمعنا دين الإسلام ولكن يُفَرِّقنا عدم انشغالنا بفهم ديننا على منهج سلفنا، الذي تركهم الرسول ﵊ على البيضاء نقيّة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، البحث في هذا طويل الذيل جدا جدا لأني سأقول: بيننا وبين نبينا أربعة عشرة قرنا، ترى هل بقي الإسلام الذي فارقه الرسول ﵇ على الكمال والتمام غضاً طرياً صافياً؟ هل بقي كما تركه الرسول ﵇ حتى اليوم، أم دخل فيه ما لم يكن فيه؟ دخل فيه أولاً من الأحاديث التي يتبرّأ منها نبينا صلوات الله وسلامه عليه براءة الذئب من دم ابن يعقوب، هل بقيت العقيدة الإسلامية الصافية الموافقة للفطرة كما كانت في عهده ﵇ وعهد سلفنا الصالح، أم تفرق المسلمون كما قال ﵊: «تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»،
стр. 439
قالوا من هي يا رسول الله؟ أجاب بجوابين اثنين أحدهما يفسّر الآخر، الجواب الأول وهوالأشهر قال: «هي الجماعة»، الجواب الآخر قال: «هي ما أنا عليه وأصحابي».
فنحن نسأل الإخوان الحريصين -أينما كانوا من الإسلام- على إقامة الدولة المسلمة، هل أنتم تعرفون ما كان عليه الرسول ﵇ في زمانه من العقيدة والعبادة والسلوك؟ لا، هم لا يتفرغون لهذا ولوتفرغوا ما استطاعوا إليه سبيلا لأنهم ما درسوا الإسلام من منبعيه الصافيين، فهم يكتفون كدين العجائز، العجوز ماذا تفعل؟ تسأل الشيخ، وخذه واجبها، وكذلك هم يسألون المشايخ الذين ورثوا العلم وراثة، أما ما هو العلم، ما هو العلم؟ هذا من الخلاف الذي يمكن أن يقع في تعليم العلم، كثير من الناس يقولون: العلم هو ما جاء مثلا فيما يتعلق بالعقيدة هو ما جاء مثلا في الجوهرة، هذا مذهب الأشاعرة، وما يتعلق بالعقيدة على المذهب الماتريدية فهي ما جاء مثلا في مد الأماني ونحو ذلك من الكتب، ما يتعلق بالأحكام الشريعة ما جاء في المذاهب الأربعة: المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، ما يتعلق بالأخلاق والسلوك ما جاء في كتاب إحياء علوم الدين. أمّا ما قاله ابن قيِّم الجوزية بحق:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرا من التعطيل والتشبيه
هذا هو العلم، اليوم إذا ما جَرَّبتم جَرِّبوا، وما أخالكم إلا وقد جرّبتم، سلوا من شئتم: ما حكم الله في كذا؟ يقولوا لك في المسألة قولان، قال فلان كذا وقال فلان كذا، وهذه الدراسة الجامعية اليوم التي يسمونها بدراسة المقارنة، يخرج
стр. 440
الطالب من الجامعة لا يعرف الصواب من الخطأ ولا يعرف الحق من الباطل، وهذا على مذهب ذلك المفتي الذي قيض له أن يسافر سفرة، فيخلوا مكانه، فأناب عنه أباه، وأبوه لا يعرف شيئاً من العلم ويعترف هو بذلك، قال له يا أبي: كيف آخذ مكانك وأنا لا أعرف، قال أنا أعطيك قاعدة تعطيها بترتاح فيها، قال ما هي؟ قال: كلما جاءك سائل وسألك، قل له في المسألة قولان، مثلا جاءك رجل وقال لك: يا سيدي الشيخ أنا غضبت وطلقت زوجتي، وقلت أنت طالقة بالثلاثة، طلقت زوجتي حتى أفارقها وما أقاربها؟ يجيب: في المسألة قولان، منهم من يقول طلقت ومنهم من يقول ما طلقت، وهكذا. حرام يا سيدي أنا عملت كذا وإلا حلال؟ في المسألة قولان، منهم من يقول حلال ومنهم من يقول حرام. فارتاح الأب على نصيحة الابن وانطلق، وجلس الشيخ وكالعادة في بعض الناس الذين يريدون أن يتفقهوا المساكين، ولكن لا يعرفون ما هوالفقه، بدهم يحضروا مجلس الإفتاء بدأت الأسئلة تطرح على والد المفتي وبدأ هويطبق إيش: في المسألة قولان، أحد الأذكياء، أحدهم تنبه أن الشيخ ما يجاوب إلا على وتيرة واحدة، في المسألة قولان، حرام حلال، يجوز ما يجوز، فرض سنة مستحب، في المسألة قولان، واحد ذكي: يقول له إسأل الشيخ: أفي الله شكٌ؟ ، يا سيدي الشيخ أفي الله شكٌ؟ قال: في المسألة قولان.
الآن مع الأسف الشديد نسمع هذه الفتاوى على هذا النمط، يقوم المحاضر يلقي محاضرة، ومحاضرة لا علمية ما في إلا وعظ ونصيحة وتذكير إلخ ... هذا شيء طيب لا شك، لكن الناس بحاجة إلى العلم، إلى الفقه الذي قال عنه الرسول ﵇، من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين، ما تسمع إلا المذهب الحنفي يقول هكذا، والمذهب الشافعي يقول هكذا، مساكين، الجماعة الحاضرين، ولا تؤاخذوني ولكل قاعدة استثناء الجماعة الحاضرين [ ... ]
стр. 441
مخبلين، ما في واحد يقول يا سيدي الشيخ ضعنا بين هذا المذهب وهذا المذهب، ما هوالصواب؟ ربنا يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، نبينا يقول: «إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد»، إذن العلم صواب وخطأ، فما هوالصواب فيما تقول؟ فاقد الشيء لا يعطيه، ما يقدر أنه يعطي جواب، لماذا؟ لأنه هوفي الأمس كان طالب في الجامعة، بعد يوم يومين ثلاثة شهر شهرين أخذ الشهادة وصار دكتور، فالذي كسبه هوالذي بدويقدمه، ما اكتسب علماً، اكتسب قيل وقال، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﵌ نهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، ومنع وهات ووأد البنات.
إذن يا إخواننا نحن نريد الآن أن نحيي المجتمع الإسلامي قبل أن نقيم دولة إسلامية وهذه نقطة يغفل عنها أكثر الدعاة الإسلاميين، الدولة المسلمة لا يمكن إقامتها في مجتمع كافر أوشبه كافر أومجتمع فاسق، وإنما الدولة المسلمة تقام على أرض مسلمة، هذه الأرض المسلمة لا يمكن أن تحقق إلا عبر الركيزتين السابقتين: تصفية وتربية، التصفية: قلنا أن الإسلام اليوم غير ذلك الإسلام وذكرنا لكم الحديث: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين طائفة كلها في النار إلا واحدة»، نحن نتحدى أي طائفة، أي جماعة أي شخص يريد أن يقيم الدولة المسلمة على غير هذا المنهج، أن نسأله سؤالاً واحد ويجيب عنه: هل عرفت ما كان عليه الرسول ﵇ وأصحابه؟ لا لا يمكنه أن يعرف لأنه ما قضى هو حياته في معرفة السنّة ولو فعل ما استطاع، لماذا؟ لأن الشخص الواحد ما يستطيع، يجب أن يتوارث العلماء هذا العلم خلف عن سلف، والعلم بالسنّة على وجهها انقطع منذ قرون مع الأسف الشديد، ولذلك فيجب أن يكون هناك علماء يستطيعون أن يجيبوا عن كل مسألة تخطر في بال إنسان أوتعرض لأي
стр. 442
إنسان، أن يقول الجواب هكذا، قال ﵇ كذا، كان الصحابة على كذا.
هكذا يمكن تحقيق المجتمع الإسلامي، وبالتالي، وهذا هوالجواب، فقرة جاءت هنا لا أذكرها لعلك تُذَكِّرني بها، هوجواب أننا نقيم الدولة أوتوماتيكياً، بإيجاد المجتمع الإسلامي ستوجد الدولة المسلمة، أما دولة مسلمة تُفرض بانقلاب عسكري، أوبانقلاب -كما يزعمون اليوم- أبيض لا تسيل فيه الدماء لكن الأرض لا تزال هي هي، لم يُهيَّأ المجتمع هذا لتقبُّل الأحكام الشرعية، ستكون النتيجة غيّرنا بس الواجهة، غيرنا الرجالات الذين نقول اليوم أنهم يحكمون اليوم بغير ما أنزل الله وسينوب منابهم رجال كانوا يقولون نريد إقامة الدولة المسلمة وقد يصلون إلى الحكم ولكن لا يستطيعون أن يقيموا دولة مسلمة، لماذا؟ فاقد الشيء لا يعطيه، أنا عندي تجربة الآن جديدة في الجزائر فيه نهضة إسلامية حارة جدا، عواطف جامحة، يقولون: أحدهم حوله خمسة ملايين مسلم يريدون أن يقيموا الدولة الإسلامية، في جلسة متواضعة عدداً أقل من هذه الجلسة المباركة سألتهم: الشعب الجزائري ما أدري عشرين ثلاثين مليون كلو، لكن المصطفين الأخيار منهم الذين تكتلوا حول شعب مسلم طيب يريد أن يقيم دولة مسلمة من هذه العشرين أوثلاثين مليون، خمسة ملايين! ! قلت لهم هذه الخمس ملايين إذا مرضوا مرضاً مادياً كم طبيب يا ترى تقدرون هم بحاجة إليهم؟ يكفي خمسة؟ عشرة؟ مئة؟ وإلا تحتاجون إلى ألوف مؤلفة؟ قالوا وهوكذلك نحتاج إلى ألوف مؤلفة من أطباء الذين يعالجون الأمراض المادية، قلت لهم: هؤلاء الخمس ملايين، كم عالم عندكم؟ ما في جواب، وهذا الذي نعرفه، إذن من الذي يقيم الدولة المسلمة؟ ! من الذي يضع الدستور؟ ! من الذي يفسر الدستور بالقوانين؟ ! العلماء أم الجهلاء؟
стр. 443
لذلك أعود وأقول، والبحث طويل الذيل كما قلت سلفا:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
لا يمكن إقامة الدولة المسلمة إلا في مجتمع إسلامي، ولا يمكن إقامة المجتمع الإسلامي إلا على العلم الصحيح، والتربية القائمة على هذا العلم الصحيح.
السائل: ذكرتم الذين أضاعوا ربهم، وذكرت أنهم الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة، لكن هناك أناس في اعتقاد كثير من العوام لم يضيعوا ربهم، وهم الصوفية الذين يقولون عن ربهم أنه في كل مكان، آه صح.
الشيخ: ما صح.
السائل: ويستدلون بالآية ﴿وَهُوالَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، والله في السماوات والأرض
الشيخ: يعني لذلك هم يذكرون الله بقولهم: (هوهو)، (لاهولاهو)! ! ! هذا كمان مثال ثاني، شوموقف الجماعات التي تريد إقامة الدولة المسلمة من هؤلاء الناس؟
السائل: (يا موجود في كل الوجود)، إذا خرج من بيته يقول: (يا موجود في كل الوجود)، سمعتها في دمشق كثيرة.
الشيخ: يا سيدي هون، [يقولون] الله موجود في كل مكان، الله موجود في كل وجود.
لذلك هؤلاء مسلمون، نحن الآن يا جماعة أمرنا مشكل عجيب جداً، نريد مثلا أن نجاهد الكفار هل نحن على قلب واحد؟ هل نستطيع أن نجاهد الكفار؟
стр. 444
نحن الآن مختلفون بيننا ولا نستطيع أن نقاتل الكفار ما دمنا نحن مختلفين، إذن قبل كل شيء أبسط الأمور التي يشترك في معرفتها العالم والجاهل أنه لازم نتفق حتى نكون قوة ويداً واحدة ضد العدو، هذا يحتاج إلى اتفاقنا، ودائماً نعمل حركات وثورات إلخ .. ، ثم لا شيء وراء ذلك، فلماذا لا نستفيق، والمثل العربي يقول: «أنا تائق، وأنت مائق، فكيف نتفق! ! »، كل واحد منا ماشي في طريق، لكن الله يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، نحن الآن قد تتبعنا السبل ولذلك تفرقنا، فقبل التفكير في إقامة الدولة المسلمة، الله يرحم ذاك الداعية، ما أذكر إن كان حسن البنا ولا الهضيبي، قال كلمة لوأن أتباعه اليوم الذين ينتمون إليه ساروا عليها، لاستطاعوا أن يقيموا مجتمعا إسلامياً ولوصغيرا، ماذا قال؟ : «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تُقام لكم في أرضكم»، أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم، لا نحن بدنا نقيم دولة الإسلام في الأرض قبل ما نقيمها في القلب، هذا لن يكون أبداً.
الآن هؤلاء الصوفية بيصلوا ويصوموا، ويمكن أنهم يصلوا بالليل ونحن نائمين، لكن إيش فائدة هذا الصيام وهذا القيام، وهم جحدوا ربهم، وقال قائلهم كما تعلم: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، وما الله إلا راهب في كنيسة
هدول إخواننا! ! إخواننا هادول، لكن إيش لون يا جماعة إخواننا وهم كفروا بربنا! ! ! وجعلوا الكلب والخنزير إلهنا! ! ! هؤلاء ليسوا إخواننا، هل يستطيع هؤلاء الذين يريدون أن يقيموا دولة الإسلام أن يستغنوا عن هؤلاء ويتركوهم هكذا هملا، أم واجبهم أن يرشدوهم، واجبهم أن يرشدوهم، لأنه قد يكون منهم أبوهم، منهم أخوهم، منهم أمهم، خالتهم عمتهم إلخ ... ما هم خارجين عنا،
стр. 445
لكن بس بدنا نقيم الدولة المسلمة وكيف .. ؟ هذه نقطة لا تبحثها، بس بدنا نقيم الدولة المسلمة، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(الهدى والنور ٤٨٩/ ٣٩: ٠٠: ٠٠)
стр. 446
التربية .. تربية الأولاد
مداخلة: يا شيخنا بالنسبة لمظهر الطفل المسلم الآن أنت قلت مرة: أن الطفل يترك على سجيته لسن السابعة، فبدنا معنا هذه السجية الإسلامية وبدنا متى يؤمر باتخاذ المظهر المسلم وخاصة البنت أكثر من الولد.
الشيخ: أنا أقول جواباً عن هذا السؤال: الحد هو قوله ﵇: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع».
هذا الحديث هو المنطلق الذي ينبغي لولي الولد سواءً كان ذكراً أوأنثى أن ينطلق منه في سعيه، في تربيته لأولاده على الأحكام الشرعية حينما يبلغون سن السابعة.
فأنا أرى بناءً على هذا الحديث أن الأولاد الصغار إلى ما قبل السابعة لا يُؤْمَرون بشيء إطلاقاً، ولا يُحَضْون على شيء، يتركون كما قلت على سجيتهم وعلى طبيعتهم، فإذا ما دخلوا في السن السابعة فهنا وجب على ولي الأمر أن يعاملهم في توجيهه إياهم كما لو بلغوا سن التكليف، لكن ذلك لا يجب عليهم هم في أنفسهم، لقوله ﵇: «رفع القلم» والرواية الصحيحة: «وضع القلم عن ثلاث - وذكر منهم ﵇ وعن الصبي حتى يبلغ أويحتلم».
فإذاً: هنا قضيتان اثنتان: إحداهما تتعلق بالولي وهو واجب، والأخرى تتعلق
стр. 447
بالولد وهو فيما يتعلق به غير واجب، ولكن الواجب يتعلق بالولد، الوالد أو الوالدة، وحينما نسمع ﵌ يقول: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع».
ينبغي أن نتوسع قليلاً في فهم هذا الأمر، وفي تفصيله وتطبيقه، فإن الحديث لا يعني: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، مثلاً: نرى كثيراً من الآباء والأمهات يتساهلون في إلباس الأطفال الصغار حتى الذين جاوزوا سن السابعة، يلبسونهم التبان أي: أي الشورت، أي السروال الذي ليس له أكمام، ويكشف عن الفخذين، فهذا الولد الذي ألبس هذا اللباس وبلغ سن السابعة، وأراد ولي أمره أن يأمره بالصلاة تطبيقاً للأمر النبوي، فهذا لا يعني أنه يصلي بهذا التبان أي: وعورته مكشوفة بل هذا يتطلب أن يلبسه لباساً ساتراً لعورته ولوأنه ليس له عورة بالنسبة لسنه هو؛ لأنه ليس مكلفاً شرعاً، لكن المكلف هوولي أمره، ولذلك فإذا أراد أن يأمر ولده بالصلاة فلا يأمره أن يصلي وهوكاشف عن فخذه عورة، فبالأولى إذا كانت الفتاة في السابعة أتصلي ليس مكشوفة الساقين فقط، بل ومكشوفة الفخذين بحجة: أن هذه ما جرى عليها قلم التكليف، نقول: نعم ما جرى عليها قلم التكليف معناه: أنها ليست آثمة كما أنه الغلام ليس آثماً، ولكن الوالد آثم حينما يلبس ولده الذكر فضلاً عن الأنثى هذا اللباس ألا إسلامي؛ لأن الولد دخل في السن السابعة حينما يؤمر الوالد بتربيته على الأوامر الإسلامية.
كذلك معنى: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع أي: مش يؤمروا يصلي كما هوثيابه نجسه بدنه نجس بدون طهارة، بدون وضوء لا، ليس هذا، من أين نأخذ هذه التفاصيل ولا حاجة بي أن أتوسع أكثر من هذه الأمثلة، ستر العورة طهارة البدن، طهارة المكان، ليس معنى أمر ﵌ لولي الأمر أن يأمر ولده بالصلاة أي: يصلي هذا الولد كما يشاء هو، وهولا يدري بعد ما هي الصلاة، لكن الولي
стр. 448
والوالد هوالذي يدري، فإذا قال: «مروا أولادكم بالصلاة» فيجب أن نستحضر أي: بشروطها وأركانها، وإلا فلا تكن صلاة إلا مع هذه الشروط والأركان.
وعلى ذلك فيجب أن نربي صغارنا حينما يدخلون السن السابعة على الأمور الواجبة فيما لوبلغ سن التكليف، ولاشك أن هذا الأمر النبوي الكريم في غاية الحكمة؛ لأن الولد حينما يكون في هذا السن هوقابل للتوجيه وللتعليم على خلاف ما ابتلي به كثير من الآباء والأمهات بأولادهم خاصة منهم البنات حينما تبلغ سن الزواج فتكون المرأة أوالبنت نشأت يعني حرة تلبس ما تشاء تخرج متى تشاء إلى آخره، فإذا ما توجهت أنظار الذئاب إليها تحركت الغيرة في صدر أبيها وبدأ يضغط عليها، هنا يقال في الصيف: ضيعت اللبن، هلا كان هذا قبل هذا، هلا كانت هذه الغيرة مقيدة بالأوامر الشرعية، فلوهوربى هذا الولد، أوتلك البنت على هذه الآداب الإسلامية، لبلغت سن التكليف وهي محجبة الحجاب الشرعي، ولا تتوجه إليها عيون الذئاب المفترسة.
فهذا من حكمة أمر ﵌ الوالدين بأمر الأطفال بالصلاة وهم أبناء سبع.
ثم إذا بلغوا سن العاشرة، ولم يؤثر فيهم التوجيه بالكلام، فلابد هناك من استئناف تربية أقسى من السابقة، ألا وهو: الضرب طبعاً الضرب غير المبرح.
وأنا أعتقد أنه شبه مستحيل أقول: شبه مستحيل؛ لأنه قد يكون إنسان يعني شقي فلا يفيد فيه لا الأمر ولا الضرب، لكن هذه قاعدة شاذة جداً كشذوذ قوله ﵇ بالنسبة لواقع الحياة، أرجوأن تنتبهوا لقولي، بالنسبة لواقع الحياة شذوذ قول ﵌ الآتي بالنسبة لواقع الحياة حيث قال: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» ثم ذكر العكس: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما
стр. 449
يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
أقول: هذا الخبر من الرسول ﵇ عن واقع بعض الناس هذا شاذ؛ لأنه غير الشاذ أي: الأمر الطبيعي هوما ذكره ربنا في القرآن الكريم: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
هذا هوالنظام، لكن لكل نظام شواذ لابد، ولذلك أنا أعتقد أن القاعدة: أن كل أب ربى أولاده ذكوراً أوإناثاً على هذا النظام النبوي: «مروا أولادكم ... » إلى آخره.
هذا حينما يبلغون سن التكليف فسوف تقر عينه، وسيرى أثر تربيته في أولاده أحسن الأثر إن شاء الله .
ثم لا ينبغي أن تقف نظرتنا إلى أن النبي ﵌ أمر في هذا الحديث بأمر الأولاد في الصلاة، فما ذكر غيرها.
فينبغي أن نلاحظ أن أمره بالصلاة ليس على سبيل التحديد، وإنما هوعلى سبيل التمثيل أي: مثال، وإلا فهناك مثلاً صيام فهل يؤمر الصبي بالصيام؟ نعم. لأنه لا فرق من حيث أن الصيام كالصلاة، وركن من أركان الإسلام يجب على البالغين أن يقوموا بذلك، فيجب على الآباء والأمهات أن يأمروا الأبناء أيضاً بالصيام كما يأمرونهم بالصلاة.
ولذلك نجد في سيرة السلف الصالح وفي عهد النبي ﵌ بالذات: أنهم كانوا يصومون صغارهم صيام يوم عاشوراً، وكان من حرصهم على تأديبهم على هذا الصيام؛ لأنه كان مفروضاً قبل شرعية شهر رمضان، من حرصهم على استمرار الأولاد على الصيام؛ لأن الصيام بلا شك يتطلب جهاداً من الولد أكثر من أن
стр. 450
يصلي في ظرف خمس دقائق عشر دقائق عشرين دقيقة بينما يصبر عشر ساعات عشرين ساعة اثنا عشر ساعة أو أكثر عن الطعام والشراب، ولذلك قال: فكنا نصنع لهم اللعب من العهن، نلهيهم بذلك عن الطعام والشراب.
فإذاً: نستطيع أن نأخذ من هذا الحديث: أن الأبوين عليهما أن يربوا الأولاد الصغار على الواجبات الإسلامية كلها، لكن ذلك يتطلب ولا شك شيئاً من الحكمة والسياسة، بحيث أننا إذا وجدنا الطفل الذي لم يبلغ السن العاشرة لا يتجاوب مع الأمر، فما نزداد عليه بشيء سوى الأمر، كذلك إذا بلغ السن العاشرة، فنضربه كما قال ﵇، ولكن ينبغي أن يكون الضرب ضرب تربية، وليس ضرب تبشيش خلق كما يفعله بعض الآباء والأمهات.
وعلى ذلك نقول أخيراً: إذا قام الوالدان بتربية الأولاد على هذا النهج ثم بلغ الولد، سن التكليف رفع الضرب عنه، وصار سيد نفسه، رفع الضرب عنه بأنه صار سيد نفسه، ولكن لا يعني هذا رفع أمره بالمعروف والنهي عن المنكر لا، أقول: إذا كان الوالدان قد قاما بواجب تنفيذ هذا الأمر النبوي في الحديث، وبلغ الولد سن التكليف ارتفع الضرب عنه؛ لأنه صار سيد نفسه، ولكن لا يرتفع الأمر والمتابعة بالنصيحة والتذكير كأي إنسان آخر مسلم له حق الأمر بالنصيحة والتذكير.
هذا إذا قام بتنفيذ الأمر النبوي المذكور في الحديث الثاني، فإذا لم يقم بذلك فمن باب أولى ألا يستعمل الضرب معه بعد أن صار أمير نفسه.
أما الأمر بالضرب فهوإذا بلغ سن العاشرة، كما جاء ذكره مراراً في الحديث.
مداخلة: وهناك مسائل أخرى بالنسبة لضرب الولد في، أوبأشياء لهذا القبيل؟
الشيخ: أنا لا أرى هذه الوسيلة التي درجت في العصر الحاضر وبخاصة في
стр. 451
بعض.
مداخلة: أكثر ...
الشيخ: في بعض المدارس الذي يسموها تحفيظ قرآن، وفي بعض الجمعيات والمراكز الإسلامية حيث يقدمون مكافآت مادية للمجتهد وللذي يحفظ القرآن ونحوذلك.
أنا لا أرى هذا الأسلوب ينفع، بل يضر.
مداخلة: أنا أسأل العكس.
الشيخ: أيوه أنا أقول: نعم لأن كل هذا وهذا يعود إلى المادة، يعود إلى المادة، نشجع المستقيم بالمال، ونمنع المال عن غير مستقيم، هذه ليست تربية إسلامية؛ لأنها تطبع الولد على حب المال.
مداخلة: في أن قد توسعت في الموضوع، يعني الآن مثلاً الولد يمكن أن يقارف استماع الموسيقى حرمانه مثلاً من المال حرمانه من المال حتى لا يكون بين يديه وسيلة هي شرعاً غير مقبولة مثلاً، يعني هذه واحدة أيضاً.
الشيخ: نعم.
مداخلة: إذا كان اشتراك في ماله حرمانه بالكلية فالوسيلة ليست لقصد الغرض المادي، ولكن إيقاف المادة لمنع هذا السبب.
الشيخ: إيقاف المادة لمنع هذا جائز، لكن أنا أعني ما هو جاري اليوم بأنهم يحرمون الذي لا يطيع، يحرمونه من الخرجية، لا لأنه هو يضع الخرجية في شيء مُحَرَّم.
مداخلة: لا، لا.
стр. 452
الشيخ: أما الذي أنت تسأل عنه فهومن باب سد الذريعة، فهذا أمر واجب.
مداخلة: طيب، سؤالي أنه: الضرب وقف لكن هناك وسائل أخرى يعني ممكن وممكنة جداً.
الشيخ: نعم بس كل وسيلة يجب أن تدرس، هذا النوع لا مانع منه ما دام أنه تمنع المادة عنه؛ لكي لا يشتري ما يعصي الله به، هذا ماشي.
لا إله إلا الله.
مداخلة: بالنسبة للضرب الذي فهمت بأنه بعد البلوغ لا يضرب، وإذا كان لا يضرب للصلاة فلا يضرب لأي شيء آخر، فهذا يمكن جوابه بنعم وينتفي؟
الشيخ: كيف نعم ينتهي؟
مداخلة: يعني أنه لا يضرب لأي سبب.
الشيخ: طبعاً.
مداخلة: على موضوع الثواب والعقاب فهمنا من كلامك بأنه لا تشجع الثوابات والعقابات المادية بالشكل المطلق ...
الشيخ: لكن كلام أبو يحيى لم يكن بالمعاقبة، ولذلك نحن فرقنا بين ما نحن قصدنا وبين ما هو رمى إليه، فهو لم يكن سؤاله عن المعاقبة بمنع المال وإنما منع المال لكي لا يستغله في شراء ما لا ينبغي.
مداخلة: هذا يتوضح بعد ذلك، لكن أصل الكلام وجوابك على ذلك كان أن لا يعاقب بمعنى أنه لا يثاب بالمال، ولكن هناك وسائل أخرى غير المال وإن كانت تهدى بالمال، لا أظن أنك تقول باستعمالها مثل شراء الأشياء، شراء
стр. 453
الكتب، شراء كذا .. لتشجيع الطفل أو الصغير على أن يتقدم ويتحسن.
الشيخ: بعكس تلك، تلك لا يعطى المال لأنه منعاً له بالاستعانة بالمعصية، هنا يعطى ليس فيه إعطاء مال، بل شراء أشياء ينتفع بها، بل لوأعطي له مالاً ليشتريها فهذا من باب التعاون على البر والتقوى.
مداخلة: يشجعه على أن يتقدم ويتحسن.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور /٦٢٥/ ٠٤: ٣٩: ٠٠)
(الهدى والنور /٦٢٦/ ٣٩: ٠١: ٠٠)
стр. 454
المسجد ودوره في التربية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وبعد:
فأول ما يبدو لي أن أهنئ جوار هذا المسجد المبارك إن شاء الله والذي نرجوأن يكون قد أُسِّس على تقوى من الله، ولا يكون المسجد قد أسس على
стр. 455
تقوى من الله ﵎ إلا إذا كان على سنة رسول الله ﵌؛ ذلك أن من سنة النبي ﵌ أنه أول ما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة كان أول ما بدأ به هوأن بنى مسجده ﵊؛ ذلك لأن المساجد هي مأوى ومجتمع المسلمين، بل هي مدرستهم التي يتلقون فيها الدروس التي تعلمهم شريعة الله وسنة رسول الله ﵌، ولذلك كثرت الأحاديث التي تحض المسلمين على بناء المساجد وبخاصة في الأرض أوفي المحلة التي لا مسجد فيها، من ذلك أن النبي ﵌ قال: «ما من ثلاثة في بدولا يؤذن فيهم ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان»، «إلا استحوذ عليهم الشيطان» ... أي: أحاط بهم: «فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية»، ولذلك كان من الواجب على كل مسلم مكلف أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس في المسجد وليس أن يصلي في داره أوفي دكانه أوفي معمله، بل عليه أن يدع كل شيء يشغله عن الاستجابة لداعي الله ألا وهو المؤذن حينما يقول: حي على الصلاة ..
حي على الفلاح، فحينما يسمع المسلم هذا الأمر المنظم من رسول الله ﵌ في كل يوم خمس مرات؛ ذلك لكيلا يكون لأي مسلم عذر في التخلف عن صلاة الجماعة، فقد قال ﵊: «من سمع النداء ولم يجب ولا عذر له فلا صلاة له»، هذا حديث يحض المسلمين على أن يجيب نادي الله حينما يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، فإذا لم يفعل ولم يكن له عذر شرعي فصلاته تدور بين ألا ترفع مطلقاً أي: ألا تكون مقبولة وبين أن تكون مقبولة في أدنى درجات الثواب والأجر، ولذلك أكد النبي ﵌ المعنى المتضمن في هذا الحديث الآمر كل من يسمع النداء أن يجيب بمثل قوله ﵊: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم آمر رجلاً فيحطب حطباً، ثم أخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم، والذي
стр. 456
نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها»، في هذا الحديث وعيد شديد جداً لمن يتخلف عن الصلاة في مسجد المسلمين دون عذر شرعي أنه يستحق أن يحرق بالنار في الدنيا قبل الآخرة؛ ذلك لأن النبي ﵌ قد قال كما سمعتم: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس» أي: نيابة عنه: ثم هويفعل ما يأتي، قال: «ثم أخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم»، أخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة أي: أباغتهم وأفاجئهم؛ لأن المفروض في هؤلاء المتخلفين أن يجيبوا نداء الله كما قلنا، والمفروض أنهم يعلمون أن الرسول ﵌ يصلي في المسجد إماماً كما هي عادته، ولكنه هم ﵊ أن يوكل رجلاً أن يصلي نيابة عنه ليباغت المتخلفين عن الصلاة في المسجد فيحرق عليهم بيوتهم.
ثم قال ﵊ مبيناً البلاء الذي يصيب الكثير من الناس وبخاصة في هذا آخر الزمان كزماننا هذا، أنهم يتخلفون عن الجماعة لأمر دنيوي مهما كان حقيراً، فقال ﵊: «والذي نفس محمد بيده لويعلم أنه يجد في المسجد مرماتين حسنتين»، يعني: عظمتين من أسفل قدم الشاة أو المعزاية ترمى عادة في الأرض لا قيمة لها، لو يعلم أنه يجد في المسجد فائدة دنيوية كهاتين المرماتين لشهدها أي صلاة العشاء، إلى هنا ينتهي هذا الحديث وهو من أصح الأحاديث حيث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما، وهنا سؤال قد يرد في خاطر بعض الناس عادة ألا وهو: لماذا هم ﵊ بحرق المتخلفين عن صلاة الجماعة ولم يفعل؟ قال: «لقد هممت»، لكنه ما فعل، ولذلك هذا الحديث يذكرنا بآية في القرآن الكريم قد يسيء فهمها بعض التالين والقارئين للقرآن الكريم حينما يمرون بقوله ﵎ في سورة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، فالهم لا
стр. 457
يعني الفعل، وإنما هو من مقدمات الفعل، فالعلماء يقسمون ما يخطر في بال المسلم، ثم ما ينتج من وراء ذلك من العمل إلى أقسام:
القسم الأول: الخاطرة، خاطرة تخطر في بال إنسان سواء كان خيراً أو كان شراً، فإذا قويت هذه الخاطرة وأخذت مكانها من بال الإنسان صار هماً، فإذا قويت وازدادت قوة هذه الخاطرة ووصلت إلى مرتبة الهم يلي ذلك العزم، وليس بعد العزم إلا الفعل، ولذلك قال تعالى في مسألة الطلاق: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، الشاهد أن العزم هو قبل الفعل ليس بعده إلا الفعل، فلما هم النبي ﵌ على التحريق فهو لم يعزم لماذا؟ فضلاً عن أنه لم ينفذ، الجواب: أن في البيوت كما تعلمون من لا تجب عليه صلاة الجماعة أول ذلك النساء، ثم الصبيان الذين لم يدخلوا في مرتبة التكليف، ... (انقطاع في التسجيل هنا) ... يكون أيضاً في البيوت ناس مكلفين ولكنهم من المعذورين، ولذلك فكان من حكمة الرسول ﵇ أن أوعد ولم ينفذ، فقد جمع بين تحقيق المصلحة والحض على حضور الجماعة، ودفع المفسدة، وهو عدم تحريق البيوت بمن فيها؛ لأنه لو فعل ذلك لأصاب الحريق من لا يستحق الحرق.
إذاً: في هذا الحديث وعيد شديد لأولئك الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة دون عذر شرعي، وليس هناك من الأعذار ما يمكن أن يذكر بهذه المناسبة إلا أن يكون الرجل مريضاً، إلا أن يكون نائماً وأن يكون نومه أيضاً مشروعاً وهذا له بحث طويل ولا أريد الآن الخوض فيه خشية أن نخرج عما نحن في صدده.
فالشاهد: أن الله قد امتن على آل هذه المحلة بهذا المسجد وهوأقول .. وهوأقرب ما يكون إلى السنة، ولا أقول آسفاً لا أقول إنه على السنة،
стр. 458
فإني أرى فيه بعض أشياء التي ما كانت تنبغي، ولكني أقول كلمة حق إنه أقرب ما يكون إلى السنة بالنسبة للمساجد الأخرى التي تبنى في هذا الزمان وتنفق في سبيل تشييدها وزخرفتها الأموال الطائلة في زعم أنهم يعظمون شعائر الله والأمر ليس كذلك؛ لأن تعظيم شعائر الله ليس ببنيان المساجد مشيدة مزخرفة زخارف تلهي المصلين عن الإقبال في صلاتهم على رب العالمين.
لقد جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: «لما رجعت أم سلمة وأم حبيبة من الحبشة ذكرتا لرسول الله ﵌ كنيسة رأتاها في الحبشة وذكرتا من حسن وتصاوير فيها، فقال ﵊: أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عليه مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله ﵎» أولئك أي: النصارى، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وزادوا إثماً على إثم أن صوروا تلك التصاوير، المقصود هنا بالتصاوير هي نقوش وزخارف، ولذلك جاء في حديث آخر في سنن أبي داود وغيره أن النبي ﵌ قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» تشييد المساجد أي: رفع بنيانها، فوق الحاجة التي يحتاجها المصلون فيها، هذا الحديث رواه أبوداود من حديث ابن عباس مرفوعاً إلى النبي ﵌ كما سمعتم، قال: قال رسول الله ﵌: «ما أمرت بتشييد المساجد»، قال ابن عباس بعد أن روى هذا الحديث عنه ﵌، قال: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» هذا القول الصادر من ابن عباس في ظاهره ..
في ظاهر إسناده موقوف عليه هومن كلامه، ويمكن أن يقال فيه في التعبير العلمي الحديثي إنه موقوف في حكم المرفوع، وإما أن يقال وهذا لابد منه إن لم يقل الأول: إنه فهمه من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الصدد، من ذلك حديث عائشة حينما تحدث النبي ﵌ فقال: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً
стр. 459
وصوروا فيه تلك التصاوير»، فيمكن أن ابن عباس أخذ هذا القول من مثل هذا الحديث ومن قوله ﵌ الثابت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذرعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه».
إذاً: قوله ﵇: «لتتبعن سنن من قبلكم» هذا معناه: يشمل كل شيء يقع اليوم وفيه تشبه باليهود والنصارى، فزخرفة المساجد قد وقعت اليوم في كثير من المساجد وكان ذلك نبأ تنبأ به الرسول ﵇ من قبل، ثم صدقت نبوءته ﵊؛ لأنه كما قال ربنا في القرآن في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوإِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، قال ﵊ كما ترون في هذا الزمان: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد»، والآن ترون المساجد يتباهى القائمون على بنائها بطريقة هندسة بنيانها، وبطريقة طبع الزخارف المختلفة الأشكال والألوان عليها، وهذا مما يلهي المصلين عن الإقبال على رب العالمين ، ولذلك جاء هناك حديثان اثنان يلفتان نظر المصلين إلى أنه لا ينبغي أن يكون في مسجدهم ما يشغل بالهم أويلهيهم عن الإقبال على الله بكل وجودهم، أحد هذين الحديثين: جاء في صحيح البخاري: «أن النبي ﵌ صلى يوماً في قميص يسمى بالخميصة، قال ﵊ بعد أن صلى: خذوا خميصتي هذه وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني وفي رواية كادت أن تلهيني عن صلاتي»، ما الذي كادت أن تلهيه عن صلاته؟ الخميصة، ما هي الخمصية؟ هي ثوب له أعلام، له خطوط أخضر أبلق أزرق أسود إلى آخره، قال: «خذوا خميصتي هذه وائتوني بأنبجانية أبي جهم» ثوب ساذج، «فإن هذه الخميصة كادت أن تلهيني عن صلاتي»، هذا الحديث الأول الذي يلفت نبينا ﵌ أنظارنا إلى أنه لا ينبغي أن نبني مساجدنا
стр. 460
وأن نزخرفها زخارف تلهينا عن الإقبال على الله في صلاتنا.
الحديث الثاني: «أن النبي ﵌ لما دخل مكة فاتحاً منصوراً دخل جوف الكعبة وصلى ركعتين، فوجد في الجدار الذي صلى إليه قرني كبش إسماعيل ﵇ معلقين على الجدار، فأمر ﵇ بتخميرهما» بتغطيتهما، لماذا؟ لأنها تلهي بال المصلي حتى ولوكان سيد المصلين وهورسولنا صلوات الله وسلامه عليه، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟ إذا كان الرسول ﵌ المقبل على الله كليته يخشى على نفسه أن تلهيه بعض الزخارف التي تليه، فنحن بلا شك أولى ثم أولى ثم أولى أن تلهينا الزخارف التي تكون حولنا، لذلك لا يجوز لمساجد المسلمين أن تكون مشبهة بكنائس النصارى وغيرهم من الكفار؛ لأن هذه البيوت يجب أن تبنى ساذجاً ليس فيها ما يلهي.
أعود لأقول: إن هذا المسجد بالنسبة للمساجد الأخرى قد أقيم على نسبة كبيرة من تقوى الله ﵎، ولذلك فأرجوأن تتدارك النواقص التي لم تتم في بنيان المسجد مادياً أن تتدارك معنوياً في هذا المسجد المبارك إن شاء الله؛ وذلك إنما يكون بإحياء السنة في صلاتنا في هذا المسجد، في كيفية صلاتنا، في كيفية إلقائنا لدروسنا، وأول ذلك مما أرى لزاماً علي أن يكون الدرس في هذا المسجد يدندن دائماً إلى أن ترسخ ثمرة هذا الدرس في أذهان جوار المسجد والمصلين في المسجد، وبعد ذلك ينتقلون إلى مرحلة ثانية، ما هي المرحلة الأولى التي يجب على كل مسلم، بل وعلى كل مسلمة؟ أن يفقه هذا الدرس الأول وهوتحقيق قول الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
نعلم جميعاً أن الإسلام قام على خمس، أول هذه الأركان: هي شهادة أن لا إله إلا الله، هذه الشهادة قل مع الأسف من المسلمين من يعرف معناها، ثم إذا