← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها»، في هذا الحديث وعيد شديد جداً لمن يتخلف عن الصلاة في مسجد المسلمين دون عذر شرعي أنه يستحق أن يحرق بالنار في الدنيا قبل الآخرة؛ ذلك لأن النبي ﵌ قد قال كما سمعتم: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس» أي: نيابة عنه: ثم هويفعل ما يأتي، قال: «ثم أخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم»، أخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة أي: أباغتهم وأفاجئهم؛ لأن المفروض في هؤلاء المتخلفين أن يجيبوا نداء الله كما قلنا، والمفروض أنهم يعلمون أن الرسول ﵌ يصلي في المسجد إماماً كما هي عادته، ولكنه هم ﵊ أن يوكل رجلاً أن يصلي نيابة عنه ليباغت المتخلفين عن الصلاة في المسجد فيحرق عليهم بيوتهم. ثم قال ﵊ مبيناً البلاء الذي يصيب الكثير من الناس وبخاصة في هذا آخر الزمان كزماننا هذا، أنهم يتخلفون عن الجماعة لأمر دنيوي مهما كان حقيراً، فقال ﵊: «والذي نفس محمد بيده لويعلم أنه يجد في المسجد مرماتين حسنتين»، يعني: عظمتين من أسفل قدم الشاة أو المعزاية ترمى عادة في الأرض لا قيمة لها، لو يعلم أنه يجد في المسجد فائدة دنيوية كهاتين المرماتين لشهدها أي صلاة العشاء، إلى هنا ينتهي هذا الحديث وهو من أصح الأحاديث حيث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما، وهنا سؤال قد يرد في خاطر بعض الناس عادة ألا وهو: لماذا هم ﵊ بحرق المتخلفين عن صلاة الجماعة ولم يفعل؟ قال: «لقد هممت»، لكنه ما فعل، ولذلك هذا الحديث يذكرنا بآية في القرآن الكريم قد يسيء فهمها بعض التالين والقارئين للقرآن الكريم حينما يمرون بقوله ﵎ في سورة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، فالهم لا

стр. 457

يعني الفعل، وإنما هو من مقدمات الفعل، فالعلماء يقسمون ما يخطر في بال المسلم، ثم ما ينتج من وراء ذلك من العمل إلى أقسام: القسم الأول: الخاطرة، خاطرة تخطر في بال إنسان سواء كان خيراً أو كان شراً، فإذا قويت هذه الخاطرة وأخذت مكانها من بال الإنسان صار هماً، فإذا قويت وازدادت قوة هذه الخاطرة ووصلت إلى مرتبة الهم يلي ذلك العزم، وليس بعد العزم إلا الفعل، ولذلك قال تعالى في مسألة الطلاق: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، الشاهد أن العزم هو قبل الفعل ليس بعده إلا الفعل، فلما هم النبي ﵌ على التحريق فهو لم يعزم لماذا؟ فضلاً عن أنه لم ينفذ، الجواب: أن في البيوت كما تعلمون من لا تجب عليه صلاة الجماعة أول ذلك النساء، ثم الصبيان الذين لم يدخلوا في مرتبة التكليف، ... (انقطاع في التسجيل هنا) ... يكون أيضاً في البيوت ناس مكلفين ولكنهم من المعذورين، ولذلك فكان من حكمة الرسول ﵇ أن أوعد ولم ينفذ، فقد جمع بين تحقيق المصلحة والحض على حضور الجماعة، ودفع المفسدة، وهو عدم تحريق البيوت بمن فيها؛ لأنه لو فعل ذلك لأصاب الحريق من لا يستحق الحرق. إذاً: في هذا الحديث وعيد شديد لأولئك الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة دون عذر شرعي، وليس هناك من الأعذار ما يمكن أن يذكر بهذه المناسبة إلا أن يكون الرجل مريضاً، إلا أن يكون نائماً وأن يكون نومه أيضاً مشروعاً وهذا له بحث طويل ولا أريد الآن الخوض فيه خشية أن نخرج عما نحن في صدده. فالشاهد: أن الله قد امتن على آل هذه المحلة بهذا المسجد وهوأقول .. وهوأقرب ما يكون إلى السنة، ولا أقول آسفاً لا أقول إنه على السنة،

стр. 458

فإني أرى فيه بعض أشياء التي ما كانت تنبغي، ولكني أقول كلمة حق إنه أقرب ما يكون إلى السنة بالنسبة للمساجد الأخرى التي تبنى في هذا الزمان وتنفق في سبيل تشييدها وزخرفتها الأموال الطائلة في زعم أنهم يعظمون شعائر الله والأمر ليس كذلك؛ لأن تعظيم شعائر الله ليس ببنيان المساجد مشيدة مزخرفة زخارف تلهي المصلين عن الإقبال في صلاتهم على رب العالمين. لقد جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: «لما رجعت أم سلمة وأم حبيبة من الحبشة ذكرتا لرسول الله ﵌ كنيسة رأتاها في الحبشة وذكرتا من حسن وتصاوير فيها، فقال ﵊: أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عليه مسجداً وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله ﵎» أولئك أي: النصارى، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وزادوا إثماً على إثم أن صوروا تلك التصاوير، المقصود هنا بالتصاوير هي نقوش وزخارف، ولذلك جاء في حديث آخر في سنن أبي داود وغيره أن النبي ﵌ قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» تشييد المساجد أي: رفع بنيانها، فوق الحاجة التي يحتاجها المصلون فيها، هذا الحديث رواه أبوداود من حديث ابن عباس مرفوعاً إلى النبي ﵌ كما سمعتم، قال: قال رسول الله ﵌: «ما أمرت بتشييد المساجد»، قال ابن عباس بعد أن روى هذا الحديث عنه ﵌، قال: «لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» هذا القول الصادر من ابن عباس في ظاهره .. في ظاهر إسناده موقوف عليه هومن كلامه، ويمكن أن يقال فيه في التعبير العلمي الحديثي إنه موقوف في حكم المرفوع، وإما أن يقال وهذا لابد منه إن لم يقل الأول: إنه فهمه من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الصدد، من ذلك حديث عائشة حينما تحدث النبي ﵌ فقال: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً

стр. 459

وصوروا فيه تلك التصاوير»، فيمكن أن ابن عباس أخذ هذا القول من مثل هذا الحديث ومن قوله ﵌ الثابت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذرعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». إذاً: قوله ﵇: «لتتبعن سنن من قبلكم» هذا معناه: يشمل كل شيء يقع اليوم وفيه تشبه باليهود والنصارى، فزخرفة المساجد قد وقعت اليوم في كثير من المساجد وكان ذلك نبأ تنبأ به الرسول ﵇ من قبل، ثم صدقت نبوءته ﵊؛ لأنه كما قال ربنا في القرآن في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوإِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، قال ﵊ كما ترون في هذا الزمان: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد»، والآن ترون المساجد يتباهى القائمون على بنائها بطريقة هندسة بنيانها، وبطريقة طبع الزخارف المختلفة الأشكال والألوان عليها، وهذا مما يلهي المصلين عن الإقبال على رب العالمين ، ولذلك جاء هناك حديثان اثنان يلفتان نظر المصلين إلى أنه لا ينبغي أن يكون في مسجدهم ما يشغل بالهم أويلهيهم عن الإقبال على الله بكل وجودهم، أحد هذين الحديثين: جاء في صحيح البخاري: «أن النبي ﵌ صلى يوماً في قميص يسمى بالخميصة، قال ﵊ بعد أن صلى: خذوا خميصتي هذه وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني وفي رواية كادت أن تلهيني عن صلاتي»، ما الذي كادت أن تلهيه عن صلاته؟ الخميصة، ما هي الخمصية؟ هي ثوب له أعلام، له خطوط أخضر أبلق أزرق أسود إلى آخره، قال: «خذوا خميصتي هذه وائتوني بأنبجانية أبي جهم» ثوب ساذج، «فإن هذه الخميصة كادت أن تلهيني عن صلاتي»، هذا الحديث الأول الذي يلفت نبينا ﵌ أنظارنا إلى أنه لا ينبغي أن نبني مساجدنا

стр. 460

وأن نزخرفها زخارف تلهينا عن الإقبال على الله في صلاتنا. الحديث الثاني: «أن النبي ﵌ لما دخل مكة فاتحاً منصوراً دخل جوف الكعبة وصلى ركعتين، فوجد في الجدار الذي صلى إليه قرني كبش إسماعيل ﵇ معلقين على الجدار، فأمر ﵇ بتخميرهما» بتغطيتهما، لماذا؟ لأنها تلهي بال المصلي حتى ولوكان سيد المصلين وهورسولنا صلوات الله وسلامه عليه، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟ إذا كان الرسول ﵌ المقبل على الله كليته يخشى على نفسه أن تلهيه بعض الزخارف التي تليه، فنحن بلا شك أولى ثم أولى ثم أولى أن تلهينا الزخارف التي تكون حولنا، لذلك لا يجوز لمساجد المسلمين أن تكون مشبهة بكنائس النصارى وغيرهم من الكفار؛ لأن هذه البيوت يجب أن تبنى ساذجاً ليس فيها ما يلهي. أعود لأقول: إن هذا المسجد بالنسبة للمساجد الأخرى قد أقيم على نسبة كبيرة من تقوى الله ﵎، ولذلك فأرجوأن تتدارك النواقص التي لم تتم في بنيان المسجد مادياً أن تتدارك معنوياً في هذا المسجد المبارك إن شاء الله؛ وذلك إنما يكون بإحياء السنة في صلاتنا في هذا المسجد، في كيفية صلاتنا، في كيفية إلقائنا لدروسنا، وأول ذلك مما أرى لزاماً علي أن يكون الدرس في هذا المسجد يدندن دائماً إلى أن ترسخ ثمرة هذا الدرس في أذهان جوار المسجد والمصلين في المسجد، وبعد ذلك ينتقلون إلى مرحلة ثانية، ما هي المرحلة الأولى التي يجب على كل مسلم، بل وعلى كل مسلمة؟ أن يفقه هذا الدرس الأول وهوتحقيق قول الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. نعلم جميعاً أن الإسلام قام على خمس، أول هذه الأركان: هي شهادة أن لا إله إلا الله، هذه الشهادة قل مع الأسف من المسلمين من يعرف معناها، ثم إذا

стр. 461

وجد من عرف معناها .. لووجد من بعض المسلمين أنهم فهموا المعنى الصحيح لهذه الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، فَقَلَّ منهم من يحققها عملياً، إن هذه الشهادة تعني باختصار: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، ومعنى ذلك أن الموحد حقاً يجب أن يوجه عبادته لله وحده لا شريك له، وهذا موضوع واسع وواسع جداً لابد أن بعض إخواننا في هذا المسجد إما أن يكونوا شرعوا ومضوا قدماً في بيان هذه الكلمة الطيبة وفي المقدمة إمام المسجد أخونا أبوأنس بارك الله فيه وفي قراءته وفي علمه، فهذا موجز معنى هذه الكلمة، أما الشرح فسيكون إن شاء الله في دروس ثانية كما أشرنا آنفاً. لا معبود بحق في الوجود إلا الله، لا معبود: ما هي العبادة؟ هي العبادة التي شرعها الله على لسان رسول الله ﵌، فإن فرضنا أن مسلماً شهد هذه الشهادة، لكنه توجه بشيء من هذه العبادة إلى غير الله يكون قد أشرك مع الله غيره ولم يعبده وحده. إذاً: يجب أن تكون هذه العبادة خالصة لله كما قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، لكن هناك شيء ثان، أريد أن أدندن حوله بأوسع مما سبق، على هذه العبادة، قلنا: إذا وجهت إلى غير الله فهذا قد أشرك مع الله غيره وهذا أمر واضح، لكن متى يكون الموحد القائل لا إله إلا الله، والمؤمن بهذا المعنى الصحيح: لا معبود في الوجود إلا الله، متى يكون عابداً لله؟ حينما يكون طائعاً لرسول الله في كيفية أدائه لعبادته لله، ولذلك فنحن نقول في هذه الشهادة: لا إله إلا الله وتمامها محمداً رسول الله، حقيقتان عظيمتان جداً جداً، لا يكون المرء مسلماً حقاً إلا إذا حقق معنى هاتين الشهادتين، أما الأولى فكما

стр. 462

ذكرنا أن يخلص في عبادته لله لا يشرك معه أحداً، الثانية: أن يعبد الله كما شرع الله على لسان رسول الله وحينئذ يكون قد آمن حقاً حينما يقول: محمد رسول الله، أما إذا اتبع غير رسول الله، فكما أن المسلم الذي يعبد غير الله يكون قد أشرك مع الله في عبادته، فذلك المسلم إذا عبد الله على غير سنة رسول الله، وعلى غير ما شرع الله على منهج سنة رسول الله، فيكون قد أشرك مع رسول الله غيره في رسالته، ولذلك فهنا توحيدان إذا صح التعبير، توحيد الله في عبادته وتوحيد الرسول في اتباعه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، اتبعوني أنا فقط، ولذلك فلا يجوز للمسلم أن يتخذ له متبوعاً غير رسول الله، كما لا يجوز له بداهة، أن يتخذ له معبوداً غير الله. لذلك هناك حكمة بالغة في الجمع بين الشهادتين كركن أول من الأركان الخمسة: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه والمعلوم لديكم جميعاً قوله ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم عند الله ﵎»، حق هذه الشهادة هو العمل بها على مقتضى ما جاء به رسول الله ﵌، إذا كانت هذه حقيقة لا يمكن أن يماري وأن يجادل فيها مسلم، هذه حقيقة تتلخص أعيد الكلام ليرسخ في الأذهان، هي أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نتبع رسول الله ﵌ لا نتبع معه غيره، هنا قد يرد سؤال: فما هو موقف المسلم بالنسبة لعلماء المسلمين وبخاصة من كان منهم مشهوراً بالعلم والصلاح والتقوى وهم لا أقول الأئمة الأربعة، فإن فضل الله ﵎ أن من على المسلمين على مر الزمان والقرون، بمئات بل وبألوف علماء المسلمين، فما موقف المسلم في هذا الزمان الذي يدعو الناس إلى أن يوحدوا رسول الله في اتباعه، ما موقف هذا المسلم

стр. 463

بالنسبة لعلماء المسلمين؟ نقول: الموقف وجوب اتباعهم، ماداموا متمسكين ودالين لنا على سنة نبيهم ﵌، وهنا ألفت النظر إلى آية في القرآن يجب أن يكون معناها ماثل في الأذهان ألا وهي قوله ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] هذه الآية تجعل الناس عامة المسلمين قسمين: عالم وغير عالم، وعلى كل من القسمين أوجب عليه حكماً يليق به، القسم الأكبر هم الذين لا يعلمون، فخاطبهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] هذا هوالقسم الأكبر من المسلمين أنهم ليسوا بعلماء فواجبهم أن يسألوا أهل الذكر، وواجب أهل العلم أنهم إذا سئلوا أن يجيبوا، وهذا قد أخذ منهم العهد في القرآن الكريم أن يبلغوا العلم إلى الناس وألا يكتموه، وجاءت السنة تؤكد ذلك تمام التأكيد من ذلك الحديث المشهور: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». فإذاً: عامة المسلمين واجبهم أن يسعوا لهذا العلم، فإذاً هؤلاء لا غنى لهم إلا أن يرجعوا عند الحاجة وعند الملمات إلى العلماء؛ لأن الله أمرهم بذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولكن أهل العلم ليسوا في المنزلة عندنا كمنزلة نبينا ﵌ المعصوم والمبلغ عن الله والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه معصوم، أما العلماء فليسوا كذلك، إنما هم مبلغون عن رسول الله ﵌، فقد يصيب أحدهم وقد يخطئ ولا عصمة لأحد بعد رسول الله ﵌ خلافاً لبعض الفرق التي تدعي العصمة لأهل البيت، فهذا من الانحراف عن الكتاب والسنة، فلا عصمة لأحد بعد رسول الله لا لعلي ولا لأبي بكر ولا لغيرهم من الصحابة الأجلاء فضلاً عن العلماء الذين جاؤوا من بعدهم، وإلى هذه الحقيقة أشار النبي ﵌ بالحديث الصحيح قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد»، إذًا: العالم يخطئ

стр. 464

ويصيب، أما نبينا فلا يخطئ في الشرع مطلقاً، بل هومعصوم كما ذكرنا آنفاً، من هنا يجب أن نجعل تعصبنا في ديننا فقط لرجل واحد ألا وهورسول الله ﵌ ولا نتعصب لعالم من علماء المسلمين، وإنما نستعين بهم ونسترشد بهم ليدلونا على ما كان عليه رسول الله ﵌ هذا شيء. وشيء ثاني: قد أخبر النبي ﵌ بحقيقة نلمسها الآن في هذا الزمان لمس اليد كما يقال؛ ذلك قوله ﵌: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء»، «إن الإسلام بدأ غريباً -أي: كما بدأ- وسيعود غريباً فطوبى للغرباء»، هذا الحديث هكذا في صحيح مسلم، ثم جاء في بعض الروايات الأخرى الثابتة عن النبي ﵌ تفسير هؤلاء الغرباء، والتفسير جاء على نوعين: أحدهما: لما قيل له: «من هم الغرباء يا رسول الله؟ قال: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، وهذه الحقيقة لا يشترك في معرفتها خاصة الناس وهم العلماء، بل بعض العلماء، وإنما كل المتدينين يلمسون هذه الحقيقة؛ وذلك يتضح من السؤال التالي: هل أكثر المسلمين اليوم يطيعون الله في أحكام دينهم، أم يعصونه؟ يعصونه الأكثرون هم المخالفون، فإذا صدق هذا الحديث: «الغرباء: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، الذين لا يصلون أكثر من الذين يصلون، الذين لا يتقون الله في أنفسهم وفي ذويهم ونسائهم وبناتهم وأولادهم أكثر من الذين يتقون وهكذا. لكن هناك شيء آخر الغربة ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، المعصية قسمان: قسم لأمر معروف صوابه باتفاق المسلمين كالأمثلة السابقة كالصلاة مثلاً، تبرج النساء، فهذا فرض وذاك محرم، كل هذه الأحكام متفق عليها بين المسلمين مع ذلك فأكثر الناس لها تاركون

стр. 465

ومخالفون، لكن هناك أحكام أُخْرَى يختلف فيها علماء المسلمين أنفسهم، يخرج مثلاً خلافهم في البدع الحسنة والبدع السيئة، مع أن النبي ﵌ قد صَرَّحَ في أكثر من حديث واحد فقال: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكُلّ ضلالة في النار»، وقال في الحديث الآخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» مع هذه الأحاديث وغيرها تسمعون اليوم بعض من ينسب إلى العلم يقول: هناك بدع حسنة، فهنا خلاف بين طائفتين من خاصة المسلمين وهم العلماء، فطائفة تقول بقول الرسول: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وطائفة تقول: لا، هذا الحديث ليس على عمومه، وإنما هناك بدعة حسنة، وأيضاً هذا يحتاج إلى درس خاص ولا أستطيع الخوض فيه الآن، وإنما التذكير بمعنى هذا الحديث؛ حديث الغربة فيه روايتان، نحن الآن في صدد الرواية الأولى: «الغرباء: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، الحديث الثاني سيجلي لنا معنى ثاني في الحديث الأول لا يتنبه له كثير من الناس، لما قيل له ﵇: «منهم الغرباء؟ قال: هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي»، إذاً: هنا غربتان: غربة الصالحين بين الجمهور الطالحين، وغربة ثانية: غربة الصالحين في الصالحين؛ لأن الصالحين هنا قسمان: صالحين اتجهوا إلى عبادة الله، قسم منهم على سنة رسول الله، وقسم منهم خرجوا عن سنة رسول الله من حيث لا يشعرون أويشعرون، حسابهم عند الله ﵎، فالرسول ﵌ أخبر عن واقعنا في هذا الزمان، قال: «الغرباء: هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي». والآن أختم هذه الكلمة بمثال لعل غيرنا من إخواننا الحاضرين يشاركوننا في بيان ما يحيله إن شاء الله أضرب لكم مثلاً واحداً يبين لكم الخلاف الآن بين من يدعون إلى إحياء السنة وإماتة البدعة، وبين الذين يناصرون البدعة على حساب

стр. 466

إماتة السنة، لا نذهب بكم بعيداً، عندكم الآن الأذان، فهل الأذان في كل البلاد الإسلامية إلا البعض القليل منها، هل هو على السنة؟ الجواب: لا؛ لأن الأذان في كثير من البلاد له مقدمة وله ومؤخرة، في بلاد أخرى وهذا الأكثر لابد لها من مؤخرة، والأذان كما نعلم جميعاً في السنة يبدأ: بالله أكبر .. الله أكبر، وينتهي: لا إله إلا الله ... هذا هو أذان بلال، وأذان ابن أم مكتوم وأذان أبي محذورة ... هؤلاء من أشهر مؤذني الرسول ﵌ كانوا يؤذنون في زمانه لا يقدمون شيئاً ولا يعقبون على الأذان شيئاً آخر، هذا هو السنة بالاتفاق، لكن الذين يناصرون البدعة، يقولون: هذه البدعة حسنة، أي: زيادة على الأذان سواء كان من قبل أومن بعد، وهذا أمر كتب فيه رسائل بين أنصار السنة وأنصار البدعة، ولا أريد أيضاً أن أقف هنا كثيراً؛ لأني أعتقد أن الحاضرين إن شاء الله جميعاً يعلمون هذه الحقيقة، أن السنة في الأذان هوفقط كما قلنا: الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، لكن أريد أن أذكر الآن ببدعة اختص مع الأسف بلدكم هذا دون بلاد الإسلام كلها، وهو ما يسمونه بالأذان الموحد، الأذان الموحد ينافي التوحيد؛ لأن التوحيد كما قلنا بينه ﵌، فقد جعل في كل مسجد أذاناً وفي كل محلة مسجداً، وأنتم تعلمون أن المسجد الجامع في عهد النبي ﵌ في المدينة إنما كان مسجده ﵌، وهناك كان يجتمع المسلمون من كل المساجد التي كانت حول المدينة في العوالي ونحوها، أما مسجده ﵇ فقد كان مسجداً جامعاً، أي: تصلى فيه صلاة الجمعة دون المساجد الأخرى التي كانت حوال العوالي والتي من تلك المساجد مسجد معاذ بن جبل ﵁ الذي جاء حديثه في «صحيح البخاري»، أنه كان يصلي صلاة العشاء الآخرة وراء النبي ﵌ يكسب فضيلتين اثنتين؛ فضيلة الصلاة في المسجد النبوي أولاً التي هي بألف صلاة مما سواه من المساجد؛ مساجد العوالي مثلاً، وفضيلة الصلاة خلف النبي نفسه ﵌، فكان يصلي صلاة العشاء الآخرة خلفه، ثم يأتي إلى مسجد قومه فيؤمهم، يصلي بهم

стр. 467

إماماً صلاة العشاء، هي له نافلة؛ لأن الفريضة كان قد أداها خلف النبي ﵌، وهي له نافلة، لم يكن هناك أذان موحد، وإن كان قد يقال هنا: أن الوسيلة لم تكن متيسرة كما هو متيسر اليوم بإذاعة الأذان من مكان واحد إلى سائر أقطار الدنيا، كما تفعل الإذاعات العالمية اليوم، لكننا نقول: لا مانع من إذاعة الأذان بأوسع دائرة ممكنة بمثل هذه الوسائل التي خلقها الله ، ويسرها الله لعباده، ولكن في حدود التزام السنة، إذا كان من السنة لكل مسجد أذان وإقامة فلا يجوز توحيد الأذان في البلد الواحد وفي مساجد كثيرة، لاسيما أن بلدنا هذا يختلف عن كثير من البلاد الأخرى، حيث فيه الهضاب وفيه الجبال وفيه الوديان، وربما يكون هناك بعض السهول، فالأوقات الشرعية للصلوات الخمس تختلف من الجبل إلى الهضبة إلى السهل إلى الوادي، فلا يجوز توحيد الأذان والحالة هذه، ولذلك تقع هنا مشاكل ومخالفة للشرع والأحكام الشرعية مخالفة جذرية، فناس مثلاً يفطرون قبل غروب الشمس بالأذان الموحد، وناس يتأخرون عن الإفطار في رمضان إلى ما بعد عشر دقائق ينتظرون الأذان الموحد، وناس يصلون الفجر قبل الوقت؛ لأن الأذان الموحد يؤذن بالنسبة لجبل ما، بينما الفجر لم يطلع بعد بالنسبة لهضاب أوسهول أووديان وهكذا، فهذا كله جاء من توحيد الأذانات هذه إذا صح التعبير، هذا بلا شك بدعة، لم يكن ولا يكون حتى هذه الساعة في أي بلد إسلامي إلا في هذا البلد، ما ندري ما الذي بَدا للذين ابتدءوا هذه البدعة في هذا البلد، وما الذي زين لهم هذه البدعة، وأملي ورجائي أن المسئولين الذين يهتمون بأحكام الدين وإعادتها إلى السنة دون خروج عنها ومشاكسة لها أن يلغوا هذا الأذان وأن يكلفوا المؤذنين أن يؤذن كل مؤذن في مسجده مراقباً الأوقات الشرعية حسب النظام الإسلامي. هذا المثال أردت أن أقف عنده، لنفتح المجال لبعض إخواننا لنسمع منهم ما يفيدنا إن شاء الله، كمثال كيف أن الإسلام اليوم أصبح في غربة، والأمثلة ليس

стр. 468

بالعشرات ولا بالمئات، بل هي بالألوف المؤلفة تحتاج إلى مجلدات في بيان تفاصيل ومفردات هذه البدع التي عمت وطمت في كل بلاد الإسلام، وحسبنا الآن هذا المثال الموحد في الأذان الموحد الذي ليس له أصل في الشرع، وبهذا القدر كفاية. والحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور/٦٥٥/ ٥٠: ٠٠: ٠٠)

стр. 469

متى يصبح العالم مؤهلاً للتصفية، ، وهل طريق التربية هو نقل الإنسان من البيئة الفاسدة إلى الصحية ؟ مداخلة: السؤال الأول: يا شيخ متى يصبح العالم مؤهل للتصفية؟ وهل هذا العالم الذي هو أهل للتصفية لا بد أن يتلقى مبادئ التصفية ويصبح عنده أهلية للتصفية على علماء كبار أم باجتهاده مجرد مثلاً أن يقتني الكتب بشتى أنواعها ويعكف عليها حتى يصبح قادراً على أنه يصفي وإذا صفى هل الأمة والعلماء يسلموا له بذلك. هذا السؤال الأول؟ الشيخ: على كل حال أنا ألفت النظر أن مشكلة العالم الإسلامي اليوم فيما يتعلق بالعلم الذي نتحدث عن وجوب تصفيته هو أوسع من أن يستطيع القيام به عالم واحد، فلا بد أن يكون هناك في المجتمع الإسلامي علماء لا أقول بالعشرات وبالمئات بل بالألوف، فكل يقوم في محيطه الذي يعيش فيه بهذا الواجب من التصفية العلمية، فأرجو ألا يفهم أحد من سؤالك أن عالماً في الدنيا يستطيع أن يقوم بهذا الواجب، هذا أمر مستحيل؛ لأن أولاً العلم دائرته واسعة جداً جداً، كما قال ذلك العالم الراجز: العلم إن طلبته كثير والعمر عن تحصيله قصير

стр. 470

فقدم الأهم منه فالأهم: فأنتم تعلموا مثلاً اليوم في علم التفسير .. في علم الحديث .. في علم الفقه .. في علم اللغة .. هذه العلوم الأربعة لا بد منها؛ ليكون المسلم يستطيع أن يقوم بما ألمحت أو أشرت إليه آنفاً من وجوب التصفية للعلم، لكن هناك في كل علم من هذه العلوم الأربعة لكن هناك في كل علم من هذه العلوم الأربعة على الأقل أفراد يجب أن يتخصصوا كل في مجال علم من هذه العلوم، وهذا كما هو واضح جداً لا يتصور أن يكون متخصصاً في التفسير .. متخصصاً في الحديث .. متخصصاً في الفقه، لا سيما والفقه يما يسمى بالفقه المقارن، له شعب كثيرة وكثيرة جداً، ثم أيضاً أن يكون متخصصاً في اللغة. هؤلاء العلماء يجب أن يكون كل واحد منهم يعمل في مجال تخصصه ويتعاونون بعضهم مع بعض لتحقيق ما سميناه آنفاً بالتصفية؛ ولذلك فلا ينبغي أن نتصور أن إنساناً يجب على الأمة كلها أن تستسلم لقيادة فكره وعلمه فقط، وإنما هنا وهناك وفي العالم كله أفراد من العلماء ينهجون منهجاً واحداً على منهج الكتاب والسنة والسلف الصالح، فينبغي على من كانوا دونهم في العلم أن يتبعوه، فهذا هو السبيل لتحقيق التصفية والتربية، لا يمكن للإنسان أن يقوم بواجب التصفية فقط، ما بال التصفية والتربية؟ أنا أقول الآن: هب أن إنساناً في قرية ما ليتولى تصفية جانب من العلم الذي دخل فيه ما هو غريب منه، لكن هذا الإنسان قد لا يستطيع أن يجمع الناس وأن يربيهم على هذا الإسلام المصفى، يجب أن يكون هناك مساعد له يتلقى هذا العلم المصفى ثم يربي الناس عليه، وهكذا يتحقق هذا الأمر الهام جداً ألا وهو التصفية والتربية بتعاون علماء المسلمين في كل أقطار العالم على تحقيق التصفية

стр. 471

العلمية، ثم يتعاون الآخرون ممن تهذبوا بتهذيبهم وتعلموا بتعليمهم على تحقيق التربية التي ندندن حولها. هذا فيما يتعلق بالجواب عن السؤال الأول. والذي بعدها ما هو؟ مداخلة: الذي بعده يا شيخنا: هو بالنسبة للتربية يعني بعض الجماعات في الساحة الآن ترى أن التربية والتزكية لا تكون مادام هذا الإنسان الذي نريد أن نربيه في هذه البيئة الفاسدة بيئة الغفلة وبيئة المنكرات فهم يخرجونه ينقلونه من مكانه ويخرجونه إلى بيئة في نفس البلد مناسبة يهيؤها هذه لهذا القصد، أو خارج البلد، ويضربون مثال على ذلك ممن حفظكم الله في حفرة نجاسة يقولوا لو صبينا عليه ماء الدنيا ما يتطهر حتى يخرج من الحفرة فبقليل من الماء يتطهر، فهل هذا الفكر صحيح وهل في نظرنا نحن السلفيين أنه يمكن أن نربي الناس على دينهم مع ما هم فيه من المنكرات وإلى أي قدر ممكن ندخل معهم فيما هم فيه؟ الشيخ: أقول جواباً عن هذا السؤال: : لا شك أن الصورة التي قدمتها عن بعضهم هي جميلة، وهو يشبه الحجر الصحي المادي، ولنقل الآن الحجر الصحي المعنوي، ولكن هل هذا يمكن أو هو أمر نظري خيالي لا يمكن تحقيقه؟ سنقول نمشي معهم ونوافق معهم أنه سبيل التربية هو إخراجه من الجو الموبوء إلى الجو النظيف، هذا نظري ومقبول جداً، لكننا سنقول: أين هذا الجو النظيف الصافي؟ أين هو؟ سوف لا يستطيعون أن يقولوا هو في المريخ مثلاً. مداخلة: سيقولون في الباكستان في المساجد.

стр. 472

الشيخ: في الباكستان في المساجد. طيب قلت لك هذا أمر نظري، في الباكستان في المساجد هناك مساجد فيها قبور، فهل هي نظيفة؟ هؤلاء مشكلتهم كما أشرنا في كلام سابق أصحاب عواطف إسلامية، ولكن بغير علم، نحن نقول نظرياً: لا بد من التربية والتربية الكاملة هو إيجاد الجو غير الموبوء، لكن اليوم هذا غير موجود في العالم الإسلامي قاطبة، والآن سنعود: ما هو الجواب إذاً إذا كان الجو الصافي غير الموبوء مفقود مع الأسف؟ هذا هو الواقع، نحن نقول: لقد كان الجو الذي بعث فيه الرسول ﵇ موبوءاً بوباء ليس أعظم منه؛ لأنه هو الشرك وهو قتل النفس بغير حق .. وهو وهو .. إلى آخره مما هو معلوم، فهل لما بدأ الرسول ﵇ بالدعوة خرج من الجو الموبوء؟ الجواب: لا، لكنه بعد نحو عشرة أو ثلاثة عشر سنة خرج من ذاك الجو إلى جو أصفى منه، لا نقول: كان صافياً مصفى، لا، كان هناك جاهليون .. كان هناك يهود .. كان هناك نصارى .. إلى آخره، لكنه تمكن من الدعوة في الجو الآخر وهو الجو المدني أكثر مما كان متمكناً منها في الجو المكي. إذاً: هذا عدم وجود المكان النظيف بالمائة مائة، لا يعني أنه لا ينبغي القيام بواجب التصفية والتربية، والذي يقول: أن هناك جو مصفى اليوم في العالم الإسلامي مائة بالمائة، هذا رجل جاهل بلا شك يعني، أو متجاهل، وأحلاهما مر. (الهدى والنور / ٧٣٦/ ٢٢: ٠٦: ٠٠).

стр. 473

التصفية والتربية هي الطريق لإيجاد حاكم أهلٌ لمبايعة المسلمين .. السائل: الآن العالم كله والناس الآن في قضية الدولة مثلا الدولة الحاكمة الحاكم لا يحكم بما أنزل الله ولا بسنة رسول الله وأصبح الخروج عنه. الشيخ: الخروج عنه. مداخلة: على الحاكم. الشيخ: مش عنه إذن. مداخلة: عليه فالآن نحن كمسلمين نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله بحاجة إلى إمام نبايعه فأنا أقول من زمان يعني أنا كنت أتمنى على الله أن أرى الشيخ ناصر الدين حتى رقم التلفون معي من أجل أن أكون صادق يعني أعطاني إياه أحد الإخوة كنا عند الأخ ببيته أو في المسجد ورحنا إلى بيت واحد ثاني، فأقول يعني أنه لا تطلب منا بيعة مثلا، وأنا في حيرة من أمري أنه لماذا نحن المسلمين ليس لنا إمام نبايعه وينفذ فينا أحكام الله ونكون على قدوة منه يعني ونقتدي بأمره ونرجع بأمورنا كلها إلى أمور الشرع التي يوجهنا منها من زواج وطلاق. الشيخ: ما أدري أنت كأنك لست عايش في هذه الدنيا. مداخلة: كأني نعم.

стр. 474

الشيخ: هكذا مبين. مداخلة: عايش في البرية مبعد معي شوية عنزات. الشيخ: هذا هو المشكلة الله المستعان هذا الذي يراد مبايعته هو موجود. مداخلة: نعم موجود. الشيخ: أين هو. مداخلة: الشيخ ناصر الشيخ: الشيخ ناصر يقول ليس أهلا ولا يملك ضرا ولا نفعا ريح بالك منه في عندك غيره. مداخلة: واحد من المسلمين. الشيخ: واحد من المسلمين هل تدري أنت شروط الشخص الذي ينبغي مبايعته قل لي لا. مداخلة: طبعا لا. الشيخ: لذلك لا تؤاخذني إذا قلت لك بالتعبير السوري جاي الطشة وبدك تاخذ الأولية يا أخي، أولاً الشخص المبايع أو الذي يراد أن يبايع ينبغي أن تتوفر فيه شروط كثيرة جدا لا يكفي أن تتوفر في العالم يعني قد تتوفر في رجل ما صفات العالم، لكن لا تتوفر في هذا العالم صفات الإمارة فهمت هذه فالشروط التي يجب أن تتوفر في المبايع، أولها ألا يرغب هو في البيعة. ثانيها: أن يكون عالما بالكتاب والسنة، وهذا لا يكفي أن يكون بالإضافة إلى علمه أن يكون عاملا بعلمه معروف عند المسلمين بذلك، وثالثاً ورابعاً وأشياء كثيرة وكثيرة، أن يكون حازماً، ذا إرادة قوية بحيث أنه إذا أحيط به وبفتن لا يتزعزع ويبقى ماضياً

стр. 475

في سبيل الحق الذي نصب من أجل الدفاع عنه، هذه بعض الصفات التي يجب أن تتوفر بالشخص المبايع. الجانب الثاني الذين يريدون أن يبايعوه هل هم أشخاص من أقاربه من أصدقائه من إخوانه فقط، أم هؤلاء ينبغي أن يكونوا من مختلف المسلمين من مختلف أجناسهم وطبقاتهم باستثناء الرعاء والعامة، وبتخصيص أهل العلم والفضل، هم الذين يختارون ذلك الإمام ويفرضون عليه فرضا أن يكون هو الإمام. فالآن إذا عرفت هذه الشروط وهذه الشروط هل أنت متصور أن العالم الإسلامي اليوم يمكنه بغض النظر عن الحكام الذين أشرت إليهم، وإنما فقط بالنظر إلى أحوال المسلمين ومدى اقترابهم من الشريعة وابتعادهم منها، هل تجدهم يستطيعون أن يبايعوا شخصا في الشرق أو في الغرب أو الشمال الجنوب من مختلف علماء المسلمين، أم أنت تعلم أن علماء المسلمين أنفسهم هم في أشد ما يكون من الاختلاف بينهم، ألا تعلم هذه الحقيقة، إذن كيف أنت تفكر الآن بوجود خليفة يبايع والمسلمون متفرقون شيعا وأحزابا، وأنت لا بد أنك سمعت قليلا أو كثيرا أننا ندندن دائما حول قوله تعالى محذرين به ﴿ .. وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] فإذن بارك الله فيك قبل ما تفكر بمبايعة شخص من علماء المسلمين فكر للطريقة التي يجب على هؤلاء المسلمين أن يسلكوها وأن يطرقوها لإزالة العثرات والعقبات التي تقف في طريقهم للوصول إلى مبايعة رجل من علماء المسلمين، هنا يجب أن تفكر ونحن قد فكرنا منذ عشرات السنين وتبين لنا أن الأمر الذي ينبغي على كافة علماء المسلمين وطلاب العلم

стр. 476

منهم المخلصين أن يدندنوا حوله هو ما قد يمكن أنك سمعته مما ننطلق عليه التصفية والتربية هل سمعت بهذا هل سمعت بهذا وتفهم ما المقصود من ذلك. مداخلة: أنا أفهم المقصود بس ما سمعت. الشيخ: ما هو ماذا. مداخلة: يعني التصفية والتربية الآن من كلامك أفهم المقصود بس أنا ما سمعت أو وصلني. الشيخ: ما سمعت فأقول نحن نعني بالتصفية أظن أنك تعلم كما قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ... ﴾ [آل عمران: ١٩] لكن تعرف جيدا أن هذا الإسلام المخبر عنه في القرآن بهذه الآية وغيرها كقوله ﵎ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] فاعلم يقينا أن هذا الإسلام المذكور في القرآن هو اليوم في واقعنا غيره تعرف هذا. مداخلة: نعم أعلم. الشيخ: على يقين. مداخلة: نعم. الشيخ: طيب الآن هذا الرجل الذي يراد أن يبايع بأي إسلام يحكم أهذا الإسلام الحاكم اليوم. مداخلة: لا يحكم بإسلام الخاصة من الناس. الشيخ: يحكم بالإسلام الذي ذكره الله في القرآن هذا الإسلام المذكور الآن في القرآن كثير من علماء المسلمين في أقطار الدنيا بعيدون عنه كل البعد تعرف هذا الحقيقة.

стр. 477

مداخلة: أكيد هذا الكلام أكيد. الشيخ: نعم بارك الله فيك فإذن هؤلاء الذين يريدون أن يبايعوا هذا الإمام ستكون عبارة عن طائفة قليلة. مداخلة: أكيد مثلما بدأ محمد ﵊. الشيخ: نعم بس هذه الطائفة الآن لا تستطيع أن تقول أن هذا الشيخ أميرنا مش مبايع وخليفة لعامة المسلمين لا تستطيع أن تقول أن هذا الشيخ هو أميرنا لماذا لأننا نعيش في حكم جاهلي تماما. مداخلة: طيب يا سيدي رسول الله ﵌. الشيخ: لا تستعجل علي أنا أريد أن اشرح لك ما معنى لا تنسى أني أنا في صدد معنى التصفية والتربية، فالتصفية هو القيام بجهود من كثير من علماء المسلمين لإبراز الإسلام الذي ذكره الله في القران هذا الإسلام قد دخل فيه على مر السنين والأيام كثير من المسائل الغريبة عن الإسلام هذه التصفية تحتاج إلى عشرات السنين، لا شك أن ذهنك خالي عن هذا، ذهنك خالي عن الجهود التي يجب على صفوة علماء المسلمين أن يفرغوها لتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه وتقديمه إسلاما مصفى لعامة المسلمين. مداخلة: طيب يا سيدي لماذا يحتاج لعشرات السنين وما دام القرآن والسنة محفوظات. الشيخ: هذه مشكلة يا أخي القرآن والسنة محفوظان لكن محفوظان عند أفراد قليلين من العلماء ومع أنهما محفوظان فهما مؤولان تأويلا مفهومان فهما خطأ، ولذلك أنت تعرف قول الرسول ﵇ وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين

стр. 478

فرقة كلها في النار إلا واحدة، اثنين وسبعين فرقة هؤلاء مسلمين أين أنت تقول القرآن والسنة بين أيدينا، نعم، لكن هذا القرآن والسنة الذي بين أيدينا فُهِمَ على مر السنين الطويلة فهماً خاطئاً بدك تتصور ككنز دفين كلما مضى شهر سنة سنتين تتراكم عليها الأتربة والأشجار وو إلى آخره، فللكشف عن هذا الكنز وإظهاره على حقيقته يتطلب أعمالا جبارة جدا جداً، وهذا مثال تقريبي والممثل له أخطر بكثير يعرفه أهل العلم، فلكي نظهر هذا القرآن وهذه السنة بالمعنى الإسلامي الأول هذا يحتاج إلى مئات العلماء، وليس عشرات العلماء وإلى عشرات السنين وليس عشر سنين. أنا الآن أُقَرِّب لك هذا الذي قد تستبعده الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي لم تلد النساء مثله لأنه خاتم الأنبياء والرسل، كم بقي في قومه يدعوهم للتوحيد ثلاثة عشر سنة نحن كم سنة تتصور لازم ندعي بين الناس الذين يزعمون أنهم مسلمون أولاً، وأنهم فهموا التوحيد ثانياً، وهم في الحقيقة لم يفهموا التوحيد بل هم باسم التوحيد أعداء للتوحيد، كم سيبقى دعاة المسلمين فقط لتفهيم المسلمين هذه الكلمة الطيبة «فاعلم أنه لا إله إلا الله» إذا كان الرسول المُوْحَى إليه من السماء كل لحظة ودقيقة بقي في قومه ثلاثة عشر سنة، ولا رسول بعده، ولا نبي بعده، إذن أتصور أن العبء الملقى على أكتاف العلماء في هذا الزمان عبء ثقيلٌ وثقيلٌ جداً، ولا يمكن أتصور أنه يقام في البرهة التي استطاع الرسول ﵇ أن يلملم وأن يجمع وراءه أفراداً قليلين في ثلاثة عشر سنة، وأنا أقول لإخواننا في مثل هذه المناسبة أخونا أبو مالك تعرفه جيدا وما أدري تصلي عنده يوم الجمعة. مداخلة: لا أصلي عنده قليلا هكذا.

стр. 479

الشيخ: طيب صليت في يوم جمعة عنده الذي يصلوا عنده يسمعوا كل يوم جمعة قبل ما يكبر تكبيرة صلاة الجمعة ينبه المصلين لا تسبقوني بآمين، ومع ذلك هم يسبقونه بآمين ما معنى هذا؟ معنى هذا أن تربية الناس من أصعب الأمور وصار له سنين في هذا المسجد بالكاد أن أفراد ممن يلازمونه وينتبهون لتذكيره استطاعوا أنهم يتجاوبوا معه فقط في تصحيح آمين، فما بالك بتصحيح العقيدة، تصحيح السلوك. مداخلة: في الناس لما يسمعوا كلمة ولا الضالين يعتقدون أنهم يردون عليه آمين يعني هم يردوا خلفه لا هم يعني لا يعتقدون بها مناجاة الله اللهم استجب تفهيم الناس هنا مثل ما قلت تفضلت أنت يريد جهد جبار. الشيخ: عرفت فاستقم نحن نضرب لك مثال. مداخلة: لكن أنا أقرأ قول الله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢١] نعم ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢١] يعني هذا القران ما ينبهنا على أن يعني ما نقول عشرات السنين وكذا ونستعظم الأمر أكثر الذي خرج بمحمد ﵊ من مكة هو الله وأيد محمداً بنصره وهو الذي أنار نور محمد ﵊ يعني ما هو قادر أن لله ينهض بنا كذلك. الشيخ: أنت انحرفت عن الموضوع وهذه مشكلة من المشاكل، نحن نتكلم عنا نحن المنحرفين مش نتكلم عن قدرة رب العالمين هو يستطيع أو لا يستطيع، أنت تسأل سؤال هل تظن أحدا يخالفك في الجواب، هل تظن أن أحداً يقول الله عاجز، إذن تسأل عن شيء كما لو سألت الآن الشمس طالعة أو غاربة، لا

стр. 480

الشمس طالعة، لكن نسأل نحن ماذا نفعل تحت هذه الشمس، ما هو الذي ينبغي أن نعمل، فنحن نتكلم عنا نحن وقدرتنا وطاقتنا وظروفنا وليس عن قدرة ربنا القادر على كل شيء، وهو كما قال ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] لكن سبحان الله لماذا أنت تتساءل سؤال تعرف جوابه أنك ستوافق عليه ولا تخالف من مسلم مهما كان جاهلاً وبعيداً، ولا تتساءل ما معنى قوله تعالى ﴿ .. إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ .. ﴾ [محمد: ٧]. ما معنى ﴿ .. إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ .. ﴾ [محمد: ٧]. مداخلة: يعني إذا تلتزموا أوامر الله وطاعته ينصركم. الشيخ: فهل المسلمون اليوم التزموا طاعة الله. مداخلة: نحن نتساءل عن المجتمع. الشيخ: -لا تحد. مداخلة: ما لنا بعامة الناس نحن لنا بالناس الذي حولنا. الشيخ: يا شيخ الله يهديك «إن تنصروا»، خطاب لمن ها مالكم لا تنطقون. مداخلة: إن تنصروا الله الخطاب للمؤمنين. الشيخ: فأنا أقول هل ترى أنت المؤمنين قائمين بهذا الشرط قل لا. مداخلة: يجب أن يكونوا قائمين. الشيخ: كمان هذا سؤال يجب في خلاف في أنه يجب ما في خلاف، في خلاف، أن الله قادر على كل شيء ما في خلاف، لكن الخلاف الآن يبدو بيني وبينك أنا أسألك الخطاب إن تنصروا للمؤمنين هل المؤمنين نصروا الله، الجواب

стр. 481

نعم أو لا، وأنت لا تجيب. مداخلة: المؤمنين نصروا الله. أين هم الآن هل ينصروا الله في أنفسهم يعني. مداخلة: طبعا المؤمن ينصر الله لأنه ... -يا شيخ الله يهديك هؤلاء المخاطبون إن تنصروا الله ينصركم هؤلاء المخاطبون قاموا بنصر الله؟ أنت سامحك الله يعني كما قيل من عرف نفسه فقد عرف ربه، راح تنقط وتخسر النقط بعدين ... إن تنصروا شرط جوابه وجزاؤه ينصركم، أنت لازم يكون جوابك فوراً على سؤالي هل المسلمون المؤمنون المخاطبون بهذه الآية نصروا الله، لازم يكون جوابك فوراً، لا مش تقول بلى كما قلت آنفاً، لأنه سيأتيك الاعتراض الذي لا مرد منك له إذا كان هم نصروا الله، فلماذا ربنا لا ينصرهم؟ فهمت الآن، إذن هل معنى ذلك أن الله أخلف وعده؟ الجواب لا، إذن اعكس تُصِب، قل ما نصروا الله لذلك ما نصرهم الله مش تقول نعم المؤمنون نصروا الله لو كان الأمر كذلك كان الله نصرهم. مداخلة: كما نصر محمد ﵌ وأصحابه نصروا الله فنصرهم. الشيخ: ولذلك أنا قلت لك كأنك ما أنت عايش في الجو، وقلت أنك عايش مع الغنمات والمعزات إلى آخره، أي كأنك نعم ما أنت عارف المجتمع الذي أنت عايش فيه وخذها باختصار أنهم لم ينصروا الله. مداخلة: بل يحاربون الله. لذلك أنا نصيحتي لك يا أخا الإسلام وبماذا تكنى في هذه المناسبة. مداخلة: أبا محمد.

стр. 482

فأنت يا أبو محمد نصيحتي لك أنك ما تمسك السلم بهذا العرض وتمشي، وإنما حاول قبل كل شيء أن تتعلم العلم النافع وتقرن هذا العلم النافع بالعمل الصالح وتمشي سويا على صراط مستقيم وما يهمك الدنيا هذه خربت عمرت، المهم أنت، وهنا يعود بحثي السابق حول قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ .... ﴾ [المائدة: ١٠٥] بضميمة حديث أبي بكر الصديق، ومن الواجب عليك أول شيء أن تتقن قراءة القران وتحفظه، وإذا ما حفظته ما تتكلم بالقران تَحْرُفُه عن ما أنزله الله ، وبعدين تمضي قدما على أن تزداد كل يوم علما وتعمل في حدود ما تستطيع بما علمت، وكما قيل في بعض الأحاديث الضعيفة السند والتي نرجو أن معناها صحيح: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم» لكن الرواية غير صحيحة. (الهدى والنور/٧٨٨/ ٠٧: ١٧: ٠٠)

стр. 483

الأزمة والحل: العلم والعمل التصفية والتربية مداخلة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. ما كان لمثلي أن يتحدث في مجلس شيخه العالم العلامة، محدث العصر وقامع البدعة ومحيي السنة، وارث رسول الله ﵌ أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله ورعاه، ولكن الله ﵎ قدر أن أكون مستضيفاً لهذا الحفل الكريم فالله المستعان. كما تعلمون يا إخوتي أن الله ﵎ قد تعهد بحفظ هذا الدين، والله ﵎ يرسل أو يبعث في هذه الأمة من يحفظ لها دينها أمثال شيخنا: أبي عبد الرحمن حفظه الله ورعاه، والله إنه مساء سعيد وإنها ساعة مباركة قبول شيخنا أبي عبد الرحمن هذه الدعوة وهذا اللقاء مع أبنائه، وهو الآن سيحدثنا بما فتح الله عليه وعندما يكتفي إن شاء الله سيكون مجال السؤال مفتوح بشرط أن يكون السؤال مكتوب على ورقة ولن يجاب عن أي سؤال شفوي، راجياً من الإخوة التقيد بهذا الأمر، وجزاكم الله كل خير، باسم والدي: أبو رياض وإخوتي في الحي نرحب بشيخنا فليتفضل مشكوراً. الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا

стр. 484

ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. بين يدي الكلمة التي سألقيها على مسامعكم، سائلاً المولى أن ينفعني وإياكم بها، لا بد لي من الاعتذار والاعتذار السلفي كجواب عن تلك المقدمة التي أطرى فيها أبا عبد الرحمن هذا الذي سيتكلم بين أيديكم ما فتح الله عليه، فأعتذر بتلك الكلمة السلفية التي أرى أنه من واجب الدعاة السلفيين أن يحيوها في جملة ما يحيون من الآثار السلفية فضلاً عن السنة المحمدية. أعني بتلك الكلمة اللهم: لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون. أما الكلمة التي أرى أنه لا بد من تقديمها بين يدي تلك الأسئلة التي قد ترد علي، هذه الكلمة وإن كانت مكررة أكثر من مرة لكني أعتقد أن ذلك التكرار مهما تكرر .. التكرار نفسه مهما تكرر فهو قليل جداً جداً بالنسبة لما أصاب العالم الإسلامي من الانحراف عن الخطة التي لا بد للمسلمين أن يسلكوها لكي يعود إليهم عزهم ومجدهم الغابر ودون ذلك لن يصلوا إلى رغبتهم هذه. كل مسلم مهما كان فهمه للإسلام صواباً أو خطأً أو خليطاً من صواب وخطأ .. كل مسلم يعلم أن المسلمين اليوم من حيث عددهم يبلغون مبلغاً أو عدداً خيالياً ومع ذلك فكما ترون مشتركين جميعاً في الأسف الشديد، فهم اليوم كالغنم الذي لا راعي له، بل هم كما وصفهم نبيهم ﵌ في الحديث الصحيح المعروف وإنما أذكر منه موضع الشاهد قال: «أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل». لماذا المسلمون اليوم هم كما أخبرهم نبيهم ﵌، هم غثاء كغثاء السيل؟ الأمر

стр. 485

في فهمي وعلمي الذي قدر لي يعود إلى أمرين اثنين: أحدهما يتعلق بالعلم، والآخر يتعلق بالعمل. فقد انحرف المسلمون عن كلٍ من الأمرين المذكورين: عن العلم النافع، وعن العمل الصالح، فينبغي أن نعلم علماً يقينياً حقيقة العلم النافع وحقيقة العمل الصالح؛ لأن هذه المعرفة هي التي ستجعل المسلمين خلاف ذلك الوصف المذكور في حديث الرسول ﵇ آنفاً، وهذه المعرفة ستجعلهم يتمثلون بالحديث الآخر الصحيح الذي قال فيه ﵌: «مثل المؤمنين في تواددهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». أنتم تعلمون أن هذا المثل آسفاً مرة أخرى أبعد ما يكون عن واقع المسلمين اليوم، فإنكم ترون الذل قد ران على بعض بلاد المسلمين والبلاد الأخرى لا تحرك منهم ساكناً، ولا تجد أي وجع في عضو من تلك الأعضاء التي تمثل الجسد المسلم. فإذاً: معرفة العلم النافع والعمل الصالح هو العلاج لهذا المرض الوبيل الذي أصاب المسلمين من هذا الذل والفرقة، فما هو العلم النافع، وما هو العمل الصالح؟ تكلمت كثيراً عن العلم النافع وقد يلتقي مع بعض ما نتكلمه كل الجماعات الإسلامية ولكنهم قد لا يلتقون إما فهماً وإما عملاً، معنى: في بعض صفات العلم النافع. من المتفق عليه بين كافة المسلمين أن العلم إنما هو، وبالطبع وهذا من باب تحصيل الحاصل إنما نعني الآن بالعلم: العلم الشرعي، فمن المعلوم لدى كافة المسلمين أن العلم النافع مصدره كتاب الله وسنة نبيه ﵌، حول هذين

стр. 486

المصدرين لا بد من الكلام البين الواضح في كل منهما من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵌ من حيث كيفية فهم هذين المصدرين الكتاب والسنة. من المتفق عليه أيضاً أن السنة تفسر القرآن، وأن القرآن لا سبيل إلى فهمه كما أراد الله ﵎ حين أنزله على قلب نبيه ﵌ .. لا يمكن تحقيق هذا الفهم إلا بالرجوع إلى السنة، هاتان ركيزتان متفق عليهما بين كافة المسلمين الذين لا يزالون معنا في دائرة الإسلام، وإن كانوا يختلفون اقتراباً وابتعاداً عنها. سيظهر الاقتراب والابتعاد فيما يأتي من البيان: السنة تفسر القرآن، لكن معلوم أيضاً وبخاصة عند أهل العلم أن السنة قد دخلها ما لم يكن فيها يوم خاطب الله ﵎ نبيه ﵌ بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] هذا البيان الذي هو سنة الرسول ﵊ لم يَبقَ كما كان إلى وفاته ﵊، وإنما دخل في هذه السنة ما لم يكن منها يومئذٍ وقد يكون، وأرجو الانتباه: وقد يكون ذهب بعض هذه السنة التي كانت في عهد النبي ﵌ ذهبت عن بعض علماء المسلمين فضلاً عن عامتهم من أجل هذا وهذا، أعني: من أجل أنه دخل في السنة ما لم يكن منها، ومن أجل أنه قد ذهب بعضها عن بعض العلماء من أجل هذا وهذا لا يمكن فهم القرآن الكريم فهماً صحيحاً إلا بالعناية التامة المتوفرة على جمع السنة أولاً ثم على تمحيص صحيحها من ضعيفها ثانياً. هذا الواجب، وهو: جمع السنة وتمييز صحيحها من ضعيفها هذا مع الأسف الشديد لم يأخذ حقه طيلة هذه القرون الكثيرة التي مرت على المسلمين .. لم تأخذ السنة حقها سواء من حيث الجمع أولاً، ثم من حيث التمحيص ثانياً. أدندن حول نقطة ذكرتها آنفاً؛ لأنني أشعر أنني نادراً ما تعرضت لبيانها: العادة

стр. 487

أن نتعرض لبيان أنه دخل في السنة ما ليس منها، أما أن نتعرض لبيان أنه قد ضاعت بعض السنة على بعض العلماء فيجب نحن أن نتحرى هذه السنة الضائعة على بعض العلماء فنضمها إلى المجموعة التي اخترنا منها ما صح من سنة النبي ﵌. وإن مما لا شك فيه أن هذا الواجب المزدوج أي: من حيث الجمع أولاً، ثم من حيث تصفية الصحيح من الضعيف ثانياً .. لا شك ولا ريب أن مثل هذا العمل لا يمكن أن يقوم به فرد أو أفراد أو عشرات أو مئات ومتفرقين في العالم الإسلامي، الأمر أعظم بكثير جداً جداً مما يتصوره البعض أنه أمر ميسور الجمع ثم التمحيص وتمييز الصحيح من الضعيف. ولكن لما كان من القواعد الإسلامية المتفق عليها بين الأمة قوله ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] لا ينبغي لمن كان عنده قدرة على الجمع أو التمحيص، بل وعلى الجمع بين الأمرين كليهما لا بد أن يقوم به من هذا الباب: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولا شك ولا ريب أن العالم المسلم كلما كان أكثر جمعاً للسنة، وأعرف بتمييز صحيحها من ضعيفها كلما كان متمكناً من تفسير القرآن تفسيراً صحيحاً وبالتالي كلما كان أفقه بالإسلام من أولئك الآخرين الذي لم يؤتوا حظاً من الجمع للسنة ومن التمييز للصحيح من الضعيف منها. إذاً: فالعلم النافع هو المستقى من كتاب الله والمفسر على سنة رسول الله ﵌، وبهذا التمحيص الذي ندندن حوله، ذلك مما نراه أشبه ما يمكن أن نقول عنه إن هذه الحقيقة العلمية ضائعة اليوم من أفكار كثير من العلماء فضلاً عن طلاب العلم الذين ابتلوا بالإفتاء أو بالتأليف والتصنيف.

стр. 488

لذلك ننصح كل من كان معنا على هذا الخط المستقيم الكتاب والسنة أنه يجب تفسير القرآن بالسنة والسنة الصحيحة مع الحرص الشديد على جمع أكبر كمية ممكنة من السنة الصحيحة ليتمكن من تفسير القرآن تفسيراً صحيحاً في أوسع دائرة يتمكن منها. هذا هو العلم النافع! العلم النافع معلوم جملةً أنه ما كان مستقىً من الكتاب والسنة، لكن مع الأسف ليس معلوم أن السنة يجب تحريها عملاً وفكراً، معلوم عند العلماء الذين يدرسون علم مصطلح الحديث مثلاً وعلم الجرح والتعديل هذا أمر معروف نظرياً لكنه مع الأسف غير مطبق عملياً، لذلك يجب علينا نحن معشر طلاب العلم أن يدندنوا دائماً وأبداً حول هذا الذي نكني عنه بالتصفية! فقد عرفنا الآن التصفية التي نحن نتكلم عنها في كثير من الجلسات أو المحاضرات: تصفية الإسلام من ما دخل فيه مما لم يكن يوم قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] هذا بطبيعة الحال كلام مجمل من حيث الأصل .. من حيث معرفة العلم النافع ما هو، أما التصفية هذه دائرة عملها واسع جداً جدا؛ لأنه يتطلب فقهاً صحيحاً مستقىً من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵌ الصحيحة، وهذا لا يتمكن منه إلا أفراد قليلون جداً ممن أوتوا حظاً من العلم النافع، ولا أكرر فقد عرفتم ما هو العلم النافع. فمن كان على أمر وعلى علم بهذا العلم النافع هو الذي يستطيع أن يقوم بتصفية الإسلام مما دخل فيه، لأن هذه التصفية تعني: تصفية العقائد والأفكار مما توارثها الخلف عن بعض من تقدمهم .. تصفية الأفكار والعقائد مما ليس لها صلة بالإسلام .. بالكتاب والسنة، هذه التصفية تعني: تصفية كتب الفقه من الآراء

стр. 489

والاجتهادات التي وإن كانت قد صدرت من بعض العلماء والأئمة وكانوا مأجورين على تلك الآراء، ففيها الشيء الكثير مما يخالف الكتاب والسنة، فهم وإن كانوا مأجورين ولكن لا بد لأهل العلم من تمييز آرائهم التي خالفت الكتاب والسنة ولو باجتهاداتهم من تلك الآراء المطابقة للكتاب والسنة، حتى يتبنى المسلمون إسلاماً مصفى. وهنا لا بد لي من وقفة لعلها تكون قصيرة إن شاء الله: حينما قال الله ﵎: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ندري يقيناً أن الله حينما شرع لعباده هذا الإسلام على ما قام ببيانه نبينا ﵊ إنما كلفهم في حدود طاقتهم، فإذا وسع هذا الإسلام بآراء اجتهادية أو ببدع إضافية ألحقت بسبب انحراف في قاعدة ليست هذه القاعدة إسلامية كقول بعضهم مثلاً: إن البدعة تنقسم إلى خمسة أقسام، باسم هذا التقسيم أدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وبذلك الاجتهاد الذي لا بد منه من أهل العلم والاجتهاد قد وقعت منهم آراء خالفت الكتاب والسنة قليلة أو كثيرة ليس هذا هو البحث الآن. فمن مجموع تلك البدع التي أضيفت باسم وجود بدع حسنة وسيئة، وباسم تلك الآراء الاجتهادية المخالفة للسنة اتسعت دائرة الإسلام فصار هذا الإسلام بصورة واسعة لا يستطيع أعبد الناس أن ينهض به؛ لأن الذي كلف به في عهد النبي ﵇ هو الذي يستطاع، فما ألحق بهذا الإسلام فيما بعد بطريقة من الطريقتين المشار إليهما آنفاً فهنا سيقع من المسلم كلما أخذ شيئاً من هذه الزيادات نقص من ما هو زيد عليه أي: من الإسلام الصحيح، لذلك يظهر أهمية خطيرة جداً جداً من ضرورة تصفية الإسلام مما ليس فيه. قلت آنفاً: تصفية العقائد والأفكار، ثم ثنيت بتصفية الفقه من تلك الآراء أو

стр. 490

البدع، ثم تصفية الأحاديث وما أداركم وهذا سبق الإشارة إليه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولا سيما وأنه قد فتح على المسلمين باب واسع جداً برأي لا أقول بقاعدة .. برأي قاله بعض العلماء كان نتيجة هذا الرأي: الإبقاء والمحافظة على الأحاديث الضعيفة، ليت كانت المحافظة وهي معروفة ضعفها بل إبقاؤها على ما هي عليه دون أن يعرف جماهير المسلمين ضعفها، تلك القاعدة حملت العالم الإسلامي كله على إبقاء الأحاديث الضعيفة كما هي باسم الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، هذا كنتيجة عملية، وأنا بفضل الله مع بعض إخواننا من أعرف الناس بهذه الحقيقة أي: إن العالم الإسلامي اليوم يعيش في خضم بحر واسع جداً من الأحاديث الضعيفة يعملون بها وقد أيدوهم بتلك القاعدة: الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال. أنا أضرب لكم مثلاً لأني وقفت عليه قريباً جداً ومن عالم من كبار علماء الحديث ولكنه يبدو لي أنه قال ذلك قبل أن يحرر القول في هذه القاعدة المذكورة: يعمل في الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، مر بي في بعض الرسائل حديث واسمعوا وتعجبوا .. اسمعوا وتعجبوا من ناحيتين اثنتين: الناحية الأولى: كيف أن هذا الحديث ألفت فيه رسالتان، ثم العالم الذي أشرت إليه آنفاً سلك هذا الحديث باسم: أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال، ما هو الحديث الضعيف؟ «لا تسبوا البرغوث لا تسبوا البرغوث، فإنه أيقظ نبياً للصلاة» وفي رواية: «لصلاة الصبح أو الفجر» ألفت رسالتان في هذا الحديث: إحداهما: مؤلفه معروف أنه مع الأسف جماع قماش غير فتاش، قماش جماع لا يفتش لا يحقق وإنما همه روى فلان عن فلان روى فلان عن فلان، ليس لنا

стр. 491

كلام معه، لكن الكلام الآن مع العالم الآخر الذي يلقب بحق أنه كان أمير المؤمنين في الحديث في زمانه، ولا تزال هذه الإمارة حق له ثابتاً إلى ما شاء الله؛ لأنني في اعتقادي وفي بحثي ما علمت له مثيلاً، ماذا قال بعد بحث علمي صحيح؟ قال معنى كلامه: وخلاصة القول: أن هذا الحديث حديث البرغوث متماسك، لكن يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، سبحان الله! هناك أحاديث صحيحة ومبثوثة في كتب العلم تغنينا عن مثل هذا الحديث الضعيف ما دام أنه ثبت بالنقد العلمي الصحيح أنه لا يصح، فلماذا نقول: لكنه يعمل به في فضائل الأعمال، أين الفضيلة هنا؟ أنا أقول لكم: الفضيلة أن المسلم يجب أن يهذب لفظه وألا يسب خلق من خلق الله وبخاصة إذا كان هذا الخلق غير مكلف .. حيوان غير مكلف، وقد جاءت أحاديث كثيرة وصحيحة تنهى المسلم عن اللعن بصورة عامة، وأحاديث أخرى تنهى عن لعن أشياء بأعيانها، فكلكم يعلم قول النبي ﵌: «لا تسبوا الديك فإنه يوقظ للصلاة» هذه حقيقة معروفة، إذاً نهى عن سب الديك ونهى عن لعن الدواب ونحو ذلك، ثم جاء بعبارات عامة لإبعاد المسلم عن أن يقع في شيء من اللعن حيث قال ﵇ في بعض الأحاديث: «من لعن شيئاً ارتدت اللعنة عليه إلا أن يكون الملعون مستحق للعنة» إذاً: في هذا ما يغنينا عن حديث البرغوث، وبخاصة كما قلت لكم آنفاً أنه ليس مكلفاً هو حيوان، ولا شك أن الله كما قال بحقهم في القرآن الكريم: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] فما خلق شيئاً عبثاً إنما هو لحكمة بالغة. فإذاً: ما ينبغي أن نحافظ على هذه الأحاديث الضعيفة ونسلّكها باسم: أنه يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.

стр. 492

إذاً: من جملة ما تشمل قاعدة التصفية: تصفية السنة من الأحاديث الضعيفة فضلاً عن الأحاديث الموضوعة. إلى اليوم يا إخواننا لا تجدون كتاباً جامعاً .. كتاباً جامعاً للأحاديث الضعيفة والموضوعة، هذا المثال الذي أقدمه إليكم يكفيكم أن تقتنعوا بأن السنة لم تخدم بعد .. لم تخدم بعد! خذوا أي كتاب من الكتب التي تعالج الأحاديث الضعيفة الموضوعة فقد يصل أكبر عدد إلى ألفين يعني: من الأحاديث الضعيفة وليس إلا. وأنا شخصياً وهذا من فضل ربي علي أنني إلى اليوم قد توفر عندي نحو سبعة آلاف من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، فتصورا لو أن علماء المسلمين تتابعوا بواجب قيام تصفية السنة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة لوجدتم العالم الإسلامي اليوم لا يعمل بأحاديث ضعيفة وموضوعة لماذا؟ لأن السنة قد قدمت إليهم مصفاة عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة. إذاً: التصفية تشمل هذه الأحاديث التي نسبت إلى النبي ﵌ خطأً أو زورا. وأيضاً التصفية تشمل تصفية كتب الرقائق والسلوك من كثير من انحرافات باسم: الزهد، وباسم: الأخلاق العالية السامية، هذه النقطة وحدها فيما علمت لم يقم بها عالم يصفي هذه الناحية فقط، هذا من العلم النافع أن تصفى السنة من كل هذه الجوانب التي تشملها السنة الصحيحة وتغنينا عن كثير منها. أما العمل الصالح: قلنا العلم النافع والعمل الصالح، فهذه مشكلة كبيرة وكبيرة جداً؛ لأن كثيراً من المسلمين الصالحين عملاً، عملاً أي: في ظاهر أعمالهم يفسدون أعمالهم مما وقر في قلوبهم من أنهم لا يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ

стр. 493

بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] معنى هذا: أن العمل لا بد أن يشترط فيه شرطان اثنان: الشرط الأول: أن يكون على السنة، وهذا انتهينا من البحث ولو بشيء من الإطناب. والشرط الثاني: أن يكون خالصاً لوجه الله ﵎، وهذا بحث طويل وطويل جداً، وأرى أنني أخذت شيئاً من الوقت طويلاً فأقتصر الآن على مثل واحد مما ابتلي به العالم الإسلامي، وهذا المثل الواحد يشمل أنه انحرف أصحابه فيه عن العمل الصالح بشرطيه أي: أن يكون على وجه السنة وأن يكون خالصاً لوجه الله ﵎، ما هو هذا المثال؟ تجدون الآن في كثير من البلاد ومنها بلدنا هذا قد انتشرت فيه المساجد والحمد لله كثرةً نباهي بها كثيراً من البلاد الأخرى وليس كمباهاة البانين لها، لكن هذه الكثرة من هذه المساجد التي تبنى هل توفر فيها شرطا العمل الصالح: أن يكون على السنة وأن يكون خالصاً لوجه الله ﵎؟ أقول آسفاً: أكثر هذه المساجد لم يتوفر فيها لا الشرط الأول ولا الشرط الآخر: أما الشرط الأول: فأن يكون بناؤه على السنة، هذه السنة التي جمعها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حينما قال للبناء الذي كلف ببناء الزيادة التي أضافها عمر إلى المسجد النبوي قال له: أكن الناس من الحر والقر ولا تحمر ولا تصفر، فهو أشار إلى أمر إيجابي وإلى أمر آخر سلبي، أما الأمر الايجابي الذي من أجله بنيت المساجد فذلك قوله: أكن الناس من الحر والقر، فبناء المساجد لا يقصد بها إلا تحقيق الراحة النفسية للذين يدخلون هذه المساجد يصلون فيها لله ﵎ تحفظهم هذه المساجد من الحر والقر،

стр. 494

هذا هو المقصود من بناء المساجد، ليس المقصود زخرفتها هذه الزخرفة التي أشار إليها عمر الفاروق بكلمته السابقة: ولا تحمر ولا تصفر، من أين أخذ عمر هذا؟ هناك أحاديث تعرفونها من مثل قوله ﵊: «ما أمرت بتشييد المساجد» .. «ما أمرت بتشييد المساجد» التشييد هنا فسر بمعنيين اثنين: المعنى الأول: هو المبالغة في رفع بنيانها كالقصور، هذا إضاعة للمال ولا يحقق المقصود من ما صرح به عمر: أكن الناس من الحر والقر، وهذا الحديث لما رواه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» قال: إما اقتباس منه واجتهادً صحيحاً منه، وإما تلقياً منه عن ﵌ بهذا النص أو بقريب من هذا النص، حيث قال بعد أن روى عن رسول الله ﵌: «ما أمرت بتشييد المساجد، قال: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى» وهذه نبوءة قد تحققت من زمن بعيد وبعيد جداً لكنها مع الأسف الشديد في هذا الزمن الذي تفنن فيه الكفار بزخرفة دنياهم وقلدهم كثير من المسلمين فقد تفننوا تفنناً لا حدود له في زخرفة المساجد، كما أنتم تشاهدون ولست بحاجة إلى ضرب الأمثلة، ولكن ما بالكم أن المسجد النبوي الذي قال فيه ﵌ حديث ابن عباس هذا: «ما أمرت بتشييد المساجد» هو الآن يشيد كيف؟ تقليداً لليهود والنصارى كما قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. لقد جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن أم سلمه وأم حبيبة رضي الله تعالى عنهما وهما من أزواج النبي ﵌ كما تعلمون لما رجعتا من الحبشة ذكرتا كنيسةً رأتاها في الحبشة وذكرتا، هنا الشاهد: من حسنٍ وتصاوير فيها، فقال ﵊، تأملوا يا إخواننا! كيف أن هذه الأخبار اليوم تطبق من المسلمين تقليداً منهم للكافرين، كما لو كان

стр. 495

الرسول ﵇ أمرهم بذلك بل لو أمرهم بذلك ما فعلوا ولا استجابوا، فذكرتا من حسنٍ وتصاوير فيها، فقال ﵊: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنو على قبره مسجداً وصورا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». الآن المسلمون .. أما الزخرف فهذا حدث كما يقال ولا حرج، ولكن هناك بعض المساجد يبنيها المنفقون عليها وقد أوصوا أن يدفنوا فيها، هذا كما لو كان الرسول أمر بذلك بل إنه كما سمعتم في حديث عائشة المذكور آنفاً وفي أحاديث أخرى حذر أشد التحذير من بناء المساجد على القبور، ومن ذلك حديث عائشة الآخر: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وهناك أكثر من عشرة أحاديث كلها تدندن حول لعن المتخذين للمساجد على القبور، وحديث منها على الأقل يتعلق بهذه الأمة، حيث قال ﵊: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق وعلى الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد» على هؤلاء تقوم الساعة. لذلك فبناء المساجد اليوم مع كثرتها التي تبشر بخير من جانب ولكن من حيث كيفيتها لا تبشر بخير إطلاقاً؛ لأنه لم يتوفر فيها الشرطان اللذان لا بد من أن يتحققا في العمل الصالح، الأول: أن يكون على السنة، فهذه المساجد ليست على السنة، ثم هل قصد بانوها وجه الله في هذا البنيان هذا نحن نقول الله أعلم بما في صدورهم، لكن إذا جاز لنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر نقول: إن هؤلاء الذين يبنون هذه المساجد وينفقون عليها الألوف إن لم نقل الملايين يبدو والله أعلم، أقول متحفظاً لأني أعني ما أقول: يبدو والله أعلم أنهم كانوا غير مخلصين، لماذا أتحفظ؟ لأني أضع احتمالاً وهذا الاحتمال وارد
следующие страницы →