Полный текст (5 605 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ضعف المسلمين
والحل للخروج منه
стр. 562
المستقبل للإسلام
[قال الإمام]:
قال الله : ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾.
تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على الأديان كلها , وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده ﵌ وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين , وليس كذلك , فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا الوعد الصادق , كما أشار إلى ذلك النبي ﵌ بقوله: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى , فقالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ أن ذلك تاما , قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله». الحديث.
رواه مسلم وغيره , وقد خَرَّجته في «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» (ص ١٢٢).
وقد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام ومدى انتشاره , بحيث لا يدع مجالا للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله وتوفيقه.
وها أنا أسوق ما تيسر من هذه الأحاديث عسى أن تكون سببا لشحذ همم العاملين للإسلام , وحجة على اليائسين المتواكلين:
стр. 563
١ - «إن الله زوى (أي جمع وضم) لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها». الحديث.
وأوضح منه وأعم الحديث:
٢ - «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلا يذل به الكفر».
ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان، وهذا ما يبشرنا به الحديث: «عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﵌ نكتب إذ سئل رسول الله ﵌: أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﵌: «مدينة هرقل تفتح أولا. يعني قسطنطينية».
و(رومية) هي روما كما في «معجم البلدان» وهي عاصمة إيطاليا اليوم.
وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني كما هو معروف، وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي ﵌ بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني بإذن الله تعالى ولابد، ولتعلمن نبأه بعد حين.
ولا شك أيضا أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة المسلمة، وهذا مما يبشرنا به ﵌ بقوله في الحديث:
«تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم
стр. 564
تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت».
هذا وإن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين واستثمارهم الأرض استثمارا يساعدهم على تحقيق الغرض، وتنبئ عن أن لهم مستقبلا باهرا حتى من الناحية الاقتصادية والزراعية قوله ﵌:
«لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهاراً».
وقد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب بما أفاض الله عليها من خيرات وبركات وآلات ناضحات تستنبط الماء الغزير من بطن أرض الصحراء وهناك فكرة بجر نهر الفرات إلى الجزيرة كنا قرأناها في بعض الجرائد المحلية فلعلها تخرج إلى حيز الوجود، وإن غدا لناظره قريب.
هذا ومما يجب أن يعلم بهذه المناسبة أن قوله ﵌:
" لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ".
رواه البخاري في " الفتن " من حديث أنس مرفوعاً.
فهذا الحديث ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث المتقدمة وغيرها مثل أحاديث المهدي ونزول عيسى ﵇ فإنها تدل على أن هذا الحديث ليس على عمومه بل هو من العام المخصوص، فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه فيقعوا في اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ أسأل الله أن يجعلنا مؤمنين به حقا.
الصحيحة (١/ ١/٣١ - ٣٦) بتصرف.
стр. 565
حض الإسلام على استثمار
الأرض وزرعها
قال رسول الله ﵌: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة».
وقال: «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سُرِق منه له صدقة وما أكل السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه (أي ينقصه ويأخذ منه) أحد إلا كان له صدقة (إلى يوم القيامة)».
وقال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها».
[بوب الإمام لهذه الأحاديث بقوله]: حض الإسلام على استثمار الأرض وزرعها.
[ثم قال]:
ولا أدل على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة، لاسيما الحديث الأخير منها فإن فيه ترغيبا عظيما على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع ما ينتفع به الناس بعد موته فيجري له أجره وتكتب له صدقته إلى يوم القيامة.
الصحيحة (١/ ١/٣٧ - ٤٠) بتصرف.
стр. 566
التكالب على الدنيا يورث الذل
[قال الإمام]:
ذكرت في المقال السابق بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض، مما لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام شرع ذلك للمسلمين ورغَّبهم فيه أيما ترغيب.
واليوم نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة أو القلوب المريضة أنها معارضة للأحاديث المتقدمة، وهي في الحقيقة غير منافية لها، إذا ما أُحسن فهمها، وخلت النفس من اتباع هواها!
الأول: عن أبي أمامة الباهلي قال - ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل».
وقد وَفَّق العلماء بين هذا الحديث والأحاديث المتقدمة في المقال المشار إليه بوجهين اثنين:
أ - أن المراد بالذل ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من خراج أو عشر، فمن أدخل نفسه في ذلك فقد عرَّضها للذل.
قال المناوي في «الفيض»: «وليس هذا ذماً للزراعة فإنها محمودة مُثَاب عليها لكثرة أكل العوافي منها، إذ لا تلازم بين ذل الدنيا وحرمان ثواب البعض».
ولهذا قال ابن التين: «هذا من إخباره ﵌ بالمغيبات، لأن المشاهد الآن أن
стр. 567
أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث».
ب - أنه محمول على من شغله الحرث والزرع عن القيام بالواجبات كالحرب ونحوه، وإلى هذا ذهب البخاري حيث ترجم للحديث بقوله:
«باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به».
فإن من المعلوم أن الغلو في السعي وراء الكسب يلهي صاحبه عن الواجب ويحمله على التكالب على الدنيا والإخلاد إلى الأرض والإعراض عن الجهاد، كما هو مشاهد من الكثيرين من الأغنياء.
ويؤيد هذا الوجه قوله ﵌: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم».
فتأمل كيف بَيَّن هذا الحديث ما أُجمل في حديث أبي أمامة المتقدم قبله، فذكر أن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث بل لما اقترن به من الإخلاد إليه والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله، فهذا هو المراد بالحديث، وأما الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك فهو المراد بالأحاديث المرغبة في الحرث فلا تعارض بينها ولا إشكال.
تنبيه: من البواعث على كتابة هذا المقال: أن مستشرقا ألمانيا زعم لأحد الطلاب المسلمين السوريين هناك أن الإسلام يحذر أهله من تعاطي أسباب استثمار الأرض واحتج بهذا الحديث، وقال: إنه في البخاري، متعاميا عن المعنى الذي ذكره البخاري نفسه في ترجمته للحديث السابق.
[ثم أورد الإمام حديث]:
стр. 568
«لا تتخذوا الضَيِّعة فترغبوا في الدنيا».
ثم قال: واعلم أن هذا التكثر المفضي إلى الانصراف عن القيام بالواجبات التي منها الجهاد في سبيل الله هو المراد بالتهلكة المذكورة في قوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ وفي ذلك نزلت الآية خلافا لما يظن كثير من الناس!
الصحيحة (١/ ١/٤٠ - ٤٦) بتصرف.
الانشغال بالدنيا عن الدين سبب الهلاك
قال الإمام عن الانشغال بالدنيا:
وهذا ما أصاب أكثر المسلمين اليوم فشُغِلوا بإصلاح أموالهم وتنميتها عن الاهتمام بدينهم والدفاع عن بلادهم، وقد غزاها أذل الناس، فصدق فيهم قول نبيهم: إذا تبايعتم بالعينة .. الحديث، وفيه: وتركتم الجهاد في سبيل الله سلَّط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم.
صحيح موارد الظمآن (٢/ ١١٩).
стр. 569
العودة إلى الدين هو الطريق
للخلافة الإسلامية
قال رسول الله ﵌: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كَبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين».
قال الإمام: قوله: (ما أقاموا الدين) أي: مُدَّة إقامتهم أمور الدين، ومفهومه أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم، وفي ذلك أحاديث أخرى تقدم أحدها (١٥٥٢) وانظر الآتي بعده. وإليها أشار الحافظ في شرحه لهذا الحديث بقوله (١٣/ ١١٧): «ويؤخذ من بقية الأحاديث أن خروجه عنهم إنما يقع بعد إيقاع ما هُدِّدوا به من الله أولا، وهو الموجب للخذلان وفساد التدبير، وقد وقع ذلك في صدر الدولة العباسية، ثم التهديد بتسليط من يؤذيهم عليهم، ووجد ذلك في غلبة مواليهم حيث صاروا معهم كالصبي المحجور عليه، يقتنع بلذاته ويباشر لأمور غيره، ثم اشتد الخطب فغلب عليهم الديلم، فضايقوهم في كل شيء حتى لم يبق للخليفة إلا الخطبة، واقتسم المتغلبون الممالك في جميع الأقاليم، ثم طرأ عليهم طائفة بعد طائفة، حتى انتزع الأمر منهم في جميع الأقطار، ولم يبق للخليفة إلا مجرد الاسم في بعض الأمصار». قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة، بل الأمر أسوأ، فإنه لا خليفة اليوم لهم، لا اسما ولا رسما، وقد تغلبت اليهود والشيوعيون والمنافقون على كثير من البلاد الإسلامية. فالله تعالى هو المسؤول أن يوفق المسلمين أن يأتمروا بأمره في كل ما شرع لهم، وأن يلهم الحكام منهم
стр. 570
أن يتحدوا في دولة واحدة تحكم بشريعته، حتى يعزهم الله في الدنيا، ويسعدهم في الآخرة، وإلا فالأمر كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾، وتفسيرها في الحديث الصحيح: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»، فإلى دينكم أيها المسلمون حكاما ومحكومين.
الصحيحة (٦/ ٢/٨٤٦).
стр. 571
باب منه
قال رسول الله ﵌: «أما بعد: يا معشر قريش! فإنكم أهل هذا الأمر ما لم تعصوا الله، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم كما يُلحي هذا القضيب - لقضيب في يده».
[بوب عليه الإمام بقوله]:
الخلافة في قريش ما أطاعوا الله.
[ثم قال]:
وهذا الحديث عَلَم من أعلام نبوته ﵌، فقد استمرت الخلافة في قريش عدة قرون، ثم دالت دولتهم، بعصيانهم لربهم، واتباعهم لأهوائهم، فسلط الله عليهم من الأعاجم من أخذ الحكم من أيديهم وذل المسلمون من بعدهم، إلا ما شاء الله. ولذلك فعلى المسلمين إذا كانوا صادقين في سعيهم لإعادة الدولة الإسلامية أن يتوبوا إلى ربهم، ويرجعوا إلى دينهم، ويتبعوا أحكام شريعتهم، ومن ذلك أن الخلافة في قريش بالشروط المعروفة في كتب الحديث والفقه، ولا يُحَكِّموا آراءهم وأهواءهم، وما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم، وإلا فسيظلون محكومين من غيرهم، وصدق الله إذ قال: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم﴾. والعاقبة للمتقين.
الصحيحة (٤/ ٧٠).
стр. 572
سبب ضعف المسلمين
بيان الشيخ حرمة الدخان ونصيحته المسلمين بتقوى الله وطلب الرزق الحلال، مع التنبيه على السبب الأساسي الذي أدى إلى ضعف المسلمين وتكالب الكفار عليهم.
الشيخ: الدخان [ ... ] ومضر في الناحية وفي العلاقات الاجتماعية، فأنت تركب الباص أو تركب القطار وأنت ممن عافاك الله من شرب الدخان، فَتُبْتَلى بشخص يشرب الدخان، فيملأ الباص والغرفة من هالدخان الخبيث - الرائحة - ويضيق على الناس الذين حوله ولا يبالي، هذا الدخان الخبيث أصبح إذا تحدث أحد أهل العلم حوله بشيء من التفصيل وقد يأخذ ذلك نصف ساعة أو ساعة أحياناً ليُقيم الحجة بعد الحجة والدليل بعد الدليل على أن الدخان شربه حرام لا فرق في ذلك بين الغني والفقير، وإذا بأحد اللامبالين في المجلس يقول: يا أخي إن كان حراماً حرقناه وإن كان حلالاً شربناه، هذه تسمعوها كثير.
الحضور: إيه نعم.
الشيخ: لهذا فالكلمة هذه تمثل واقع العالم الإسلامي اليوم إلا من شاء الله وقليل ما هم، فأكثرهم لا يتقون الله في تحصيلهم لكسبهم ورزقهم، مع أن النبي ﵌ كان يقول: «يا أيها الناس إن أحدكم لنْ يموت حتى يستكمل رزقه وأجله، فأجملوا في الطلب فإن ما عند الله لا يُنال بالحرام»، «إن أحدكم لنْ يموت حتى يستكمل رزقه وأجله، فأجملوا في الطلب» أي: اسلكوا الطريق والسبيل
стр. 573
الجميل، أي: المشروع في طلب الرزق، لأنه لنْ يموت أحدكم حتى يستوفي الرزق كله، لا يدع من وراءه ولا فلس كما أنه أيضا يستوفي أجله [ .... ]،
كما قال تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ والساعة في الآية: ليست الساعة التي عندنا (٢٤)، لا، الساعة في الآية: اللحظة، يعني: ﴿لا يستأخرون ساعة﴾ أي: لحظة، ﴿ولا يستقدمون﴾ الشاهد: مع كل هذه الأوامر الشرعية والضمانات الإلهية بأن الإنسان سينال رزقه شاء أم أبى، فنحن نهتم بهذا الرزق إلى درجة أننا لا نسأل: حرام أو حلال، أما الغاية التي من أجلها خُلقنا: وهي أن نعبد ربنا فقد جعلنا ذلك نسياً منسياً، فبتلاقي هالمسلمين كالكفار يعملون ليلاً نهاراً في سبيل طلب ما هو مضمون، ويهملون ما من أجله خُلقوا، وهو عبادة الله ﵎، ولذلك فكثير من عامة المسلمين - بل وبعض خاصتهم - يجهلون السبب الحقيقي الذي به وقع المسلمون في هذا الذل وفي هذا الاستبداد والاستعمار من الكفار جميعاً وبخاصة اليهود الذين احتلوا بلادنا، ما يعرفون السبب إلا قضاء الله وقدره، هيك [هكذا]، الله كاتب علينا، وكثير منهم من ينتقد ويعترض على الله، ويقول: شو اليهود أحسن منا؟ مو إحنا مسلمين؟ شلون حل اليهود محلنا في بلادنا؟ ذلك من جهلهم، لأن لله في هذا الكون سنناً وقوانين ونظم، من أخذ بها وصل إلى غاياتها ومن أعرض عنها وتأخر سواء في الدين أم في الدنيا، لقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: «ستتداعى عليكم الأمم، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها» قالوا: أَوَ مِنْ قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «لا، بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
رجل من الحضور: يُطَبِّق - سيدي - هذا الحديث ...
стр. 574
الشيخ: نعم؟
الرجل: يُطَبَّق هالوقت؟
الشيخ: يُطَبَّق؟ أطَّبق وخَلَصَ، وهذا بيؤكد لك الحديث الثاني: قال ﵇: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله ... » ... [هنا قطع في الشريط])، هاي اليهود احتلوا بلادنا، شو بدهم المسلمين ذل أكثر من أن يُستذلوا من أذل الناس ضُرِبَت عليهم الذلة والمسْكَنَةُ فباؤوا بغضب من الله؟ وإذا بهؤلاء يستذلوننا نحن المسلمين، هل نحن اسْتُذْلِلْنا من أذل الناس لأننا أعزة - كما قال ربنا في القرآن: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾؟ لا، خبر الله لا يتأخر، ﴿لله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ لكن من هم هدول المؤمنين؟ ؟ هم الذين يتقون الله ﵎ وبيمشوا على شريعته، فنحن مصيبتنا اليوم أننا أعرضنا عن المبدأ الأساسي الذي من أجله خلقنا، وهو: عبادة الله ﵎، فأكثرنا لا يعبد الله، والقليل الذي يعبد الله لا يعرف كيف يعبده، فمن الأشياء التي نسيناها، وهي في القرآن المحفوظ، الذي امتن الله علينا فقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فمما جاء في القرآن: ﴿ومَنْ يَتَّقِ الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ أصبحت هذه الآية كأنها منسوخة من القرآن، مش مسطرة يقرأها المسلمون ليلاً نهاراً، لكن شو فائدة القرآن المسطور في الصحف والمصاحف والذي تُزَين به الجُدُر أما القلوب فهي خاوية على عروشها؟ هل القرآن أُنْزِلَ لنُزَيِّن به بيوتنا ولنتلوه على أمواتنا ونبعده عن أحيائنا تطبيقاً؟ لا، مو عملاً، قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حياً وَيَحِقَّ القول على الكافرين﴾ فالقرآن أُنْزَلَ للأحياء أولاً، وليس للأموات، ثم أنزل للأحياء ليعملوا به، لا ليُزَيِّنوا به
стр. 575
بيوتهم وجدرانهم، فهذه آية مما جاء في القرآن، لكن أكثر المسلمين - وخاصة الذين أنعم الله عليهم بشيء من المال - يحرصون على المحافظة عليه ويَخْشَوْنَ ضياعه أو أن يُسرق منهم، بخاصة
هؤلاء نسوا هذه الآية: ﴿ومن يَتَّقِ الله يجعل له مخرجا* ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ هذه الآية تعطي أمرين هامين جداًّ لمن يتقي الله:
الأمر الأول: إذا وقع في ضيق جعل له مخرجاً، وإذا ضاق عليه الرزق، رزقه من حيث لا يحتسب، لأنه اليوم إذا وقعنا في ضيق ربما أحدنا يكفر بالله ولا يلجأ إلى الله ولايتضرع إليه ولا يتوسل إليه بما يحبه ويرضاه، كما وقع لبعض من قبلنا ممن حدثنا بحديثهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قصة وقعت لبعض الأقوام الذين كانوا قبل بعثة محمد ﵊، فحكى القصة نبينا لنا لنتخذ ذلك عبرة ولا ننسى، مثل: الآية السابقة: ﴿ومن يَتَّقِ الله يجعل له مخرجا﴾ هؤلاء قال فيهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «بينما ثلاثة نفر ممن قبلكم يمشون إذا أخذهم المطر فلجؤوا إلى غار في جبل - ما يجرهم المطر والسيل في الصحاري - فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم - كانوا في مشكله يخشونها فإذا بهم يواقعونها، خايفين من المطر يشتد ويصير سيل ويروحوا مع السيل، ولجؤوا إلى الجبل يتحصنون به، وإذا من أعلى الجبل تلك الصخرة الضخمة لا تزحزحها الآلات الحديثة اليوم، وكأن الله وضعها في وجه الغار الذي هم فيه، هم ثلاثة أشخاص - فقال أحدهم: يا هؤلاء، انظروا أعمال عملتموها صالحة لله، لعل الله يفرجها عنكم - شافوا جبل انحط أمام وجهه في الغار، من الذي بيزيح الجبل؟ هو الذي أنزله، رب العالمين ، لكن هذا رجل عاقل ورجل مؤمن تقي، يقول لأصحابه: شوفوا أعمالاً عملتموها يوماً ما صالحة وقصدتم بها وجه
стр. 576
الله، فتوسلوا بها إلى الله، لعل الله بيزيح الصخرة عن وجه الغار - فقام أحدهم وقال: اللهم إن كنت تعلم أنني كان لي أبوان شيخان كبيران، وامرأتي وكان لي صبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت حلبت فبدأت بأبويَّ قبل بَنِيّ، فنأى بي ذات يوم شجر فرجعت، وقد أمسيت فحلبت كما كنت
أحلب، وجئت بالحلاب إليهما، فوجدتهما قد ناما ـ متأخر - قال: فكرهت أن أوقظهما من نومهما، وكرهت أن أسقي الصبية قبلهما، والصبية يتضاغون من الجوع عند قَدَميّ - شو بيقول هذا الرجل؟ يقول أنه كان عنده غنمات وله أبوين وزوجة وأولاد، كل يوم الصبح بكير بيأخذ الغنمات وبيسرح يتطلب إيش؟ الكلأ، النبات، من شان يرعى الغنم، الظاهر: قطع مسافة كبيرة ما وجد قريب، ولما رجع ما وصل إلى البيت إلا وقد أمسى المساء، وهو كعادته الطيبة إللي تدل على بره بأبويه، يأخذ هالوعاء إللي بيحلب فيه حليب، بيمليه حليب وبيبدأ بأبويه قبل عائلته، فحلب، أول ما جاء من البرية لما رجع المساء، وراح دخل عليهم وإذا بهم نايمين، شو بيسوِّي هذا الرجل؟ عنده عادة: بيبدأ بأبويه بالسقي قبل زوجه وأولاده، الآن وقع في مشكلة، أبوه وأمه نايمين، وولاده الصغار صايحين من الجوع، كل النهار ما جاء لعندهم، قال: فوقفت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن اسقي الصبية قبلهما، والصبية بيتضاغون من الجوع عند قَدَميّ من الجوع، يعني: بيصيحوا - قال: فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر ... ».
(الهدى والنور / ٤/ ٠٠: ١٢: ١٥)
стр. 577
الحل للخروج من ضعف المسلمين
وإقامة دولة الإسلام ..
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
بمثل هذه المناسبة المذكورة نُذَكِّر عادةً بقوله ﵊: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سَلَّطَ الله عليكم ذُلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»، والحكومات العربية منذ سنين عديدة تحاول الوقوف أمام العدو هذا اليهودي الغاصب الذي كان أذل الشعوب على وجه الأرض، ولكن مع الأسف لم يأخذوا بأسباب النصر والتي جمعها ربنا في جملة قصيرة من آياته الكريمة هي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ولذلك فحينما ينصرف المريض عن تعاطي العلاج النافع الناجح الناجع, فسوف لا يشفى، فكيف به إذا أخذ داء على داء؟ ! وهو لا شك أنه في ازدياد من المرض.
لقد تنبهت بعض الدول إلى ضرورة الأخذ بأسباب القوة والمنعة ظناً منهم أن هذه الأسباب هي التي تحقق النصر لهم على عدوهم، ولكن بسبب ابتعادهم عن دينهم من الناحيتين السابقتين بياناً ألا وهما: الناحية العلمية أو الفقهية، والناحية العملية، ظنوا أن نصرهم على عدوهم سيكون بنفس الوسيلة التي انتصر بها
стр. 578
عدوهم عليهم، ألا وهي: القوة المادية فقط؛ ولذلك فقد توجهوا بكل هممهم ولو بعد لَأْي وبعد زمن طويل إلى الأخذ بهذه الأسباب المادية، ولكنهم لم يصلوا ولن يصلوا إلى الهدف المنشود وهو التغلب على عدوهم والانتصار عليهم إلا إذا ضموا إلى هذه الأسباب المادية أخذهم بالأسباب الشرعية وربما جاز لنا أن نسميها بالأسباب الروحية، كما يقال في بعض اصطلاحات العصر الحاضر.
ذلك هو ما ضمنه رَبُّنا في الآية السابقة وشرحه نبينا صلوات الله وسلامه عليه في غير ما حديث صحيح من ذلك الحديث السابق، ألا وهو قوله ﵊: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سَلَّطَ الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».
ومن ذلك قوله ﵊: «تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت».
وهناك أحاديث أخرى قد تنص على جزء من جزئيات هذين الحديثين الصحيحين كالحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في «صحيحه»: أن النبي ﵌ رأى آلة حرث فقال ﵊: «ما دخل هذا بيت أحد إلا ذله» وهذا مأخوذ من الحديث السابق: «إذا أخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالزرع» إلى أخره والحديث الثالث هذا الأخير كناية عن التكالب على السعي وراء الكسب
стр. 579
المادي.
ولعل من ذلك أيضاً أو من تلك الأحاديث قوله ﵊: «يأتي زمان على أمتي لا يبالي المرء من أي طريق أكل أمن الحلال أم من الحرام» أو كما قال ﵊، ولذلك فيجب على جميع المسلمين الحريصين حقاً على أن يعود إليهم مجدهم وعزهم الغابر أن يعودوا إلى الله، والعودة إلى الله ليس لفظاً يستعمل لإثارة العواطف وتحريك النفوس وإثارتها ثم لا شيء بعد ذلك إلا أن تبقى هذه النفوس في أماكنها على طريقة النظام العسكري المعروف في بعض البلاد مكانك راوح، في حركة وفي اجتهاد ولكن ليس هناك تقدم، لماذا؟ لأننا لم نأخذ بسببين اثنين عليهما مدار النصر على أعداء الله ﵎:
السبب الأول: هو العلم.
والسبب الآخر: هو العمل بالعلم.
وكل منهما يحتاج إلى تذكير بأمور هامة جداً جداً، والأمر كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] أما العلم فهو قسمان:
علم نافع، وعلم - لا أقول الآن: إنه علم ضار لكن على الأقل أقول-: إنه علم غير نافع، فما هو العلم النافع؟ لا شك أن الجواب سيكون متفقاً عليه حينما يقدم هذا العلم إلى الناس مجملاً كأن يقال: العلم النافع هو قال الله قال رسول الله؛ لأن المسلمين لا يختلفون أبداً بأن العلم الشرعي هو ما كان مأخوذاً من الكتاب والسنة، ولكن هل هذا الإجمال بالتعبير وفي لفت نظر الناس اليوم يكفي للفت نظر المسلمين إلى أن أسباب النصر محصورٌ بالعلم النافع ثم بالعمل بهذا العلم، هل يكفي لنقول للناس: أن العلم قال الله قال رسول الله؟ وهي كلمة
стр. 580
كما قلنا آنفاً لا يختلف فيها اثنان ولا ينتطح فيها أيضاً عنزان كما قيل في قديم الزمان.
لكننا إذا دخلنا في التفاصيل فهناك سنجد أن المسلمين اليوم مختلفون مع الأسف في هذا العلم النافع الذي هو السبب الأول لنصر الله لعباده المؤمنين، لماذا؟ لماذا يكون الخلاف في تعريف العلم النافع؟ ذلك لأنه مضى على المسلمين قرون كثيرة وسنين عديدة وهم قد انصرفوا عن كتاب الله وعن سنة رسول الله ﵌ دراسةً وتفقهاً فيهما هذا الفقه الذي أراده نبينا صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح المتفق عليه: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» الفقه في الدين أخذ تعريفاً خاصاً وهو: أن يتفقه الإنسان على مذهب من المذاهب المتبعة اليوم، لا أقول الآن المذاهب الأربعة؛ لأن كلامي ليس محصوراً في المسلمين المعروفين بأهل السنة، وإنما كلامي ينصب على كل المسلمين الذين تجمعهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حيث يصلون صلاتنا ويستقبلون قبلتنا ويأكلون ذبائحنا، كل من فعل ذلك كان منا وكان له ما لنا وعليه ما علينا.
هؤلاء المسلمين كافة انصرفوا لا أعني أيضاً حتى ما يتبادر إلى ذهن البعض مالا أقصده ولا أعنيه: لا أعني أفراد المسلمين العامة، وإنما أعني خاصتهم حينما أقول: إنهم انصرفوا عن التفقه في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵌ إلى التفقه في دائرة محدودة جداً ألا وهي دائرة المذهبية الضيقة، أما أهل السنة فهم يتبعون الأئمة الأربعة، أما الآخرون فحدث ولا حرج فإنهم يتبعون أئمة آخرين هم بلا شك من أفاضل علماء المسلمين ولكن أقوالهم واستنباطاتهم الفقهية لم تصل إلى أتباعهم بالطرق العلمية الصحيحة كما وصلت أقوال الأئمة الأربعة
стр. 581
إلى أتباعهم من أهل السنة والجماعة.
الشاهد: أن خاصة المسلمين ركنوا إلى التقليد المذهبي إلا من شاء الله وقليل ما هم، وهؤلاء بلا شك مما ربنا يمتن ويتفضل على عباده في كل زمان وفي كل مكان أن يقيض للمسلمين كافة أفراد من هؤلاء العلماء الذين يأخذون من المنبعين الصافيين: كتاب الله، وسنة رسول الله ﵌، لكن هؤلاء كما جاء في الحديث الصحيح: غرباء، أخرج الإمام مسلم في «صحيحه» من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبي ﵌ قال: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريبا فطوبى للغرباء» ليس كلامنا الآن في هؤلاء الغرباء الذين يتفقهون في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵌ لقلتهم وغربتهم، وإنما كلامنا في جماهير العلماء الذين قنعوا بتقليد مذهب من المذاهب.
هذا التقليد هل هو العلم الذي نحن في صدد التحدث عنه؟ الجواب: لا؛ ذلك لأن العلم باتفاق علماء المسلمين لا فرق بين مجتهديهم ومتبعيهم ومقلديهم: أنه العلم بكتاب الله وبسنة رسول الله ﵌، أقول: لا فرق في تعريف العلم بهذا بين كل علماء المسلمين سواء كانوا مجتهدين أو متبعين أو مقلدين.
ومن الأدلة الصريحة في ذلك: ما جاء في كتاب: القضاء من كتاب «الهدايه» من كتب الحنفية المعتمدة حيث قال: ولا يجوز تولية الجاهل على القضاء، قال الشارح: ابن الهمام ﵀ في كتابه المسمى: بفتح القدير شرحاً لكلمة الجاهل قال: أي: المقلد، وهذا شيء مهم جداً، لا يجوز نصب الجاهل على القضاء إلا أن يكون عالماً، فمن هو العالم؟ العارف بالكتاب والسنة، من هو الجاهل؟ هو المقلد لمذهب من المذاهب المتبعة للأئمة المجتهدين.
لماذا كان هذا التقليد ليس علماً؟ لسببين اثنين:
стр. 582
أولهما: نقليٌ، والآخر: عقليٌ واقعي.
أما الأمر النقلي: فهو حين قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فالعلم بالشيء ليس له علاقة بالتقليد؛ لأنه يستلزم القطع بالمعلوم والجزم به وبخاصة ما كان متعلقاً بالعقيدة وبصورة أخص ما كان منها متعلقاً بأُس العقيدة وأصلها ألا وهو التوحيد - لا إله إلا الله - فالعلم إذاً لا يعني إلا المعرفة الجازمة بما جاء عن الله ورسوله؛ لأن ما سوى ذلك لا يكون علماً، يكون ظناً، والظن قد يخطئ وقد يصيب.
يأتي بعد ذلك كإتمام لدلالة الآية السابقة قوله ﵊، وهذا الحديث إذا ما تأملتم معنا فيه فستجدونه يدل على الواقع الذي هو شاهد لما قلت آنفاً، ألا وهو قوله ﵌: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» من أجل ذلك أمر الله ﵎ المسلمين كافة أنهم إذا اختلفوا في شيء أن يرجعوا فيه إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﵌؛ لأن الكتاب والسنة هما الحكم الفصل للقضاء على الخلاف الذي قد يقع بين اثنين فكيف بكم إذا كان واقعاً بين جماهير المسلمين.
الحل قد جاء ذكره في الكتاب الكريم في مثل قوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
فهل نحن بصفتنا أمة إسلامية محمدية إذا اختلفنا في شيء ما رجعنا وتحاكمنا إلى كتاب ربنا وسنة نبينا، أم قنع كلٌ منا بما عرف من الدراسة التي درسها إن كان دارساً لها في فقه من فقه المذاهب الأربعة، الواقع اليوم .. وأعود لأقول: لا أعني
стр. 583
العامة أعني الخاصة أنهم أعرضوا عن تحكيم هذه الآية بالكلية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] لهذا ظل المسلمون مختلفين.
والاختلاف بنص القرآن الكريم، وأيضاً يشهد عليه الواقع هو سبب من أسباب الضعف، وسبب من أسباب التفرق، فإذا أردنا أن نقضي على هذا السبب الذي أدى إلى التفرق وجب علينا أن نعود إلى الكتاب والسنة، بذلك بشرنا رسول الله ﵌ حينما قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
وإذا كان خاصة المسلمين وفقهائهم قنع كل منهم بأن يتعلم الدين على نمط مذهبي محدود فماذا يكون حال الأفراد من عامة المسلمين؟ ! لا شك أنهم سيكون حالهم كحال فقهائهم من الجمود على التقليد المذهبي.
هنا شبهة كثيراً ما تساور بعض النفوس وتظهر في كثير من الأحيان على بعض الألسنة، هذه الشبهة تقول: أليس كل من الأئمة الأربعة قد أخذ مذهبه من الكتاب والسنة؟ نقول: معهم نعم، بل نحن أعلم منهم؛ لأنهم حينما أصلوا أصولهم وفرعوا فروعهم إنما كان ذلك اعتماداً منهم على الكتاب والسنة، ولكن هؤلاء العلماء كلهم يشهد بأن العلم المنصوص في الكتاب والسنة، أو بعبارة أدق: العلم الوارد في الكتاب والسنة بعضه صريح وبعضه يتطلب استنباطاً وفقهاً خاصاً، كما جاء في صحيح البخاري أن أبا جحيفة السوائي من أصحاب النبي ﵌: «سأل علياً ﵁ قال: هل خَصَّكم معشر أهل البيت رسول الله ﵌ بشيء من العلم؟ قال: لا، اللهم إلا ما في قراب سيفي هذا» وأخرج من بيت السيف ورقة مكتوب فيها بعض الأحاديث المتعلقة بالجراحات والقصاص ثم
стр. 584
قال وهنا الشاهد: «وإلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه» فهنا في الفهم قد يقع الخلاف بين الفقهاء الكبار، وحينئذٍ مثل هذا الخلاف يجب الرجوع به إلى الكتاب والسنة.
وأنا لا أذهب بكم بعيداً ولا أُكثر على مسامعكم الضرب من الأمثلة الكثيرة لكن حسبي مثال واحد؛ لأنه أولاً: يشترك الجميع في فهمه لسهولته وثانياً: لكثرة ابتلاء الناس به، ألا وهو: مسألة تتعلق بصحة الصلاة أو الوضوء أو بطلانهما ألا وهي: خروج الدم مثلاً من بدن الإنسان فهناك في المذاهب المعروفة اليوم لأهل السنة ثلاثة أقوال في مسألة واحدة:
القول الأول: أن خروج الدم ينقض الوضوء مهما كان قليلاً، وعلى العكس من ذلك تماماً لا ينقض الدم مهما كان كثيراً، ومذهب وسط بين هذا وهذا فَصَّل وقال: إن كان كثيراً نقض وإن كان قليلاً لم ينقض، هذه ثلاثة أقوال في مسألة يبتلى بها الناس في كل يوم ما شاء الله على حسب مهنهم وصنائعهم، هل عاد المسلمون في هذه المسألة إلى السنة ...
لا سمح الله فناء الشعب الفلسطيني وخلوا الأرض من المسلمين تماماً، ولكن في الآية كما أشرت آنفاً ... شيء آخر وهو إذا لاحظنا الخطاب الموجه لمن: وأعدوا معشر المسلمين ما استطعتم من قوة، ترى: هؤلاء المسلمون الذين وُجِّه إليهم مثل هذا الخطاب هل كانوا يوم وُجِّه إليهم الخطاب قد تهيأت نفوسهم للقيام بواجب الجهاد في سبيل الله أم لا؟
ماذا تظنون؟ أو غير مفهوم كلامي؟
كلامي واضح لما ربنا خاطب المسلمين بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة﴾ [الأنفال: ٦٠] إلى آخرها لم يكن هذا في العهد المكي إنما كان
стр. 585
هذا في العهد المدني، أي: يوم علم الله أن المسلمين قد تهيؤوا نفسياً ورُبُّوا أخلاقياً لينهضوا بقتال الأعداء يومئذٍ قال الله لهم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] واضح هذا الكلام؟
الآن هل العالم الإسلامي ككل كما يقولوا اليوم، ومنه العالم الفلسطيني قاموا بهذا الواجب؟ أنا أقول آسفاً: لا، فإذاً: لا مجال للنصر بالحجارة حتى ولو كنا استعددنا الاستعداد الأول وهو الاستعداد الروحي؛ لأنه ينقصنا حين ذاك الاستعداد المادي المذكور صراحةً في هذه الآية، فإذاً: أنا أقول للمسلمين الآن في كل العالم الإسلامي: في أمل كما قيل في بعض حكم العصر الحاضر: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم.
الدولة في الأرض لا تقام إلا إذا أقامها أفراد المسلمين في نفوسهم، ومثال بسيط جداً ولعل هذا يكون نهاية الجواب عن ذاك السؤال: إذا مسلم عنده بيت صغير هذا البيت الصغير لا يستطيع أن يقيمه على الإسلام ترى؟ ! هل يستطيع أن يقيم الدولة على وجه الأرض على الإسلام؟ طبعاً لا، إذاً: حينما يجمع المسلمون أمرهم ويقيمون دولة الإسلام في قلوبهم حينئذٍ معنى ذلك استطاعوا أن يقابلوا الأعداء ويجاهدوا في سبيل لله.
وهذا بحث يتفرع منه أشياء كثيرة وكثيرة جداً: اليوم مثلاً المسلمون مختلفون أشد الاختلاف، دعونا من أحزاب الشيوعية واللا دينية وإلى آخره، لنأخذ الأحزاب التي تجمعها الإسلام هل هم متفقون أم مختلفون؟ مختلفون مع الأسف هذا الاختلاف يكون سبب النصر فيما لو تهيأت لهم أسباب الجهاد في سبيل لله هل هذا الاختلاف يكون سبب النصر أو سبب الخذلان لا سمح الله؟ لذلك العملية كما يقولون عندنا في الشام: تريد هز أكتاف يعني: تريد عمل ..
стр. 586
تريد جهاد طويل الأمد جداً ومدارهما على هذه الكلمتين السابقتين: العلم النافع والعمل الصالح.
(الهدى والنور /٣٤٠/ ٠٨: ٠١: ٠٠)
(الهدى والنور /٣٤٠/ ٣٩: ٥٥: ٠٠)
стр. 587
أسباب الوَهَن وسبيل النهوض بالأمة
مداخلة: ماذا لو كانت نصيحة متعلقة بالاجتماع والمؤتمر الذي اجتمعنا نحن مع الإخوة بسببه وهو عنوانه: واقع الأمة الإسلامية أسباب الوهن وسبيل النهوض، وجزاكم الله خيراً.
الشيخ: نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لمعرفة الحق ولاتباعه.
وجواباً على ما سألت، أقول: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
стр. 588
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فإنه مما لا يخفى عليكم جمعياً أن ما عليه المسلمون اليوم من واقع الأمر السيئ في هذا العصر الذي نعيشه هو بلا شك أسوأ ما أصاب المسلمين في كل عصورهم المتأخرة مما لا يحتاج أحد إلى أن يوصف له؛ لأنه يحياه ويعايشه، فكلنا يعلم انتشار أنواع الفسق والفجور في العالم الإسلامي وقليل ممن لا يزالون يعتصمون بكلمة الحق وباتباع الكتاب والسنة، أما الأكثرون فكما قال رب العالمين: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] وكما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
فواقع الأمة اليوم مما تحدث عنه رسول الله ﵌ قبل أن نرى ما رأينا، بل وقبل أن يرى ما رآه أجدادنا من قبل من الفرقة والتحزب والتفرق في الدين خلافاً لقول رب العالمين: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، وكما قال رب العالمين في الآية الأخرى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وقد بَيَّن رسول الله ﵌ هذه السبل في الحديث الصحيح الذي صَوَّر تفرُّق المسلمين وخروجاً من الكثيرين منهم عن الخط المستقيم فيما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «خط لنا رسول الله ﵌ يوماً خَطًّا على الأرض مستقيماً، ثم خط حوله خطوطاً قصيرة، ثم تلا قوله ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]،
стр. 589
ثم قال ﵇ وقد مر بأصبعه الشريفة على الخط المستقيم: هذا صراط الله، وأشار إلى الخطوط القصيرة التي على جانبي الطريق بقوله ﵊: هذه طرق وعلى كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه».
فقد بَيَّن ﵌ في هذا الحديث أن الطريق الموصل إلى الله إنما هو طريق واحد وليس كما يقول بعض الصوفية، أو على الأقل بعض المتصوفة، قالوا أو زعموا: إن الطرق الموصلة إلى الله هي بعدد أنفاس الخلائق، هذا كانوا يقولونه قديماً، أما اليوم فقد تعددت الطرق إلى تعدد الجماعات والأحزاب: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] مع أن هؤلاء المسلمين اليوم جميعاً يعلمون قول الله : ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، ويعلمون أيضاً قول النبي ﵌: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة» هذه هي الرواية المشهورة والصحيحة، والرواية الأخرى وهي مفسِّرة للأولى، قال: «هي التي تكون على ما أنا عليه وأصحابي» فقوله ﵊ في هذه الرواية الثانية وهي رواية حسنة كما بينت ذلك في بعض كتبي، فقوله ﵇: «ما أنا عليه وأصحابي» يحدد منهج الفرقة الواحدة والطائفة المنصورة الناجية وهي التي تأخذ بما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.
وهنا نكتة لا بد لي من ذكرها بمناسبة قوله ﵇: «وأصحابي» لأنه من الواضح أن النبي ﵌ لو اقتصر على قوله ما أنا عليه لكان جوابه وافياً كافياً،
стр. 590
ولكنه لحكمة بالغة زاد على ذلك وعطف فقال: «وأصحابي» والحكمة هي أن أصحاب النبي ﵌ كانوا جميعاً على هدى من ربهم؛ لأنهم تلقوا الوحي النازل على قلب نبيهم ﵌ غضاً طرياً كما أنزله الله قبل أن يتسلط على مفاهيمه وعلى دلالاته العجمة أو الهوى الذي ران على قلوب بعض الذين جاءوا من بعد السلف الصالح من الآراء والأفكار المباينة والمخالفة لما كان عليه أصحاب النبي ﵌.
لهذا ذكرهم وعطفهم على ما كان عليه ﵌؛ لأنه يعلم علم اليقين أن أصحابه سيكون له متبعين تمام الاتباع، وكذلك أثنى رسول الله ﵌ على القرون الذين يأتون من بعد أصحابه ﵌ ومجموع تلك القرون هي كما قال ﵇ في الحديث الصحيح، بل الحديث المتواتر في نقدي وفي علمي وتتبعي ألا وهو قوله ﵌: «خير الناس قرني» وبعض الناس يروونه بلفظ: «خير القرون قرني» فأرى من الواجب عليَّ أن أُذَكِّر والذكرى تنفع المؤمنين أن لفظ الحديث الصحيح: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» فهؤلاء القرون الثلاثة هم الذين شهد لهم النبي ﵌ بالخيرية وهم المقصودون بالآية الكريمة وهي قول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فقوله ﵎ في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] منه اقتبس نبينا ﵌ قوله سابقاً: «وأصحابي» فالنكتة في هذا الحديث كالنكتة في هذه الآية الكريمة، وفي ذلك دلالة واضحة على أن المسلمين جميعاً في هذه العصور المتأخرة أنه لا يجوز لهم أن يخالفوا سبيل المؤمنين .. سبيل المؤمنين الأولين؛ لأنهم كانوا على هدى من ربهم.
стр. 591
ولذلك أيضاً ذكر رسول الله ﵌ أصحابه من المفضلين على أصحابه الآخرين ألا وهم الخلفاء الراشدون المهديون كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» هكذا ذكر رسول الله ﵌ مع سنته في هذا الحديث سنة الخلفاء الراشدين بتلك النكتة التي أشرنا إليها في الآية، وفي حديث الفرقة الناجية.
وفي كل هذه النصوص الثلاثة منهاج يوجب على المسلمين في العصر الحاضر أن يلتزموه وألَّا يكونوا بعيدين عنه كما هو شأن كثير ممن يشاركنا في الدعوة إلى الكتاب والسنة ولكنهم يخالفوننا في منهجنا في رجوعنا إلى فهم الكتاب والسنة إلى فهم هؤلاء السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ذلك مما يجب على كل مسلم أن يَتَّخِذه منهجاً له لكي لا ينحرف عن ما كان عليه سبيل المؤمنين.
فلا يكفي اليوم أن نقول: نحن على الكتاب والسنة، ثم يختلفون في فهم الكتاب والسنة، فالرجوع إلى السلف الصالح هو ضمان وصيانة من أن يقع المسلمون اليوم في مثل ما وقع المسلمون الذين جاءوا بعد السلف فاختلفوا اختلافاً كثيراً؛ ذلك لأنهم قد كانوا لم تتوفر لديهم أولاً نصوص السنة التي تتولى بيان القرآن الكريم كما قال رب العالمين: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] هذا هو السبب الأول الذي كان من أسباب الخلاف الذي وقع بين المتقدمين حتى بين بعض الأئمة المجتهدين من العلماء والزهاد
стр. 592
والصالحين.
ولكن هناك أسباب أخرى وهي تسلط الأهواء والآراء الخاصة ببعض الناس ولو كانوا على شيء من العلم بل والزهد والصلاح؛ ولذلك فنحن نقول: إنه لا ضمان لكي لا يقع المسلمون في مخالفة الكتاب والسنة إلا بالرجوع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح فأنا أعتقد أن من واقع الأمة الإسلامية اليوم هو اختلافهم في تفسيرهم لبعض نصوص الكتاب والسنة بسبب اعتمادهم على غير هذا المنهج الذي نسميه بالمنهج السلفي، هذا ما ينبغي أن نعرفه في واقع الأمة الإسلامية اليوم لكي يتمكنوا من العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح والذي اقترن بهم أن الله أعزهم ومَكَّن لهم في الأرض كما هو معلوم في التاريخ الإسلامي الأمجد.
هذا ما يحضرني الآن جواباً عن هذه القطعة من السؤال، وهو واقع الأمة الإسلامية.
وقبل أن أنتقل إلى التحدث عن أسباب الوهن أريد أن أسمع من بعضكم على الأقل لكي أطمئن هل وصلكم كلامي وصوتي واضحاً بَيِّناً إن شاء الله حتى أتابع الكلام والجواب.
مداخلة: واضح جداً يا شيخنا.
الشيخ: بَشَّرك الله الخير، وأنا أتابع إن شاء الله فأقول: أما أسباب الوهن فهي عند العلماء كثيرة وكثيرة جداً:
وقد يعلمون كلهم أو على الأقل بعضهم أن النبي ﵌ جمعها في جملة واحدة في الحديث الثابت الصحيح عنه ﵌ وهو قوله: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال:
стр. 593
لا، بل أنتم يومئذٍ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» وصدق رسول الله ﵌.
فليس يخفى على كل مسلم عاقل أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وأنه سبب كل معصية وبلية، كيف لا! وهو الذي يحمل الناس على الشح بالمال والنفس التي تجاهدها بالإنفاق بالمال العزيز لديها وبالنفس التي هي أعز من المال؛ ولذلك قال ﵌: «اتقوا الشح فإن الشُحَّ أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» كما ورد في كثير من كتب السنة، ومنها صحيح الإمام مسلم.
وإن مما يجب ذكره وبيانه بهذه المناسبة: أن استحلال المحارم المهلك يكون على وجهين اثنين:
الأول: ارتكاب المحارم مع العلم بحرمتها، وهذا أمر مشاهد فاش مع الأسف الشديد بين المسلمين اليوم بكل أشكاله وأنواعه حتى الكبائر ألا وهو الإشراك بالله الذي يتجلى واضحاً في بعض الجماعات أو الأفراد الذين ينادون غير الله في الشدائد ويستغيثون بغير الله وينذرون ويذبحون لغير الله فضلاً عن أن أكثرهم يحلفون بغير الله كل هذه من الشرك .. من أنواع الشرك الفاشية اليوم بين المسلمين وأكثرهم لا أقول: أكثر عامتهم، بل أقول: أكثر خاصتهم لا يدندنون حول التحذير من هذه الأنواع من الشركيات والوثنيات، هذا أكبر الكبائر كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، الإشراك بالله ، ومنها قتل النفس بغير حق، وعقوق الوالدين، وأكل الربا وما أدراكم ما أكل الربا فقد انتشر أيضاً في هذا الزمان بسبب قيام ما يسمونه بالبنوك، وكذلك من الكبائر
стр. 594
شرب الخمر وتبرج النساء وبناء المساجد على القبور وغيرها كثير وكثير.
والقسم الآخر من المحارم المحرمة ارتكابها دون معرفة حكمها أو حرمتها؛ وذلك للجهل بها، وهذا بلا شك شر منتشر أيضاً بين كثير من المسلمين، وإما باستحلالها بطريق الاحتيال عليها على نحو احتيال اليهود على صيد السمك المذكور في القرآن كما هو معلوم مشهور، وكاحتيالهم على أكلهم الشحوم، كما في قوله ﵌ في الحديث الصحيح: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» هذا الحديث من الأحاديث التي قَلَّما نسمعها من ألسنة الخطباء والوعاظ وهو من الأحاديث المهمة جداً جداً التي تحذر المسلمين أن يقعوا فيما وقع فيه اليهود من قبلهم وحذرهم رسول الله ﵌ من أن يقعوا في مثل ما وقعوا هم فيه في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌: «لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن! » أو قال: «فمن الناس! ».
وأقول محذراً: وهذا النوع من الارتكاب والاستحلال لما حرم الله بأدنى الحيل قد وقع أيضاً فيه كثير من المسلمين في بعض معاملاتهم وعقودهم: من أشهر ذلك نكاح التحليل الملعون فاعله، في السنة الصحيحة بقوله ﵌: «لعن الله المحلل والمحلل له» ومع ذلك فلا يزال في المسلمين اليوم بعض المتفقهة يجيزون نكاح التحليل رغم لعن النبي ﵌ فاعله كمثل ما سمعتم آنفاً.
وكذلك مما فشا في العصر الحاضر: بيع التقسيط بزيادة في الثمن على ثمن بيع النقد، وكذلك بيع العينة المنتشر في بعض البلاد الإسلامية، وآسف أن أقول
стр. 595
ولا يتسع المجال الآن لشرح ذلك كله، وإنما أردت أن أذكر الإخوان بحديث يناسب المقام ألا وهو قوله ﵊: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» ففي هذا الحديث بيان واضح لبعض الأدواء والأمراض الناتجة من حب الدنيا وهو التكالب عليها والانغماس في الأخذ بأسباب جمع المال الذي يترتب منه ما هو واقع المسلمين اليوم مما ذكره ﵊ في هذا الحديث عطفاً على داء التبايع بالعينة، والأخذ بأذناب البقر، والرضا بالزرع، فقال ﵊: «وتركتم الجهاد في سبيل الله » فترك الجهاد الذي أصبح عاماً اليوم يشمل مع الأسف الشديد كل الدول العربية والإسلامية رغم كونها عندها من وسائل الجهاد والقتال ما لا تملكه الشعوب المسلمة المتحمسة للدفاع عن بلادها وعن أراضيها، بل وعن أعراضها.
كان هذا كنتيجة طبيعية سنة الله ولن تجد لسنة تبديلاً أن يقعوا في مثل هذه المخالفات والاستحلال لما حرم الله كان أمراً طبيعياً أن يسلط الله عليهم ذلاً، هذا الذل الذي نراه قد ران على بلاد المسلمين كافةً ولو أنهم كانوا في الظاهر أحراراً ولكنهم مع الأسف الشديد لا يستطيعون أن يتحركوا بما يأمرهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﵌ كمثل ما جاء في الحديث الصحيح: «جاهدوا المشركين بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم» نحن الآن قد ألغينا الجهاد بالنفس وركنا إلى الجهاد إلى الجهاد بالأموال لوفرتها لدينا، وباللسان لسهولة ذلك علينا، أما الجهاد بالأنفس فذلك مما أصبح مع الأسف في خبر كان؛ ولذلك فالنبي ﵌ قد وصف في هذا الحديث الصحيح الداء مع الدواء، حيث ذكر نماذج من الأمراض التي ستصيب المسلمين في أول هذا الحديث حديث العينة،
стр. 596
ثم بين في آخره ﵊ الدواء فقال: «لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» وهذا الدواء هو العلاج الوحيد للمسلمين إذا أرادوا أن يعود إليهم عزهم ومجدهم وأن يمكن الله لهم في الأرض كما مكن للذين من قبلهم، فقال ﵊: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والمجد والتمكين في الأرض، ومن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب».
إذاً: قوله ﵌ في هذا الحديث: «حتى ترجعوا إلى دينكم» يفسح لي المجال للدخول في الإجابة عما جاء في آخر السؤال وهو: ما هو سبيل النهوض بهذه الأمة التي أصابها من الذل والهوان ما لم يصب الأمة من قبل هذا الزمان؟ فنقول: إن النبي ﵌ حينما وصف الدواء في هذا الحديث بالرجوع إلى الدين إنما انطلق من مثل قوله : ﴿إن الله لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم* وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١٠ - ١١] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] فما هو السبب الذي غير الله فينا نعمة القوة والعزة والتمكين في الأرض الذي كان عليه المسلمون من قبل؟ ذلك لأننا غيرنا نعمة الله وبدلنا فأخذنا بأسباب الدنيا وتركنا الجهاد في سبيل الله كنتيجة شرعية وكونية أن المسلم إذا لم ينصر الله لم ينصره الله كما هو صريح قوله ﵎: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].
هنا لا بد لي من وقفة: إذا كان الله قد جعل على لسان نبيه ﵌ العلاج لهذا المرض العضال الذي أصاب المسلمين في أرضهم الإسلامية كلها مع الأسف الشديد إنما هو الرجوع إلى دينهم، والدين كما تعلمون إنما هو الإسلام وقد قال رب الأنام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
стр. 597
الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ويعجبني بمناسبة هذه الآية ما ذكره الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه العظيم «الاعتصام»، ذكر عن الإمام مالك أنه قال: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة وحاشاه، ثم قال: اقرءوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال ﵀: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما لم يكن يومئذٍ ديناً لا يكون اليوم ديناً.
كنا نستدل بهذا الأثر الثابت عن الإمام مالك إمام دار الهجرة أنه لا يجوز للمسلم أن يحدث في الإسلام بدعة مهما كانت يسيرة وفي الأخلاق أو العبادات وليست في العقائد .. كنا نحتج بهذا الأثر اعتماداً على هذه الآية الكريمة أن الله أتم النعمة علينا بإتمام ديننا، ألا وهو الإسلام.
فما بالنا اليوم وقد أصبحنا بعيدين عن الإسلام ليس فقط فيما يتعلق بما يسمى بالسنن التي تخالفها البدع، بل أصبحنا بعيدين كل البعد عن الإسلام ليس في هذه الجزئيات أو في هذه الأمور التي يسميها بعضهم بأنها من الأمور الثانوية والتي ليست بجوهرية وإنما أصبحنا بعيدين عن الإسلام الذي ارتضاه الله لنا ديناً حتى في قضائنا ... حتى في أفكارنا وعقائدنا، فإذا أردنا فعلاً وجادين مخلصين أن نتعاطى هذا العلاج الذي وصفه ربنا على لسان نبيه ﵌ وهو أن نرجع إلى الدين، فبأي مفهوم نفهم هذا الدين؟
هناك أولاً مفهومان معروفان لدى كثير من العلماء الذين يعرفون الخلاف بين علماء السلف وبين علماء الخلف، هناك مذهبان:
стр. 598
مذهب ينتمي إلى السلف، ومذهب ينتمي إلى الخلف، ومذهب السلف، يقول أولئك الذين ينتمون إلى مذهب الخلف .. يقولون عن مذهب السلف بأنه أسلم، لكنهم يقولون بأن مذهب الخلف أعلم وأحكم، فيا ترى! هل نعود في عقائدنا أولاً إلى ما كان عليه سلفنا الصالح، أم نعود إلى مذهب هؤلاء الخلف الذين يُصَرِّحون بأن مذهب السلف أسلم ولكن مذهب الخلف أحكم وأعلم؟
لا شك أنه يتبين من النصوص التي ذكرناها أن واجبنا نحن في هذا الزمن الذي أحيط بنا من كل جانب أن نعود أولاً في العقائد إلى ما كان عليه سلفنا الصالح، ثم نعود فيما دون ذلك من العقائد، وأعني بذلك: الأحكام والأخلاق والسلوك، لا بد أيضاً في كل ذلك أن نرجع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح الذي كان لا يرضى له بديلاً عن الاعتماد على الكتاب والسنة حينما يقع تنازع ما بين بعض أفراد الأمة كما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
اليوم مع الأسف الشديد لا نجد هذه الجماعات وهذه الأحزاب تتفق معنا على تعاطي هذا الدواء الذي لا علاج للمسلمين في الرجوع إلى عزهم ومجدهم الغابر إلا بالرجوع إلى دينهم، هذه النقطة أن الدواء هو الرجوع إلى دين الإسلام نقطة لا خلاف فيها بين كل مسلم مهما كان اتجاهه ومهما كان تحزبه وتكتله، ولكن الخلاف مع الأسف الشديد هو في فهم هذا الدين، فهناك كما ذكرنا مذهبان: مذهب السلف ومذهب الخلف، السلف ما كانوا يختلفون في الأصول .. ما كانوا يختلفون أولاً في أن المرجع عند التنازع إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، فهم كانوا يتحاكمون إلى هذين المصدرين ويُسَلِّمون لهما
стр. 599
تسليماً كما ذكرنا تلاوة الآية السابقة بذلك، ولكن الاختلاف قد كان بينهم بالسبب الأول الذي سبقت الإشارة إليه: وهو أن بعضهم كان لا يصله الحديث عن النبي ﵌، فيجتهد فيقع في خطأ غير قاصد إليه.
ولذلك قال ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب له أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» فلذلك ينبغي الرجوع من هؤلاء المسلمين إلى هذه القاعدة التي لا ينبغي أن يقع فيها اختلاف ألا وهي: فهم الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح، فإذا التفتنا إلى هذا النظام وجعلناه لنا منهجاً وسبيلاً نتعاون على فهمه أولاً وعلى تطبيقه ثانياً، فهنا يأتي الأمر الهام والهام جداً وهو خلاصة الجواب عن هذا السؤال ألا وهو سبيل النهوض لا بد للمسلمين اليوم من أن يفهموا دينهم فهماً صحيحاً، ثم أن يُطَبِّقوه كل بحسبه تطبيقاً صحيحاً.
المحكوم غير الحاكم .. الحاكم له سلطة عليا .. المحكوم سلطته محدودة فإذا قام كل من الحاكم والمحكوم بفهم الإسلام أولاً فهماً صحيحاً، ثم بتطبيق هذا الإسلام تطبيقاً كاملاً كل بسحب ما يستطيعه كما أشرت إليه آنفاً في اعتقادي يومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله، ولكنني أرى أن كثيراً من الدعاة الإسلاميين الذي يلهجون دائماً وأبداً بدعوة الحكام إلى الحكم بما أنزل الله ، وهذه دعوة حق لا شك ولا ريب فيها؛ لقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وفي الآية الأخرى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وفي الثالثة: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
هذا حق أي: أن يقوم الحكام بتطبيق الإسلام في دساتيرهم وفي قوانينهم وعلى شعوبهم كلها، هذا حق واجب ولكن نحن نُذَكِّر أفراد الشعوب المسلمة
стр. 600
الذين ينادون بكلمة الحق هذه وهو الحكم بما أنزل الله أن عليهم ألا ينسوا أنفسهم كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فلذلك على أفراد المسلمين أن يفهموا الإسلام فهماً صحيحاً ثم أن يطبِّقوه تطبيقاً كاملاً في حدود استطاعتهم على أنفسهم وعلى من لهم ولاية عليهم من رعاياهم كما قال ﵊: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية وهي مسؤولة عن رعيتها» إلى هذا المعنى من التربية للنفس يشير إليه بعض الدعاة الإسلاميين بالكلمة التي تروى عنه ألا وهي قوله: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم، في هذه الكلمة التي تعجبنا كثيراً ولكن لا يعجبني الذين ينتمون إلى قائل هذه الكلمة حيث أنهم لا يعنون بها ولا يهتمون بتطبيقها؛ لأن ذلك يُكَلِّفهم أمراً يتطلب جهداً جهيداً ألا وهو الرجوع إلى فهم الإسلام على الوجه الصحيح الذي سبق بيانه آنفاً اعتماداً على كتاب الله، وعلى حديث رسول الله، وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح.
فأقول: العودة إلى هذا الدين الذي هو الدواء لما أصاب المسلمين اليوم يتطلب أمرين اثنين، طالما أُكَنِّي عنهما: بالتصفية والتربية، وأعني بالتصفية: أن يقوم علماء المسلمين الذي يتبنون هذا المنهج الصحيح من فهم الإسلام على ما كان عليه سلفنا الصالح، أن يقوم كل منهم بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه مما هو بريء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يقال في بعض الأمثال، وأن يدعو الناس إليه سواء ما كان متعلقاً بالعقيدة أو بالأحكام التي اختلف فيها كثيراً، أو في الأخلاق وفي السلوك، لا بد من تصفية الإسلام في كل ما يتعلق بهذا الإسلام الذي أتمه الله علينا كما سبق في الآية وأؤكد ذلك بالحديث الصحيح وهو قوله ﵌: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله ويبعدكم عن النار إلا
следующие страницы →