ثم بين في آخره ﵊ الدواء فقال: «لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» وهذا الدواء هو العلاج الوحيد للمسلمين إذا أرادوا أن يعود إليهم عزهم ومجدهم وأن يمكن الله لهم في الأرض كما مكن للذين من قبلهم، فقال ﵊: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والمجد والتمكين في الأرض، ومن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب».
إذاً: قوله ﵌ في هذا الحديث: «حتى ترجعوا إلى دينكم» يفسح لي المجال للدخول في الإجابة عما جاء في آخر السؤال وهو: ما هو سبيل النهوض بهذه الأمة التي أصابها من الذل والهوان ما لم يصب الأمة من قبل هذا الزمان؟ فنقول: إن النبي ﵌ حينما وصف الدواء في هذا الحديث بالرجوع إلى الدين إنما انطلق من مثل قوله : ﴿إن الله لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفسهم* وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد: ١٠ - ١١] وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣] فما هو السبب الذي غير الله فينا نعمة القوة والعزة والتمكين في الأرض الذي كان عليه المسلمون من قبل؟ ذلك لأننا غيرنا نعمة الله وبدلنا فأخذنا بأسباب الدنيا وتركنا الجهاد في سبيل الله كنتيجة شرعية وكونية أن المسلم إذا لم ينصر الله لم ينصره الله كما هو صريح قوله ﵎: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧].
هنا لا بد لي من وقفة: إذا كان الله قد جعل على لسان نبيه ﵌ العلاج لهذا المرض العضال الذي أصاب المسلمين في أرضهم الإسلامية كلها مع الأسف الشديد إنما هو الرجوع إلى دينهم، والدين كما تعلمون إنما هو الإسلام وقد قال رب الأنام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
стр. 597
الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] .. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
ويعجبني بمناسبة هذه الآية ما ذكره الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه العظيم «الاعتصام»، ذكر عن الإمام مالك أنه قال: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﵌ خان الرسالة وحاشاه، ثم قال: اقرءوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال ﵀: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما لم يكن يومئذٍ ديناً لا يكون اليوم ديناً.
كنا نستدل بهذا الأثر الثابت عن الإمام مالك إمام دار الهجرة أنه لا يجوز للمسلم أن يحدث في الإسلام بدعة مهما كانت يسيرة وفي الأخلاق أو العبادات وليست في العقائد .. كنا نحتج بهذا الأثر اعتماداً على هذه الآية الكريمة أن الله أتم النعمة علينا بإتمام ديننا، ألا وهو الإسلام.
فما بالنا اليوم وقد أصبحنا بعيدين عن الإسلام ليس فقط فيما يتعلق بما يسمى بالسنن التي تخالفها البدع، بل أصبحنا بعيدين كل البعد عن الإسلام ليس في هذه الجزئيات أو في هذه الأمور التي يسميها بعضهم بأنها من الأمور الثانوية والتي ليست بجوهرية وإنما أصبحنا بعيدين عن الإسلام الذي ارتضاه الله لنا ديناً حتى في قضائنا ... حتى في أفكارنا وعقائدنا، فإذا أردنا فعلاً وجادين مخلصين أن نتعاطى هذا العلاج الذي وصفه ربنا على لسان نبيه ﵌ وهو أن نرجع إلى الدين، فبأي مفهوم نفهم هذا الدين؟
هناك أولاً مفهومان معروفان لدى كثير من العلماء الذين يعرفون الخلاف بين علماء السلف وبين علماء الخلف، هناك مذهبان:
стр. 598
مذهب ينتمي إلى السلف، ومذهب ينتمي إلى الخلف، ومذهب السلف، يقول أولئك الذين ينتمون إلى مذهب الخلف .. يقولون عن مذهب السلف بأنه أسلم، لكنهم يقولون بأن مذهب الخلف أعلم وأحكم، فيا ترى! هل نعود في عقائدنا أولاً إلى ما كان عليه سلفنا الصالح، أم نعود إلى مذهب هؤلاء الخلف الذين يُصَرِّحون بأن مذهب السلف أسلم ولكن مذهب الخلف أحكم وأعلم؟
لا شك أنه يتبين من النصوص التي ذكرناها أن واجبنا نحن في هذا الزمن الذي أحيط بنا من كل جانب أن نعود أولاً في العقائد إلى ما كان عليه سلفنا الصالح، ثم نعود فيما دون ذلك من العقائد، وأعني بذلك: الأحكام والأخلاق والسلوك، لا بد أيضاً في كل ذلك أن نرجع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح الذي كان لا يرضى له بديلاً عن الاعتماد على الكتاب والسنة حينما يقع تنازع ما بين بعض أفراد الأمة كما قال ربنا في القرآن الكريم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
اليوم مع الأسف الشديد لا نجد هذه الجماعات وهذه الأحزاب تتفق معنا على تعاطي هذا الدواء الذي لا علاج للمسلمين في الرجوع إلى عزهم ومجدهم الغابر إلا بالرجوع إلى دينهم، هذه النقطة أن الدواء هو الرجوع إلى دين الإسلام نقطة لا خلاف فيها بين كل مسلم مهما كان اتجاهه ومهما كان تحزبه وتكتله، ولكن الخلاف مع الأسف الشديد هو في فهم هذا الدين، فهناك كما ذكرنا مذهبان: مذهب السلف ومذهب الخلف، السلف ما كانوا يختلفون في الأصول .. ما كانوا يختلفون أولاً في أن المرجع عند التنازع إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله ﵌، فهم كانوا يتحاكمون إلى هذين المصدرين ويُسَلِّمون لهما
стр. 599
تسليماً كما ذكرنا تلاوة الآية السابقة بذلك، ولكن الاختلاف قد كان بينهم بالسبب الأول الذي سبقت الإشارة إليه: وهو أن بعضهم كان لا يصله الحديث عن النبي ﵌، فيجتهد فيقع في خطأ غير قاصد إليه.
ولذلك قال ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب له أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» فلذلك ينبغي الرجوع من هؤلاء المسلمين إلى هذه القاعدة التي لا ينبغي أن يقع فيها اختلاف ألا وهي: فهم الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح، فإذا التفتنا إلى هذا النظام وجعلناه لنا منهجاً وسبيلاً نتعاون على فهمه أولاً وعلى تطبيقه ثانياً، فهنا يأتي الأمر الهام والهام جداً وهو خلاصة الجواب عن هذا السؤال ألا وهو سبيل النهوض لا بد للمسلمين اليوم من أن يفهموا دينهم فهماً صحيحاً، ثم أن يُطَبِّقوه كل بحسبه تطبيقاً صحيحاً.
المحكوم غير الحاكم .. الحاكم له سلطة عليا .. المحكوم سلطته محدودة فإذا قام كل من الحاكم والمحكوم بفهم الإسلام أولاً فهماً صحيحاً، ثم بتطبيق هذا الإسلام تطبيقاً كاملاً كل بسحب ما يستطيعه كما أشرت إليه آنفاً في اعتقادي يومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله، ولكنني أرى أن كثيراً من الدعاة الإسلاميين الذي يلهجون دائماً وأبداً بدعوة الحكام إلى الحكم بما أنزل الله ، وهذه دعوة حق لا شك ولا ريب فيها؛ لقول الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وفي الآية الأخرى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وفي الثالثة: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
هذا حق أي: أن يقوم الحكام بتطبيق الإسلام في دساتيرهم وفي قوانينهم وعلى شعوبهم كلها، هذا حق واجب ولكن نحن نُذَكِّر أفراد الشعوب المسلمة
стр. 600
الذين ينادون بكلمة الحق هذه وهو الحكم بما أنزل الله أن عليهم ألا ينسوا أنفسهم كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فلذلك على أفراد المسلمين أن يفهموا الإسلام فهماً صحيحاً ثم أن يطبِّقوه تطبيقاً كاملاً في حدود استطاعتهم على أنفسهم وعلى من لهم ولاية عليهم من رعاياهم كما قال ﵊: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية وهي مسؤولة عن رعيتها» إلى هذا المعنى من التربية للنفس يشير إليه بعض الدعاة الإسلاميين بالكلمة التي تروى عنه ألا وهي قوله: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم، في هذه الكلمة التي تعجبنا كثيراً ولكن لا يعجبني الذين ينتمون إلى قائل هذه الكلمة حيث أنهم لا يعنون بها ولا يهتمون بتطبيقها؛ لأن ذلك يُكَلِّفهم أمراً يتطلب جهداً جهيداً ألا وهو الرجوع إلى فهم الإسلام على الوجه الصحيح الذي سبق بيانه آنفاً اعتماداً على كتاب الله، وعلى حديث رسول الله، وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح.
فأقول: العودة إلى هذا الدين الذي هو الدواء لما أصاب المسلمين اليوم يتطلب أمرين اثنين، طالما أُكَنِّي عنهما: بالتصفية والتربية، وأعني بالتصفية: أن يقوم علماء المسلمين الذي يتبنون هذا المنهج الصحيح من فهم الإسلام على ما كان عليه سلفنا الصالح، أن يقوم كل منهم بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه مما هو بريء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يقال في بعض الأمثال، وأن يدعو الناس إليه سواء ما كان متعلقاً بالعقيدة أو بالأحكام التي اختلف فيها كثيراً، أو في الأخلاق وفي السلوك، لا بد من تصفية الإسلام في كل ما يتعلق بهذا الإسلام الذي أتمه الله علينا كما سبق في الآية وأؤكد ذلك بالحديث الصحيح وهو قوله ﵌: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله ويبعدكم عن النار إلا
стр. 601
وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» فمن كان يريد أن يتمشى مع هذا المنهج الصحيح فهنا يرد بيان لا بد لي منه:
كثير من العلماء قديماً وحديثاً يعلمون فكرة أن السنة دخل فيها ما لم يكن منها حتى في القرن الأول حيث بدأ بعض الفرق الضالة ترفع أصواتها وتدعوا إلى مخالفة الكتاب والسنة باتباعها لأهوائها كما جاء عن أحد الخوارج حينما هداه الله إلى السنة فقال: انظروا من أين تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً؛ ولذلك جاء عن ابن سيرين ﵀ وهو التابعي الجليل الذي كان يكثر من الرواية عن حافظ الصحابة للسنة والحديث ألا وهو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: انظروا من أين تأخذون دينكم، وقد روي هذا حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﵌ ولكن لا يصح رفعه والصحيح أنه مقطوع موقوف على ابن سيرين ﵀.
ولذلك قال بعض أئمة الحديث: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء في الدين، إذا كان الأمر كذلك باتفاق العلماء نظرياً وأعني ما أقول حينما أقول نظرياً؛ ذلك لأني أريد أن أقول حقيقة مُرَّة ألا وهي: أن هذا الإسناد لم يهتم به جماهير العلماء الاهتمام الواجب به، وإنما اهتمَّ به طائفة من علماء المسلمين وهم أئمة الحديث كالإمام أحمد بن حنبل، والإمام يحيى بن معين، وعلي بن المديني وتلامذتهم كالإمام البخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الحديث والنقاد الذين تكلَّموا في الرُواة جرحاً وتعديلاً، هؤلاء هم الذين يجب الرجوع إليهم والاعتماد عليهم لإجراء التصفية في هذه السنة التي يجب الرجوع إليها بعد تصفيتها.
كتب السنة الآن متوفرة وذلك من تمام عناية الله بهذه الأمة ووفاءً
стр. 602
بالحكم الذي ذكره في القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وبهذه المناسبة: لا بد لي من التذكير بأن هذه الآية الكريمة حينما تذكر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] يتوهم بعض الناس ممن لا علم عندهم بالسُّنة، أو لا يقيمون وزناً للسنة يظنون أن الحفظ الذي ضمنه الله في هذه الآية إنما هو خاص بالقرآن الكريم.
فأقول: نعم ربنا ذكر الذكر في الآية فهو قد حفظ القرآن بحروفه ولكنه حفظ معانيه بسنة نبيه ﵌؛ ولذلك فلا يمكن تحقيق هذا التصفية للسنة إلا من طريق علماء الحديث، وبالتالي لا يمكن فهم القرآن إلا بطريق هذه السنة المصفاة وإلا وقع المسلمون فيما وقعت فيه الفرق الخارجة عن الفرقة الناجية؛ وذلك بأن القرآن كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أن القرآن حَمَّال وجوه، أي: يتحمل عدة معان؛ ولذلك قال ربنا : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وأنزلنا إليك الذكر يا محمد لتبين للناس بسنتك ما نزل إليهم من القرآن الكريم.
ففي هذه الآية ما يشير إلى أن فيها ما هو مبَيَّن، وما هو مبَيِّن فالمبيَّن هو القرآن المنزل المَكْنِي عنه بالذكر، والمبيِّن هو رسول الله ﵌ المخاطب بهذه الآية؛ ولذلك فلا سبيل إلى فهم القرآن إلا بالسنة والسنة الصحيحة.
ولذلك حَذَّر النبي ﵌ من أمرين اثنين ليتحقق هذا البيان تحققاً صحيحاً:
الأمر الأول: حذر أمته من أن يقولوا عليه ما لم يقل، ففي الحديث المتواتر عنه: «من كَذَبَ عَليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» وفي لفظ آخر: «من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» هذا هو الأمر الأول، حذر النبي ﵌ أمته من أن يتقولوا عليه شيئاً حتى تبقى السنة كما تلفظ بها النبي ﵌ أو كما فعلها أو
стр. 603
كما أقرها.
والأمر الآخر الذي نبه رسول الله ﵌ أمته: هو وجوب الرجوع إلى السنة كما يرجعون إلى القرآن؛ ولذلك قال ﵊: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يقول: هذا كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً حللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله».
بالجمع بين هذا الأمرين اللذين نبه النبي ﵌ يمكننا أن نفهم الدين الذي جعله ﵊ دواءً من أدوائنا التي حلت بنا وأحاطت بنا من كل جانب، هذا هو الأمر الأول.
والأمر الآخر الذي أُكني عنه: هو التربية بعد أن يقوم العلماء بهذا الواجب من التصفية وقد بينت بذلك ما أعني بهذه الكلمة .. أقول: لا بد لهم من أن يقرنوا مع هذه التصفية تربية ذويهم ورعيتهم على هذا الإسلام المصفى، ذلك لكي لا نكون من الذين يقولون ما لا يفعلون وقد قال ربنا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] ولذلك جاء الوعيد الشديد في حق من لا يعمل بعلمه؛ ولذلك قلنا في الحديث السابق الذي قال فيه ﵇: «بشر هذه الأمة بالرفعة والسناء والمجد والتمكين في الأرض» قال ﵊: «فمن عمل عملاً للدنيا فليس له في الآخرة من نصيب» فهذا الحديث يوجب علينا أننا إذا عملنا بديننا المصفى أن يكون عملنا خالصاً لوجه الله ﵎ كما قال ربنا : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
أريد في نهاية هذه الكلمة أن أبين أن سبيل النهوض ينبغي علينا أن نبتعد عن
стр. 604
المحرمات التي نعرفها يقيناً كبعض الأمثلة التي سبق ذكرها سابقاً من المحرمات من الشرك وقتل النفس بغير الحق والربا ونحو ذلك، لكني أريد أن أذكر الآن بالداعي الأول الذي ذكره الرسول ﵌ في حديث التبايع بالعينة فإن هذا الداء هو مستشر في بعض البلاد وأكثر الناس كما قال رب العالمين لا يعلمون.
إن بيع العينة هو نوع من البيوع أو المعاملات الربوية التي لا يجوز التعامل بها ومع الأسف إن بعض الناس يتعاملون بها على أنها من المعاملات الجائزة شرعاً، وبيع العينة معروفة عند العلماء وهي مشتقة من عين الشيء أو ذاته ونفسه فيأتي الرجل مثلاً إلى تاجر يبيع مثلاً سيارات فيساومه على سيارة ويشتريها منه بسعر التقسيط وليس نقداً فيشتريها منه مثلاً بعشرين، ثم يعود هذا الشاري بايعاً فيقول للتاجر: هل تشتري مني هذه السيارة فيعرف التاجر بأن الرجل يريد منه المال فيتفقان على سعر دون السعر الذي اشتراه فليكن مثلاً بأقل، بألفين أو ثلاثة - المقصود هو ضرب المثل - فيعود هذا الذي اشترى ثم باع قد سجل عليه العشرون ألف، وإنما أخذ أقل من ذلك بألفين أو أكثر، هذه المعاملة هي بيع العينة التي نهى عنها النبي ﵌؛ لأن الصورة من الواضح جداً جداً عند من يبتعد عن اتباع الهوى أو على الأقل اتباع ما اعتاده من بيع العينة؛ ذلك لأن الصورة الحقيقة المراد من هذا البيع إنما هو أن يأخذ بأقل مما سجل عليه، لا فرق بين هذه الصورة التي سترت الربا فيها بالبيع وبين ما لو جاء إلى هذا التاجر وقال له: أعطني ثمانية عشر ألفاً وأعطيك عشرين ألفاً.
كل المسلمين والحمد لله إلى اليوم يعتقدون جازمين أن هذه معاملة ربوية لا تجوز، لماذا؟ لأنه نقد أخذ أقل مما سجل عليه، ولكن ما الفرق بين هذه الصورة وبين بيع العينة؟ البيع هنا اتخذت وسيلة لاستحلال الربا، هذا هو الذي حذرنا
стр. 605
النبي ﵌ في بعض الأحاديث التي سبق ذكرها وهو نهيه ﵌ عن اتباع السنن الذين من قبلنا، وذكر لنا اليهود بخاصة حينما حرم الله عليهم الشحوم كما قال رب العالمين في القرآن الكريم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] من هذه الطيبات المحرمة أيضاً بنص القرآن هي الشحوم، وقد جاء في الحديث السابق: «لعن الله اليهود حُرِّمَت عليهم الشحوم فجملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» هنا نجد أن اليهود تلاعبوا بالحكم الشرعي ألا وهو تحريم الشحوم , ربنا حكيم عليم بظلم اليهود ,حرم عليهم الشحوم أي: كان اليهود إذا ذبح الشاة أو الكبش السمين أكل اللحم الأحمر فقط ورمى الشحم إلى الأرض ائتماراً منه بأمر الله ، ثم لم يصبر اليهود على هذا الحكم الشرعي فاحتالوا على استحلاله فذوبوا هذا الشحم ذلك معنى قوله ﵌: فجملوها أي: ذوبوها ألقوا الشحوم في هذه القدور وأوقدوا النار من تحتها فأخذت الشحوم شكلاً آخر وهو استواء الشحم كاستواء الماء السطح مستو، أوهمهم الشيطان وسول لهم وزين لهم أن الشحم الآن خرج عن كونه شحماً وهم يعلمون أنه لا يزال في طبيعة تركيبه وطعمه ولذته لا يزال شحماً، إذاً: هم غيروا الشكل من أجل الأكل كما يقال في بعض البلاد ولكنهم في هذا التغيير استحلوا ما حرم الله ..
لم يقص رسول الله ﵌ قصة استحلال اليهود لهذه الشحوم بهذه الحيلة ومع قص ربنا قصة اليهود في احتيالهم الصيد للسمك يوم السبت بحصر السمك في الخلجان كما هو مذكور في التفاسير .. ما قص الله علينا ذلك ولا نبينا ﵌ من أجل التأريخ فقط، وإنما كما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] فالعبرة هنا في القصتين: قصتهم مع السمك، وقصتهم مع الشحم ألا نقع فيما وقعوا من الاحتيال على ما حرم الله.
стр. 606
فبيع العينة حرمها النبي ﵌ لكي لا يقع المسلمون في احتيال الربا الذي صورته أن يستقرض أقل مما يُسَجَّل عليه وهو هنا أيضاً يستقرض أقل مما سُجِّل عليه ولكن من وراء بيع شكلي صورةً، كما أن اليهود غيروا الشحوم حينما أذابوها شكلاً.
وأنا حين أقول هذا أعلم بيع العينة يحرمه كثير من العلماء وكما أن بعضهم ممن لم يبلغه هذا الحديث أو لم يصح عنده؛ لأنه ليس من تخصصه يقول بجواز هذا البيع تمسكاً بلفظ البيع، ولكن أهل العلم يعلمون أن مجرد ورود لفظة البيع في معاملة ما لا يجعل تلك المعاملة بيعاً إلا إذا كان الشرع لم يحرمه، وإذا رجعنا إلى هذا الحديث وجدناه أن النبي ﵌ ذكر التبايع بالعينة أول مرض من الأمراض التي ساقها من بعده ألا وهو التكالب على الدنيا وترك الجهاد في سبيل الله ، فوجب إذاً أن نعتبر بهذا الحديث وأن لا نقع في هذا المحظور أو في هذه الأدواء التي ذكرها النبي ﵌ ذلك لكي نعود كما أرادنا ربنا أن نكون في قوله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
هذا ما أردت أن أقوله بمناسبة هذه الأسئلة الطيبة التي وردت من هذه الجمعية المباركة إن شاء الله جمعية القرآن والسنة، نسأل الله أن يلهمنا وإياكم أن نفهم الإسلام فهماً صحيحاً على ضوء الكتاب والسنة، والسنة الصحيحة وعلى منهج السلف الصالح وأن يوفقنا حكاماً ومحكومين للعمل بهذا الإسلام المصفى.
أسأل الله بأنه الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد أن يتقبل دعاءنا هذا، وأن ينصرنا على أعدائنا جميعاً إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.
(الهدى والنور / ٦٩٠/ .. : ٠١: ٠٠)
(الهدى والنور / ٦٩١/ ٢٣: ٠١: ٠٠)
стр. 607
الطريق الرشيد نحو بناء
الكيان الإسلامي
السائل: فضيلة الشيخ نود وأنت تعرف الآن الشباب الإسلامي، وما يعانونه في كل مكان في سبيل العودة إلى تحقيق الكيان الإسلامي فثمة عراقيل كثيرة تعترض العودة الرشيدة، أو الخطوات الرشيدة، مما قد تصطنعه الأنظمة الجائرة، أو ينتج عن أخطاء الشباب الإسلامي كالتطرف في التدين أو التفريط ... فما هي، في رأيك الخطوات الرشيدة التي تنصح المسلمين بالعمل بها للوصول إلى تحقيق ما ينشدونه؟
أقول وبالله التوفيق: إن وضع المسلمين اليوم من حيث إنهم محاطون بدول كافرة قوية في مادتها ومبتلون بحكام كثير منهم لا يحكم بما أنزل الله، أو لا يحكمون بما أنزل الله إلا في بعض النواحي دون بعض، مما لا يساعدهم على أن يعملوا عملاً جماعياً وسياسياً لو كان ذلك في مكنتهم وفي طوقهم. فإني أرى أن العمل الذي ينبغي على الجماعات الإسلامية أن يتوجهوا إليه بكليتهم ينحصر في نقطتين اثنتين وضروريتين ولا أعتقد أنه هناك مجال للخلاص من هذا الضعف والهوان والذل الذي عليه المسلمون، أقول ما أقول وأخص به المسلمين الثقات المتمثلين في الشباب الواعي الذي عرف أولاً مأسأة المسلمين، واهتم، ثانياً، بالبحث الصادق عن الخلاص، وبكل ما أوتيه من قوة ... بينما الملايين من المسلمين مسلمون بحكم الواقع الجغرافي أو في تذكرة
стр. 608
النفوس (١) ... فهؤلاء لا أعنيهم بالحديث.
أعود فأقول إن الخلاص على أيدي هؤلاء الشباب يتمثل في أمرين لا ثالث لهما: التصفية والتربية وأعني بالتصفية تقديم الإسلام إلى الشباب المسلم مصفى من كل ما دخل فيه على مدِّ هذه القرون والسنين الطوال من العقائد ومن الخرافات والبدع والضلالات. ومن ذلك ما دخل فيه من أحاديث غير صحيحة قد تكون موضوعة، فلابد من تحقيق هذه التصفية لأنه بغيرها لا مجال أبداً لتحقيق أمنية هؤلاء المسلمين الذين نعتبرهم من المصطفين المختارين في العالم الإسلامي الواسع. فالتصفية هذه إنما يراد بها تقديم العلاج الذي هو الإسلام الذي عالج ما يشبه هذه المشكلة حينما كان العرب أذلاء، وكانوا يستعبدون من الأقوياء ممن حولهم من فارس والروم والحبشة ونحو ذلك من جهة، وكانوا يعبدون غير الله ﵎ من جهة أخرى.
فهذا الإسلام كان هو العلاج الوحيد لإنقاذ العرب مما كانوا فيه من ذلك الوضع السيء، والتاريخ كما يقال يعيد نفسه، والعلاج إذا كان هو العلاج السابق نفسه فسيقضي حتماً-إذا استعمله المريض- على مرضه الذي هو عين المرض السابق. الإسلام هو العلاج الوحيد، وهذه كلمة لا اختلاف فيها بين الجماعات الإسلامية أبداً.
وذلك من فضل الله على المسلمين، ولكن هناك اختلافاً كبيراً بين الجماعات الإسلامية الموجودة اليوم على الساحة، ساحة الإصلاح، ومحاولة إعادة الحياة الإسلامية، واستئناف الحياة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية هذه الجماعات مختلفة مع الأسف الشديد أشد الاختلاف حول نقطة البدء بالإصلاح، فنحن
стр. 609
نخالف كل الجماعات الإسلامية في هذه النقطة، ونرى أنه لا بد من البدء بالتصفية والتربية معاً، أما أن نبدأ بالأمور السياسية، والذين يشتغلون بالسياسة قد تكون عقائدهم خراباً يباباً، وقد يكون سلوكهم من الناحية الإسلامية بعيداً عن الشريعة. والذين يشتغلون بتكتيل الناس وتجميعهم على كلمة «إسلام» عامة ليس لهم مفاهيم واضحة في أذهان هؤلاء المتكتلين حول أولئك الدعاة، ومن ثم ليس لهذا الإسلام أي أثر في منطلقهم في حياتهم ولهذا تجد كثيراً من هؤلاء وهؤلاء لا يحققون الإسلام في ذوات أنفسهم فيما يمكنهم أن يطبقوه بكل سهولة، بحيث لا أحد مهما كان متكبراً جباراً يدخل بينه وبين نفسه.
وفي الوقت نفسه يرفع هؤلاء أصواتهم بأنه لا حكم إلا لله، ولابد أن يكون الحكم بما أنزل الله. وهذه كلمة حق، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، فإذا كان أكثر المسلمين اليوم لا يقيمون حكم الله في أنفسهم ويطالبون غيرهم بأن يقيموا حكم الله في دولتهم فإنهم لن يستطيعوا تحقيق ذلك ففاقد الشيء لا يعطيه، لأن هؤلاء الحكام هم من هذه الأمة، وعلى الحكام والمحكومين أن يعرفوا سبب هذا الضعف الذي يعيشونه، يجب أن يعرفوا لماذا لا يحكم حكام المسلمين اليوم بالإسلام إلا في بعض النواحي، ولماذا لا يطبق هؤلاء الدعاة الإسلام على أنفسهم، قبل أن يطالبوا غيرهم بتطبيقه في دولهم؟ ! .
الجواب: واحد، وهو إما أنهم لا يعرفون الإسلام، ولا يفهمونه، إلا إجمالاً، وإما أنهم لم يربوا على هذا الإسلام في منطلقهم، وفي حياتهم، وفي أخلاقهم، وفي تعاملهم مع بعضهم ومع غيرهم ... والغالب، كما نعلمه بالتجربة، أنهم يعيشون في العلة الأولى الكبرى وهي بُعدهم عن فهم الإسلام فهماً صحيحاً، كيف لا وفي الدعاة اليوم من يعتبر السلفيين بأنهم يضيعون عمرهم في التوحيد،
стр. 610
ويا سبحان الله، ما أشد إغراق من يقول مثل هذا الكلام في الجهل لأنه يتغافل، إن لم يكن غافلاً حقاً، عن أن دعوة الأنبياء والرسل الكرام كانت ﴿أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ بل إن نوحاً-﵊ أقام ألف سنة إلا خمسين عاماً لا يصلح ولا يُشَرِّع، ولا يقيم سياسة ... بل يا قوم اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت ... !
هل هناك إصلاح؟ هل هناك تشريع؟ هل هناك سياسة؟ ! لا شيء، تعالوا يا قوم اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فهذا أول رسول، بنص الحديث الصحيح، أرسل إلى الأرض، استمر في الدعوة ألف سنة إلا خمسين لا يدعو إلا إلى التوحيد، وهو شغل السلفيين الشاغل .. فكيف يسف كثير من الدعاة الإسلاميين وينحطون إلى درجة أن ينكروا ذلك على السلفيين؟ !
إن من فضائل السنة أنها توضح مشاكل قد تعترض الأمة فيضع لها العلاج مسبقاً بعد أن ينبههم على مرضهم وعلتهم، وكلنا يعلم قول الرسول ﵌: «ستتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة من صدور عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن؟ قالوا: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهة الموت» (١).
ففي هذا الحديث بيان مرض من الأمراض التي ستصيب المسلمين ويكون ذلك سبباً أو سنة كونية شرعية في آن واحد، أن يتسلط على المسلمين الأعداء، وأن يهجموا عليهم من كل صوب كما تتداعى الأكلة على قصعتها، أقول في هذا
стр. 611
الحديث بيان مرض من الأمراض التي تؤدي بالمسلمين إلى هذا الوضع المشين ألا وهو «حب الدنيا وكراهة الموت» وهذا له علقة بما قلت آنفاً من أنه لابد من «التصفية والتربية».
والشطر الثاني من هذه الكلمة يعني أنه لا بد من تربية المسلمين اليوم تربية على أساس ألا يُفْتَنوا كما فُتِن الذين من قبلهم بالدنيا، ويقول الرسول ﵌: «ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تفتح عليكم زهرة الحياة الدنيا فتهلككم كما أهلكت الذين من قبلكم» ولهذا نرى أنه قل من يتنبه لهذا المرض فيربي الشباب، لا سيما الشباب الذين فتح الله عليهم كنوز الأرض وأغرقهم في خيراته ﵎ وفي بركات الأرض، قلما ينبه إلى هذا، مرض يجب على المسلمين أن يتحصنوا منه، وأن لا يصل إلى قلوبهم «حب الدنيا وكراهة الموت»، إذاً فهذا مرض لابد من معالجته وتربية الناس على أن يتخلصوا منه.
نعود إلى الشق الأول، وهو الأهم بلا شك، وهو قولنا إنه لابد أن يكون البدء بالتصفية مقرونة بالتربية. وثمة حديث للرسول ﵌ يشير فيه إلى هذه التصفية، ألا وهو قوله عليه الصلام والسلام:
«إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».
في هذا الحديث وصف الداء والدواء، إنه يقول في أول الحديث «إذا تبايعتم بالعينة» والعينة بيع من البيوع الربوية، وهي، مع الأسف، قائمة اليوم في بعض البلاد الإسلامية بل العربية، وهي البلدان التي يفترض فيها أن تفهم كتاب الله وسنة رسول الله ﵌ خيراً مما يفهمه الأعاجم المسلمون، «العينة» أن يشتري الشاري حاجة من التاجر بثمن أكثر من ثمن النقد، يشتري به إلى أجل أو ما
стр. 612
يسمونه اليوم بالتقسيط، بثمن أكثر من ثمن النقد، والحقيقة أن فاعله ما جاء ليشتري، وإنما جاء ليأخذ الدراهم أو الدنانير ليشتغل بها ولتكون نواة لعمل له.
ونظراً لفساد المجتمع وانفكاك الرباط الديني الذي يربطهم بالإسلام لو كانوا به عاملين، يضطر المحتاج إلى أن يضمن لنفسه مالاً يعمل به عن طريق الاحتيال على ما حرم الله، فيأتي هذا المحتاج إلى التاجر ويشتري منه، على سبيل المثال سيارة بمبلغ عشرين ألفاً مثلاً، تقسيطاً ... بينما هي في حقيقة الأمر تساوي أقل من ذلك ... ومكمن المصيبة في الخطوة التالية وهي أن المشتري المحتاج لا يتسلم السيارة وإنما يبيعها «نقداً» للبائع بمبلغ أقل، سبعة عشر ألفاً مثلاً ... ويقبض هذا الثمن ثم يبقى عليه أن يسدد الأقساط الكبيرة التي اتفق عليها أولاً وذلك على سنة أو ستة أشهر ... ! !
هذا هو بيع العينة وهذا أمر واقع اليوم في بعض البلاد كما ذكرنا آنفاً. يقول الرسول ﵌: «إذا تبايعتم بالعينة» أي احتلتم على ما حرم الله فاستحللتموها، وبالإضافة إلى ذلك أخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وهذا من التكالب على الدنيا وأدى ذلك إلى ترك الجهاد في سبيل الله ماذا تكون عاقبة هؤلاء المسلمين الذين يحتالون على أحكام الله ويستحلون حرمات الله بأدنى الحيل ثم يعرضون عن القيام بواجبهم، كالجهاد في سبيل الله التهاءً منهم بالتكالب على الدنيا وما مصيرهم؟
العاقبة والمصير أن يسلط الله عليهم ذلاً لا ينزعه منهم حتى يرجعوا إلى دينهم. إذاً وبصورة عامة فإن الأمراض التي يبتلى بها المسلمون تتلخص في ناحيتين:
الأولى: معروف ومعلوم من الدين بالضرورة كالجهاد في سبيل الله بسبب
стр. 613
تكالبهم على الدنيا.
الثانية: الاحتيال على ما هو معلوم تحريمه من السنة كبيع العينة باسم أنه بيع وهذا مثال، والأمثلة كثيرة جداً، فهناك حتى اليوم كما نذكر في هذه المناسبة من يفتي بإباحة «نكاح التحليل» الذي قال فيه الرسول ﵇: «لعن الله المحلل والمحلل له». وحجتهم في ذلك التمسك في الظاهر بأن هذه المطلقة ثلاثاً رضيت بهذا الرجل الذي يريد أن يحللها لزوجها الأول، رضيت بدلاً زوجاً، وكذلك ولي الأمر وكلهم متواطئون على أن هذا الزواج إنما قصد به استحلال ما حرم الله ومخالفة قوله ﵎: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾، ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾.
فجاؤوا بمن سماه الرسول ﵌ بالتيس المستعار، وسموه زوجاً؛ وهو ليس بزوج لأنه لا يتزوجها ليحصِّن نفسه بها وتُحَصِّن نفسها به وإنما لتحليل ما حرم الله من أن هذه المرأة لا يجوز لها أن تعود لمُطَلِّقها ثلاثاً حتى تتزوج زوجاً على الطريقة الشرعية نفسها التي تزوجها بها الزوج الأول. وقد أشار إلى ذلك ربنا في قوله تعالى: ﴿وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾، ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ فهو يتزوجها ولا يسكن إليها ولا تسكن إليه وإنما يقضي معها تلك الليلة وينزو عليها كما ينزو التيس على العنزة فإذا أصبح الصباح أخلى سبيلها لأنه لم يتزوجها لهذه الغاية الشريفة، وإنما استحلالاً لما حرم الله .
فقوله ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة» ذكره كمثال لما قد يقع فيه المسلمون من استحلال ما حرم الله والاحتيال عليه وليس هكذا صراحة، كما يستحل المسلمون اليوم الربا، ويحتال له بعض المسلمين فتكون مصيبتهم مصيبتين:
стр. 614
أولاً: ارتكاب المحرم، وثانياً: اللَّف والدوران حول استحلاله، وقد ذكرت منذ زمن قريب أن هناك من ألَّف رسالة ذكر فيها متفاخراً بأن الحيلة في أن لا يقع المسلم في الربا أن ينذر لله أنه كلما استقرض من إنسان مالاً أن يعطيه عشرة في المائة شكراً لله، فإن نوى هذا في نفسه أصبح هذا قدراً واجب الوفاء ... ! ! نعم إلى هذا الحد وصل الأمر ببعض المشايخ أن يلفوا ويدوروا حول أحكام الإسلام واستحلال ما حرم الله .. وهذا هو سبيل اليهود لا غير في التعامل الربوي، هو سبيل خطيرة الآثار، بعيدة الخطر ... لهذا حذر الرسول ﵊ من أن من يفعل ذلك يسلط الله عليه ذلاً لا ينزعه عنه حتى يرجع إلى دينه. والرجوع إلى الدين قضية العصر، وهو قضية كبرى، ولابد من شيء من التفصيل فيها ... ذلك أن بعض الكُتَّاب والدعاة يرون-مع الأسف الشديد- أن الدين ذو مفاهيم عدة مختلفة، والاختلاف فيها اختلاف في الفروع لا في الأصول. ولكننا نقول: إن الاختلاف قائم في الأصول كما هو قائم في الفروع ... وحين أذكر الخلاف فأول من أعني به العلماء من كل الفرق، ومن ثم الخلاف بين عامة المسلمين ... ولو أننا عدنا إلى هذه الفرق-قديمها وحديثها-لوجدنا الخلاف نفسه قائماً ... وهو خلاف في الفروع كما هو في الأصول ... وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر بما تعتقد به طوائف كبيرة من المسلمين في شتى بقاع الإسلام اليوم من أن النبي ﵌ هو أول خلق الله، وتحتج هذه الطوائف بحديث لا أصل له ... في السنة الصحيحة «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر» وتجد عامة أهل العلم، وهم يسمعون هذه الضلالة، بل وهي تعلن من على رؤوس المنابر، تصغي ولا تنكر، وتؤمن بذلك على الرغم من وضوح الضلالة فيه ... ولا يتصدى لذلك سوى السلفيين الذين نصبوا أنفسهم لإنكار مثل هذه الخرافات، وهذه الضلالات. وهذا الخلاف بين علماء المسلمين-كما هو
стр. 615
ظاهر- خلاف في العقيدة وليس في فرع فقهي ...
ولو أردنا الإطالة فالأمثلة كثيرة ولكني أفضل عدم الخوض ... وأؤثر أن أنتقل إلى الخلاف القائم بين العلماء الذين يرون أن ما هو قائم في الفروع فحسب وأنه لا يضر ... ونحن أمام شقين: الخلاف في الفروع، وهذا الخلاف في الفروع لا يضر ... وكلاهما خاطئ وغير صحيح:
أولاً: الخلاف في الفروع خاطئ: لتوضيح هذا أُذَكِّر بالخلاف القائم بين الحنفية من جهة، وسائر المذاهب الأخرى من جهة ثانية في قضية الإيمان؛ هل يزيد وينقص أو أنه ثابت لا يزيد ولا ينقص؟
إن الخلاف في الحقيقة قائم بين «الماتريدية» من جهة، والأشاعرة وأهل الحديث من جهة أخرى؟ ! !
وعن هذا التساؤل يتفرع تساؤل آخر: هل الإيمان يزيد وينقص أو أنه ثابت لا يزيد ولا ينقص؟ ؟
والحقيقة أن القرآن الكريم يعلن أن الإيمان يزداد: ﴿وليزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ وثمة آيات كثيرة في هذا المجال .. وكذلك السنة فهي تزيد دلالات الآيات في زيادة الإيمان وضوحاً، ومن ذلك قول الرسول ﵌ في الحديث المتفق عليه بين الشيخين: «الإيمان بضع وستون وشعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» ومع ذلك فإننا نجد الماتريدية اليوم، وهم من الناحية الفرعية حنفية، يصرحون بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، بل يذكرون عن إمامهم بأنه كان يقول: «إيماني كإيمان جبريل ﵇» وهذا يعني أن إيمان أفجر الناس قد يكون من يصرح بذلك فيهم بأنه يساوي إيمان جبريل ﵇، وهذا الكلام-وإن كان خطأ- منسجم مع اعتقادهم في أن
стр. 616
الإيمان لا يقبل زيادة ولا نقصاناً. وهم يقولون: إذا قلنا بأن الإيمان يزيد فهو ينقص، وإذا نقص الإيمان فذلك مما يخرج صاحبه عن الإيمان ... وهذا الكلام ينسجم تماماً مع ما يعتقدونه من أن الإيمان اعتقاد فقط.
أما اعتقاد أهل السنة من الأشاعرة وأهل الحديث في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب العمل الصالح وزيادته بالطاعة ونقصانه بالمعصية فهذا من الخلاف الذي حدث قديماً واستمر إلى اليوم، ثم نشأ من وراء ذلك خلاف عقائدي آخر، ارتبط به كلام عملي ألا وهو: هل يقول المسلم أنا مؤمن إن شاء الله أو يخضع بقوله أنا مؤمن ولا يستثني؟ من قال إن الإيمان يزيد وينقص يقول أنا مؤمن إن شاء الله لأنه يخشى على نفسه أن يكون مقصراً في أعماله الصالحة. ومن قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص قطع بقوله: أنا مؤمن، ولا يقول إن شاء الله، إذ أنه إذا قال: إن شاء الله فمعنى ذلك عنده أنه شك في اعتقاده الذي يستقر في قلبه.
وبناءً على ذلك الخلاف نشأ خلاف آخر وهو هل يجوز الاستثناء أو لا يجوز؟ ولم يقف الخلاف في هذه المسألة الفقهية عند جواز القول باستثناء أو عدمه، بل تعداه إلى مسألة خطيرة مَزَّقت المسلمين شر ممزق، حتى أدى الأمر إلى أن يشبه المسلم بالكافر. فقد جاء في بعض كتب الحنفية سؤال: هل يجوز للمرأة الحنفية أن تتزوج من الرجل الشافعي؟ وكان الجواب بالرفض لأن الحنفية يشكون في إيمان الشافعيين. وقد عمل المسلمون بهذه الفتوى في بلاد ما وراء النهرين سنين طوالاً لا يبيح أهلها لبناتهم أن يتزوجوا من الرجل الشافعي.
وظل الأمر كذلك إلى أن جاء رجل من كبار علماء الحنفية، يعرف بمفتي الثقلين، وهو صاحب التفسير المعروف باسمه وهو تفسير أبو السعود، الذي
стр. 617
واجه القضية وأفتى فيها بجواز أن تتزوج الحنفية من الشافعي ولكن بتعليل لا أدري ماذا أقول فيه.
لقد أجاز أبو السعود ذاك زواج الحنفي من الشافعية تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب وقياساً على ما تعامل به المرأة اليهودية أو النصرانية! ! فأعجب يا أخي المسلم ... أنه يجيز هذا ولكنه لا يجيز العكس ... لقد حصل هذا في بلاد المسلمين وما يزال يحدث إلى اليوم، فهذا رجل من عامة الناس، سمعته بنفسي يبدي إعجابه، وهو الحنفي المذهب، بأحد خطباء مسجد بني أمية بدمشق الشام ويقول: لولا أنه شافعي لزوجته ابنتي! وأرجو أن لا يتسرع أحد الغافلين ويتهمني بالتجني ويقول: إنما هذه خلافات انقضت ومضى عهدها، فإلى هذا وأمثاله قدمت هذا المثل الذي عرفته بنفسي دليلاً على استمرار هذه الخلافات. هذا على مستوى العرب فإذا انتقلت إلى المسلمين الأعاجم لوجدت ما هو أمر وأقسى من هذه الخلافات العجيبة.
ثانياً: الخلاف في الفروع لا يضر:
أما قولهم الخلاف في الفروع لا يضر، فنقول، الضرر واضح في كون الخلاف في الأصول، كما أسلفت، وبناءً على هذا فإن الضرر ينتقل إلى الفروع ... ويكفي ضرراً أن هذا الخلاف يسبب تفرق الأمة وتمزقها على ما وضحنا.
ونتساءل الآن: ما هو الحل؟
الحل وارد في ختام حديث الرسول ﵌ الذي أوردته، وهو «حتى ترجعوا إلى دينكم» .. الحل يتمثل في العودة الصحيحة إلى الإسلام ... الإسلام بالمفهوم الصحيح الذي كان عليه رسول الله ﵌ وصحابته. وتحديداً للإجابة عن السؤال الوارد في بداية هذا الرد أعود فأقول: لابد أن نبدأ بالتصفية والتربية،
стр. 618
وإن أي حركة لا تقوم على هذا الأساس لا فائدة منها إطلاقاً.
ولكي ندلل على صحة ما نذهب إليه في هذا المنهج، نعود إلى كتاب الله الكريم، ففيه آية واحدة تدل على خطأ كل من لا يتفق معنا على أن البداية تكون بالتصفية ومن ثَمَّ التربية.
يقول تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ هذه هي الآية المقصودة، وهي التي أجمع المفسرون على أن معنى نصر الله إنما هو العمل بأحكامه، ومن ذلك أيضاً، الإيمان بالغيب الذي جعله الشرط الأول للمؤمنين ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ ... فإذا كان نصر الله لا يتحقق إلا بإقامة أحكامه فكيف يمكننا أن ندخل في الجهاد عملياً، ونحن لم ننصر الله وفق ما اتفق عليه المفسرون؟ !
كيف ندخل الجهاد وعقيدتنا خراب يباب؟ كيف نجاهد وأخلاقنا تتماشى مع الفساد؟ ! ! لابد إذاً، قبل الشروع بالجهاد، من تصحيح العقيدة، وتربية النفس ... وأنا أعلم أن الأمر لن يسلم من المعارضة، لمنهجنا في التصفية والتربية، فثمة من سيقول: إن القيام بالتصفية والتربية أمر يحتاج إلى سنين طويلة .. ولكني أقول: ليس هذا هو الهام في الأمر، بل الهام أن ننفذ ما يأمرنا به ديننا وربنا العظيم ... والهام أن نبدأ بمعرفة ديننا أولاً ولا يهم بعد ذلك أن يطول الطريق أو يقصر، إنني أتوجه بكلامي إلى رجال الدعوة المسلمين، وإلى العلماء والموجهين وأدعوهم إلى أن يكونوا على علم تام بالإسلام الصحيح، وعلى محاربة لكل غفلة أو تغافل، ولكل خلاف أو تنازع ﴿فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ وحين نقضي على هذا التنازع وعلى هذه الغفلة، ونحل محلهما الصحوة والائتلاف والاتفاق نتجه إلى تحقيق القوة المادية ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن
стр. 619
رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ فتحقيق القوة المادية أمر بديهي، إذ لابد من بناء المصانع ومصانع الأسلحة وغيرها ... ولكن لابد قبل كل شيء من العودة الصحيحة إلى الدين كما كان عليه الرسول ﵌ وأصحابه في العقيدة، وفي العبادة، وفي السلوك، وفي كل ما يتعلق بأمور الشريعة ... ولا تكاد تجد أحداً في المسلمين يقوم بهذا سوى السلفيين فهم الذين يضعون النقط على الحروف، وهم وحدهم ينصرون الله بما أمرهم به من تصفية وتربية توجد الإنسان المسلم الصحيح ... وهم وحدهم الذين يمثلون الفرقة الناجية من النار من الفرق الثلاث والسبعين التي سئل عنها الرسول، وقال: هي في النار ... !
ولهذا أعود فأقول: ليس من طريق للخلاص سوى الكتاب والسنة، وسوى التصفية والتربية في سبيلهما ... وهذا يستدعي المعرفة بعلم الحديث وتمييز الصحيح من الضعيف كي لا نبني أحكاماً خاطئة كتلك التي وقع بها المسلمون بكثرة بسبب اعتمادهم على الأحاديث الضعيفة، ومن ذلك مثلاً ما تقع به بعض الدول الإسلامية حين تطبق قانوناً إسلامياً، كما تسميه، ولكنه ليس مدعوماً بالسنة المحمدية، فتقع في بعض الأخطاء القانونية والجزائية ومن ذلك أن عقوبة المسلم تكون القتل حين يقتل ذمياً ينضوي في لواء هذه الدولة المسلمة إذا كان القتل عمداً، وككون دية القتيل الذمي هي دية المسلم نفسها إن قتله المسلم خطأ ... وهذا خلاف ما جرى في عهد الرسول ﵌ فكيف، بعد هذا، يمكن أن نقيم الدولة ونحن في ظل هذا التخبط وهذه الأخطاء، وهذا البعد عن الدين؟ ؟ ! !
هذا على صعيد العلم، فإذا انتقلنا إلى التربية وجدنا أخطاء قاتلة؛ فأخلاق المسلمين في التربية خراب يباب ولا بد من التصفية والتربية والعودة الصحيحة إلى الإسلام، وكم يعجبني في هذا المقام قول أحد الدعاة الإسلاميين، من غير
стр. 620
السلفيين، لكن أصحابه لا يعملون بهذا القول يقول: «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم دولته في أرضكم» ... إن أكثر الدعاة المسلمين يخطئون حين يغفلون مبدأنا هذا، وحين يقولون: إن الوقت ليس وقت التصفية والتربية وإنما هو وقت التكتل والتجمع ... إذ كيف يتحقق التكتل والخلاف قائم في الأصول وفي الفروع ... إنه الضعف والتخلف الذي استشرى في المسلمين ... ودواؤه الوحيد يتلخص فيما أسلفت في العودة السليمة إلى الإسلام الصحيح أو في تطبيق منهجنا في التصفية والتربية ولعل في هذا القدر كفاية والحمد لله رب العالمين.
«حياة الألباني وآثاره وثناء العلماء عليه» (١/ ٣٧٧ - ٣٩١)
стр. 621
السبيل إلى تغيير واقع الأمة السيء
الملقي: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فقد من الله ﵎ عليّ بلقاء أحد علماء الإسلام السائرين على نهج خير الأنام وصحبه الكرام، الذين جمع الله لهم بين العلم والعمل، والفهم والعقل، وما أعظم الإنسان إذا اجتمعت فيه هذه الصفات فهو إمام بحق، من الذين قال الله فيهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، ألا وهو فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وذلك في تاريخ الثالث عشر من الشهر العاشر لسنة ١٤١٣ هـ، وذلك ضمن تسجيلات سلسلة الهدى والنور الذي يقوم بتسجيلها الأخ الكريم أبو ليلى محمد بن أحمد وصلى الله وسلم وبارك على نبينا ورسولنا محمد.
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:
لا شك أن فضيلة الشيخ ناصر الألباني حفظه الله وسلمه وبارك فيه يعلم أن واقع الأمة الديني واقع مرير من حيث الجهل في العقيدة والفساد العقدي، ومن حيث الافتراق في المناهج، ومن حيث إهمال ونسف الشريعة الإسلامية في أكثر
стр. 622
بقاع الأرض، هذا الواقع: الغيورون من المسلمين لهم رغبة عظيمة في تغييره وإصلاحه، إلا أنهم تختلف مآخذهم في تصحيح هذا الوضع، كما يعلم فضيلتكم من خلال الحركات الإسلامية والجماعات الإسلامية التي جاهدت في إصلاح واقع الأمة الإسلامية ومع ذلك لم تفلح، بل ربما وقعت للأمة بسبب تلك الحركات نكبات ومصائب عظيمة، الشباب المسلم في حيرة وفي حيرة عظيمة، كيف يقابلون وكيف يعالجون هذا الواقع، وقد يشعر الواحد منهم أنه حُمِّل جبالاً عظيمة، فما هي نصيحتكم للشباب المسلم، وما هي الطرق النافعة الناجعة لمواجهة هذا الواقع، وكيف تبرأ ذمة المسلم عند الله يوم القيامة.
الشيخ: إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠٧١] أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار:
بالإضافة إلى ما جاء في تضاعيف سؤال الأخ أبي عبد الرحمن عبد الله من سوء واقع المسلمين فكذلك نقول: إن هذا الواقع الأليم ليس شراً مما كان واقع العرب في جاهليتهم وحينما بعث إليهم رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، فلا شك أن واقع أولئك العرب الجاهليين كان أسوأ بكثير مما عليه المسلمون اليوم، وبناءً على ذلك نقول: العلاج هو ذاك العلاج، والدواء هو ذاك الدواء، فبمثل ما
стр. 623
عالج النبي ﵌ تلك الجاهلية الأولى فعلى الدعاة الإسلاميين اليوم جميعهم أن يعالجوا واقعهم الأليم ومعنى هذا واضح جداً، متذكرين فيه قول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فرسولنا صلوات الله وسلامه عليه هو أسوتنا في معالجة مشكلة المسلمين في زمننا، وذلك بأن نبدأ بما بدأ به النبي ﵌ وهو إصلاح ما فسد من عقائد المسلمين أولاً، ومن عبادتهم ثانياً، ومن سلوكهم ثالثاً، ولست أعني بهذا الترتيب هو الفصل بين الأمر الأول الأهم ثم المهم ثم ما دونه، وإنما أريد أن يهتم المسلمون وأعني بهم بطبيعة الأمر الدعاة منهم، ولعل الأصح أن نقول: العلماء منهم، لأن الدعاة اليوم مع الأسف الشديد صار يشمل كل مسلم ولو كان على فقر مدقع من العلم، فصاروا يعدون أنفسهم دعاة إلى الإسلام، ونعلم جميعاً القاعدة المعروفة لدى لا أقول العلماء، بل والعقلاء جميعاً، تلك هي التي تقول: فاقد الشيء لا يعطيه، فنحن نعلم اليوم بأن هناك طائفة كبيرة جداً جداً، يعدون الملايين من المسلمين إذا ما أطلقت لفظة الدعاة انصرفت هذه اللفظة إليهم، وهم جماعة الدعوة أي جماعة التبليغ، ومع ذلك فأكثرهم كما قال الله : ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ومع ذلك فهم جماعة الدعوة حينما يطلق جماعة الدعوة ينصرف هذا الاسم إليهم،
ومعلوم من طريقة دعوتهم أنهم قد أعرضوا بالكلية عن الاهتمام بالأصل الأول أو بالأمر الأهم من الأمور الثلاثة التي ذكرتها آنفاً، العقيدة والعبادة والسلوك، فتركوا وأعرضوا عن إصلاح ما بدأ به الرسول ﵇، بل ما بدأ به كل الأنبياء تبعاً للرسل من مثل قوله ﵎: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فهم لا يعنون بهذا الأصل الأصيل، وهو الركن الأول من أركان الإسلام، كما هو معلوم لديكم جميعاً، وهذا الأصل الذي قام يدعو إليه رسول من الرسل الكرام ألا وهو
стр. 624
نوح ﵊ قرابة ألف سنة، وهو يدعو إلى التوحيد، وأنتم تعلمون أن الشرائع السابقة لم يكن فيها من التفصيل لأحكام المعاملات والعبادات ما هو معروف في ديننا هذا؛ لأنه خاتمة الشرائع والأديان، ومع ذلك فقد لبث في قومه، قد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فيما إذاً كان اهتمامه؛ أن يفهموا عنه التوحيد، ومع ذلك فكما تعلمون من القرآن الكريم، أعرضوا عن دعوته، وقالوا: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح: ٢٣] إلى آخر الآية، فهذا يدل دلالة قاطعة على أن أهم شيء ينبغي للدعاة حقاً إلى الإسلام هو أن يهتموا بالدعوة إلى التوحيد، ذلك لأنه معنى قوله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، هكذا كانت سنة النبي ﵌ فعلاً وتعليماً، أما فعله فما يحتاج إلى بحث؛ لأن النبي ﵌ في العهد المكي إنما كان جهده ودعوته محصورة في الغالب أن يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، أما تعليماً فتعلمون حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه الوارد في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﵌ حينما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، إلى آخر الحديث، «فإن استجابوا لك» أو «فإن أطاعوك فمرهم بالصلاة» تمام
الحديث هو معروف إن شاء الله، فإذاً قد أمر النبي ﵌ أصحابه أن يبدأوا بما بدأ به، وهو أن يدعوهم إلى شهادة التوحيد، لا شك أن هناك فرقاً كبيراً جداً بين أولئك العرب المشركين من حيث أنهم كانوا يفهمون ما يقال لهم بلغتهم، وبين العرب المسلمين اليوم والذين ليسوا بحاجة إلى أن يدعوا إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، فإنهم قائلون بها مهما اختلفت مذاهبهم وطرائقهم وعقائدهم، فكلهم يقول: لا إله إلا الله، ولذلك فالدعاة اليوم ليسوا بحاجة إلى أن يدعوا المسلمين إلى أن ينطقوا بهذه الكلمة لكن هم في الواقع بحاجة أكثر من العرب في الجاهلية إلى أن يفهموا معنى هذه الكلمة الطيبة، هذا الفرق فرق
стр. 625
جوهري جداً بين العرب الأولين الذين إذا دعاهم رسول الله ﵌ أن يقولوا لا إله إلا الله يستكبرون كما هو صريح القرآن الكريم، لماذا يستكبرون؟ لأنهم يفهمون أن معنى هذه الكلمة أن لا يتخذوا مع الله أنداداً، وأن لا يعبدوا مع الله غيره، وهم كانوا يعبدون غيره، فهم ينادون غير الله، ويستغيثون بغير الله، فضلاً عن التوسل بغير الله، فضلاً عن النذر لغير الله، والذبح لغير الله من هذه الوسائل الشركية الوثنية المعروفة، كانوا هم يفعلونها، ولكنهم كانوا يعلمون أن من لوازم هذه الكلمة الطيبة من حيث اللغة العربية أن يتبرأوا من كل هذه الأمور لمنافاتها لكلمة: لا إله إلا الله، أما المسلمون اليوم الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، لكنهم لا يفقهون معناها، بل لعلهم يفقهون معناها فهماً معكوساً مقلوباً تماماً، فكما تعلمون جميعاً أن بعضهم ألف رسالةً في معنى لا إله إلا الله، ففسرها بالمعنى الذي كان عليه المشركون الذين كانوا يؤمنون به: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فالمشركون كانوا يؤمنون بأن لهذا الكون خالقاً لا شريك له في ذلك، ولكنهم مع ذلك
كانوا يجعلون لله أنداداً وشركاء في عبادته، فهم يؤمنون بأن الرب واحد، لكن يعتقدون بأن المعبودات كثيرة، ولذلك قال تعالى في الآية المعروفة: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهم كانوا يعلمون أن قول لا إله إلا الله، ينبغي أن يتبرأ قائلها من كل عبادة سوى عبادة الله ، أما المسلمون اليوم فقد فسروا الكلمة الطيبة بـ «لا رب إلا الله»، فإذا قال المسلم لا إله إلا الله، وهو يعني هذا المعنى لا رب إلا الله، فهو والمشركون سواء؛ عقيدةً، أما لفظاً فهو مسلم؛ لأنه يقول: لا إله إلا الله، بخلاف المشرك لأنه يأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فهو ليس مسلماً لا ظاهراً ولا باطناً، أما جماهير المسلمين اليوم فهم مسلمون، لأن الرسول ﵇ يقول: «فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم
стр. 626
وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»، ولذلك فأنا أقول كلمة ربما تكون نادرة الصدور مني وهي: إن واقع المسلمين اليوم شر مما كان عليه العرب من حيث سوء الفهم لهذه الكلمة الطيبة؛ لأن العرب كانوا يفهمون لكنهم لا يؤمنون، أما المسلمون اليوم فيقولون ما لا يعتقدون، يقولون: لا إله إلا الله وهم يكفرون بمعناها، ولذلك فأنا أعتقد أن أول واجب على الدعاة المسلمين حقاً هو أن يدندنوا حول هذه الكلمة وحول بيان معناها بالتلخيص، ثم تفصيل لوازم هذه الكلمة الطيبة من الإخلاص لله في العبادات بكل أنواعها؛ لأن الله لما حكى عن المشركين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فكل عبادة توجه إلى غير الله فهو كفر بالكلمة الطيبة لا إله إلا الله، لهذا أنا أقول اليوم: لا فائدة مطلقاً من تكتيل المسلمين ومن تجميعهم على تركهم في ضلالهم في بعدهم عن فهم هذه الكلمة الطيبة فذلك لا يفيد في الدنيا قبل الآخرة، نحن نعلم
جميعاً أن قول النبي ﵌: «من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه؛ حرم الله بدنه على النار»، وفي أحاديث أخرى: «دخل الجنة»، فلا يمكن ضمان دخول الجنة ولو بعد لأي، ولو بعد عذاب يمس القائل والمعتقد الاعتقاد الصحيح لها لكلمة فإن هذا قد يعاقب بناءً على ما ارتكب واجترح من المعاصي والآثام، ولكن سيكون مصيره دخول الجنة، وعلى العكس من ذلك من قال هذه الكلمة الطيبة بلسانه، ولما يدخل الإيمان إلى قلبه، فذلك لا يفيد شيئاً في الآخرة، قد يفيد في الدنيا النجاة من القتال ومن القتل، أما في الآخرة فلا يفيده شيئاً إلا إذا قالها فاهماً لمعناها أولاً، ومعتقداً لهذا المعنى؛ لأن الفهم والمعرفة وحدها لا يكفي إلا إذا اقترن مع الفهم الإيمان بهذا المفهوم، وهذه نقطة أظن أن كثيراً من الناس عنها غافلون، وهي: لا يلزم من الفهم الإيمان، لا بد أن يقترن كل من الأمرين مع الآخر حتى يكون مؤمناً، ذلك
стр. 627
لأنكم تعلمون إن شاء الله أن كثيراً من أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يعرفون أن محمداً ﵌ رسول صادق فيما يدعيه من الرسالة والنبوة، ولكن مع ذلك، أي مع هذه المعرفة التي شهد لهم بها ربنا ﵎ حين قال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، ومع ذلك فهذه المعرفة ما أغنتهم شيئاً، لماذا؛ لأنهم لم يصدقوه فيما عرفوا منه من ادعاء النبوة والرسالة، ولذلك فالإيمان يسبقه المعرفة ولا تكفي وحدها، لا بد أن يقترن معها الإيمان، فإذاً إذا قال المسلم لا إله إلا الله بلسانه، فعليه أن يضم إلى ذلك معرفة معنى هذا الكلمة بإيجاز ثم بالتفصيل، فإذا عرف وصدق وآمن، فهو الذي يصدق عليه تلك الأحاديث التي ذكرت بعضها آنفاً، ومنها قوله ﵊ مشيراً إلى شيء من التفصيل الذي ذكرته آنفاً ألا وهو قوله ﵌: «من قال لا إله إلا الله
نفعته يوماً من دهره»، أي كانت هذه الكلمة الطيبة بعد معرفة معناها وهذا أكرره لكي يرسخ في الأذهان، بعد معرفة معناها والإيمان بهذا المعنى الصحيح، ولكنه قد لا يكون قام بمقتضياتها وبلوازمها من العمل الصالح والانتهاء عن المعاصي فقد يدخل النار كجزاء لما فعل وارتكب من معاصي، أو أخل ببعض الواجبات، ثم تنجيه هذه الكلمة الطيبة، هذا معنى قوله ﵇: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوماً من دهره»، أما من قالها بلسانه ولم يفقه معناها، أو فقه معناها ولكنه لم يؤمن بهذا المعنى فهذا لا ينفعه قوله: لا إله إلا الله، إلا هنا في العاجلة وليس في الآجلة، لذلك لا بد من تركيز الدعوة إلى التوحيد في كل مجتمع أو تكتل إسلامي يسعى حثيثاً وبحق إلى ما يدندن به كل الجماعات الإسلامية، أو لعل الأدق أن نقول: جل الجماعات الإسلامية، وهو تحقيق المجتمع الإسلامي وإقامة الدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله، هذه الجماعات أو هذه الطوائف لا يمكنها أن تحقق هذه الغاية التي أجمعوا على تحقيقها وعلى السعي حثيثاً
стр. 628
إلى جعلها حقيقة واقعة إلا بالبدء بما بدأ به رسول الله ﵌، أعيد التنبيه إلى أنه لا أعني بهذا الكلام في بيان الأهم فالمهم وما دونه، هو أن يقتصر الدعاة فقط على الدعوة إلى هذه الكلمة الطيبة وفهم معناها؛ لأن الإسلام بعد أن أتم الله علينا النعمة بإكماله لدينه، فلا بد لهؤلاء الدعاة أن يحملوه كلاً لا يتجزأ، وأنا حين أقول هذا أقول بعد ذاك البيان الذي خلاصته أنه يجب على الدعاة الإسلاميين حقاً أن يهتموا بالأهم مما جاء به الإسلام وهو تفهيم المسلمين العقيدة الصحيحة النابعة من الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، لكني أريد أن ألفت النظر إلى أن هذا لا يعني أن يفهم المسلم فقط أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق في الوجود إلا الله فقط، بل هذا يستلزم أن يفهم العبادات التي ينبغي أن يتعبد ربنا عز
وجل بها، ولا يوجه شيئاً منها لعبد من عباد الله ﵎، هذا التفصيل لا بد أن يقترن بيانه أيضاً مع ذلك المعنى الموجز للكلمة الطيبة، يحسن أن نضرب مثلاً أو أكثر من مثل حسب ما يبدو لي وأنا أرتجل هذه الكلمة لبيان أن هذا البيان الإجمالي لا يكفي فأقول: إن كثيراً من المسلمين الموحدين حقاً والذين لا يوجهون عبادةً من العبادات إلى غير الله ذهنهم خالي من كثير من العقائد والأفكار الصحيحة التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة،
(الهدى والنور / ٧٥٠/ ١٤: ٠٢: ٠٠)
стр. 629
بماذا تبرأ ذمة المسلم الذي
لا يستطيع أن يُغَيِّر واقعه ؟
الملقي: بارك الله فيك، قلت: بماذا تبرأ ذمة المسلم في هذا العصر، إذا كان لا يمكنه مثلاً تغيير منكرٍ عظيم يكرهه ويبغضه؟ أو تغيير واقع كما تفضَّلت قبل قليل؟
الشيخ: كلٌ من المسلمين بحسبه، العالم يجب عليه ما لا يجب على غير العالم، وكما أقول في مثل هذه المناسبة إن الله قد أكمل النعمة بكتابه وجعله دستوراً للمسلمين والمؤمنين به، من ذلك أن الله حينما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فهو ﵎ في هذه الآية قد جعل المجتمع الإسلامي قسمين: عالم، وغير عالم، وأوجب على كل منهما ما لم يوجبه على الآخر، أوجب على القسم الآخر الذين ليسوا بعلماء أن يسألوا أهل العلم، وأوجب على هؤلاء أن يجيبوهم عما سألوهم عنه، فإذاً هناك عالم واجبه أن يُعَلِّم، وغير عالم واجبه أن يتعلم، فإذاً الواجبات تختلف باختلاف الأشخاص، فالعالم اليوم عليه أن يدعو إلى دعوة الحق وفي حدود الاستطاعة، وغير العالم عليه أن يسأل عما يهمه فيما يتعلق بنفسه وبمن كان هو راعياً عليه، كزوجة أو ولد أو نحوه، فإذا قام كل مسلم من الفريقين العالم وغير العالم بما يستطيع فالله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، نحن مع الأسف نعيش في مأساة ألمَّت بالمسلمين لا يعرف التاريخ الإسلامي لها
стр. 630
مثيلاً وهو أن الكفار تداعوا على محاربة المسلمين كما أخبر النبي الكريم ﵊ في مثل قوله المعروف والصحيح والحمد لله: «ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: «لا، أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله الرهبة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن»، قالوا: وما الوهن يا رسول الله، قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت»، فواجب العلماء إذاً أن يجاهدوا في المسلمين بتعليمهم، أما أن يجاهدوا هؤلاء الكفار الذين تداعوا من كل جانب على محاربة المسلمين فما دام أنهم ليست لهم قيادة، وليس لهم إمام يقودهم ويوجههم، فهم لا يستطيعون الآن مثل هذا الجهاد، ولكن
عليهم أن يتخذوا كل وسيلة بإمكانهم أن يتخذوها، نحن الآن كأفراد لا نستطيع أن نتسلح سلاحاً مادياً، ولو استطعنا فلا نستطيع أن نتحرك فعلاً؛ لأن هناك قيادات وهناك حكام يتبنون سياسة لا تتفق مع السياسة الشرعية مع الأسف الشديد، لكننا نستطيع أن نحقق الأمرين العظيمين اللذين ذكرتهما آنفاً وهما: التصفية، والتربية، حينما يقوم المسلمون أو دعاة المسلمون بمثل هذا الواجب في بلد ما، ويتكتلون على هذا الأساس، فأنا أعتقد أنهم يومئذٍ يصدق فيهم قوله ﵎، يومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ﵎، إذاً واجب كل مسلم أن يعمل استطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
الملقي: تباعاً لهذا يا شيخ سؤال يعني يلحق بهذا.
الشيخ: نعم.
الملقي: هل نفهم من كلامك يا شيخ أنه لا تلازمُ بين إقامة التوحيد الصحيح، والعبادة الصحيحة، وبين إقامة الدولة الإسلامية؟
стр. 631
الشيخ: لا، لا تلازم لأن هناك بلا شك، وهذا أمر معروف، أن بعض الأزمنة قد تكون العزلة هي خير من المخالطة، فيعتزل المسلم في شعب من هذه الشعاب، ويعيش هناك وحده يعبد ربه ، ويكتفي شر الناس إليه وشره إليهم، فهذا أمر قد جاءت فيه أحاديث كثيرة وكثيرة جداً، وإن كان الأصل كما جاء في حديث ابن عمر: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم»، الدولة المسلمة بلا شك هي وسيلة لإقامة حكم الله في الأرض، ولذلك نحن في مثل هذه المناسبة نقول لبعض الدعاة الإسلاميين الذين يهتمون بإقامة الدولة المسلمة، وهذا ليس في ملكهم ولا في قدرتهم ولا في طاقتهم من عجائبهم أنهم يهتمون بما لا يستطيعون القيام به، ويدعون في أنفسهم مجاهدة أنفسهم وإقامة الدولة كما قال ذلك الداعية المسلم الذي نصح جماعته بقولته تلك ثم هم لم يستنصحوا: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقمْ لكم في أرضكم، فنحن نجد كثيراً من هؤلاء الذين يدعون مثلاً كما يقولون لتخصيص وإفراد الله بالحكم يعبرون عن ذلك بالعبارة المعروفة: الحاكمية لله، لا شك أن الحكم لله وحده ولا شريك له في ذلك ولا في غيره، ومع ذلك فهم لا يحققون الـ لا حكم إلا لله؛ في أنفسهم وذلك في طاقتهم وفي قدرتهم، مثلاً: بعضهم لا يزال يصر على التمسك بعبادة الله على ما وجد عليه آباءه وأجداده وأحسن منه من درس مذهباً من المذاهب الأربعة المتبعة اليوم ثم حينما تأتيه السنة الصحيحة الصريحة يقول: لا هذا خلاف مذهبي، فأين الحكم بما أنزل الله، هم يطالبون غيرهم، بما هم لا يطالبون به أنفسهم، من السهل جداً أن تطبق حكم الله في دارك، في بيعك، في شرائك، بينما من الصعب جداً أن تحول هذا الحاكم الذي يحكم في كثير من أحكامه بغير ما أنزل الله، فلماذا تترك الميسر إلى المعسر، هذا يدل على أحد شيئين، إما هناك
стр. 632
سوء تربية وسوء توجيه، وإما أنه هناك سوء عقيدة هي التي تصرفهم
إلى الاهتمام بما لا يستطيعون تحقيقه عن الاهتمام بما هو في استطاعتهم القيام به، لهذا بارك الله فيك نحن نهتم دائماً وأبداً بالتصفية والتربية وإذا انصرف أحد الدعاة عن واحد من هذين الأمرين لم ينجح في دعوته، فإذاً على كل مسلم عالم أو غير عالم أن يعمل وأن يتق الله في حدود استطاعته، وأن يقدم الأهم على المهم، وأن يدع الأمور التي لا فائدة منها سوى إثارة الحماس وإثارة الفتن والمشاكل التي لا بد منها يوماً ما، لكن يوم تكون هذه الإثارة خيرها أكثر من شرها، وضررها أقل من نفعها، أما اليوم فأنا أرى الاشتغال كل الاشتغال بالتصفية والتربية، وكل في حدود استطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
(الهدى والنور / ٧٥٠/ ٠٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 633
وسائل النهوض بالعالم الإسلامي
مداخلة: ما هي الأسس التي ترونها خلال مرئياتكم أنه يمكن للعالم الإسلامي أن ينهض بها؟
الشيخ: الذي أعتقده هو ما جاء في النص الحديثي الصحيح وهو جواب عن مثل هذا السؤال وعن كثير من الأسئلة التي تطرح في العهد الحاضر، وهو قوله ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» فالأساس هو الرجوع إلى الإسلام، وهذا الأمر قد أشار إليه إمام دار الهجرة الإمام مالك ﵀ في كلمة مأثورة عنه تكتب كما كانوا يقولون قديمًا: بماء الذهب، وهي قوله ﵀: من ابتدع في الإسلام بدعًة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة، اقرؤوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال مالك ﵀: فما لم يكن يومئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
هذه الجملة الأخيرة هي بيت القصيد فيما يتعلق بالجواب عن ذاك السؤال، حيث قال ﵀: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فكما أن الأمة العربية في عهدها في الجاهلية ما صلح أمرها إلا بعد أن جاءهم نبيهم ﵌ بوحي السماء الذي أسعدهم في الدنيا وفي الأخرى.
стр. 634
لذلك: فالأساس الذي ينبغي أن تقوم فيه الحياة الإسلامية السعيدة في هذا الزمن ليس إلا هو إلا الرجوع إلى الكتاب وإلى السنة، غير أن هذا يحتاج إلى شيء من التفصيل لكثرة الجماعات أو الأحزاب الإسلامية الموجودة الآن في الساحة؛ لأن كل جماعة تدعي لنفسها أنها هي التي وضعت المنهج الذي به يمكنهم أن يحققوا المجتمع الإسلامي والحكم بالإسلام، فكلهم يدعي كما قيل قديمًا:
وكلهم يدعي وصلًا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
ونحن نعلم من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﵌ أن السبيل الذي به يمكن تحقيق السعادة في الدنيا ثم السعادة في الآخرة إنما هو سبيل واحد، فلا بد من تحديد هذا السبيل ليسلك عليه من كان حقًا يبتغي العمل لصالح الدعوة الإسلامية والأمة الإسلامية، هذا السبيل هو ما ذكره الله ﵎ في غير ما آية في القرآن الكريم، فربنا يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فالطريق التي تؤدي إلى ما ينشده كل مسلم اليوم، ولكن الجماهير ما يعرفونه إنما هو السبيل الذي أشير إليه في هذه الآية الكريمة.
ولقد أوضح النبي ﵌ هذا السبيل المذكور في الآية الكريمة بمثل رائع جدًا رسمه لأصحابه على الأرض التي كان من عادته أن يجلس عليها دون أي عظمة أو كبرياء، فقد خط لهم رسول الله ﵌ يومًا خطًا مستقيمًا على الأرض، ثم خط على جانبيه خطوطًا قصيرًة، ثم قرأ ﵊ وهو يمر بإصبعه الشريفة على الخط المستقيم الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ثم أشار إلى الخطوط التي على جانبي الخط المستقيم
стр. 635
بقوله بتمام الآية الكريمة: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فاعتقادي أن الطريق هو واحد كما ينشده كل جماعة أو فرد من هذه الأمة من السعادة لها في الدنيا والآخرة فلا يوجد هناك إلا هذا السبيل، وبخاصة أن النبي ﵌ قد أتم بيان خطورة الحيدة عن الطريق المستقيم في قوله في تمام الحديث السابق، حيث قال: «هذا صراط الله، وهذه طرق، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه» الدعاة إذًا كثيرون، ولكن الداعية الحق إنما هو الذي يدعو الناس أن يسيروا على ما كان عليه الرسول ﵌، وما اتبعه أصحابه ثم من جاءوا من بعدهم بإحسان.
وقد أكد ربنا في آية أخرى في القرآن الكريم ما ذكر في الآية السابقة مع شرح الرسول ﵇ لها للحديث المذكور آنفًا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فإذًا: السبيل دائمًا يذكر في القرآن مفردًا وليس هناك سبل تتبع، ولو أن السالكين على هذه السبل والسائرين على تلك الطرق كانت مقاصدهم ونواياهم حسنًة، وإن افترض فيهم ذلك فهم لن يصلوا إلى بغيتهم ما دام أنهم لم يسلكوا الطريق الوحيد المستقيم الذي يؤدي بهم إلى مقصدهم المشروع، ولقد جاء في الحديث الصحيح الذي تتفق عليه كل الجماعات والأحزاب الإسلامية، ولكنهم يختلفون في تطبيقه سلوكًا، أعني به قول النبي ﵌: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: