الشيخ: لا، لا تلازم لأن هناك بلا شك، وهذا أمر معروف، أن بعض الأزمنة قد تكون العزلة هي خير من المخالطة، فيعتزل المسلم في شعب من هذه الشعاب، ويعيش هناك وحده يعبد ربه ، ويكتفي شر الناس إليه وشره إليهم، فهذا أمر قد جاءت فيه أحاديث كثيرة وكثيرة جداً، وإن كان الأصل كما جاء في حديث ابن عمر: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم»، الدولة المسلمة بلا شك هي وسيلة لإقامة حكم الله في الأرض، ولذلك نحن في مثل هذه المناسبة نقول لبعض الدعاة الإسلاميين الذين يهتمون بإقامة الدولة المسلمة، وهذا ليس في ملكهم ولا في قدرتهم ولا في طاقتهم من عجائبهم أنهم يهتمون بما لا يستطيعون القيام به، ويدعون في أنفسهم مجاهدة أنفسهم وإقامة الدولة كما قال ذلك الداعية المسلم الذي نصح جماعته بقولته تلك ثم هم لم يستنصحوا: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تقمْ لكم في أرضكم، فنحن نجد كثيراً من هؤلاء الذين يدعون مثلاً كما يقولون لتخصيص وإفراد الله بالحكم يعبرون عن ذلك بالعبارة المعروفة: الحاكمية لله، لا شك أن الحكم لله وحده ولا شريك له في ذلك ولا في غيره، ومع ذلك فهم لا يحققون الـ لا حكم إلا لله؛ في أنفسهم وذلك في طاقتهم وفي قدرتهم، مثلاً: بعضهم لا يزال يصر على التمسك بعبادة الله على ما وجد عليه آباءه وأجداده وأحسن منه من درس مذهباً من المذاهب الأربعة المتبعة اليوم ثم حينما تأتيه السنة الصحيحة الصريحة يقول: لا هذا خلاف مذهبي، فأين الحكم بما أنزل الله، هم يطالبون غيرهم، بما هم لا يطالبون به أنفسهم، من السهل جداً أن تطبق حكم الله في دارك، في بيعك، في شرائك، بينما من الصعب جداً أن تحول هذا الحاكم الذي يحكم في كثير من أحكامه بغير ما أنزل الله، فلماذا تترك الميسر إلى المعسر، هذا يدل على أحد شيئين، إما هناك
стр. 632
سوء تربية وسوء توجيه، وإما أنه هناك سوء عقيدة هي التي تصرفهم
إلى الاهتمام بما لا يستطيعون تحقيقه عن الاهتمام بما هو في استطاعتهم القيام به، لهذا بارك الله فيك نحن نهتم دائماً وأبداً بالتصفية والتربية وإذا انصرف أحد الدعاة عن واحد من هذين الأمرين لم ينجح في دعوته، فإذاً على كل مسلم عالم أو غير عالم أن يعمل وأن يتق الله في حدود استطاعته، وأن يقدم الأهم على المهم، وأن يدع الأمور التي لا فائدة منها سوى إثارة الحماس وإثارة الفتن والمشاكل التي لا بد منها يوماً ما، لكن يوم تكون هذه الإثارة خيرها أكثر من شرها، وضررها أقل من نفعها، أما اليوم فأنا أرى الاشتغال كل الاشتغال بالتصفية والتربية، وكل في حدود استطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
(الهدى والنور / ٧٥٠/ ٠٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 633
وسائل النهوض بالعالم الإسلامي
مداخلة: ما هي الأسس التي ترونها خلال مرئياتكم أنه يمكن للعالم الإسلامي أن ينهض بها؟
الشيخ: الذي أعتقده هو ما جاء في النص الحديثي الصحيح وهو جواب عن مثل هذا السؤال وعن كثير من الأسئلة التي تطرح في العهد الحاضر، وهو قوله ﵊ في الحديث الصحيح: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» فالأساس هو الرجوع إلى الإسلام، وهذا الأمر قد أشار إليه إمام دار الهجرة الإمام مالك ﵀ في كلمة مأثورة عنه تكتب كما كانوا يقولون قديمًا: بماء الذهب، وهي قوله ﵀: من ابتدع في الإسلام بدعًة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﵌ خان الرسالة، اقرؤوا قول الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قال مالك ﵀: فما لم يكن يومئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
هذه الجملة الأخيرة هي بيت القصيد فيما يتعلق بالجواب عن ذاك السؤال، حيث قال ﵀: ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فكما أن الأمة العربية في عهدها في الجاهلية ما صلح أمرها إلا بعد أن جاءهم نبيهم ﵌ بوحي السماء الذي أسعدهم في الدنيا وفي الأخرى.
стр. 634
لذلك: فالأساس الذي ينبغي أن تقوم فيه الحياة الإسلامية السعيدة في هذا الزمن ليس إلا هو إلا الرجوع إلى الكتاب وإلى السنة، غير أن هذا يحتاج إلى شيء من التفصيل لكثرة الجماعات أو الأحزاب الإسلامية الموجودة الآن في الساحة؛ لأن كل جماعة تدعي لنفسها أنها هي التي وضعت المنهج الذي به يمكنهم أن يحققوا المجتمع الإسلامي والحكم بالإسلام، فكلهم يدعي كما قيل قديمًا:
وكلهم يدعي وصلًا بليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاك
ونحن نعلم من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﵌ أن السبيل الذي به يمكن تحقيق السعادة في الدنيا ثم السعادة في الآخرة إنما هو سبيل واحد، فلا بد من تحديد هذا السبيل ليسلك عليه من كان حقًا يبتغي العمل لصالح الدعوة الإسلامية والأمة الإسلامية، هذا السبيل هو ما ذكره الله ﵎ في غير ما آية في القرآن الكريم، فربنا يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فالطريق التي تؤدي إلى ما ينشده كل مسلم اليوم، ولكن الجماهير ما يعرفونه إنما هو السبيل الذي أشير إليه في هذه الآية الكريمة.
ولقد أوضح النبي ﵌ هذا السبيل المذكور في الآية الكريمة بمثل رائع جدًا رسمه لأصحابه على الأرض التي كان من عادته أن يجلس عليها دون أي عظمة أو كبرياء، فقد خط لهم رسول الله ﵌ يومًا خطًا مستقيمًا على الأرض، ثم خط على جانبيه خطوطًا قصيرًة، ثم قرأ ﵊ وهو يمر بإصبعه الشريفة على الخط المستقيم الآية السابقة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ثم أشار إلى الخطوط التي على جانبي الخط المستقيم
стр. 635
بقوله بتمام الآية الكريمة: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
فاعتقادي أن الطريق هو واحد كما ينشده كل جماعة أو فرد من هذه الأمة من السعادة لها في الدنيا والآخرة فلا يوجد هناك إلا هذا السبيل، وبخاصة أن النبي ﵌ قد أتم بيان خطورة الحيدة عن الطريق المستقيم في قوله في تمام الحديث السابق، حيث قال: «هذا صراط الله، وهذه طرق، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليه» الدعاة إذًا كثيرون، ولكن الداعية الحق إنما هو الذي يدعو الناس أن يسيروا على ما كان عليه الرسول ﵌، وما اتبعه أصحابه ثم من جاءوا من بعدهم بإحسان.
وقد أكد ربنا في آية أخرى في القرآن الكريم ما ذكر في الآية السابقة مع شرح الرسول ﵇ لها للحديث المذكور آنفًا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فإذًا: السبيل دائمًا يذكر في القرآن مفردًا وليس هناك سبل تتبع، ولو أن السالكين على هذه السبل والسائرين على تلك الطرق كانت مقاصدهم ونواياهم حسنًة، وإن افترض فيهم ذلك فهم لن يصلوا إلى بغيتهم ما دام أنهم لم يسلكوا الطريق الوحيد المستقيم الذي يؤدي بهم إلى مقصدهم المشروع، ولقد جاء في الحديث الصحيح الذي تتفق عليه كل الجماعات والأحزاب الإسلامية، ولكنهم يختلفون في تطبيقه سلوكًا، أعني به قول النبي ﵌: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:
стр. 636
هي الجماعة» هذه هي الرواية المشهورة، وثمة رواية أخرى تفسر الأولى وهي قوله ﵇: «هي التي على ما أنا عليه وأصحابي».
فإذاً: واحدة من ثلاثة وسبعين فرقة هي الفرقة الناجية كما صرح على ذلك العلماء قاطبةً، وهذه الفرقة الناجية هي فقط التي تستطيع أن تنهض بالأمة الإسلامية اليوم، وأن تحقق السعادة لهم، ثم لغيرهم من الأمم الأخرى التي لم تهتدي بهدي الإسلام، ولعل من أسباب ذلك أن المسلمين أنفسهم لم يعودوا مع الأسف كما كانوا من قبل دعاًة لأفعالهم وأعمالهم، والأقوال وحدها لا تفيد ...
لما ذكر النبي ﵌ أن الفرقة الناجية هي فرقة واحدة، ولكي لا يضل المسلمون عن معرفة وصفها هذا الضلال الذي يلزم منه أن يضلوا ... أجاب عن ذاك السؤال: من هي هذه الفرقة الناجية من بين الثلاث وسبعين فرقة؟ قال: هي التي على ما أنا عليه وأصحابي، ونلاحظ هنا بوضوح تام أن النبي ﵌ لم يقتصر في جوابه عن ذاك السؤال على قوله فقط: التي هي على ما أنا عليه، لم يقتصر ولم يقف في كلامه إلى هنا: على ما أنا عليه وفقط، لا عطف على ذلك قوله: وأصحابي.
ذلك لأن أصحاب النبي ﵌ هم كما لا شك ولا إشكال فيه، هم الذين تلقوا الوحي من رسول الله ﵌ بقسميه القرآن والسنة غضًا طريًا، ثم عملوا به وطبقوه أحسن تطبيق، ثم نقلوه كما فهموه وكما طبقوه إلى من جاء من بعده، وهكذا حتى سخر الله للمسلمين من جمع لهم السنة من بعد أن سخر للأولين من جمع لهم القرآن الكريم بين دفتين، وبذلك اجتمع الوحيان المشار إليهما في القرآن في عديد من الآيات كمثل قوله ﵎ مخاطبًا نبيه ﵊: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ففي هذه
стр. 637
الآية نص صريح أن بيان النبي ﵌ هو شيء زائد عن القرآن، وأن القرآن مبين ببيانه ﵇، فالمبيَن شيء والمبيِن شيء آخر .. شيء زائد عليه، وإن كان لا يخرج عن أنه مستقى من مشكاة واحدة، كما جاء النص يصرح بذلك، ألا وهو قوله ﵊: «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يقول: هذا كتاب الله فما وجدنا فيه حلالًا حللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» في حديث آخر: «ألا إنما حرم رسول الله مثل ما حرم الله» ... بأن الله كما صرح بالآية السابقة أنزل القرآن على قلب النبي ﵇ وكلفه أن يبينه للناس، هذا البيان هو السنة.
لكن هنا شيء آخر أشارت إليه تلك الرواية السابقة حينما سئل النبي ﵇ عن الفرقة الناجية، فقال: «هي التي على ما أنا عليه وأصحابي» فأصحاب الرسول ﵇ ذكروا في هذا الحديث لهذه النكتة التي سبق ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
فنحن نقول: في هذه الآية حكمة بالغة، كالحديث السابق: وأصحابي، فذكر في الحديث عطفًا على سنته ﵇ ... أصحابه الكرام، كذلك هنا في الآية الكريمة عطف سبيل المؤمنين على ما جاء به الرسول، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] لم يقل رب العالمين: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا .. وإنما أدخل جملة عطفها على ما قبلها فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] كأن النبي ﵌ حينما قال: أنا وأصحابي، كان إن لم يكن
стр. 638
ذلك وحيًا من الله مباشرًة منه تعالى إليه، كان اقتباسًا من الآية التي كان الله أوحى بها إليه حين قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ما هي النكتة، وما هي الحكمة في ذكر الله في هذه الآية سبيل المؤمنين، وفي عطف الرسول ﵇ أصحابه على نفسه في الحديث السابق؟
الجواب: أن هؤلاء الصحابة الكرام كما أشرنا سابقًا هم الذين تلقوا الوحيين من رسول الله ﵌ مبينًا منه لهم مباشرًة دون واسطة كما هو شأن من جاء من بعدهم، ولا شك أن الأمر كما قال ﵊ في حديث معروف: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» ولذلك كان إيمان الصحابة الأولين أقوى من إيمان من جاء من بعدهم، وقد أشار ﵇ إلى ذلك بقوله في الحديث الصحيح بل المتواتر: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وعلى ذلك فلا يستطيع مسلم أن يستقل بفهم الكتاب والسنة بشخصه، بل لا بد أن يستعين على فهمهما بالرجوع إلى الأصحاب الكرام الذين تلقوا ذلك عن النبي ﵌ مفسرًا مبينًا تارًة بقوله ﵇ وتارًة بفعله وتارًة بتقريره.
ولعلكم تعلمون جميعًا أن السنة تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة: قول، وفعل، وتقرير، فإذا ما صرف صارف ما نظره عن هذه السنة وأراد أن يستقل بفهم القرآن مقتصرًا على ذلك باللغة العربية فسوف لا يستطيع أن يصل إلى فهم مراد الله ﵎ من آياته، وأكبر دليل على ذلك أن هناك بعض الآيات يتردد فيها لفظ معين، كاليد مثلًا في آية التيمم، واليد في آية حد السارق ونحو ذلك، فتجد الآية تفسر على ضوء ما جاء في السنة، فلا يجوز حينئذٍ أن يستقل إنسان ما لفهم الآية دون أن يستعين على ذلك بسنة النبي ﵌ بأقسامها الثلاثة التي ذكرتها آنفًا.
стр. 639
فآية مثلًا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] اليد في اللغة إذا أطلقت فقد يراد: الكف، وقد يراد: الكف والذراع، وقد يراد ما فوق ذلك إلى المنكب، فبأي هذه المعاني يستطيع من لا يعود إلى السنة التي هي بيان للقرآن كما ذكرنا آنفًا أن يفسر مثل هذه الآية، ثم كلمة السارق وهي تشمل كل سارق مهما كانت قيمة ما سرق منحطًا وقليلًا ولا قيمة لها تذكر، لا بد في هذا وفي هذا وكثير من ذلك أن يرجع إلى السنة بأقسامها الثلاثة.
وأوضح مثل معروف عند العلماء بها: الصلاة التي أمرنا بها في القرآن الكريم، والحج، والصيام، والزكاة ونحو ذلك، لا يستطيع أحد مطلقًا أن يفهم هذه الأركان التي أمرنا بها في القرآن إلا على ضوء بيان الرسول ﵇ لها بقوله وفعله وتقريره.
إذ الأمر كذلك فلا بد من الرجوع إلى السنة مع القرآن؛ لأن السنة تبين القرآن كما ذكرنا آنفًا في الآية الكريمة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
يبقى هناك شيء آخر وهو بيت القصيد الآن من كلمتي هذه في آخر هذه الكلمة أو هذا الجواب، وهو: الصحابة الذين نقلوا إلينا أقواله ﵇ وأفعاله وتقاريره، أقواله ﵌ ما نعرفها من القرآن الذي مروي بالتواتر كما هو معلوم، وإنما نعرف ذلك من السنة، تقاريره ﵇ رأى شيئًا فأقره، لا نعرف ذلك إلا من نقل الصحابة وليس من قوله ﵇، فإذًا: كان من الضروري جدًا أن نضم إلى الدعوة إلى الكتاب والسنة كما نقول دائمًا في مثل هذه المناسبة: وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح، إعمالًا لما سبق ذكره في بعض الآيات والأحاديث المتقدمة، حينما ذكر الله سبيل المؤمنين، وذكر نبيه الكريم
стр. 640
أصحابه، لم يكن ذلك إلا لحكمة بالغة، وهي: أنه يجب الرجوع إلى فهم الكتاب والسنة على ما كان عليه سلفنا الأول الصحابة ﵃ أجمعين.
على هذا: يأتي هنا شيء هام جدًا يغفل عنه كثير من الجماعات الإسلامية أو الأحزاب الإسلامية القائمة اليوم على وجه الأرض، ألا وهو: ما هو السبيل إلى معرفة ما كان عليه الرسول ﵇ من قول أو فعل أو تقرير، ثم معرفة ما كان عليه أصحابه من فهم وتطبيق لهذه السنة؟ لا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى علم يعرف عند العلماء قاطبةً بعلم الحديث، علم مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل، له قواعده وله اصطلاحاته بها يتمكن العلماء من أن يعرفوا ما صح عن النبي ﵌ مما لم يصح، أكثر الجماعات الإسلامية لا يرفعون اليوم رؤوسهم أولًا إلى ما يعرف بالسنة، والسنة في لغة الشرع أعم وأشمل منها في عرف الفقهاء؛ ذلك لأن الفقهاء يطلقون لفظة السنة على ما كان من العبادات غير المفروض على المسلم ففريضة وسنة، لكن السنة في لغة الشرع هي الطريقة والمنهج والسلوك الذي سلكه الرسول ﵇ في تفسيره في بيانه للقرآن وتطبيقه إياه.
وعلى هذا جاء قوله ﵇ في الحديث الصحيح والمتفق عليه بين الشيخين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي ﵌ أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» فليس المقصود هنا: من رغب عن سنتي سنة الفجر .. سنة الظهر القبلية والبعدية إلى آخر ما هنالك من السنن الرواتب، ليس هذا هو المقصود في هذا الحديث، وإنما المقصود به السنة والطريقة التي جاء بها النبي ﵇ لهذه الأمة، كبيانه للقرآن كما سبق عليه الكلام.
والذي يؤكد لنا هذا المعنى شيئان اثنان: أحدهما يتعلق بسبب ورود الحديث،
стр. 641
والشيء الآخر: اتفاق الأمة أن من حافظ على الفرائض وانتهى عن المحرمات فهو إن شاء الله من أهل الجنة كما جاء في صحيح مسلم: «أن رجلًا قال يا رسول الله! أرأيت إن أنا صليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان، وحللت الحلال، وحرمت الحرام، أأدخل الجنة؟ قال: نعم، إن أنت صليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان، وحللت الحلال، وحرمت الحرام فأنت من أهل الجنة» فإذًا: هنا لا شيء مما يسمى في اصطلاح الفقهاء بالسنة يمنع من قام بما سبق ذكره في الحديث من الفرائض يحول تركه للسنة بينه وبين دخول الجنة، لكنه على العكس من ذلك إذا ترك السنة بمعناها الشرعي فلازم ذلك أنه حاد عن سبيل الرسول ﵇ التي هي سبيل المؤمنين.
أما سبب الحديث وهو الشيء الأول الذي يدل على المعنى الصحيح لهذه الجملة: «فمن رغب عن سنتي .. » ... تقالوها، أي: وجدوا عبادته ﵇ قليلة، وجدوها قليلة بالنسبة لما كان يدور في ذهنهم من أن الرسول ﵇ ينبغي أن يكون أعبد العباد فيما يتصورون هم العبادة، وهو بلا شك أعبدهم جميعًا، لكن ليست العبادة بكثرة صلاة وصيام إنما هي بكثرة الإتيان من العبادات حسب ما جاء به الرسول ﵇، فبناءً على ما كان قائمًا في أذهانهم من المبالغة في العبادة وجدوا عبادته ﵇ قليلة، وكأنهم شعروا بأن هذا نقص في حق الرسول ﵇ فجاءوا بتعليل من أبطل ما يكون نرجو أن الله يغفره لهم بسبب صحبتهم لنبيهم ﵌ حيث قالوا بعد أن تقالوا العبادة: هذا رسول الله ﵌ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، كأنهم يقولون: لماذا يتعب الرسول ﵌ نفسه، ولماذا يجهدها ويتعبها وقد حصل غاية المنى ألا وهو كما قال الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢].
стр. 642
فإذًا: الرسول ﵇ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلم يبق هناك ما يدعوه إلى أن يقوم الليل كله، ويصوم النهار كله، ويبتعد عن النساء بكله، ولذلك عادوا إلى أنفسهم: أما نحن فلم نظفر بعد بمغفرة الله فيجب أن نسعى إلى عبادة الله لعل الله يغفر لنا، فتعاهدوا بينهم، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الثاني: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، والثالث قال: أما أنا فلا أتزوج النساء، وانصرفوا متعهدين على هذا.
ولما جاء الرسول ﵇ إلى أزواجه وأخبرنه خبر الرهط، صعد ﵇ المنبر وخطب في أصحابه قائلًا: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وكذا» يعيد أقوال كل منهم، هذا يقول أصوم النهار الدهر ولا أفطر، وذاك يقول: أقوم الليل ولا أنام، والثالث يقول: لا أتزوج النساء، وهذا من أدبه ﵇ أنه يكني ويعرض ولا يصرح فيقول: ما بال فلان قال كذا وفلان قال كذا لا، ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؛ لأن المقصود ليس هو التشهير، وإنما هو التعليم.
فقال ﵇: «أما أنا فإني أخشاكم لله وأتقاكم لله، أما إني أصوم وأفطر، وأقوم الليل وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» هذا موضع هذا الحديث، وهذا هو سبب ورود هذا الحديث: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» أي: من جاء بعبادة يتعبد الله بها ويتقرب إلى الله زلفى لم أتعبد الله بها فهو قد رغب عن طريقي وعن منهجي فهو ليس مني، لو أن رجلًا لم يقم الليل مطلقًا ولم يصم من الدهر شيئًا أكثر من شهر رمضان فهو الذي يستحق أن يكون من أهل الجنة بشهادة ذلك الحديث، ولا يقال فيه: قد رغب عن سنة الرسول ﵇، ولكنه لو صام مع رمضان صام كل الأيام التي ينهى الشارع الحكيم عن صيامها، ثم قام الليل في السنة كلها والليل كله بطوله فهو الذي رغب عن سنته
стр. 643
عليه السلام.
ولذلك فشتان ما بين القانع بالفرائض والذي يزيد على السنن ظانًا بأنه قد زاد في الطاعة والعبادة، والواقع أنه قد خالف منهج الرسول وسيرته؛ لأجل ذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
إذا عرفنا أن سنة الرسول ﵇ التي نقلها إلينا أصحابه الكرام وجب علينا أن نعرفها كما لو كنا نحياها معه ﵇، وكذلك بيان الصحابة لما بينه الرسول ﵇ لهم، كان لا بد من الرجوع كما قلت آنفًا إلى علم الحديث، وعلم الحديث علم مستقل عن سائر العلوم الشرعية، ولا سبيل إلى التفقه في الدين وإلى فهم القرآن الكريم إلا بطريق هذه السنة.
لذلك أعتقد وهذا إن شاء الله يكون نهاية هذا الجواب: أنه لا بد للمسلمين اليوم، أو بعبارة أوضح: للمسلمين الذين يريدون أن يعيدوا العز للإسلام والمجد للإسلام والحكم للإسلام، لا بد لهؤلاء أن يحققوا أمرين اثنين:
أن يعيدوا إلى أذهان المسلمين شريعة الإسلام مصفاةً من كل ما دخل فيها مما لم يكن منها يوم أنزل الله ﵎ قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] إعادة هذا الأمر اليوم كما كان في العهد الأول، هذا بلا شك يحتاج إلى جهود جبارة من عديد من علماء المسلمين في مختلف أقطار الأرض ينشرون العلم الصحيح الذي هو القرآن ببيان السنة وبنقل الصحابة وفهمهم لها.
إن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في فهم الشريعة أمر هام جدًا هذا الشيء الأساسي في إعادة المفهوم الصحيح للإسلام بعد أن تفرقت السبل وتعددت
стр. 644
الطرق حتى قال بعض غلاة الصوفية: إن الطرق الموصلة إلى الله ﵎ هي بعدد أنفاس الخلائق؛ لأن ذلك يعني أنهم ليسوا بحاجة إلى أن يدرسوا علم الكتاب وعلم السنة، بل يخلو أحدهم في خلوة ويشترط فيها أن تكون مظلمة ولا يكتفي في ذلك، بل يغمض عينيه، ولا يقتصر على ذلك بل يضع رأسه بين ركبتيه ظلمات بعضها فوق بعض، مع ذلك فهو يهيئ نفسه بزعمه أن يتلقى لا يقولون الوحي؛ لأنهم إن قالوا ذلك خرجوا من دائرة الإسلام، لكن يقولون: يتلقى الإلهام من رب الأنام، فهو يعمل بمقتضى هذا الإلهام، فإذًا: هم ليس عندهم طريق واحدة توصل إلى الله ﵎، خلافًا لكل ما سبق بيانه.
فأنا أقول: أنه لا بد لعلماء المسلمين حقًا أن يقربوا هذا الإسلام مصفًى من كل ما دخل فيه .. ما دخل في العقائد .. ما دخل في الأحاديث في السنة من أحاديث ضعيفة وموضوعة .. ما دخل في الفقه من آراء فجة وأقوال غريبة جدًا، فالإسلام يتبرأ منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما كان يقال، ثم ما دخل في السلوك والأخلاق من انحراف مما كان عليه الرسول ﵇ وأصحابه من الاعتدال .. ما دخل في السلوك من الغلو في الزهد في الدنيا والانصراف عن الناس، والرسول ﵇ يقول: إن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.
هؤلاء العلماء يُصَفُّون الإسلام من كل شائبة ومن كل دخيل في هذا الإسلام من أي جانب كان، سواء في العقائد أو في الفقه أو في الحديث أو في السلوك، ثم الشيء الثاني مع هذه التصفية ينبغي أن يقترن العمل بهذا العلم، ولذلك أنا أُلخِّص ذلك بكلمتين، لا بد للجماعة المسلمة حقًا أن تقوم بواجب أمرين اثنين: التصفية والتربية، تصفية الإسلام مما ذكرنا آنفًا، بحيث يعود المسلمون إلى فهم
стр. 645
دينهم كما لو كانوا بصحبة نبيهم، أو على الأقل بصحبة أصحابه ﵊، يجدون الإسلام غضًا طريًا كما أنزل.
ثم يكونون حريصين على تطبيق هذا الإسلام المصفى تطبيقًا عمليًا صحيحًا، فيوم يهيأ للمسلمين مثل هذه التصفية ويوجهون ويربون على أساس العمل بها، يومئذٍ أعتقد يفرح المؤمنون بنصر الله ﵎.
هذا ما يمكنني أن أقوله بهذه المناسبة، ونسأل الله لنا ولعامة المسلمين أن يفهمنا الإسلام فهمًا صحيحًا على ضوء الكتاب والسنة الصحيحة، وعلى ما كان عليه سلفنا الصالح، وأن يوفقنا للعمل بذلك، إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.
مداخلة: يا شيخ! هناك من يوجه حديث: «ما أنا عليه وأصحابي» وبالطائفة المنصورة في جماعة من الجماعات، يعني: الموجودة في الساحة الآن، فهم يوجهون هذا الحديث كما وجهه بعض أئمة الحديث بأنهم إن لم يكونوا هم أهل الحديث فلا أدري كما قال بذلك الإمام أحمد والإمام البخاري وعلي بن المديني، ويقول: هم أهل الحديث مما لا شك فيهم السلفيون، فمن لم يكن على هذا المنهج فهو خارج من هذا الحديث، فما رأي فضيلتكم؟
الشيخ: نحن نعتقد هذا جازمين؛ لأن كل من يدعي دعوى لا بد أن يخرج عن دعواه بالدليل، والحقيقة: أن كل جماعة نلاحظ اليوم أن هناك صحوة عامة، وصحوة خاصة، الصحوة العامة: تشمل كل المسلمين الذين كانوا من قبل من الراقدين فربتهم الحوادث والتجارب سواء كانت تجارب شخصية أو جماعية أنه لا بد للمسلمين من أن يعودوا إلى دينهم، فعاد الكثيرون منهم إلى دينهم، لكن كلمة الدين بالمفهوم العام، لكن نحن يهمنا المفهوم الخاص للدين، وهو كما
стр. 646
قلنا في الحديث السابق: «ما أنا عليه وأصحابي» هذا الفهم الخاص هو الذي يفيد المؤمنين فهو الذي يخلصهم من هذا الذل الذي أصابهم وران عليهم.
لما وجدت هذه الصحوة بدأنا منذ عهد قريب جدًا نسمع ممن كنا لا نسمع منهم من قبل كلمة الكتاب والسنة، وإنما كنا نسمع منهم كلمة الإسلام والدين وكلمات عامة، أما الرجوع إلى الكتاب والسنة فأصبحت ممكن أن أقول: موضة العصر الحاضر، أي: إن بعض الجماعات التي لا تتبنى الإسلام دينًا لها وسياسةً لها وإلى آخره يقولون: نحن على الكتاب والسنة، ولكنك لو نظرت إليهم في أعمالهم وأقوالهم وعقائدهم لوجدتهم أبعد الناس عن الكتاب والسنة؛ لأنهم ليس عندهم من معرفة بالكتاب والسنة إلا ما يشترك معهم عامة الناس، أما أن يكون عندهم علم تفصيلي أولًا بالخلافات التي توارثناها في هذه القرون الطويلة، ثم معرفة الراجح من المرجوح من هذه الموروثات، فهذا الواقع لا نكاد نجد أحدًا من هذه الجماعات من يقوم بتحقيق ذلك إلا من ينتمي إلى أهل الحديث وإلى أهل السلف، ولذلك ففاقد الشيء لا يعطيه.
إذا كان كل جماعة الآن تدعي أنها على الكتاب والسنة لماذا؟ لأنه صار معروفًا عند جميع المسلمين أن الدعوة إلى الكتاب والسنة هو الإسلام، فلم يعد يتمكن أحد من الدعاة مهما كان اقترابه أو ابتعاده عن منهج الكتاب والسنة أن يغض النظر عن الدعوة إلى الكتاب والسنة، فإذا ما ادعى مدعون أنهم على الكتاب والسنة قلنا لهم: ذلك ما نبغي أولًا وهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ثانيًا.
ونحن في حدود ما علمنا واطلعنا من الجماعات الموجودة اليوم على وجه الأرض لا نجد من يحاول الاقتراب من الكتاب والسنة إلا الذين إما أن يطلق
стр. 647
عليهم اسم أهل الحديث، أو اسم أنصار السنة في بعض البلاد، أو السلفيين في بلاد أخرى، أو أهل الحديث في بعض أخرى وهكذا.
أما الذين ينتمون إلى جماعات أخرى لا يتردد على ألسنتهم الاستدلال بالكتاب والسنة في كل شؤون حياتهم الذاتية الشخصية أو العامة أو الفكرية أو السياسية أو نحو ذلك، ما نجد عندهم من يدندن دائمًا حول الكتاب والسنة إلا كلمة الكتاب والسنة، نحن معكم على الكتاب والسنة! لكن هاتوا ما عندكم من دليل على أنكم على الكتاب والسنة، فلا ... جوابًا.
إن بين أيدينا الآن مثالًا قريب العهد ومؤسفًا في وقت واحد: هذا الغزالي المصري، هو لا يتبرأ من الكتاب والسنة، ولا يقول أنا لا أدعو إلى الكتاب والسنة؛ لأنه لو قال ذلك انفضح أمره وانكشفت سريرته، فهو يقول على الكتاب والسنة، لكن الكتاب والسنة ما هو عنده، إن كان من السنة فهو السنة ما صح عنده في منظاره الشخصي العقلي وليس ما صح عند علماء الحديث الذين كرسوا حياتهم طيلة هذه القرون الطويلة لمعرفة السنة الصحيحة من الضعيفة، كل هذه الجهود في كل هذه القرون مثل هذا الإنسان وأمثاله كثيرون مع الأسف الشديد، لا يقيم لهذه الجهود وزنًا! كل ما في الأمر الحديث الذي يوافق هواه أو منطقه أو ثقافته فهو صحيح، وما خالف ذلك فهو الضعيف ولو أخرجه البخاري ومسلم .. ولو اتفقت الأمة على تلقي هذا الحديث بالقبول! مثل هذا النوع كمثال لا يقول: أنا لست على الكتاب والسنة ولكن الكتاب والسنة بريئان منه؛ لأن السنة عنده تبعًا لهواه، والقرآن يفسره أيضًا تبعًا لهواه، الفرق عنده أن القرآن لا يجرؤ أن يقول هذا لا يصح، لكن يقول: هذا الفهم لا يصح، بينما هذا الفهم هو الذي جاءنا عن الصحابة وعن السلف، أما الحديث فما أجرأه على الإنكار لأنه أهون وأخف ... عنده لهدم السنة أن يقول كما يقول غيره كثيرون من الدعاة زعموا: هذا حديث آحاد، وحديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، ولذلك ترد بهذا
стр. 648
المعول وتهدم أحاديث صحيحة لا إشكال عند علماء الحديث في صحتها.
فإذًا: ليس المهم ادعاء طائفة من الناس أو حزب أو جماعة من الناس أننا على الكتاب والسنة؛ لأننا نقول لهم: نريد أفعالًا ولا نريد أقوالًا، هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، ونحن نعلم أن الجماعات التي تنتمي إلى أسماء معينة أو أحزاب سياسية أو نحو ذلك فهذه لا تهتم بدراسة السنة إطلاقًا بل قد يصرحون بأن هذه الدراسة تفرق الأمة وتفرق الجماعة، وأن البحث في أن هذا حديث صحيح أو غير صحيح .. أن هذا سنة وهذا بدعة، هذا سابق لأوانه، فبعضهم يقولون في مثل ذلك: هذه ليست من اللباب إنما هي من القشور.
فلا شك ولا ريب أن الدليل الناهض على أن الذين يصدق عليهم أنهم من الفرقة الناجية كما جاء في الحديث الصحيح آنفًا إنما هم الحريصون كما قلنا آنفًا على فهم الكتاب والسنة في كل شؤون حياتهم، ويطبقون ذلك حسب قدرتهم وطاقتهم، فهي الجماعة والفرقة الناجية، ومن علامة هؤلاء أنهم لا يتحزبون لحزب واحد، ولا ينتمون لرأس واحد يأمرهم بما يشاء وينهاهم عما يشاء، إنما مرجعهم كلهم إلى قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
فالفرقة الناجية هي فرقة أهل الحديث والسنة، وليست هي أهل السنة والجماعة كما يقولون اليوم؛ لأن هذا الاسم اصطلحوا على أن يدخلوا تحته .. تحت أهل السنة والجماعة يدخل الأشاعرة .. يدخل الماتريدية .. أخيرًا يدخل أهل الحديث الذي ينبغي أن يذكروا مقدمًا وسلفًا، بينما هؤلاء لا يتبنون الرجوع كما نتبناه إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، أعني: الأشاعرة والماتريدية، فهم من علماء الكلام الذي اضطروا أن يقولوا كلمة حق لكن يراد
стр. 649
بها باطل، وهي قولهم: علم السلف أسلم، وعلم الخلف أعلم وأحكم، إذًا: نسبوا الجهل إلى السلف ونسبوا العلم إلى الخلف، وهذا عكس لكل ما ذكرنا آنفًا ولغير ذلك من النصوص:
فأهل الحديث هموا أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
ونسأل الله أن يجعلنا من أهل الحديث العارفين بكتاب الله ثم بصحيح سنة رسول الله، ثم العاملين بذلك على منهج أصحاب رسول الله ﵌.
مداخلة: بعض الإخوة الذين ينتسبون إلى هذه الدعوة، وأعني بها الدعوة السلفية يقولون: نحن الآن في زمان يكاد يكون اتصل العالم بعضه ببعض، وصار من الإدارة والتخطيط وإلى غير هذا من ما ينكر به الإسلام ويكيدوا له، فيقولون: مما لا شك فيه أننا لا نستطيع أن نواجه هذه الدعوة المضادة للإسلام عمومًا وللدعوة السلفية خصوصًا إلا بعمل منظم، كما هم منظمون يعني: أعداء الإسلام منظمون، فيتأولوا ويقولون: لا بد لنا من أن نقوم بعمل منظم .. عمل ما يسمونه، فيرتبون العمل على أن يكون هناك رئيس وهناك أسر تكون، هناك أشياء سرية للغاية لا يعرفها إلا خواص المنتسبون لهذا ... أو هذا التنظيم، فكيف السبيل في توجيه هؤلاء الإخوة، الذي نعلم أنهم حريصون على الدعوة السلفية وعلى دعوة الناس إلى الخير الكتاب والسنة.
الشيخ: إذا كان المقصود بالتنظيم تنظيم الدعوة هذا لا شك أمر لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان كما قيل في قديم الزمان، أما إذا كان المقصود بالتنظيم للجماعة السلفيين تنظيمًا سريًا كما وقع فيه قديمًا الإخوان المسلمون ثم لاقوا مصيبتهم التي أرجعت لدعوتهم القهقرى، فالتنظيم ما بحاجة إليه اليوم إطلاقًا، وأنا في اعتقادي أن واجب الدعاة السلفيين أن يستمروا في طريقة الدعوة إلى الكتاب وإلى السنة هكذا علنًا لا خفاء فيها إطلاقًا؛ لأن هذه الدعوة من طبيعتها
стр. 650
أنها أقرب قبولًا وألصق بالقلوب الصافية الفطر السليمة، ولا شك في أن الأمر في النهاية ستكون الدولة لها وليس بحاجة أن يعملوا سرًا.
ويوم تجتمع قلوب المسلمين كما أشرنا آنفًا على فهم الإسلام فهمًا صحيحًا وتطبيقه تطبيقًا صحيحًا يومئذٍ ستقوم قائمة الدولة الإسلامية المنشودة لدى الجميع وتحكيم الكتاب والسنة كما هو أيضًا مقصود الجميع، أما العمل السياسي والسري سواء حتى لو كان عملًا سياسيًا جهرًا لا سر فيه أنا أعتقد أنه من الصوارف التي تصرف الدعاة إلى الله عن دعوتهم إلى الله إلى اشتغال بالأمور السياسية، ستصرفهم عما هو أوجب واجب عليهم من الدعوة، أنا قلت آنفًا: أن أوجب ما يجب على علماء المسلمين أن يصفوا هذا الإسلام مما دخل فيه، وأن يقترن ذلك بتربية الذين صفي الإسلام لهم على هذا الإسلام المصفى، أين هذه الجماعة التي قامت بالواجب الأول ثم بالواجب الثاني ولم يبق عندهم إلا العمل السياسي؟ أنا لا أجد هذا الآن ولن أجده مهما طال بي الزمان؛ لأن هذا يحتاج إلى زمن كبير وكبير جدًا؛ لأنني أنظر إلى النبي ﵌ والذي كان ممدودًا بحبل السماء ومشدودًا قواه بالقوي الأمين جبريل ﵇ ظل في قومه ثلاث وعشرين سنة يدعو إلى الله، في آخر أمد من حياته استطاع أن يضع النواة للدولة المسلمة، ثم بارك الله فيها بأصحابه الذين ورثوا الخلافة من بعده، وانتشر الإسلام كما هو معلوم لدى الجميع، فلا فائدة من التكرار، هكذا التاريخ يعيد نفسه، فأنا لا أجد الآن على وجه الأرض جماعة إن كانوا مثلًا مائة أو كانوا ألفًا، أو ألوفًا أو يزيدون على ذلك، إنهم على قلب رجل واحد فهمًا للإسلام فهمًا صحيحًا وتربيًة لأنفسهم ..
(فتاوى جدة- أهل الحديث والأثر (١) /٠١: ٥٨: ٢٦)
стр. 651
حول حديث: (يوشك أن تداعى
عليكم الأمم ... ) (١)
[السؤال]:
ورد المجلة سؤال من أحد الأساتذة المحامين في بغداد يرجو فيه التحقيق من قبل الأستاذ ناصر الدين الألباني في صحة الحديث المشهور: «تتداعى عليكم الأمم ... » ويقول:
«إنني أرتاب في صحة هذا الحديث لسببين:
الأول: أنه يخبر عن الغيب، ولا يعلم الغيب غير الله.
والثاني: يهدف إلى حمل الناس على الرضا بما نحن فيه والبقاء عليه وعدم العمل على تغييره».
ثم يستنتج من ذلك أنه:
«لابد أن يكون الحديث من وضع عدو للإسلام ولدينهم».
[الجواب]:
وجواب الأستاذ الألباني: إن الحديث صحيح بلا ريب، وهو يخبر عن أمر غيبي بإطلاع الله ﵎ له عليه، وهذا أمر سائغ جائز لا غبار عليه بل هو
стр. 652
من مستلزمات النبوة والرسالة، والحديث يهدف إلى خلاف ما ظنه السائل، هذا مجمل الجواب، وإليك التفصيل:
١ - صحة الحديث:
لا يشك حديثي في صحة هذا الحديث البتة، لوروده من طرق متباينة وأسانيد كثيرة، عن صحابيين جليلين:
الأول: ثوبان مولى رسول الله ﵌.
والثاني: أبو هريرة-رضي الله تعالى عنه- الذي حفظ لنا ما لم يحفظه غيره من الصحابة-رضوان الله عليهم- من سنة النبي ﵌ فجزاه الله عن المسلمين خيراً.
أما ثوبان-﵁ فله عنه ثلاث طرق:
١ - عن أبي عبد السلام، عن ثوبان، قال قال رسول الله ﵌: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا، وكراهية الموت».
أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٢١٠) والروياني في مسنده (ج ٢٥/ ١٣٤/٢) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عنه، ورجاله ثقات كلهم غير أبي عبد السلام هذا فهو مجهول، لكنه لم يتفرد به بل توبع-كما سيأتي- فالحديث صحيح.
٢ - عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان مثله.
أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٧) ومحمد بن محمد بن مخلد البزار في «حديث ابن
стр. 653
السمان» (ق ١٨٢ - ١٨٣) عن المبارك بن فضالة، حدثنا مرزوق أبو عبد الله الحمصي، أنا أبو أسماء الرحبي به، وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات، وإنما يخشى من المبارك التدليس، وقد صرح بالتحديث (١) فأمنا تدليسه.
٣ - عن عمرو بن عبيد التميمي العبسي، عن ثوبان مختصراً.
أخرجه الطيالسي في مسنده (ص ١٢٣)، (٢/ ٢١١) من ترتيبه للشيخ البنا وسنده ضعيف لكنه قوي بما قبله.
فالطريق الثاني حجة وحده لقوة سنده، وبانضمام الطريقين الآخرين إليه يصير الحديث صحيحاً لا شك فيه.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد في المسند أيضاً (٢/ ٢٥٩) عن شبيل بن عوف، عنه، قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول لثوبان:
«كيف أنت يا ثوبان إذا تداعت عليكم الأمم ... » الحديث نحوه وسنده لا بأس به في الشواهد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٨٧): «رواه أحمد والطبراني في الأوسط بنحوه، وإسناد أحمد جيد! ».
وجملة القول: إن الحديث صحيح بطرقه وشاهده، فلا مجال لرده من جهة إسناده، فوجب قبوله والتصديق به.
٢ - إخباره ﵌ عن الغيب:
من المستغرب جداً عندنا الشك في صحة الحديث بدعوى «أنه يخبر عن الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله» ومن المؤسف حقاً أن تروج هذه الدعوى عند
стр. 654
كثير من شبابنا المسلم فقد سمعتها من بعضهم كثيراً، وهي دعوى مباينة للإسلام تمام المباينة، ذلك لأنها قائمة على أساس أن النبي ﵌ بشر كسائر البشر الذين لا صلة لهم بالسماء، ولا ينزل عليهم الوحي من الله ﵎.
٣ - هدف الحديث:
عرفنا مما سبق أن الحديث المسؤول عنه صحيح الإسناد عن النبي ﵌، وأن ما فيه من الإخبار عن أمر مغيب إنما هو بوحي من الله تعالى إليه ﵌، فإذا تبين ذلك استحال أن يكون الهدف منه ما توهمه السائل الفاضل من «حمل الناس على الرضا بما نحن فيه ... » بل الغاية منه عكس ذلك تماماً، وهو تحذيرهم من السبب الذي كان العامل على تكالب الأمم وهجومهم علينا، ألا وهو «حب الدنيا وكراهية الموت» فإن هذا الحب والكراهية هو الذي يستلزم الرضا بالذل والاستكانة إليه والرغبة عن الجهاد في سبيل الله على اختلاف أنواعه من الجهاد بالنفس والمال واللسان وغير ذلك، وهذا هو حال غالب المسلمين اليوم مع الأسف الشديد.
فالحديث يشير إلى أن الخلاص مما نحن فيه يكون بنبذ هذا العامل والأخذ بأسباب النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، حتى يعودوا كما كان أسلافهم «يحبون الموت كما يحب أعداؤهم الحياة».
وما أشار إليه هذا الحديث قد صرح به حديث آخر فقال ﵌: «إذا تبايعتم بالعينة (١)، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله
стр. 655
عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (١).
فتأمل كيف اتفق صريح قوله في هذا الحديث «لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» مع ما أشار إليه الحديث الأول من هذا المعنى الذي دل عليه كتاب الله تعالى أيضاً، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
فثبت أن هدف الحديث إنما هو تحذير المسلمين من الاستمرار في «حب الدنيا وكراهية الموت»، ويا له من هدف عظيم لو أن المسلمين تنبهوا له وعملوا بمقتضاه لصاروا سادة الدنيا، ولما رفرفت على أرضهم راية الكفار، ولكن لابد من هذا الليل أن ينجلي، ليتحقق ما أخبرنا به رسول الله ﵌ في أحاديث كثيرة، من أن الإسلام سيعم الدنيا كلها، فقال ﵊:
«ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر» (٢).
стр. 656
ومصداق هذا الحديث من كتاب الله تعالى قوله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ* هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨].
«مقالات الألباني» (١٥٧ - ١٦٣)
стр. 657
متى الوصول ؟ !
стр. 658
نصيحة .. حول متى الوصول ؟ !
الشيخ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] فقد ذكرنا مع هذه الآية الآية الأخرى التي تقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وأشرنا إلى أن هذه الآية الثانية تعطينا شرطين اثنين: أن يكون العمل صالحاً، ولا يكون كذلك إلا إذا كان موافقاً للسنة، والشرط الثاني: أن يكون خالصاً لوجه الله ﵎، دار الكلام مع شيء من البسط والشرح حول هذين الشرطين، ولكن ما يتعلق بالآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] علقت أنا على قوله تعالى آمراً نبيه ﵇ أن يقول: «هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني» لكن قبل هذا التعليق هناك تعليق آخر يجول في نفسي: كل تالٍ لهذه الآية الكريمة ويقف التالي الذي يريد أن يتحقق بهذا الأمر الإلهي - أن يكون على بصيرة من دينه اتباعاً لأمر ربه لنبيه ﵌ يجب عليه أن يقف طويلاً وطويلاً جداً عند هذه الكلمة الطيبة: (سبيلي) حيث يعلم كل مسلم أوتي شيئاً من الفقه والفهم في اللغة العربية أن السبيل هذا اللفظ المذكور في الآية هو مفرد وليس جمعاً، أي: أن الله قال: (قل هذه سبيلي) ولم يقل: قل هذه سبلي.
فلحكمة ما قال ربنا: سبيلي ولم يقل سبلي، ذلك لأن الطريق المؤدي إلى الله ﵎ في كل زمان وفي كل مكان وفي كل مصر وقطر إنما هو سبيل واحد، وهذا ما وضحه نبينا صلوات الله وسلامه عليه كما هو شأنه في كل شيء يكون أصله مذكوراً في الكتاب فتأتي السنة
стр. 659
لتشرح ذلك ولتبينه، فقال ﵊ يوماً لأصحابه وهو جالس على الأرض من تواضعه ومن حوله كثير من أصحابه: فخط لهم على الأرض خطاً، ثم خط من حوله خطوطاً قصيرة، ثم تلى وهو يمر بأصبعه الشريفة على الخط الطويل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، لقد فسر النبي ﵌ بهذه الآية الثانية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] يشرح قوله السابق: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] لذلك يقول علماء التفسير وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن سار مسيره كابن القيم الجوزية وابن دمشق ابن كثير صاحب التفسير المعروف بتفسير ابن كثير، كلهم يقولون: يجب على كل باحث وعالم أن يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة التي هي أيضاً وحي من الله ﵎ على نبيه ﵊، كما جاء في الحديث الصحيح عنه من قوله: «لا يقعدن أحدكم متكئاً على أريكته يقول: هذا كتاب الله، ما وجدنا فيه حلالاً حللناه، وما وجدناه حراماً حرمناه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» المثل هنا هي سنة الرسول ﵇، ولذلك قال من أشرنا إليهم من بعض أهل العلم آنفاً بأنه ينبغي تفسير القرآن بالقرآن وبالسنة لأنها أيضاً من وحي الرحمن على قلب الرسول ﵊ كما قال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
يُوحَى﴾ [النجم: ١ - ٤] فإذاً: هناك وحيان وحي متلو ألا وهو القرآن، ووحي متعبد به لفهم القرآن.
فالآية السابقة حينما خط الرسول ﵌ ذلك الخط المستقيم الطويل تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أي: ولو طال عليكم الأمر امشوا في هذا الطريق المستقيم ولو طال عليكم، لأن الأمر كما قال ﵇ في صحيح البخاري ومسلم: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» المكاره هو
стр. 660
السير في هذا الطريق المستقيم، طويل، متى نصل، أنت المهم أنك تمشي ولو أول خطوة، فلو مت فيها فأنت يقيناً من أهل الجنة، كما جاء أيضاً في الحديث الصحيح: «أن رجلاً من الأعراب في عهد النبي ﵌ جاء إليه وآمن به، قال له: أرأيت إن أنا جاهدت وقاتلت معك في سبيل الله ومت أأدخل الجنة؟ قال: نعم، فما كان منه إلا أن خاض المعركة وما خرج منها إلا شهيداً، ولم يصل لله صلاة»، لماذا؟ لأنه أخذ الخط المستقيم، ومشى فيه ولو خطوة أولى، فليس من المهم على السائر في هذا الطريق المستقيم الطويل أن يصل إلى نهايته، ولكن أن يمشي ولو خطوة أو أكثر من ذلك حسب ما ربنا ييسر له ويموت على ذلك، ويعجبني بهذه المناسبة بيت الشعر الذي يروى عن امرئ القيس الجاهلي، وأنا أقول: أنا لست بشاعر ولا أحفظ الشعر جيداً، ولذلك فأستسلم سلفاً فأقول لمن يحفظ الشعر: فإذا وجدني قد أخطأت فليعني وليمدني بمدده، فماذا قال امرئ القيس، قال:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك ... إنما نحاول ملكا او نموت فنعذرا
انظر الجاهلي، لكنه عاقل
لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
فإذاً: المهم في المسلم أن يأخذ الخط المستقيم ويموت عليه، ولذلك أقول هذا الكلام أنه بعض الناس يستطيلون السير على المنهج الإسلامي، متى يا أخي؟ بعضهم يستعجل مثلاً لإقامة الدولة المسلمة، وهذا أمر واجب ولابد منه، ولكن إقامة الدولة المسلمة تعجبني بهذه المناسبة يا شيخ علي أنت وعلي كلاكما ما شاء الله إن الطيور على أشكالها تقع، يعجبني بهذه المناسبة كلمة
стр. 661
لبعض الدعاة المعاصرين، قال هذا الداعية المعاصر كلمة في منتهى الحكمة، وأعتقد أنه لو كان هناك وحي بعد رسول الله ﵌ أو كان هناك مثل عمر الذي قال عنه نبينا ﵌: لقد كان فيمن قبلكم محدثون، أي: ملهمون، فإن يكن في أمتي فعمر.
فإذاً: لو كان هناك نبي لقلت إن هذا الكلام الذي ستسمعونه هذا وحي من الله، لكن على الأقل أن يقال: إنه إلهام من الله ﵎، ماذا قال هذا الداعية.
مداخلة: أبو الأعلى.
الشيخ: لا، إنما هو حسن البنا ﵀، قال: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم. إذاً: السعي لإقامة الدولة المسلمة كما يقولون عندنا في دمشق تريد هز أكتاف، والشيء بالشيء يذكر، وليتحملنا بعض إخواننا المستعجلين لما قد يكون في نفوسهم من سؤال أو أسئلة، هناك حديث من المبشرات، ألا وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، قال: كنا في مجلس مع النبي ﵌، فسأله سائل: أي المدينتين نفتحها أولاً أقسطنطينية أم رومية؟ رومية يعني روما عاصمة الطليان إيطاليا، أي المدينتين نفتحها أولاً أقسطنطينية أم رومية؟ هذا السؤال يوحي إلينا بأن النبي ﵌ كان قد بشر المسلمين بأنهم سيفتحون كلتا المدينتين، قسطنطينية ورومية، لكن ما كان بين لهم إلى تلك الساعة أيها تفتح أولاً، فجاء السؤال، فقال ﵊: قسطنطينية، الجواب: قسطنطينية أولاً، وهذا الحديث من أعلام نبوته ﵇ الغيبية، ما يدريه أن هذه المدينة العظيمة وهي عاصمة الروم يومئذٍ كما هي الآن لإيطاليا وفي خصوص عاصمة روما هي عاصمة النصارى، ولذلك
стр. 662
مركز البابا هناك كما تعلمون، فما الذي أدرى الرسول ﵇ بأن قسطنطينية وهي في يدي الكفار المشركين الروم تفتح أولاً؟ ذلك من وحي الله ﵎.
فإذاً: هذه بشارة عظيمة، فتحت القسطنطينية فلم يبق على المسلمين إلا أن يفتحوا روما، وسيكون ذلك يقيناً لأن الرسول كما قلنا آنفاً: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] لكني كنت أقول وهنا الشاهد: فتح مدينة عاصمة كروما في هذا الزمان لا يمكن أن تفتح من المسلمين في آخر الزمان وهم كما نراهم متفرقين شذر مذر، طرق ومذاهب وأحزاب وهم يقرؤون القرآن الكريم: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢] وأنتم ترون الآن إقليم من أقاليم المسلمين وهي أفغانستان مضى عليها عشر سنوات ولم يستطع المسلمون أن يقضوا على الحاكم الكافر في بلادهم، الذي احتلها رغم أنوفهم، لماذا؟ لأن الأفغانيين يقاتلون وحدهم، والمسلمون يتفرجون عليهم كأنه لا يجب عليهم أن يمدوا إخوانهم بالأشخاص وبالأموال وبالسلاح وكل شيء، فكيف يستطيع المسلمون أن يفتحوا عاصمة كروما، وأنا أقول: إن المسلمين هكذا كنت أقول هناك في وضعهم الحاضر لا يستطيعون أن يفتحوا قرية عندنا كدوما، كيف يستطيعون أن يفتحوا روما.
إذاً: فيجب علينا أن نقف متفكرين جداً في هذا الحديث، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] هذا واقع المسلمين اليوم، فقد تفرقوا منذ قرون طويلة إلى طرق كثيرة، وهذه الطرق من حكمة الرسول ﵇، وأنا في الحقيقة معجب بشيء ما أحد يعني فكر فيه، أو
стр. 663
ربما فكر ولكن ما عبر عنه، وهو أن الرسول ﵇ رسام ماهر، لكنه إنما يرسم ما يجوز وليس ما يحرم، لأنه حرم التصوير لذوات الأرواح، ولكنه هنا صور الخط المستقيم والخطوط الأخرى المعاكسة له، فصور الخط المستقيم خطاً طويلاً، وصور حوله ليس خطوطًا طويلة، وهذه المهارة في الرسم، وإنما هي خطوط قصيرة، لماذا؟ لحكمة بينها الرسول في تمام الحديث، لما تلا بعد أن صور هذه الصورة الرائعة وقرأ عليها الآية قال: هذا صراط الله، وهذه طرق، وعلى رأس كل طريق منها شيطان يدعو الناس إليها. ما معنى هذا الكلام؟ فيه هنا كلام يتلفظ به لسان الرسول ﵇، لكن هناك كلام لم يتلفظ به، وإنما رسمه لأصحابه على الأرض، وهو أن هذه الطرق قصيرة مغرية للسائرين على الدرب الطويل، فإن على كل رأس طريق من هذه الطرق القصيرة شيطان، كأنه يقول للسالكين على الصراط الطويل: أين ذاهبين، متى تصلون، انظروا ما أقرب هذا الطريق، فإلي إلي.
مداخلة: .......
الشيخ: هو هذا، ولذلك تجد ليس فقط الضالين الشاردين الخارجين عن دائرة الإسلام، بل وبعض المسلمين أنفسهم انغشوا بنصيحة الشيطان، والشيطان عمره ما نصح مسلماً.
(الهدى والنور/٢٩٠/ ١٠: ٢٩: ٠٠)
(الهدى والنور/٢٩٠/ ٤٨: ٤٣: ٠٠)
стр. 664
تهم وشبهات حول الدعوة
السلفية والرد عليها
стр. 665
اتهام السلفية
بأنها دعوة تفريق
стр. 666
اتهام:
التسمي بالسلفية تفريق للأمة
مداخلة: يا شيخ السؤال الذي أنهم يتهموننا على تسمية السلفيون يقولوا: أنها تسمية تفريق وأنه ما ثبت في ذلك؟
الشيخ: يقولون ماذا تفريقه أيش؟
مداخلة: وما ثبت في السنة على تسمية هذه الأمور أننا نقول: نحن سلفيون، ونحن جماعة سلفيون في الجزائر طائفة قليلة ونحن نحب هذا الجيل؛ لأنه كما تعلمنا أنه على منهج السلف الصالح.
الشيخ: وهم ماذا إلى ماذا ينتسبون؟
مداخلة: ينتسبون إلى المنهج الحركي وينتسبون إلى جماعة التبليغ.
الشيخ: فإذاً: ما الفرق بيننا وبينهم؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما الفرق بيننا وبينهم في ظنهم؟
مداخلة: في ظنهم أننا نحن خالفنا المنهج.
الشيخ: اسمع يا أخي.
مداخلة: نعم.
стр. 667
الشيخ: هنا في قضيتين.
مداخلة: نعم.
الشيخ: القضية الأولى: أننا نحن بدعوتنا السلفية نفرق.
مداخلة: نعم.
الشيخ: والقضية الأخرى: أن هذا الاسم مبتدع ليس له أصل، فالآن إذا تركنا القضية الأولى جانباً، وأخذنا القضية الثانية، أولاً سنبين لهم أنهم يلتقون معنا في اتخاذهم اسماً يلقبون أنفسهم به يتميزون بهذا اللقب على سائر المسلمين، والجماعات الإسلامية الموجودة اليوم في الساحة كما يقولون: هي من أشهرها جماعة الإخوان المسلمين ثم جماعة الحزب الإسلامي، ثم جماعة عفواً حزب التحرير الإسلامي، ثم جماعة التبليغ، وأخيراً اليوم الجماعة التي كانت من قبل تعرف بجماعة التكفير والجهاد فالآن رفعت كلمة التكفير واقتصرت على كلمة الجهاد، كل هذه الأسماء لم تكن معروفة من قبل، ونحن نقول بالصراحة أيضاً: نحن حينما ننتسب إلى السلف والمنتسب إلى السلف يكون سلفياً والجماعة المنتسبة إلى السلف يكونوا سلفيين، لا ننكر أن هذه التسمية لم تكن من قبل، ولكن لماذا ينقمون علينا ما هم واقعين فيه، لكن نحن نفترق عنهم كل الافتراق في هذه التسمية، ونصر عليها ولا نرضى بها بديلاً في العصر الحاضر على الأقل؛ لأنها تدل على المنهج الصحيح الذي يجب على كل مسلم أن يسلكه، وليس كذلك بقية الأسماء التي أشرنا إليها، فكل منها لا تدل على منهج المنتسبين إليها.
خُذ مثلاً جماعة الإخوان المسلمين فهم ينتسبون إلى جماعة في العصر الحاضر، ونحن ننتسب إلى جماعة في العصر الغادر، وشتان بين النسبتين كما
стр. 668
قيل: نحن ننتسب إلى السلف الصالح الذين زكاهم الله في كتابه وأثنى عليهم نبينا ﵌ في حديثه، وأمرنا في بعض الأحاديث الثابتة عنه أن نتمسك بهديهم، أما الإخوان المسلمين فمن هي الجماعة التي هم ينتسبون إليها؟ هنا نقول:
فحسبكم هذا التفاوت بيننا ... وكل إناء بما فيه ينضح
إذا تركنا الإخوان المسلمين الآن جانباً كاسم ومنهج، وانتقلنا إلى حزب التحرير أيضاً إلى من ينتسب هذا الحزب؟ إلى رجل الشيخ تقي الدين النبهاني ﵀ وغفر لنا وله، (وأنا التقيت به) وأعرفه وأعرف أن منهجه لم يكن على الكتاب والسنة، والتقيت أنا معه مرتين وجرى نقاش بيني وبينه والآن لا مجال للخوض في حكاية ما جرى، لكنه لم يكن على الكتاب والسنة، بل ولم يكن على مذهب من المذاهب المتبعة، سواءً في العقيدة أو في الأحكام.
فيما يتعلق بالعقيدة فلا تعرفه هل هو سلفي العقيدة أي: على منهج السلف الصالح ومنهج أهل الحديث، ولا تعرفه هل هو ماتريدي أم هو أشعري، هذا في العقيدة، وما يتعلق في الأحكام فما تعرفه هل هو حنفي أم شافعي أم مالكي أم حنبلي؟ بل أنا أعرفه أنه ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء ولا من هؤلاء، ذلك؛ لأنه يأخذ من كل مذهب ما يناسب العصر في ظنه، وهذا ما سمعته منه مباشرة.
إذاً: إن كان الذين ينكرون علينا هذا الاسم من حزب التحرير، فلينكروا انتسابهم هم إلى حزب التحرير، وكذلك نقول في بقية أسماء الجماعات المعروفة اليوم: فإنها كلها لا تعطي بهذه الأسماء منهجها، ولإن أعطت منهجاً لها فلا تعطي أن منهجها على الكتاب وعلى السنة، كما هي الدعوة السلفية الصريحة في دعوتها إلى الكتاب وإلى السنة، هذا ما يتعلق بالأسماء.
стр. 669
وتمام هذا الكلام: أن نتذكر أن هذه الأسماء لا يترتب أي خطر على المسلم فيما إذا تبرأ من أي اسم من أسمائها، وليس كذلك من تبرأ من الانتساب إلى السلف؛ لأن هذا إن كان يدري ما يقول فإنه يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين؛ لأن السلف الصالح على رأسه نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ثم أصحابه ثم التابعون لهم، ثم أتباعهم.
وهذا المعنى صرح به الرسول ﵇ في الحديث المشهور حديث الفرق حينما قال: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: هي التي على ما أنا عليه وأصحابي».
فدعوتنا قد يلتقي مع قسم منها كل الجماعات الإسلامية التي ذكرنا آنفاً بعض أسمائها وما لم نذكر منها، فكل من ينتمي إلى الإسلام لا يسعه أن يقول بصراحة: أنا لست على الكتاب والسنة؛ لأنه إن قال ذلك فقد خرج من دائرة الإسلام، لكن هل يكفي في هذا الزمان أن ينتسب المسلم إلى الكتاب والسنة فقط، والحديث السابق أجاب: بكل صراحة بأن من علامة الفرقة الناجية: أن تكون على ما كان عليه الرسول وأصحابه، فلم يقل ﵊ في جوابه المحدد لصفة الفرقة الناجية أنها التي تكون على ما كان عليه الرسول ﵌ فقط، وإنما ضم إلى ذلك: «وأصحابي» فقال: «ما أنا عليه وأصحابي».
ويؤيد هذه الضميمة قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
стр. 670
فالله ذكر مع الرسول هنا المؤمنين، فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] كان من الممكن أن يقول الله : ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ ولكنه لحكمة بالغة عطف على الرسول فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ما الحكمة من هذا العطف؟ الحكمة واضحة جداً ذلك؛ لأن المؤمنين يشرحون لنا ما كان عليه الرسول ﵇ من قول أو فعل أو تقرير، فهم كانوا أقرب الناس إلى النبي ﵌ صلة، وأقربهم وأصدقهم إليه فهماً وهكذا.
ولذلك لا يجوز للمسلم أن يقتصر على الانتساب في هذا الزمان إلى القرآن وإلى السنة، هذا الانتساب يكفي عهده ﵇، أما فيما بعد ذلك حيث دخلت الأفكار الغريبة والآراء الباطلة في الإسلام باسم الإسلام تارة باجتهاد، وتارة بسوء قصد، ووصل إلينا الإسلام على هذا الاختلاف في العقائد وفي الأحكام وفي الأخلاق والسلوك، فاختلف المسلمون خلافاً كثيراً، فلا يكفي اليوم المسلم أن ينتمي في فهمه للإسلام إلى الكتاب والسنة فقط، بل لابد أن يضم إلى ذلك ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله وعليه وآله وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، هذه دعوتنا نحن السلفيين.
فنعود إلى قولهم الذي نقلته آنفاً عنهم: أننا نفرق من نفرق؟ إن كنا نفرق بين الحق وبين الضلال فهذا واجبنا، وإن كنا نفرق بين المحق والضال فهذا واجبنا، فإذاً: هم عليهم أن يحددوا كلامهم حينما يتهمون بأننا نفرق ذلك؛ لأن النبي ﵌ هو نفسه فرق، بل القرآن الذي أنزله الله على قلب محمد ﵊ من أسمائه الفرقان، لماذا؟ لأنه يفرق بين الحق والباطل! ومن أسماء الرسول ﵌ -