Полный текст (5 605 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
بشيء جديد مطلقاً، وإنما هو من المجددين الذين ذكرهم الرسول ﵊ في الحديث الصحيح «إن الله يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها على رأس كل مائة سنة» المجددون كما يذكر الإمام السيوطي وغيره لا ينبغي أن نتصور أن المجدد يكون واحداً في كل عصر، وإنما يمكن أن يكون هناك مجددون في كل عصر، مجددون كثيرون، لكن لكل منهم اختصاصه في التجديد فمجدد في التوحيد، مجدد في الحديث، مجدد في التفسير، وفي اللغة، وفي كل شيء تعلق بإحياء فرض كفاية لفهم الإسلام فهماً صحيحاً، والغرض أن محمد بن عبد الوهاب جدد التوحيد الذي لا تزال آثار الإخلال به مع الأسف الشديد في كل البلاد الإسلامية إلا هذه البلاد النجدية بفضل دعوة محمد بن عبد الوهاب، ولا أقول بفضل الدعوة الوهابية، علماً أن تلك البلاد قبل محمد بن عبد الوهاب كان شأنها شأن البلاد الأخرى وأظن أنه لا يخفى على الحاضرين جميعاً ما يوجد في مصر من مقابر الحسين مثلاً أو السيدة زينب وما يقع في تلك الأمكنة من الوثنيات والشركيات التي تنافي لا إله إلا الله من الطواف حول قبور هؤلاء الأولياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم، والاستغاثة بهم، وطلب المدد منهم، مثل هذا يوجد في هذه البلاد، وفي سوريا، وفي أكثر البلاد الإسلامية، ما هو السبب؟ السبب تقصير علماء المسلمين ببيان دعوة التوحيد دعوة الحق التي جاءت في
الكتاب والسنة وماتت هذه الدعوة في كثير من البلاد الإسلامية ثم جددها محمد بن عبد الوهاب ﵀، فمحمد بن عبد الوهاب ليس له جهد بارز سوى هذه الناحية وكفى له بذلك فضلاً؛ لأن البلاد النجدية كانت كالبلاد المصرية والسورية ونحو ذلك من حيث انتشار الآثار الوثنية وعبادة القبور والاستغاثة بها من دون الله ، أما البلاد حتى الآن مع الأسف مع أنه بدأت الحركة الإسلامية الصحيحة في تلك البلاد تضعف رويداً رويداً، لكن لن تجد هناك يعني وثنية تذكر، حتى ولا رفع القبر من على وجه
стр. 702
الأرض، لا يوجد هذا الشيء إطلاقاً، بينما إذا طُفْتَ البلاد الإسلامية كلها فأنت واجد فيها من المخالفات الشيء الكثير، أرونا بلداً لا يوجد فيها مسجد فيه قبر مع شدة تحذير الرسول ﵇ للمسلمين أن يتخذوا مساجد على القبور كما قال ﵇ «لعنة الله على اليهود والنصارى، أو لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» والأحاديث في هذا كثيرة أكثر من عشرة أحاديث، ومنها ما يتعلق بالأمة الإسلامية قوله ﵇ «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون قبور أنبياءهم مساجد» فعندكم مثلاً المقام المعروف بسيدي شعيب، وهناك مسجد يقصد للصلاة فيه من أجل أيش؟ سيدي شعيب وعندنا مقام أخر أسمه يوشع، نعم؟
مداخلة: أبو عبيدة
الشيخ: لا أقول، هنا يوشع غير أبو عبيدة أيضاً هذه في الأغوار إلى آخره، كل هذه المقامات بنيت على قبور مزعومة إن كانت هذه القبورة حقيقة لمن نسبت إليه من الصحابة أو الأنبياء فالأمر أشكل؛ لأنه مخالفة صريحة لمثل هذه الأحاديث التي تنهى عن بناء المساجد على القبور.
لماذا هذا النهي؟ ولماذا هذا اللعن الشديد في سبيل المحافظة على التوحيد؟ ذلك لأنه وجود قبر في المسجد مدعاة إلى أن يُدْعَى من دون الله ﵎، كم وكم من أناس نراهم يقفون خاشعين متبتلين يدعون -هم صحيح أنهم يدعون الله ولكن يتوسلون بهذا الميت، فمحمد بن عبد الوهاب خلاصة القول بناء على سؤال الأستاذ علي هنا هو مجدد لدعوة التوحيد وهذا أمر لا يمكن إنكاره أبداً؛ لأنه كما قيل:
هذه آثارنا تدل علينا ... فانظرو بعدنا إلى الأثار
(الهدى والنور/١٩٥/ ١٢: ٢١: ٠٠)
стр. 703
باب منه
السؤال: أحد الناس يسأل فيقول: نسمع كثيراً عن الوهابية، ونسمع أنهم يكرهون الصلاة على النبي ﵌، ولا يزورون قبر النبي ﵌، ويقول بعض المشايخ: أن الرسول تنبأ عنهم حينما قال ﵌: «نجد قرن الشيطان» فما هو جوابكم على هذا الكلام؟
الشيخ: الحقيقة أن هذا السؤال مع الأسف الشديد راسخ أثره في كثير من المسلمين، والوازع عليه قديماً هي السياسة، لكن هذه السياسة قد مضى زمنها وانقضى؛ لأنها كانت سياسة من دولة الأتراك، ولا أطيل في هذا إنما هي لفتة نظر فقط كانت سياسة من دول الأتراك يوم خرج رجل من أهل العلم والإصلاح وهو المسمى بمحمد بن عبد الوهاب في بعض البلاد النجدية، يدعو من حوله إلى الإخلاص الذي أشرنا إليه آنفاً في عبادة الله وحده، فلا يشرك معه غيره، ومن ذلك مثلاً مما هو لا يزال مع الأسف الشديد آثاره لا تزال قائمة في بعض البلاد الإسلامية خلافاً لذلك الإقليم الذي خرج فيه ذلك المصلح محمد بن عبد الوهاب، هذا الإقليم إلى الآن والحمد لله لا يوجد فيه نوع من الشرك بينما ذلك يوجد في كثير من البلاد الإسلامية المصرية الأردنية السورية، فضلاً عن البلاد الأعجمية، فضلاً عن إيران وما خبر الخميني ووفاته والإعلان عن اتخاذ قبره كعبة يحج إليها الإيرانيون ما ذلك الخبر عنكم ببعيد، هذا الرجل لما خرج ودعا إلى عبادة الله وحده اتفق لحكمة يريدها الله أنه كان هناك أمير
стр. 704
من أمراء نجد وهو سعود جد العائلة القائمة الآن، فتعاون الشيخ مع الأمير تعاون العلم مع السيف، وأخذوا ينشرون التوحيد دعوة التوحيد في بلاد نجد، فيدعون الناس تارة بالكلام وتارة بالسنان، من أجاب للكلام فهذا هو المطلوب، وإلا لم يأت إلا بالقوة، فانتشرت هذه الدعوة حتى وصلت إلى بعض البلاد الأخرى، علماً أنه البلاد النجدية وسائر البلاد الإسلامية من حولها من العراق ومن الأردن كانت كلها محكومة بحكم الأتراك، الخلافة المتوارثة، فلما بدأ اسم هذا الرجل بعلمه، وذلك الأمير بإدارته ينتشر وينتشر خشي الأتراك أن تظهر هناك في العالم الإسلامي دولة تناهض دولة الأتراك، فأرادوا أن يقضوا عليها وهي لا تزال في عقر دارها بإشاعة الإشاعة الباطلة عنهم والكاذبة والمفتراة مما جاء في السؤال أو غير
ذلك مما نسمعه كثيراً وكثيراً.
فأنا قلت آنفاً: أن السبب الأساسي سياسي وهذا هو، لكن السياسي هذا قضي عليه، ولسنا الآن في بحث تاريخي، لكن السبب الآخر هو جهل الناس، جهل الناس بحقيقة هذه الدعوة، وهذا الجهل يذكرني بقصة كنت قرأتها في بعض المجلات، أن رجلين وهما يتناقشان في الطريق حول دعوة محمد بن عبد الوهاب التي يسمونها بالوهابية، لو كان الناس يفكرون فيما به يتكلمون لكانت هذه النسبة وحدها مذكرة لهم بخطئهم فيما يقولون، لأن لفظة الوهابية إذا أردنا أن ننظر إلى اشتقاقها وإلى أي شيء كانت نسبتها الوهابية نسبة للوهاب، ومن هو الوهاب؟ هو الله ﵎، إذاً: بالنسبة للوهابية هذا أمر يشرف ولا يسقط، لكن قام مثلما يقولوا عندنا في سوريا في آذانهم شيء ... مثل البعبع، شيء مخيف جداً، الوهابية ما يعتقدوا بالرسول، ما يؤمنوا إلا بالله، ذكرني هذا البحث بأولئك الاثنين وهما يتناقشان.
стр. 705
وإذا وهما يتناقشان ويدعي الجاهل أنه هؤلاء ما يعتقدوا إلا بالله وبس أما محمد رسول الله لا يعتقدوا، ما يقولوا إلا لا إله إلا الله، وعندنا في الشام القصة باعتبارها شامية لازم نروي لكم إياها باللغة الشامية، بيقولوا: مرت سيارة القنصل أو سفير السعودي في ذلك البلد، وإذا العلم تبع السيارة يرفرف بصورة واضحة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يا جماعة! اتقوا الله كيف تقولوا في هؤلاء الناس ما يؤمنوا إلا بالله وعلمهم هو العلم الوحيد في الدنيا الذي يكتب عليه إشارة التوحيد الذي قال ﵇ فيها: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله»، كيف تقولوا: هؤلاء الجماعة تفتروا عليهم وهذا علمهم المرفوع ينبئ عما في صدورهم من الإيمان؟
هذا شيء، الشيء الأكبر والأهم هذا علم، ممكن أن يقال علم مزور دعاية مغرضة .. إلخ، لكن ما بالهم حتى اليوم يحجون كل يوم بأمان واطمئنان لم يكن ذلك يَحْظَوْن به في زمن الأتراك الذين أشاعوا عنهم تلك الفرية الكاذبة، أنتم تعلمون أن في كثير من السنين بالنسبة لآبائنا فضلاً عن أجدادنا كان لابد أن يصاحب كل قافلة حجاج من أي بلد جماعة مقاتلة مستعدون للمحافظة على هذه القافلة من الحجاج من قطاع الطرق، يا سبحان الله! هذا الشيء مر وانقضى، بأي سياسة؟ بالسياسة التي يسمونها بالسياسة الوهابية حتى هذه الساعة، فإذا افترضنا أن هذا العلم الذي يلوح بالإيمان الصحيح والتوحيد الصحيح المقرون بالإيمان بأن محمداً رسول الله زور وبهتان، ألا ترونهم في المساجد هناك يعبدون الله ويؤذن المؤذن كما يؤذن في كل البلاد، اللهم إلا الزيادة التي تذكر في البلاد الأخرى في مقدمة الأذان ومؤخرة الأذان، فلا يقال هناك اتباعاً منهم للسنة، لا إنكاراً لكون الرسول ﵇ هو رسول الإسلام ورسول الأنام
стр. 706
جميعاً في كل زمان وفي كل مكان، وإنما اتباع للسلف، وكما قيل:
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف
فإلى الآن يحج الناس ويسمعون هذا الأذان بالشهادة لله بالوحدانية، وللنبي بالرسالة، ثم يصلون صلاتنا، ويذكرون الرسول ﵇ كلما ذكر يصلون عليه ربما أكثر من أولئك الناس الذين يقولون عنهم: هؤلاء وهابية ما يحبوا الرسول، ما يصلوا على الرسول، يا جماعة! اتقوا هذه فرية يبطلها واقع هؤلاء الجماعة، بحيث لا يمكن أن يقال: هؤلاء في بلادهم يداهنون الساكنين خارج بلادهم، إنما هذا نابع من قلوبهم الإيمان بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والسير على منهاج رسول الله ﵌ بدون زيادة، ولا أقول: دون نقص، لأن هذا النقص بطبيعة الإنسان لا يستطيع الإنسان أن ينهض، لكن من حيث العقيدة دون زيادة أو نقصان، من حيث العبادة دون زيادة قد يكون هناك نقصان، مثلاً بعضهم قد لا يقوم الليل والناس نيام، هذا نقص، لكن هذا نقص لا يخدش في عقيدته، لا يخدش في إسلامه، فهذه الكلمة حتى اليوم فيها اتهام للجماعة بما هم بريئين منه كما يقال براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وحسبنا يا أبا يحيى.
(الهدى والنور ٢٩٠/ ١٠: ٢٩: ٠٠)
стр. 707
باب منه
مداخلة: شيخنا باقي قضية الوهابية توضحها للأخ حسان.
مداخلة: كلمة الوهابية هذه الحقيقة سياسة تركية أفشتها في زمن انحراف الأتراك عن الحكم بالإسلام، في زمن كان ابن بلدنا ما اسمه؟ في مصر، محمد علي باشا.
الشيخ: هذا ألباني الأصل، فهو كان حاكم مصر في زمانه وكان بطبيعة الحال يعني يزعم أنه عائش تحت سلطنة الدولة العثمانية، خرج في بلاد نجد رجل من أهل العلم اسمه محمد بن عبد الوهاب، مش عبد الوهاب، محمد بن عبد الوهاب وطاف في البلاد الإسلامية يومئذ المعروفة بالعلم مثل مصر ومثل القاهرة والشام، طاف البلاد وحصل ما حصل من العلم، رجع إلى بلده، اللي كان اسمها الدرعية فبطبيعة الحال لما الرجل يتعلم وجد قومه في جاهلية جهلاء يعبدون القبور كما هو لا يزال في كثير من البلاد الشامية بلدي, والمصرية بلاد إخواننا هؤلاء ولا مؤاخذة، البلاء عم وطم يعني كل البلاد.
فالرجل بدأ ماذا؟ بدأ يعلم الناس ويحذرهم من الشركيات الوثنيات، ودعوته أفادت وتقوت بسبب السلطان الملك السعودي يومئذ الأول، الجد الأول كان ربنا هداه واتبع هذا الشيخ فاقترن السيف وماذا؟
مداخلة: العلم.
стр. 708
الشيخ: والعلم مع بعض، هؤلاء إذا اقترنوا يفيدوا كما روي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
ونمت الحركة ونمت بسبب قوة السلطان وانتشرت الدعوة وبدؤوا الجماعة يعني شكلوا جيش إسلامي لأول مرة وبدؤوا يدعو القرى اللي حولها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واستجاب من استجاب ووصلت دعوتهم إلى العراق وهناك تعرف الشيعة وما أدراك ما الشيعة وشركهم وضلالهم إلى آخره وأهل السنة متأثرين بشيء من هذه الشركيات، جرت معارك طاحنة مع الأسف، من تحرك؟ محمد علي باشا من مصر، من حركه؟ الأتراك؛ لأن الأتراك كانت الخلافة في أيديهم، وكانوا حاكمين البلاد الإسلامية كلها فلما رأوا حركة عربية نشأت في جزيرة العرب خافوا عاقبة أمرها، خافوا إن هؤلاء يقضوا على الحكم العثماني أو التركي بالمعنى الأصح، لذلك أوعزوا إلى محمد علي أنه يرسل جيش لقتال هؤلاء النجديين ولا أقول: الوهابيين لما سيأتي بيانه، وأرسل محمد علي باشا ابنه إبراهيم باشا بجيش عرمرم ضخم من مصر إلى البلاد النجدية وجرت الدماء هناك أنهاراً وبنهاية الأمر تغلبت القوة الغاشمة على الدعوة الصحيحة وقتل من قتل وكان من جملة وسائل الأتراك كما هو اليوم تماماً الدعاية تعرفوا لها يعني: تأثير ربما أكثر من السلاح، فبثوا دعاية ضد الجماعة هؤلاء في العالم الإسلامي حتى العالم الإسلامي يكون مع الأتراك وما يكون مع الدعوة هذه الحديثة الفتية؛ لأنها تدعو إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأذاعوا في المسلمين أن هؤلاء لا مذهب لهم، مذهبهم خامسي، هؤلاء يقولوا لواحد منهم عصايتي أشرف من الرسول ﵇، كله كفر وزور وبهتان، تأثرت الجماعات المسلمة في كل بلاد الدنيا، ولذلك كان من تمام التأثر والخطأ فيه أن سموا الجماعة بماذا؟ بالوهابية، هذا من حجج الله على عباده الذين
стр. 709
يعقلون، وهابية نسبة إلى وهابي وهابي إذا درسناها بالنسبة للغة العربية نسبة لماذا؟ للوهاب، من هو الوهاب؟
مداخلة: الله.
الشيخ: هو الله ﵎، هي نسبة تشرف ما تحقر المنتسب لها، لكن السياسة التركية الغاشمة خاصة أكثر من ينتمون تحت راية الأتراك من الأعاجم وهم ما عندهم الفقه هذا في اللغة العربية، وهابي وهابي، يعني: أصبحت كلمة وهابي في ذاك الزمان تساوي زنديق، ومر زمن طويل مع الأسف والعالم الإسلامي مضلل بهذه الكلمة ... إلى أن شاء الله ﵎ أن الملك عبد العزيز دخل بطريقة ما لنا فيها الآن الرياض واستولى عليها وأخرج آل الرشيد منها وإلى آخره، وبدأ يطبق الأحكام الشرعية يعني إلى حد كبير جداً جداً، واستقر الأمن في البلاد النجدية اللي كان فيها السرقة والنهب والقتل وتبع ذلك البلاد الحجازية اللي كانت كما نعلم جميعاً من التاريخ التركي ما يستطيع الحجاج إن يحجوا إلا ومعهم عسكر، عسكر من الأتراك يحفظه من اللصوص وقطاع الطرق إلى آخره، أصبح الأمر في زمن عبد العزيز أصبح الحجاج يلاقوا كل راحة وكل يسر، وأصبحت الأخبار تتناقل من لسان إلى لسان إلى كل بلاد الدنيا إن والله هؤلاء جماعة إحنا ما عدنا نرى منهم إن والله ما يؤمنوا بالرسول ﵇، وما يؤمنوا بغير الله ويقولوا في حق الرسول كذا وكذا، وكما أيضاً يحكون نكتة قد تكون واقعة صحيحة وقد تكون تعبير عن هذا الواقع الذي كان الناس يتحدثون به يخالفون واقع هؤلاء الجماعة.
زعمت هذه القصة انه اثنين دخلوا في نقاش حول هذا الموضوع، إن هؤلاء الوهابيين ما يعتقدوا بالرسول ﵇ شوية نقاش وسرعان ما مرت سيارة
стр. 710
السفير السعودي وعليه العلم هو يرفرف ومكتوب عليه ماذا؟
مداخلة: لا إله إلا الله.
السؤال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، شوف يا رجل، اتق الله، تقول: هؤلاء ما يؤمنوا برسول الله، علمهم في الدنيا كلها علم وحيد، لا تجد راية في العالم الإسلامي كله إن كان عربي وإلا إن كان تركي ما نشوف راية لا إله إلا الله محمد رسول الله إلا راية هؤلاء الجماعة الذي أنتم تتهمونهم إن ما يؤمنوا بمحمد رسول الله، وبعدين ما سمعتوا الأذان في مكة، ما سمعتم الآذان في المدينة، الأذان اللي نأذن إحنا وأحسن منه أن هؤلاء ما يزيدوا على الأذان النبوي ونحن نريد مقدمه ومؤخرة، لكن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله إلى غيره، كل ما مضى زمان كل ما تبين للناس أن هذه التهمة فاجرة كاذبة لا حقيقة لها، سواء من الناحية الواقعية، هؤلاء جماعة مسلمين، ومذهبهم حنابلة كما من شان خاطرك، ليس مذهبهم يعني كما نحن ندعو إليه الكتاب والسنة إلا بعض الأفراد من المشايخ هناك يدعون إلى الكتاب والسنة كما ندعوا تماماً والحمد لله.
وبعدين بالإضافة إلى هذا فهم يصلون على الرسول ﵇ ولا بد منكم الكثير يعني حج إلى بيت الله الحرام وزار مسجد الرسول ﵇ وسمع خطبهم، وأن كلما ذكروا الرسول يصلوا عليه، انكشف الضباب عن العالم الإسلام بسبب كثرة ماذا؟ اتصال المسلمين والعالم الإسلامي بهذه البلاد فعرفوا أنهم كانوا يعيشون في مضللات، نشأت هذه المضللات من ماذا؟ من الدعايات التركية لتحطيم الحركة الإسلامية الصحيحة التي نشأت من محمد بن عبد الوهاب، ودعمها الملك السعودي يومئذ أو الأمير سعود؛ لأنه ما كان في ملك
стр. 711
يومئذ، فالآن من الخطأ الفاحش أن نسمي الجماعة هؤلاء وهابية لماذا؟ لأنه في الأصل هذه كلمة منفرة، والحقيقة من الناحية العربية تشريف لهم، وهابية نسبة إلى الوهاب وهو الله ﵎، ولذلك قال أحد المشائخ لما كانوا يردوا على المضللين لعامة المسلمين: الإمام الشافعي في زمانه اتهم بتهمة تشبه اتهام هؤلاء، اتهم بأنه رافضي من كثرة ما كان يلهج بماذا بآل بيت الرسول وحبه لهم فقيل عنه رافضي، فكان أن قال:
إن كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
قال قائل هؤلاء الذين ينبزون بلقب الوهابية.
إن كان تابع أحمد متوهباً ... فأنا أقر بأنني وهابي
وقوله: متوهباً يعني وهابي.
لأنه أنا ما أتبع غير الرسول ﵇.
إن كان تابع أحمد متوهباً ... فأنا المقر بأنني وهابي
أنا أنصح أخيراً كل مسلم يخشى الله ويتقيه أن يسحب من فكرته أنه فيه جماعة اسمهم الوهابية، هؤلاء في جماعة اسمهم زيدية، في جماعة اسمهم شيعة، فيه جماعة اسمهم إباضية، كلهم ما ينكرون هذه النسب؛ لأنها واقعة، لكن ما فيه جماعة على وجه الأرض يقولوا: نحن وهابية، لا، إنما إما أن يقولوا: نحن من أهل السنة أهل الكتاب والسنة، وإما أحناف شوافعة مالكية، حنابلة ...
(الهدى والنور / ١٧٦/ ٠٨: ٥٤: ٠٠)
стр. 712
اتهام السلفيين بأنهم
لا يعتنون إلا بالقشور
стр. 713
اتهام السلفيين بأنهم لا يعتنون إلا بالقشور
وأنهم نسوا المعركة الكبرى مع أعداء الإسلام
مداخلة: شيخنا تتمة للموضوع، قد يُلَبِّس الشيطان على البعض فيلطف من عبارة أن هذا من الأشياء التافهة وما شابه ذلك، فيقول: هذه قشور، وإنما يهمنا اللباب وما شابه ذلك، وهذه كثيراً ما نسمعها، ولعلها تلقى في بعض النفوس، خاصة أن كلامكم كان عن قضية من القضايا الشخصية الإسلامية، فحبذا لو توضح هذه القاعدة؟
الشيخ: الحقيقة أن هذه الكلمة التي ذكرها الأخ، نسمعها أيضاً أحياناً، لكن كل الدروب على الطاحون سواء قيل هذا من توافه الأمور، أو هذه من القشور، فكل من اللفظتين من إحدى الكبر؛ لأنه لا يصح لنا أيضاً كما قلنا بالنسبة لمن يقول من توافه الأمور، هذا أمر تافه، كذلك لا يصح لنا أن نقول بعد أن عرفنا ما تعلق من الأحكام ومن الأحاديث بموضوع إعفاء اللحية، ما ينبغي أن يقال هذه من القشور.
ولكن إذا قيل بهذا اللفظ دون اللفظ الآخر انفتح أمامنا أمر آخر لتعزيز هذه الكلمة لو صح النطق بها، هم يعنون بلا شك حينما يقولون بأن هذه المسألة أو تلك من القشور، بقولهم: دعونا من القشور وخلينا نهتم باللباب، يعنون بذلك الأمور التي يجوز للمسلم أن يتركها، لكن إن عنوا ذلك فقد أخطأؤا مرتين:
الخطأ الأول: أنهم أعطوا حكم السنة أنه يجوز لمسلم أن يتركها ولا إثم عليه في ذلك، أعطوا هذا الحكم حكم السنة لما هو فرض لازم.
стр. 714
الخطأ الثاني: هب أن الأمر سنة، ولكن التعبير أيضاً عن السنة بلفظة قشر أيضاً هذا خطأ؛ لأنهم حينما يتلفظون بهذه الكلمة يعنون أن لا نبالي بهذه السنن على افتراض، ونقول هذا جدلاً، على افتراض أنهم يعنون السنن فقط.
أيضاً لا يجوز أن نطلق لفظة القشور على السنن التي فعلها الرسول ﵇، وتقرب بها إلى الله زلفى، لماذا لا يجوز؟
لسببين اثنين: السبب الأول: أن هذه السنن هي لها وزن في الشريعة، لكنهم لا يعلمون، وزنها في الشريعة أنها في كثير من الأحيان تكون سبباً لتدارك ما فات من النقص في الفرائص، وهذا صريح في قوله ﵇: «أول ما يحاسب العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تمت فقد أفلح وأنجح، وإن نقص فقد خسر».
في حديث آخر: «وإن نقصت، قال الله لملائكته: انظروا هل لعبدي من تطوع فتتموا له به فريضته» تطوع يعني: سنة، يعني غير الواجب.
فهذا الحديث يصرح بأن السنن تتم بها الفرائض، فكيف يبيح المسلم ألا يحض المسلمين عليها بل هو يبعدهم عنها بكلمة منفرة، هذه قشور لا قيمة لها.
هذا خطأ مزدوج، أولاً: من حيث المعنى؛ لأنه لها قيمة كما ذكرنا مثالاً مثل: « .. فأتموا له فريضته».
ثانياً: من حيث أنهم يطلقون كلمة قشور كالتوافه من الأمور، يطلقونها على ما شرع الرسول ﵇، ولو بطريق الاستحباب، وحينذاك نحن نقول: من أين أخذوا كلمة القشور؟
أخذوها من بعض الثمار التي لها قشور، فيأكل لبها ويرمى قشرها.
حسناً هذا الاستعمال أخذ من قياس الأحكام الشرعية على القشور التي خلقها الله في بعض الثمار، نعود هنا لنقول: هل خلق الله هذا القشر المحافظ
стр. 715
المحيط للب هو عبث؟ لولا هذا القشر ما سلم اللب، وهذا يا جماعة واضح في هذا المثال المادي، يعني في الثمار.
هذه القشور ما خلقت عبثاً، وإنما فائدتها معروفة حتى عند أصحاب كلمة القشور، هذه الفائدة المادية معروفة عندهم، لكن سبحان الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
إذا كان القشر في ثمر ما مفيد لهذا الثمر، ومحافظ على اللب، وهذا معروف حتى عند الكفار، أفلا يكون معروفاً عند المسلمين أن ما يسمونه من الأحكام الشرعية بأنه من القشور، هو شأنه تماماً كشأن القشور في الثمار، فلم تكن القشور في الثمار خلقاً من الله عبثاً، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، فكذلك لم تكن هذه القشور بلفظهم التي يطلقونها على السنن، لم تكن شرعاً من الله عبثاً، وإنما الأمر واضح جداً، الإنسان الذي يكثر من الاجتهاد بهذه العبادات ولو كانت في مستوى السنن والمستحبات، فهو بلا شك يزداد بذلك تقرباً إلى الله، ويزداد بذلك حسنات ودرجات عند الله، وبخاصة الحديث السابق أن رب العالمين يستدرك لعباده المقصرين في بعض الفرائض، يتمم تلك الفرائض من هذه السنن والنوافل.
إذاً: نهاية المطاف في هذا البحث أن استعمال لفظة (القشور) كلفظة (التوافه من الأمور) هذا خطأ شرعاً من كل النواحي، سواء من ناحية شرعية أو من ناحية قياسية، فواضح جداً أن القشر في الثمر ضروري وجوده، وإلا لولاه لن نأكل الثمر، كذلك هذه السنن الذي يسمونها ظلماً وبغياً وعدواناً بقشور، لولا هذا لسنن لما ازداد الإنسان تقرباً بها إلى الله ﵎، ولما سد بها نقص وقع له في فرضه.
هذا تعليق على سؤال الأخ جزاه الله خيراً.
(الهدى والنور / ١٧٥/ ٠٤: ٥٨: ٠٠)
стр. 716
باب منه
السائل: شيخنا! ما هي حقيقة الدعوة السلفية؛ لأن كثيراً من الناس يطيرون هذه المقالة أنهم لا يهتمون إلا بالجزئيات الفرعية، كمثل القبض بعد الركوع، أو النزول باليدين، أو بالركبتين أو القنوت بالفجر من عدمه، ويتركون الرد على الشيوعيين والعلمانيين والمذاهب الهدامة، فيقولون إن معركة السلفيين إنما هي المسلمين بخلاف غيرهم، كمعركتهم مع أعداء المسلمين؟
الشيخ: جوابي على هذه الشبهة أنها شنشنة نعرفها من أخزم، إن هؤلاء الذين يتهموننا؛ لأننا لا نبحث، ولا ندعو إلا حول هذه المسائل التي ضربوا بها مثلاً، وهذا في حقيقته يعود إلى أمر من أمرين اثنين لا ثالث لهما، إما أن يكون الجهل بواقع الدعوة الإسلامية السلفية من جهة، والدعوة المتعلقة بأهل الدعوة إلى الدعوة السلفية من جهة أخرى، أو أن يعود الأمر إلى تجاهلهم لحقيقة الدعوة والدعاة، فهو إما جهلاً، وإما تجاهلاً بهذا الواقع الحسن، الواجب على كل مسلم أن يكون على بصيرة منه، وكما يقال في مثل هذه المناسبة، وأحلاهما مر.
أنا أقول كلمة صريحة، نحن لا نرد على الشيوعيين ولا على الدهرين؛ لأن الله حينما أرسل نبيه ﵌، بل والرسل من قبله مبشرين ومنذرين، لم يعنوا العناية التي يعنى بها هؤلاء الذين ينقمون على الدعوة السلفية ما ينقمون، من عدم تعرضهم للشيوعية وأمثالها، ذلك باتباعنا لدعوة نبينا ﵌، حيث وأنه كانت دعوته في أول منطلقها: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فالآن
стр. 717
هؤلاء الذين يتهموننا بهذه التهمه لا شك أنهم يعلمون أن الدعوة السلفية أول ما تبدأ إنما تبدأ بمعالجة العقيدة، وتصحيح مفهوم الناس للتوحيد بأنواعه الثلاثة التي أصبح الأطفال في مدارسهم يعرفونها على الوجه الصحيح الذي جاء في الكتاب والسنة، خيراً مما يعرفه هؤلاء الدعاة الذين يزعمون أنهم حملوا راية الرد على الشيوعيين وعلى الملاحدة.
نحن في اعتقادنا أن هؤلاء الدعاة الذين يردون على الشيوعيين وأمثالهم، أول ما يردون عليهم ما يتعلق بتوحيد الربوبية، أما ما يتبع توحيد الربوبية من توحيد الإلوهية وتوحيد الصفات، هذا التوحيد الذي لا يتم علم القائل لا إله إلا الله إلا بأن يعرف أولاً ما هو الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية وتوحيد الأسماء والصفات، لا بد أن يعرف الفرق بين ذلك كله، ثم أن يقترن معه الإيمان الجازم به عملاً بقول الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فمن كان مشتغلاً دهراً طويلاً بدعوة جماهير المسلمين إلى معرفة حقيقة (لا إله إلا الله)، وأنه لا معبود في الوجود بحق إلا الله ﵎، فكيف يصح لمن كان مؤمناً حقاً ويخشى ربه فلا يفتري على المؤمنين، ولا يتهمهم بانشغالهم عن العقائد بالفرعيات كما يقولون.
أولئك الناس الذين يشتغلون بالرد على الشيوعيين ما يَرُدُّون انطلاقاً من دراسة الكتاب والسنة، وإنما ينطلقون من دراسة الفقه، ولا أقول مبدئياً الرأي، أي أنهم يحكمون عقولهم التي تستند إجمالاً على الإسلام، ولكنهم لم يعرفوا الإسلام على حقيقته كما أنزله الله في كتابه وفي سنة نبيه ﵌، نحن نعلم من واقع دراسة العلم أن أي طالب علم يدرس العلم على المنهج العلمي، إنما يبدأ بما هو الأهم كما قيل:
стр. 718
العلم إن طلبته كثير ... والعمر عن تحصيله قصير
فقدم الأهم منه فالأهم.
هل الأهم للمسلم أن يعنى بغيره من المشركين أمثال الشيوعيين والدهريين، أم يبدأ بنفسه فيصلحها وذلك بأن يحملها على اتباع الكتاب والسنة في العقيدة قبل كل شيء، ثم في العبادات وفي الأخلاق وفي السلوك، التهمة تنعكس عليهم تماماً، ويصدق عليهم حينئذ قول من قال في قديم الأمثال: (رمتني بدائها وانسلت)، فإننا إذا سألنا هؤلاء الذين يزعمون ويتفاخرون بأنهم يردون على الشيوعيين وعلى الملاحدة والدهريين، إذا سألناهم عن التوحيد، بل عن معنى (تعلم أنه لا إله إلا الله)، لحاروا في الجواب ولم يعلموا الجواب الصحيح في ذلك، وهذا في الواقع يشمل كثيراً من الإسلاميين، الذين ينتمون إلى بعض المذاهب المتبعة منذ القديم، مع أولئك الذين يتفاخرون بردهم على الشيوعيين، توحيد الأسماء والصفات هم أبعد الناس معرفة به، ولذلك فطالما ناقشنا كثيراً منهم بما جاء في الكتاب والسنة من الآيات والأحاديث الكريمة فيما يقولونه بألسنتهم في سجودهم، ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، مع الأسف، يقولون معنا في السجود: سبحان ربي الأعلى، يكررونها في كل سجدة ثلاث مرات، وفي كل ركعات الصلاة، فإذا ما سألتهم السؤال الذي توارثناه عن النبي ﵌، حينما سأل الجارية يمتحنها عن إيمانها: أين الله؟ فأجابت: في السماء.
إذا وجهنا هذه السؤال إلى هؤلاء الذين يتهمون الأبرياء بما ليس فيهم هذا السؤال: أين الله؟ دارت أعينهم في محاجرهم حيرة وضلالاً وبعضهم يزداد ضلالاً فيقول: هذا السؤال لا يجوز في الإسلام، وهم يعلمون أو لا يعلمون والله يعلم بما في قلوبهم أن النبي ﵌ هو الذي سن للمسلمين حقاً هذا السؤال لمعرفة الإيمان المنجي عند الله من الإيمان الذي لا ينجي، يعلمون أو لا يعلمون، لكننا بفضل
стр. 719
الله لقد تلقينا هذا الحديث الذي فيه هذا الحديث أو هذا السؤال عن النبي ﵌ من طرق أئمة أهل الحديث كالإمام مسلم في «صحيحه»، ومن قبله الإمام مالك في «موطئه»، ثم الإمام أحمد في «مسنده»، وغيرهم من أئمة السنة فقد رووا حديث الجارية فهو حديث معروف، ولا أريد الخروج عن السؤال ... بتمامه، لكن الشاهد أن النبي ﵌ لما سألها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال لها: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فالتفت ﵊ إلى سيدها وقال له: اعتقها؛ فإنها مؤمنة.
فاعتبر النبي ﵌ جوابها بقولها أن الله في السماء دليلاً على إيمانها، فماذا نقول بإيمان هؤلاء الذين يتهمون الأبرياء، ثم يريدون أن يهدوا من أذل الله من الشيوعيين والدهريين وأمثالهم، وهم لو هدوهم لما اهتدوا إلى أكثر من أن الله موجود، أي: ما استطاعوا أن يثبتوا لهم إلا ما كان المشركون في الجاهلية الأولى وفي كل جاهلية، وفي كل عصر ومكان، يعتقدونه ألا وهو وجود الله ﵎، أما هذا الواجب الوجود كما يقول بعض العلماء، أي هذا الله ما الذي يليق به؟ وما يجب على كل مسلم أن يعتقده في ذات الله ﵎؟ فهذا شيء لا يعلمونه بل يزيدون على ذلك فينكرون من يؤمن بما جاء في الكتاب والسنة.
قد ذكرنا ما أكثركم يعلم ذلك أننا إذا وجهنا السؤال النبوي: أين الله؟ أنكروا هذا السؤال، وبالتالي ما يحسنون الجواب، بل يكون جوابهم هو الاشتراك مع كل المؤمنين بالتوحيد الأول توحيد الربوبية يكون جوابهم؛ لأنهم لم يهدوا بالله بكتابه وسنة نبيه لا يغنيهم شيء؛ ذلك لأن جوابهم يكون: الله في كل مكان، الله في كل الوجود، فهل يستطيع هؤلاء أن يدعوا الكفار إلى التوحيد
стр. 720
الذي أمر الله محمد ﵌: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، ونحن نعلم جميعاً أن فاقد الشيء لا يعطيه، فلو أننا فرضنا فرضاً مستحيلاً أن هؤلاء الذين يهتمون كل الاهتمام بغيرهم، وينسون أنفسهم أنهم استطاعوا أن يجعلوا الشيوعيين يؤمنون بالإسلام، لكننا لو سألنا هؤلاء الذين اهتدوا على يد من هدوهم إلى الإسلام، ما هو التوحيد الذي فهمتموه، عاد جوابي السابق: فاقد الشيء لا يعطيه.
فإذاً: هم في الواقع يخالفون مبادئ في القرآن الكريم منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فنقول لهؤلاء الذين ينكرون علينا ويتهموننا بما ليس فينا، هل فهمتم حق لا إله إلا الله وحق محمد رسول الله ﵌، إن فعلتم ذلك فلا باس أن تدعو الناس إلى ما هداكم الله إليه، أما أن تظلوا دهراً طويلاً لا تفهمون كلمة التوحيد إلا بالمعنى الذي كان يفهمه أهل الجاهلية الأولى حينما يقولون: لا رب إلا الله، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
فإذاً: هم لا ينقمون على المسلمين أنهم يؤمنون بوجود الله، بل هم يشتركون معهم، لكن يختلفون عنهم؛ لأنهم يعبدون مع الله آلهة أخرى، ترى هل يفهم هؤلاء المتهمون للسلفيين بما ليس فيهم، هل يفهمون معنى هذا التوحيد، وهو لا إله إلا الله وأنه لا معبود بحق في الوجود إلا الله ... إلى اليوم لا يعرف معنى العبادة، ما هي العبادة التي إذا توجه بها المسلم إلى غير الله ، أشرك بالله ولم ينفعه شيء ما قوله لا إله إلا الله.
أنا أعلم أن بعض الشيوخ في دمشق الشام ألفوا رسالة عنوانها: لا إله إلا الله، فلما جاء إلى تفسيرها قال: لا رب إلا الله، فماذا صنع هذا المسلم الذي يزعم أنه
стр. 721
مسلم، أنه فسر كلمة التوحيد، بمعنى توحيد الربوبية فقط، هذا التوحيد الذي كان يؤمن به المشركون، ولكنهم أعني المشركين، كانوا إذا قيل لا إله إلا الله يستكبرون، هؤلاء المشركين الذين سمعتم آنفاً إنهم إذا سئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، هؤلاء إذاً في الوقت نفسه إذا سمعوا الرسول ﵇ يدعوهم إلى لا إله إلا الله يستكبرون عن هذه الكلمة، ويسخرون من الداعي إليها، لماذا؟
من عجائب الأمور أن أولئك المشركين في ضلالهم، في شركهم، كانوا يعرفون معنى لا إله إلا الله حقاً، ولذلك كانوا يفرون من هذا المعنى الصحيح، ويستكبرون عن أن يقولوا لا إله إلا الله؛ لأنها تعني شيئاً آخر أكثر مما كان أولئك المشركون عليه، وهو أن يعبدوا الله، هذا المعنى الآخر أن يعبدوا الله وحده لا شريك له، كانوا يستنكرون ذلك، ويقولون كما حكى القرآن الكريم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
نحن نجد العالم الإسلامي اليوم مع الأسف الشديد غريقاً في شرك العبادة أو شرك الإلوهية، وشرك الأسماء والصفات، فهم يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم العالم الإسلامي اليوم الذي انشغل عنه أولئك الدعاة الإسلاميين زعموا، والذين يتهمون الدعاة السلفيين بأنهم يشتغلون بالأمور التي يسمونها التافهة كبعض الأمثلة التي جاء ذكرها في السؤال، العالم الإسلامي اليوم غرق في الجاهلية التي كان عليها المشركون، الذين بعث إليهم الرسول ﵇ فهم لجهلهم بالإسلام، ولجهلهم بحقيقة لا إله إلا الله يظنون أن المسلمين على خير، فلذلك فهم ينصرفون عنهم إلى أولئك المشركين ولا نعيد الشيوعيين وأمثالهم؛ لأن المسلمين على خير، مع أن كثيراً من البلاد الإسلامية ليس فقط، بعض أو كثير
стр. 722
من البلاد الأعجمية بل وبعض البلاد العربية لا يزال الشرك يعمل عمله فيها، وهم يصلون ويصومون، ويشهدون أن لا إله إلا الله، فلماذا ترك أولئك الدعاة هؤلاء الإخوان المسلمين الذين هم إخوانهم بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، لماذا تركوهم في ضلالهم ليس في الأمور الثانوية بل في أصل العقيدة، وهي التوحيد؛ ذلك لأنهم لا يعرفون التوحيد، ويفهمون التوحيد كمفهوم العامة، وأن العامي الذي يصلي ويصوم إذا طاف حول القبور أو نذر لها النذور أو دعاها من دون الله ﵎، هذا في زعم الدعاة المشار إليهم لا ينافي قوله: لا إله إلا الله، ولذلك تركوا عامة المسلمين، بل وفيهم بعض الخاصة في ضلالهم يعمهون، ثم توجهوا إلى دعوة وإرشاد وهداية مَنْ؟ الذين لا يؤمنون بالله، ولو على إيمان المشركين كالدهريين مثلاً، وتركوا الناس الذي يعيشون بينهم وهم يذكرون بشهادة أن لا إله إلا الله، عملياً يؤمنون قولاً، ويكفرون عملياً، ذلك لأن المشركين كانوا أفهم بهذه الكلمة، ولذلك قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، أما
هؤلاء المتأخرون أو هؤلاء الدعاة المزعومون هؤلاء لم يفهموا أن من تمام هذا التوحيد، توحيد العبادة، وأن ذلك يستلزم ألا يعبد إلا الله، لا بالتوجه إلى قبر ولي ولا بمناداته ولا بالاستغاثة به ونحو ذلك.
فلجهلهم بحقيقة الإسلام انصرفوا عما نحن متوجهون إليه بفضل الله ورحمته إلى الاشتغال بالآخرين، بدعوتهم إلى الإيمان لا يسمن ولا يغني من جوع.
لو أنهم آمنوا بدعوة هؤلاء الدعاة؛ لأن هؤلاء الدعاة أنفسهم ليسوا على معرفة بالإيمان المنجي عند الله ﵎، هذا أولاً: وخلاصة ذلك أنها تهمة صريحة فظيعة، حينما يتجاهلون دعوة الحق، دعوة لا إله إلا الله، وبياناً لكل المسلمين
стр. 723
بحقائقها التي أجمع عليها علماء السلف، يتجاهلون هذه الحقائق، ويتهمون السلفيين أنهم لا يفعلون ولا يدعون الناس إلا إلى رفع اليدين وتحريك الإصبع، ونحو ذلك من السنن.
ثانياً: لقد قررنا أكثر من مرة تبعاً لأئمتنا سابقاً ولاحقاً أن القرآن الكريم لا يمكن فهمه إلا على ضوء السنة، بقول الله ، مخاطباً نبيه ﵌: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فنقول لهؤلاء الدعاة زعموا هل أنتم معنا؛ لأنه لا يمكن فهم الكتاب إلا من طريق السنة المحمدية في ظني أنهم سيكون جوابهم بالموافقة ولو قولاً.
ولسنا مكلفين أن نصل إلى ما في قلوبهم، حينئذ نقول لهم: وهل تعلمون أن السنة قد دخل فيها ما ليس منها؟ إن أجابوا أيضاً بالإيجاب، قلنا فهل من العلم الضروري تصفية هذه السنة، مما دخل فيها أم تصفية هذه السنة، إنما هو من توافه الأمور أيضاً، ومن الشيء الذي هو نافلة، أم هو من الواجبات الذي لا يمكن فهم القرآن إلا بهذه التصفية لهذه السنة، فإن وافقوا معنا وظني أنهم لا سبيل لهم إلا أن يوفقوا معنا، وحينئذ نقول لهم: هل فعلتم معنا شيئاً في هذا الصدد، بل هل باستطاعتكم أن تعملوا شيئاً من تصفية السنة وتمييز صحيحها من ضعيفها؟ إن قالوا نعم، قلنا لهم: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، ولسنا بحاجه إلى أن نطالبهم بالبراهين، فإن كتبهم التي يؤلفونها في الرد على الكفار بعامة في كثيراً من الأحيان نجد فيها تفاسير لآيات على خلاف ما جاء التفسير المأثور، وكثيراً ما نرى أن فيها أحاديث لا صحة لها، لا سنام ولا خطام.
نحن لا نريد أن نقول أنه يجب على كل الجماعات الإسلامية أن يعملوا وأن يقوموا جميعاً بواجب تصفية السنة مما دخل فيها، لكني أريد أن أذكر هؤلاء بمثل قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
стр. 724
لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، هم يعلمون أن الذين يقومون بتصفية العقيدة مما دخل فيها من الشركيات والوثنيات هم السلفيون هم أنصار السنة، هم أهل الحديث هم الطائفة أسماء تتعدد بسبب اختلاف البلاد والمسمى واحد، الذين يقومون بتصفية العقيدة مما دخل فيها مما ليس منها، إنما هم السلفيون الذين اتهموهم بأنهم يشتغلون بتوافه الأمور.
كذلك هم يعلمون يقيناً أن الذين يقومون بتصفية السنة مما دخل فيها من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والتي كثيراً من هذه الأحاديث كان الواضعون لها بعض الفرق التي أرادت الكيد للإسلام والمسلمين، وأرادوا صرفهم عن الدين باسم الدين، فوضعوا تلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة فهم يعلمون حقاً أن الذين يقومون بهذه التصفية أيضاً هم السلفيون، وليس أولئك الدعاة الذين زعموا، الذين يهتمون بالرد على الشيوعيين وأمثالهم، ثم من هم الذين يهتمون بتصحيح عبادات المسلمين من صلاة وصيام وحج وعمرة، ومعرفة بالزكاة ونصبها وشروطها ونحو ذلك، لا ينهض بذلك إلا من جمع بين الكتاب والسنة الصحيحة.
لا شك أن اتهام السلفيين بما سبق من بعض الأمثلة هذا المجتمع المبارك في هذه البلاد المقدسة، فعلاً أكبر دليل على أن السلفيين بُرءاء براءة الذئب من دم ابن يعقوب من تلك التهمة؛ لأن المفروض أننا نحن والحمد لله أن نكون على كلمة سواء، أن نعرف التوحيد ونعرف الصلاة ونعرف الحج ونحو ذلك، ومع ذلك فقد تكلمنا في مجالس عديدة ليس في الطهارة وليس في رفع اليدين والقبض ونحو ذلك، وإنما تكلمنا في كثير من الأحيان في أصول تتعلق بالقواعد الإسلامية التي يجهلها أولئك الناس لعلي بهذه الكلمة أجبت عن السؤال أو بقي شيء فيه.
(الهدى والنور / ٣٩٦/ ٠٦: ٠٤: ٠٠)
стр. 725
باب منه
الشيخ: أن بعض الجماعات الإسلامية اليوم ليس فقط لا يقيمون وزناً [للقواعد] الشرعية الهامة، بل يزيدون على ذلك قولاً وهو أنهم يقولون: هذه قشور، ويجب أن نشتغل باللباب، هذه في الحقيقة من أكبر المصائب التي حلت في كثير من الشباب في العصر الحاضر، لأنه لو كان هذا التمييز أو هذا التفريق بين القشر واللب لو كان شرعاً لتطلب علماء في الشرع ليميزوا بين الأمرين ويصنفوهما كما فعل الفقهاء حينما ميزوا الفرض عن السنة، هذا عند عموم الفقهاء والحنفية خاصة، ميزوا بين الفرض والواجب، فهذا التمييز بين الفرض والسنة بلا شك يحتاج إلى علم بالشريعة بكتابها وبسنة نبيها ﵌، فكان يمكن بالنسبة للعلماء لو كان حقاً أن في الإسلام قشوراً إضافة على اللب فمن الذي يستطيع أن يميز بين القشر واللب؟ هم العلماء، فمن الذي يقول: يجب أن لا نشتغل اليوم بالقشور وعلينا باللب؟ هم الجهال، هم القشور، لذلك يترتب من وراء هذا هدم الإسلام، لأننا سنقول: أنت تقول: الشيء الفلاني قشر، فما أدراك لعله لب، ثم ما تسميه لباً ما يدريك لعله قشر، وكل من الصنفين المعارضين للب والقشر كلاهما اليوم واقع، فكثير من المسائل الاعتقادية حينما تثار يثورون، ويقولون: دعونا الآن من المسائل الخلافية، وأي مسألة ليست من المسائل الخلافية، فإذاً: ما فائدة تفصيل هذا؟
إذا تحدثنا عن اللب قالوا: دعونا من هذا، هذا يفرق الصف ويفرق
стр. 726
الجماعات، وإذا تحدثنا فيما يسمونه بالقشر قالوا: هذه قشور لا نريدها في هذا الزمان، مع أن الله كما كان حكيماً في خلقه لكل ما خلق كذلك كان حكيماً في كل ما شرع، فحينما خلق البشر خلق الذكر والأنثى، وحينما خلق كثيراً إن لم نقل: كل، يعني: لست متخصصاً في الزراعة، لما خلق الفواكة وخلق الحبوب خلق لها قشراً ولباً، هل كان هذا الخلق من الله ﵎ عبثاً؟
حاشاه، فإذا كان قد جعل في الشرع على حد تعبير أولئك الناس لباً وقشراً ما كان هذا الخلق أيضاً عبثاً، وإنما لحكمة، وكما أن الحكمة في الخلق الأول أي: في الفواكه والحبوب ونحو ذلك واضحة جداً، فلولا القشر لفسد اللب، فكذلك تماماً في الشرع.
ولذلك مشيراً إلى هذه الحقيقة جاءت أحاديث عن النبي ﵌ منها في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» .. وهكذا، وفي الحديث الآخر قال ﵊: «أول ما يحاسب العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تمت فقد أفلح وأنجح، وإن نقص فقد خاب وخسر» في حديث آخر قال ﵇: «وإن نقصت قال الله لملائكته: انظروا هل لعبدي من تطوع فتتم له به فريضته» إذاً: التطوع لا يجوز للمسلم أن يستغني عنه، هذا التطوع الذي يسميه أولئك الناس بالقشر، لأن في ذلك خسارة للب وإضاعة له.
ونحن إذا تذكرنا أن الإنسان ﴿خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾، لكن هؤلاء المصلين كما جاء في الحديث الآخر الصحيح لا تخلو صلاتهم من نقص إما كماً وإما كيفاً، إما بأن يضيع شيئاً من فرائضها أن يؤديها في أوقاتها، وإما أن يحافظ عليها ويؤديها في أوقاتها، ولكن ينقص
стр. 727
من كيفيتها، فكلا النقصين لا يخلو منه البشر عامة، أما الأفراد منهم فيختلفون.
إذا كان -وأرجو أن أكون دقيقاً في قولي- إذا كان ولم أقل إن كان، إذاكان يوجد في هؤلاء البشر من يحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها ولا يضيع صلاة من صلواتها مطلقاً فلا يخلوا منهم جميعاً أن يضيعوا شيئاً من صفاتها وكيفياتها، إذا كان الأمر كذلك يأتي هنا قوله ﵊: «إن الرجل ليصلي الصلاة وما يكتب له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها نصفها» أين ذهب النصف الثاني؟ وراء الزرع ووراء الضرع ووراء التجارة وراء الهندسة وراء وراء .... إلخ، وهذا لابد منه لأنه بشر، وربنا حينما وصف المؤمنين كان من أول صفاتهم أن قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
فمن منا يستطيع أن يحكم على نفسه اليوم بأنه في صلاته يحصل الأجر كاملاً بالمائة مائة، لا أحد، من منا يستطيع أن يقول عن نفسه اليوم: إنه خاشع في صلاته، خاشع صفة لازمة، أما خاشع بمعنى خشع فهذا لا يخلو إن شاء الله فرد منا، أن يخشع في صلاة ما وفي يوم ما، أما أن يكون صفة لازمة له فهو خاشع في صلاته هذا كما كانوا يقولون قديماً: أندر من الكبريت الأحمر، فإذا كان هذه طبيعة الإنسان بعامة أن صلاته تكون ناقصة فبما يستدرك هذا النقص؟
بصلوات نوافل ولا شك أن هذه الصلوات ستكون كالفرائض، أي: فيها نقص، لكن ما يكون فيها من كمال يضم إلى النقص الذي حصل في الفرض، ومن هنا يتبين لكم أهمية قوله ﵇ حينما يقول الملائكة: «انظروا هل لعبدي من تطوع فتتموا له به فريضته» إذاً: المقصود من هذا أخيراً هو أنه يجب على المسلم ألا يكون دأبه دأب ذلك الأعرابي الذي قال: والله يا رسول الله لا
стр. 728
أزيد عليهن ولا أنقص. ذلك لأن ذلك الأعرابي أولاً كان على الفطرة، وثانياً: شهد له الرسول ﵊ بقوله: أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق. أما نحن اليوم فليس عندنا مثل هذه الشهادة ليقال فينا كما قيل لذلك الأعرابي، أو كما قيل لحاطب بن بلتعة: «وما يدريك لعل الله قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم» لسنا نحن هناك، ولذلك فعلينا أن نهتم على حد تعبير أولئك وأعوذ بالله من تعبيرهم ولا أقول: من أولئك، يجب أن نهتم باللباب والقشور، لأن القشرة لم يشرع أبداً كما أنه لم يخلق عبثاً، إنما للمحافظة على اللب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
(الهدى والنور /٤٨٠/ ٤٥: ٠٠: ٠٠)
стр. 729
القشر واللب
مجلس تحت عنوان: ثلاث مسائل مهمةً الأولى: حفظ القشر للباب، الثانية: حكم الاجتهاد في العقيدة، الثالثة: الرد على بعض شبه المكفرين.
تم تسجيل هذا المجلس في اليوم الثالث من ربيع الثاني ١٤١٦ هـ، الموافق لليوم الأول من الشهر التاسع ١٩٩٥ م.
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
إننا في زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه، ومن هؤلاء بعض الذين ينتمون إلى بعض الأحزاب الإسلامية ويدعون أنهم من الدعاة إلى الإسلام، وفي سبيل دعوتهم هذه قد يستجيزون استعمال عبارات لا تليق استعمالها وإطلاقها على الشرع وأحكامه.
من ذلك أن بعضهم يقسمون الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية إلى قسمين اثنين ويعبرون عنهما بقولهم: أن قسماً منها لب، والقسم الآخر قشر.
الذي أريد أن أذكر به بين يدي الدخول في المسألة هو بمقدمة وجيزة وهي: أنه أولاً: لا يجوز للمسلم أن يقسم الإسلام إلى تعبيرين غير مشروعين أن نقول: الإسلام قشر ولب، وأن على المسلمين أن يهتموا باللب دون القشر، هذا التقسيم
стр. 730
ما أنزل الله به من سلطان، بل هو ضرب للإسلام من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
نعم! الإسلام فيه أحكام مختلفة كما تعلمون من الفرض إلى الأمر الندب، هذه حقائق مشروعة، لكن المندوب الذي هو من العبادات أدناها منزلةً وفضيلةً عند الله مع ذلك لا يجوز تسميتها بالقشر؛ ذلك لأن المقصود بهذه التسمية هو: الحط من قيمة هذا الذي يسمونه بالقشر، ولنقل نحن: المندوب أو المستحب.
وكلنا يعلم أن الله ببالغ حكمته حينما شرع الإسلام على مراتب كما ذكرنا آنفاً من الفرض إلى الندب لم يكن ذلك إلا بحكمة بالغة، ولعل مما يوضح هذا المعنى قوله ﵊: «أول ما يحاسب العبد يوم القيامة الصلاة، فإن تمت فقد أفلح وأنجح وإن نقصت، قال الله » وهنا الشاهد: «انظروا هل لعبدي من تطوع فتتم له به فريضته» الشاهد هنا: «انظروا هل لعبدي من تطوع» التطوع هو التنفل، يعني: ما ليس بفرض «هل له من تطوع فتتمون به فريضته» أي: إن المسلم وهو مطبوع على .. كما قال ﵊: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون» فلا بد من الإنسان أن يقع في بعض العصيان، هكذا طبع الله بني الإنسان، خلافاً الملائكة الذين وصفهم بقوله ﵎ في القرآن: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
أما الإنسان فقد طبعوا على خلاف ذلك، حتى قال ﵊: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم» أي: طبيعة الإنسان أن يقع في المعصية ولكن ليس من رغبات الشارع الحكيم أن يقنع هذا الإنسان بالمعصية، وإنما إن وقع فيها أن يتابعها بالإنابة والرجوع إلى الله ﵎ والاستغفار والتوبة.
стр. 731
فإذاً: إذا كان من طبيعة الإنسان أن يعصي الرحمن وأن ذلك مما لا بد منه؛ لذلك أنه قد يخل بالعبادة من صلاة مثلاً، وهذا الإخلال قد يكون تارةً كماً، وتارةً يكون كيفاً، وأظنكم تعلمون معي ما الفرق بين الكم والكيف، أما الكم فكلنا يعلم أن الله فرض على كل مسلم بالغ مكلف خمس صلوات في كل يوم وليلة، فقد يهمل صلاةً أو أكثر فهذا قصر في الكم، وقد يكون حريصاً على المحافظة على الصلوات الخمس كما هو مشاهد والحمد لله من كثير من الناس لكن لجهلهم بالشرع أو بالسنة فهم يقعون في النقص في الكيف وليس في الكم، فهم محافظون على الصلوات الخمس تماماً ولكن قد تكون صلاتهم هذه ناقصةً، وقد يكون النقص في ركن من الأركان، أو في واجب من الواجبات، أو في سنة أو مستحبة من المستحبات، فهذا كله نقص في الكيف، وهذا قل ما ينجوا منه مصلٍ إلا من شاء الله وقليل ما هم.
كثير من الناس يصلون مع محافظتهم على الصلوات الخمس لا يطمئنون في الصلاة، يسارعون فيها، وقد قال ﵊: «لا تجزئ صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده» هذا صلى ولكنه ما صلى، كما جاء في صحيح البخاري أن النبي ﵌: «كان ذات يوم في المسجد حينما دخل رجل فأخذ يصلي وبعد أن صلى أقبل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله! قال: وعليك السلام! ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع الرجل وصلى، وبعد الصلاة أقبل أيضاً على النبي ﵌: السلام عليك يا رسول الله! قال: وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل» وهكذا في المرة الثالثة في هذه المرة كما يقال: اسقط في يد الرجل، وعرف أنه لا يحسن يصلي فاعترف بذلك وقال: «والله يا رسول الله لا أحسن غيرها فعلمني، قال ﵇: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم أذن ثم أقم ثم كبر، ثم اقرأ ما
стр. 732
تيسر من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، فإذا أنت فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن أنت أنقصت منها فقد أنقصت من صلاتك».
أقول: حديثنا المذكور آنفاً قبل حديث المسيء صلاته الذي فيه أن ذلك الرجل أعاد الصلاة ثلاث مرات وهو لا يحسنها فقال معترفاً بأنه لا يحسن غيرها فعلمني فقال له ﵇ كما سمعتم، الشاهد: الحديث الذي قبله وهو قوله ﵇: «أول ما يحاسب العبد يوم القيامة الصلاة فإن تمت فقد أفلح وأنجح، وإن نقصت قال الله لملائكته: انظروا هل لعبدي من تطوع فتتم له به فريضته».
الشاهد من هذا الحديث: أن الأحكام الشرعية فيها ما لا بد منه، وفيها ما يخير الإنسان فيه، لكن هذا القسم الثاني يعتبر رديفاً احتياطياً للقسم الأول، فالقسم الأول كما شرحت آنفاً إذا وقع فيه نقص كماً أو كيفاً تدارك الأمر ملائكة الله يوم القيامة من التطوع الذي هو ليس بفرض، إذاً: لا يصح أن نقسم الإسلام إلى لب وقشر، وبخاصة إذا قصدنا بهذا التعبير الركيك المرفوض أن القشر لا يعنى به وإنما هو اللب.
ذلك لأن الله كما نشاهد في ما خلق الله من الثمار والخضار ونحو ذلك قد جعل لكثير منها قشراً ولباً وما كان هذا القشر قد خلق عبثاً وإنما للمحافظة على اللب، فهذا تقريباً للأحكام الشرعية التي فيها ما هو فرض وفيها ما هو مستحب، فيسمي بعض المعاصرين اليوم ما هو فرض بأنه لب وما هو ليس بفرض بأنه قشر، وليتهم يعنون أنه يعنى بهذا القشر لكنهم يلمحون بأنه ما
стр. 733
ينبغي إلا الاعتناء باللب فقط.
وهنا يقعون في مشكلة أخرى حينما قسموا الإسلام إلى لب وقشر فهم يضيعون اللب أيضاً مع القشر، ليس فقط من الناحية التي أشرت إليها بأن الله خلق القشر للمحافظة على اللب بل من ناحية أخرى تتعلق بالعلم بالشريعة فهم لا يستطيعون بسبب جهلهم خاصة بالكتاب والسنة لا يستطيعون أن يفرقوا على حد تعبيرهم بينما هو لب عندهم وما هو قشر فيهملون كثيراً من اللب باسم قولهم إنه من القشر.
فإذاً: هم قد ضيعوا اللب والقشر معاً.
أعود الآن إلى المسألة التي أردت التنصيص والتنبيه عليها وهي: أنه إذا دخل الداخل وكان الجالسون يظنون به أنه من أولئك الذين يستحقون الإجلال والإكبار والتعظيم ولو في حدود الشرع فهم يبادرون إلى تقبيل يد هذا الشخص الجليل، أنا أريد أن أذكر الآن بأمرين اثنين:
أولاً: ما حكم هذا التقبيل؟ وثانياً: هل هذا التقبيل هو الذي سنتحدث عنه أم هو شيء آخر؟
الحقيقة أنه شيء آخر: نحن بما علمنا من الأحاديث النبوية والآثار السلفية أن تقبيل اليد كان أمراً معروفاً في عهد السلف الصالح من عامة الناس إلى أكابر الناس؛ ولذلك فما نستطيع أن ننكر جواز التقبيل يد العالم الفاضل، ولكن هنا لا بد من التذكير بأمرين اثنين:
أحدهما: أنه لا ينبغي أن نجعل هذا التقبيل ليد العالم الفاضل سنة مستمرة مطردة؛ لأن هذا خلاف السنة، السنة كما قال أحد الصحابة ولعله أبو ذر رضي الله تعالى عنه قال: «ما لقينا رسول الله ﵌ إلا وصافحنا» المصافحة هي سنة
стр. 734
تلاقي المسلم مع أخيه المسلم بعد السلام، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة تحض على المصافحة كمثل قوله ﵊: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا تحآتت عنهما ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجر في الخريف».
المصافحة: هي السنة الرتيبة، أما تقبيل اليد فأنا أسميها من باب تفشيش الخلف، يعني: رجل يحب هذا الرجل العالم فقد سمح له الشارع بتقبيل يده، أما أن يجعلها ديدنه كلما لقيه قبل يده فهذا لم يكن من عمل السلف إطلاقاً، لكن أكثر من هذا - وهنا بيت القصيد كما يقال، وبذلك تنتهي هذه الكلمة - أنه لا ينبغي بعد التقبيل أن نضعها على جبهة وهذا الذي نشاهده دائماً مع الأسف الشديد، يعني: يقبل هكذا ثم يضعه على الجبهة هذا يشبه السجود، وإذا كان النبي ﵌ قال لمعاذ بن جبل حينما قدم من الشام وقد سافر من المدينة إلى الشام ثم رأى هناك النصارى كيف يعظمون قسيسيهم ورهبانهم فلما وقع بصره على النبي ﵌ هم أن يسجد له فقال له ﵇: «مه يا معاذ! قال يا رسول الله! إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لقسيسيهم ورهبانهم فوجدتك أنت أحق بالسجود منهم، فقال ﵊: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها» يوجد حديث آخر لكن لا يصلح السجود إلا لله؛ لهذا فما ينبغي ونذكر إخواننا الطيبين بأمرين اثنين:
أحدهما أهم من الآخر، الأهم: أن لا تفعلوا هكذا.
الأمر الثاني: ألا تتخذوا تقبيل يد العالم عادةً وسنة، وإنما على سبيل الندرة، وهذا ما أردت التذكير به والذكرى تنفع المؤمنين.
(الهدى والنور /٨٢٠/ ٠٩: ٠١: ٠٠)
стр. 735
تهم: السلفيون لا يُقَدِّمون
حلولاً لمشاكل الأمة
مداخلة: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
هناك شبه تدور حول منهج الشيخ خاصة، ومنهج أهل الحديث من السلفيين اليوم عامة، منها: أن الشيخ الألباني عمد إلى السنن الأربع وتصرف فيها وأتى بما لم يسبق إليه وفصلها من صحيح وضعيف مع أن مسألة التصحيح والتضعيف مسألة اجتهادية، أما ما يتعلق بأهل الحديث اليوم، أنهم يشتغلون بالردود على بعض وليس لهم في واقع المسلمين الآن .. يعني: لا يقدمون حلولًا لمشاكل المسلمين الآن وإنما هم مشتغلون بالردود على بعضهم في مسائل فرعية اجتهادية الخلاف فيها خلاف تنوع، فنرجو من فضيلتكم إجلاء مثل هذه الشبه.
الشيخ: هذه يقال منذ القديم: شنشنة نعرفها من أخزم! إن الذين يدعون بأن السلفيين لا يقدمون حلولًا لمشاكل العصر الحاضر يقولون قولًا يدل على جهلهم بالإسلام، والكلمة الأولى التي أشرت إليها إن كانت من كلامهم فهي أيضًا كما يقال: ضغث على إبالة، صحيح أن الألباني جاء إلى السنن الأربعة وأعطى كل حديث في كل كتاب منها المرتبة التي تتطلبها أسانيد تلك الأحاديث وشواهدها وتوابعها، فنقول لهؤلاء الذين يريدون أن يقدموا إلى الأمة حلولًا لتلك المشاكل التي يشيرون إليها: على أي أصل يريدون أن يعتمدوا في ذلك التقديم؟ لا شك أن ذلك الأصل هو الأصل الأول للشريعة الإسلامية القرآن
стр. 736
الكريم، ثم الأصل الثاني السنة أيضًا باتفاق جميع المسلمين، وإذا كانت السنة قد دخل فيها لحكمة أرداها الله بهذه الأمة ما ليس منها من الأحاديث الضعيفة والمنكرة، فتلك الحلول كيف تقام على مثل هذه الأحاديث التي اختلط الحابل فيها بالنابل.
لذلك فالسلفيون في الواقع يقومون بواجب التصفية التي أعرض عنها جماهير المسلمين قديمًا وحديثًا وبخاصة منهم هؤلاء الذين يزعمون بأنهم يقدمون حلولًا لتلك المشاكل، وما أحسن قول الإمام الشافعي ﵀ حين قال في رسالته: إذا كان العالم جاهلًا بالسنة فعلى أي أصل يعتمد إذا ما أراد أن يقيس والقياس لا يصح إلى على الأصلين الكتاب والسنة، فإذا قاس المجتهد أو استنبط حكمًا من السنة فأول شرط: أن تكون هذه السنة صحيحة عند علماء الحديث وموافقة لأصولهم وقواعدهم.
فهؤلاء الذين يتبجحون بما ليس عندهم من أنهم يقدمون حلولًا لتلك المشاكل على أساس ماذا؟ على أساس الجهل؛ لأن الذين لا يعلمون السنة ولا يميزون بين صحيحها وضعيفها ليس بإمكانهم أن يقيموا حلولًا عملية وموافقًة للشريعة الإسلامية، والواقع يؤكد ذلك فمنهم جماعات أو أحزاب مضى عليهم نحو نصف قرن من الزمان أو أقل أو أكثر ما استطاعوا أن يعملوا شيئًا فقد ضلت أفراد هذه الأحزاب بعيدة عن العمل بالكتاب والسنة لأنهم لا يعلمون ومن لا يعلم لا يستطيع أن يعمل كما ذكرنا آنفًا: أن الأصل في كل عمل أن يكون قائمًا على الكتاب والسنة، ثم أن يكون خالصًا لوجه الله ﵎، فلو فرضنا في كل فرد من أفراد الأمة ومنها أولئك الجماعات أو الأحزاب فرضناهم مخلصين في أعمالهم ولكن أعمالهم تكون مردودةً غير صالحة لأنها ليست على الكتاب
стр. 737
والسنة.
فتقسيم السنة إلى صحيح وضعيف كما نقل السائل آنفًا، أن هذا عمل تفرد به الألباني، فهل هذا عيب؟ لقد سن لنا الأئمة الكبار من علماء الحديث هذه السنة الطيبة أنهم جعلوا الحديث صحيحًا وضعيفًا، وأشهر الأئمة في ذلك الإمام البخاري ومسلم، غُمِزَ صنيعهم هذا غمزًا سيئًا؟ ! أم كان عملهم هذا مشكورًا عند الأئمة كلها حتى صار كتاباً هاما بعد كتاب الله اعتمادًا عليهما مدى هذه القرون الطويلة، فكان ذلك منهم سعيًا مشكورًا ويثابون على عملهم هذا بما لا يُقَدِّر أجره إلا الله ﵎.
الحق والحق أقول: إن انتقاد عمل الألباني هذا ينشأ من عدم تقدير هذا العلم، وهو الذي يمكن صاحبه من تمييز الصحيح من الضعيف، أو ينشأ من الحقد والغيرة والحسد وهذا ليس من أخلاق المسلمين، فبديل أن يحسنوا هذا العمل ويساعدوا المؤلف على المضي شوطًا كبيرًا في إتمام هذا العمل يقولون: هذا عمل تفرد به الألباني، فماذا يريدون إذًا؟ أن تبقى الأمة الإسلامية حيارى كلما جاءهم حديث عن رسول الله ﵌ لا يعرفون صحيحه من ضعيفه وتكون نتيجة ذلك وعاقبة ذلك أن يقعوا في الافتراء على رسول الله ﵌ وذلك مما أخبر به النبي ﵌ في أحاديث كثيرة وأهمها قوله ﵇: «كفى المرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» وإذا كان لا يجوز الاعتداء على الباغين أو على الظالمين وإنما جزاء سيئةٍ سيئة مثلها فأنا أقول: إن هؤلاء الذين لا يقدرون هذا الجهد المبذول لتمييز الصحيح من الضعيف فمعنى ذلك أنهم رضوا بالبقاء على جهلهم بالسنة ورضوا بالتالي بالوقوع في الكذب على رسول الله ﵌ للحديث السابق وهو حديث خطير جدًا ويعالج أمرًا واقعًا: بحسب المرء من الكذب أن
стр. 738
يحدث بكل ما سمع.
أي كاتب ألف كتابًا، أو أي كاتب كتب رسالًة، أو أي محاضر ألقى محاضرةً يروون في هذه المقالات أحاديث عن رسول الله ﵌ لا يميزون صحيحها من ضعيفها فقد وقعوا شاءوا أم أبو في الكذب على رسول الله ﵌، هذا وحده يكفي ليعلموا أن من الواجب على العشرات بل المئات من الأئمة الإسلامية أن يدرسوا علم الحديث هذا دراسة جيدة، وأن يتمكنوا من تمييز صحيح الحديث من ضعيفه، حتى ينشروا العلم الصحيح بين المسلمين يومئذٍ يستطيع من يريد أن يضع تلك الحلول المشار إليها آنفًا أن يضعها حلولًا إسلامية وإلا ستكون حلولًا بعيدة عن الإسلام.
ونحن في كل يوم نقرأ مقالات فيها إباحة أشياء أو تحريم أشياء لمجرد الرأي، ليس هناك قال الله ولا قال رسول الله ﵌ مع أنه يكون من المعلوم عند أهل العلم أن في كثير من تلك البحوث قد جاءت أحاديث عن النبي ﵌، ومع ذلك لا يذكر في بعضها حديث عن رسول الله ﵌، وهذه علة طالما تحدث عنها بعض العلماء القدامى في بعض المذاهب، حيث يقرأ الإنسان كتاب فقه من أوله إلى آخره فلا يسمع قال الله قال رسول الله إنما هو مجرد المذهب ومجرد الرأي.
وقديمًا قرأت بحثًا لأحد الكتاب المشهورين حول الموسيقى والغناء، وإذا به لا يتعرض لحديث من تلك الأحاديث التي ذكرها علماء الحديث في خصوص هذه المسألة، وإنما يذكر آراؤه وقد يعتمد في شيء منها على بعض الأقوال لبعض المتقدمين ولكن العلم ليس هو قال فلان قال علان .. وإنما كما قال ابن قيم الجوزية ﵀ بحق:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه
стр. 739
ما العلم نصبك للخلاف سفاهًة ... بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرًا من التعطيل والتشبيه
ذلك البحث في الغناء وفي الآلات الموسيقية لم يذكر كاتب ذلك البحث الحديث الذي جاء في البخاري: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرا والحرير والخمر والمعازف، يمسون في لهو ولعب ويصبحون وقد مسخوا قردًة وخنازير» لماذا لم يذكر هذا الحديث؛ لأنه أولًا لا علم عنده بالحديث، وثانيًا لو ذكر هذا الحديث لسقطت مقالته من أصلها، ولم يقم لما قاله وزنًا يذكر إطلاقًا.
أهكذا تكون وضع الحلول للمشاكل التي يعيشها المسلمون اليوم؟ ! لا بد من الرجوع إلى الكتاب وإلى السنة الصحيحة، وهذا ما يدندن حوله المسلمون المنتمون إلى السلف الصالح.
وأنا أخيرًا أقول كلمةً سهلة جدًا: نفترض أن المسلمين اليوم كل في مذهبه وفي طريقه الذي يمشي فيه، ولكن على غير هدى من ربه، والمنتمون إلى السلف الصالح إنما يزيلون العثرات ويبعدون الأشواك من هذا الطريق، أفيكون جزاء ذلك العمل تحقير عملهم والحط عليهم بأنهم لا يضعون الحلول؟ ! الحلول إنما توضع بعد إزالة الأشواك والعثرات من الطريق ذلك من معاني قوله ﵊: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» فكل من لم يهتم بالسنة فمعنى ذلك أنه لم يرفع رأسًا إلى الآيات فضلًا عن الأحاديث التي تأمر المسلمين بالرجوع إليها وفي خاصة إذا اختلفوا في أمر أو في حكم أو في منهج يضعونه للسير عليه في حياتهم القائمة الآن.
هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
стр. 740
مداخلة: ... كما فعل أحمد شاكر في المسند ﵀.
الشيخ: وأحمد شاكر يعني ..
مداخلة: ... إلى صحيح وضعيف وأبقى الأصول كما هي، وتخرج الأحاديث في الحواشي.
الشيخ: وما معنى هذا؟ هكذا نحن بدا لنا، فهل هذا يكون مأخذًا علينا؟ ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وقد ذكرت آنفًا هذا الاعتراض .. أشرت آنفًا أن هذا الاعتراض لا يرد على الألباني، يرد على الإمام البخاري ومسلم، لماذا جمعا الأحاديث الصحيحة في الكتاب، أليس نصحًا للأمة؟ فنحن نستعين بالعلم الذي وضعوه لنا إلى تمييز الصحيح من الضعيف، أنا حينما خططت هذه الخطة وجريت عليها أول ما جريت على صحيح سنن أبي داود وضعيف سنن أبي داود، لقد فكرت مليًا أأسلك هذه الطريق التي يراها بعضهم أم أسلك الطريق التي شرح قلبي لها أخيرًا؟ فلكل وجهة، قلت: لو أنني جئت إلى سنن أبي داود وهو أول كتاب من كتب السنن الأربعة بدأت فيه منذ نحو أربعين سنة، لو أنني تركت السنن على ما وضعه المؤلف عليه، ثم أعطيت كل حديث مرتبته من صحة أو ضعف فعاقبة ذلك أنني ميزت فعلًا ولكن ما شخصت الصحيح ولا شخصت الضعيف، وليس كل فرد من أفراد الأمة من طلاب العلم أو من غيرهم باستطاعته أن يستوعب هذا الكتاب برمته وأن يركز في ذهنه الصحيح منه والضعيف، بل أكثرهم سيختلط عليه الأمر من حيث الحفظ والضبط، سيختلط عليه الأمر بالصحيح والضعيف.
فرأيت أن هذا التمييز يساعد كل فرد من أفراد الأمة حتى حفاظ الأمة أن يحفظوا الصحيح ويحفظوا الضعيف، نحن الآن يكفينا أن نتذكر أن الحديث
следующие страницы →