← Акыда

Акыда · id 145205

جامع تراث العلامة الألباني في المنهج والأحداث الكبرى

ناصر الدين الألباني

Полный текст (5 605 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الكريم، ثم الأصل الثاني السنة أيضًا باتفاق جميع المسلمين، وإذا كانت السنة قد دخل فيها لحكمة أرداها الله بهذه الأمة ما ليس منها من الأحاديث الضعيفة والمنكرة، فتلك الحلول كيف تقام على مثل هذه الأحاديث التي اختلط الحابل فيها بالنابل. لذلك فالسلفيون في الواقع يقومون بواجب التصفية التي أعرض عنها جماهير المسلمين قديمًا وحديثًا وبخاصة منهم هؤلاء الذين يزعمون بأنهم يقدمون حلولًا لتلك المشاكل، وما أحسن قول الإمام الشافعي ﵀ حين قال في رسالته: إذا كان العالم جاهلًا بالسنة فعلى أي أصل يعتمد إذا ما أراد أن يقيس والقياس لا يصح إلى على الأصلين الكتاب والسنة، فإذا قاس المجتهد أو استنبط حكمًا من السنة فأول شرط: أن تكون هذه السنة صحيحة عند علماء الحديث وموافقة لأصولهم وقواعدهم. فهؤلاء الذين يتبجحون بما ليس عندهم من أنهم يقدمون حلولًا لتلك المشاكل على أساس ماذا؟ على أساس الجهل؛ لأن الذين لا يعلمون السنة ولا يميزون بين صحيحها وضعيفها ليس بإمكانهم أن يقيموا حلولًا عملية وموافقًة للشريعة الإسلامية، والواقع يؤكد ذلك فمنهم جماعات أو أحزاب مضى عليهم نحو نصف قرن من الزمان أو أقل أو أكثر ما استطاعوا أن يعملوا شيئًا فقد ضلت أفراد هذه الأحزاب بعيدة عن العمل بالكتاب والسنة لأنهم لا يعلمون ومن لا يعلم لا يستطيع أن يعمل كما ذكرنا آنفًا: أن الأصل في كل عمل أن يكون قائمًا على الكتاب والسنة، ثم أن يكون خالصًا لوجه الله ﵎، فلو فرضنا في كل فرد من أفراد الأمة ومنها أولئك الجماعات أو الأحزاب فرضناهم مخلصين في أعمالهم ولكن أعمالهم تكون مردودةً غير صالحة لأنها ليست على الكتاب

стр. 737

والسنة. فتقسيم السنة إلى صحيح وضعيف كما نقل السائل آنفًا، أن هذا عمل تفرد به الألباني، فهل هذا عيب؟ لقد سن لنا الأئمة الكبار من علماء الحديث هذه السنة الطيبة أنهم جعلوا الحديث صحيحًا وضعيفًا، وأشهر الأئمة في ذلك الإمام البخاري ومسلم، غُمِزَ صنيعهم هذا غمزًا سيئًا؟ ! أم كان عملهم هذا مشكورًا عند الأئمة كلها حتى صار كتاباً هاما بعد كتاب الله اعتمادًا عليهما مدى هذه القرون الطويلة، فكان ذلك منهم سعيًا مشكورًا ويثابون على عملهم هذا بما لا يُقَدِّر أجره إلا الله ﵎. الحق والحق أقول: إن انتقاد عمل الألباني هذا ينشأ من عدم تقدير هذا العلم، وهو الذي يمكن صاحبه من تمييز الصحيح من الضعيف، أو ينشأ من الحقد والغيرة والحسد وهذا ليس من أخلاق المسلمين، فبديل أن يحسنوا هذا العمل ويساعدوا المؤلف على المضي شوطًا كبيرًا في إتمام هذا العمل يقولون: هذا عمل تفرد به الألباني، فماذا يريدون إذًا؟ أن تبقى الأمة الإسلامية حيارى كلما جاءهم حديث عن رسول الله ﵌ لا يعرفون صحيحه من ضعيفه وتكون نتيجة ذلك وعاقبة ذلك أن يقعوا في الافتراء على رسول الله ﵌ وذلك مما أخبر به النبي ﵌ في أحاديث كثيرة وأهمها قوله ﵇: «كفى المرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» وإذا كان لا يجوز الاعتداء على الباغين أو على الظالمين وإنما جزاء سيئةٍ سيئة مثلها فأنا أقول: إن هؤلاء الذين لا يقدرون هذا الجهد المبذول لتمييز الصحيح من الضعيف فمعنى ذلك أنهم رضوا بالبقاء على جهلهم بالسنة ورضوا بالتالي بالوقوع في الكذب على رسول الله ﵌ للحديث السابق وهو حديث خطير جدًا ويعالج أمرًا واقعًا: بحسب المرء من الكذب أن

стр. 738

يحدث بكل ما سمع. أي كاتب ألف كتابًا، أو أي كاتب كتب رسالًة، أو أي محاضر ألقى محاضرةً يروون في هذه المقالات أحاديث عن رسول الله ﵌ لا يميزون صحيحها من ضعيفها فقد وقعوا شاءوا أم أبو في الكذب على رسول الله ﵌، هذا وحده يكفي ليعلموا أن من الواجب على العشرات بل المئات من الأئمة الإسلامية أن يدرسوا علم الحديث هذا دراسة جيدة، وأن يتمكنوا من تمييز صحيح الحديث من ضعيفه، حتى ينشروا العلم الصحيح بين المسلمين يومئذٍ يستطيع من يريد أن يضع تلك الحلول المشار إليها آنفًا أن يضعها حلولًا إسلامية وإلا ستكون حلولًا بعيدة عن الإسلام. ونحن في كل يوم نقرأ مقالات فيها إباحة أشياء أو تحريم أشياء لمجرد الرأي، ليس هناك قال الله ولا قال رسول الله ﵌ مع أنه يكون من المعلوم عند أهل العلم أن في كثير من تلك البحوث قد جاءت أحاديث عن النبي ﵌، ومع ذلك لا يذكر في بعضها حديث عن رسول الله ﵌، وهذه علة طالما تحدث عنها بعض العلماء القدامى في بعض المذاهب، حيث يقرأ الإنسان كتاب فقه من أوله إلى آخره فلا يسمع قال الله قال رسول الله إنما هو مجرد المذهب ومجرد الرأي. وقديمًا قرأت بحثًا لأحد الكتاب المشهورين حول الموسيقى والغناء، وإذا به لا يتعرض لحديث من تلك الأحاديث التي ذكرها علماء الحديث في خصوص هذه المسألة، وإنما يذكر آراؤه وقد يعتمد في شيء منها على بعض الأقوال لبعض المتقدمين ولكن العلم ليس هو قال فلان قال علان .. وإنما كما قال ابن قيم الجوزية ﵀ بحق: العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس بالتمويه

стр. 739

ما العلم نصبك للخلاف سفاهًة ... بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها ... حذرًا من التعطيل والتشبيه ذلك البحث في الغناء وفي الآلات الموسيقية لم يذكر كاتب ذلك البحث الحديث الذي جاء في البخاري: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحرا والحرير والخمر والمعازف، يمسون في لهو ولعب ويصبحون وقد مسخوا قردًة وخنازير» لماذا لم يذكر هذا الحديث؛ لأنه أولًا لا علم عنده بالحديث، وثانيًا لو ذكر هذا الحديث لسقطت مقالته من أصلها، ولم يقم لما قاله وزنًا يذكر إطلاقًا. أهكذا تكون وضع الحلول للمشاكل التي يعيشها المسلمون اليوم؟ ! لا بد من الرجوع إلى الكتاب وإلى السنة الصحيحة، وهذا ما يدندن حوله المسلمون المنتمون إلى السلف الصالح. وأنا أخيرًا أقول كلمةً سهلة جدًا: نفترض أن المسلمين اليوم كل في مذهبه وفي طريقه الذي يمشي فيه، ولكن على غير هدى من ربه، والمنتمون إلى السلف الصالح إنما يزيلون العثرات ويبعدون الأشواك من هذا الطريق، أفيكون جزاء ذلك العمل تحقير عملهم والحط عليهم بأنهم لا يضعون الحلول؟ ! الحلول إنما توضع بعد إزالة الأشواك والعثرات من الطريق ذلك من معاني قوله ﵊: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» فكل من لم يهتم بالسنة فمعنى ذلك أنه لم يرفع رأسًا إلى الآيات فضلًا عن الأحاديث التي تأمر المسلمين بالرجوع إليها وفي خاصة إذا اختلفوا في أمر أو في حكم أو في منهج يضعونه للسير عليه في حياتهم القائمة الآن. هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.

стр. 740

مداخلة: ... كما فعل أحمد شاكر في المسند ﵀. الشيخ: وأحمد شاكر يعني .. مداخلة: ... إلى صحيح وضعيف وأبقى الأصول كما هي، وتخرج الأحاديث في الحواشي. الشيخ: وما معنى هذا؟ هكذا نحن بدا لنا، فهل هذا يكون مأخذًا علينا؟ ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وقد ذكرت آنفًا هذا الاعتراض .. أشرت آنفًا أن هذا الاعتراض لا يرد على الألباني، يرد على الإمام البخاري ومسلم، لماذا جمعا الأحاديث الصحيحة في الكتاب، أليس نصحًا للأمة؟ فنحن نستعين بالعلم الذي وضعوه لنا إلى تمييز الصحيح من الضعيف، أنا حينما خططت هذه الخطة وجريت عليها أول ما جريت على صحيح سنن أبي داود وضعيف سنن أبي داود، لقد فكرت مليًا أأسلك هذه الطريق التي يراها بعضهم أم أسلك الطريق التي شرح قلبي لها أخيرًا؟ فلكل وجهة، قلت: لو أنني جئت إلى سنن أبي داود وهو أول كتاب من كتب السنن الأربعة بدأت فيه منذ نحو أربعين سنة، لو أنني تركت السنن على ما وضعه المؤلف عليه، ثم أعطيت كل حديث مرتبته من صحة أو ضعف فعاقبة ذلك أنني ميزت فعلًا ولكن ما شخصت الصحيح ولا شخصت الضعيف، وليس كل فرد من أفراد الأمة من طلاب العلم أو من غيرهم باستطاعته أن يستوعب هذا الكتاب برمته وأن يركز في ذهنه الصحيح منه والضعيف، بل أكثرهم سيختلط عليه الأمر من حيث الحفظ والضبط، سيختلط عليه الأمر بالصحيح والضعيف. فرأيت أن هذا التمييز يساعد كل فرد من أفراد الأمة حتى حفاظ الأمة أن يحفظوا الصحيح ويحفظوا الضعيف، نحن الآن يكفينا أن نتذكر أن الحديث

стр. 741

الفلاني في الصحيح في البخاري في مسلم، وإذا نحن على بصيرة من ديننا أن هذا الحديث لا يحتمل أن يكون من الضعيف، أما إذا كان الكتاب يحوي القسمين الصحيح والضعيف فيتذكر الإنسان أن هذا الحديث في سنن أبي داود، وسنن أبي داود فيه الصحيح .. فيه الحسن .. فيه الضعيف وفيه المنكر، وغيره من السنن فيه بعض الموضوعات، فسوف يختلط الحابل بالنابل والصحيح بالضعيف، هذا ما اطمأنت إليه نفسي وانشرح له صدري فما معنى انتقاد: لم فعلت هذا؟ هذا هو اجتهادي فإن أصبت فلي أجران وذلك ما أرجوه من الله ﵎، وإن أخطأت فنقول لأولئك المتقدين: هاتوا عملكم الذي هو أصلح وأنفع من هذا للأمة (فتاوى جدة أهل الحديث والأثر- ٣/ ٠٠: ١٧: ٢٠)

стр. 742

هل في الإسلام قشور ؟ قال رسول الله ﵌: «إذا لبست نعليك فابدأ باليمنى وإذا خلعت فابدأ باليسرى وليكن اليمنى أول ما تنتعل، واليسرى آخر ما تحفى، ولا تمش في نعل واحد، اخلعهما جميعا أو البسهما جميعا». قال الإمام: واعلم أن ما في هذا الحديث من الأدب في الانتعال، والتفريق بين البدء به والخلع، هو مما غفل عنه أكثر المسلمين في هذا الزمان لغلبة الجهل بالسنة، وفقدان المربين للناس عليها، وفيهم بعض من يزعم أنه من الدعاة إلى الإسلام، بل وفيهم من يقول في هذا الأدب: إنه من القشور، وتوافه الأمور! فلا تغتر بهم أيها المسلم، فإنهم - والله - بالإسلام جاهلون، وله معادون من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وقديما قيل: من جهل شيئا عاداه. ومن عجيب أمرهم أنهم يطنطنون في خطبهم ومحاضراتهم بوجوب تبني الإسلام كلا لا يتجزأ، فإذا بهم أول من يكفر بما إليه يدعون، وإن ذلك لبين في أعمالهم وأزيائهم، فتراهم أو ترى الأكثرين منهم لا يهتمون بالتزيي بزي نبيهم ﵌، وإنما بالتشبه بحسن البنا وأمثاله: لحية قصيرة، وكرافيت (عقدة العنق)، وبعضهم تكاد لحيتهم تكون على مذهب العوام في بعض البلاد: «خير الذقون إشارة تكون»! مع تزييه بلباس أهل العلم، العمامة والجبة، وقد تكون كالخرج، وطويلة الذيل كلباس النساء! فإنا لله وإنا إليه راجعون. الصحيحة (٦/ ١/١٤٤ - ١٤٥).

стр. 743

اتهام السلفيين بأنهم لا يهتمون إلا بالعقيدة والعلم

стр. 744

تهم وشبهات: السلفيون يعطون العقيدة أكثر من حجمها .. مداخلة: بارك الله فيك يا شيخنا! في عندي سؤال ثمة له علاقة، يعني: هو منهجي أيضاً في تتمة البحث لكن ما هو في الجانب الفقهي، لكن في الجانب العقائدي .. من المعلوم أن الدعوة السلفية كذلك فيما تدعو إليه كما تدعو إلى تحكيم الكتاب والسنة في فهم السلف الصالح في المسائل العملية والعبادات وغيرها، فهي كذلك تدعو إلى تحكيم الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح وما عرف بالعقيدة السلفية وتعلمها والحرص عليها؛ لأن البداءة بالإيمان بالله ﵎ واليوم الآخر هي من مهمات الإسلام. الشيخ: حق. مداخلة: ولكن هناك شبهات ثلاث هي في الحقيقة تدور حول نقطة واحدة فلذلك أنا أذكر الشبهات الثلاث وهي يعني: حرصاً على الوقت أجمعها الثلاث شبهات ثم بعد ذلك يكون الرد على ما شئتم. فيقولون الشبهة الأولى: يقال: أنه لازم من دراسة العقيدة ما يصح به الإيمان وهذا من الممكن تعلمه في دقائق معدودة. الشبهة الثانية: يقولون: إن دراسة العقيدة على وجه التفصيل ولا سيما في أبواب الردود على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم يدخلوا الناس فيما لم

стр. 745

يوجب الله عليهم معرفته ويعرضهم للافتتان في دينهم كما أن تدريس العقيدة مفصلة يوقع الناس في الحيرة والتذبذب. الشبهة الثالثة: اتهام العلماء السلفيين بأنهم يدندنون حول مسائل الشرك والتوحيد دون أن يدخلوا في بحث ما تحتاج إليه الأمة من تحكيم الشريعة ومصارعة الطواغيت وإنكار المنكر، ومن غير أن ينقلوا الدعوة إلى واقع عملي تطبيقي. يعني: هي ثلاث شبهات لكن في الحقيقة كلها مؤداها عدم دراسة العقيدة وعدم الحرص على .. الشيخ: نعم، أما الشبهة الأولى: فهي كأخرياتها وكأخواتها شنشنة نعرفها من أخزم. الذي يقول: أن العقيدة يمكن تلقيها في دقائق، نسأل هذا القائل: ما هي هذه العقيدة التي يمكن أن يتلقاها المسلم في دقائق؟ هل يعني هو أن يتلقى العقيدة مجملاً في دقائق أم تفصيلياً في دقائق؟ إن قال: مجملاً، نحن نقول: يمكن هذا إجمالاً، كما هو في حديث الإيمان: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه» إلى آخره. أما إن قال: أيضاً يمكن تلقي العقيدة تفصيلياً في دقائق فنحن سنقول له: أولاً: هل تعني العرب أم تعني العجم؟ فمن قوله أعني العرب أليس كذلك - أنت شاعر بالمشكلة انصب حالك يعني: مدافعاً عنهم أو معبراً عن شبهتهم - فسنقول له: جزاك الله خير فإن كنت تقصد العرب فقط فهذه أول خطيئة؛ لأنك تعلم أن الإسلام لم يرسل إلى العرب خاصة وإنما أرسل إلى الناس كافة، ثم نقول: ثانياً: هل تعني العرب الأقحاح الذين يفهمون اللغة العربية لغة القرآن الكريم دون أن يتعلموا؟ فإن قال: نعم، نقول أيضاً: جهلت؛ لأن العرب دخلتهم

стр. 746

العجمة وأصبح من يعيش في عقر البلاد العربية لا يستطيع أن يفهم القرآن وهو نزل بلغة العرب إلا بدارسة مقدمات لغوية وعلوم يسمونها اصطلاحاً بعلوم الآلة ونحو ذلك. حينئذ نتوصل إلى القول بأن هذا العالم الذي يريد أن يعلم الناس العقيدة التي جاءت في الكتاب والسنة، هل هو يعيش في جو يشبه الجو الأول السلفي الأول .. الذي يمثل النبي ﵌ مع أصحابه، أم هو يعيش في أجواء من التفرق الفكري والتفسخ الأخلاقي والسلوكي، أظن أيضاً سيكون جوابه إن شاء الله على الحق أنه يقول: لا، هو يعيش الآن في جو يختلف كل الاختلاف عن الجو السابق. إذاً: هذا الذي يقول: أنه يمكن فهم العقيدة وعلى الوجه التفصيلي الذي جاء في الكتاب والسنة في دقائق فإنما هو يعيش في خيال، ثم نحن نجعله تحت أمر واقع، أعطني نرى العقيدة في دقائق هبني أنا رجل بدوي آت من الصحراء أريد أن أتعلم العقيدة الإسلامية ما فيها؟ مداخلة: هو يربط .. قائل هذا القول يربط بين العقيدة وبين ما تصح به العقيدة، فيقول: إن الإنسان حينما يطالب بالإسلام إنما يؤمر بمعرفة الله معرفة عامة وبأن يشهد أن لا إله إلا الله ويؤمن بما عرف به النبي ﵌ الإيمان أو كما قال النبي ﵌ .. الشيخ: هذا يعود إلى كلامي السابق إجمالاً .. مداخلة: نعم. الشيخ: طيب! لكن هو لا يؤمن معنا بأنه يجب بعد ذلك أن يتعلم الإسلام تفصيلياً على اعتبار أن العلم ينقسم إلى قسمين: علم عيني وعلم كفائي، وهذا ما

стр. 747

أظن أحد ينكره، الآن هو يتكلم عن الرجل .. انظر الآن ضلال هؤلاء الناس الذين يعيشوا في الأحلام يتصورون أولاً: أن مجتمعنا هو مجتمع الرسول ﵇، ثانياً: يتصور كل مسلم مسلم ابن مسلم ابن مسلم والله أعلم أين ينتهي، يتصور أنه اليوم أسلم، يا أخي هناك فرق بين الذي دخل في الإسلام حديثاً وبين الذي يعيش في مجتمع إسلامي فهذا يختلف عن الأول تماماً، رجل كافر يريد أن يسلم ماذا سنقول له؟ قل: أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، أصبح مسلم بشهادة الحديث الصحيح: «فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله». ولا يتعلم لا العقيدة بتفاصيلها ولا العبادة بتفاصيلها ما أظن يصل الجهل إلى الاعتراف بمثل هذا الإسلام المجمل، لا بد أن يقول: لا، يجب عليك فيما بعد أن مثلاً: يتعلم كيفية الطهارة .. كيفية الصلاة .. كيفية الصيام مثلاً إذا جاء شهر رمضان إلى آخره، هذه التفاصيل لا بد أن يتعلمها ليتم إسلامه. ترى! الإيمان أليس كذلك .. هذا الإيمان المجمل الذي نقلته عنهم .. أليس هو: «وبكتبه وبرسله» إجمالاً ترى! إذا جاء التفصيل ماذا يقولون عنه؟ يجب الإيمان إذا جاءه التفصيل .. يجب الإيمان به أم لا؟ مداخلة: لا شك أنه يجب الإيمان به إذا جاءه التفصيل. الشيخ: وهكذا، يعني: هل يتصور أنهم يقولون: لا؟ ! مداخلة: هم لا يقولون لا مثل ما ذكرت هنا يا شيخ، لكنهم وقعوا في الجزء الذي ذكرته أنهم وقعوا في الجهل المطبق حيث أنهم ... الشيخ: نعم، هذا هو، ولذلك فنحن يجب أن نكون وهم أن يكونوا معنا في الواقع، واقعنا الآن والحقيقة هذا الذي يجعل دعوتنا ليست بالسهلة، الناس اليوم

стр. 748

يفهمون أنه ممكن الإنسان يعرف الإسلام كله في جلسة واحدة؛ لأنهم يأتوك بالمثال الأعرابي: «هل علي غيرهن، قال: لا، إلا أن تطوع» يا أخي! ذاك إسلام لم يكمل، جاء من البدو يريد أن يسلم، لكن ما زال الإسلام ينزل بأحكامه بجهاده بكذا بكذا إلى آخره. فنحن الآن لا يجب علينا، بل لا يجوز لنا أن نرجع القهقرى، نحن يجب أن نتبنى هذا الإسلام جملة وتفصيلاً فإذا ما وقع المسلم في مثل هذا الجو المختلف فيه أشد الاختلاف وكما ذكرنا آنفاً مع الدكتور ثلاثة وسبعين فرقة لا ينجوا منها إلا فرقة واحدة: «قالوا: من يا رسول الله! قال: هي التي على ما أنا عليه وأصحابي» نحن الآن ألسنا يجب علينا وعليهم هؤلاء السائلين الشاكين المرتابين ... أليس من الواجب عليهم أن يحرصوا أن يكونوا من الفرقة الناجية؟ لا شك أنه سيكون جوابهم نعم. يا أخي! أنت لست الآن في زمن الرسول تأتي وتجلس مع الرسول وتسمع الحكم منه مباشرةً بينك وبين الرسول أربعة عشر قرناً وفي أمامك وفي طريقك عثرات وعثرات، سيأتيك حديث بل ستأتيك آية لو كنت بين يدي الرسول يكفيك المؤنة إذا أشكل عليك معناها مثل ما وقع بالنسبة لبعض الصحابة حينما أشكل عليهم آية: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] تذكرون الآية والحديث؟ قالوا: «إذاً: أينا ليس ذاك الرجل الذي ظلم نفسه؟ قال: ليس ذاك، ألم تقرؤوا قول الله ﵎: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» فأزال الرسول ﵇ هذه الشبهة من أذهانهم، فأنت أيها المسلم في القرن الرابع عشر في أول الخامس عشر لست في صحبة الرسول حتى إذا أشكل عليك يأتي يعطيك الجواب وتسلم تسليماً، أمامك هذه

стр. 749

المسافات الطويلة، تريد أن تعرف هذا الحديث صحيح أو غير صحيح؟ تريد أن تعرف هذا الحكم هل أخذ من الكتاب أم من السنة أم الإجماع الذي يصير فيه خلاف تارةً في تصحيحه وفي تضعيفه، أم من القياس، ثم هذا القياس هل هو قياس جلي أم هو قياس خفي، الآن وضعنا غير ذاك الوضع يا مساكين وأن الجهل بهذا العلم .. يستسهلوا الأمر ويقول لك: ممكن العقيدة يتعلمها في دقائق معدودة. ولذلك فنحن حقيقة يجب أن نمضي قدماً في طريقنا الشاق الطويل المديد وأنا أقول في بعض الكلمات عندما أذكر قوله ﵇ حينما كان جالساً بين أصحابه فتلا قوله تعالى وخط على أرض خطاً مستقيماً: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] جاء الحديث مصوراً في بعض كتب الحديث بأن الخط المستقيم طويل والخطوط التي حوله خطوط قصيرة .. أنا أفهم من هذا الحديث غير ما نطق به الرسول أكثر مما نطق به الرسول، أي: أفهم الشيء الذي نطق به الرسول زائد ما أشار إليه الرسول بهذا الرسم الرائع البديع الخط المستقيم هو الصراط والخطوط القصيرة هي التي على رأس .. على كل خط منها شيطان يدعو الناس إليه، هذا الشيطان وأنا سمعت هذا بأذني هاتين بعض من يزعمون أنهم يدعون إلى الإسلام ويريدون أن يقيموا دولة الإسلام على طريقة القفز إلى رأس الأهرام بخطوة واحدة. يقولوا: والله دعوتكم الحقيقة صحيحة لكن يا أخي! طريق طويل شاق متى سنصل إلى إقامة الدولة المسلمة والمجتمع الإسلامي .. وأنا أقول: الرسول رسم هذا الخط رداً على هؤلاء يقول لهم: انظروا هذا الخط الطويل حُفَّ

стр. 750

بالمكاره .. انظروا هذه الخطوط القصيرة حفت بالشهوات، فهم يريدون أن يصلوا بالطرق القصيرة هذه ولن يصلوا أبداً وتجربة هذا العصر من طوائف من الجماعات الإسلامية أكبر دليل على أن على رأس كل شيطان عملياً يدعو الناس إليه فيخرجون على الخط المستقيم، ونحن علينا أن نبقى في هذا الخط المستقيم ولا يضيرنا ولا يهمنا أن الناس يقولوا: هذا خط طويل وشاق وو إلى آخره. وبهذه المناسبة يعجبني كلام ذلك الشاعر العربي الجاهلي وأتمنى أن يكون في المسلمين من يكون تفكيرهم في الإسلام كتفكيره في جاهليته هو .. ذلك هو امرؤ القيس الذي قال: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقين بقيصرا فقلت له: لا تبك عينيك إنما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا ما علينا نحن إذا استمررنا نمشي في الصراط المستقيم وما وصلنا لإقامة الدولة المسلمة، هذا العالم الإسلامي صار له قرون يتخبط في البعد عن الكتاب والسنة فإذا نحن أخذنا الصراط المستقيم ومشينا خطوات قليلة .. متى سنصل؟ ! ليس مهم أن نصل المهم أن نمشي في الخط المستقيم، ذلك الجاهلي فهم الحقيقة الواقعية العلمية وإن كان هدفه ماذا؟ هدفه الدنيا .. هدفه الملك .. لكن يقول: نحاول ملكاً أو نموت فنعذر، ونحن هكذا مع ربنا ﵎ نحاول أن نعيد الحياة الإسلامية، وأن نقيم الدولة المسلمة بعد محاولة إعادة الحياة الإسلامية فإن وصلنا فبها وإن لم نصل فلسنا مكلفين؛ لأن الأمر كله بيد الله ﵎، كل ما نحن مكلفين أن نمشي سوياً على صراط مستقيم. لذلك هذه الأسئلة .. هذه الشبهات في الواقع أتت بسبب انحرافهم عن الخط المستقيم إلى خط من هذه الخطوط القصيرة التي تخرج بأصحابها عن الخط

стр. 751

المستقيم. مداخلة: في نفس المسألة في الحقيقة هناك شبهة أيضاً التي تحتاج إلى ذكر لأنه يعاني منها أيضاً السلفيون ليس عندهم شائبة عنف أو من هذا النوع يعني، لكنهم يتصورون العقيدة تصور مرتبط مع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية كالتدمرية وغيرها وردوده على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، فيتصورون أن دراسة العقيدة هي دارسة هذه الكتب فقط فتراهم يعزفون عن دراستها ويعكفون على دراسة كتب أخرى قد تكون تؤدي بهم مع الاستمرار إلى حصول أخطاء منهجية في الحقيقة .. الشيخ: على كل حال نحن نريد من إخواننا أنهم لا يتصورون أن كل فرد منهم يمكن أن يصير عالماً فهو عليه إذا شعر بأنه يجد في نفسه استعداداً للمضي قدماً في طلب العلم فنحن ننصحه حقيقة بأن يقرأ كتب العلماء الذين عرفوا بسلامة منهجهم عن الانحراف يميناً ويساراً والتأثر بعلم الكلام، وإذا كانوا لا يشعرون بأنفسهم شيء من ذلك فعليهم أن يأخذوا العلم سواء كان عقيدة أو كان عبادة من أقرب طريق سواء من علم العلماء الأحياء إذا كان لهم وصول إليهم، أو من الكتب التي ألفت بطريقة موجزة لا تدخل معهم في المجادلات الطويلة مع الفرق المخالفة؛ لأن الخوض في هذه المسائل قد تضر بمن لا استعداد عنده؛ لأن مناقشة المخالفين كثيراً ما تؤدي بالمناقش نفسه أحياناً أن ينحرف بعض الشيء ولو في مسألة واحدة عن الخط الذي ينبغي أن يسلكه مستقيماً. (الهدى والنور /٣٥١/ ٥٠: ١٥: ٠٠)

стр. 752

تهم وشبهات: الدعوة السلفية تعتني بالجانب العلمي وتتحزب له ويصحب ذلك ضعف في التعبد سائل يقول: فضيلة شيخنا الشيخ ناصر هناك من كتب كلاماً عن بعض الفئات ويقصد بها الجماعات، فقال أن هناك من الجماعات من يتحزب على جزء من الدين واعتبر ذلك من ميراث الأمم الهالكة، ثم ذكر جماعة التبليغ ولم يصرح باسمها، وقال أنهم يهتمون بما أسماه بالإسلام التعبدي مع ما يصاحب من ذلك من انحراف في التصور والسلوك، وأنهم يهتمون بما تحت الأرض، ثم ذكر فئة ثانية ونعت أهلها بأنهم يهتمون بالإسلام السياسي وبتكوين الأحزاب السياسية والدخول في البرلمانات وغيرها، ثم ختم ذلك النقد بالسلفيين فقال: وهناك فئة ثالثة تهتم بالإسلام العلمي، فهمهم هو تصحيح الأحاديث وتضعيفها وتحذير الناس من رواية الأحاديث الضعيفة والموضوعة، مع ما يصحب ذلك من الجفاء وضعف في التعبد وغفلة عن واقع الأمة وما يدبر لها. السؤال: شيخنا هل الدعوة السلفية والسلفيين إسلامهم هو هذا الإسلام العلمي الذي نعته هذا الكاتب وهل يصح أن يقال أنهم متحزبون على جزء من الدين وأن هذا من ميراث الأمم الهالكة، وأيضاً أنهم يعيشون في غفلة عن واقع الأمة وما يدبر لها، وأن عندهم ضعف في التعبد، نرجو إلقاء الضوء على هذا

стр. 753

جزاكم الله خيراً. الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: لست على علم بشخص معين يقول مثل هذه الكلمة، بل يوجه مثل هذه التهمة إلى الجماعة السلفية، فإن كان لمثل هذا الشخص وجود، فلا شك أنه أحد رجلين: إما أنه جاهل بواقع الدعوة السلفية وجماعتها التي ينتمون إليها في كل بلاد الإسلام حيث أنهم دائماً يعلنون بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح، كلهم على اختلاف مواطنهم وبلادهم وأشخاصهم يدعون دعوة حق واحدة لا يختلف فيها مطلقاً، بخلاف الجماعات الأخرى التي قد تختلف أفكارها وعقائدها وهي تنتمي إلى حزب واحد أو جماعة واحدة، فإن كان لمثل هذا الشخص وجود فهو كما قلت آنفاً أحد رجلين، إما جاهل لما يعلنه دائماً المتبعون للكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، وإما إنه متجاهل لهذا الواقع وهو يعلن ويدندن دائماً وأبداً بوجوب التعرف على فقه الواقع، فواقع الجماعة السلفية أنهم يدعون إلى اتباع الكتاب والسنة بكل ما فيه من عقائد وأحكام سواء كانت هذه الأحكام عبادات أو معاملات أو سلوك أو نحو ذلك، فلذلك فمن الجهل البالغ والمكابرة الخطيرة جداً جداً أن ينسب إلى هؤلاء الدعاة إلى اتباع الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح خلاف ما يعلنون أنهم ... أما اتهامه إياهم بالجفاء الذي يعني قلة العبادة، فهذه في الحقيقة تهمة لا

стр. 754

يعجز عن أن ينطق بها أي إنسان لا يخشى الله ولا خلاق له في الدنيا ولا في الآخرة، ولذلك فليس لي ما أقوله بالنسبة لهذه الكلمة التي نقلتها آنفاً إلا أن نقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. وكنت أود أن أعرف أن مثل هذه التهمة هل هي مطبوعة في كتاب أو في رسالة أو أنها مسجلة في شريط حتى نعود إليها وأن ندرسها لنكون أولاً على معرفة بها كما نطق بها صاحبها، وثانياً أن نكون دقيقين في نقدها. وأنا حينما أقول ما قلت آنفاً بحق عن الجماعة السلفية فإنما أعني ذلك كدعوة، أما أن لا يكون فيهم أفراد قد ينطبق فيهم مثل هذا الوصف، فهذا لا يمكن إنكاره بالنسبة لأي جماعة مثل هذا الاقتصار على بعض الجوانب من الدعوة الشاملة العامة لا يمكن أن ننزه منها أي فرد من أي جماعة، فنحن نعلم مثلاً أن الدعوة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله سلم صافية نقية من السماء وربى أصحابه عليها، مع ذلك كان في هؤلاء الأصحاب أفراد لم يعملوا ببعض الجوانب من هذه الدعوة، فهذا لا يعني أنهم ما كانوا يتبنون الدعوة بشمولها وبكمالها، وإنما شأن الإنسان أن يخطئ، فإذا أخطأ فرد أو أفراد وخالفوا الدعوة في جانب من جوانبها، فذلك مما ليس بمسلم يخشى الله أن يقلب حقيقة الدعوة التي يعلنها أصحابها لوجود أفراد يخالفونها في بعض جزئياتها، فإن التزم هذا المنسوب إليه هذا الكلام نسبة الجفاء والقصور في العبادة ونحو ذلك؛ بسبب انحراف أفراد عن المبدأ العام، فأظن أن أية دعوة ولتكن هي التي يدعو إليها هو لا بد أن يكون فيهم أفراد وأفراد كثيرون يخالفون ما يدعو هو إليه من الدعوة العامة الشاملة كما يترشح من كلامه، فهل نقول حينئذ: إذا كان هو يعلن أن دعوته عامة شاملة لكل نواحي الإسلام التي جاء بها

стр. 755

الكتاب والسنة أن نقول ليس الأمر كذلك لأنه قد يكون هو نفسه أو قد يكون هو غيره قد قصر فيما بعض ما يدعو الناس إليه، لا يكون هذا عدلاً، بل هو هذا عين الظلم، ونحن نقول هنا بقول ربنا ﵎: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. هذا ما عندي جواباً عن هذا السؤال. مداخلة: جزاكم الله خير. الشيخ: وإياكم. مداخلة: فيما يتعلق بهذا السؤال شيخنا، هل تظنون أن سلفياً يتبنى منهج الكتاب والسنة على فهم السلف أن ينقد الدعوة السلفية وأفرادها هذا النقد الجارح؟ الشيخ: والله هذا يحتاج إلى اطلاع على أسلوب نقده، أما على هذا العرض فيبدو أنه لا يكون كذلك. مداخلة: جزاكم الله خير الشيخ: تفضل. مداخلة: إذا كان هذا الإنسان معلوماً بدفاعه عن عقيدة السلف ولكنه انتقد طائفة من الإخوة أنهم عاكفون على الكتب وغير مهتمين أو غير معطين الاهتمام الكبير لمسائل المسلمين العامة، فكيف يكون حاله شيخنا؟ الشيخ: يكون الحال كهو، إذا لم يهتم بالتحقيق الفقهي وبتصفية الأحاديث

стр. 756

الصحيحة من الضعيفة كيف يكون الحال؟ مداخلة: يعني يبقى قصوراً. الشيخ: وهذا الذي قلته آنفاً. مداخلة: نعم، جزاك الله خير. الشيخ: وإياك. (الهدى والنور /٦١١/ ٣٢: ٠٤: ٠٠). (الهدى والنور /٦١١/ ٠٨: ١٥: ٠٠) (الهدى والنور /٦١١/ ٤٣: ١٥: ٠٠)

стр. 757

تهم وشبهات: السلفيون لا يهتمون إلا بالعقيدة مداخلة: يشاع أو يتهم البعض السلفيين بأنهم مهتمين فقط في قضية التوحيد وخاصة توحيد الأسماء والصفات أكثر من غيره، فلماذا؟ الشيخ: هذا السؤال ألاحظ في الحقيقة أن فيه اعتزالاً وأرجو أن يكون السائل قد قصد ذلك ولم يكن منه رمية من غير رام كما يقال؛ لأنه جاء في ختام السؤال أكثر من غير ذلك. فنقول: صدقت، وهل هذا خطأ أن يهتم الدعاة السلفيون بدعوة المسلمين إلى أس الإسلام ألا وهو التوحيد أكثر من غير ذلك مما هو دون ذلك بكثير؟ فهذا يعني: هو سؤال فيه إشارة إلى أن هذا خطأ، إن كان الأمر كذلك فالسائل هو المخطئ، لماذا؟ لو سألنا أي واحد من هؤلاء الذين ينقمون على السلفيين اهتمامهم بالتوحيد وما يتفرع منه من محاربة الشركيات والوثنيات والخرافات والعقائد الباطلة، إذا قلنا لهؤلاء المنكرين فأي شيء ينبغي أن نهتم أكثر؟ أنا أتحداهم أن يقولوا أن هناك شيء أهم من هذا، نعم يوجد هناك أشياء هامة وهامة كثيرة جداً وقد لا يستطيع أن يقوم بالدعوة إليها أو بفهمها شخص واحد بل ولا أشخاص بل قد لا يستطيع أن يقوم بها جماعة واحدة وإنما جماعات، وكما قيل: العلم إن طلبته كثير ... والعمر عن تحصيله قصير

стр. 758

فقدم الأهم منه فالأهم. فإذا كان الداعية السلفي لا يستطيع أن يبحث مثلاً في السياسة وفي الاقتصاد وفي ... الأشياء تسمى اليوم في العصر الحاضر والاصطلاحات لا يستطيع؛ لأنه لم يعط الإنسان قدرة تتسع وحافظة تتسع لكل ما يجب أن يعلمه جماعة المسلمين فيحيط به فرد من أفردهم هذا أمر مستحيل، والله يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فإذاً: على كل مسلم أن يقوم بواجب من الواجبات خاصة إذا كانت واجبات عينية، فإذا انتهى منها قام بواجبات كفائية، أما لماذا فلان يعمل في كذا ولا يعمل في كذا؟ فهذا خطأ، من من الناس مهما أحسنتم الظن به يقوم بكل شيء يجب أن يقوم به المسلم؟ هذا أمر مستحيل خاصة في باب الفروض الكفائية، مثلاً: أولئك الذين نراهم يشتغلون مثلاً بالناحية السياسية الإسلامية زعموا لماذا لا يهتمون بإصلاح عقائد المسلمين؟ ويعيش الفرد الواحد منهم في حزبهم وفي جماعتهم بضع سنين أو أكثر، ثم يخرج بعد ذلك لم يفقه العقيدة .. لم يفقه معنى لا إله إلا الله التي فهمها العرب في أول الإسلام وهم لا يزالون في كفرهم وفي ضلالهم، لكنهم بعد أن فهموها كفروا بها كما قال الله حكاية عنهم أنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. المسلمون اليوم كثير منهم جداً لا يفقهون هذه الكلمة، فلماذا هؤلاء الذين يشتغلون زعموا بالسياسة ويشتغلون زعموا بالتربية، لماذا لا يعنون بإصلاح العقيدة، لماذا لا يعنون بتصفية الإسلام مما دخل فيه من أحاديث ضعيفة موضوعة، ومن عقائد منحرفة، ولماذا ولماذا؟ هذه أسئلة لا تنتهي أبداً. نحن نكتفي بأن أمثال هؤلاء إذا عملوا بواجب نشكرهم على ذلك؛ لأن هذا

стр. 759

واجب من الواجبات الكفائية، ولكن بشرط أن لا يحاربوا أولئك الناس الذين يقولون عنهم بأنهم صرفوا حياتهم في ماذا؟ الدعوة إلى التوحيد، وهذا فيه شيء من الإنصاف وإلا كثيراً ما سمعنا بل رأيناه مطبوعاً على رسالة هناك في الأردن يقولون: وماذا عند السلفيين؟ سوى أن تحريك الإصبع سنة، وتعليق الساعة الدقاقة في المسجد بدعة، وهو هذا الذي يكتب هذا يعلم أن هؤلاء السلفيين يعالجون أهم قضية اليوم يحتاجها العالم الإسلامي ألا وهي: معرفة أولاً: توحيد الله في عبادته وفي أسمائه وصفاته. وثانياً: إفراد الرسول ﵇ في إتباعه دون الناس أجمعين، هذا هو معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله. السلفيون بفضل الله أنعم الله عليهم أنهم يدعون إلى هذا الإخلاص لله في توحيده وإلى إفراد الرسول ﵇ في إتباعه دون غيره، حتى الأنبياء والرسل فضلاً عمن دونهم من العلماء والصالحين. ولعلكم تذكرون، والشيء بالشيء يذكر حديث جابر بن عبد الله ﵄ الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند وغيره، أن النبي ﵌: «رأى في يد عمر يوماً صحيفة يقرأ فيها قال: ما هذه؟ قال: هذه صحيفة من التوراة كتبها لي رجل من اليهود، فقال ﵊ وهو غضبان: أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ والذي نفس محمد بيده لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» موسى لو كان حياً ما استطاع أن يتبع إلا الرسول ﵇. من يتبع اليوم جماهير المسلمين؟ هل يتبعون الرسول ﵇؟ من المؤسف أن أقول بكل صراحة: خذ أي شيخ تعتقدون فيه العلم، قل له: صف لي كيف كان رسول الله يصلي حتى أصلي صلاته؟ إن كان منصفاً فسيبادرك

стр. 760

بالقول: أنا مذهبي شافعي، وإن كان حنفياً سيقول أنا مذهبي حنفي، إذا سألته عن أركان الوضوء وشروط الوضوء؟ سيقول: أنا حنفي هي أربعة، إذا كان شافعي فسيقول هي ستة، يا أخي! دلني كيف الرسول ﵇ توضأ؟ لا يعرفون الرسول ﵇، وانقطعت الصلة مع الأسف الشديد بينه وبين الرسول فاتبعوا غير الرسول حقيقةً، بينما كان واجبهم أن يفردوا الرسول ﵇ بالاتباع تماماً كما يفردون الله في العبادة؛ لأن هذا حق الله وعبادته وحده لا شريك له، وهذا حق رسول الله ﵌ وهو اتباعه وحده لا شريك له أيضاً في هذا الإتباع. لا نجد اليوم علماء المسلمين يخلصون للرسول ﵇ في اتباعه، بل يتخذون معه أتباع كثيرين وكثيرين .. متبعين كثيرين وكثيرين جداً. إذاً: نحن ندعو إلى تفهيم المسلمين حقيقة هذه الشهادة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلى أولئك الذين يشتغلون بما دون ذلك من الإسلام أن لا يحاربوا هذه الدعوة لأن دعوتهم لا تساوي كما يقول عندنا في الشام: قشرة بصلة، إذا لم يؤمنوا بهذا التوحيد الذي بينه الله ﵎ في كتابه وشرحه نبينا ﵌ في سنته، فربنا يقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] اليوم مئات الألوف من المسلمين يصلون ليس فقط الصلوات الخمس، بل يصلون والناس نيام، يحجون إلى بيت الله الحرام وليس فقط حجة الإسلام بل قد يحجون في كل عام ومع ذلك ففي بيت الله الحرام نسمع الشرك يعمل عمله! ما فائدة هذه العبادات إذا كان ربنا يصرح في كتابه كما سمعتم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقال في حق الكفار:

стр. 761

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. إذاً: نحن إن كان يجوز لنا أن نفخر بأننا ندعوا في أكثر أمورنا ودعوتنا إلى التوحيد وتوحيد الأسماء والصفات، إن كان يجوز لنا أن نفخر بذلك فنحن فخورون جداً؛ لأننا نحقق نصاً في القرآن: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فعلى الآخرين أن لا يحاربوا هذه الدعوة، بل ينقادوا معها حتى يستفيدوا من جهود أخرى التي هي دون تلك الدعوة بدرجات سحيقة وسحيقة جداً. (الهدى والنور / ٧٩٣/ ٤٤: ٢٨: ٠٠)

стр. 762

شبهة: أن الدعوة السلفية طريقها طويل لا ينتهي

стр. 763

تهم وشبهات: ماذا فعل منهجكم؟ ومتى الوصول ؟ مداخلة: شيخنا! أيضاً يوجد إشكال يطرحه البعض في ظل هذه الظروف الأليمة التي يشعر بها المسلمون كلهم حقيقةً، يقول بعض الإخوة الذي نظن فيهم الخير والسداد لكن غمرة العواطف قد تنسي أحياناً بعض الحق، يقولون: ماذا فعل المنهج السلفي والتصفية والتربية التي دعا الشيخ إليها أكثر من خمسين عاماً في ظل هذه الظروف، وماذا قدمت للواقع الإسلامي وللشارع الإسلامي وكذا وكذا .. الشيخ: ما شاء الله. مداخلة: إلى آخر هذا الكلام، فأجبناهم إجابةً تليق بالحال لكن حبذا لو نسمع كلام شيخنا في هذا .. الشيخ: والله أنا أخي .. أن أتكلم بهذا الصدد .. مداخلة: لأن هذا شيخنا شيء عام. الشيخ: مع الأسف! لا، أنت على كل حال تعرف إذا كان ولا بد فلتتحدث لكن أنا أقول: سبحان الله! أن هؤلاء الناس يعني: إخواننا بلا شك مسلمون ولكنهم قوم لا يعلمون، لا يرجعون إلى أصول الشريعة وقواعدها: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي

стр. 764

الحوض» هؤلاء ما أدري! هل هم يجهلون أم هم يتجاهلون؟ هناك حقائق مرة مؤسفة يعلمها كل المسلمين المثقفين، خلاصتها: أن الإسلام اليوم هو غير ذاك الإسلام في ذاك اليوم الأول الأنور، ولئن جادل جاهل في هذه الحقيقة المرة فإننا نذكره: هل كان لذاك الإسلام في اليوم الأول مفاهيم متعددة ورسول ﵌ بين ظهرانيهم أم كان له مفهوم واحد؟ لا شك سيكون الجواب: ليس هناك إلا ما يقدمه الرسول ﵇ إلى أصحابه الكرام، يعود السؤال نفسه: هل الأمر كذلك اليوم .. هل الأمر كما كان في ذلك اليوم في هذا اليوم، أم الإسلام له مفاهيم عديدة وكثيرة؟ أظن أيضاً سيكون الجواب مطابقاً للواقع ألا وهو: أن للإسلام مفاهيم كثيرة وعديدة، يكفي أن هناك ثلاثة مذاهب في العقيدة نجملها بمذهب أهل الحديث .. أهل السنة .. ومذهب الماتريدية .. ومذهب الأشاعرة هذا في العقيدة. وعندنا مذاهب لا تقولوا أربعة، قولوا: أربعين وأكثر في المذاهب الفقهية؛ لأننا مثلاً أنا لا أستطيع أن أقول: إن أهل السنة والجماعة في التعبير العصري الذين يمثلهم المذاهب الأربعة أن هؤلاء فقط المسلمون وما سواهم من الفرق الأخرى وإن كانت ضالة عندنا لكننا ما نستطيع أن نصرح بإخراجهم من دائرة الإسلام مثلاً: الزيدية اليمانية ما نقول: هؤلاء ليسوا مسلمين لكن ليسوا على منهج السنة التي كان عليها السلف الصالح، كذلك مثلاً ننتقل إلى الإباضية الذي هم الآن في سلطنة عمان وغيرها في الجزائر يوجد منهم قسم كبير جداً، هؤلاء ما نخرجهم أيضاً من دائرة الإسلام، وقل كذلك عن الإمامية وعن الشيعة وإلى آخره، فالمذاهب الفقهية أكثر من الأربعة المعروفة اليوم عندنا. ثم إذا انتلقنا من المذاهب الفقهية إلى المذاهب السلوكية أو التربوية

стр. 765

ونجمعها بكلمة الصوفية، أي: الطرق فحدث عنها ولا حرج وبخاصة أنهم يصرحون أو على الأقل بعضهم يقول: الطرق الموصلة إلى الله هي بعدد أنفاس الخلائق. هذا هو الإسلام اليوم، ولا نريد أن نذكر بأن في المسلمين اليوم من يقول .. أن من يقول: وما الكلب والخنزير إلا إلهنا ... وما الله إلا راهب في كنيسة يوجد من يقول اليوم: هذا مسلم، ولا نطيل الكلام لكن حسبي أن أقول: اليوم أكثر المسلمين من أهل السنة والجماعة .. أهل السنة والجماعة وأعني ما أقول يعني: من المذاهب الأربعة اليوم من يقولون دون أن يسألوا ولئن سئلوا أجابوا بما يقولون دون أن يسألوا: الله في كل مكان .. الله موجود في كل الوجود، هؤلاء الذين يسألون هذا السؤال هم إما جهلة أو متجاهلون، وكما يقال: أحلاهما مر. نضطر مع الأسف الشديد أن نقول الآن جواب عن سؤالك: ماذا فعل الألباني؟ وطبعاً هم لا يقصدون الألباني وحده .. هو ومن جرى مجراه وسار مسيرته إلى آخره .. ماذا قدموا للمسلمين ماذا ماذا إلى آخره؟ نحن جوابنا: أولاً: جدلي، وثانياً: علمي، الجدلي: بمعنى نقابلهم بالمثل .. كل من يقول: ماذا فعل فلان وفلان وفلان؟ نقول له: وماذا فعل فلان وفلان وفلان؟ غيره ماذا فعلوا .. ماذا قدموا لرجل الشارع بالتعبير الأوروبي أيضاً هذا .. هذا تعبير أوروبي نحن لا نستحبه أبداً؛ لأن رجل الشارع عندنا يعني: الفكر العام وهذا لا قيمة له في الإسلام، أما عند الأوربيين يهمهم لأنه برلمان .. البرلمان قائم على ماذا؟ على الفكر العام .. انظر كيف يفكر الناس؟ !

стр. 766

مداخلة: قائم على الشوارع .. الشيخ: لذلك نحن لا نقول قولتهم هذه إلا تذكيراً ثم تنفيراً، لكننا نقول: ماذا قدموا للمسلمين؟ الحزب الفلاني أصبح له قرابة قرن من الزمان، والثاني أصبح له قرابة نصف قرن من الزمان، ماذا قدموا بتعبيرهم المستنكر عندنا لرجل الشارع؟ ما قربوا سوى رغوة الصابون! رغوة الصابون فقاعات فارغة بدليل: يظل أحدهم لا يدري معبوده أين هو؟ ولئن سئل بسؤال الرسول ﵇ للجارية: أين الله؟ قف شعر بدنه، قالوا: هذا سؤال أعوذ بالله .. هذا لا يجوز وهم يجهلون أن النبي الذي لا تصح شهادة المسلم لله بالوحدانية إلا إذا قرن معها شاهدته للنبي ﵌ بالنبوة والرسالة هو الذي سن للمسلمين هذه الكلمة: أين الله؟ فأنت إذا وجهت إليهم هذا السؤال قالوا: لقد قف شعري لما قلت ما هذا السؤال؟ لأنه يجهل أن الرسول قال هذه الكلمة. ولو أردنا أن نعاملهم حسب لفظهم لعاملناهم بالمذهب الحنفي .. المذهب الحنفي له خاصية على المذاهب الأخرى وهو أنه واسع الخطو في التكفير مجرد ما مسلم يتكلم بكلمة الكفر انتهى هذا كفر! أما هل يعرف أنها كلمة كفر أو لا يعرف لا يدخلون في التفاصيل، هل قصد أم لم يقصد؟ لا يدخلون في التفاصيل. قلت: لعاملناهم بالمذهب الحنفي، لكن لا نحن حنيفيون ولسنا حنفيون، لماذا؟ لأننا سنقول لهذا القائل: أنت تستنكر على الرسول ولا تدري يا مسكين! لو أنك أنكرت علي أنا لفظاً صدر مني لم أكن متبعاً فيه لنبيي لكان الأمر سهلاً جداً؛ لأنه أنا أتكلم ألفاظ كثيراً وكثيراً ما أعترف فوراً كما سمعتم آنفاً أن هذا اللفظ خطأ لكن أنت تنكر على الرسول ﵇ وهذا لبعدك عن الإسلام. فالآن: جماهير المسلمين يقولون: الله موجود في كل مكان، ماذا فعل الألباني

стр. 767

وأمثاله؟ لا يعلمون ماذا فعل لأنهم بعيدون عن الحرص على معرفة الإسلام الذي أنزله الله على قلب محمد ﵊، أي: فهو يدعو إلى تفهم الإسلام على ما كان عليه سلفنا الصالح .. سلفنا الصالح ومن هذا السلف الجيل الأول الذي تربى على يدي الرسول ﵌ والذي في التعبير العصري الحاضر ولا أرى حرجاً منه: تخرج من مدرسة النبي ﵌، كانوا يقولون: حتى الجارية راعية الغنم كانت تقول كما يقول رب العالمين في القرآن: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] أم أأمنتم من في كل مكان؟ قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧] فالجارية راعية الغنم لما الرسول ﵇ سألها: «أين الله؟ قالت: الله في السماء» اليوم اسأل هؤلاء الذين يقولون: ماذا قدم الألباني وبقية الكلام عرفتموه .. قدم أنه حاول بهذا النصف القرن من الزمان أن يقدم للمسلمين العقيدة الصحيحة التي كان عليها سلفنا الصالح، والحديث طويل في هذا. ننتقل إلى نوع ثان: كل المسلمين على اختلاف حزبياتهم وتكتلاتهم ومذاهبهم وسلوكهم وإلى آخره كلهم يتفقون أن سنة الرسول ﵇ قسمان: صحيح وغير صحيح .. صحيح وضعيف، ثم يختلفون في طريقة تمييز الصحيح من الضعيف، فكل المسلمين يقولون: طريق تمييز الحديث الصحيح من الضعيف هو الرجوع إلى علم يعرف بعلم الحديث أو علم مصطلح الحديث ويضم إليه علم الجرح والتعديل .. كل المسلمين هكذا يقولون والحمد لله لكن لعل هؤلاء الذين ينقمون علينا أننا لا نرفع أصواتنا بإثارة عواطف الجماهير ثم سرعان ما تنطفي لا نفعل فعلهم.

стр. 768

فنقول: نحن مع هؤلاء المسلمين في أن تمييز السنة الصحيحة من الضعيفة هو بالرجوع إلى علم الحديث وقواعده، فأقول: هؤلاء الذين يسألون هذا السؤال يجهلون أن فيمن يشهدون أنه من المسلمين وقد يكونوا من المتعبدين .. من المكثرين من النوافل .. يقولون: لا، طريق معرفة الصحيح والضعيف من الحديث ليس هذا هو الطريق وإنما الطريق هو طريق الكشف، أظن ما فيكم واحد يجهل ما هو طريق الكشف؟ فكلكم يعلم وقد يكون الجهل ببعض العلم هو العلم. الكشف: هو أن الإنسان يغمض عينيه ويطفئ نوره ويزيد المكان الذي هو فيه ظلاماً على ظلام بأن يلقي رأسه بين ركبتيه مغمضاً عينيه مطفئاً النور المادي هذا ثم يراقب وينتظر ماذا ينزل عليه من الوحي الذي يصرحون بألسنتهم أنه لا وحي بعد رسول الله، ولكن يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم؛ لأنهم يسمون هذا الوحي بالإلهام فهو ينتظر نزول الإلهام عليه أن هذا الحديث صحيح أو لا؟ ولذلك كثيراً ما يقولون: هذا الحديث وإن كان لم يصح عند علماء الحديث فقد صح عندنا كشفاً. هذا وأمثاله يجهلون هذه الحقيقة المرة أنه توجد في جماعات ومشايخ ويصلون ويصومون ولكنهم خرجوا عن دائرة الإسلام باتخاذهم طريقاً كيفياً هوائياً لا ضوابط له. تستطيع أنت أن تسأل من يشتغل بالحديث: لماذا هذا الحديث صحيح؟ الجواب المجمل الذي لا يحتاج إلى تفصيل: لأنه يا أخي! رواه البخاري ومسلم، الجواب التفصيلي: أنت درست علم المصطلح؟ رجال الجرح والتعديل إلى آخره؟ نعم .. هذا إسناده من كذا إلى كذا كل رجاله ثقات وعدول

стр. 769

وما فيه انقطاع .. ما فيه إرسال إلى آخره، وإذا قيل: هذا الحديث ضعيف، لماذا ضعيف؟ والله ضعفه الإمام البخاري مثلاً هذا كلام مجمل .. تفصيله: في سنده فلان ابن لهيعة مثلاً وهذا رجل فاضل وعالم لكن كان سيء الحفظ. أما إذا سألت الذي قال لك: تلك الكلمة الخطيرة: هذا الحديث وإن كان ضعيفاً عند علماء الحديث فقد صح عندنا كشفاً كيف سيكون معك؟ يقول لك: يا أخي! ادخل أنت في الطريق حتى تصبح مثلنا وحينئذٍ من لاقى عرف. هذا كله موجود في العالم الإسلامي وهؤلاء الذين لا يشتغلون بالعلم الشرعي لا يعلمون هذا الواقع ثم ينكرون أهمية تصفية الإسلام من العقائد السيئة المخالفة لشريعة الإسلام الأولى، ولا يهتمون بتصفية هذا الإسلام من الأحاديث الضعيفة الموضوعة، فماذا فعل الألباني وأمثاله؟ إنهم قوم لا يعلمون. ثم هناك في التصوف انحرافات خطيرة جداً تتعلق بالعقيدة، وتتعلق بالعبادة، وتتعلق بالسلوك، فكثير منهم من يصوم الدهر والحديث الصحيح يقول: «من صام الدهر فلا صام ولا أفطر» كثير من هؤلاء الشباب الذين يقولون: ماذا فعل الألباني وأمثاله؟ يتعبدون .. يجتمعون في المساجد ليلة الجمعة يحيونها ورسول ﵌ يقول: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام ولا نهارها بصيام» إنهم قوم يجهلون، ماذا فعل الألباني؟ ما عرفوا ماذا فعل؛ لأنهم لا يريدون أن يفعلوا وأن يعلموا. فماذا يقول الإنسان وهو يتحدث عما يفعل وهذا ما هو أمر مستحسن عادةً ولكن كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وبخاصة إذا جاء سؤال محرج كهذا، فجوابنا: أننا نحن نحاول أن نعود بأنفسنا أولاً ثم بغيرنا ثانياً إلى ما كان عليه السلف الأول من الفهم الصحيح للإسلام لما فيه من عقائد وأحكام وسلوك، وهذا لا يمكن إلا بوضع نظام لمعرفة الصحيح من الضعيف

стр. 770

من الأحاديث ونحن على هذا ماضون، ونسأل الله أن يتقبل منا عملنا هذا المتواضع ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. أما الآخرون فقد أشبعوا الأمة صياحاً وزعاقاً ثم تعبيراً على النظام العسكري: مكانك رواح، يعني: ما في تقدم إطلاقاً .. مكانك رواح لا تقدموا علماً ولا تقدموا سلوكاً سوى صياحاً وزعاقاً، والله المستعان. (الهدى والنور/٤٦٥/ ٠٥: ٢٦: ٠٠)

стр. 771

تهم وشبهات: الطريق السلفي لإقامة دولة إسلامية طويل يحتاج إلى سنوات بل قرون الشيخ: يوم نحن نعود مؤمنين حقاً يومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله والله ينصر من يشاء، الآن لا بد من أن نذكر ببعض المشاكل التي يقع فيها العالم الإسلامي كلاً ونحن جزء منه بحديث أو بحديثين، ننظر نحن هل انطبق هذا الحديث علينا أم لا؟ قال ﵊: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» أظن هذا الحديث لا بد قرأته وسمعته إلى آخره. مداخلة: نعم. الشيخ: ما رأيك! أليس يصدق علينا هذا الحديث بكل فقراته: «إذا تبايعتم بالعينة» وهو نوع من أنواع الربا، واليوم الربا فاشٍ من الدولة إلى الشعب صحيح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: طيب! «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر» أي: اشتغلتم بالدنيا: الزرع والضرع وإلى آخره «وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله» نحن متى تركنا الجهاد في سبيل الله، اليوم؟

стр. 772

من زمان أليس كذلك؟ مداخلة: نعم. الشيخ: طيب! «وتركتم الجهاد في سبيل الله» إذا شرطية في اللغة العربية إذا فعلتم كذا وكذا وكذا، ما هو الجواب: «سلط الله عليكم ذلاً» أي: اليهود «لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» لذلك بارك الله فيك الهوينى الهوينى، لا تطلب مجاهدة اليهود: وجاهد النفس والشيطان واعصهما ... وإن هما محضاك النصح فاتهم نحن لازم الآن نتهم أنفسنا، نحن نعتقد أننا نحن ما سلط الله علينا اليهود الذين هم أذل الأمم بنص القرآن الكريم، وإذا نحن صرنا تحت أذل الأمم، ترى! هل ربنا ظلمنا؟ ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] ولذلك إذا كان الرسول ﵇ يقول بلسان عربي مبين: إذا فعلتم كذا وكذا وكذا «سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم» نحن نريد أن نرفع هذا الذل الذي ران بنا وحل علينا، فما هو العلاج؟ مذكور في الحديث الرشدة واضحة وبينة، ولكن مثلنا نحن مثل المريض الذي يقف على يدي طبيب ... ويقدم له الرشدة واضحة، يأخذها ويضعها على الرف بدل ما يعالج نفسه ويعمل ويطبق هذه الرشدة، وإذا هو يزداد مرضاً على مرض حتى يأتيه الهلاك وهو عنده رشدة. وهكذا نحن مثلنا اليوم، فالرسول ﵌ بما جاءنا من الهدى والكتاب المبين المنير قد وصف لنا العلاج: أن هذا الذل إذا وقع فلا يمكن أن يرفع إلا أن ترجعوا إلى دينكم، فإذاً الوصفة موصوفة وما علينا إلا أن نطبقها .. تطبيقها الآن أقول بالتعبير السوري: تريد هز أكتاف .. تريد عمل، لا يكفي ..

стр. 773

مداخلة: أنت قاعد تقول: اهدأ قليلاً. الشيخ: نعم؟ مداخلة: أنت الذي تتبنى وجهة النظر على مهل أيضاً ستمائة .. سبعمائة سنة، نحن نقول لك: دعنا نهز أكتافنا، أنت الذي تقول: لا. الشيخ: أنا أقول لك هذا؟ مداخلة: أنت تقول: اتركوا العواطف. الشيخ: هذه مشكلة كبيرة، أنا أقول: تريد هزة أكتاف، يريد عمل بالكتاب والسنة. مداخلة: شيخ لو سمحت لي ... الذي أسس الحركة الصهيونية لو سمحت لي مات وهو عمره (٣٤) سنة، هو الذي تبنى حركة المؤتمرات الصهيونية إلى الآن كل شيوخنا في المساجد يقفوا ويقولوا: اللهم عليك بالصهيونية، واحد عمره (٣٤) سنة. الشيخ: ماذا نريد بهذا الكلام بارك الله فيك! عندنا الرشدة عندنا الوصفة دعنا نطبقها، دعنا نتفق أن نطبق هذه الرشدة الإلهية وفقط، ماذا يهمنا نحن اليهود وكذا وكذا، نحن نعرف ما وصلوا لاحتلال فلسطين إلا بعد تخطيطات دقيقة ودقيقة جداً هذا شيء معروف، لكن ما هو الحل عندنا نحن، ما الذي يجب علينا أن نفعل؟ أن نتحرق ونتباكى ونهز أكتاف، وأننا نريد أن نقاتل ونجاهد، وبعد ذلك لا يكون باستطاعتنا أن نجاهد، لماذا؟ مداخلة: سيدي الشيخ. الشيخ: لا إيمان ولا إعداد.

стр. 774

مداخلة: لن أجاملك أنت قلت في البداية: أن اترك البحث لذوي الاختصاص. الشيخ: نعم. مداخلة: وأنا أريد أترك البحث لذوي الاختصاص. الشيخ: جزاك الله خير. مداخلة: نحن كرعية نسير خلف علمائنا. الشيخ: ممتاز. مداخلة: إذا في مثل هذا المأزق الذي عشنا فيه وجدنا أن كبار علماء الأمة كل واحد يلاحق أكياسه بدءاً من الرأس من يقال عليه الآن رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رئيس هيئة كبار العلماء عبد العزيز بن باز بماذا أفتى؟ أنا ما هو علمي مقارنةً بعلم عبد العزيز بن باز؟ ما هو علمي مقارنةً بعلم فضيلة شيخ الأزهر؟ عندما يقفوا ويبيحوا أرض الإسلام للكفر، أذهبوا أنتم اجتمعوا في إسطنبول بعد شهر أو شهرين وأنا أتكلم عن الشريط، اذهبوا اجتمعوا بعد شهر أو شهرين في منظمة العالم الإسلامي وأنتم العلماء أنتم أهل الاختصاص اطلعوا ونحن نأثم إذا لم نلتزم، لكن إذا أنتم مع بعض لستم متفقين. الشيخ: رجعنا يا أستاذ إلى لغة العواطف رجعنا لغة العواطف يعني الآن: أنت تضع المسؤولية على العلماء. مداخلة: مائة في المائة. الشيخ: أرجوك ... مداخلة: والله لو كان الأمر بيدي لأجلدهم في الشوارع كلها؛ لأنه عندما أقعد

стр. 775

أنا في الجامع أنا مسكت الشيخ الدكتور عزت العزيزي ومسكت علي الفقير قلت له: يا رجل! أنت قاعد تقول صدام يبيدهم في البيداء، وغداً ما صار ... والله جلست في مكتبي إلى الساعة الثالثة صباحاً وأنا أحسب فيها .. أنا مهندس طيران أحسب، تتذكر أم محمد ونحن نتكلم، أحسب فيها كيف ممكن نحن لو أوكلت مهمة لي أنا مهمة حساب الذخائر الذي أريد أركبها على الطائرات ماذا يمكن أن أفعل؟ طلعت أنه كلام فارغ ليس فيه فائدة، ذهبت إليه اتصلت عليه وهو في بيته قلت له: أنا سآتي إليك يا أبو أسامة، قال: تفضل! ذهبت قلت: يا رجل لا يصلح يكون عندك خمسة آلاف .. ستة آلاف مصلي تقف تقول: صدام يبيدهم في البيداء تجتمع ملة بني الأصفر ولا أدري من على رجل من آشور، ... الجمعة الثانية - هذا الصدق الدكتور عزت - الجمعة التي بعدها من درجة حرارة مائة في المائة غليان إلى درجة عشرة تحت الصفر تجمد. مداخلة: هذا الشيخ الذي ينبه عليه. مداخلة: قلت له: ليس هكذا .. أنت نقصت من درجة الغليان إلى درجة التجمد، يا فضيلة الشيخ! أنتم علماؤنا، وعمر بن الخطاب عندما قال: اللهم هب لي إيماناً كإيمان العجائز من أجل يتهرب من الحساب من أجل يصلي على الفطرة. الشيخ: قال هكذا يعني. مداخلة: نعم هكذا سمعنا هكذا قرأنا علمونا في المدرسة. الشيخ: طبعاً من مشايخكم. مداخلة: أما أنتم عندما تكونوا علماء الأمة، يا أخي اذهبوا اتفقوا في الأول أنتم مع بعض وتعالوا علينا نحن الأميين دينياً دعنا نلحقكم أفتونا، أما إذا أنتم
следующие страницы →