← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

بَابُ الصُّلْحِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الصُّلْحِ»: الصلح لغة: قطع المنازعة. وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين. أما حكمه: فهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع. أما دلالة الكتاب: فقوله ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ .. ﴾ (١)، وقوله ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٢)، وقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣). أما السنة: فقد ثبت عن النبي ﷺ من قوله وفعله ما يدل على ذلك، فمن الفعل ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ» (٤). أما القول فمن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ». قَالُوا بَلَى. قَالَ «إِصْلاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ» (٥)، وعن أبي=

стр. 1087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (١). أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز الصلح بين المتخاصمين. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: أعدل الصلح وأحقه ما اعتمد فيه رضا الله ورضا المتخاصمين ولا يكون ذلك إلا بشرطين العلم والعدل العلم بالوقائع والمعرفة بالواجب وقصد العدل. - الفائدة الثانية: في أنواع الصلح: الصلح على خمسة أنواع: ١ - الصلح بين المسلمين والكفار. ٢ - الصلح بين أهل العدل وأهل البغي. ٣ - الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت الزوجة إعراض الزوج عنها. ٤ - الصلح بين المتخاصمين في غير مال. ٥ - الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهذا هو الذي يريده الفقهاء في تبويبهم بباب الصلح وهو مراد المؤلف هنا. - الفائدة الثالثة: في شروط الصلح: ١ - أن يكون المصالح ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم =

стр. 1088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط. مثال ذلك: ولي اليتيم إذا أسقط بعض دينه وأخذ الباقي فلا يصح الإسقاط لأنه لا يصح تبرعه، اللهم إلا إذا كان في الإسقاط مصلحة لليتيم، كأن يكون مال اليتيم عند مماطل ولا يمكن الحصول عليه إلا بإسقاط بعض المال فهنا يجوز الإسقاط وذلك لأن استدراك بعض الشيء أولى من فوات الكل. ٢ - أن يكون المصالح عنه «الشيء المنازع فيه» مالاً متقوّماً مقدور التسليم أو منفعة مباحة. ٣ - أن يكون المصالح عنه مالاً معلوماً علماً نافياً للجهالة أو ما يقوم مقام المال. وسيأتي إن شاء الله مزيد من التوضيح في ثنايا شرحنا كلام المؤلف على هذه الشروط. الفائدة الرابعة: الصلح في الأموال ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصلح مع الإقرار: وذلك بأن يكون المدعى عليه مقراً بحق خصمه وهو نوعان: النوع الأول: الصلح على جنس الحق ببعضه، كأن يقر له بدين فيضع عنه بعضه كنصفه أو ربعه فيقول وهبتك نصف الدين فأعطني بقيته، أو يقر له بعين كدار أو ثياب أو كتب فيهب له بعضها، ويأخذ الباقي فهذا يصح باتفاق الفقهاء، لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه كما لا يمنع من استيفائه، دليل ذلك قصة جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ =

стр. 1089

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي .. » (١). وأيضاً ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى «يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ» (٢). النوع الثاني: الصلح عن الحق بغير جنسه: وهو ما يسمى بصلح المعاوضة، وصفته أن يكون عليه دين فيصالحه على أرض عوضاً عنه، أو يكون عليه دار فيقرُّ له بها ثم يصالحه عنها على ثوب أو دار أخرى، وهذا النوع جائز باتفاق الفقهاء، ويعد بيعاً، وإن عقد بلفظ الصلح، لأنه مبادلة مال بمال، ويشترط فيه جميع شروط البيع كمعلومية البدل، والقدرة على التسليم والتقابض في المجلس إن جرى بين العوضين ربا النسيئة، وكذلك تتعلق به جميع أحكام البيع كرد المعيب، وحق الشفعة، والمنع من التصرف قبل القبض، وكذلك يدخل في هذا النوع إن صالحه على منفعة في مقابل الدين كما إذا ادعى على رجل شيئاً فأقر به ثم صالحه على سكن داره أو ركوب دابته. القسم الثاني: الصلح على الإنكار «الصلح مع إنكار المدعى عليه»: وهو أن يدعي شخص على آخر عيناً أو ديناً أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحان.

стр. 1090

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مثاله: أن يدَّعي «زيد» على «عمرو» عشرة آلاف ريال، أو يدَّعى عليه سيارة بيده، أو داراً، فأنكر المدعى عليه «عمرو» هذا الدَّين، وبدلاً من الذهاب إلى المحكمة والقضاء أراد المدعى عليه قطع النزاع وافتداءً اليمين، فصالح المدعى عليه المدعي على سبعة آلاف ريال مثلاً فأخذها «زيد» وانتهى ما بينهما. وهذا القسم قد اختلف الفقهاء فيه على قولين: الأول: جوازه، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣) بشرط أن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أن لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع. أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه وما أخذه بكذب نفسه حرام عليه لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. واستدل الجمهور لذلك بعموم الأدلة التي تدل على جواز الصلح. الثاني: قول الشافعية (٤)، وابن حزم (٥) أن الصلح مع الإنكار باطل لا يجوز، واحتجوا لذلك بقول النبي ﷺ «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (٦)، وأيضاً بالقياس على ما لو أنكر الزوج الخلع ثم=

стр. 1091

وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِه (١) أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ (٢) مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ (٣)، أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذلِكَ (٤)، ــ =تصالح مع زوجته على شيء فلا يصح ذلك. وأيضاً لو كان المدعي كاذباً فقد استحل مال المدعى عليه. والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فالحاجة داعية إلى هذا النوع قطعاً للنزاع، فإن المدعي يأخذ عوضاً عن حقه الثابت في اعتقاده، وهذا مشروع، والمدعى عليه يؤديه افتداءً لنفسه من الدعوى واليمين. (١) قوله «وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِهِ»: كأن يكون عند شخص عشرة آلاف ريال فأسقط ثلاثة. (٢) قوله «أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ»: كأن يقرَّ له بعين ثم يصالحه على نصفها أو ربعها أو ما شابه ذلك، فهذا جائز وهو كما سبق يسمى صلح الإقرار، وقد سبق بيان حكمه وأنواعه. (٣) قوله «مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ»: كأن يقول له نعم أنا مقر لك بهذا الدين أو بهذه العين ولكن لا أوفيك دينك أو لا أعطيك عينك إلا بأن تصالحني على شيء منها هبة منك لي أو تبرأني على شيء منها، فهذا لا يصح ولا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه. فهذا حرام ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولأن في هذه الحالة تحولت المسألة إلى معاوضة فتؤدي إلى ربا، فالحاصل أن محل صحة صلح الإقرار ألا يكون ذلك بشرط. (٤) قوله «أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذلِكَ»: أي لا يعطيه حقه إلا بأن يهب له أو يبرأه من بعضه، وهذا لا يجوز أيضاً.

стр. 1092

أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ (١)، ــ (١) قوله «أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ»: مثل أن يصالحه عن عشرة آلاف ريال مؤجله بخمسة آلاف حالة لم يجز. والعلة في ذلك أنه ربا وهو بيع بعض ماله بماله، ولأن بيع الحلول غير جائز. وهذا هو قول الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو الصحيح في مذهب الإمام أحمد (٤)، والرواية الثانية للإمام أحمد، وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وتلميذه ابن القيم (٦)، والشوكاني (٧). بل هي قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي (٨) جواز ذلك لأن فيه مصلحة للدائن وهي أنه تعجل قبض حقه، ومصلحة للمدين وهي براءة ذمته وإسقاط بعض الدين عنه. وقد يحتاج صاحب الحق حقه لعذر من الأعذار، ولا دليل على المنع وليس هذا من الربا، لأن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأصل، وهذا يتضمن براءة ذمته من العوض في مقابلة سقوط الأصل. وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٩).

стр. 1093

وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ الْمَجْلِسِ (١)، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لا يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ (٢) ــ (١) قوله «وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ الْمَجْلِسِ»: سبق بيان ذلك في باب الربا والصرف، وقلنا أنه يجوز بيع الذهب بالورق «الفضة» والعكس، لكن يشترط لذلك شرطان هما: ١ - أن تكون بسعر يومها. ٢ - التقابض قبل التفرق. دليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ أنه سأل النبي ﷺ فقال إني أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير وأخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير أخذ هذا من هذا لأعطي هذا من هذا فقال رسول الله ﷺ «لا بَأْسَ أَنْ تُؤْخَذَ بِسِعِّرِ يَوْمِهَا بِشَّرْطِ أَنْ تَتَفَرَقَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيء» (١). فمتى صالح صاحب الدين المدين عن أثمان بأثمان «كذهب بورق» أو العكس فإنه يجوز ذلك، لكن يعتبر لذلك شروط الصرف لأنه صرف أثمان بأثمان، فيشترط له أن يكون بسعر يومه والتقابض قبل التفرق. (٢) قوله «وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لا يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ»: هذا هو صلح الإنكار، وقد سبق بيانه في أقسام الصلح وقلنا بأن هذا القسم جائز، وهو قول الجمهور.

стр. 1094

فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ (١)، وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَازَ (٢) ــ (١) قوله «فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ»: سبق أن قلنا بأن صلح الإنكار يشترط لجوازه أن يكون المدعي معتقداً صدق نفسه، وأن ما ادعاه حق والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع. أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه فالصلح باطل في حقه، وما أخذه حرام لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. دليل ذلك قوله ﷺ «الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (١)، هذا فيما بينه وبين الله تعالى، أما ظاهراً فإنهما لو ترافعا إلى القاضي في المحكمة حكم بالصلح، وعلى هذا لا يجوز له أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع. مثال ذلك: رجل ادعى أن قطعة الأرض هذه له، وهي أرض مشتركة، فأنكر من بيده الأرض ثم اتفقا على الصلح، فأعطى المدعي عشرة آلاف ريال عوضاً عن الأرض. إن كان المدعي صادقاً والمنكر - المدعى عليه - كاذباً فالأرض حرام على المدعى عليه كالأرض المغصوبة تماماً، وإن كان بالعكس المدعى عليه هو المحق والمدعي هو المبطل فالعوض الذي أخذه عن الأرض حرام. (٢) قوله «وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَازَ»: هذا ما يسمى بالصلح عن المجهول وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من=

стр. 1095

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الصلح، فذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢) إلى جوازه سواء كان عيناً أو ديناً لا سبيل إلى معرفته. ويرى الحنفية (٣) أن هذا النوع لا يجوز إذا كان مما يحتاج إلى التسليم لئلا يفضي إلى المنازعة، كما إذا ادعى حقاً في دار رجل ولم يسلم، فاصطلحا على مال معلوم يعطيه المدعي، أما إذا كان مما لا يحتاج إلى تسليم كترك الدعوى مثلاً فيجوز لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة فهو بمنزلة الإبراء عن المجهول وهو جائز. ويرى الشافعية (٤) أنه لا يجوز الصلح عن المجهول لأن الصلح فرع البيع ولا يصح بيع المجهول. والراجح من الأقوال الثلاثة: جواز الصلح عن المجهول، دليل ذلك ما ثبت عن أم سلمة قالت: «جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ أَوْ قَدْ قَالَ لِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَإِنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ يَأْتِي بِهَا إِسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِّي لِأَخِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَا إِذْ قُلْتُمَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ=

стр. 1096

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» (١)، ولو لم يجز الصلح لأفضى إلى ضياع الحق أو بقاء شغل الذمة على تقدير أن يكون بينهما مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه، وليس الصلح هنا بيعاً وإنما هو إبراء. ذكر بعض الفوائد المتعلقة بهذا الباب: - الفائدة الأولى: اتفق الفقهاء على عدم صحة الصلح عن حق الله، فلا يصح الصلح عن حد الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك، أما حقوق العباد فيجوز الصلح عن كل حق ثابت للمُصالح إذا كان مما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أم لا، وسواء أكان مالاً أم غير مال، فيجوز العفو عن دم العمد في النفس وما دونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في المبيع قطعاً للخصومة والمنازعة. - الفائدة الثانية: الصلح بين الجاني والمدعي: يرى الحنفية (٢) أن الصلح إما أن يكون بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه صح الصلح، وأما إذا كان بغير إذنه فهذا هو صلح الفضولي وهو جائز وصحيح، ويكون الفضولي متبرعاً حيث التزم ببدل الصلح ولا شيء له لأنه أجرى العقد بلا أمر المدعى عليه، وإذا أطلق الفضولي الصلح ولم يلتزم بشيء فَصُلْحُه هذا موقوفٌ على إجازة المدعى عليه. ويرى المالكية (٣) أنه لا يجوز للرجل أن يصالح عن غيره بوكالة أو بغير وكالة =

стр. 1097

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = ويلزم المصالح إذا كانت الدعوى على عين وبإذن المدعى عليه، أما إذا كانت على دين فيصح سواء كان ذلك بإذن المدعى عليه أم لا. أما الحنابلة (١) فإنهم قالوا بجواز الصلح سواء كان عيناً أو ديناً بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه، لكن إن كان الصلح بإذن المدعى عليه فإن الأجنبي يرجع عليه بما أدى، وإن كان بغير إذن المدعى عليه فلا يرجع لأنه أدى عنه ما لا يلزمه فكان متبرعاً. والراجح من الأقوال: ما ذهب إليه الحنابلة لحديث علي وأبي قتادة ﵁ ما حيث قضى عن الميت فأجازه النبي ﷺ ، ويرجع بما أداه إذا كان بإذنه لأنه قد أقره فيما يقوم به من الصلح، وفي حال عدم الإذن لا يرجع عليه بشيء، فإن إلزام المدعى عليه بما لم يقبله فيه مضرة عليه حيث أنه يمكن ألا يثبت هذا الحق المدعى به. - الفائدة الثالثة: تجري على أحكام الصلح أقرب العقود إليه شبهاً، فالصلح عن مال بمال يعتبر في حكم البيع. والصلح عن مال بمنفعة يكون في حكم الإجارة، والصلح على بعض العين المدعاة هبة، والصلح عن نقد بنقد له حكم الصرف، والصلح في دعوى الدَّين على أن يأخذ المدعي أقل من المطلوب لترك دعواه يعتبر أخذ بعض الحق وإبراء الباقي، ونتيجة لذلك فإنه يجري في الصلح أحكام العقد الذي اعتبر فيه وتراعى فيه شروطه ومتطلباته (٢).

стр. 1098

بَابُ الْوَكالَةِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الْوَكالَةِ»: الوكالة في اللغة: بفتح الواو وكسرها، وهي اسم مصدر بمعنى الوكيل، وهي لغة: التفويض والحفظ (١)، يقال: وكلت الأمر إليه أي فوضته إليه. أما في الاصطلاح: فهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة. قولنا جائز التصرف: هو من اجتمعت فيه أوصاف أربعة «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد»، وقولنا فيما تدخله النيابة احترازاً مما لا تدخله النيابة، كالوضوء، والصلاة مثلاً، فلا تدخلها النيابة. فلو قال «وكلتك لتصلي عني، أو لتتوضأ عني» فهذا لا يجوز. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: حكم الوكالة: الوكالة جائزة بالنسبة للموكل لأنها من التصرفات المباحة أي التي أباحها الله، سُنَّة بالنسبة للوكيل لما فيها من الإحسان إلى أخيه المسلم وقضاء حاجته، وقد دلَّ الكتاب والسنة على مشروعيتها. ومن أدلة الكتاب: قال الله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ .. ﴾ (٢)، وجه الدلالة من الآية أن أصحاب الكهف وكلوا واحداً =

стр. 1099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = منهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بطعام، ويكون في ذهابه متلطفاً يعني مستتراً ما أمكنه ولا يخبر عنهم. ومن ذلك أيضاً قول موسى ﵇ لأخيه هارون ﵇ ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي .. ﴾ (١)، وهذه وكالة. أما دليل السنة: فقد ثبت عن النبي ﷺ «أَنَّه أَمَرَ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلا يُعْطِىَ في جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا» (٢). ووكَّل ﷺ عروة بن أبي الجعد ﵁ ليشتري له أضحية بدينار، « .. فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ كَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ» (٣)، فكان لا يبيع شيئاً أو يشتريه إلا ربح فيه. ومن حيث النظر فإن الحاجة داعية إلى جواز الوكالة لأنها من مصلحة العباد، فقد لا يستطيع الإنسان أن يعمل أعماله بنفسه، فمن رحمة الله تعالى أن أجاز هذا النوع من المعاملات فالمصلحة تقتضيه. - الفائدة الثانية: حكم عقد الوكالة: عقد الوكالة جائز بين الطرفين «الوكيل والموكل»، يملك كل واحد منهما فسخه، لأنها من جهة الموكل إذن ومن جهة الوكيل بذل نفع وكلاهما غير لازم وهذا هو الأصل، لكن إن تعلق على عزل الوكيل من الموكل أو من نفسه بعد مباشرته الوكالة وعمله بموجبها ضرر على الوكيل أو الموكل فهنا يلزم عقد الوكالة لأن الوكالة تعلق بها حق الغير.

стр. 1100

وَهِيَ جَائِزَةٌ فِيْ كُلِّ مَا تَجُوْزُ النِّيَابَةُ فِيْهِ (١) ــ =والقول بلزوم الوكالة في تلك الحالة حسن لعموم قوله ﷺ «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (١). - الفائدة الثالثة: أركان الوكالة: للوكالة أركان أربعة: ١ - العاقدان: وهما «الوكيل - الموكل». ٢ - الصيغة: وهي الإيجاب والقبول؛ ويصح الإيجاب بكل لفظ يدل على الإذن، ويجوز القبول بكل لفظ أو فعل يدل عليه على الصحيح. ٣ - الموكل فيه وهو كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات، ويصح في كل حق آدمي من العقود والفسخ والعتق والطلاق والرجعة، وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك. - الفائدة الرابعة: شروط الوكالة: ١ - تعيين الوكيل. ٢ - أن يكون الوكيل والموكل جائزي التصرف. ٣ - أن يكون التوكيل فيما تدخله النيابة. ٤ - أن تكون الوكالة بشيء معين. (١) قوله «وَهِيَ جَائِزَةٌ فِيْ كُلِّ مَا تَجُوْزُ النِّيَابَةُ فِيْهِ»: بين المؤلف هنا حكم الوكالة وقد سبق بيان حكمها، وقوله «في حكم ما يجوز النيابة فيه»، أي فيما يقبل النيابة من العبادات كالزكاة، وكذلك سائر العقود كالبيع والشراء والإجارة والنكاح والطلاق والهبة والصدقة والخلع والصلح والإعارة والإبداع وقبض الحقوق والخصومة والرهن وطلب الشفعة.

стр. 1101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ولا تصح الوكالة في العبادات التي لا تدخلها النيابة كالإيمان، والصلاة، والطهارة. ولا تصح في العقود التي لا تقبل النيابة، كالظهار، والأيمان، واللعان، والنذر. ومن خلال ما ذكرناه يمكن القول بأن الأعمال بالنسبة لجواز الوكالة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: حقوق الله تعالى، وهي نوعان: نوع تدخله النيابة، ونوع لا تدخله النيابة. فالذي تدخله النيابة هي العبادات المالية، أي التي لها تعلق بالمال كالزكاة والصدقات والكفارات وغيرها، فيجوز التوكيل في قبضها وتفريقها. أما الذي لا يقبل النيابة فهي العبادات البدنية المحضة كالوضوء والصلاة والصوم والاعتكاف ونحو ذلك، أما الحج فتدخله النيابة، لكن بشرط العجز من الموكل لحديث الخثعمية حيث قالت يا رسول الله «إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» (١). القسم الثاني: ما كان له تعلق بحقوق الآدميين، وهو أيضاً نوعان: الأول: ما يتعلق بشخص الفاعل كالحدود والقصاص فلا يجوز فيه النيابة. الثاني: ما يتعلق بفعل الفاعل فهذا تدخله النيابة كما سبق بيان ذلك.

стр. 1102

إِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيْلُ مِمَّنْ يَصِحُّ ذلِكَ مِنْهُ (١)، وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ (٢) يَبْطُلُ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٣)، ــ (١) قوله «إِذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيْلُ مِمَّنْ يَصِحُّ ذلِكَ مِنْهُ»: سبق أن بيَّنَّا تعريف الوكالة اصطلاحاً، واشترطنا فيها أن تكون الاستنابة فيمن اجتمع فيه أربعة أوصاف: «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد». فهذه الأوصاف الأربعة لا بد من توفرها في الموكل والوكيل، والقاعدة في ذلك أن كل من له التصرف في شيء - وكان مما تدخله النيابة - فله أن يوكل فيه وله أن يتوكل، ومن ليس له التصرف في شيء فليس له أن يوكل وليس له أن يتوكل. (٢) قوله «وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ»: يعني الوكالة عقد جائز من الطرفين ولكل منهما أن يتخلى عنها متى شاء إلا إذا كان في ذلك ضرر على كل منهما كما سبق فتكون عقداً لازماً في حق أحدهما. (٣) قوله «يَبْطُلُ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا»: هذا أول مبطلات الكفالة فهي تبطل بموت الموكل أو الوكيل لأنها تعتمد على الحياة، فإذا انتفت الحياة انتفت صحتها وذلك لانتفاء ما تعتمد عليه وهو أهلية التصرف. فإذا كان الموكل هو الذي قد مات فإن الموكل به انتقل إلى ملك آخرين لم يأذنوا بتصرف الوكيل، وعلى ورثة الموكل إبلاغ الوكيل بموت موكله ليكف عن التصرف وإلا فهم المسئولون عن كل تصرف قبل علم الوكيل بموت الموكل، وفي حالة موت الوكيل انتفت الوكالة ويجب على ورثته إذا توفرت فيهم الأهلية وكانوا على علم بالوكالة أن يبادروا بإخبار الموكل، والقيام بحفظ كل ما يتعلق بالوكالة.

стр. 1103

وَفَسْخِهِ لَهَا (١)، وَجُنُوْنِهِ (٢)، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ (٣)، ــ (١) قوله «وَفَسْخِهِ لَهَا»: هذا هو الأمر الثاني فيما تبطل به الوكالة وهو الفسخ سواء كان فسخ الموكل أو الوكيل، وقد سبق أنه لا بد أن لا يترتب على الفسخ ضرر على الموكل أو الوكيل والقاعدة في ذلك «إذا تضمن الفسخ ضرراً على أحد الطرفين فإن العقود الجائزة تنقلب لازمة دفعاً للضرر». (٢) قوله «وَجُنُوْنِهِ»: هذا هو الأمر الثالث، فتبطل الوكالة بجنون الوكيل أو الموكِّل لزوال أهلية التصرف، وقد سبق أن أهلية التصرف لا تتحقق إلا بأمور أربعة: «الحرية - البلوغ - العقل - الرشد». ولكن أي أنواع الجنون الذي تبطل به الوكالة؟ قال أهل العلم: الجنون المطبق أي الدائم، أما إذا كان جنوناً مؤقتاً أو كان أحدهما قليل الجنون فهنا لا تبطل لأنها تأخذ حكم الإغماء، والإغماء على القول الصحيح لا تبطل به الوكالة لأنه بمنزلة النوم. (٣) قوله «وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ»: هذا هو النوع الرابع مما تبطل به الوكالة وقد سبق بيان الحجر وما يتعلق به من أحكام، فإذا حجر على أحد المتعاقدين بالوكالة «الموكل - الوكيل» لسفه أحدهما فإن الوكالة تبطل، فإذا حجر على الموكل لسفه فإن تصرفاته غير نافذة في شؤونه الخاصة، فتصرفات وكيله من باب أولى أما الوكيل إذا حجر عليه لسفهه، فإنه لما منع من التصرف فيما يختص به كان الأولى أن يمنع من التصرف في حق غيره. وقول المؤلف «وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ» فهم منه أنه إذا حجر عليه لفلسه أنها لا تبطل لأنه لم يخرج بالفلس عن أهلية التصرف فصحت وكالته، فإن كانت الوكالة متعلقة بما حجر عليه فيه وهو عين ماله بطلت بفلسه لانقطاع تصرفه فيه ولو كان الحجر على الوكيل لم تتأثر الوكالة بذلك لكمال أهليته لأن الوكالة=

стр. 1104

وَكَذلِكَ الشَّرِكَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْجَعَالَةُ وَالْمُسَابَقَةُ (١)، وَلَيْسَ لِلْوَكِيْلِ أَنْ يَفْعَلَ إِلاَّ مَا تَنَاوَلَهُ الإِذْنُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا (٢)، وَلَيْسَ لَهُ تَوْكِيْلُ غَيْرِهِ (٣) ــ = ليست من التصرفات المالية التي سلبت أهليته فيها. (١) قوله «وَكذلِكَ الشَّرِكَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَالْجَعَالَةُ وَالْمُسَابَقَةُ»: أي كل هذه المذكورات تبطل بموت أو عزل أو جنون أو الحجر عليه لسفه أحد المتعاقدين، وسيأتي - إن شاء الله - بيان ذلك موضحاً في موضعه. (٢) قوله «وَلَيْسَ لِلْوَكِيْلِ أَنْ يَفْعَلَ إِلاَّ مَا تَنَاوَلَهُ الإِذْنُ لَفْظًا أَوْ عُرْفًا»: أي ليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله إذن الموكل لفظاً أو عرفاً، لفظاً كأن يقول له بع سيارتي بعشرة آلاف فليس له أن يبيعها بأقل من ذلك، وإن قال له بع سيارتي وسكت لم يبيعها بقرض ولا نسيئة ولا بغير نقد البلد لأن العرف ينصرف إلى ذلك، ولو باعها بثمن المثل أو بأكثر منه فالقرينة العرفية تقتضي صحة ذلك. (٣) قوله «وَلَيْسَ لَهُ تَوْكِيْلُ غَيْرِهِ»: أي ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما أسند إليه نيابة عن الموكل فلو وكَّل إنسان فلاناً من الناس ليبيع له سيارة فليس له أن يوكل غيره، لأن التوكيل كان له بنفسه فقد يكون الموكل يثق فيه هو ولا يثق في غيره، لاسيما في الأمور التي يختلف فيها القصد اختلافاً كبيراً كالزكاة مثلاً إذا وكل بها شخصاً فإنما وكله لعلمه به وثقته به لأن أمرها عظيم وربما يثق في فلان ولا يثق في فلان، فإذا أراد الموكل أن يوكل غيره فلابد من إذن الوكيل. والموكل عند توكيله لغيره له حالات: الحالة الأولى: أن ينهاه الموكل عن التوكيل فهنا لا يجوز له أن يوكل غيره. الحالة الثانية: أن يأذن له في التوكيل فيجوز أيضاً.

стр. 1105

وَلا الشِّرَاءُ مِنْ نَفْسِهِ (١)، ــ الحالة الثالثة: أن يطلق الوكالة فهذا لا يخلو من أربعة أحوال أيضاً: الأولى: أن يكون العمل مما لا يتناسب مع الموكل كالأعمال الدنيئة مع أشراف الناس، كأن يقول لقاضي أو أمير ونحوه إني مسافر وأوكلك في علف دابتي مثلاً فهذه مما لا يفعله الوكيل بنفسه عادة فهنا يوكل من يشتري له علفاً لدابته وإن لم يؤذن له في ذلك. الثانية: أن يكون العمل مما يتناسب معه لكنه عمل كثير لا يستطيع أن يؤديه وحده، كأن يكون وكله في بيع أموال كثيرة، وقال له اصرف هذه الأموال في شهر كذا لا تتعدى هذا الشهر، ولا يمكن له أن يباشر هذه الأعمال وحده وينتهي الشهر ولم ينتهي منها، فهنا يجوز له أن يوكل أحداً معه ويكون إذن الموكل معلوماً من قرينة الحال. الثالثة: أن يكون العمل مناسباً له، ويستطيع أن يؤديه بغير كلفة عليه، فهذا لا يجوز له أن يوكل غيره إلا بإذن الموكل. الرابعة: أن يكون العمل مما يعجز عن القيام بمثله عادة مثل أن يوكل رجلاً ضعيفاً في حمل حجر كبير إلى سطح منزل، فهذا رجل ضعيف لا يستطيع حمل هذا الحجر وحده فله أن يوكل من يحمل هذا الحجر إلى سطح المنزل. (١) قوله «وَلا الشِّرَاءُ مِنْ نَفْسِهِ»: إذا وكل في بيع فإنه لا يبيع على نفسه لأنه متهم في ذلك، وهذا هو المذهب وهو قول الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وعلى ذلك لو وكلته في بيع سيارة أو بيع بيت فباعه على نفسه لا يصح البيع، =

стр. 1106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وذهب المالكية (١)، وهو رواية في مذهب أحمد (٢) إلى جواز البيع على النفس لكن بشرطين: ١ - أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء. ٢ - أن يتولى النداء غيره. والأظهر عندي ما ذهب إليه الجمهور. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: هل له أن يبيع على ولده أو والده ومن لا تقبل شهادته له؟ على روايتين في المذهب (٣): الرواية الأولى: وهي المذهب أنه لا يجوز لحصول التهمة بذلك ولما قد يحصل فيه من المحاباة. - الرواية الثانية: جواز ذلك إلا إذا ظهرت المحاباة لأنه وكله في البيع ولم يقل له لا تبع على هؤلاء، فاللفظ يشمل هؤلاء وهؤلاء، والأحوط عندي أن لا يبيع عليهم لحصول التهمة ولما يحصل فيه من المحاباة. - الفائدة الثانية: قال بعض العلماء إذا كان البيع في المزايدة وانتهى الثمن على ولده أو نفسه فإن البيع يصح لأنه ليس فيه تهمة، والأحوط عندي أن لا يبيع على نفسه حتى وإن كان في المزاد العلني. - الفائدة الثالثة: إذا حدد الموكل الثمن للوكيل وقال بعها بكذا فاشتراها الوكيل لنفسه بالسعر الذي حدده الموكل جاز هذا البيع اللهم إلا إذا كان الموكل لا يعلم سعر السلعة التي حددها وسعرها أكثر مما حددها به والوكيل يعلم ذلك فهذا لا يجوز لما فيه من الغش.

стр. 1107

وَلا الْبَيْعُ لَهَا، إِلاَّ بِإِذْنٍ (١)، وَإِنِ اشْتَرَى لإِنْسَانٍ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيْهِ، فَأَجَازَهُ، جَازَ، وَإِلاَّ لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ (٢) ــ (١) قوله «وَلا الْبَيْعُ لَهَا، إِلاَّ بِإِذْنٍ»: الضمير يعود على الوكيل، أي كما أنه لا يشتري لنفسه لا يجوز أن يبيع لنفسه لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره فحملت الوكالة عليه. (٢) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى لإِنْسَانٍ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيْهِ، فَأَجَازَهُ، جَازَ، وَإِلاَّ لَزِمَ مَنِ اشْتَرَاهُ»: سبق أن بينا حكم بيع الفضولي، وكذلك الحكم هنا قريباً منه وهو أن يشتري الإنسان ما لم يأذن له فيه، اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه إذا اشترى الوكيل شيئاً لم يأذن له فيه الموكل. فإن الشراء صحيح، ويكون موقوفاً على إجازة الموكل فإن أجازه صح ولزم الموكل. وإن لم يجزه لزم الوكيل لأن الشراء صدر منه ولا يلزم الموكل لأنه لم يأذن له في شرائه، وهذا ما ذكره المؤلف، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (١). القول الثاني: أن الشراء له باطل، لأن الموكل لم يرض بخروج نقوده من ملكه على غير الوجه الذي يرتضيه، والبدل الذي وقع عوضاً له خلاف مطلوبه، وهذا قول الشافعية (٢)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣) إذا كان التزم بعين مال الموكل. القول الثالث: أن الشراء صحيح ويكون للوكيل لا للموكل وهذا قول =

стр. 1108

وَالْوَكِيْلُ أَمِيْنٌ (١)، ــ =الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ورواية في مذهب الإمام أحمد (٣)، وذلك لأن العقد يعتمد على صحة عبارة العاقد لكونه أهلاً لذلك، فإذا فسدت الإنابة بقي العقد على أصله وهو الصحة. والأظهر عندي هو القول الأول، وأن حكمه في ذلك حكم تصرف الفضولي في البيع، فالأمر راجع إلى الموكل فهو بالخيار بين الإمساك والرد على الوكيل. (١) قوله «وَالْوَكِيْلُ أَمِيْنٌ»: أي الوكيل مؤتمن على مال الموكل لأن المال حصل بيده بإذن مالكه. لكن ما هو الضابط في حد المؤتمن؟ نقول الضابط كل من كان المال بيده بإذن من الشرع أو إذن من المالك، كولي اليتيم وناظر الوقف والموصي إليه والمستأجر الذي تحت يده العين المؤجرة والوكيل الذي حصلت بيده الوكالة بإذن من الموكل. ومتى ترفع الأمانة؟ ترفع إذا فرط أو تعدى وصارت يده غير أمينة، و ماذا يترتب على كون الوكيل أمين اً؟ يترتب على كون الوكيل أميناً أن القول يكون قوله في دفع الضمان عن نفسه - كما سيأتي إن شاء الله -، بمعنى أنه لو ادعى الموكل عليه التعدي أو التفريط، فأنكر الوكيل ذلك، كان القول قوله مع يمينه في دفع الضمان عن نفسه، لأن مبنى الوكالة على التسامح والتيسير والإرفاق بالناس، فيقبل فيها قول الأمين مع يمينه في دفع الضمان عن نفسه، وإلا امتنع الناس عن الدخول في الأمانات وفي ذلك من الضرر ما فيه.

стр. 1109

لا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْمَا يَتْلَفُ، إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ (١)، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيْ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ وَنَفْيِ التَّعَدِّيْ (٢) ــ (١) قوله «لا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيْمَا يَتْلَفُ، إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ»: ما ذكره المؤلف هنا بيان للحكم الذي يترتب على كونه أميناً، فإنه إذا كان أميناً وتلف المال بيده بلا تعد منه فإنه لا ضمان عليه فيما أتلفه لأنه أثناء قيامه بتنفيذ الوكالة مقيد بما يقضي به الشرع من عدم الإضرار بالموكل لقول رسول الله ﷺ «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ» (١)، ومقيد بما يأمره به الموكل، كما أنه مقيد بما يقضي به العرف إذا كانت مطلقة عن القيود، فإذا تعدى الوكيل فيما تحت يده من مال لموكله أو فرط في المحافظة عليه كان ضامناً لما أتلفه، فلو حمل على الدابة فوق طاقتها أو ضيع المال الذي تحت يده ولا يعرف كيف ضاع أو وضعه في محل فنسيه كان ضامناً لمال موكله، ولكن ما كيفية الضمان؟ نقول: كيفية الضمان تكون كالأتي: إذا كان المال مثلياً كان الوكيل ضامناً لمثله، وإن كان قيمياً ضمن قيمته، وكذلك إذا كان مثلياً وتعذر الحصول على المثل فإنه يضمن، وتعتبر القيمة التي يضمنها الوكيل بقيمة الشيء يوم التعدي والتلف أو الهلاك لا من أي وقت آخر فلا غرر فيما زاد أو نقص فيها عن هذا الوقت، وقد سبق بيان ذلك في باب الضمان. (٢) قوله «وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيْ الرَّدِّ وَالتَّلَفِ وَنَفْيِ التَّعَدِّيْ»: أي القول قول الوكيل في نفي التفريط والتعدي والهلاك مع يمينه وذلك لأن الأصل عدم التفريط ولأن الموكل قد ائتمنه على ذلك.

стр. 1110

وَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ضَمِنَ (١)، إِلاَّ أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ (٢)، ــ - فائدة: هل يقبل قول الموكل في طلب التفصيل بمعنى أن يقول الموكل بأي شيء تلفت؟ وكيف تلف؟ ومتى تلف؟ نقول لا يُلزم بالتفصيل لكن لو ادعاه بسبب ظاهر فقال الدكان قد احترق أو انهدم ونحو ذلك فلا بد من بينة. (١) قوله «وَإِذَا قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ضَمِنَ»: أي إذا قضى ديناً عن الموكل وقد وكله بقضائه عنه ولم يكن مع الوكيل ما يثبت سداده عنه وأنكر الغريم «صاحب الدين» السداد ضمن الوكيل ذلك لأنه مفرط حيث لم يُشهد والمفرط ضامن، فللموكل الرجوع على الوكيل، لأنه أذن له في قضاءً يبرئه، وهذا هو المذهب عند الإمام أحمد (١)، ومذهب الشافعي (٢). وذهب الإمام أبو حنيفة (٣)، وهو وجه لأصحاب الشافعي، ورواية في مذهب أحمد أنه لا يرجع عليه بشيء لأنه لم يطلب إلا أن يكون أمره بالإشهاد فلم يفعل، وعليه فإن صدقه الموكل في الدفع لم يرجع عليه بشيء، وإن كذبه فالقول قول الوكيل بيمينه لأن الوكيل ادعى فعل ما أمره به موكله، فكان القول قوله كما لو أمره ببيع سيارته فادعى أنه باعها، وهذا هو الأظهر عندي. (٢) قوله «إِلاَّ أَنْ يَقْضِيَهُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ»: أي إن قضى الدين بحضرة الموكل فإنه لا يضمن، لأن حضور الموكل مترتب على رضاه بقضاء الدين بغير بينة، وقد سبق الخلاف فيما إذا قضاه عنه بدون حضوره وبغير بينة.

стр. 1111

وَيَجُوْزُ التَّوْكِيْلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِهِ (١)، وَلَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ، فَلَكَ، صَحَّ (٢). ــ (١) قوله «وَيَجُوْزُ التَّوْكِيْلُ بِجُعْلٍ وَبِغَيْرِهِ»: هذا بالاتفاق بين الفقهاء، فالوكالة يجوز فيها الأمران: أن تكون بجعل أو بدون جعل، وقد ثبت عن النبي ﷺ الأمران، فقد وكل أنيساً في إقامة الحد، وعروة بن الجعد في شراء شاة، وعمرو بن أمية الضمري وأبا رافع في قبول النكاح، كل هؤلاء وكلهم بلا جعل، أما ما كان بجعل فقد كان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم جعلاً، ولهذا قال له ابنا عمه ﷺ «قَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ فَجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَنُؤَدِّىَ إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّى النَّاسُ وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ» (١) يعنيان العمالة على الأجرة، فمتى اتفق الوكيل والموكل على الجعل وغيره وجب ذلك اتفاقاً، أما إذا لم يتفقا على الجعل واختلفا في ذلك؟ نقول: إذا لم يتفق الطرفان على الجعل فإن الوكيل لا يخلو من حالين: الحالة الأولى: أن يكون ممن لا يعمل بالجعل فتكون الوكالة هنا تبرعاً لأن الأصل فيها ذلك، فإذا لم يشترط الأجرة حمل على الأصل. الحالة الثانية: أن يكون الوكيل من أصحاب المهن الذين يعملون بالجعل كالسمسار والدلال ونحوه فهنا يستحق الوكيل الجعل ولو لم يتفقا عليه وقت التعاقد ويكون له جعل المثل. (٢) قوله «وَلَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا بِعَشَرَةٍ، فَمَا زَادَ، فَلَكَ، صَحَّ»: وله الزيادة لكن هل يلزم أن يخبر الموكل بثمن البيع؟ نقول لا يلزم.

стр. 1112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهل يلزم أن يخبر المشتري بسعرها الذي حدده الموكل؟ قولان؛ قيل يلزم، وقيل لا يلزم. وهو الصحيح إلا إذا رفع السعر عن حده لأن فيه غبناً. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: شروط استحقاق الجعل في الوكالة: إذا كانت الوكالة بجعل فقد اشترط الفقهاء للاستحقاق بجعل شروطاً هي: ١ - أن يكون العمل الموكل به معلوماً علماً يمكن معه إنفاذ الوكالة. ٢ - أن يكون الجعل معلوم المقدار. ٣ - أن لا يكون الجعل من الموكل به ولو كانت كذلك فسدت التسمية واستحق الوكيل أجر المثل، وهذا الشرط عند بعض الفقهاء. والصحيح: أنه لا يشترط ذلك كما سبق، فلو جعل له جعلاً في قيمة شيء يبيعه لصح. ٤ - أن يقوم الوكيل بتنفيذ الوكالة تنفيذاً صحيحاً. - الفائدة الثانية: إذا عُزِل الوكيل هل بمجرد العزل تنتهي الوكالة ؟ مثل أن يبلغ الموكَل أن وكيله يتصرف في ماله كثيراً فقال أمام الشهود أن قد عزلته، ثم تصرف بعد عزله بدون علمه أنه عزله فهل يضمن ما تصرف فيه؟ نقول قولان: الصواب: أنه لا يضمن إلا بعد علمه بعزله. - الفائدة الثالثة: الوكيل في الخصومة ليس وكيلاً بالقبض لأنه قد يكون أهلاً للخصومة وليس أهلاً للقبض، وكذا الوكيل في القبض ليس وكيلاً في=

стр. 1113

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الخصومة بل لو ذهب وكيل القبض إلى من عنده الحق ثم أنكر فهنا يرجع الوكيل للموكل ويخبره ويطلب توكيله في الخصومة. - الفائدة الرابعة: الوكالة نوعان: وكالة خاصة ووكالة عامة. الوكالة الخاصة: هو ما كان إيجاب الموكل فيها خاصاً بتصرف معين، كأن يوكل إنساناً في بيع سلعة معينة، وفي هذه الحالة لا يكون للوكيل التصرف إلا فيما وكل به. الوكالة العامة: كأن يقول الموكل للوكيل أنت وكيلي في كل شيء أو في القليل والكثير، وهذه محل خلاف بين الفقهاء: وقد ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢) إلى صحة الوكالة العامة ولهم تفصيلات في ذلك. وذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى عدم صحة التوكيل العام لأنه يشترط أن يكون الموكل فيه معلوماً من بعض الوجوه حيث يقل معه الغرر ويحصل معه الخطر.

стр. 1114

بَابُ الشَّرِكَةِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الشَّرِكَةِ»: الشركة في اللغة: مصدر شركتك في الأمر أشركتك شركاً، وشِرْكة، وشَرِكة، أي صرت شريكاً لك في المال. أما في الاصطلاح: فهي الاجتماع في استحقاق أو تصرف، فالاستحقاق يعني أن يشترك شخصان في ملك شيء ملكاه، إما بشراء أو إرث أو هبة أو وصية. أما التصرف: فالمراد به الاجتماع في التصرف بأن يجتمع اثنان في ماليهما بالتصرف فيهما، فيكون لكل واحد منهما التصرف بالشركة بالبيع والشراء ونحوهما، وهذا النوع هو المراد في هذا الباب. أما حكمها الشرعي: فقد جاء بها الكتاب، والسنة، وانعقد الإجماع على جوازها. أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .. ﴾ (١) أي الشركاء، وقال تعالى عن موسى ﵊: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (٢) أي أجعله شريكاً لي في شأني وهو الرسالة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٣)، هذا اجتماع في استحقاق، وتسمى شركة أملاك كما سبق. أما دلالة السنة على جوازها: فقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها حديث=

стр. 1115

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =السائب بن السَّائِبِ «قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كُنْتَ شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكُنْتَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا تُدَارِينِي وَلَا تُمَارِينِي» (١). أما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على مشروعيتها، قال ابن قدامة (٢) في المغني أجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة وإنما اختلفوا في أنواع منها. الحكمة من مشروعية الشركة: الحاجة داعية إليها لما فيها من التعاون والألفة والنصح، وكثرة العمل المثمر، وغير ذلك، لأن من الناس من يملك المال الكثير لكن ليس عنده المهارة الكافية لممارسة التجارة، فهو محتاج إلى من يقوم بذلك، كما يوجد من لا يملك المال وعنده المهارات والخبرات والشيء الكثير، فباجتماع هؤلاء وهؤلاء يستفيد المجتمع كله وتسعد الأمة في بناء اقتصادها بناءً سليماً. - فائدة: حكم عقد الشركة: يرى عامة الفقهاء أن عقد الشركة من العقود الجائزة غير اللازمة بمعنى أن لكل من الشركاء فسخه متى شاء ولو بدون رضا الآخر وذلك لتضمن عقد الشركة توكيل كل شريك لصاحبه والوكالة عقد غير لازم. ويرى الحنفية (٣) أنه لا بد من علم الشريك الآخر بالفسخ، فإن لم يعلم به فلا تنفسخ الشركة حتى يعلم لأن في الفسخ من دون علم شريكه بذلك إضراراً به والضرر ممنوع.

стр. 1116

وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ (١): ــ - فائدة: في أركان وشروط الشركة: أركان الشركة أربعة وهي: الصيغة - العاقدان - المعقود عليه «محل العقد». أولاً: الركن الأول: الصيغة: وهو التعبير الصادر من كل من المتعاقدين الدال على إرادة إنشائه، وتتكون من الإيجاب والقبول وتنعقد بكل ما دل عليه مقصودها من قول أو فعل. الركن الثاني والثالث: العاقدان: وهما طرفا العقد اللذان لا يتم انعقاده إلا بهما، ولابد أن يكون كل من العاقدين ممن تتوفر فيه الأهلية المباشرة للعقد ولا يكون ذلك إلا بأوصاف أربعة كما سبق «البلوغ - الرشد - العقل - كونه غير محجور عليه». الركن الرابع: المعقود عليه: ويقصد به رأس مال الشركة، وقد يكون مالاً وقد يكون عملاً، ولا بد من أن يكون رأس مال الشركة موجوداً، فلا يجوز أن يكون ديناً ولا مالاً غائباً، لأنه لا يمكن التصرف فيه لتحصيل مقصود الربح حيث لا يؤمن أداء الدين وحضور المال الغائب عند الحاجة إليه، أما شروط الشركة بمعناها العام فهي: ١ - أن يكون كل من العاقدين جائز التصرف. ٢ - أن يكون المالان معلومين للشريكين. ٣ - حضور المال، فلا تصح الشركة بمال غائب. ٤ - اشتراط جزء معلوم من الربح لكل منهما. (١) قوله «وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ»: يعني شركة العقود على أربعة أضرب وسيذكرها المؤلف.

стр. 1117

شَرِكَةُ الْعِنَانِ (١)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا بِمَالَيْهِمَا وَبَدَنَيْهِمَا (٢) ــ (١) قوله «شَرِكَةُ الْعِنَانِ»: هذا هو النوع الأول من أنواع الشركات وهي ما تسمى بشركة العنان، والعنان بكسر العين وضمها «العُنان» وهي من إضافة الشيء إلى نوعه لأن الشركات أجناس وأفرادها أنواع، والعنان قيل: أنها مشتقة من أعنة الخيل، فالشريكان كالمتسابقين كل منهما قد أمسك بعنان فرسه. وقيل: من «عنَّ له» إذا طرأ عليه كأن كل منهما طرأ عليه أن يشارك الأخر، وقيل: مشتقة من العُنان من عنَّ يَعِنُّ إذا ظهر أمامك وذلك لظهور مال كل من الشريكين لصاحبه أو لأنها أظهر أنواع الشركة. أما تعريفها في الاصطلاح: فقد اختلف الفقهاء في تعريفها، لكن أولى التعريفات لها أنها: عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم بدفع حصة معينة في رأس مال يتجرون به ويقتسمون ما ينتج عنه من أرباح. (٢) قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا بِمَالَيْهِمَا وَبَدَنَيْهِمَا»: هذا هو تعريفها، وهي أن يشترك شخصان أو أكثر «بِمَالَيْهِمَا»، أي المعلوم بان يدفع كل منهما حصة معينة في رأس المال ولو كان متفاوتاً، كأن يدفع أحدهما عشرة آلاف والأخر خمسة آلاف «بَدَنَيْهِمَا»، أي بأن يعملا في هذا المال ببدنيهما أو يعمل فيه أحدهما بشرط أن يكون له من الربح أكثر من ربح صاحبه. وحكم هذه الشركة: الجواز باتفاق الفقهاء، دليلها ما ثبت عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» (١)، وما ورد عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ=

стр. 1118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بشيء» (١). - فائدة: شروط شركة العنان: ١ - أن يكون رأس المال من النقد دون العروض، وهذا اشترطه صاحب العدة في شرح العمدة، وهو شرط في المذهب، أي يشترط أن يكون رأس المال من النقدين «الذهب والفضة» المضروبين «وهو الذي جعل سكة ونقداً»، وهناك قول آخر في هذا الشرط أنه يصح أن يكون رأس المال من عروض التجارة، لكن يقوَّم عند عقد الشركة بنقد حتى إذا حصل فسخ رجعنا إلى القيمة ويقسم الربح حسب الشرط، وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢). ٢ - أن يكون لكل واحد منهما جزء من الربح، وأن يكون مشاعاً معلوماً، ومعنى كونه مشاعاً أي مشتركاً، فيكون المضارب والمضارب له شريكين في كل حبة، فلو لم يذكر الربح أو شرطاً لأحدهما جزءًا مجهولاً أو دراهم معلومة كأن يقول لك من الربح عشرة آلاف والباقي لي وشرط له ربح شيء يضارب به كأن يقول ربح هذه السيارات لي وربح الأطعمة هذه لك فهذا كله لا يصح لأن الشركة مبنية على أصل وهو اشتراك الشريكين في المغنم والمغرم. ٣ - أن يكون المال معلوماً للشريكين، فلا يجوز أن يكون مجهولاً لأنه لا بد أن نرجع عند فسخ الشركة إلى المال، فكل شخص يريد ماله ولا يمكن الرجوع إلى المال إلا بمعلوميته عند عقد الشركة.

стр. 1119

وَشَرِكَةُ الْوُجُوْهِ (١)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَشْتَرِيَانِ بِجَاهِهِمَا (٢)، ــ ٤ - أن يكون العاقدان جائزي التصرف وقد سبق بيان ذلك. (١) قوله «وَشَرِكَةُ الْوُجُوْهِ»: هذا هو النوع الثاني أو الضرب الثاني من أضرب الشركة في العقود، والمراد بالوجه هنا الجاه، وجاه الإنسان يعني شرفه وقيمته عند الناس ومنزلته بينهم، وتكييفها الفقهي هنا أنها تقوم على الاشتراك والتعامل في البيع والشراء نتيجة لما يتمتع به الشركاء من الوجاهة والثقة عند التجار دون أن يكون هناك رأس مال للشركة، فهي تقوم على شراء شيء نسيئة وبيعه نقداً، وقد اختلف الفقهاء في جوازها. والراجح جوازها لأنها تقوم على البيع والشراء وهو عمل وذلك إلى جانب الوجاهة، كما أنه ليس فيها غرر، وجهالة الكسب لا يمنع الصحة لأن الكسب في كل أنواع الشركات مجهول ولم يمنع صحتها لأن العبرة إنما هي بمعرفة مقدار النصيب من الربح، وما زال الناس يتعاملون بهذا النوع من الشركات، وفي التعامل بهذا النوع من الشركات مصالح كثيرة للفرد والجماعة والإسلام يحرص على مراعاة المصالح. (٢) قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَشْتَرِيَانِ بِجَاهِهِمَا»: وقد سبق بيان ذلك، فما ربح فهو بينهما على ما شرطاه نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً، وكذلك الوضيعة على قدر ملكيهما فيه فما رزق الله تعالى فهو بينهما على ما شرطاه وقد يكون أحدهما أحذق من الآخر ويشترط أن يكون له من الربح أكثر من الثاني وقد يتساويان وكل هذا جائز. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: شركة الوجوه كل واحد من الشريكين وكيل صاحبه وهذا =

стр. 1120

وَالْمُضَارَبَةُ، وَهِيَ: أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ مَالاً يتَّجِرُ فِيْهِ وَيَشْتَرِكَانِ فِيْ رِبْحِهِ (١) ــ =هو مقتضاها فيكون وكيله في البيع والشراء وسائر التصرفات المالية التي هي من مصلحة الشركة. - الفائدة الثانية: شركة الوجوه يكون كل شريك كفيل عن صاحبه بالثمن ما دام أن البائع باع عليهما بجاهيهما، فلو فرض أن أحدهما أخذ السلعة وهرب وبقي واحد منهما، فالذي لم يهرب يضمن الذي هرب. - الفائدة الثالثة: الوضيعة «الخسارة» على قدر ملكيهما، فإذا اتفق على أن يكون لزيد قدر الثلث ولعمرو قدر الثلثين وخسر المال فيكون لعمرو قدر الثلثين من الخسارة، ولزيد قدر الثلث، لأن الوضيعة على قدر المال في جميع الشركات. - الفائدة الرابعة: لو قدَّر أن المال تلف بغير تعدٍ ولا تفريط فهل يضمنان لمن أعطاهما بوجهيهما أو لا؟ الجواب نعم يضمنان، لأنهما أخذا هذا المال على أنه ملك لهما، عليهما غرمه ولهما غنمه، وليس هذا من باب المضاربة أو من باب الأمانة أو ما أشبه ذلك بل هذا بيع وشراء. (١) قوله «وَالْمُضَارَبَةُ، وَهِيَ: أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى الآخَرِ مَالاً يتَّجِرُ فِيْهِ وَيَشْتَرِكَانِ فِيْ رِبْحِهِ»: هذا هو النوع الثالث من أنواع الشركات «شركات العقود» مأخوذة من الضرب في الأرض، كما قال تعالى ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١)، وهذا تسمية أهل العراق أي «شركة المضاربة»، وهي موافقة للقرآن.

стр. 1121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ويسميها أهل الحجاز بالقراض، من القرض وهو القطع، لأن المالك قطع للعامل قطعة من ماله وأعطاها له مقارضة يتجر بها. والمقارضة والقراض: دفع مال إلى شخص يتجر به (١). حكم هذا النوع من الشركات: الجواز؛ فهي جائزة بإجماع (٢) أهل العلم، أما صفتها الشرعية: فهي كما ذكر المؤلف أن يتفق اثنان أو أكثر يقدم أحدهما مالاً والآخر عملاً ويكون الربح بينهما حسب الاتفاق. مثال ذلك: أعطى رجل مائة ألف ريال، وأقول له خذ هذا المال فاتجر به ولك نصف الربح أو ثلثه أو ربعه ولابد من تحقق شروطها وهي التي تم ذكرها في شركة العنان وهذه الشروط هي: ١ - أن يكون العاقدان جائزي التصرف. ٢ - أن يكون المال المتجر به - المضارب به - معلوماً للشريكين. ٣ - أن يكون الربح جزءً معلوماً مشاعاً النصف مثلاً - الربع - الثلث، فإن قال خذ هذا المال مضاربة ببعض ربحه فلا يجوز. أقسام شركة المضاربة، تنقسم المضاربة إلى قسمين: ١ - المضاربة المطلقة: وهي أن يدفع فيها المالك المال مضاربة إلى العامل من غير تقييد العمل والمكان والزمان ومن يتعامل المضارب معه، وهذا النوع يخول للمضارب بما يراه محققاً للمصلحة وبما يتناوله عرف التجار. ٢ - المضاربة المقيدة: وهي التي يدفع المالك المال فيها إلى العامل مضاربة=

стр. 1122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ويعين المكان والزمان أو من يتعامل معه المضارب، والفقهاء يختلفون في هذه القيود وما يجب الالتزام فيها. والراجح عندي أن جميع القيود مقيدة وليس في القول بها مخالفة للشرع وإنما هو الرأي والاجتهاد، أما قول من يقول بأن في التقييد تضيقاً على العامل قد ينتج عنه عدم حصول الربح المطلوب فنقول ما دام أن الشريكين التزما الوفاء بها فإنه يجب الوفاء ويجب على المضارب الالتزام بما شرطه المالك لقوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١). ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: هل تصح المضاربة بالعروض «مثل العقارات - الدور - السيارات» وغير ذلك؟ الجواب: محل خلاف بين الفقهاء من أهل العلم من يمنعه قالوا لأن قيمتها تختلف من وقت لآخر. وقال بعض جمهور الفقهاء بجواز المضاربة بالعروض وقالوا تُقيَّم هذه العروض بداية المضاربة، فيقول كم تساوي مثلاً؟ تساوي مائة ألف ثم يضارب بها، وهذا هو الرأي الراجح لأن الناس يحتاجون إلى ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀ (٢). - الفائدة الثانية: متى يملك المضارب حصته من الربح ؟ هل يملكها بمجرد الربح أم بالقسمة؟

стр. 1123

وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ (١)، وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ (٢)، ــ =قولان لأهل العلم. والراجح أن ذلك حسب الشرط بينهما. فلو قال المضارب حصتك عند الربح فيكون عند الربح، وإن اشترط صاحب المال أن تكون القسمة بعد سنة أو نحو ذلك فلا بد من ذلك، والمضارب هنا يريد مجرد الربح لأنه قد يخسر بعد ذلك فيخصم من الربح السابق، ولذلك نقول هنا حسب الشرط بينهما. وإن لم يكن شرط فالأولى أن يبقى إلى نهاية الشركة إذا كانت نهايتها محددة سنة أو سنتين أو أكثر. - الفائدة الثالثة: متى تبطل المضاربة ؟ تبطل المضاربة بما يلي: ١ - موت أحد المتعاقدين. ٢ - فسخ أحد المتعاقدين. ٣ - مخالفة المضارب للشروط التي اتفق عليها مع صاحب العمل. ٤ - تلف المال قبل التصرف فيه كأن يسرق قبل أن يعطيه المضارب مثلاً. (١) قوله «وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ»: هذا هو النوع الرابع من أنواع شركات العقود، وهي أن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبون من صنائعهم، كالحدادة، والخياطة، والنجارة، وأعمال البناء، ونحو ذلك، أو يشتركوا فيما يكتسبون من المباح كالاحتشاش، والاحتطاب، وسائر المباحات. (٢) قوله «وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيْمَا يَكْتَسِبَانِ بِأَبْدَانِهِمَا مِنَ الْمُبَاحِ»: أي ليس فيها مال وإن كان كل واحد منهما عنده مال لكن لم يشتركا فيه وقوله «مِنَ الْمُبَاحِ» خرج منه ما ليس مباحاً فلا يجوز أن يشتركا في صناعة خمر مثلاً.

стр. 1124

إِمَّا بِصِنَاعَةٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ (١) كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ آتِ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ (٢)، ــ (١) قوله «إِمَّا بِصِنَاعَةٍ، أَوْ احْتِشَاشٍ، أَوِ اصْطِيَادٍ أَوْ نَحْوِهِ»: أو غير ذلك من الأعمال الحديثة كهندسة أو ميكانيكا أو كهرباء أو طب ونحو ذلك، فكل هذا جائز. (٢) قوله «كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيْرَيْنِ، وَلَمْ آتِ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ» (١). هذا الأثر رواه أبو داود، والنسائي، وقد سبق تخريجه. ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأولى: إذا مرض أحد في شركة الأبدان فالكسب بينهما على ما شرطاه إذا كان النصف أو الربع أو الثلث حسب ما شرطاه، لكن هل لصاحبه أن يفسخ الشركة؟ نقول نعم وله أن يطالبه بمن يقوم مقامه. - الفائدة الثانية: لو ترك أحد المتعاقدين في شركة الأبدان العمل بغير عذر فالمذهب (٢) أن الكسب بينهما لأنه لا يمكن للشريك أن يطالب شريكه بمن يقوم مقامه ولم يفعل. والصواب عندي أن ما كسبه في هذا اليوم الذي تغيب فيه شريكه بغير عذر فهو له يعني يختص به وحده لأنه ترك العمل بغير عذر والآخر انفرد بالكسب وحده.

стр. 1125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - الفائدة الثالثة: من أنواع الشركات التي لم يذكرها المؤلف شركة المفاوضة ومعناها أن يشتركا في جميع الشركات السابقة «العنان - الأبدان - الوجوه - المضاربة»، وهي أن يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي من أنواع هذه الشركات، وهذا ما عليه أكثر الشركات اليوم. وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من الشركات: فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها، وقال لو أننا أجزنا هذه الشركة وهي واسعة فلا تمكن الإحاطة بها، فهي مفاوضة قد تؤدي إلى الفوضى والغرر. والصواب: أنه لا مانع من هذا النوع من الشركات بل عمل أكثر الناس عليه والحاجة تدعو إليها. - الفائدة الرابعة: الحكم الشرعي في بعض الشركات المعاصرة ؟ من المعلوم أنه قد استجد في الآونة الأخيرة شركات كثيرة كالشركات المدنية التي تقوم على أعمال مدنية، مثل الشركات التي تقوم بأعمال المناجم، أو التي تقوم بشراء الأراضي وبيعها، أو الشركات التجارية، وغير ذلك من الشركات المعاصرة. نقول هذه الشركات وغيرها لا تخرج عن القواعد الشرعية للشركات الواردة في الفقه الإسلامي. ولذلك نقول بجواز هذه الشركات لما يلي: ١ - أن الأصل في العقود الإباحة والجواز لأن الله تعالى قد أمر بالوفاء بالعقود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ .. ﴾ (١).
следующие страницы →