إِذَا لَمْ تُقْسَمْ تَرِكَةُ المَيِّتِ حَتَّى مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ، وَكَانَ وَرَثَةُ الثَّانِيْ يَرِثُوْنَهُ عَلى حَسْبِ مِيْرَاثِهِمْ مِنَ الأَوَّلِ، قَسَمْتَ التَّرِكَةَ عَلى وَرَثَةِ الثَّانِيْ وَأَجْزَأَكَ (١)، وَإِنِ اخْتَلَفَ مِيْرَاثُهُمْ، صَحَّحْتَ مَسْأَلَةَ الثَّانِيْ، وَقَسَمْتَ عَلَيْهَا سِهَامَهُ مِنَ الأُوْلى، فَإِنِ انْقَسَمَ، صَحَّتِ المَسْأَلَتَانِ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الأُوْلى (٢)،
ــ
(١) قوله «إِذَا لَمْ تُقْسَمْ تَرِكَةُ المَيِّتِ حَتَّى مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ، وَكَانَ وَرَثَةُ الثَّانِيْ يَرِثُوْنَهُ عَلى حَسْبِ مِيْرَاثِهِمْ مِنَ الأَوَّلِ، قَسَمْتَ التَّرِكَةَ عَلى وَرَثَةِ الثَّانِيْ وَأَجْزَأَكَ»: هذه هي الحالة الأُولى من المناسخات، وهي أن يكون ورثة الميت الثاني هم بقية ورثة الميت الأول، وإرثهم من الثاني كإرثهم من الأول فتقسم التركة على من بقي من الورثة كأن الميت مات عنهم.
وقد سبق بيان ذلك مفصلا وقلنا إِذَا كان ورثة الثاني هم ورثة الأول فيُكْتفى بقسمة التركة بين الورثة الموجودِين، باعتبارِ أَن المتوفى الثاني لم يكن حيا حين وفاة المتوفى الأول، ولا داعي لقسمة التركة بين ورثة الأول، ثم ورثة الثاني؛ لأنهم لم يتغيروا، وإن لم تنقسم ضربت الثانية أو وفقها في الأولى ثم كل من له شيء من الأولى أخذه مضروبا في الثانية أو وفقها ومن له شيء في الثانية أخذه مضروبا في سهام مورثه أو وفقها، فلو مات شخص عن بنين وبنات من زوجة واحدة، ثم مات أَحدهم قبل قسمة التركة، ولا وارث له سوى إِخوته الباقين، فيكتفي بقسمة واحدة بينهم للذكر مثل حظ الأْنثيين.
(٢) قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ مِيْرَاثُهُمْ، صَحَّحْتَ مَسْأَلَةَ الثَّانِيْ، وَقَسَمْتَ عَلَيْهَا سِهَامَهُ مِنَ الأُوْلى، فَإِنِ انْقَسَمَ، صَحَّتِ المَسْأَلَتَانِ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الأُوْلى»: هذه هي الحالة الثانية من المناسخات، وقد سبق بيانها مفصلا، وهذا مثال أخر يزيدها وضوحاً.
стр. 1472
وَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ، ضَرَبْتَ الثَّانِيَةَ، أَوْ وَفْقَهَا فِي الأُوْلى، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُوْلى مَضْرُوْبٌ فِيْ الثَّانِيَةِ أَوْ وَفْقَهَا، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ فِيْ الثَّانِيَةِ مَضْرُوْبٌ فِيْ سِهَامِ الْمَيِّتِ الثَّانِيْ أَوْ وَفْقَهَا (١)،
ــ
=هلك هالك عن أُم وعم ثم مات العم عن بنت وابن عم:
فمسألة الميت الأول من ثلاثة: للأم الثلث واحد، وللعم الباقي اثنان.
ومسألة الميت الثاني من اثنين: للبنت النصف واحد، ولابن العم الباقي واحد، فتصح مسألة الميت الثاني مما صحت منه مسألة الميت الأول لأن نصيبه من الميت الأول منقسم على ورثته وإن لم ينقسم ميراث الميت الثاني من الميت الأول على ورثته فإننا نضرب ما صحت منه المسألة الثانية التي للميت الثاني إن حصل بينها وبين مسألة الميت الأول تباين أو نضرب وفقها إن حصل توافق بينهما في الأولى ثم كل من له شيء من الأولى أخذه مضروبا في الثانية في حال المباينة أو مضروباً في وفقها في حال الموافقة ومن له شيء من الأولى أخذه مضروبا في الثانية أو وفقها ومن له شيء في الثانية أخذه مضروبا في سهام الميت الثاني أو مضروباً في وفقها في حال الموافقة هذه هي طريقة القسمة وقد ذكرنا أمثلة لذلك كله.
(١) قوله «وَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ، ضَرَبْتَ الثَّانِيَةَ، أَوْ وَفْقَهَا فِي الأُوْلى، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُوْلى مَضْرُوْبٌ فِيْ الثَّانِيَةِ أَوْ وَفْقَهَا، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ فِيْ الثَّانِيَةِ مَضْرُوْبٌ فِيْ سِهَامِ الْمَيِّتِ الثَّانِيْ أَوْ وَفْقَهَا»: أي وإن لم ينقسم ميراث الميت الثاني من الميت الأول على ورثته فإننا نضرب ما صحت منه المسألة الثانية التي للميت الثاني إن حصل بينها وبين مسألة الميت الأول تباين أو ضربت وفقها إن حصل توافق بينهما في الأولى ثم كل من له شيء من الأولى أخذه=
стр. 1473
ثُمَّ تَفْعَلُ فِيْمَا زَادَ مِنَ المَسَائِلِ كَذلِكَ (١)،
ــ
=مضروبا في الثانية في حال المباينة أو مضروباً في وفقها في حال الموافقة ومن له شيء من الأولى أخذه مضروبا في الثانية أو وفقها ومن له شيء في الثانية أخذه مضروبا في سهام الميت الثاني أو مضروباً في وفقها في حال الموافقة هذه هي طريقة القسمة وقد ذكرنا أمثلة لذلك كله.
(١) قوله «ثُمَّ تَفْعَلُ فِيْمَا زَادَ مِنَ المَسَائِلِ كَذلِكَ»: أي ثم تفعل في الميت الثالث وكذا الرابع والخامس ومن يليهم قلوا أو كثروا كما عملت في الميت الثاني مع الأول فتصحح الجامعة للأوليين وتعرف سهام الميت الثالث منها، وتقسمها على مسألته فإما أن تنقسم أو توافق أو تباين كما مر بيانه فيما سبق.
стр. 1474
بابُ مَوَانِعِ المِيْرَاثِ (١)
وَهِيَ ثَلاثَةٌ: أَحَدُهَا: اخْتِلافُ الدِّيْنِ، فَلا يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ أَهْلَ مِلَّةٍ أُخْراى؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ» (٢)،
ــ
(١) قوله «بابُ مَوَانِعِ المِيْرَاثِ»: المانع في اللغة: الحائل بين الشيئين.
وفي الاصطلاح هو ما يلزم من وجوده العدم, والمراد بموانع الإرث ما يكون عند حصوله سبب يمنع من حصول الإرث.
- فائدة: تنقسم موانع الإرث إلى قسمين:
الأول: ما يمنع من الجانبين وهو اختلاف الدين والرق, فلا يرث المخالف في الدين لمن خالفه، ولا يرثه من خالفه، ولا يرث الرقيق ولا يورث كما سيأتي بيان ذلك قريباً.
الثاني: ما يمنع من جانب واحد وهو القتل، فالقاتل لا يرث من المقتول، والمقتول يرث من القاتل إذا مات القاتل قبله. وموانع الإرث المتفق عليها ثلاثة كما سيذكر ذلك المؤلف.
(٢) قوله «وَهِيَ ثَلاثَةٌ: أَحَدُهَا: اخْتِلافُ الدِّيْنِ، فَلا يَرِثُ أَهْلُ مِلَّةٍ أَهْلَ مِلَّةٍ أُخْراى؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ» . هذا هو أول موانع الإرث, وهو اختلاف الدين وهو أن يكون أحدهما - يعنى الوارث والموروث - على ملة والثاني على ملة أخرى مثل أن يكون أحدهما مسلماً والثاني كافراً، أو أحدهما يهودياً والأخر نصرانياً أو لا دين له, ونحو ذلك فلا توارث بينهما لانقطاع الصلة بينهما شرعاً فقد قال الله تعالى لنوح ﵊ ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ =
стр. 1475
وَالْمُرْتَدُّ لا يَرِثُ أَحَدًا (١)،
ــ
=الْجَاهِلِينَ﴾ (١) , وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٢).
- فائدة: استثنى بعض أهل العلم من ذلك مسألتين:
الأولى: الإرث بالولاء فلا يمنعه اختلاف الدين بل يرث المولى من له عليه ولاء وإن كان مخالفاً له في دينه لحديث عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ» (٣).
والصحيح ما ذهب إليه أكثر أهل العلم أن اختلاف الدين مانع من التوارث مطلقاً أي سواء كان التوارث بالقرابة أو بالولاء أو النكاح أما حديث جابر فهو ضعيف لا تقوم به الحجة في هذا الباب.
الثانية: إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة فيرث من قريبه المسلم ترغيباً له في الإسلام، وهذا قول الإمام أحمد.
والصحيح: أن الكافر لا يرث المسلم حتى لو أسلم قيل قسمة التركة, لأن المواريث قد وجبت لأهلها بموت المورث.
(١) قوله «وَالْمُرْتَدُّ لا يَرِثُ أَحَدًا»: المرتد لغة: الراجع، قال تعالى ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ (٤) , أما في الاصطلاح: فهو الذي يكفر بعد إسلامه طوعاً بنطق أو اعتقاد أو شك أو فعل، فمن ارتد بعد إسلامه بهذا الوصف فإنه =
стр. 1476
وَإِنْ مَاتَ فَمَالُهُ فَيْءٌ (١). الثَّانِيْ: الرِّقُّ، فَلا يَرِثُ العَبْدُ أَحَدًا، وَلا لَهُ مَالٌ يُوْرَثُ (٢)
ــ
=لا يرث أحداً لا أباه ولا أمه ولا أبنه لأنه مرتد مخالف وليس على دين, ولا يرث كافراً، لأنه يخالفه في حكم الدين، لأنه لا يقر على كفره، فلم يثبت له حكم الدين الذي أنتقل إليه، ولهذا لا تحل ذبيحتهم ولا نسائهم.
وإن انتقلوا إلى دين أهل الكتاب ولو أرتد متوارثان، فمات أحدهما، لم يرثه الأخر، فإنه المرتد لا يرث ولا يورث، وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية في مذهب الإمام أحمد (٢).
وذهب شيخ الإسلام (٣) إلى أن المرتد يورث، واستدل لذلك بأن الصحابة ﵃ في أيام الردة يورثون أهل المرتدين من أموال المرتد.
والصواب: أن المرتد لا يرث ولا يورث لعموم قوله ﷺ «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٤)، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (٥)، وهو قول جمهور الفقهاء.
(١) قوله «وَإِنْ مَاتَ، فَمَالُهُ فَيْءٌ»: يعني يكون ماله لبيت مال المسلمين، يصرف في المصالح العامة كبناء المساجد، وبناء المدارس، وإعطاء الفقراء ونحو ذلك.
(٢) قوله «الثَّانِيْ: الرِّقُّ، فَلا يَرِثُ العَبْدُ أَحَدًا، وَلا لَهُ مَالٌ يُوْرَثُ»: هذا هو الصنف الثاني ممن لا يرثون ولا يورثون وهو العبد، ويعرف أهل العلم الرق بأنه عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر, يعني: أن السبب الأصلي هو أنه كافر، ولما استولى عليه المسلمون اشتروه، وأصبح مملوكاً أي عاجزاً عجزاً=
стр. 1477
وَمَنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، وَرِثَ وَوُرِثَ (١).
ــ
= حكمياً لا عجزاً حسياً، ومعنى العجز الحكمي أنه لا يملك لنفسه شيئاً، فلا يستطيع أن يسافر إلا بإذن سيده، ولا يبيع ولا يشتري إلا بإذن سيده ولا يتزوج إلا بإذن سيده، وكذلك لا يملك شيئاً إلا بإذن سيده، فهو مولى عليه مملوكً، وهذا هو معنى العجز الحكمي، ولما كان العبد بهذه المنزلة فإنه لا يرث لأنه لا مال له في الحقيقة، فلو كان لهذا الرقيق أخوان حران فمات أحدهما فإن المال كله للحر ولا يرث أخاه الرقيق، لأنه إذا أخذ شيئاً من المال أخذه السيد، والسيد أجنبي.
وقوله «وَلا لَهُ مَالٌ يُوْرَثُ» لأنه لا يملك ولأنه لا مال له فيورث كما سبق لقوله ﷺ «وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (١).
- فائدة: الأسير عند الكفار هل يرث ؟ نقول: إذا علمت حياته فإنه يرث، لأن الكفار لا يملكون الأحرار بالقهر، فهو باق على حريته، فيرث كالمطلق.
(١) قوله «وَمَنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، وَرِثَ وَوُرِثَ»: أي المبعض، وهو من بعضه رقيق وبعضه حر يرث ويورث بجزئه الحر ويحجب على مقدار ما فيه من الحرية، ولا يرث ولا يورث بالقدر الباقي فيه من الرق: اختلف الفقهاء في توريث المبعض: فذهب ابن عباس ﵄ وبه قال الظاهرية (٢)، وهذا المذهب عند الحنابلة (٣)، ووجه عند الشافعية (٤)، وهو ما ذهب إليه المؤلف أنه يرث ويورث على قدر ما فيه من الحرية والرق.
стр. 1478
الثَّالِثُ: القَتْلُ، فَلا يَرِثُ القَاتِلُ المَقْتُوْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ (١)،
ــ
القول الثاني: أنه لا يرث ولا يورث بل يكون ما ملكه لسيده كما لو كان رقيقاً وهذا هو قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣) في المذهب عندهم, وهو اختيار شيخنا ﵀ (٤).
والصحيح: هو القول الأول، فالمبعض يرث على قدر ما فيه من حرية ورق، لأن الحكم يدور مع علته لكن ما كسبه أو ورثه بجزئه الحر فليس لمالك باقيه منه شيء وإنما يكون لورثة المبعض.
فلو خلف بنتاً نصفها حر، وأما وأباً حرين، فللبنت نصف ميراثها وهو الربع وللأم مع حريتها ورق البنت الثلث والسدس مع حرية البنت، فقد حجبتها بحريتها عن السدس فبنصف حريتها تحجبها عن نصفه ويبقى لها الربع لو كانت حرة فلها بنصف حريتها نصفه وهو الثمن والباقي للأب.
مثال أخر: ابن نصفه حر، وأُم حرة، وعم حر، فلو كان الابن كامل الحرية كان للأم السدس من ستة، وله الباقي، وهو نصف وثلث، وهو خمسة، وبتبعيضه له نصف ماله لو كان حراً، وهو ربع وسدس «٢.٥ =ربع + سدس»، وللأم «ربع= ١.٥ وهو سدس ونصف سدس»، وذلك ربع المال، والباقي وهو ثلث المال للعم تعصيباً.
(١) قوله «الثَّالِثُ: القَتْلُ، فَلا يَرِثُ القَاتِلُ المَقْتُوْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ»: هذا هو المانع الثالث من موانع الإرث وهو القتل، والقتل الذي يمنع الإرث هو ما أوجب=
стр. 1479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قصاصاً أو دية أو كفارة، فإذا قتل الأخ أخاه عمداً وكان له أخوة آخرون فإنه لاحظ له في ميراثه، بل ميراثه لإخوانه الآخرين دون القاتل.
ويتحقق في القاتل أمور منها: القتل قصاصاً إن كان عمداً أو الدية والكفارة إن كان قد قتله خطأ، أما الأب فإن قتل ابنه فلا قصاص لأن الأب لا يُقتل بإبنه ولكن عليه الدية, فيدفع الدية لأولاده ولأمه وذلك لأنهم ورثته، ولا يرث الأب لأنه قاتل مع بقاء سبب الإرث وهو القرابة.
و هل جميع القتل يسقط الميراث ؟
على خلاف بين أهل العلم, فذهب الشافعية (١) إلى أن القتل مطلقاً يمنع من الميراث سواء كان بحق أو بغير حق، حتى من له مدخل في القتل من شهادة أو حكم أو نحوها لعموم قوله ﷺ ، ولأن توريث القاتل يفضي إلى تكثير القتل، لأن الوارث ربما استعجل موت مورثه، ليأخذ ماله.
وذهب الحنفية (٢) إلى أن القتل المانع من الميراث هو القتل بغير حق وهو المضمون بقصاص أو كفارة، وهو القتل مباشرة من مكلف، وإذا كان القاتل غير مكلف فلا يمنع من الميراث، وكذلك القتل بحق كالدفاع عن النفس أو القصاص لا يمنع الميراث، لأن الحرمان إنما شرع عقوبة على القتل المحظور والقتل بحق غير محظور.
أما المالكية (٣) فذهبوا إلى أن القتل المانع من الميراث هو القتل العمد, وأما قتل الخطأ فيرث من المال دون الدية وحجتهم أن منع القاتل من الميراث عقوبة، =
стр. 1480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والمخطئ لا عقوبة عليه كما لا قود عليه.
أما الحنابلة فقد ذكر المؤلف مذهبهم وهو أن القتل المانع من الميراث هو القتل بحق، أما القتل بغير حق فيرث، والقتل بحق هو المضمون بقصاص أو دية أو كفارة سواء كان القاتل مكلفاً أو غير مكلف كالصبي والمجنون، وسواء كان القتل بمباشرة أو بالتسبب وذلك لعموم الأخبار، أما القتل بحق فقد خرج لأنه مأذون فيه.
أما الأدلة التي استدل بها على أن القاتل لا يرث فمنها ما رواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب: أن رجلا من بنى مدلج يدعى قتادة كانت له أم ولد وكان له منها ابنان فتزوج عليها امرأة من العرب فقالت لا أرضى عنك حتى ترعى على أم ولدك فأمرها أن ترعى عليها فأبى ابناها ذلك فتناول قتادة أحد ابنيه بالسيف فمات فقدم سراقة بن مالك بن جعشم على عمر بن الخطاب ﵁ فذكر ذلك له فقال له: اعدد لي بقديد وهى أرض بنى مدلج عشرين ومائة من الإبل فلما قدم عمر ﵁ أخذ ثلاثين جذعة وثلاثين حقة وأربعين خلفة ثم قال: أين أخ المقتول؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ» (١).
والراجح عندي: هو ما ذهب إليه المالكية، وهو اختيار شيخنا (٢) ﵀، وهو أن القتل المانع من الميراث هو القتل العمد.
أما القتل الخطأ فلا يمنع من الميراث.
стр. 1481
وَإِنْ قَتَلَهُ بِحَقٍّ كَالقَتْلِ حَدًّا (١)، أَوْ قِصَاصًا (٢)، أَوْ قَتْلِ العَادِلِ البَاغِيَ، لَمْ يُمْنَعْ مِيْرَاثُهُ (٣).
ــ
=وهل يرث من الدية التي سيبذلها؟
نقول لا يرث، لأن الدية غرم عليه.
(١) قوله «وَإِنْ قَتَلَهُ بِحَقٍّ كَالقَتْلِ حَدًّا»: كأن يكون على المقتول حد كحد الزنى وقد أحصن فإنه يرجم حتى الموت، وقد شارك القاتل في الرجم فإن ذلك لا يمنع من الميراث.
(٢) قوله «أَوْ قِصَاصًا»: كأن يقتل أحد الأخوين أباه فيقوم غير القاتل بقتل أخيه القاتل لأبيه قصاصاً فهنا يكون ميراث الابن من الأب والابن القاتل.
(٣) قوله «أَوْ قَتْلِ العَادِلِ البَاغِيَ، لَمْ يُمْنَعْ مِيْرَاثُهُ»: نقول ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٣) إلى أن العادل إذا قتل قريبه الباغي ورثه؛ لأنه قتل بحق، فلم يمنع الميراث كالقصاص، ولأن قتل الباغي واجب، ولا إثم على القاتل بقتله، ولا يجب الضمان عليه فكذا لا يحرم من الإرث.
وذهب الشافعية (٤)، وهو قول عند الحنابلة (٥) إلى أنه لا يرث لعموم حديث «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ.» (٦).
стр. 1482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والصحيح أنه يرث في هذه المسائل كلها لأنه قتل بحق فهو فعل مأذون له فيه فلم يمنع معه من الإرث، ولأن عدم التوريث معه ذريعة لترك الكثير من الأحكام الواجبة من إقامة الحدود ومن الجهاد في سبيل الله في قتل البغاة أو إدلاء المسلم بشهادة الحق.
وهل يرث الباغي العادل؟ أي إذا قتل من بغى قريبه العادل فهل يرثه؟
نقول على قولين:
الأول أنه يرثه لأنه فعل مأذون فيه شرعا فلم يمنع الميراث أشبه ما لو أطعمه باختياره فأفضى إلى تلفه، ولأنه حق في زعم الباغي، فإن البغاة يرون إباحة دم كل من ارتكب معصية صغيرة كانت أو كبيرة.
وقال أبو حنيفة (١): إن قال: قتلته وأنا على حق في رأيي حين قتلته، وأنا الآن على حق ورث منه، وإن قال: كنت على باطل في قتلي له لم يرث منه.
الثاني وهو الصواب أنه لا يرثه، وهو رواية في مذهب أحمد (٢) اختارها شيخنا ﵀ (٣)، لأن قتله إياه ليس بحق.
стр. 1483
بَابُ مَسَائِلَ شَتَّى (١)
إِذَا مَاتَ عَنْ حَمْلٍ يَرِثُهُ (٢)،
ــ
(١) قوله «مَسَائِلَ شَتَّى»: يعني مسائل متفرقة، فإنها مسائل من أبواب متفرقة، يقال شتى وشتان، قال تعالى ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (١)، يعني متفرقة، وقال تعالى ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (٢).
قال الشاعر:
شتى وقاسيت فيها اللِّين والفظعا ... قد عشت في الناس أطواراً على طرق
والمؤلف ﵀ في هذا الباب سيذكر مسائل متفرقة في المواريث كميراث الحمل، وكذا المفقود، وحكم من طلق في مرض الموت وغير ذلك.
(٢) قوله «إِذَا مَاتَ عَنْ حَمْلٍ يَرِثُهُ»: الحمل بفتح الحاء ما في بطن الحبلى فيقال امرأة حامل وحاملة إذا كانت حبلى. والمراد بالحمل في علم الفرائض: ولد المرأة المتوفى عنه في بطنها، وهو يرث، أو يحجب في جميع التقادير أو بعضها، ويشترط لميراث الحمل شرطان:
الأول: تحقق وجوده في الرحم حين موت المورث ولو نطفة، فإن لم يعلم وجوده فإنه لا يرث، ويتحقق هذا الشرط بأمور هي:
١ - أن يولد حياً حياة مستقرة لأقل من ستة أشهر من حين موت المورث.
٢ - أن يولد لأكثر مدة الحمل وهي أربع سنين فأقل من حين موت المورث، بشرط أن لا توطأ أمه، ولا تكون فراشاً لمن يطأ من حين موت المورث إلى وضع الحمل، وهنا يوقف ميراث اثنين ذكرين إن كان ميراثهما أكثر وإلا فميراث أنثيين وتعطى للحمل.
стр. 1484
وَقَفْتَ لَهُ مِيْرَاثَ ذَكَرَيْنِ إِنْ كَانَ مِيْرَاثُهُمَا أَكْثَرَ، وَإِلاَّ مِيْرَاثَ أُنْثَيَيْنِ، فَتُعْطِيْ كُلَّ وَارِثٍ اليَقِيْنَ، وَتَقِفُ البَاقِيَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ (١). وَإْنَ كَانَ فِيْ الوَرَثَةِ مَفْقُوْدٌ لا يُعْلَمُ خَبَرُهُ (٢)،
ــ
الشرط الثاني: أن يولد حياً حياة مستقرة، ويتحقق ذلك بالصراخ والبكاء والعطاس، والرضاع، والحركة الكثير، والتنفس الكثير، وغير ذلك.
(١) قوله «وَقَفْتَ لَهُ مِيْرَاثَ ذَكَرَيْنِ إِنْ كَانَ مِيْرَاثُهُمَا أَكْثَرَ، وَإِلاَّ مِيْرَاثَ أُنْثَيَيْنِ، فَتُعْطِيْ كُلَّ وَارِثٍ اليَقِيْنَ، وَتَقِفُ البَاقِيَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ»: هذه جملة الأحكام المتعلقة بميراث الحمل فنقول:
أولاً: الأولى عند وجود الحمل أن تبقى التركة لحين خروجه لتكون القسمة مرة واحدة.
ثانياً: إذا طلب الورثة أو بعضهم القسمة أي تعجيل قسمة التركة قبل وضع الحمل وبين حاله من الذكورية والأنوثة فلهم ذلك ولا يجبرون على الصبر، ولا يعطون كل المال ولكن يوقف للحمل الأكثر كما ذكر ذلك المؤلف وهو ميراث ذكرين أو أنثيين، لأن ولادة التوأمين كثيرة معتادة، فلا يجوز قسم نصيبها كالواحد وما زاد عليه نادر.
(٢) قوله «وَإْنَ كَانَ فِيْ الوَرَثَةِ مَفْقُوْدٌ لا يُعْلَمُ خَبَرُهُ»: شرع المؤلف ببيان أحكام ميراث المفقود.
والمفقود لغةً: هو المعدوم. وفي الاصطلاح: هو الغائب الذي انقطع خبره، ولا يُدرى حياته من موته.
وقيل: بأَنه اسم لموجود هو حي باعتبار أَول حاله، ولكنه كالميت باعتبار مآله. كمن دخل في حرب ولا يُدرى أسَلِم أم قُتل، أو أنها أتت فيضانات =
стр. 1485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=واجترفت الناس ولا يُدرى، أو ركب سفينة ولا يدرى أين ذهب، أو سافر سفراً طال زمانه فيه وانقطعت فيه أخباره ولا يدرى أحي هو أم ميت فماذا نصنع في ميراثه؟ .
نقول أولاً الفقد إما أن يكون غالبه السلامة، كمن سافر لتجارة أو طلب علم، أو سياحة ولم يعلم خبره، ففيه روايتان في المذهب:
الأولى: لا يقسم ماله، ولا تتزوج امرأَته، حتى يتيقن موته، أَو يمضي عليه مدَّة لا يعيش لمثلها، وذلك مرجعه اجتهاد الحاكم، لأَنَّ الأصل حياته، والتقدير لا يصار إِليه إِلا بتوقيف، ولا توقيف هنا، فوجب التوقف عنه.
الروايةُ الثانية: أَنَّه ينتظر به تتمَّة تسعين سنةً منذ ولد، لأَنَّ الغالب أَنَّه لا يعيش أَكثر من هذا.
ثانياً: من كان الغالب من حاله الهلاك ، كمن يكون في سفينة وغرقت بهم أو من يفقد في مهلكة كالذي يفقد بين الصفين، أَو في مفازة يهلك فيها النَّاس، أَو يفقد من بين أَهله ولا يُرى له أثر، أَو لحاجة قريبة فلا يرجع، ولا يُعلم خبره، فهذا ينتظر به أَربع سنين.
قلت: والأظهر عندي ما ذهب إليه الشيخان رحمهما الله أن المرجع في الحكم بموته إلى اجتهاد الحاكم؛ لأن الأصل حياة المفقود فلا يخرج عنه إلا بيقين أو ما في حكمه كما لو فقد وهو ابن تسعين فإن المرجع في تعيين وقت موته إلى اجتهاد الحاكم على القولين جميعا، وهذا القول أظهر دليلا من قول من حدد المدة بتسعين سنة، لأن التحديد بزمن معين يحتاج إلى دليل شرعي ولا دليل هنا، والله أعلم.
стр. 1486
أَعْطَيْتَ كُلَّ وَارِثٍ اليَقِيْنَ، وَوَقَفْتَ البَاقِيَ حَتَّى يُعْلَمَ حَالُهُ (١)،
ــ
(١) قوله «أَعْطَيْتَ كُلَّ وَارِثٍ اليَقِيْنَ، وَوَقَفْتَ البَاقِيَ حَتَّى يُعْلَمَ حَالُهُ»: أي إذا مات للمفقود أحد ورثته وطلبوا القسمة، دفع لكل وارث اليقين من حقه، ووقف الباقي إلى أن يتبين أمر المفقود، أو تنقضي مدة الانتظار التي ضربها الحاكم له، فإن بان المفقود حياً أخذ نصيبه، وإن انقضت مدة الانتظار أضيف نصيبه إلى ماله، ويرد الباقي على مستحقه، ثم لا يخلو المفقود من أربعة أحوال:
الحالة الأولى: أن نعلم أنه مات قبل مورثه، فنرد الموقوف إلى من يستحقه من ورثة الأول، وليس له شيء لعدم تحقق شرط الإرث.
الحالة الثانية: أن نعلم أنه مات بعد مورثه، فيكون الموقوف تركة للمفقود ويصرف لورثته.
الحالة الثالثة: أن نعلم أنه مات ولا ندري أقبل مورثه أم بعده، فالمذهب أنها كالتي قبلها لأن الأصل بقاء حياته، ولا يحكم بموته إلا بعد انقضاء مدة التربص.
الحالة الرابعة: أن لا تُعلم له حياة ولا موت حتى تنقضي المدة, وحكمها كالتي قبلها.
صفة العمل في مسائل المفقود:
إذا مات شخص وخلّف ورثة أحدهم مفقود فطريق العمل أن تجعل له مسألتين؛ مسألة حياة ومسألة موت, ثم تنظر بينهما بالنسب الأربع فما حصل بعد النظر والعمل فهو الجامع للمسألتين, فمن ورث فيهما على السواء أعطي نصيبه كاملا، ومن اختلف إرثه أعطي الأقل؛ لأنه اليقين، =
стр. 1487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ومن سقط في إحداهما لم يعط شيئا، ففي زوج وشقيقة وأخت لأب مفقودة، مسألة الموت من اثنين للزوج النصف واحد وللشقيقة النصف واحد، ومسألة الحياة من ستة وتعول إلى سبعة، للزوج النصف ثلاثة، وللشقيقة النصف ثلاثة، وللأخت لأب السدس واحد تكملة الثلثين.
وبين المسألتين مباينة فنضرب إحداهما في الأخرى فيحصل أربعة عشر وهي الجامعة؛ للزوج من مسألة الحياة ثلاثة تضرب في مسألة الموت اثنين فيحصل له ستة، وللشقيقة مثله؛ لأنه الأضر في حقهما ويوقف اثنان للمفقودة؛ فإن بان أنها حية دفعا إليها، وإن بان موتها قبل موت مورثها ردا على الزوج والأخت نصفين، وإن بان موتها بعد موت مورثها, أو مضت مدة التربص ولم يعلم خبرها قسما على ورثتها كسائر مالها.
وفي زوج وأختين لأب وأخ لأب مفقود مسألة الموت من ستة وتعول إلى سبعة للزوج ثلاثة وللأختين أربعة، ومسألة الحياة من اثنين وتصح من ثمانية للزوج أربعة وللأخ اثنان ولكل أخت واحد، والمسألتان متباينتان تضرب إحداهما في الأخرى فتبلغ ستة وخمسين وهي الجامعة للزوج من مسألة الموت ثلاثة؛ لأنه الأضر في حقه، تضرب في مسألة الحياة ثمانية فيحصل له أربعة وعشرون، ولكل واحدة من الأختين من مسألة الحياة واحدة؛ لأنه الأضر في حقهما، يضرب في مسألة الموت سبعة بسبعة ويوقف ثمانية عشر، فإن تبينت حياته أخذ نصيبه منها وهو أربعة عشر, ورد الباقي وهو أربعة على الزوج؛ لأنها كمال فرضه، وكذا لو مضت مدة التربص ولم يعلم خبره, وترجع الجامعة بالاختصار إلى سبعها ثمانية لتوافى الأنصباء =
стр. 1488
إِلاَّ أَنْ يُفْقَدَ فِيْ مَهْلَكَةٍ أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، فَيُنْتَظَرُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ ثُمَّ يُقْسَمُ (١)، وَإِنْ طَلَّقَ المَرِيْضُ فِيْ مَرَضِ المَوْتِ المَخُوْفِ امْرَأَتَهُ (٢)، طَلاقًا يُتَّهَمُ فِيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا المِيْرَاثَ، لَمْ يَسْقُطْ مِيْرَاثُهَا (٣)، يُتَّهَمُ فِيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا (٤)،
ــ
=بالأسباع، وإن تبين موته قبل موت مورثه رد الجميع على الأختين؛ لأنه كمال فرضهما، وللزوج والأختين أن يصطلحوا على الأربعة الزائدة على نصيب المفقود فيقتسموها؛ لأنها لا تخرج عنهم.
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ يُفْقَدَ فِيْ مَهْلَكَةٍ أَوْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، فَيُنْتَظَرُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ ثُمَّ يُقْسَمُ»: سبق الإشارة إلى ما ذكره المؤلف وقلنا بأن الصواب أن هذا يرجع إلى اجتهاد القاضي أي في ضرب المدة التي يضربها للمفقود.
(٢) قوله «وَإِنْ طَلَّقَ المَرِيْضُ فِيْ مَرَضِ المَوْتِ المَخُوْفِ امْرَأَتَهُ»: سبق تعريف المرض المخوف وحده هو ما إذا مات فيه الإنسان فإن لم يستنكره الناس لأن الغالب أن من أصيب به فإنه يموت ومن ذلك الأمراض السرطانية أو الايدز أو مرض الحمى الشديدة ونحو ذلك فهذه أمراض مخيفة خطيرة مميتة.
(٣) قوله «طَلاقًا يُتَّهَمُ فِيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا المِيْرَاثَ، لَمْ يَسْقُطْ مِيْرَاثُهَا»: وذلك معاملة له بنقيض قصده فهي ترثه وهو لا يرثها لأن البينونة جاءت منه فالحيل لا تبطل الحقوق.
(٤) وفهم من قوله «يُتَّهَمُ فِيْهِ بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا»: أنه إذا لم يتهم فإنها لا ترث منه من حين البينونة.
مثال ذلك: رجل مريض بالسرطان وهو من الأمراض المخيفة فطلبت منه زوجته أن يطلقها، أو قال لها اختاري لنفسك، فاختارت الطلاق، فهذا لا يتهم، فهنا لا ترثه لأنها هي التي طلبت واختارت لنفسها فراقه.
стр. 1489
مَادَامَتْ فِيْ عِدَّتِهِ (١)، وَإِنْ كَانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، تَوَارَثَا فِيْ العِدَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيْ الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ (٢)،
ــ
(١) قوله «مَادَامَتْ فِيْ عِدَّتِهِ»: أي أنها إذا انقضت عدتها فإنها لا ترث.
والصحيح: أن المطلقة في مرض موته المخوف متهماً بقصد حرمانها، فترثه البائن في العدة وبعد العدة لأنه متهم، وكل من حاول إبطال حق مسلم فإنه يعامل بنقيض قصده، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (١)، لكن يستثنى من ذلك أمران:
الأول: أن تتزوج المرأة فإنها إن تزوجت لا يمكن أن ترث من زوجين في وقت واحد وبزواجها فقد قطعت العلاقة بينها وبين الزوج الأول نهائياً، وذهب مالك (٢) إلى أنها ترث ولو تزوجت، والصحيح القول الأول.
الثاني: أن ترتد هذه المرأة فإنها لا ترث، وقد سبق أن من موانع الإرث الردة عن الإسلام.
(١) قوله «وَإِنْ كَانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، تَوَارَثَا فِيْ العِدَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِيْ الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ»: مفهوم كلام المؤلف أن الطلاق الرجعي لا يمنع الميراث سواء كان في الصحة أو في المرض لأن الرجعية زوجة لا تبين إلا بانقضاء عدتها، وما ذكره المؤلف ليس فيه خلاف بين أهل العلم.
قال ابن قدامة (٣) «من غير خلاف نعلمه».
стр. 1490
وَإِنْ أَقَرَّ الوَرَثَةُ كُلُّهُمْ بِمُشَارِكٍ لَهُمْ فِيْ المِيْرَاثِ فَصَدَّقَهُمْ، أَوْ كَانَ صَغِيْرًا مَجْهُوْلَ النَّسَبِ (١)، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ أَقَرَّ الوَرَثَةُ كُلُّهُمْ بِمُشَارِكٍ لَهُمْ فِيْ المِيْرَاثِ فَصَدَّقَهُمْ، أَوْ كَانَ صَغِيْرًا مَجْهُوْلَ النَّسَبِ»: هذا الباب يسمى بباب الإقرار بمشارك في الميراث، وهذا له أحوال:
الأول: إقرار جميع الورثة بهذا المشارك في الميراث فإنه يشاركهم في الميراث لكن بشرط وهو تصديقهم أي صدق المقر به الورثة أي لا بد من تصديقهم على أنه مشارك لهم في الميراث كما لو أقر له بمال، وكذلك إذا كان المقر به صغيراً أو مجنوناً مجهول النسب فإنه ينسب إليه - أي ينسب إلى الميت المقر به - وإن لم يصدقه لأن الصغير أو المجنون لا يعتبر قوله، لكن يشترط هنا ثلاثة شروط:
الشرط الأول: إمكان صدق الدعوى، أي أن يكون المقر به من الميت، بحيث يحتمل أن يولد لمثله، فلو أقر من له عشرون سنة أن هذا الذي عمره خمس عشرة سنة ابناً له فلا يصدق ولا يقبل لأنه لا يمكن حصول هذا.
الشرط الثاني: أن يكون المقر به مجهول النسب أي لا يعلم أنه فلان ابن فلان، فإن كان معلوم النسب فلا يقبل اقراره به، لأن اقراره به يستلزم ابطال نسب معروف.
الشرط الثالث: أن لا ينازع المقر في نسب المقر به، فإن نوزع فيه فليس الحاقه بأحدهما بأولى من الآخر.
(٢) قوله «ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ»: أي ثبت نسب المشارك للورثة وذلك لأن الشريعة تتشوق إلى لحوق الأنساب وثبت كذلك إرثه إلا إذا وجد مانع من موانع الإرث المتقدمة.
стр. 1491
وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَلَهُ فَضْلُ مَا فِيْ يَدِ الْمُقِرِّ عَنْ مِيْرَاثِهِ (١).
ــ
(١) قوله «وَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، وَلَهُ فَضْلُ مَا فِيْ يَدِ الْمُقِرِّ عَنْ مِيْرَاثِهِ»: هذه هي الحالة الثانية من أحوال المشارك وهي أن يقر بعض الورثة بمشاركته لهم في الميراث والبعض لم يقر فهنا يترتب على ذلك أُمور:
الأول: أنه لا يلحق نسبه، وهذا بالإجماع لأن النسب لا يتبعض فلا يمكن إثباته في حق المقر دون المنكر، ولا إثباته في حقهما.
الثاني: أنه له فضل ما في يد المقر عن ميراثه، فإن أقر أحد الأبناء بأخ مثله ولم يقر الآخر فإنه يكون له ثلث ما بيد المقر.
مثال ذلك: لدينا أخوان عمرو وزيد أقر زيد بأن خالداً أخوه ولم يقر عمرو بذلك فنقول بأن على زيد أن يعطي خالداً ثلث ما بيده لأنه الآن يقر بأن الورثة ثلاثة هو أحدهم أما عمرو فله نصف التركة لأنه لم يقر بثبوت أخوة خالد له، فإن أقر بأخت فلها خمس ما بيد زيد لأنه مقر بها بالإخوة فتقسم التركة على خمسة لزيد خمسان وعمرو خمسان وللأخت خُمس ما بيد المقر وهو زيد لأنه أقر بأنها أخت له.
- فائدة: إذا وجد دليل قاطع عن طريق البصمات الوراثية يُثبت قرابة من أقر بقرابته من المتوفى:
فإن ذلك يقدَّم على من نفاه من الورثة، ويثبت به نسبه وإرثه، وعكسه إذا وجد اختلاف بين فصيلة دم هذا الشخص وبين من نسب إليه مما يستحيل معه أن يكون ابناً، فإنه لا يثبت إليه ولا يرث منه.
стр. 1492
بابُ الوَلاءِ (١)
الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ (٢)، وَإِنِ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٣)،
ــ
(١) قوله «بابُ الوَلا
(٢) ءِ»: أي باب الميراث بالولاء، والولاء لغة: الملك.
وشرعاً: ثبوت حكم شرعي بعتق أو تعاطي سببه كاستيلاد وتدبير.
وقيل أيضاً في تعريفه: هو عصوبة سببها نعمة المعتق على عتيقه بتخليصه من الرق.
أما معناه: هو أن من أعتق عبداً أو أمة صار عاصباً لهذا المعتق فيستحق جميع أحكام التعصيب عند عدم العصبة من النسب فيرثه، ويكون ولياً له في النكاح ويتولى تغسيله، وتكفينه والصلاة عليه ودفنه عند موته وغير ذلك.
(٣) قوله «الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»: أي من أعتق عبداً مملوكاً أو أمة استحق ولاؤها كما سيأتي في حديث عائشة ﵂.
(٤) قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١)»: هذا الحديث متفق عليه، وهو عمدة في هذا الباب، وله قصة.
فعن عائشة ﵂ قالت: دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أوق في تسع سنين في كل سنة أوقية فأعينيني فقلت لها إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة وأعتقك ويكون الولاء لي فعلت فذكرت ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم فأتتني فذكرت ذلك قالت فانتهرتها فقالت لها الله إذا قالت فسمع رسول الله ﷺ فسألني فأخبرته =
стр. 1493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فقال: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ فَإِنَّ الْوَلاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». فَفَعَلْتُ قَالَتْ ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةً فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ فُلانًا وَالْوَلاءُ لِي إِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١).
وقد أكثر أهل العلم من الكلام عليه، وأكثروا التصانيف في الكلام عليه وما يتعلق بفوائده.
ويستفاد من هذا الحديث جملة من الفوائد منها:
١ - قوله «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» يستفاد من التعبير بإنما إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، فلا ولاء لمن أسلم على يديه رجل.
٢ - فيه جواز سعي المكاتب وسؤاله واكتسابه وتمكين لسيد له من ذلك، لكن محل الجواز إذا علمت جهة حل كسبه.
٣ - فيه أن للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة ولا يشترط في ذلك عجزه خلافاً لمن شرطه.
٤ - فيه دليل على أنه لا ولاء لغير المعتق، وأن من أسلم على يد رجل لم يكن له ولاؤه لأنه غير معتق.
٥ - قوله ﷺ «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» هذا إذا لم يكن له ورثة، أما إذا كان له ابن فهو أحق به، لأن الولاء لا يأتي إلا بعد عدم الميراث بالنسب، فإذا مات=
стр. 1494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=العتيق وليس له ورثة من صلبه يحوزوا المال، فإنه يكون إلى المعتق وإذا لم يوجد معتق فإن ورثته يحلون محله ويقومون مقامه.
٦ - في الحديث أيضاً أن البيع إذا اشتمل على شرط باطل فإن البيع صحيح والشرط باطل، فالبيع يتم والشرط باطل.
وقوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ دِيْنُهُمَا» فيه إشارة إلى خلاف، فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فيرى الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وأحمد (٣) في رواية عنه أنه لا يرث المعتق المعتَق مع اختلاف دينهما لعموم قوله ﷺ «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٤)، ولأنه ميراث يمنعه اختلاف الدين كميراث النسب ولأن اختلاف الدين مانع من الميراث فيمنعه مع صحة الولاء وثبوته.
وقال المالكية (٥) إذا أعتق المسلم كافراً فيكون الميراث لبيت المال إلا أن يكون للمسلم أقارب كفار فيكون الولاء لهم.
والمذهب عند الحنابلة كما سبق فإنهم يثبتون ميراث المسلم من الكافر والكافر من المسلم بالولاء واحتجوا لذلك بحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ» (٦).
стр. 1495
وَإِنْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِرَحِمٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيْرٍ أَوِ اسْتِيْلادٍ، فَلَهُ عَلَيْهِ الوَلاءُ (١)، وَعَلى أَوْلادِهِ مِنْ حُرَّةٍ مُعْتَقَةٍ أَوْ مِنْ أَمَتِهِ (٢)،
ــ
=والراجح من هذه الأقوال: أنه لا توارث بينهما مع اختلاف الدين وإن ثبت الولاء دليل ذلك قوله ﷺ «لا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (١)، وهذا هو اختيار شيخنا (٢) ﵀، وهو قول الحنفية، والشافعية، ورواية في مذهب أحمد كما سبق.
(١) قوله «وَإِنْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِرَحِمٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ تَدْبِيْرٍ أَوِ اسْتِيْلادٍ، فَلَهُ عَلَيْهِ الوَلاءُ»: أي إذا عتق عليه بسبب رحم، كما لو ملك أباه أو ولده، أو أخاه ونحو ذلك فإنه يكون الولاء له، وكذلك - أو كتابة - أي إذا كاتبه بأن يبيعه على نفسه بأقساط فله عليه الولاء، وهذا قول كافة الفقهاء. وقال بعضهم أنه لا ولاء على المكاتب لأنه أشترى نفسه من سيده فلم يكن له عليه ولاء.
والصحيح: القول الأول لحديث عائشة، وقوله «أو تدبيره» وذلك بأن يقول له إذا مت فأنت حر, «أو استيلاد» وذلك بأن تعتق عليه أمته باستيلاد بأن
стр. 1496
يتسراها - أي يجامعها - فتحمل منه ثم تلد ابناً أو بنتاً فإنها تعتق إذا مات, فهذه الأحوال الثلاثة كلها تكون للسيد المعتق ويرثه عنه عصبته بعد موته.
(٢) قوله «وَعَلى أَوْلادِهِ مِنْ حُرَّةٍ مُعْتَقَةٍ أَوْ مِنْ أَمَتِهِ»: أي ويكون الولاء أيضاً للمعتقين على أولاد العتيق وأولادهم وإن سفلوا، لكن بشرط وهو أن يكونوا من زوجة حرة معتقة لأن الزوجة إن كانت حرة الأصل لم يكن على الأولاد ولاء, وكذلك يكون الحكم في أمة ثم أعتقت أو كانت أمة لهذا=
стр. 1497
وَعَلى مُعْتِقِيْهِ وَمُعْتَقِيْ أَوْلادِهِ وَأَوْلادِهِمْ وَمُعْتِقِهِمْ، أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوْا (١)، وَيَرِثُهُمْ إِذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ مِيْرَاثِهِمْ (٢)، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ (٣). وَمَنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّيْ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ فَفَعَلَ، فَعَلى الآمِرِ ثَمَنُهُ، وَلَهُ وَلاؤُهُ (٤)،
ــ
=السيد, فإن ولاء أولاد هذا المعتق من هذه الزوجة يكون لهذا السيد الذي اعتق أباهم، لكن يشترط أن لا يكون قد جرى على هؤلاء الأولاد رق فأعتقوا فإن ولاءهم حينئذ يكون لمعتقهم.
(١) قوله «وَعَلى مُعْتِقِيْهِ وَمُعْتَقِيْ أَوْلادِهِ وَأَوْلادِهِمْ وَمُعْتِقِهِمْ، أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوْا»: أي ويكون له الولاء على من للعتيق ولاؤه, كعتيق, ومعتقي أولاده وأولادهم ومعتقيهم أبداً ما تناسلوا, وذلك لأنه ولى نعمته وبسببه عتقوا, ولأنهم فرع, والفرع يتبع أصله.
(٢) قوله «وَيَرِثُهُمْ إِذا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ مِيْرَاثِهِمْ»: سبق أن ذكرنا أن المعتق إذا مات فإنه يرثه سيده المعتق لكن بشرط عدم وجود إرث من النسب، فإن كان هناك وارث من النسب ولكنهم أصحاب فروض ولم يستغرقوا التركة كلها، فإن ما تبقى منها يكون للسيد المعتق.
стр. 1498
(٣) قوله «ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ»: الضمير في بعده يعود على السيد, والمعنى أن الولاء يكون لعصبة السيد بعد موته، الأقرب فالأقرب لأنه حق من حقوقه.
(٤) قوله «وَمَنْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّيْ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ فَفَعَلَ، فَعَلى الآمِرِ ثَمَنُهُ، وَلَهُ وَلاؤُهُ»: أي إذا قال إنسان لأخر, أعتق عبدك عني وعلى ثمنه فأعتقه صح العتق، وهذا بإجماع أهل العلم.
وعلى هذا الآمر ثمن العبد وله ولاؤه، لأنه أعتقه عنه بشرط العوض فهو نائب عنه في العتق كالوكيل.
стр. 1499
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: عَنِّيْ، فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالوَلاءُ لِلْمُعْتِقِ (١)، وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ حَيٍّ بِلا أَمْرِهِ أَوْ عَنْ مَيِّتٍ، فَالوَلاءُ لِلْمُعْتِقِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: عَنِّيْ، فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالوَلاءُ لِلْمُعْتِقِ»: أي وإن قال أعتق عبدك وعليّ ثمنه دون أن يذكر كلمة عني فالثمن على القائل والولاء للمعتق، وإنما لزم الثمن للقائل لأنه جعل جعلاً لمن عمل عملاً وهو العتق، وقد عمل ذلك العمل فيلزمه الجعل، وإنما كان الولاء للمعتق لدخوله تحت قوله ﷺ «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، والمسئول هو المعتق لا السائل لأنه لم يطالب بالعتق عنه.
(٢) قوله «وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ حَيٍّ بِلا أَمْرِهِ أَوْ عَنْ مَيِّتٍ، فَالوَلاءُ لِلْمُعْتِقِ»: أما الحي فلا خلاف في المذهب في ذلك, وقال بعض أهل العلم إن ولاءه للمعتق عنه, والصحيح المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم لقوله ﷺ «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١)، ولأنه أعتق عبده بغير إذن غيره له فكان الولاء له، ولأن من شروط العتق الملك، ولا ملك للمعتق عنه, فالولاء تابع للملك.
стр. 1500
أما إن كان العتق عن ميت فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون العتق عن واجب عليه ككفارة ظهار مثلاً فإن العتق يقع عنه يعني عن الميت كما سيأتي في كلام المؤلف وذلك لمكان الحاجة إلى ذلك، وهي الاحتياج إلى براءة ذمة الميت, وهل يكون الولاء له على قولين (١): الأول: يثبت الولاء له أيضاً لأن الكفارة ليس من شرطها الدخول في ذلك المكفر عنه.
стр. 1501
وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَالوَلاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ (١)، وَإِذا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الحُرَّيْنِ حُرَّ الأَصْلِ، فَلا وَلاءَ عَلى وَلَدِهَمَا (٢)، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا (٣)،
ــ
الثاني: أن الولاء يثبت للمعتق، وهذا هو الصواب.
الأمر الثاني: أن يكون العتق في غير واجب فهنا يكون الولاء للمعتق بلا خلاف في المذهب.
(١) قوله «وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَالوَلاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ»: وذلك كأن يقول والد لولده أعتق عبدك عني، فإن الولاء يثبت للمعتق عنه، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال بعضهم: بل الولاء للمعتق إلا أن يعتقه عنه بعوض فيكون له الولاء ويلزمه العوض ويصير كأنه اشتراه ثم وكله في إعتاقه، أما إذا كان عن غير عوض فلا يصح.
والصحيح: القول الأول لأن مالك العبد أصبح وكيلاً عن الآمر في العتق كما لو أخذ عوضاً.
стр. 1502
(٢) قوله «وَإِذا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الحُرَّيْنِ حُرَّ الأَصْلِ، فَلا وَلاءَ عَلى وَلَدِهَا»: وهذا هو قول جمهور أهل العلم (١)، وذلك لأن الأم إن كانت حرة الأصل فالولد يتبعها فيما إذا كان الأب رقيقاً في انتفاء الرق والولاء، فلأن يتبعها في نفي الولاء وحده أولى, وإن كان الأب حر الأصل فالولد يتبعه فيما إذا كان عليه بحيث يصير الولاء عليه لمولى أبيه, فلأن يتبعه في سقوط الولاء عنه أولى.
(٣) قوله «وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا»: يعني الأبوين.
стр. 1503
رَقِيْقًا، تَبِعَ الوَلَدُ الأُمَّ فِيْ حُرِّيَّتِهَا أَوْ رِقِّهَا، فَإِنْ كَانَتِ الأُمُّ رَقِيْقَةً (١)، فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ (٢)،
ــ
(١) قوله «رَقِيْقًا، تَبِعَ الوَلَدُ الأُمَّ فِيْ حُرِّيَّتِهَا أَوْ رِقِّهَا، فَإِنْ كَانَتِ الأُمُّ رَقِيْقَةً»: وذلك لأن الولد يتبع الأم في الحرية والرق, لأنه انفصل من الأب نطفة لا قيمة لها ولا مالية ولا منفعة، وإنما اكتسب لبنها ومنيها، فلأجل ذلك تبعها كما لو أكل رجل تمراً في أرض رجل وسقطت نواة في الأرض من يد الآكل فصارت نخلة، فإنها ملك صاحب الأرض دون الآكل.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأولاد يتبعون أباهم في الحرية والرق.
- فائدة: يستثنى في هذه المسألة ما يلي:
١ - إذا أشترط زوج أمة حرية أولادها فهم أحرار لقوله ﷺ «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٢).
стр. 1504
٢ - إذا كان هناك غرر وذلك بأن تزوج بامرأة شرطها أو ظنها حرة فتبين أنها أمة، فولدها حر ولو كان أبوه رقيقاً ويفديه.
٣ - إذا كان قد تزوج بها زواج شبهة فولدها حر.
(٢) قوله «فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ»: أي إن كانت الأم رقيقة وأعتق السيد أولادها.
стр. 1505
فَوَلاؤُهُمْ لَهُ وَلا يَنْجَرُّ عَنْهُ بِحَالٍ (١)، وَإِنْ كَانَ الأَبُ رَقِيْقًا وَالأُمُّ مُعْتَقَةً، فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِمُ الوَلاءُ لِمَوْلىَ أُمِّهِمْ (٢)، فَإِنْ عُتِقَ العَبْدُ، جَرَّ مُعْتِقُهُ وَلاءَ أَوْلادِهِ (٣)، وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الأَوْلادِ أَباهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ (٤)،
ــ
(١) قوله «فَوَلاؤُهُمْ لَهُ وَلا يَنْجَرُّ عَنْهُ بِحَالٍ»: أي فولاء أبناء هذه الأمة يكون للسيد ولا ينفك عن ذلك بحال لعموم قوله ﷺ «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١).
(٢) قوله «وَإِنْ كَانَ الأَبُ رَقِيْقًا وَالأُمُّ مُعْتَقَةً، فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ وَعَلَيْهِمُ الوَلاءُ لِمَوْلىَ أُمِّهِمْ»: أي إذا تزوج العبد معتقة لغير سيده فأولدها - أي أنجبت منه الولد - فإن ولاء ولدها ذكراً كان أو أُنثى واحداً كان أو أكثر لمولى أمه التي هي زوجة العبد، فيرثه ويعقل عنه، لكونه سبب الأنعام عليه, لأنه إنما صار حراً بسبب عتق أمه.
(٣) قوله «فَإِنْ عُتِقَ العَبْدُ، جَرَّ مُعْتِقُهُ وَلاءَ أَوْلادِهِ»: أي فلو أعتق الأب سيده كما سبق ثبت له عليه الولاء وجر إليه ولاء أولاده عن موالى أمهم فيصير الولاء
стр. 1506
على العتيق وأولاده لمعتق الأب, لأن الأب لما كان مملوكاً لم يكن يصلح وارثاً ولا ولياً في نكاح, فإذا عتق صلح الانتساب إليه, وعاد وارثاً وولياً, لأن الولاء فرع النسب, والنسب إلى الآباء دون الأمهات, وإنما ثبت لموالى الأم لعدمه من جهة الأب, فإذا أمكن عاد إلى موضعه.
(٤) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الأَوْلادِ أَباهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ»: أي إذا أشترى أحد أولاد المعتقة الأحرار أباه الرقيق أو ملكه بهبة أو غيرها فإنه يعتق عليه بالملك، وهذا مجمع عليه عند عامة أهل العلم (١).
стр. 1507
وَلَهُ وَلاؤُهُ وَوَلاءُ إِخْوَتِهِ، وَيَبْقَى وَلاؤُهُ لِمَوْلىَ أُمِّهِ (١)، فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ فَمِيْرَاثُهُ بَيْنَ أَوْلادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (٢)، فَإِذا مَاتَ عَتِيْقُهُ بَعْدَهُ، فَمِيْرَاثُهُ لِلذُّكُوْرِ دُوْنَ الإِنَاثِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَلَهُ وَلاؤُهُ وَوَلاءُ إِخْوَتِهِ، وَيَبْقَى وَلاؤُهُ لِمَوْلىَ أُمِّهِ. فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ»: جملة ما ذكره المؤلف هنا أن للولد ولاء أبيه لأنه عتق عليه بملكه إياه فكان له ولاءه لعموم قوله «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١)، ويكون له كذلك ولاء أخوته من المعتقة, لأنهم تبع لأبيهم, فيثبت الولاء للولد على أبيه وأولاده ويبقى ولاء هذا الابن الذي ملك أباه وإخوته لموالي أمه ولا يجر ولاء نفسه منهم إليه, بل يستمر الولاء لهم, لأنه لو جره لثبت له على نفسه ولا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء كما أنه لا يرث نفسه.
стр. 1508
(٢) قوله «فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، فَمِيْرَاثُهُ بَيْنَ أَوْلادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»: أي إذا مات الأب المعتق وقد أعتق عبداً فميراث الأب الذي خلفه يكون بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين كما سبق بيان ذلك في ميراث الأولاد، فإن مات من أعتقه الأب فماذا يكون العمل؟ سيذكر ذلك المؤلف.
(٣) قوله «فَإِذا مَاتَ عَتِيْقُهُ بَعْدَهُ، فَمِيْرَاثُهُ لِلذُّكُوْرِ دُوْنَ الإِنَاثِ»: أي يرثه أبناءه الذكور دون الإناث لأن الذكور عصبة بالنفس والإناث عصبة بالغير, والولاء إنما يكون لعصبة المعتق بالنفس لا بالغير فلو هلك أب كان ماله بين أبنه وبنته للذكر مثل حظ الأنثيين بالتعصيب لا بالولاء ولما هلك العبد وخلف ابن=
стр. 1509
وَلَوِ اشْتَرَى الذُّكُوْرُ وَالإِناثُ أَبَاهُمْ فَعَتَقَ عَلَيْهِمْ (١)، ثُمَّ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمِيْرَاثُهُمَا عَلى مَا ذَكَرْنا فِي الَّتِيْ قَبْلَهَا (٢)، وَإِنْ مَاتَ الذُّكُوْرُ قَبْلَ مَوْتِ العَتِيْقِ، وَرِثَ الإِنَاثُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقْنَ مِنْ أَبِيْهِنَّ (٣)،
ــ
=مولاه وبنت مولاه كان ماله لأبن مولاه دون بنت مولاه لأنه أقرب عصبة مولاه ولا خلاف في ذلك، حتى قال مالك (١) ﵀ أنه سأل سبعين قاضياً من قضاة العراق عنها فأخطأوا فيها.
(١) قوله «وَلَوِ اشْتَرَى الذُّكُوْرُ وَالإِناثُ أَبَاهُمْ فَعَتَقَ عَلَيْهِمْ»: لأنه ذو رحم محرم، ويصير ولاءه للذكور والإناث، فمثلاً اشترى أبن معتق وبنت معتقه أباهم عتق عليها وصار ولاءه لهما نصفين، لكل واحد منهما نصف بحسب ما عتق عليه.
стр. 1510
(٢) قوله «ثُمَّ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمِيْرَاثُهُمَا عَلى مَا ذَكَرْنا فِي الَّتِيْ قَبْلَهَا»: أي يكون ميراثهم من أبيهم للذكر مثل حظ الأنثيين, وميراثهم ممن اشتراه أبوهم فأعتقه للذكور دون الإناث لأن الولاء إنما يكون للعصبة بالنفس لا بالغير وقد سبق ذكر ذلك.
(٣) قوله «وَإِنْ مَاتَ الذُّكُوْرُ قَبْلَ مَوْتِ العَتِيْقِ، وَرِثَ الإِنَاثُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقْنَ مِنْ أَبِيْهِنَّ»: أي إذا مات الذكور الذين أعتقوا أباهم قبل موت عتيقهم, ورثه الإناث لعدم وجود العصبة بالنفس وهم الذكور، ويكون ميراث الإناث من مال عتيق أبيهم بقدر ما أعتقن من أبيهن, فإن بقي من التركة شيء فإنه يقسم بين الإناث وبين معتق الأم لأنه أولى من غيره.