على العتيق وأولاده لمعتق الأب, لأن الأب لما كان مملوكاً لم يكن يصلح وارثاً ولا ولياً في نكاح, فإذا عتق صلح الانتساب إليه, وعاد وارثاً وولياً, لأن الولاء فرع النسب, والنسب إلى الآباء دون الأمهات, وإنما ثبت لموالى الأم لعدمه من جهة الأب, فإذا أمكن عاد إلى موضعه.
(٤) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُ الأَوْلادِ أَباهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ»: أي إذا أشترى أحد أولاد المعتقة الأحرار أباه الرقيق أو ملكه بهبة أو غيرها فإنه يعتق عليه بالملك، وهذا مجمع عليه عند عامة أهل العلم (١).
стр. 1507
وَلَهُ وَلاؤُهُ وَوَلاءُ إِخْوَتِهِ، وَيَبْقَى وَلاؤُهُ لِمَوْلىَ أُمِّهِ (١)، فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ فَمِيْرَاثُهُ بَيْنَ أَوْلادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (٢)، فَإِذا مَاتَ عَتِيْقُهُ بَعْدَهُ، فَمِيْرَاثُهُ لِلذُّكُوْرِ دُوْنَ الإِنَاثِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَلَهُ وَلاؤُهُ وَوَلاءُ إِخْوَتِهِ، وَيَبْقَى وَلاؤُهُ لِمَوْلىَ أُمِّهِ. فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ»: جملة ما ذكره المؤلف هنا أن للولد ولاء أبيه لأنه عتق عليه بملكه إياه فكان له ولاءه لعموم قوله «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١)، ويكون له كذلك ولاء أخوته من المعتقة, لأنهم تبع لأبيهم, فيثبت الولاء للولد على أبيه وأولاده ويبقى ولاء هذا الابن الذي ملك أباه وإخوته لموالي أمه ولا يجر ولاء نفسه منهم إليه, بل يستمر الولاء لهم, لأنه لو جره لثبت له على نفسه ولا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء كما أنه لا يرث نفسه.
стр. 1508
(٢) قوله «فَإِنْ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، فَمِيْرَاثُهُ بَيْنَ أَوْلادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»: أي إذا مات الأب المعتق وقد أعتق عبداً فميراث الأب الذي خلفه يكون بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين كما سبق بيان ذلك في ميراث الأولاد، فإن مات من أعتقه الأب فماذا يكون العمل؟ سيذكر ذلك المؤلف.
(٣) قوله «فَإِذا مَاتَ عَتِيْقُهُ بَعْدَهُ، فَمِيْرَاثُهُ لِلذُّكُوْرِ دُوْنَ الإِنَاثِ»: أي يرثه أبناءه الذكور دون الإناث لأن الذكور عصبة بالنفس والإناث عصبة بالغير, والولاء إنما يكون لعصبة المعتق بالنفس لا بالغير فلو هلك أب كان ماله بين أبنه وبنته للذكر مثل حظ الأنثيين بالتعصيب لا بالولاء ولما هلك العبد وخلف ابن=
стр. 1509
وَلَوِ اشْتَرَى الذُّكُوْرُ وَالإِناثُ أَبَاهُمْ فَعَتَقَ عَلَيْهِمْ (١)، ثُمَّ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمِيْرَاثُهُمَا عَلى مَا ذَكَرْنا فِي الَّتِيْ قَبْلَهَا (٢)، وَإِنْ مَاتَ الذُّكُوْرُ قَبْلَ مَوْتِ العَتِيْقِ، وَرِثَ الإِنَاثُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقْنَ مِنْ أَبِيْهِنَّ (٣)،
ــ
=مولاه وبنت مولاه كان ماله لأبن مولاه دون بنت مولاه لأنه أقرب عصبة مولاه ولا خلاف في ذلك، حتى قال مالك (١) ﵀ أنه سأل سبعين قاضياً من قضاة العراق عنها فأخطأوا فيها.
(١) قوله «وَلَوِ اشْتَرَى الذُّكُوْرُ وَالإِناثُ أَبَاهُمْ فَعَتَقَ عَلَيْهِمْ»: لأنه ذو رحم محرم، ويصير ولاءه للذكور والإناث، فمثلاً اشترى أبن معتق وبنت معتقه أباهم عتق عليها وصار ولاءه لهما نصفين، لكل واحد منهما نصف بحسب ما عتق عليه.
стр. 1510
(٢) قوله «ثُمَّ اشْتَرَى أَبُوْهُمْ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ مَاتَ الأَبُ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمِيْرَاثُهُمَا عَلى مَا ذَكَرْنا فِي الَّتِيْ قَبْلَهَا»: أي يكون ميراثهم من أبيهم للذكر مثل حظ الأنثيين, وميراثهم ممن اشتراه أبوهم فأعتقه للذكور دون الإناث لأن الولاء إنما يكون للعصبة بالنفس لا بالغير وقد سبق ذكر ذلك.
(٣) قوله «وَإِنْ مَاتَ الذُّكُوْرُ قَبْلَ مَوْتِ العَتِيْقِ، وَرِثَ الإِنَاثُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا أَعْتَقْنَ مِنْ أَبِيْهِنَّ»: أي إذا مات الذكور الذين أعتقوا أباهم قبل موت عتيقهم, ورثه الإناث لعدم وجود العصبة بالنفس وهم الذكور، ويكون ميراث الإناث من مال عتيق أبيهم بقدر ما أعتقن من أبيهن, فإن بقي من التركة شيء فإنه يقسم بين الإناث وبين معتق الأم لأنه أولى من غيره.
سدسه، وذلك لأنه إذا لم يوجد عصبة للمعتق ورث معتق المعتق، والنساء يرثن من اعتقن وقد سبق بيان ذلك مفصلاً.
(٢) قوله «وَالبَاقِيْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مُعْتِقِ الأُمِّ أَثْلاثاً، وَإِنِ اشْتَرَى ابْنُ المُعْتَقَةِ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى العَبْدُ أَبَا مُعْتِقِهِ، فَأَعْتَقَهُ جَرَّ وَلاءَ مُعْتِقِهِ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُا مَوْلىَ الآخَرِ»: لقوله «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١)، فإذا اشترى ابن المعتق عبداً فأعتقه ثم هذا الذي أعتق اشترى أبا معتقه فأعتقه صار له الولاء على معتقه بولائه على أبيه لأن الولاء ينجر إلى معتق الأب، وقد سبق بيان ذلك.
(٣) قوله «وَلَوْ أَعْتَقَ الحَرْبِيُّ عَبْدًا فَسَبَاهُ العَبْدُ وَأَخْرَجَهُ إِلى دَارِ الإِسْلامِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلى الآخَرِ»: أي إذا أعتق المحارب عبداً فأسلم ثم أسر هذا السيد المنعم على العبد بالإعتاق فأعتقه هذا العبد المعتق فلكل=
стр. 1513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= واحد منهما ولاء صاحبه لعموم حديث عائشة المتقدم «إنما الولاء لمن أعتق»، فالسيد الذي أسر ثم عتق من قبل عبده يكون ولاءه لعبده، والعبد المعتق يكون ولاءه لسيده المنعم عليه بالعتق.
стр. 1514
بابُ المِيْرَاثِ بِالْوَلاءِ (١)
الوَلاءُ لا يُوْرَثُ (٢)، وَإِنَّمَا يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَةِ المُعْتِقِ (٣)،
ــ
(١) قوله «بابُ المِيْرَاثِ بِالْوَلاءِ»: سبق ذكر بعض الأحكام المتعلقة بهذا الباب, والميراث بالولاء هو ثالث درجات الإرث، إذا أول درجاته أصحاب الفروض، وثانيها العصبة بالنسب، وثالثها الميراث بالولاء, فالولاء موجب للميراث، ولكن متى يكون الميراث بالولاء ؟
نقول على ما ذكرناه سابقاً, لا ميراث بالولاء مع وجود أصحاب الفروض، فإذا استوفى أصحاب الفروض فروضهم ووجد للمعتق عصبة بالنسب كان لهم الميراث بالعصبة وليس للمعتق شيء, فإذا كان هناك أصحاب فروض وليس هناك عصبة بالنسب للمعتق الذي تحرر فيكون لصاحب الولاء الحق فيأخذ بقية المال بعد الفروض.
(٢) قوله «الوَلاءُ لا يُوْرَثُ»: ذهب جمهور الفقهاء (١) أن العبد المعتق لا يرث من يعتقه لأنه لا قرابة بينهما وإنما الحق للولاء بالنسب في حق العتيق حيث أنعم على عبده بالإعتاق، فجوزي باستحقاقه الإرث صلة له وكرامة له، وهذا المعنى معدوم من العبد فلا قياس عليه, وحكي عن شريح وطاووس (٢) أنهما ورثا العبد المعتق من سيده العتيق، وهذا خلاف ما ذهب إليه الجمهور.
(٣) قوله «وَإِنَّمَا يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَةِ المُعْتِقِ»: فينظر إلى أقرب عصبات العتيق يوم موت المعتق فيكون هو الوارث للمولى دون غيره كما أن السيد لو مات في تلك الحال ورثه وحده فإذا مات المولى وخلف أبن مولاه وأبن أبن مولاه =
стр. 1515
وَلا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الوَلاءِ (١)، إِلا مَا أَعْتَقْنَ (٢)، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، وَكَذلِكَ كُلُّ ذِيْ فَرْضٍ إِلاَّ الأَبَ وَالجَدَّ لَهُمَا السُّدُسُ مَعَ الاِبْنِ وَابْنِهِ (٣)، وَالوَلاءُ لِلْكُبْرِ (٤)،
ــ
= كان ميراثه لأبن مولاه لأنه أقرب عصبات سيده.
(١) قوله «وَلا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنَ الوَلاءِ»: أي النساء لا يرثون بالولاء, وإنما الذي يرث بالولاء هو العتيق وعصبته المتعصبون به, والنساء لسن من العصبة بالنفس.
(٢) قوله «إِلا مَا أَعْتَقْنَ»: أي النساء لا يرثن بالولاء إلا من أعتقنه لحديث عائشة ﵂ «إنما الولاء لمن أعتق»، ولأن المعتقة منعمة بالإعتاق كالرجل فوجب أن تساويه في ذلك وكذلك ترث من أعتق عتيقها، فإذا أعتقت عبداً ثم ملك عبداً فأعتقه فإنها ترثه وذلك لأنها سبب في الإنعام عليه أشبه ما لو باشرته بالعتق، فإذا أعتق أبوها أو أخوها عبداً فليس لها من الولاد شيء, لكن إذا أعتقت فإن الولاء لها.
(٣) قوله «أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، وَكَذلِكَ كُلُّ ذِيْ فَرْضٍ إِلاَّ الأَبَ وَالجَدَّ لَهُمَا السُّدُسُ مَعَ الاِبْنِ وَابْنِهِ»: أي وكذلك كل ذي فرض فإنهم لا يرثون بالولاء إلا من أعتقوه أو أعتقه من أعتقوه ويستثنى من ذلك الأب فيرث السدس مع الابن، لأنه عصبة في الجملة، فهو يرث السدس مع الابن في غير الولاء فناسب أن يكون في الولاء كذلك، وكذا الجد يستثنى فيرث مع الابن السدس أيضاً لأنه يرث ذلك مع الابن في عدم الولاء.
(٤) قوله «وَالوَلاءُ لِلْكُبْرِ»: الكبر يضم الكاف وسكون الباء أي الأعلى، فالأعلى من ورثة المعتق يقال كبر قومه بالضم إذا كان أقربهم في النسب وهو أن ينتسب إلى جده الأكبر لأبيه أقل عدداً من باقي عشيرته، وليس المراد =
стр. 1516
فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَتِيْقَهُ، فَمَاتَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ عَنْ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمَالُهُ لاِبْنِ المُعْتِقِ (١)، وَإِنْ مَاتَ الابنانِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ مَوْلاهُ، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا ابنا وَخَلَّفَ الآخَرُ تِسْعَةً، فَوَلاؤُهُ بَيْنَهُمْ عَلى عَدَدِهِمْ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ (٢)،
ــ
=بذلك كبر السن، وإن شئت فقل في تعريف الكبر هو أقرب عصبة السيد إليه يوم موت عتيقه، وتفسير ذلك أن يعتق الرجل عبداً, ثم يموت ويخلف ابنين فيموت أحد الابنين ويخلف ابناً فولاء هذا العبد المعتق لابن المعتق، وليس لابن الابن شيء مع الابن.
مثال آخر: إذا خلف المعتق ابنين كبيراً وصغيراً فهما سواء فلو مات الكبير وخلف ابناً كبيراً أكبر من أخيه كان الولاء كله لأخيه الصغير لأنه ابن المعتق دون ولده الكبير.
(١) قوله «فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَتِيْقَهُ، فَمَاتَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ عَنْ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيْقُهُ، فَمَالُهُ لاِبْنِ المُعْتِقِ»: لأن الولاء كما سبق لأقرب عصبة المعتق والابن أقرب من ابن الابن.
(٢) قوله «وَإِنْ مَاتَ الابنانِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ مَوْلاهُ، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا ابنا وَخَلَّفَ الآخَرُ تِسْعَةً، فَوَلاؤُهُ بَيْنَهُمْ عَلى عَدَدِهِمْ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ»: وهذا قول عامة أهل العلم كما سبق للكبر، فيكون الولاء على عددهم لكل واحد عشرة، فلو هلك بعد أبيهما، وقبل موت العتيق، وخلف أحدهما ابناً، وخلف الآخر تسعة، فيكون الولاء بينهم على عددهم لكل واحد عشرة لأن الجميع في القرب إلى السيد يوم مات العتيق على حد سواء، وهذا هو المذهب (١)، وعليه أكثر أهل العلم.
стр. 1517
وَإِذا أَعْتَقَتِ المَرْأَةُ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَلاؤُهُ وَعَقْلُهُ عَلى عَصَبَتِهَا (١)،
ــ
=وفي رواية في المذهب أن الولاء يورث كما يورث المال، وقد سبق الإشارة إلى ذلك، فعلى هذه الرواية (١) يكون لابن الابن النصف إرثاً عن أبيه، ويكون النصف الآخر بين بني الابن الآخر على تسعة وتصح من ثمانية عشر.
ولكن الرواية الأولى هي الأصوب لأن الولاء لا يورث كما سبق، فيكون الولاء للكبر كما سبق بيانه.
(١) قوله «وَإِذا أَعْتَقَتِ المَرْأَةُ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَلاؤُهُ وَعَقْلُهُ عَلى عَصَبَتِهَا»: أي يكون ولاء العبد المعتق وميراثه لابنها، لأنه أقرب عصبتها، إذا لم يكن له وارث، وعقله - أي الدية لو جنى بقتل على غيره - على عصبتها وابنها لأنه من العاقلة.
стр. 1518
بابُ العِتْقِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ العِتْقِ»: العتق في اللغة: خلاف الرق وهو الحرية, وعتق العبد يعتق عتقا, وأعتقته, فهو عتيق, ولا يقال عتق السيد عبده بل أعتق السيد عبده.
ومن معانيه الخلوص, ومنه سمي البيت العتيق لخلوصه من أيدي الجبابرة فلم يملكه جبار.
أما في الشرع فتعريفه: هو تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، والعتق مشروع بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، بل هو من أفضل القرب، قال تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١)، هذا في معرض بيان الكفارات، أما في معرض بيان بعض أفعال الخير فقال ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (٢) أي عتق رقبه.
أما السنة فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» (٣)، وفي لفظ: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» (٤)، وقد أعتق النبي ﷺ الكثير من الرقاب, وكذا أبو بكر، وعمر، وغيرهم من الصحابة أعتقوا الكثير من الرقاب.
أما الإجماع فقد أجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به.
стр. 1519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحكمة في مشروعيته:
رغب الإسلام في عتق الرقاب وحث على ذلك، بل جعله من أفضل القرب إلى الله تعالى، فقد جعله كفارة لجنايات كثيرة منها القتل، والظهار، والوطء في شهر رمضان، والحنث في الأيمان، وجعله النبي ﷺ كما في الحديث المتقدم فكاكاً لمعتقه من النار وذلك لأن فيه تخليصاً للآدمي المعصوم من ضرر الرق وملك نفسه ومنافعه، وتكميل أحكامه وتمكنه من التصرف في نفسه على حسب إرادته واختياره.
ومع حث الإسلام وترغيبه في فك الرقاب فقد جعل أيضاً قواعد في معاملة الرقيق, وهي قواعد تجمع بين العدالة والرحمة فضمن للرقيق الغذاء والكساء من أولياؤهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون, وحفظ كرامتهم واعتبار إنسانيتهم، ونذكر هنا جملة من النصوص التي تدل على ذلك:
١ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ «مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» (١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَطْعِمْ رَبَّكَ وَضِّئْ رَبَّكَ اسْقِ رَبَّكَ وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلايَ، وَلا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلامِي» (٢)، هذا كله فيه مراعاة لحق المملوك.
٣ - ومن ذلك أيضاً أن المملوك الذي يعبد ربه ويطيع سيده وينصح لسيده جعلت الشريعة له أجرين حتى تمنى بعض الصحابة أن يكون مملوكاً لما جاء=
стр. 1520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=في هذا الفضل العظيم فعن أَبُي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ».
٤ - ومن الأحاديث التي جاءت في الشريعة لبيان حق المملوك ما رواه البخاري عن المعرور بن سويد قال «لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (١).
بل هذا القرآن العظيم قد نطق بالإحسان إلى المملوك قال تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابن السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ (٢)، وبعد هذه الأدلة العظيمة التي تدل على عظمة الإسلام, وبيان الموقف العادل والمعاملة الرحيمة يأتي أعداء الإسلام من المستشرقين والماديين الملحدين فيصفون الإسلام بأنه يقر الرق، ويبارك ملاك الرقيق، ويروجون لباطلهم القائم على تصيد الشبهات الواهية, وتلفيق الأكاذيب والافتراء على الله تعالى وعلى شريعته وأحكام دينه.
стр. 1521
وَهُوَ: تَحْرِيْرُ العَبْدِ (١)، وَيَحْصُلُ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ (٢)، فَأَمَّا القَوْلُ، فَصَرِيْحُهُ لَفْظُ العِتْقِ وَالتَّحْرِيْرِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا (٣)، فَمَتَى أَتَى بِذلِكَ، حَصَلَ العِتْقُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَمَا عَدَا هَذَا مِنَ الأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْعِتْقِ كِنَايَةٌ، لا يَعْتِقُ بِهِ إِلاَّ إِذا نَوَى (٤)،
ــ
(١) قوله «وَهُوَ: تَحْرِيْرُ العَبْدِ»: هذا هو معنى العتق فتحرير العبد أي جعله حراً وتخليصه من الرق.
(٢) قوله «وَيَحْصُلُ بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ»: وكذا يحصل بالسراية، فهذه طرق ثلاث لحصول العتق.
(٣) قوله «فَأَمَّا القَوْلُ، فَصَرِيْحُهُ لَفْظُ العِتْقِ وَالتَّحْرِيْرِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا»: يحصل العتق بالقول في نوعين من الألفاظ .
الأول: صريح اللفظ وهو ما لا يحتمل غير المراد كلفظ العتق، أو لفظ الحرية وما تصرف منهما كقوله «أعتقتك»، أو «أنت عتيق»، أو «أنت حر»، أو «أنت محرر»، ونحو ذلك من الألفاظ التي لا تحتمل غير مرادها، فمتى أتى بأي لفظ من هذه الألفاظ حصل العتق ولو لم ينوه.
النوع الثاني: أي النوع الثاني من ألفاظ العتق وهي ما يحتمل غير المعنى المراد وهذا يحتاج فيه إلى نية وهى ما تسمى بألفاظ الكناية, فهي تحتاج إلى نية لأنها هي التي تحدد المعنى المراد مثل قول «خليتك»، «أطلقتك»، «أذهب حيث شئت»، أو «لا سبيل لي عليك»، ونحو ذلك.
وسيأتي في كلام المؤلف قريباً بيان هذه الأنواع.
(٤) قوله «فَمَتَى أَتَى بِذلِكَ، حَصَلَ العِتْقُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ، وَمَا عَدَا هَذَا مِنَ الأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْعِتْقِ كِنَايَةٌ، لا يَعْتِقُ بِهِ إِلاَّ إِذا نَوَى»: أي وما عدا هذه الألفاظ الصريحة التي تدل على ألفاظ العتق فهي كناية تحتاج إلى نية، فقول السيد=
стр. 1522
وَأَمَّا الفِعْلُ، فَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْه (١)،
ــ
=لعبده لا سبيل لي عليك أو لا سلطان لي عليك أو أذهب حيث شئت وقد خليتك ونحوها من الألفاظ، وكذا الألفاظ الخفية «كا إذهب»، أو «أغرب عن وجهي»، فلا يحصل العتق بهذه الألفاظ إلاَّ بنية.
(١) قوله «وَأَمَّا الفِعْلُ، فَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْه»: هذا هو النوع الثاني الذي يحصل به العتق وهو الفعل، وهو أن يملك ذا رحم محرم، وهو الذي قدَّر أحدها ذكراً والآخر أنثى حرم نكاحه عليه للنسب كأبيه وأخيه، وعمته، فإذا ملكه بشراء ونحوه عتق عليه، لحديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» (١)، وقال ﷺ «لا يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» (٢).
لكن اختلف أهل العلم في القريب الذي يعتق على من يملكه؟
فذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، إلى أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه للحديث المتقدم وهما الوالدان وإن علو من قبل الأب والأم جميعاً، والولد وإن سفل من ولد البنين والبنات، والأخوات والأخوة وأولادهم وإن سفلوا، والأعمام, والعمات والأخوال والخالات دون أولادهم.
стр. 1523
وَمَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ، مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا، عَتَقَ كُلُّهُ (١)، وَإِنْ أَعْتَقَ ذلِكَ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ (٢)،
ــ
=أما المالكية (١) فذهبوا إلى أن الذي يعتق بالقرابة هم الأبوان وإن علوا، والمولودون وإن سفلوا, والأخ والأخت مطلقاً شقيقين أو لأب أو لأم, فالذي يعتق عندهم بالملك الأصول والفروع والحاشية القريبة فقط, فلا عتق للأعمام والعمات, ولا الأخوال والخالات.
وذهب الشافعية (٢) إلى أن الذي يعتق إذا ملك العتق عمود النسب أي الأصول والفروع ويخرج من عداهم من الأقارب كالأخوة والأعمام.
(١) قوله «وَمَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ، مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّنًا، عَتَقَ كُلُّهُ»: هذا هو النوع الثالث التي يحصل به العتق وهو العتق بالسراية، وهو نوعان، هذا هو النوع الأول.
والمعنى: أن السيد لو أعتق جزءًا من رقيقه معيناً كيده ورجله ورأسه, أو مشاعاً كنصفه ونحو ذلك سرى العتق إلى باقية، فعتق كله.
(٢) قوله «وَإِنْ أَعْتَقَ ذلِكَ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ»: هذا هو النوع الثاني الذي يحصل به العتق, وقياساً على سراية العتق فيما لو أعتق شركاً له في العبد كما سيأتي في كلام المؤلف قريباً.
والعتق بالسراية: هو أن يكون الرقيق مشتركاً بين مالكين فأكثر، فيعتق أحدهما نصيبه فإن باقيه يعتق، أي يسرى العتق على الباقي فيعتق عليه ولا يكون ذلك إلا إذا كان موسراً ولذا قال المؤلف.
стр. 1524
وَهُوَ مُوْسِرٌ بِقِيْمَةِ نَصِيْبِ شَرِيْكِهِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَهُوَ مُوْسِرٌ بِقِيْمَةِ نَصِيْبِ شَرِيْكِهِ»: هذا هو شرط سراية العتق، وهو أن يكون المعتق موسراً بهذه القيمة.
دليل ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» (١)، فإن كان من أعتق نصيبه معسراً فلا يسرى العتق ويكون العبد مبعضاً، وهذا قول جمهور أهل العلم.
وذهب الإمام أحمد (٢) في رواية عنه إلى أن العبد يسعى في قيمة باقية ويعتق كله, وذلك بأن يطلب منه أن يعمل, وما حصل في يده دفعة إلى سيده الذي لم يعتق نصيبه.
واحتج لذلك بما جاء عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (٣).
وهذا هو الراجح, وهو اختيار ابن حزم (٤)، وشيخ الإسلام بن تيمية (٥).
стр. 1525
عَتَقَ كُلُّهُ وَلَهُ وَلاؤُهُ (١)، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيْبُ شَرِيْكِهِ (٢)، وَإِنْ كانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِلاَّ حِصَّتُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِيْ عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيْمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» (٣)،
ــ
(١) قوله «عَتَقَ كُلُّهُ وَلَهُ وَلاؤُهُ»: أي أن الولاء يكون للمعتق دون باقي الشركاء لقوله ﷺ «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١).
(٢) قوله «وَقُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيْبُ شَرِيْكِهِ»: أي إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد مشترك بينهما، سرى العتق إلى الباقي وتكون قيمة الباقي يوم عتقه يدفعها الشريك المعتق لصاحبه - يعنى شريكه - الذي لم يعتق نصيبه.
(٣) قوله «وَإِنْ كانَ مُعْسِرًا، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إِلاَّ حِصَّتُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِيْ عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيْمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» (٢): الحديث سبق أن ذكرنا أنه يشترط في سراية العتق أن يكون المعتق موسراً، فإن كان معسراً بحيث لا يملك قيمة نصيب صاحبه - فلا إضرار على صاحبه، فيعتق نصيبه فقط, ويبقى نصيب شريكه رقيقاً كما كان ويسمى مبعضاً.
وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، ومنشأ الخلاف فيها هو وجه التعارض بين حديث ابن عمر الذي ذكره المؤلف وحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ =
стр. 1526
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (١).
فهذا الحديث والذي قبله ظاهرهما التعارض في الاختلاف في عتق العبد كله، مع إعسار مباشر العتق واستسعاء العبد.
فحديث ابن عمر الذي ذكره المؤلف ظاهره أن من أعتق نصيبه من عبد مشترك, عتق نصيبه، فإن كان موسراً عتق باقيه وغرم لشريكه قيمة نصيبه، وإن كان معسراً لم يعتق نصيب شريكه, وصار العبد مبعضاً أي بعضه حر وبعضه رقيق.
أما حديث أبي هريرة فقد دل على أن المباشر لعتق نصيبه, إن كان معسراً عتق العبد كله أيضاً، ولكن يستسعى العبد بقدر قيمة نصيب الذي لم يعتق وتعطى له.
وقد أخذ بحديث ابن عمر جمهور أهل العلم, وأجابوا عن حديث أبي هريرة ﵁ أن قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، قالوا بأن هذه الزيادة مدرجة, قال ابن حجر ﵀ في بلوغ المرام «وقيل: إِن السعاية مدرجة في الخبر» (٢).
قلت: والصحيح أن الرواية غير مدرجة وذلك لاتفاق البخاري ومسلم على رفعها.
وللجمع بين الحديثين نقول: أما حديث ابن عمر وقوله ﷺ «وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ=
стр. 1527
وَإِنْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ ذِيْ رَحِمِهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ بَاقِيْهِ إِنْ كَانَ مُوْسِرًا (١)، إِلاَّ أَنْ يَمْلِكَهُ بِالْمِيْرَاثِ، فَلا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا مَلَكَ (٢)،
ــ
=مِنْهُ مَا عَتَقَ»، أي بإعتاق مالك الحصة حصته، وحصة شريكه تعتق بالسعاية فيعتق العبد بعد تسليم ما عليه ويكون كالمكاتب, ويكون ذلك بإختيار العبد لقوله «غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، فلو كان ذلك على جهة الإلزام، بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك لحصل له بذلك غاية المشقة.
(١) قوله «وَإِنْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ ذِيْ رَحِمِهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ بَاقِيْهِ إِنْ كَانَ مُوْسِرًا»: أي من ملك جزءاً من ذي رحم بشراء أو هبة غير إرث لزمه أن يعتق باقيه إن كان موسراً، فإن كان معسراً فلا يعتق عليه إلا ما ملك وذلك أنه متى ملكه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله؛ لأنه عتق بسبب من جهته فأشبه إعتاقه بالقول.
(٢) قوله «إِلاَّ أَنْ يَمْلِكَهُ بِالْمِيْرَاثِ، فَلا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إِلاَّ مَا مَلَكَ»: أي وإن ملك جزءًا من ذي رحم عتق عليه باقيه إن كان موسرا كما سبق إلا أن يملكه بالميراث فلا يعتق عليه إلا ما ملك وذلك أنه متى ملكه بغير الميراث وهو موسر عتق عليه كله؛ لأنه عتق بسبب من جهته فأشبه إعتاقه بالقول.
فإن ملكه بالميراث لم يعتق منه إلا ما ملك موسرا كان أو معسرا؛ لأنه لا اختيار له في إعتاقه ولا بسبب من جهته.
وقيل: يعتق عليه نصيب الشريك إذا كان موسرا لأنه ملك بعضه أشبه ما لو ملكه بالشراء.
стр. 1528
فَصْلٌ فِيْ تَعْلِيْقِ العِتْقِ عَلى شَرْطٍ (١)
وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، فِيْ وَقْتٍ سَمَّاهُ (٢)، أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلى شَرْطٍ (٣)، عَتَقَ إِذا جَاءَ الوَقْتُ أَوْ وُجِدَ الشَّرْطُ (٤)، وَلَمْ يَعْتِقْ قَبْلَهُ (٥)،
ــ
(١) قوله «فَصْلٌ فِيْ تَعْلِيْقِ العِتْقِ عَلى شَرْطٍ»: سبق أن عرفنا الشرط وقلنا بأنه في اللغة العلامة, ومنه قوله تعالى ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا﴾ (١)، أي علامتها.
أما تعريفه عند الأصوليين: فهو ما يلزم من عدمه العدمُ، ولا يلزم من وجوده الوجود فالوضوء للصلاة مثلاً يلزم من عدمه عدم الصلاة لأنه شرط لصحة الصلاة, ولا يلزم من وجوده وجود الصلاة فقوله «تعليق العتق على شرط»، يلزم منه عند وجود الشرط وجود العتق الذي علق عليه.
(٢) قوله «وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، فِيْ وَقْتٍ سَمَّاهُ»: كقوله أنت حر إذا جاء شهر رمضان عتق إذا جاء الشهر.
(٣) قوله «أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلى شَرْطٍ»: كقوله إن قدم زيد فأنت حر, فإنه لا يعتق حتى يقدم زيد، ونحو ذلك.
(٤) قوله «عَتَقَ إِذا جَاءَ الوَقْتُ أَوْ وُجِدَ الشَّرْطُ»: وذلك لحصول الشرط الذي علق عليه العتق.
(٥) قوله «وَلَمْ يَعْتِقْ قَبْلَهُ»: أي فلا يعتق حتى يجئ الشرط, لأن المعلق على شرط ينعدم عند عدمه, ويعتق عند وجوده, لوجود السبب لكن بشرط أن يكون في ملكه عند حصول الشرط فإن خرج من ملكه لم يعتق لقوله ﷺ =
стр. 1529
وَلا يَمْلِكُ إِبْطَالَهُ بِالقَوْلِ (١)، وَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيْهِ (٢)، وَمَتَى عَادَ إِلَيْهِ، عَادَ الشَّرْطُ (٣)، وَإِنْ كَانَتْ الأَمَةُ حَامِلاً حِيْنَ التَّعْلِيْقِ وَوُجِدَ الشَّرْطُ، عَتَقَ حَمْلُهَا (٤)،
ــ
= «وَلا عِتْقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» (١).
(١) قوله «وَلا يَمْلِكُ إِبْطَالَهُ بِالقَوْلِ»: أي لا يبطل التعليق بقوله: أبطلت ما علقت عليه العتق، لأنها صفة لازمه ألزمها نفسه, فلا يملك إبطاله كالنذر والتدبير.
(٢) قوله «وَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيْهِ»: أي وللسيد بيع العبد المعلق عتقه على شرط قبل حصول الشرط وله التصرف فيه بهبة، وبيع، وجعالة، وإجارة، ونحو ذلك لأن ملكه باق عليه، لكون العتق لا يقع إلا بعد وجود الشرط كما سبق بيان ذلك.
(٣) قوله «وَمَتَى عَادَ إِلَيْهِ عَادَ الشَّرْطُ»: أي متى عاد العبد المعلق عتقه على شرط أو صفة إلى سيده عاد إليه الشرط، كأن يبيعه أو يهبه ثم يعود إلى سيده بعد بيعه فإنه يعود إليه بشرطه.
فإذا وجد الشرط وهو في ملكه عتق, لأن الشرط تحقق وهو موجود في ملكه، فوجب العتق, كما لو لم يزل ملكه عنه.
(٤) قوله «وَإِنْ كَانَتْ الأَمَةُ حَامِلاً حِيْنَ التَّعْلِيْقِ وَوُجِدَ الشَّرْطُ، عَتَقَ حَمْلُهَا»: أي إذا كانت الأمة المعلق عتقها على الشرط أو صفة حاملاً حين التعليق ووجود الشرط، تبعها حملها فعتق معها، لأنه تابع لها، فهو كعضو من أعضائها.
стр. 1530
وَإِنْ حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ فِيْمَا بَيْنَهُمَا، لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا (١).
ــ
(١) قوله «وَإِنْ حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ فِيْمَا بَيْنَهُمَا، لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا»: أي إذا حملت ووضعت حملاً بين مدة التعليق ووجد الشرط لم يعتق حملها، أي أن الحمل لم يحصل في حال التعليق ولا في حال العتق فلم يعتق.
стр. 1531
بابُ التَّدْبِيْرِ (١)
إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِيْ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ صَارَ مُدَبَّرًا (٢)، يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ (٣)،
ــ
(١) قوله «بابُ التَّدْبِيْرِ»: التدبير في اللغة: من دبر الرجل عبده تدبيراً: إذا أعتقه بعد موته، والتدبير في الأمر: النظر إلى ما تئول إليه عاقبة الأمر، أما تعريفه الشرعي فلا يخرج عن تعريفه اللغوي السابق: فهو عتق العبد عن دبر وهو ما بعد الموت، سمي بذلك لأنه ينفذ في دبر الحياة.
(٢) قوله «إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِيْ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ صَارَ مُدَبَّرًا»: هذه هي بعض الألفاظ التي يحصل بها التدبير, فالتدبير يثبت بكل لفظ يفيد إثبات العتق للملوك بعد موت سيده، كأن يقول لعبده معلقاً أنت حر بعد موتى أو إذا مت فأنت حر, أو قد دبرتك أو أنت مدبر ونحو ذلك من الألفاظ التي تدل صراحة على لفظ التدبير, لكن لابد أن تكون هذه الصيغ صادرة ممن له أهلية التدبير وحكمه حكم الوصية, فلا يصح التدبير إلا ممن تصح وصيته.
(٣) قوله «يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ»: أي يعتبر لعتق المدبر خروجه من ثلث مال سيده يوم موته لأنه تبرع بعد الموت أشبه الوصية، فإذا كان ثمن هذا العبد يساوى ثلث مال سيده عند موته أو أقل من ثلثه، فإن هذا العبد يعتق وكذلك لا يعتق إلا بعد الدين إن كان سيده مات وعليه دين، فإذا مات السيد والعبد مدبر قيمته عشرة آلاف ريال وعليه دين يبلغ عشرة ألاف ريال، فإن العبد لا يعتق لأن الدين مقدم عليه, ولهذا باع النبي ﷺ العبد المدبر لقضاء دين سيده وقال «أنت أحوج به»، وإذا دبر سيده عبده وقيمة=
стр. 1532
وَلا يَعْتِقُ مَا زَادَ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ (١)، وَلِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَوَطْءُ الجَارِيَةِ (٢)،
ــ
=العبد عشرة ألاف ريال, وعليه دين يبلغ خمسة آلاف ريال, وليس له سوى هذا العبد, فنصفه للدين ويعتق ثلث النصف الباقي أي سدس جميعه, والباقي للورثة.
ولو دبر عبداً وقيمته عشرة آلاف ريال, وليس عنده إلا خمسة آلاف ريال، فالجميع خمسة عشر ألفاً، فثلثها خمسة آلاف يستسعى العبد لتحصيله حتى يتحرر بشرط أن لا يكون مشقوق عليه كما سبق ذكره.
(١) قوله «وَلا يَعْتِقُ مَا زَادَ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ»: أي فإن زادت قيمة العبد المدبر أكثر من ثلث تركة سيده, فلا يعتق هذا العبد إلا إذا أجازه الورثة، وحكمه في ذلك حكم الوصية، وقد سبق بيان حكمها.
(٢) قوله «وَلِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَوَطْءُ الجَارِيَةِ»: اختلف الفقهاء في المدبر هل يجوز بيعه أم لا ؟
فقال أبو حنيفة (١): لا يجوز بيعه إذا كان التدبير مطلقاً، وإن كان مقيداً بشرط كأن يقول إن مرضت بعته فبيعه جائز.
وقال مالك (٢): لا يجوز بيعه في حال الحياة, ويجوز بعد الموت إن كان على السيد دين.
وقال الشافعي (٣): يجوز بيعه على الإطلاق سواء كان مطلقاً أو مقيداً.
وعن الأمام أحمد (٤) روايتان: أحدهما كما ذكر المؤلف، وهي كمذهب =
стр. 1533
وَمَتَى مَلَكَهُ بَعْدُ، عَادَ تَدْبِيْرُهُ (١)، وَمَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ (٢)، وَالْمُكَاتَبَةُ (٣)،
ــ
=الشافعي، والأخرى: بشرط أن يكون على السيد دين واختارها الخرقي (١).
والصحيح: أنه لا يباع إلا في الدين وحاجة صاحبه لأن النبي ﷺ إنما باعه لحاجة صاحبه كما في حديث جابر ﵁ قال إن رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر فأحتاج، فقال رسول الله ﷺ «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ ، فَبَاعَهُ مِنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ» (٢).
(١) قوله «وَمَتَى مَلَكَهُ بَعْدُ، عَادَ تَدْبِيْرُهُ»: أي إذا باع السيد العبد المدبر ثم عاد إليه بإرث أو فسخ رجع التدبير, لأنه علق عتقه على وفاته، فإذا باعه أو نحوه ثم عاد إليه عادت الصفة.
(٢) قوله «وَمَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ»: وما ولدت أي أن وطئت المدبرة من غير سيدها فأولدت فله حكمها، لأن الولد جزء من الأم فتبعها كبقية أجزائها، فيعتق بموت السيد، فإذا مات هذا السيد وعتقت أمهم بموته, عتقوا هم كذلك، لأن الولد جزء من الأم كما سبق.
(٣) قوله «وَالْمُكَاتَبَةُ»: المكاتبة: هي التي كاتبت سيدها على العتق، وسيأتي باب المكاتب بعد هذا الباب إن شاء الله.
ومعنى كلام المؤلف ﵀ أن المكاتبة إذا وطئت من غير سيدها إما من نكاح أو غيره فولدها من غير سيدها تابع لها موقوف على عتقها، فإن عتقت بالأداء أو الإبراء عتق, وإن فسخت كتابتها وعادت إلى الرق عاد رقيقاً، وهذا هو قول جمهور أهل العلم.
стр. 1534
وَأُمُّ الوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، فَلَهُ حُكْمُهَا (١)، وَيَجُوْزُ تَدْبِيْرُ المُكَاتَبُ وَكِتَابَةُ المُدَبَّرِ (٢)، فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ (٣)، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، عَتَقَ إِنْ حَمَلَ الثُّلُثُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ (٤)،
ــ
= وقال بعض الفقهاء في ولد المكاتبة هو عبد قن لا يتبع أمه لأن الكتابة غير لازمة من جهة العبد فلا تسرى إلى الولد كالتعليق بالصفة.
(١) قوله «وَأُمُّ الوَلَدِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، فَلَهُ حُكْمُهَا»: أم الولد: هي التي أتت من سيدها بولد وهي رقيقة حتى يموت سيدها، فإذا مات سيدها عتقت بموته.
ومعنى كلامه ﵀ أن أم الولد إذا ولدت بعد ثبوت حكم الاستيلاد لها من غير سيدها - من زوج غيره -، فحكم ولدها حكمها أنه لا يعتق بموت سيدها ويجوز فيه من التصرفات ما يجوز فيها ويمتنع فيه ما يمتنع فيها، أما ما ولدته من سيدها فهو حر منذ ولادته.
(٢) قوله «وَيَجُوْزُ تَدْبِيْرُ المُكَاتَبُ وَكِتَابَةُ المُدَبَّرِ»: أي يجوز تدبير المكاتب وهو العبد الذي كاتب سيده على مال معين يعتق بأدائه إليه قال المؤلف «ويجوز تدبيره». قال ابن قدامه في المغنى: لا نعلم فيه خلافاً, لأنه تعليق عتق بصفة, وهو يملك إعتاقه. أما كتابة المدبر كأن يقول له إن دخلت الدار فأنت حر ثم كاتبه على العتق فهذا أيضاً جائز, لأن التدبير إن كان عتقاً بصفة لم يمنع الكتابة, ولأن التدبير والكتابة سببان للعتق فلم يمنع أحدهما الأخر كتدبير الكاتب.
(٣) قوله «فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ»: أي إذا أدى المكاتب ما كاتب عليه سيده من المال عتق وبطل تدبيره.
(٤) قوله «وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، عَتَقَ إِنْ حَمَلَ الثُّلُثُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ»: أي إذا مات السيد قبل أن يؤدي العبد المدبر الذي كاتب سيده أو المكاتب الذي دبره سيده قبل أن يؤدي هذا العبد ما عليه عتق بالتدبير لأن هذا شأن المدبر=
стр. 1535
وَإِلاَّ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ (١)، وَسَقَطَ مِنَ الكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ (٢)، وَهُوَ عَلى الكِتَابَةِ بِمَا بَقِيَ (٣)، وَإِنِ اسْتَوْلَدَ مُدَبَّرَتَهُ بَطَلَ تَدْبِيْرُهَا (٤)، وَإِنْ أَسْلَمَ مُدَبَّرُ الكَافِرِ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ، حِيْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا (٥)،
ــ
= المدبر، لكن بشرط أن يحمل الثلث ما بقى من كتابته كما سبق ذكره.
(١) قوله «وَإِلاَّ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ»: أي إذا كان ثلث مال الميت أقل مما كاتب عليه هذا المملوك فينظر كم يبلغ ثلث مال الميت من قيمة هذا المملوك وقت وفاة هذا السيد, فيعتق من المملوك بقدر هذا الثلث وقد مثلنا لذلك سابقاً.
(٢) قوله «وَسَقَطَ مِنَ الكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ»: أي وسقط من الكتابة بقدر ما عتق منه بالتدبير لانتفاء محلها بالعتق.
(٣) قوله «وَهُوَ عَلى الكِتَابَةِ بِمَا بَقِيَ»: أي هذا المملوك يستمر في المكاتبة فيؤدي لورثة مالكه ما بقى من دين الكتابة لبقاء الرق فيه, فإن سدد جميع ما بقى صار حراً.
(٤) قوله «وَإِنِ اسْتَوْلَدَ مُدَبَّرَتَهُ بَطَلَ تَدْبِيْرُهَا»: أي إن وطء السيد مدبرته فجاءته بولد فإنه يبطل تدبيرها وصارت أم ولد، لأن الاستيلاد أقوى من التدبير فإنها تعتق من رأس المال, وإن لم يملك غيرها وكذلك سواء كان عليه دين أو لم يكن فوجب أن يبطل التدبير كما أن النكاح يبطل بملك اليمين.
(٥) قوله «وَإِنْ أَسْلَمَ مُدَبَّرُ الكَافِرِ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ حِيْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا»: أي إذا أسلم العبد المدبر أو أسلمت أم ولده وكان سيدهم كافراً فإنه يؤمر بإزالة ملكه عنهم وأجبر عليه لئلا يبقى الكافر مالكاً للمسلم كغير المدبر، وهذا أحد القولين في المسألة.
والقول الأخر هو ما ذكره المؤلف أن يحال بينهما فيجعل في يد عدل ويلزم بنفقته حتى يعتق بموته.
стр. 1536
وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ كَسْبِهِمَا (١)، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا كَسْبٌ، أُجِبرَ عَلى نَفَقَتِهِمَا (٢)، فَإِنْ أَسْلَمَ، رُدَّا إِلَيْهِ (٣)، وَإِنْ مَاتَ عُتِقَا (٤)، وَإِنْ دَبَّرَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ وَهُوَ مُوْسِرٌ، لَمْ يَعْتِقْ سِوَى مَا أَعْتَقَهُ (٥)، وَإِنْ أَعْتَقَهُ فِيْ مَرَضِ مَوْتِهِ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيَهُ، عَتَقَ جَمِيْعُهُ (٦).
ــ
(١) قوله «وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ كَسْبِهِمَا»: إن كان لهما كسب, وما فضل من كسبهما كان لسيدهما, وإن أُعوز فعليه تمامه.
(٢) قوله «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا كَسْبٌ أُجِيْرَ عَلى نَفَقَتِهِمَا»: أي فإن لم يكن لهما كسب فإن السيد يجبر على النفقة عليهما لأنهما ملكه ونفقة المملوك على سيده.
(٣) قوله «فَإِنْ أَسْلَمَ، رُدَّا إِلَيْهِ»: أي فإن أسلم ردا إليه أي العبد المدبر وأم ولده لأن المانع هو كفره وقد زال.
(٤) قوله «وَإِنْ مَاتَ عُتِقَا»: أي إن مات السيد فإنهما يعتقان.
(٥) قوله «وَإِنْ دَبَّرَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ وَهُوَ مُوْسِرٌ، لَمْ يَعْتِقْ سِوَى مَا أَعْتَقَهُ»: أي لو دبر شركاً له - وهو الجزء - في عبد فإنه لا يسري إلى نصيب شريكه ولو كان موسراً، وهذا بخلاف العتق، وقد سبق لأن التدبير تعليق للعتق على صفة, فلم يسر ولأن التدبير وصية وهي لا تسري.
(٦) قوله «وَإِنْ أَعْتَقَهُ فِيْ مَرَضِ مَوْتِهِ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ بَاقِيَهُ، عَتَقَ جَمِيْعُهُ»: أي وإن أعتق شركه وهو في مرض الموت المخوف وثلثه يتحمل قيمة باقية وعتق جميعه, لأن عتق الشخص لجزء من عبده موجب للسراية فيعتق عليه كله.
стр. 1537
بابُ المُكاتَبِ
المُكَاتَبَةُ: شِرَاءُ العَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ فِيْ ذِمَّتِهِ (١)، وَإِذَا ابْتَغَاهَا العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصَّدُوْقُ مِنْ سَيِّدِهِ, اسْتُحِبَّ لَهُ إِجَابَتُهُ إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِيْنَ يَبْتَغُوْنَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوْهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيْهِمْ خَيْرًا﴾ (٢)،
ــ
(١) قوله: «بابُ المُكاتَبِ. المُكَاتَبَةُ: شِرَاءُ العَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ فِيْ ذِمَّتِهِ»: هذا هو تعريف المكاتبة ، وسميت بذلك لأن الغالب ألا تقع بين العبد وسيده, وقوله «شِرَاءُ العَبْدِ نَفْسَهُ» أولى بلا شك من قول بعض الفقهاء كما هو في زاد المستقنع - بيع العبد نفسه - لأن الأول أوضح وأبين.
وقوله «بِمَالٍ فِيْ ذِمَّتِهِ» أي بمال مؤجل في ذمة العبد، وهل تصح بمال حال؟
نقول: نعم؛ وكلام المؤلف خرج مخرج الغالب حيث أن العبد في الغالب لا يملك ما يفدي به نفسه من سيده حالاً بل يكاتبه ثم يبحث عن مال المكاتبة, لكن إن حصل عليه في الحال جاز له أن يوفيه كما هو الحال في حديث بريرة فقد كاتبت أهلها على تسع أواق ثم جاءت تستعين بعائشة ﵂ فقالت إن أراد أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت (١).
(٢) قوله «وَإِذَا ابْتَغَاهَا العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصَّدُوْقُ مِنْ سَيِّدِهِ, اسْتُحِبَّ لَهُ إِجَابَتُهُ إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى: ﴿وَالَّذِيْنَ يَبْتَغُوْنَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوْهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيْهِمْ خَيْرًا﴾»: بين المؤلف هنا المكاتبة وأنها تستحب، لكن اشترط أهل العلم لسنيتها شروطاً سنذكرها لاحقاً، وجمهور الفقهاء اتفقوا على أن المكاتبة مستحبة لأن العبد قد يقصد بها الاستقلال والاكتساب والتزوج فيكون أعف له كما سيأتي إن شاء الله من بيان الحكمة في مشروعيتها.
стр. 1538
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وذهب بعض الفقهاء إلى أنها واجبة إذا طلبها العبد واحتجوا لذلك بقوله تعالى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١)، فالأمر عندهم للوجوب.
وفي رواية للإمام أحمد أنها واجبة إذا طلبها العبد المكتسب الصدوق، وهذا هو الأظهر والله أعلم، وذلك لأن الشريعة تحرص وتتشوف إلى الحرية.
أما عن الحكمة في مشروعية المكاتبة: فهي إنما شرعت لمصلحة الطرفين السيد والعبد, فالسيد يستفيد منها من جهتين:
الأول: أنها عمل من أعمال البر المندوبة التي يثاب عليها.
الثاني: أن في فيها نفعاً دنيوياً لما يحصل عليه السيد من مال المكاتبة.
أما العبد فإنه بالمكاتبة يرفع عنه الرق ويتمتع بالحرية التي تجعله حراً في تصرفاته وأفعاله وليس لأحد عليه سلطان.
وقول المؤلف «إِذَا ابْتَغَاهَا العَبْدُ المُكْتَسِبُ الصَّدُوْقُ»: هذه هي الشروط المعتبرة في المكاتبة فيشترط في العبد المكاتب أن يكون:
١ - مكتسباً: أي قادراً على الكسب، فإن كان عاجزاً عن التكسب أي لا يستطيع أن يعمل فلا تسن.
٢ - الصدق: وهو أن يكون صالحاً في دينه فيعلم منه سيده الصلاح في الدين والصدق في قوله وعمله، لأنه لو كان غير ذلك ازداد بعتقه فساداً ويخشى أن يميل بعاطفته إلى الكفر، لأن أغلب الرق في صدر الإسلام كان من أسرى الحرب المعادين لدين الله, قال تعالى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، أي صلاحاً في الدين وكسباً.
стр. 1539
وَيُجْعَلُ الْمَالُ عَلَيْهِ مُنَجَّمًّا (١)، فَمَتَى أَدَّاهَا، عَتَقَ (٢)، وَيُعْطَى مِمَّا كُوْتِبَ عَلَيْهِ الرُّبُعُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى ﴿وَآتُوْهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ﴾ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: هُوَ الرُّبُعُ (٣)، وَالمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ (٤)، إِلاَّ أَنَّهُ يَمْلِكُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالسَّفَرَ، وَكُلُّ مَا فِيْهِ مَصْلَحَةُ مَالِهِ (٥)،
ــ
(١) قوله «وَيُجْعَلُ الْمَالُ عَلَيْهِ مُنَجَّمًّا»: أي على أقساط محدودة، ويجوز كذلك أن يكون حالاً كما سبق.
(٢) قوله «فَمَتَى أَدَّاهَا، عَتَقَ»: أي فمتى أدى المكاتب ما كاتب عليه سيده فإنه يعتق لأن الكتابة عقد لازم من جهة السيد لا يملك فسخها.
(٣) قوله «وَيُعْطَى مِمَّا كُوْتِبَ عَلَيْهِ الرُّبُعُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى ﴿وَآتُوْهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِيْ آتَاكُمْ﴾ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: هُوَ الرُّبُعُ»: أي يسقط عنه سيده من دين الكتابة الذي اتفقا عليه الربع تخفيفاً عنه لهذه الآية والأمر فيها للوجوب, ومعناها: أي أعطوا من تكاتبونهم من الزكاة، أي التصرفات التي يستعينون بها على أداء ما اتفقتم عليه من مال المكاتبة للتحرر من الرق. واختلفوا في القدر المعين هل هو الربع أو أقل أو أكثر؟ الصواب: أنه لا يتقدر بأمر معين.
(٤) قوله «وَالمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ»: وهذا هو قول عامة أهل العلم, فالمكاتب لا يعتق ويكون له حكم الأحرار حتى يؤدي جميع ما عليه من مال الكتابة، فإن بقى عليه شيء ولو كان درهماً فهو عبد تجري عليه أحكام الرقيق.
(٥) قوله «إِلاَّ أَنَّهُ يَمْلِكُ البَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالسَّفَرَ، وَكُلُّ مَا فِيْهِ مَصْلَحَةُ مَالِهِ»: أي مع كونه مازال رقيقاً إلا أنه يستثنى له أمور منها:
البيع والشراء: فهو مع سيده في البيع والشراء كالأجنبي وذلك لأنه عقد=
стр. 1540
وَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ وَلا التَّزَوُّجُ وَلا التَّسَرِّيْ، إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (١)،
ــ
=الكتابة لتحصيل العتق ولا يحصل إلا بأداء عوضه وهو متعذر إلا بالاكتساب، ولا شك أن أقوى ما يكون به الاكتساب هو البيع والشراء.
وكذلك مما يملكه المكاتب السفر قريباً كان أو بعيداً فلا يشترط إذن السيد في سفره لأن السفر وسيلة لتحصيل مقصوده وهو العتق، فقد يكون في سفره مصلحة له تعينه على التكسب لأداء دين الكتاب.
فبالجملة المكاتب يملك كل ما فيه مصلحة ماله كالإجارة والاستنجار وأخذ الصدقة لأنه غريم, وسقى الزرع وحصاده، ونحو ذلك مما هو مباح ويعينه على سداد دينه.
(١) قوله «وَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ وَلا التَّزَوُّجُ وَلا التَّسَرِّيْ، إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ»: أي لا يكون للمكاتب هذه الأمور الثلاثة إلا بإذن من سيده:
الأول: ليس له التبرع من ماله، فلا يحق له أن يهب أحداً شيئاً من ماله ولا يحق له التصدق ولا أن يهدي أحداً منه شيئاً لما في ذلك من الضرر على سيده, وذلك لأن التبرع بذلك يفوت عليه تحصيل العتق بسداد الدين فلم يصح.
الثاني: ليس له كذلك التزوج إلا بإذن من سيده، وذلك لما يحتاجه الزواج من كلفه مادية كمهر ونفقة من كسبه على زوجته، وربما عجز فرّق مرة أُخرى فيرجع إلى سيده ناقص القيمة, فإن أذن له سيده بذلك صح.
الثالث: التسري, أي ولا يجوز للمكاتب التسري، والتسري هو أن يشترى المكاتب أمة ويجامعها لأن في ذلك ضرراً على سيده ويفوت عليه مصلحة العتق, ولأن ملكه للأمة غير تام فمنع منه كالزواج.
стр. 1541
وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ اسْتِخْدَامُهُ وَلا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (١)، وَمَتَى أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلى مَالِهِ، فَعَلَيْهِ غَرَامَتُهُ (٢)، وَيَجْرِيْ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، كَالأَجَانِبِ (٣)، إِلاَّ أَنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعُ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ (٤)، وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ (٥)،
ــ
(١) قوله «وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ اسْتِخْدَامُهُ وَلا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ»: أي لا يملك السيد أخذ شيء من مال المكاتب، وليس له كذلك أن يستخدمه لأن ذلك يفوت عليه التكسب الذي يحصل به العتق.
(٢) قوله «وَمَتَى أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلى مَالِهِ، فَعَلَيْهِ غَرَامَتُهُ»: أي متى تعدى السيد على المكاتب بأخذ شيء منه أو جنى عليه أو جنى على ماله فعليه غرامته وذلك لتعديه على ملك غيره بأخذه منه أو أتلافه له.
(٣) قوله «وَيَجْرِيْ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، كَالأَجَانِبِ»: أي يجرى الربا بين السيد وبين عبده المكاتب شأنهما شأن غيرهما من الأحرار، فلا يجوز أن يتعامل أحدهما مع الأخر بمعاملة ربوبية فلا يبيع سيده درهماً بدرهمين هذا في شأن المكاتب, أما إن كان الرقيق غير مكاتب لم يجر الربا بينه وبين سيده، لأن المال كله لسيده.
(٤) قوله «إِلاَّ أَنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعُ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ»: هذا مستثنى مما قبله, فيجوز للمكاتب أن يعجل لسيده بعض المال المكاتب ويسقط عنه الباقي وهذا أحد القولين في المسألة.
(٥) قوله «وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ»: أي ليس للسيد وطء من كاتبها على العتق لزوال ملكه عن استخدامها, فإن اشترط ذلك في عقد الكتابة جاز ولبقاء أصل الملك, وإنما منع من وطئها لحقها ولأن بضعها من جملة منافعها، فإذا استثنى نفعه صح كما لو استثنى منفعة، فإذا اشترطه جاز كما لو أشترط خدمتها.
وقيل لا يجوز أختاره ابن عقيل (١).
стр. 1542
وَلا بِنْتِهَا وَلا جَارِيَتِهَا (١)، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا (٢)، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَ أُمَّ وَلَدٍ (٣)، فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ (٤)، وَمَا فِيْ يَدِهَا لَهَا إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ (٥).
ــ
(١) قوله «وَلا بِنْتِهَا وَلا جَارِيَتِهَا»: أي وليس للسيد أن يطأ ابنة مكاتبته لأنها تابعة لأمها موقوفة معها، وكذلك يحرم عليه أن يطأ أمة مكاتبته التي تملكها، وكذلك الأمة التي يملكها مكاتبه لا يحل له كذلك وطؤها لأنه لا يملكها.
(٢) قوله «فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا»: هذا ما يترتب على وطء السيد مكاتبته أو ابنتها أو جاريتها من غير شرط فيترتب عليه ما يلي:
١ - أنه لا حد عليهما.
٢ - عدم العذر إن كانا عالمين بالتحريم، وإن كان جاهلين عُذرا، وإن كان أحدهما عالماً والأخر جاهلاً، لم يعذر العالم وعذر الجاهل.
٣ - أن عليه مهر مثلها سواء أكرهها أو طاوعته، لأنه عوض منفعتها فوجب لها كما لو أستخدمها.
(٣) قوله «وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ»: أي إن وطء الحر أمته المكاتبة فحملت منه فأولدت صارت أم ولد وذلك لأنها أمة له ما بقى عليها درهم, فيكون ولدها حر من مملوكه.
(٤) قوله «فَإِنْ أَدَّتْ، عَتَقَتْ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ»: أي إن أدت المكاتبة التي وطأها سيدها فأولدها إن أدت ما كاتبت عليه فإنها تعتق، فإن أدت البعض ومات سيدها قبل الأداء فإنها تعتق أيضاً لأنها أم الولد تعتق بموت سيدها.
(٥) قوله «وَمَا فِيْ يَدِهَا لَهَا إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ»: نقول بأن أم الولد عند=
стр. 1543
وَيَجُوْزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْ بَرِيْرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، بِأَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (١)، وَيَكُوْنُ فِيْ يَدِ مُشْتَرِيْهِ مُبْقًى عَلى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ (٢)،
ــ
=وفاة سيدها ما تملكه من مال له أحوال:
الأول: أن يكون ما في يدها قد زاد عن دين الكتابة، فهو ملك لها لأن المال الذي بيد المكاتب مما يزيد عن دين الكتابة له.
الثاني: أن يكون المال الذي بيدها عند وفاة سيدها لم يكن زائداً عن دين الكتابة فإن هذا المال يكون للورثة, لأن أم الولد لا تملك مالاً, لأنها مملوكه لسيدها فما بيدها فهو لسيدها.
قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ» أي إلا أن تعجز أم الولد عن أداء أقساط الكتابة فإن الكتابة تبطل وتعتق وعتقها هنا عتق قهري.
(١) قوله «وَيَجُوْزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْ بَرِيْرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، بِأَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ -»: أي لو أن الرجل كاتب عبده وأراد أن يبيعه بعد الكتابة فإن هذا يجوز ويستدل على ذلك بحديث عائشة ﵂ حيث اشترتها من أهلها بعد أن كاتبتهم فأجازها النبي ﷺ وأقرها على ذلك, بل أذن لها باللفظ فقال لها «خذيها واشترطي لهم الولاء».
واختلف الفقهاء في هذه المسألة - أي بيع المكاتب - على أقوال الجواز والمنع، والتفصيل بين أن يبيعه للمعتق فيجوز أو للاستخدام فيمتنع.
والصحيح: هو الجواز كما سبق.
(٢) قوله «وَيَكُوْنُ فِيْ يَدِ مُشْتَرِيْهِ مُبْقًى عَلى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِه»: أي يبقى الأمر على ما كان عليه فلا يجوز لسيده الجديد أن يبطل كتابته لأن سبب العتق قد انعقد, فلا يملك مشتريه إبطال الكتابة فيبقى العبد على كتابته فيقوم مشتريه=
стр. 1544
فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ وَوَلاؤُهُ لِمُشْتَرِيْهِ (١)، وَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ (٢)، وَإِنِ اشْتَرَى المُكَاتَبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأَوَّلِ وَبَطَلَ الثَّانِيْ (٣)،
ــ
=مقام مكاتبه الأول، فإن رغب العبد عند سيده الثاني أن يكون عنده عبداً ويلغي ما كاتب عليه سيده الأول فإنه يجوز له ذلك ويكون ذلك بأن لا يؤدي النجوم التي عليه يعني لا يؤدي القيمة التي أتفق عليها مع سيده الأول، فإن عجز عاد كما كان كما سيأتي في كلام المؤلف.
(١) قوله «فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ وَوَلاؤُهُ لِمُشْتَرِيْهِ»: أي إن أدى المكاتب ما عليه لسيده فإنه يعتق جبراً على الثاني لأن سيده الثاني لا يملك فسخ الكتابة كما سبق، لأن الكتابة عقد جائز من قبل العبد لازم من جهة السيد، وقد سبق أن ذكرنا ذلك, وبعد عتقه يكون الولاء للمشتري فإن اشترط السيد الأول أن يكون الولاء أنه لا يصح ولو رضي الثاني كما في قصة بريرة مع عائشة ﵂ في كتابتها.
(٢) قوله «وَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ»: أي وإن عجز المملوك المكاتب عن أداء ما كاتب عليه سيده فإنه يعود عبداً كما كان من قبل.
(٣) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى المُكَاتَبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأَوَّلِ وَبَطَلَ الثَّانِيْ»: لا خلاف بين أهل العلم في أن المكاتب يصح شراؤه للعبيد والمكاتب يجوز بيعه على ما ذكرنا، فإذا اشترى أحدهما الأخر صح شراؤه وملكه لأن التصرف صدر من أهله في محله وسواء كانا مكاتبين لسيد واحد أو لاثنين، فإن عاد الثاني فاشترى الذي اشتراه لم يصح لأنه سيده ومالكه وليس للملوك أن يملك مالكه لأنه يفضي إلى تناقص الأحكام إذ أن كل واحد منهما يقول لصاحبه أنا سيدك ولي عليك مال الكتابة تؤديه إلى، وإن=
стр. 1545
فَإِنْ جُهِلَ الأَوَّلُ مِنْهُمَا، بَطَلَ البَيْعَانِ (١)، وَإِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ، بَطَلَتِ المُكَاتَبَةُ (٢)، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَهُ، فَهُوَ عَلى كِتابَتِهِ يُؤَدِّيْ إِلى الوَرَثَةِ، وَوَلاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ (٣)، وَالكِتَابَةُ عَقْدٌ لازِمٌ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا (٤)،
ــ
=عجزت فلي فسخ كتابتك وردك إلى أن تكون رقيقاً وهذا تناقص في الأحكام.
(١) قوله «فَإِنْ جُهِلَ الأَوَّلُ مِنْهُمَا، بَطَلَ البَيْعَانِ»: أي فإن لم يعلم السابق منهما فسد البيعان ويرد كل واحد منهما إلى كتابته لأن كل واحد منهما مشكوك في صحة بيعه فيرد إلى اليقين, كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما فسد النكاح.
(٢) قوله «وَإِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ، بَطَلَتِ المُكَاتَبَةُ»: أي تنفسخ الكتابة بموت المكاتب ويموت عبداً وما في يده لسيده إذا كان لم يخلف وفاء لسيده, لأن المكاتب عبد ما بقى عليه من كتابته شيء وفد سبق، فإن كان المكاتب حلف وفاء فإنه يعطى لسيده ما بقى من دين الكتابة, وما زاد فلورثة المكاتب.
(٣) قوله «وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَهُ، فَهُوَ عَلى كِتابَتِهِ يُؤَدِّيْ إِلى الوَرَثَةِ، وَوَلاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ»: أي فإن مات السيد قبل مكاتبه فإنه لا ينفسخ عقد الكتابة كما سيأتي قريباً لأن عقد الكتابة عقد لازم من جهة السيد جائز من جهة العبد فلا سبيل إلى فسخ العقد، وهذا لا خلاف فيه لكن يجب على المكاتب أن يؤدي ما بقي عليه من دين الكتابة إلى الورثة، ويكون الولاء لسيده لأنه هو الذي أنعم عليه بالعتق حين كاتبه فكان الولاء له.
(٤) قوله «وَالكِتَابَةُ عَقْدٌ لازِمٌ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا»: سبق أن ذكرنا أن الكتابة
عقد جائز للمكاتب لازم من جهة السيد.