وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ اسْتِخْدَامُهُ وَلا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ (١)، وَمَتَى أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلى مَالِهِ، فَعَلَيْهِ غَرَامَتُهُ (٢)، وَيَجْرِيْ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، كَالأَجَانِبِ (٣)، إِلاَّ أَنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعُ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ (٤)، وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ (٥)،
ــ
(١) قوله «وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ اسْتِخْدَامُهُ وَلا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ»: أي لا يملك السيد أخذ شيء من مال المكاتب، وليس له كذلك أن يستخدمه لأن ذلك يفوت عليه التكسب الذي يحصل به العتق.
(٢) قوله «وَمَتَى أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَوْ عَلى مَالِهِ، فَعَلَيْهِ غَرَامَتُهُ»: أي متى تعدى السيد على المكاتب بأخذ شيء منه أو جنى عليه أو جنى على ماله فعليه غرامته وذلك لتعديه على ملك غيره بأخذه منه أو أتلافه له.
(٣) قوله «وَيَجْرِيْ الرِّبَا بَيْنَهُمَا، كَالأَجَانِبِ»: أي يجرى الربا بين السيد وبين عبده المكاتب شأنهما شأن غيرهما من الأحرار، فلا يجوز أن يتعامل أحدهما مع الأخر بمعاملة ربوبية فلا يبيع سيده درهماً بدرهمين هذا في شأن المكاتب, أما إن كان الرقيق غير مكاتب لم يجر الربا بينه وبين سيده، لأن المال كله لسيده.
(٤) قوله «إِلاَّ أَنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ لِسَيِّدِهِ، وَيَضَعُ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ»: هذا مستثنى مما قبله, فيجوز للمكاتب أن يعجل لسيده بعض المال المكاتب ويسقط عنه الباقي وهذا أحد القولين في المسألة.
(٥) قوله «وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ»: أي ليس للسيد وطء من كاتبها على العتق لزوال ملكه عن استخدامها, فإن اشترط ذلك في عقد الكتابة جاز ولبقاء أصل الملك, وإنما منع من وطئها لحقها ولأن بضعها من جملة منافعها، فإذا استثنى نفعه صح كما لو استثنى منفعة، فإذا اشترطه جاز كما لو أشترط خدمتها.
وقيل لا يجوز أختاره ابن عقيل (١).
стр. 1542
وَلا بِنْتِهَا وَلا جَارِيَتِهَا (١)، فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا (٢)، وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَ أُمَّ وَلَدٍ (٣)، فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ (٤)، وَمَا فِيْ يَدِهَا لَهَا إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ (٥).
ــ
(١) قوله «وَلا بِنْتِهَا وَلا جَارِيَتِهَا»: أي وليس للسيد أن يطأ ابنة مكاتبته لأنها تابعة لأمها موقوفة معها، وكذلك يحرم عليه أن يطأ أمة مكاتبته التي تملكها، وكذلك الأمة التي يملكها مكاتبه لا يحل له كذلك وطؤها لأنه لا يملكها.
(٢) قوله «فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا»: هذا ما يترتب على وطء السيد مكاتبته أو ابنتها أو جاريتها من غير شرط فيترتب عليه ما يلي:
١ - أنه لا حد عليهما.
٢ - عدم العذر إن كانا عالمين بالتحريم، وإن كان جاهلين عُذرا، وإن كان أحدهما عالماً والأخر جاهلاً، لم يعذر العالم وعذر الجاهل.
٣ - أن عليه مهر مثلها سواء أكرهها أو طاوعته، لأنه عوض منفعتها فوجب لها كما لو أستخدمها.
(٣) قوله «وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ»: أي إن وطء الحر أمته المكاتبة فحملت منه فأولدت صارت أم ولد وذلك لأنها أمة له ما بقى عليها درهم, فيكون ولدها حر من مملوكه.
(٤) قوله «فَإِنْ أَدَّتْ، عَتَقَتْ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ أَدَائِهَا، عَتَقَتْ»: أي إن أدت المكاتبة التي وطأها سيدها فأولدها إن أدت ما كاتبت عليه فإنها تعتق، فإن أدت البعض ومات سيدها قبل الأداء فإنها تعتق أيضاً لأنها أم الولد تعتق بموت سيدها.
(٥) قوله «وَمَا فِيْ يَدِهَا لَهَا إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ»: نقول بأن أم الولد عند=
стр. 1543
وَيَجُوْزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْ بَرِيْرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، بِأَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (١)، وَيَكُوْنُ فِيْ يَدِ مُشْتَرِيْهِ مُبْقًى عَلى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ (٢)،
ــ
=وفاة سيدها ما تملكه من مال له أحوال:
الأول: أن يكون ما في يدها قد زاد عن دين الكتابة، فهو ملك لها لأن المال الذي بيد المكاتب مما يزيد عن دين الكتابة له.
الثاني: أن يكون المال الذي بيدها عند وفاة سيدها لم يكن زائداً عن دين الكتابة فإن هذا المال يكون للورثة, لأن أم الولد لا تملك مالاً, لأنها مملوكه لسيدها فما بيدها فهو لسيدها.
قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ قَدْ عَجَزَتْ» أي إلا أن تعجز أم الولد عن أداء أقساط الكتابة فإن الكتابة تبطل وتعتق وعتقها هنا عتق قهري.
(١) قوله «وَيَجُوْزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ اشْتَرَتْ بَرِيْرَةَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، بِأَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ -»: أي لو أن الرجل كاتب عبده وأراد أن يبيعه بعد الكتابة فإن هذا يجوز ويستدل على ذلك بحديث عائشة ﵂ حيث اشترتها من أهلها بعد أن كاتبتهم فأجازها النبي ﷺ وأقرها على ذلك, بل أذن لها باللفظ فقال لها «خذيها واشترطي لهم الولاء».
واختلف الفقهاء في هذه المسألة - أي بيع المكاتب - على أقوال الجواز والمنع، والتفصيل بين أن يبيعه للمعتق فيجوز أو للاستخدام فيمتنع.
والصحيح: هو الجواز كما سبق.
(٢) قوله «وَيَكُوْنُ فِيْ يَدِ مُشْتَرِيْهِ مُبْقًى عَلى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِه»: أي يبقى الأمر على ما كان عليه فلا يجوز لسيده الجديد أن يبطل كتابته لأن سبب العتق قد انعقد, فلا يملك مشتريه إبطال الكتابة فيبقى العبد على كتابته فيقوم مشتريه=
стр. 1544
فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ وَوَلاؤُهُ لِمُشْتَرِيْهِ (١)، وَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ (٢)، وَإِنِ اشْتَرَى المُكَاتَبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأَوَّلِ وَبَطَلَ الثَّانِيْ (٣)،
ــ
=مقام مكاتبه الأول، فإن رغب العبد عند سيده الثاني أن يكون عنده عبداً ويلغي ما كاتب عليه سيده الأول فإنه يجوز له ذلك ويكون ذلك بأن لا يؤدي النجوم التي عليه يعني لا يؤدي القيمة التي أتفق عليها مع سيده الأول، فإن عجز عاد كما كان كما سيأتي في كلام المؤلف.
(١) قوله «فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ وَوَلاؤُهُ لِمُشْتَرِيْهِ»: أي إن أدى المكاتب ما عليه لسيده فإنه يعتق جبراً على الثاني لأن سيده الثاني لا يملك فسخ الكتابة كما سبق، لأن الكتابة عقد جائز من قبل العبد لازم من جهة السيد، وقد سبق أن ذكرنا ذلك, وبعد عتقه يكون الولاء للمشتري فإن اشترط السيد الأول أن يكون الولاء أنه لا يصح ولو رضي الثاني كما في قصة بريرة مع عائشة ﵂ في كتابتها.
(٢) قوله «وَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهُ»: أي وإن عجز المملوك المكاتب عن أداء ما كاتب عليه سيده فإنه يعود عبداً كما كان من قبل.
(٣) قوله «وَإِنِ اشْتَرَى المُكَاتَبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الأَوَّلِ وَبَطَلَ الثَّانِيْ»: لا خلاف بين أهل العلم في أن المكاتب يصح شراؤه للعبيد والمكاتب يجوز بيعه على ما ذكرنا، فإذا اشترى أحدهما الأخر صح شراؤه وملكه لأن التصرف صدر من أهله في محله وسواء كانا مكاتبين لسيد واحد أو لاثنين، فإن عاد الثاني فاشترى الذي اشتراه لم يصح لأنه سيده ومالكه وليس للملوك أن يملك مالكه لأنه يفضي إلى تناقص الأحكام إذ أن كل واحد منهما يقول لصاحبه أنا سيدك ولي عليك مال الكتابة تؤديه إلى، وإن=
стр. 1545
فَإِنْ جُهِلَ الأَوَّلُ مِنْهُمَا، بَطَلَ البَيْعَانِ (١)، وَإِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ، بَطَلَتِ المُكَاتَبَةُ (٢)، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَهُ، فَهُوَ عَلى كِتابَتِهِ يُؤَدِّيْ إِلى الوَرَثَةِ، وَوَلاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ (٣)، وَالكِتَابَةُ عَقْدٌ لازِمٌ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا (٤)،
ــ
=عجزت فلي فسخ كتابتك وردك إلى أن تكون رقيقاً وهذا تناقص في الأحكام.
(١) قوله «فَإِنْ جُهِلَ الأَوَّلُ مِنْهُمَا، بَطَلَ البَيْعَانِ»: أي فإن لم يعلم السابق منهما فسد البيعان ويرد كل واحد منهما إلى كتابته لأن كل واحد منهما مشكوك في صحة بيعه فيرد إلى اليقين, كما لو زوج الوليان وجهل السابق منهما فسد النكاح.
(٢) قوله «وَإِنْ مَاتَ المُكَاتَبُ، بَطَلَتِ المُكَاتَبَةُ»: أي تنفسخ الكتابة بموت المكاتب ويموت عبداً وما في يده لسيده إذا كان لم يخلف وفاء لسيده, لأن المكاتب عبد ما بقى عليه من كتابته شيء وفد سبق، فإن كان المكاتب حلف وفاء فإنه يعطى لسيده ما بقى من دين الكتابة, وما زاد فلورثة المكاتب.
(٣) قوله «وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَهُ، فَهُوَ عَلى كِتابَتِهِ يُؤَدِّيْ إِلى الوَرَثَةِ، وَوَلاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ»: أي فإن مات السيد قبل مكاتبه فإنه لا ينفسخ عقد الكتابة كما سيأتي قريباً لأن عقد الكتابة عقد لازم من جهة السيد جائز من جهة العبد فلا سبيل إلى فسخ العقد، وهذا لا خلاف فيه لكن يجب على المكاتب أن يؤدي ما بقي عليه من دين الكتابة إلى الورثة، ويكون الولاء لسيده لأنه هو الذي أنعم عليه بالعتق حين كاتبه فكان الولاء له.
(٤) قوله «وَالكِتَابَةُ عَقْدٌ لازِمٌ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا»: سبق أن ذكرنا أن الكتابة
عقد جائز للمكاتب لازم من جهة السيد.
стр. 1546
وَإِنْ حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيْزُهُ (١)،
ــ
=وذهب المؤلف هنا إلى أنها عقد لازم من الطرفين، وهذا أحد القولين في المسألة قياساً على سائر العقود اللازمة.
(١) قوله «وَإِنْ حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُؤَدِّهِ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيْزُهُ»: النجم: هو الوقت الذي يحل فيه الأداء، ومعنى كلامه ﵀ أي إن حل نجم من نجوم الكتابة فلم يؤده العبد لسيده فلسيده تعجيزه، أي جعله عاجزاً أي ينسب المكاتب إلى نفسه عجزه عن الأداء, فيكون لسيده الحق في الفسخ لأنه حق له.
وفي رواية (١) للإمام أحمد أنه لا يعجز حتى يحل نجمان, وفي رواية أخرى (٢) لا يعجز يقول قد عجزت.
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إنظار السيد لمكاتبه لمدة يمكنه السداد فيها إذا طلب المكاتب ذلك, كأن يطلب التأجيل لمدة يسيره أو يكون له مال في بلد آخر، أو عنده سلعة عرضها للبيع ونحو ذلك فإن عجز عن السداد فللسيد إلغاء هذه الكتابة ورد المكاتب رقيقاً.
والأقرب عندي: أنه لا يعجزه حتى يقول قد عجزت، أي حتى يظهر عجزه ويبين فكونه يعجز عن سداد قسط أو قسطين ولم يظهر عجزه فإنه من الممكن أن يقضي ما عليه دليل ذلك قوله ﷺ «ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (٣)، وفي كونه عجز عن قسط واحد يحق للسيد الفسخ هذا فيه مشقة ظاهرة عليه، ومعلوم أن تخلف المدين عن القسط والقسطين والثلاثة يحصل عادة فكذلك المكاتبة إذا فالراجح أنه لا يعجزه حتى يظهر عجزه ويبين.
стр. 1547
وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ، بُدِئَ بِجِنَايَتِهِ (١)، وَإِنِ اخْتَلَفَ هُوَ وَسَيِّدُهُ فِيْ الكِتَابَةِ (٢)، أَوْ عِوَضِهَا (٣)، أَوِ التَّدْبِيْرِ (٤)، أَوِ الاِسْتِيْلادِ، فَالقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِيْنِهِ (٥).
ــ
(١) قوله «وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ، بُدِئَ بِجِنَايَتِهِ»: أي وإن جنى المكاتب على غيره فقتل أحداً أو جرحه تعلقت جنايته برقبته، ويبدأ بأرش الجانية قبل دين المكاتبة لأن أرش الجناية متعلق برقبته ودين الكتابة متعلق بذمته، ولأن دين الكتابة غير مستقر ودين الجناية مستقر فيقدم.
(٢) قوله «وَإِنِ اخْتَلَفَ هُوَ وَسَيِّدُهُ فِيْ الكِتَابَةِ»: أي إن اختلف المكاتب مع سيده في الكتابة فقال العبد «كاتبتني»، فأنكر سيده الكتابة أو العكس قدَّم قول السيد مع يمينه، لأن الأصل ملكه العبد وكسبه.
(٣) قوله «وْعِوَضِهَا»: أي اختلفا في عوض الكتابة بأن قال السيد «كاتبتك على ألفين»، وقال العبد «على ألف»، قُدّم قول السيد مع يمينه، لأن الاختلاف في الكتابة فكان القول قول السيد.
(٤) قوله «أَوِ التَّدْبِيْرِ»: سبق تعريف التدبير وقلنا بأن التدبير هو أن يقول السيد لعبده «إذا مت فأنت حر»، فإن ادعى العبد أن سيده دبره فأنكر القول السيد فالقول قول السيد مع يمينه لقوله ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (١).
(٥) قوله «أَوِ الاِسْتِيْلادِ، القَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِيْنِهِ»: أي لو اختلفا في الاستيلاد كأن يكون المكاتب جارية وأتت بولد من سيدها فقالت «ولدته زمن الكتابة فهو موقوف معي»، وقال السيد «بل قبل الكتابة فهو لي»، أو اختلفا بأن =
стр. 1548
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ادعت الجارية أنها حملت من سيدها وأنجبت منه مولوداً فأصبحت أم ولد وأنكر سيدها ذلك وليس عندها بينة على دعواها فالقول قول سيدها مع يمينه لأن الأصل عدم هذه الأمور كلها.
стр. 1549
بَابُ حُكْمِ أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ (١)
إِذَا حَمَلَتِ الأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا فَوَضَعَتْ مَا تَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ (٢)،
ــ
(١) قوله «بَابُ حُكْمِ أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ»: أي باب أحكام أمهات الأولاد، والمراد بهن من أتت من سيدها بولد لكن بشروط سيأتي ذكرها في كلام المؤلف.
- فائدة: لا خلاف بين الفقهاء في إباحة التسري ووطء الإماء لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِين﴾ (١)، وقد كانت مارية القطبية أم ولد النبي ﷺ وهي أم إبراهيم ابن النبي ﷺ التي قال فيها أعتقها ولدها وكانت هاجر أم إسماعيل ﵊ سرية إبراهيم ﵊ وكان لعمر بن الخطاب ﵁ أمهات أولا، أوصى لكل واحدة منهن بأربعمائة, وكان لعلي ﵁ أمهات أولاد ولكثير من الصحابة، وكان على بن الحسين, والقاسم بن محمد, وسالم بن عبد الله من أمهات أولاد.
- فائدة: روى أن الناس لم يكونوا يرغبون في أمهات الأولاد حتى ولد علي بن الحسين, والقاسم بن محمد, وسالم بن عبد الله فرغب الناس فيهم.
(٢) قوله «إِذَا حَمَلَتِ الأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا فَوَضَعَتْ مَا تَبَيَّنَ فِيْهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ»: هذا هو الشرط الأول لتصير الموطوءة أم ولد، فلابد أن يكون ما حملته هذه الأمة قد تبين فيه شيء من خلق الإنسان أي تبين فيه اليدان والرجلان والرأس وهذا يكون بعد بلوغ ثمانين يوماً, أما قبل ذلك فلا يمكن أن يخلق, لأن الجنين في بطن أمه يكون في الأربعين الأولى نطفة وفي الثانية علقة, وفي الثالثة مضغة مخلقة وغير مخلقة, إذاً لا يمكن أن يبدأ التخطيط =
стр. 1550
صَارَتْ بِذَلِكَ أُمُ وَلَدٍ (١). تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا (٢)، وَمَادَامَ حَيًّا، فَهِيَ أَمَتُهُ، أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ الإِمَاءِ، فِيْ حِلِّ وَطْئِهَا وَمِلْكِ مَنَافِعِهَا وَكَسْبِهَا وَسَائِرِ الأَحْكَامِ (٣)،
ــ
= إلا بعد الثمانين، فبعد الثمانين يمكن أن يخلق وفي التسعين الغالب أنه مخلق.
(١) قوله «صَارَتْ بِذَلِكَ أُمُ وَلَدٍ»: صارت جواب - إذا - يعنى إذا أولد السيد أمته بهذا الشرط المذكور، وهو أن تضع ما تبين فيه شيء من خلق الإنسان صارت أم ولد بذلك، وقول المؤلف «من سيدها» احترازاً من العبد فالعبد لا يملك، وكذلك احترازاً من المكاتب، فالمكاتب عبد فلو أولد أمته التي اشتراها ليتكسب بها إن صح أن يجامعها فإنها لا تكون أم ولد, إنما إذا أولد الحر الأمة.
(٢) قوله «تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا»: يعنى تعتق عتقاً قهرياً على الورثة بموت سيدها, وان لم يكن له تركه غيرها, فهي مقدمة على كل شيء حتى الدَّين والوصية, دليل ذلك ما رواه مالك عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال ﷺ «أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» (١).
(٣) قوله «وَمَادَامَ حَيًّا، فَهِيَ أَمَتُهُ، أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ الإِمَاءِ، فِيْ حِلِّ وَطْئِهَا وَمِلْكِ مَنَافِعِهَا وَكَسْبِهَا وَسَائِرِ الأَحْكَامِ»: أي ما دام سيد أم الولد حياً فهي أمته أحكامها أحكام الإماء فيحل له وطئها وإجارتها وكل ما ينتفع به منها لأنها مملوكة أشبهت الأمة، وكونه ينتفع منها مع كونها أم ولد لأن هذا الانتفاع لا ينافي انعقاد سبب الحرية فيها وكون ما كسبته لسيدها لأنها مملوكة كما سبق=
стр. 1551
إِلاَّ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ بَيْعَهَا وَلا رَهْنَهَا وَلا سَائِرَ مَا يَنْقُلُ المِلْكَ فِيْهَا أَوْ يُرَادُ لَه (١)،
ــ
=والمملوك لا يملك لقوله ﷺ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (١)، وقوله «وَسَائِرِ الأَحْكَامِ» كالشهادة والحدود والدية وغير ذلك إلا ما استثناه المؤلف.
(١) قوله «إِلاَّ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ بَيْعَهَا وَلا رَهْنَهَا وَلا سَائِرَ مَا يَنْقُلُ المِلْكَ فِيْهَا أَوْ يُرَادُ لَه»: هذا مستثنى مما قبله فأُم الولد في أحكامها تكون كأحكام الأمة إلا أن هناك أموراً مستثناة منها:
١ - أن سيدها لا يملك بيعها, لأن بيعها قد ينقل الملك في رقبتها وهذا ينافي سبب انعقاد الحرية ويبطله، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب جمهور الفقهاء وعليه أكثر التابعين على أن السيد لا يجوز له في أم ولده التصرف بما ينقل الملك, فلا يجوز بيعها ولا وقفها ولا رهنها ولا تورث (٢).
وذهب شيخ الإسلام (٣)، وهو رواية في مذهب الأمام أحمد (٤) أنه يجوز بيعها لما ثبت عن جابر ﵁ قال: «بِعْنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبِى بَكْرٍ ﵁ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ ﵁ نَهَانَا فَانْتَهَيْنَا» (٥)، وفي لفظ «كنا نبيع سرارينا أمهات أولادنا والنبي ﷺ فينا حي, لا يرى بذلك بأساً» (٦).
стр. 1552
وَتَجُوْزُ الوَصِيَّةُ لَهَا وَإِلَيْهَا (١). وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا، فَعَلَيْهَا القِصَاصُ (٢)،
ــ
=قلت: والمسألة فيها خلاف قوى، والراجح عندي ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، فإنه لا يجوز بيع أمهات الأولاد.
وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على ذلك، ولا يقدح في صحة ما جاء عن بعض الصحابة من الجواز لأنه قد روي عنهم الرجوع عن المخالفة كما حكى ذلك بعض أهل العلم.
٢ - أنه لا يملك رهنها لأن القصد من الرهن البيع في الدين ولا سبيل إليه إلا بذلك.
٣ - أنه لا يملك كل ما ينقل الملك فيها ولا يراد ، وهذه قاعدة أي جميع ما ينقل ملك أم الولد عن ملك سيدها التي ستعتق بموته، فإنه لا يملكه سيدها لمنافاته لما تنعقد به الحرية.
(١) قوله «وَتَجُوْزُ الوَصِيَّةُ لَهَا وَإِلَيْهَا»: وذلك لأن العبد يجوز الوصية له وإليه فمن باب أولى أم الولد، فلو أوصى شخص ببعض ماله بعد موته أن يصرف لها أو ينفق منه عليها, أو أوصى إليها شخص أن تتولى أم الولد تصريف أموال أولاده القاصرين فإن ذلك يصح.
(٢) قوله «وَإِنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا، فَعَلَيْهَا القِصَاصُ»: إذا طلب ورثة سيدها ذلك وذلك لأن القتل العمد يستوي فيه جميع الجناة أحراراً كانوا أو عبيداً, فتعتق ويكون لورثته القصاص إن اختاروا ذلك، لكن ما ذكره المؤلف لا بد من تقييده بما إذا لم يكن لها منه ولد, فإن كان لها منه ولد لم يجب القصاص على الصحيح من المذهب (١).
стр. 1553
وَإِنْ قَتَلَتْهُ خَطَأً، فَعَلَيْهَا قِيْمَةُ نَفْسِهَا (١)، وَتَعْتِقُ فِي الحَالَيْنِ (٢). وَإِنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلاً، عَتَقَ الجَنِيْنُ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ قَتَلَتْهُ خَطَأً، فَعَليْهَا قِيْمَةُ نَفْسِهَا»: أي إن قتلت أم الولد سيدها خطأ فإن عليها قيمة نفسها، وقيل: يلزمها الأقل من قيمتها أو ديته.
(٢) قوله «وَتَعْتِقُ فِي الحَالَيْنِ»: أي تعتق في الخطأ والعمد لأنها أم ولد.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن أم الولد لا تعتق أصلاً, بل تنتقل ملكيتها إلى ورثة سيدها.
والأقرب والله أعلم أن أم الولد تعتق بموت سيدها، وهو قول جمهور أهل العلم وقد سبق.
(٣) قوله «وَإِنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلاً، عَتَقَ الجَنِيْنُ»: أي لو وطئ الحر أمة في ملك غيره بنكاح أي بأن تزوجها ثم ملكها بشراء أو غيره حاملاً منه، عتق الجنين لكونه ابنه وقد دخل في ملكه، ويجوز له بيعها لأنها ليست أم ولد لأن هذا الحمل لم يحصل من وطئه حال كونها أمته, وإنما قبل ذلك أشبه ما لو اشتراها بعد الوضع، وهذا هو المذهب (١).
وعنه أنها تصير أم ولد لأن في حرمة البعض أثراً في تحرير الجميع بدليل ما لو أعتق بعضها.
وفي رواية أخرى عنه (٢) إن ملكها حاملاً صارت أم ولد فإنه في أثناء حملها أو وسطه إن وطأها فالماء يزيد في سمعه وبصره.
стр. 1554
وَلَهُ بَيْعُهَا (١)،
ــ
(١) قوله «وَلَهُ بَيْعُهَا»: لأنها ليست بأم ولد في المذهب وعلى قول من قال بأنها لا تعتق مطلقاً أي سواء مات سيدها أو لم يمت قبله فله أن يبيعها، أما من جعلها أم ولد كما هو في إحدى الروايات المذكورة آنفاً فإنه ليس له بيعها.
والله أعلم
انتهى الجزء الثالث بحمد الله
ويليه الجزء الرابع
ويبدأ بكتاب النكاح
стр. 1555
وَبَلُ الغَمَامَةِ
في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة
شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث
وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة
(من كتاب النكاح إلى نهاية باب الرجعة)
تأليف
الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم
المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: ١٨٨ - الرمز البريدي: ١١٩٣٢
هاتف: ٠٦٤٢٢٦٠٠٠ - فاكس: ٠٦٤٢٢٥٦٦٦ - جوال: ٠٥٠٥١٢٣١٠٠
موقع منار الإسلام www.m-islam.net
البريد الإلكتروني: a@m-islam.net ــ m-islam ١@hotmail.com
الجزء السادس
مدار الوطن للنشر
стр. 1556
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1557
وَبَلُ الغَمَامَةِ
في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة
(من كتاب النكاح إلى نهاية باب الرجعة)
стр. 1558
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
مدار الوطن للنشر - الرياض
هاتف: ٤٧٩٢٠٤٢ (٥ خطوط) فاكس: ٤٧٢٣٩٤١ - ص. ب: ٢٤٥٧٦٠
فرع السويدي: هاتف: ٤٢٦٧١٧٧ - فاكس: ٤٢٦٧٣٧٧
منطقة الرياض: ٠٥٠٣٢٦٩٣١٦
المنطقة الغربية: ٠٥٠٤١٤٣١٩٨
المنطقة الشرقية: ٠٥٠٣١٩٣٢٦٨
المنطقة الشمالية والقصيم: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٨
المنطقة الجنوبية: ٠٥٠٤١٣٠٧٢٧
التوزيع الخيري: ٠٥٠٦٤٣٦٨٠٤ - ٢٨٣١٤٥٣
التسويق والمعارض الخارجية: ٠٥٠٦٤٩٥٦٢٥
البريد الإلكتروني: pop@dar-alwatan.com
موقعنا على الإنترنت: www.madar-alwatan.com
стр. 1559
كتاب النِّكاحِ (١)
ــ
(١) قوله «كِتابُ النِّكاحِ»: النكاح في اللغة: يطلق على العقد ويطلق على الجماع، يقال: نكح فلان فلانة؛ أي عقد عليها، ويقال: نكح فلان زوجته؛ أي جامعها.
قال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن قولهم نكحها فقال «فرقت العرب فرقاً لطيفاً يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت فلان، أو أخته، أرادوا تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يريدوا إلا المجامعة لأن بذكر امرأته وزوجته يستغنى عن العقد» (١).
وفِي الاصطلاح: عقد يفيد ملك المتعة بالأنثى قصدًا، أَي يفيد حِل استمتاع الرجل من امْرأَة لم يَمنع مِنْ نكاحها مانع شَرعِي.
فوجود العقد يُحِل للزوج أن يتحدث مع زوجته، وأن يستمتع بها، ولكن لابد أن يكون على وجه مشروع، فلا يطأ في الحيض، ولا في موطن قضاء الحاجة.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: اختلف الفقهاء فِي حقِيقة النكاحِ على ثلاثة أقوال:
الأَوَّل: أَن النكاح حقِيقة فِي الوطءِ مجاز فِي العَقد.
стр. 1560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّانِي: أَنه حقِيقة فِي العقدِ مجاز في الوطءِ.
الثَّالِثُ: أَنه حقيقة فِي كل من العقد والوطء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والنكاح في الآيات حقيقة في العقد والوطء والنهي لكل منهم» (١).
ما يترتب على الاختلاف فِي حقيقة النكاح:
يترتب على اختلاف الفقهاء فِي حقيقة النكاح اختلاف الحكم فِي بعض المسائِل الفقهِية فمن ذلك:
١ - أن من زنى بِامرأَةٍ حرُمت على أُصُوله وَفروعِه عند من قال بأَن النكاح حقِيقة فِي الوطءِ مجاز فِي العَقد، ومن قال بأَنه حقِيقة فِي العقدِ مجاز في الوطءِ فإِن الزنا لا يثبت المصاهرة، فلمن زنى بامرأَة أَن يتزوج بفروعِها وأصولِها، ولِأَبيه وابنهِ أَن يتزوجها؛ لِأَن النكاح حيث أُطلِقَ حُمِل على العقدِ إِلاَّ بقرينة.
٢ - ومما يترتبُ على اختلاف الفقهاء فِي حقيقة النكاح أيضاً: أَن من حلف لا ينكح، ومن علّق الطلاق على النكاح فإِن الحنث ووقوع الطلاقِ بالْوطء عند من يقول إِنَّ النكاح حقيقة فيه، وبالعقد عند من يرى أَن النكاح حقيقة فيه.
стр. 1561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الفائدة الثانية: ذكر المؤلف كتاب النكاح عقب العبادات الأربع، أركان الدين: «الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج»: لأنه بالنسبة إليها كالبسيط إلى المركب، لأنه عبادة من وجه، معاملة من وجه.
وذكره أيضاً بعد كتاب البيوع - أي عقود المعاوضات المالية - لأن النكاح لابد فيه من مال؛ لأن فيه مهراً ونفقة وغير ذلك، لكن ليس معاوضة، ومتى وجدت المعاوضة في عقد النكاح حَرُمَ؛ ولهذا حَرُمَ عقد الشراء حينما جعل الولي المرأة بمنزلة السلعة فعاوض عليها؛ لأجل بِضعها.
ومن أوجه مناسبة ذكر كتاب النكاح بعد البيوع أن المرء إذا عبد ربه وجمع ماله فإن النكاح لا يتم في الغالب إلا بجمع المال.
فناسب تقديم كتاب البيع وتوابعه ثم بعد ذلك عقد كتاب النكاح وفروقه.
والمقصود بفروق النكاح: الطلاق، والخُلُعُ، واللعان، وغير ذلك مما سنذكره إن شاء الله قريبًا.
- الفائدة الثالثة: الأصل في مشروعية النكاح: النكاح شُرِع من عهد آدم ﵇، واستمرت مشروعيته، بل هو مستمر في الجنَّة هو والإيمان كما قال ذلك بعض أهل العلم، والأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإِجماع.
فمن أدلة الكتاب: قول اللَّه : ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ =
стр. 1562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=النِّسَاءِ﴾ (١)، وَقَوْلُهُ ﴿وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ .. ﴾ (٢).
ومن السنة: قول النبِي ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» (٣).
قال ابن قدامةَ: «أَجمع المسلمون على أَن النكاح مشروع» (٤).
- الفائدة الرابعة: تنطبق على النكاح الأحكام الخمسة:
- فهو مباح: لمن لا شهوة له كالمريض والعنين والكبير.
- وهو سنة: لمن له شهوة ولا يخاف الزنا.
- ومكروه: قد يكون مكروهاً لمن كان غنياً أو كبيراً لا شهوة له لأنه يفوت على المرأة الغرض الصحيح من النكاح، وكذا يكره لفقير لا شهوة له إذ لا حاجة له، ثم إنه سيتحمل أعباء قد يعجز عنها من غير حاجة.
- واجب: على من يخاف الزنا، وكذلك يجب بالنذر. قال شيخ الإسلام ﵀، وإن احتاج الإنسان إلى النكاح وخاف العنت بتركه قدمه على الحج الواجب (٥).
- ومحرم: إذا كان بدار حرب إلا لضرورة فيباح لغير أسير شريطة ألا =
стр. 1563
النِّكَاحُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ (١)،
ــ
=يكون من الجيش.
- الفائدة الخامسة: ينبغي لمن يتزوج ألا يقصد قضاء الشهوة فقط بل ينوي تكثير نسل المسلمين لقوله ﷺ «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). كما ينوي تحصين فرجه وفرج زوجته، وغض بصره وبصرها، وبعد ذلك يأتي قضاء الشهوة.
(١) قوله «النِّكَاحُ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ»: أي ليس من سنة محمد ﷺ فحسب بل هو مشروع في سنن الأنبياء من قبل. دليل ذلك قول الله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (٢)، فكل نبي من أنبياء الله تعالى جاء به، بل وقد تطلبه؛ وما تطلبه ذلك إلا بناءً على طبيعة البشر، وأمر الله ذلك.
وما جاء في قول الله تعالى: ﴿سَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) في ذكره ليحيى ﵇، فمعنى الحصور ليس كما فهمه البعض بالذي لا يأتي النساء، ولكن الحصور الممتنع عن ارتكاب الفواحش. =
стр. 1564
وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّيْ لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ (١)،
ــ
=ثم إنه لو فرض أن يحيى حصور بأنه لا يأتي النساء فنقول بأن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا إذا خالف شرعنا.
ومما يدل على أن أيضاً على أن النكاح من سنن المرسلين ما جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ يقول: «جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ، وَلا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (١).
(١) قوله «وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّيْ لِنَفْلِ الْعِبَادَةِ»: الأصل في النكاح أنه سنة، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢) الآية، ولم يكن واجبًا؛ لأن الله لم يكن ليوجب على العباد شيئًا ويجعله تحت إرادتهم، فقال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾، ولو كان واجبًا لما قيل ما طاب لكم فجعله تحت إرادة الإنسان.=
стр. 1565
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ومن الأدلة أيضاً أن النبي ﷺ قال: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي»، لكن قد يكون واجباً، وقد يكون محرماً، وقد يكون مكروهاً كما مرّ سابقاً.
ومما جاء عن السلف في ذلك:
عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوائد: «مَا يَمْنَعُكَ عَنِ النِّكَاحِ إِلاَّ عَجْزٌ أَوْ فُجُور» (١)، وقال ابن مسعود: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجْلِي إِلاَّ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا، لِي فِيهِنَّ طَوْلُ النِّكَاحِ، لَتَزَوَّجْتُ مَخَافَةَ الْفِتْنَة» (٢).
فالحاصل أن النكاح أفضل من الإعراض عنه وذلك لما يترتب عليه من المصالح العظيمة: منها تحصين الدين وإحرازه، وتحصين المرأة وحفظها، والقيام بمصالحها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ .
فلا ينبغي للإنسان أن يؤخر النكاح لأجل أمور دنيوية كدراسة ونحو ذلك، خاصة أنه ربما لا يصبر على الحرام والعياذ بالله، فيجب عليه حينئذٍ أن يتزوج، وأن يُتطلب لذلك، فإن لم يستطع الزواج فقد أُمر بتخفيف ذلك بقوله ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ - يعني الزواج - أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». والوجاء تعرفه العرب بلغتها، يقولون: هو رض الخصيتين حتى لا يشتهي النساء، هكذا قال علماء اللغة، فالنبي ﷺ =
стр. 1566
لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ (١)،
ــ
= أشار إلى أن الصيام ربما يخفف شيئًا من جماح الشهوة كما سيأتي إن شاء الله قريباً.
(١) قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ» (١): قوله «لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُوْنٍ التَّبَتُّلَ»، ساق المؤلف هنا الأدلة على أن النكاح أفضل من التخلي عنه لنفل العبادة لأن النبي ﷺ رد على عثمان بن مظعون التبتّل.
و معنى التبتل: القطع والإبانة، والمراد هنا الانقطاع عن النساء للعبادة، فلما أراد عثمان بن مظعون من شدة رغبته في الإقبال على العبادة أن يتفرغ لها ويهجر ملاذَ الحياة، استأذن النبي ﷺ في أن ينقطع عن النساء ويقبل على طاعة الله تعالى فلم يأذن له، لأن ترك ملاذ الحياة والانقطاع للعبادة من الغُلو في الدين والرهبانية المذمومة، وإنما الدين الصحيح هو القيام بما لله من العبادة مع إعطاء النفس حظها من الطيبات، ولذا فإن النبي ﷺ لو أذن لعثمان لاتبعه كثير من المُجدّين في العبادة.
- فائدة: قال في حاشية الصنعاني على شرح العمدة ما يلي: «أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك، فصار يشتهي ألا يتناول وللنفس في هذا مكر خفي ورياء دقيق، فإن سلمت من الرياء للخلق كانت إلى خير، ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها النبي ﷺ ولا=
стр. 1567
وقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (١)،
ــ
=أصحابه من إظهار التخشع الزائد عن الحد، وتخشين الملبس، وأشياء صار العوام يستحسنونها، وصارت لأقوام كالمعاش، يجتنون من ثمراتها تقبيل اليد والتوقير، وأكثر في خلوته على غير حالته في جلوته، يتناول في خلوته الشهوات، ويعكف على اللذات، ويري الناس أنه متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظرت إلى أحواله فعنده كبر فرعون» (١)(١) قوله «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجَ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (٢): معشر الشباب: المعشر، هم الطائفة الذين يشملهم وصف.
الباءة: اشتقت للنكاح من المباءة وهى المنزل للملازمة بينهما، لأن من تزوج امرأة بَوّأها منزلاً، وهي في لغة العرب تطلق على معنيين:
المعنى الأول: الجماع.
المعنى الثاني: مؤن النكاح.
قال بعض أهل العلم: إن الباءة المراد بها في الحديث هي مؤن النكاح وقالوا: لأنه لو أريد بالباءة في الحديث الجماع لما قيل من لم يستطع فعليه بالصوم؛ لأنه إذا كان لا يستطيع الجماع فكيف يصوم؟ إذ المقصود =
стр. 1568
وَمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَهُ النَّظَرُ مِنْهَا إِلى مَا ظَهَرَ عَادَةً، كَوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا (١)،
ــ
=بالصوم هو تخفيف الشهوة؛ هكذا قال أهل العلم.
قلت: وهذا القول قول قوي، فإن الجماع يدخل على سبيل الإلزام والتبعية، لأنه حينما أُمر إذا كان عنده مؤن النكاح ولو لم يكن له شهوة لما أُمر بالزواج؛ لأنه يضر بالمتزوج بها؛ لأنه لا يعفها، فدخل الأمران في هذا الحديث.
وقوله «فعليه بالصوم»: ليدفع شهوته، ويقطع شر منيّه، كما يقطعه الوجاء. والوِجاء: بكسر الواو، والمد: هو رض عروق الخصيتين حتى تنفضخا، فتذهب بذهابهما شهوة الجماع، وكذلك الصوم، فهو مُضعِف لشهوة الجماع، ومن هنا تكون بينهما المشابهة.
(١) قوله «وَمَنْ أَرَادَ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ، فَلَهُ النَّظَرُ مِنْهَا إِلى مَا ظَهَرَ عَادَةً، كَوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَقَدَمَيْهَا»: أي من أراد أن يخطب فله أن ينظر إلى ما يظهر غالباً ممن يريد خطبتها، فيباح له أن ينظر إلى ما يدعو إلى نكاحها.
والذي يظهر عادةً في بيتها هو شعرها، ووجهها، وأول صدرها، ونحرها، ويديها إلى وسط عضدها، وأول ساقيها، هذا الذي يظهر عادة مع محارمها.
ودليل هذا: ما جاء عن أبى هريرة قال كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله ﷺ «أَنَظَرْتَ =
стр. 1569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=إِلَيْهَا».قَالَ لا. قَالَ: «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّ فِى أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا» (١).
وعن أنس بن مالك أن المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي ﷺ : «اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (٢): أي أن تدوم المودة بينكما.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ». قَالَ فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِى إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا فَتَزَوَّجْتُهَا (٣).
فهذه الأحاديث تدل على أن له أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، والمصرح به عند الحنابلة (٤) هو جواز النظر إلى المخطوبة.
والراجح: أنه يستحب له أن ينظر منها إلى ما يظهر منها غالباً من الوجه، واليدين، والرقبة، والشعر، والقدمين، ونحو ذلك مما يدعوه إلى نكاحها، وينظر إليها بإذن وليها أو بغيره، بعلمه أو بغير علمه، وكذلك هي بإذنها أو بغير إذنها، بعلمها أو بغير علمها وذلك لإطلاق الحديث، فلو نظر=
стр. 1570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=إليها على غفلة منها أو من وليها فإن ذلك جائز، لكن لا يجوز له أن يفعل ذلك حتى يغلب على ظنه إجابتهم إلى نكاحها وإلا فلا يجوز له ذلك.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: لا يجوز تبادل الصور بين الخاطب والمخطوبة: وكم حصل من الفساد العريض بين الرجل وبين مخطوبته لأجل ذلك، فربما تطمئن المرأة وترسل صورتها للخاطب ثم يحصل الاختلاف، وربما يحصل للخاطب أن ينتقم، وربما يكون ضعيف النفس، ضعيف الوازع الديني، وينشرها في وسائل الإعلام، فلا ينبغي أن يحصل هذا، فإذا أراد أن ينكحها يأتي من الأبواب الشرعية وهي النظر لمن يريد خطبتها مع حضور أحد محارمها.
- الفائدة الثانية: يجوز للمرأة أن تتجمل للخاطب: ولكن هذا التجمل الذي تتجمل به المرأة غالباً هو ما تتجمل المرأة به غالبًا أمام محارمها وأمام نسائها مثل أن تسرح الشعر وتكتحل وتلبس أجمل ملابسها هذا هو التجمل الطبيعي، أما أن تصفر وتحمر بحيث تغرُّ الزوج فهذا لا ينبغي أن يكون، فليس المقصود بالتجمل أن تبالغ المرأة بحيث ربما يخرجها ذلك عن طبيعتها المعتادة.
ودليل التجمل: هو ما جاء عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية «أنها كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ وَهُوَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَىٍّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا=
стр. 1571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فَتُوُفِّىَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهْىَ حَامِلٌ فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِى عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا مَا لِى أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ فَلَمَّا قَالَ لِى ذَلِكَ جَمَعْتُ عَلَىَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِى» (١).
- الفائدة الثالثة: لا يجوز للخاطب أن يخلو بمخطوبته: وهذا يوجد كثيراً، وقد كثرت الأسئلة عن هذا الأمر في أن الخاطب إذا خطب ربما يخلو بها، بل بعضهم يذهبون إلى المطاعم العائلية ويتعشون جميعًا أو يتغدون جميعًا، وهذا محرم فلا يجوز إلا بعقد، فإن عقد على زوجته فإن له أن يذهب بها وأن يمسَّها وغير ذلك، لكن قبل العقد لا يجوز أن يتحدث معها.
وأما ما نسمعه وتسمعونه من أنه لابد أن يكون هناك وئام وحب قبل العقد فهذا كله من ألاعيب الشيطان، ومن المدنِيَّة التي لم ننتفع منها إلا بمثل ذلك، والمدنية الحقة: أن ننتفع بالعلم وليس ثقافات الغرب.
стр. 1572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=دليل ذلك عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَم» (١).
والمرأة المخطوبة ما زالت أجنبية، لا يجوز أن يتحدث الإنسان معها ولا يجوز أن يصافحها، ولا أن يقوم بإلباس المخطوبة الشبكة، فهذا حرام؛ لأنه لم يعقد عليها بعد، فإذا نظر إليها المرة الأولى فلا يجوز له أن ينظر أكثر من هذا إذا رغب فيها ولا يجوز أن يمسها.
- الفائدة الرابعة: شروط جواز النظر إلى المرأة ستة:
الأول: أن يكون بلا خلوة.
الثاني: أن يكون بلا شهوة، فإن نظر لشهوة فإنه يحرم؛ لأن المقصود بالنظر الاستعلام لا الاستمتاع.
الثالث: أن يغلب على ظنه الإجابة.
الرابع: أن ينظر إلى ما يظهر غالباً.
الخامس: أن يكون عازماً على الخطبة، أي: أن يكون نظره نتيجة لعزمه على أن يتقدم لهؤلاء بخطبة ابنتهم، أما إذا كان يريد أن يجول في النساء، فهذا لا يجوز.
السادس: - وتخاطب به المرأة - ألا تظهر متبرجة أو متطيبة، أو ما أشبه ذلك من التجميل الذي فيه نوع غرر؛ لأنه ليس المقصود أن يرغب الإنسان في جماعها حتى يقال: إنها تظهر متبرجة، فإن هذا تفعله المرأة مع زوجها =
стр. 1573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= حتى تدعوه إلى الجماع، ولأن في هذا فتنة، والأصل أنه حرام؛ لأنها أجنبية منه، ثم في ظهورها هكذا مفسدة عليها لأنه إن تزوجها ووجدها على غير البهاء الذي كان عهده رغب عنها، وتغيرت نظرته إليها، لا سيما وأن الشيطان يبهي من لا تحل للإنسان أكثر مما يبهي زوجته، ولهذا تجد بعض الناس - والعياذ بالله - عنده امرأة من أجمل النساء، ثم ينظر إلى امرأة قبيحة شوهاء؛ لأن الشيطان يبهيها بعينه حيث إنها لا تحل له، فإذا اجتمع أن الشيطان يبهيها، وهي - أيضاً - تتبهى وتزيد من جمالها، وتحسينها، ثم بعد الزواج يجدها على غير ما تصورها، فسوف يكون هناك عاقبة سيئة.
السابع: أن يغلب على ظنه الإجابة؛ فإن قيل: كيف يغلب على ظنه الإجابة؟ فالجواب: الله جعل الناس طبقات، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ (١).
فلو تقدم أحد الكنَّاسين إلى بنت وزير، فالغالب عدم إجابته، وكذلك إنسان كبير السن زمِن، أصم، يتقدم إلى بنت شابة جميلة، فهذا يغلب على ظنه عدم الإجابة (٢).
стр. 1574
وَلا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلاَّ أَنْ لا يُسْكَنَ إِلَيْهِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَلا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أَخِيْهِ إِلاَّ أَنْ لا يُسْكَنَ إِلَيْهِ»: أي لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة أخيه، وهذا قول عامة أهل العلم، ومعنى أن يخطب على خطبة أخيه؟ أن يعلم أن فلانًا خطب بنت فلان فيأتي إلى هذا الولي فيخطب المخطوبة وقد خطبت من أخيه المسلم فلا يجوز.
والحكمة في هذا: لما يحصل من العداوة والشحناء؛ دليل ذلك حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «وَلا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ» (١).
لكن يجوز للخاطب الثاني أن يخطب مخطوبة الخاطب الأول في أحوال:
الحالة الأولى: أن يأذن الخاطب الأول، لأن هذا حق له، فإذا أذن فيه جاز له ذلك، والقاعدة في ذلك ما ترتب على المأذون فيه فلا شيء فيه وفي قولٍ أخر فلا ضمان عليه.
الحالة الثانية: أن يترك الخاطب الأول، فيقول: كنت خطبت بنت فلان أو فلانة بنت فلان والآن تركتها، فإذا ترك فلا بأس للخاطب الثاني أن يخطب.
الحالة الثالثة: يقول المؤلف: «ألا يُسكنَ إليها أو ألا يُسكنُ إليه»؛ يعني أي ما زالوا في التفاوض أو لم يقبلوا وما زالوا في طور البحث فلا حرج=
стр. 1575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=للخاطب الثاني أن يخطب.
وهناك وجه آخر في هذه المسألة: أنه لا يجوز للإنسان أن يخطب بعد وجود الخطبة من الخاطب الأول إلا أن يجيبوه ويردوا عليه بالنفي، أما إن كانوا في طور البحث فإن هذا من باب تلقي الركبان؛ وقد نهى النبي ﷺ عن تلقي الركبان، ونهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب على خطبة أخيه كل ذلك لحِكمٍ المقصود بها إزالة العداوة والشحناء، ومعلوم أن الخاطب الأول لو علم أن الخاطب الثاني خطب وهو يعلم أنه متقدم لخطبتها لغضب لذلك ولحصل من العداوة والبغضاء ما الله به عليم، وهذا هو الراجح.
الحالة الرابعة: أن يجهل الحال، أي أن يجهل الخاطب الثاني الحال، فإن جهل الخاطب الثاني الحال فلا حرج أن يخطب، دليله ما ثبت في أن فاطمة بنت قيس خطبها معاوية بن أَبى سفيان وأَبو جهم بن حذيفة فاستشارت النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتَقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ «انْكِحِي أُسَامَةَ». فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ بِهِ (١)، وهذا يدل على أنه لا بأس للخاطب أن يخطب إذا كان يجهل حال وفعل الخاطب الأول.
стр. 1576
وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ (١)،
ــ
(١) قوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»: الخِطبة بكسر الخاء مصدر خطب، يقال: خطب المرأَة خِطبةً وخَطبًا، واختطبها، إِذَا طَلَبَ أَنْ يتزوجها، واختطب القوم فلانًا إِذا دعوه إِلى تزويج صاحبتهم.
الفرق بين «الخِطبة»، و «الخُطبة»:
أن الخُطبة: هي الكلمة التي يخطب بها الخطيب، مثل خُطبة الجمعة.
والخِطبة: بكسر الخاء هي طلب التزوج من المرأة، قال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١).
وقوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»: التصريح معناه أن يقول ما لا يحتمل غير النكاح، مثل أن يقول: «أريد أن أتزوجك»، «أريد أن أنكحك»، «أريد أن أخطبك»، أو «زوجيني نفسك»، أو يقول للولي: «زوِّجني ابنتك»، أو ما أشبه ذلك، فهذا التصريح، وغير التصريح وهو الذي يسمى التعريض فسيأتي في كلام المؤلف بيانه.
وقول المؤلف: «لا يجوز التصريح في المعتدة»: يعني التي في عدة الغير، و المعتدة تنقسم إلى قسمين: معتدة بائن، ومعتدة غير بائن .
أما المعتدة غير البائن: فهي المطلقة طلاقاً رجعياً، أي التي طلقها زوجها طلقتين وهي ما زالت في العدة، فلا يجوز في المعتدة الرجعية التعريض ولا التصريح بخطبتها لأنها ما زالت ذات زوج، فلا يجوز لأحدٍ أيًّا كان أن يتقدم لخطبتها.
стр. 1577
وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ (١)،
ــ
=أما المطلقة البائن: والمقصود المطلقة البائن التي لا تستطيع الرجوع إلى زوجها، وهي المتوفى عنها زوجها وهي في العدة، والتي طلقها زوجها ثلاث تطليقات، والتي فسخت من زوجها لأجل رضاع، إذا تزوجت أخاها من الرضاع ففسخ، وكذلك من لعان فيما لو لاعنت المرأة الزوج لا بأس أن تخطب تعريضًا إذا كان في عدة فسخ اللعان. والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
فقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١) مفهومه عليكم جناح إذا صرَّحتم.
(١) قوله «وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ»: أي يحرم التصريح دون التعريض فيباح في المرأة التي فارقها زوجها في الحياة فراقاً بائناً لا يستطيع الرجوع إليها، وهي إما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات؛ أو مطلقة على عوض، أو مفسوخة فسخاً لا طلاقاً، كأن تكون وجدت في زوجها عيباً ففسخت النكاح، أو وجد هو بها عيباً ففسخ النكاح كما سبق، فهذه هي البائن التي بانت من زوجها فلا رجعة له عليها، فلا يجوز أن يخطبها صريحاً، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ=
стр. 1578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (١)، فمنطوق الآية نفي الجناح بالتعريض، ومفهومها ثبوت الجناح في التصريح، والتعريض مثل أن يبدي لها الرغبة بالخطبة، مثل أن يقول لها: «والله إن امرأة مثلك غنيمة»، أو: «إذا انقضت العدة فأخبريني»، أو: «لا تفوتيني نفسك»، أو: «إني في مثلك لراغب»، أو: «أم العيال كبرت وأنا محتاج لزوجة»، أو ما أشبه ذلك، فقد قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس وهي في عدة زوجها الذي طلقها ثلاث تطليقات فبت طلاقها، قال: لا تفوتينا بنفسك، هذا يدل على أن التعريض غير التصريح.
- فائدة: خطبة المعتدة لها ثلاث حالات:
الأولى: تحرم تصريحاً وتعريضاً .
الثانية: تجوز تصريحاً وتعريضاً .
الثالثة: تجوز تعريضاً لا تصريحاً .
تحرم تصريحاً وتعريضاً خطبة الرجعية من غير زوجها؛ لأنها زوجة، ولا يجوز لأحد أن يخطب زوجة غيره لا تصريحاً ولا تعريضاً، ومثلها المبانة بثلاث من زوجها.
وتباح الخطبة تصريحاً وتعريضاً لزوج أبان زوجته بغير الثلاث، بطلاق على عوض، أو فسخ.
ويحرم التصريح دون التعريض في خطبة المبانة من غير الزوج، والمعتدة=
стр. 1579
وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ (١)،
ــ
=من الوفاة.
وهل يجوز التصريح أو التعريض في خطبة المحرمة بحج أو عمرة؟
نقول: لا يجوز ذلك؛ لأنه لا يجوز عقد النكاح عليها.
إذاً القاعدة: «كل من لا يجوز العقد عليها فإنه تحرم خطبتها تصريحاً»، أما تعريضاً ففيه تفصيل (١).
(١) قوله «وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ»: شرع المؤلف في بيان أركان عقد النكاح، ولم يذكر من أركان النكاح إلا ركنًا واحدًا بقسميه وهما «الإيجاب والقبول»، وهما ركن واحد يسمى عند الفقهاء بالصيغة؛ والمؤلف لم يذكر إلا هذا الركن، ولم يذكر الركن الآخر وهما الزوجان الخاليان من الموانع كما ذكرهما غيره من الفقهاء؛ والمؤلف إنما ترك ذلك لوضوحه وظهوره لأنه لا يمكن أن يقول شخص تزوجت من غير زوج وزوجة، وقوله «إلا بإيجاب»: الإيجاب: هو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه.
فيقول - ولي المرأة -، كالأب، والأخ، وما أشبه ذلك: «زَوَّجْتك ابنتي»، «زوجتك أختي»، وسمي إيجاباً لأنه أوجب به العقد.
والقبول: هو اللفظ الصادر من الزوج، أو من يقوم مقامه، والذي يقوم=
стр. 1580
فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ (١)،
ــ
=مقام الولي هو الوكيل، وهو الذي أذن له بالتصرف في حال الحياة، أو هو من يؤذن له بإبرام العقد سواء كان قبولا أو إيجابًا، مثل أن يقول: «وكلتك أن تزوج بنتي».
- فائدة: يقول بعض الفقهاء لابد أن يتقدم الإيجاب على القبول: فإن تأخر فإنه لا يصح، والطريق إلى تصحيحه أن يعاد القبول بعد الإيجاب؛ لأن القبول المتقدم وقع في غير محله، فإذا جاء الإيجاب وأردفناه بالقبول صح، والقول الراجح: أنه إذا تقدم القبول على وجه يحصل به فإنه يصح.
(١) قوله «فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ»: هذه هي الألفاظ التي ينعقد بها النكاح.
اللفظ الأول: «أَنْكَحْتُكَ»، والثاني: «زوجتك».
فلو قال في الإيجاب: «ملكتك»، أو «خذ بنيتي»، أو «أعطيتك ابنتي»، أو غير ذلك من الألفاظ غير لفظي النكاح والتزويج فإنه لايصح النكاح.
وكذلك القبول: يجوز أن يقول: «قبلت»، أو يقول: «قبلت هذا النكاح»، أو «قبلت هذا الزواج»، ولكنه لو قال: «قبلت هذا العطاء»، فإنه لا يصح، وهذا هو مذهب الحنابلة (١)، ومذهب الشافعية (٢)، قالوا لأن ما سواهما لا يأتي على معنى النكاح فلا ينعقد به. =