وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ (١)،
ــ
(١) قوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»: الخِطبة بكسر الخاء مصدر خطب، يقال: خطب المرأَة خِطبةً وخَطبًا، واختطبها، إِذَا طَلَبَ أَنْ يتزوجها، واختطب القوم فلانًا إِذا دعوه إِلى تزويج صاحبتهم.
الفرق بين «الخِطبة»، و «الخُطبة»:
أن الخُطبة: هي الكلمة التي يخطب بها الخطيب، مثل خُطبة الجمعة.
والخِطبة: بكسر الخاء هي طلب التزوج من المرأة، قال الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١).
وقوله «وَلا يَجُوْزُ التَّصْرِيْحُ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ»: التصريح معناه أن يقول ما لا يحتمل غير النكاح، مثل أن يقول: «أريد أن أتزوجك»، «أريد أن أنكحك»، «أريد أن أخطبك»، أو «زوجيني نفسك»، أو يقول للولي: «زوِّجني ابنتك»، أو ما أشبه ذلك، فهذا التصريح، وغير التصريح وهو الذي يسمى التعريض فسيأتي في كلام المؤلف بيانه.
وقول المؤلف: «لا يجوز التصريح في المعتدة»: يعني التي في عدة الغير، و المعتدة تنقسم إلى قسمين: معتدة بائن، ومعتدة غير بائن .
أما المعتدة غير البائن: فهي المطلقة طلاقاً رجعياً، أي التي طلقها زوجها طلقتين وهي ما زالت في العدة، فلا يجوز في المعتدة الرجعية التعريض ولا التصريح بخطبتها لأنها ما زالت ذات زوج، فلا يجوز لأحدٍ أيًّا كان أن يتقدم لخطبتها.
стр. 1577
وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ (١)،
ــ
=أما المطلقة البائن: والمقصود المطلقة البائن التي لا تستطيع الرجوع إلى زوجها، وهي المتوفى عنها زوجها وهي في العدة، والتي طلقها زوجها ثلاث تطليقات، والتي فسخت من زوجها لأجل رضاع، إذا تزوجت أخاها من الرضاع ففسخ، وكذلك من لعان فيما لو لاعنت المرأة الزوج لا بأس أن تخطب تعريضًا إذا كان في عدة فسخ اللعان. والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
فقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١) مفهومه عليكم جناح إذا صرَّحتم.
(١) قوله «وَيَجُوْزُ التَّعْرِيْضُ بِخِطْبَةِ البَائِنِ خَاصَّةً، فَيَقُوْلُ: لا تُفَوِّتِيْنِيْ بِنَفْسِكِ، وَإِنِّيْ فِيْ مِثْلِكِ لَرَاغِبٌ، وَنَحْوَ ذلِكَ»: أي يحرم التصريح دون التعريض فيباح في المرأة التي فارقها زوجها في الحياة فراقاً بائناً لا يستطيع الرجوع إليها، وهي إما أن تكون مطلقة آخر ثلاث تطليقات؛ أو مطلقة على عوض، أو مفسوخة فسخاً لا طلاقاً، كأن تكون وجدت في زوجها عيباً ففسخت النكاح، أو وجد هو بها عيباً ففسخ النكاح كما سبق، فهذه هي البائن التي بانت من زوجها فلا رجعة له عليها، فلا يجوز أن يخطبها صريحاً، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ=
стр. 1578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (١)، فمنطوق الآية نفي الجناح بالتعريض، ومفهومها ثبوت الجناح في التصريح، والتعريض مثل أن يبدي لها الرغبة بالخطبة، مثل أن يقول لها: «والله إن امرأة مثلك غنيمة»، أو: «إذا انقضت العدة فأخبريني»، أو: «لا تفوتيني نفسك»، أو: «إني في مثلك لراغب»، أو: «أم العيال كبرت وأنا محتاج لزوجة»، أو ما أشبه ذلك، فقد قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس وهي في عدة زوجها الذي طلقها ثلاث تطليقات فبت طلاقها، قال: لا تفوتينا بنفسك، هذا يدل على أن التعريض غير التصريح.
- فائدة: خطبة المعتدة لها ثلاث حالات:
الأولى: تحرم تصريحاً وتعريضاً .
الثانية: تجوز تصريحاً وتعريضاً .
الثالثة: تجوز تعريضاً لا تصريحاً .
تحرم تصريحاً وتعريضاً خطبة الرجعية من غير زوجها؛ لأنها زوجة، ولا يجوز لأحد أن يخطب زوجة غيره لا تصريحاً ولا تعريضاً، ومثلها المبانة بثلاث من زوجها.
وتباح الخطبة تصريحاً وتعريضاً لزوج أبان زوجته بغير الثلاث، بطلاق على عوض، أو فسخ.
ويحرم التصريح دون التعريض في خطبة المبانة من غير الزوج، والمعتدة=
стр. 1579
وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ (١)،
ــ
=من الوفاة.
وهل يجوز التصريح أو التعريض في خطبة المحرمة بحج أو عمرة؟
نقول: لا يجوز ذلك؛ لأنه لا يجوز عقد النكاح عليها.
إذاً القاعدة: «كل من لا يجوز العقد عليها فإنه تحرم خطبتها تصريحاً»، أما تعريضاً ففيه تفصيل (١).
(١) قوله «وَلا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلاَّ بِإِيْجَابٍ مِنَ الوَلِيِّ أَوْ نَائِبِهِ»: شرع المؤلف في بيان أركان عقد النكاح، ولم يذكر من أركان النكاح إلا ركنًا واحدًا بقسميه وهما «الإيجاب والقبول»، وهما ركن واحد يسمى عند الفقهاء بالصيغة؛ والمؤلف لم يذكر إلا هذا الركن، ولم يذكر الركن الآخر وهما الزوجان الخاليان من الموانع كما ذكرهما غيره من الفقهاء؛ والمؤلف إنما ترك ذلك لوضوحه وظهوره لأنه لا يمكن أن يقول شخص تزوجت من غير زوج وزوجة، وقوله «إلا بإيجاب»: الإيجاب: هو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه، والقبول هو اللفظ الصادر من الزوج أو من يقوم مقامه.
فيقول - ولي المرأة -، كالأب، والأخ، وما أشبه ذلك: «زَوَّجْتك ابنتي»، «زوجتك أختي»، وسمي إيجاباً لأنه أوجب به العقد.
والقبول: هو اللفظ الصادر من الزوج، أو من يقوم مقامه، والذي يقوم=
стр. 1580
فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ (١)،
ــ
=مقام الولي هو الوكيل، وهو الذي أذن له بالتصرف في حال الحياة، أو هو من يؤذن له بإبرام العقد سواء كان قبولا أو إيجابًا، مثل أن يقول: «وكلتك أن تزوج بنتي».
- فائدة: يقول بعض الفقهاء لابد أن يتقدم الإيجاب على القبول: فإن تأخر فإنه لا يصح، والطريق إلى تصحيحه أن يعاد القبول بعد الإيجاب؛ لأن القبول المتقدم وقع في غير محله، فإذا جاء الإيجاب وأردفناه بالقبول صح، والقول الراجح: أنه إذا تقدم القبول على وجه يحصل به فإنه يصح.
(١) قوله «فَيَقُوْلُ: أَنْكَحْتُكَ أَوْ زَوَّجْتُكَ، وَقَبُوْلِ الزَّوْجِ أَوْ نَائِبِهِ، فَيَقُوْلُ: قَبَلْتُ أَوْ تَزَوَّجْتُ»: هذه هي الألفاظ التي ينعقد بها النكاح.
اللفظ الأول: «أَنْكَحْتُكَ»، والثاني: «زوجتك».
فلو قال في الإيجاب: «ملكتك»، أو «خذ بنيتي»، أو «أعطيتك ابنتي»، أو غير ذلك من الألفاظ غير لفظي النكاح والتزويج فإنه لايصح النكاح.
وكذلك القبول: يجوز أن يقول: «قبلت»، أو يقول: «قبلت هذا النكاح»، أو «قبلت هذا الزواج»، ولكنه لو قال: «قبلت هذا العطاء»، فإنه لا يصح، وهذا هو مذهب الحنابلة (١)، ومذهب الشافعية (٢)، قالوا لأن ما سواهما لا يأتي على معنى النكاح فلا ينعقد به. =
стр. 1581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ويستدلون أيضاً بأن لفظ الإنكاح والتزويج هما اللفظان الواردان في القرآن، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ (٢)، أما لفظ التزويج فقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٣)، هذا هو القول الأول.
القول الثاني في المسألة: أنه يجوز النكاح بغير لفظ النكاح والتزويج، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وأحمد (٦) في المنصوص عنه، بل قال أبو العباس بن تيمية (٧): «لا أعلم نصًا لأحمد إلا بمثل هذا».
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
الدليل الأول: أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، فلو قال الشخص: «وهبتك سيارتي بمائة ألف» صار بيعًا وليس هبة، فالعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= تعبدية لا يجوز إلا بها، ولو كانت تعبدية لورد الشرع باختصاصها وخصوصها، فلما لم يرد عن النبي ﷺ شيء من ذلك فالمرجع في ذلك إلى اللغة والعرف. وكل ما أتى في الشرع من غير تحديد، فالعرف واللغة هما اللذان يحددانه، وقد دلّ على أن العرب والعجم يتزوجون «سواءً كانوا أعاجم أو عرب» على سنة الله ورسوله ﷺ ، ويصح العقد.
ولو كان المقصود اللفظ لبينه الشارع بيانًا شاملاً، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ فالقاعدة أن جميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفاً، سواء كانت باللفظ الوارد أو بغير اللفظ الوارد.
وسواء كان ذلك في النكاح أو في غير النكاح، هذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١) كما سبق واختيار شيخنا ﵀ (٢).
ولكن لابد أن تكون دلالة اللفظ العرفي دالة على المعنى الشرعي للنكاح، فلو قال: «آجرتك بنتي بألف ريال» فلا يصح؛ لأن الأجرة لا تستعمل في النكاح إطلاقاً، لكن لو قال: «أجرتك بنتي على صداق قدره ألف ريال» هنا يصح العقد؛ لأن فيه ما يدل على أن المراد بالأجرة هنا النكاح، وقد سمى الله تعالى المهر أجرة فقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٣).
стр. 1584
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بِخِطْبَةِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ الَّتِيْ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِيْ الْحَاجَةِ: إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلاثَ آيَاتٍ (١) ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (آل عمران: ١٠٢)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ (النساء: ١)، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (الأحزاب: ٧٠٧١﴾ (١)،
ــ
(١) قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَ العَقْدِ بِخِطْبَةِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ ﵁ الَّتِيْ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ التَّشَهُّدَ فِيْ الْحَاجَةِ: إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا ............. »: هذه هي خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه كما يعلمهم التشهد في الصلاة، وكان النبي ﷺ يفتتح خُطَبه بها، وكان السلف الصالح يقدمونها بين يدي دروسهم، وكتبهم، ومختلف شئونهم تأسيًّا بالنبي ﷺ .
وهذه الخطبة يرويها أهل العلم غالباً في كتاب النكاح لتأكيد سنيتها في خطبة النكاح.
وهذه الخطبة على وجازة ألفاظها وقلة كلماتها فقد تضمنت معاني عظيمة، وكلمات جامعة فيها إظهار للعبودية والافتقار إلى الله عند التأمل الدقيق فيها، ولها تأثيرها البالغ على النفوس إيماناً ومحبةً ورجاءً.
стр. 1585
وَيُسْتَحَبُّ إِعْلانُ النِّكَاحِ (١)،
ــ
- فائدة: من المستحبات التي ذكرها بعض أهل العلم أنه يستحب أن يكون العقد مساء يوم الجمعة، لأن فيه دعوة مستجابة، فعن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : «فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَأَلَ اللَّهَ خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ» (١)، قالوا فيستحب أن يعقد بعد صلاة العصر مساء يوم الجمعة كي يوافق هذه الدعوة.
والصواب أن يقال: إن تخصيص يوم الجمعة جائز ولكنه ليس بمستحب، ولا يوصف بأنه بدعة كما يقول البعض لأن كل فعل فعله الصحابة ﵃ فلا يوصف بالبدعية، بل هو دليل على الجواز، أما الاستحباب فلابد فيه من دليل.
وقد جاء في بعض الروايات من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ، وَصَامَ يَوْمَهُ، وَعَادَ مَرِيضًا، وَشَهِدَ جَنَازَةً، وَشَهِدَ نِكَاحًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» (٢)؛ ولكن هذا الحديث ضعيف فيه محمد بن حفص وهو ضعيف كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم.
(١) قوله «وَيُسْتَحَبُّ إِعْلانُ النِّكَاحِ»: ذهب عامة أهل العلم إلى أنه يستحب إعلان النكاح وإشاعته بين الناس، ومعنى إعلان النكاح هو إظهاره وإشهاره، إما بالأفراح وإما بالذكر والإعلان، بأن يقال: «فلان بن فلان=
стр. 1586
وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ لِلنِّسَاءِ (١)،
ــ
=تزوج فلانة بنت فلان»، أو يكون هناك فرح ويعزم الناس ويجتمعون، فهذا نوع من الإعلان.
ودليل إعلان النكاح والضرب عليه بالدف ما جاء عن محمد بن حاطب الجمحي قال: قال رسول الله ﷺ «فَصْلٌ مَا بَيْنَ الْحَلالِ، وَالْحَرَامِ الدُّفُّ، وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ» (١).
قال المناوي في فيض القدير في شرحه لهذا الحديث: «أعلنوا النكاح: أي أظهروه إظهاراً للسرور، وفرقاً بينه وبين غيره من المآدب، وهذا نهي عن نكاح السِّرِ ثم ذكر الخلاف في كيفيته ... ، إلى أن قال: والأقرب إلى ظاهر الخبر أن المراد بالإعلان إذاعته وإشاعته بين الناس وأن الأمر للندب» (٢).
(١) وقوله «وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ لِلنِّسَاءِ»: الدَّف: بالفتح وبالضم، أي ويستحب كذلك الضرب بالدف للأحاديث التي وردت بشأنه، وما ذكره المؤلف يشتمل على أمرين:
أولاً: أن الذي يسنُّ الضرب به هو الدُّف، وهو غير الطبل والطار، فالدف يجعل الرق والجلد على وجه واحد منه، وأما الطبل والطار فيكون فيه الرَّق من الوجهين جميعاً، ولهذا اشترط الفقهاء في الدف أن لا يكون فيه حلق ولا صنوج، وأخرجوا من ذلك الطبول، فقالوا: لا تسن في النكاح.
стр. 1587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثانياً: قوله «للنساء» أنه للنساء خاصة دون الرجال، وفي رواية في المذهب التسوية.
قال في الفروع: «وظاهر نصوصه وكلام الأصحاب التسوية» (١)، أي أنه لا فرق بين النساء والرجال، وأن الدف فيه للرجال كما هو للنساء؛ ولما فيه من الإعلان، وإن كان الغالب أن الذي يفعل ذلك النساء، والذين قالوا بتخصيصه بالنساء وكرهوه للرجال، يقولون: لأن ضرب الرجال بالدف تشبه بالنساء، لأنه من خصائص النساء.
قال شيخنا: «المسألة راجعة للعرف، فإذا كان العرف أنه لا يضرب بالدف إلا النساء، فحينئذٍ نقول: إما أن يكره، أو يحرم تشبه الرجال بهن، وإذا جرت العادة بأنه يُضرب بالدف من قبل الرجال والنساء فلا كراهة؛ لأن المقصود الإعلان، وإعلان النكاح بدف الرجال أبلغ من إعلانه بدف النساء؛ لأن النساء إذا دففن فإنما يدففن في موضع مغلق، حتى لا تظهر أصواتهن، والرجال يدفون في موضع واضح بارز، فهو أبلغ في الإعلان، وهذا ظاهر نص الإمام أحمد ﵀ وكلامِ الأصحاب حتى «المنتهى» الذي هو عمدة المتأخرين في مذهب الإمام أحمد، ظاهره العموم وأنه لا فرق بين الرجال والنساء في مسألة الدف (٢).
стр. 1588
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بما سبق:
- الفائدة الأُولى: اشتراط الفحص الطبي قبل الزواج: للتأكد من خلو الزوجين من الأمراض المعدية ، جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي بشأن هذه القضية ما يلي (١): «الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من: ١٩ - ٢٣/ ١٠/١٤٢٤ هـ الذي يوافقه: ١٣ - ١٧/ ١٢/٢٠٠٣ م، قد نظر في موضوع: «أمراض الدم الوراثية»، ومدى مشروعية الإلزام بالفحوص الطبية للراغبين في الزواج، واستمع إلى البحوث المقدمة في الموضوع من بعض أعضاء المجلس والمختصين، وبعد العرض والمناقشة المستفيضة من قبل أعضاء المجلس والباحثين والمختصين، اتخذ المجلس القرار التالي:
أولاً: إن عقد النكاح من العقود التي تولى الشارع الحكيم وضع شروطها، ورتب عليها آثارها الشرعية، وفتحُ الباب للزيادة على ما جاء به الشرع كالإلزام بالفحوص الطبية قبل الزواج وربط توثيق العقد بها أمر غير جائز.
ثانياً: يوصي المجلس الحكومات والمؤسسات الإسلامية بنشر الوعي بأهمية الفحوص الطبية قبل الزواج، والتشجيع على إجرائها، وتيسير تلك =
стр. 1589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=تلك الفحوصات للراغبين فيها، وجعلها سرية لا تفشى إلا لأصحابها المباشرين».
- الفائدة الثانية: من قام بإجراء الفحص الطبي قبل الزواج: للتأكد من الإنجاب كما يحصل من بعض الأفراد ثم تبين له من الفحوصات أنه لا يمكنه الإنجاب نقول لهذا الشخص:
أولاً: ينبغي له أن يتزوج ما دام قادراً على المهر والنفقات، وقضاء وطره من الزوجة؛ عملا بالسنة وإعفافاً لفرجه، والتعاون على شؤون الحياة، وتحقيقاً للروابط بينه وبين من يصاهرهم، إلى غير ذلك من حكم مشروعية النكاح.
ثانياً: قد يكون ما بُني على الكشف الطبي والتحليل من الحكم بعدم الإنجاب خطأ، وعلى تقدير أنه صواب فقد تكون الموانع من الإنجاب لعلل تزول بالعلاج ونحوه من الأسباب الكونية، وقد تزول بمحض قضاءً وقدراً وليس ذلك على الله بعزيز، فقد أصلح الله تعالى زوجة زكريا فأنجبت له يحيى عليهما الصلاة والسلام، استجابة لدعائه وإكراماً له، وقد أنجبت سارة إسحاق لإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، مع كبر سنهما وطول الأمد على امرأته عقيما.
ثالثاً: على المسلم أن يأخذ بالأسباب الكونية المادية، وبالأسباب المعنوية، كالدعاء واللجوء إلى الله، ولا ييأس من روح الله، فإنه لا ييأس من=
стр. 1590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=روح الله إلا القوم الكافرون، وعليه أن يخبرهم بالواقع قبل العقد؛ لأن هذا عيب ظهر له بالفحص.
- الفائدة الثالثة: في حكم إجراء عقد النكاح عن طريق وسائل الاتصال الحديثة كالإنترنت، والهاتف، وصفحات المجلات، وغير ذلك:
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم المعاصرون:
وقد اعتنت الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج والأعراض أكثر من غيرها من عقود المعاملات، ولذلك يرى بعض الفقهاء عدم الاعتماد في عقود النكاح في القبول والإيجاب على المحادثات الهاتفية والإنترنت وغير ذلك تحقيقاً لمقاصد الشريعة ومزيداً من العناية في حفظ الفروج والأعراض، فعقد الزواج يعتبر من أخطر العقود التي يتعامل بها الإنسان في حياته، وقد سماه الله تعالى ميثاقاً غليظاً، ويترتب عليه مصير الزوجين وأبنائهما من بعد، ولابد في عقد النكاح من توافر أركانه وشروطه التي سبق بيانها.
وإذا كان لا يجزيء في عقد النكاح مجرد التوقيع على العقد المكتوب حيث يلزم تلفظ الولي بالإيجاب والزوج بالقبول وإلا اعتبر العقد باطلاً بمعنى أن عقد النكاح لا يتم إلا بالإيجاب: وهو اللفظ الصادر من ولي المرأة بقوله «أنكحتك»، أو «زوجتك»، وبالقبول: وهو اللفظ الصادر من الزوج، وهو قوله: «قبلت هذا النكاح»، كما مرّ بنا فإنه يلزم لصحة عقد الزواج وجود الزوجين في مجلس العقد مع الشاهدين، وذلك =
стр. 1591
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=للتأكد من شخصية الزوجين وسماع الصيغة، وذلك لا يتوفر في إجراء العقد عن طريق الأجهزة الحديثة كالإنترنت لعدم التحقق من طرفي العقد الزوجين الحقيقيين، فضلاً عن كون الشاهدين غير مطلعين على حقيقة القبول والإيجاب، وصدوره من الزوجين أو من غيرهما، وهذا يؤدي للغش والتغرير خاصة بالمرأة.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة ما يلي: «نظراً إلى ما كثر في هذه الأيام من التغرير والخداع، والمهارة في تقليد بعض الناس بعضاً في الكلام، وإحكام محاكاة غيرهم في الأصوات حتى إن أحدهم يقوى على أن يمثل جماعة من الذكور والإناث صغاراً وكباراً، ويحاكيهم في أصواتهم وفي لغاتهم المختلفة محاكاة تلقي في نفس السامع أن المتكلمين أشخاص، وما هو إلا شخص واحد، ونظراً إلى عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج والأعراض، والاحتياط لذلك أكثر من الاحتياط لغيرها من عقود المعاملات - رأت اللجنة أنه ينبغي ألا يعتمد في عقود النكاح في الإيجاب والقبول والتوكيل على المحادثات التليفونية، تحقيقاً لمقاصد الشريعة ومزيد عناية في حفظ الفروج والأعراض حتى لا يعبث أهل الأهواء ومن تحدثهم أنفسهم بالغش والخداع» (١).
قلت: ويمكن لهذا الشخص إذا اضطر على ذلك إجراء النكاح عن طريق التوكيل، فيوكل الزوج أو الولي من يعقد له أمام الشاهدين.
стр. 1592
بابُ وِلايَةِ النِّكاحِ (١)
لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ (٢)
ــ
(١) قوله «بابُ وِلايَةِ النِّكاحِ»: بعد ما انتهى من أركان النكاح شرع في شروط النكاح، وأول شرط ذكره المؤلف هو: الولي، وسيأتي تعريفه إن شاء الله. والوِلاية في النِّكاح: عرفها بعض أهل العلم بأنها سلطة شرعيّة، لعصبة نسب، أومن يقوم مقامهم، يتوقَّف عليها تزويج من لم يكن أهلاً لعقده.
(٢) قوله «لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ»: تعددت أقوال الفقهاء في تعريف الولي، فمن ذلك ما قاله الشوكاني «الوليُّ هو الأقرب من العصبة من النسب، ثم من السبب، ثم من عصبته، وليس لذوي السهام ولا لذوي الأرحام من الأولياء، فإذا لم يكن ثمّ ولي أو كان موجوداً وعضل انتقل الأمر إلى السلطان» (١).
وقال في الإقناع: «أولى النّاس بإنكاح المرأة أبوها، ثم أبوه أي جدها لأبيها، ثم أخوها، ثم بنوه، ثم الأقرب فالأقرب من عصبتها، ثم معتقها، ثم عصبته، ثم السلطان فهو ولي من لا ولي لها» (٢).
وقال ابن حزم: «ولا يحلُّ للمرأة نكاحٌ، ثيباً كانت أو بكراً إلا بإذن وليها: الأب، أو الإخوة، أو الجدّ، أو الأعمام، أو بني الأعمام، وإن=
стр. 1593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=بعدوا، والأقرب فالأقرب أولى، وليس ولد المرأة ولياً لها ... » (١).
من خلال تعريفنا السابق للولاية وما ذكره الفقهاء آنفاً يمكننا أن نقول بأن الولي: هو من ولاه الشارع أمر تزويج من لا يجوز أن يزوج نفسه بنفسه كالمرأة والصغير، وقد اتفق الفقهاء جميعاً على مشروعيته إلا أنهم قد اختلفوا في حكم اشتراط الولي على قولين:
القول الأول: ذهب إليه جمهورُ أهلِ العلم (٢) سلفاً وخلفاً إلى اشتراط الولي في النكاح، وقالوا لا يصحُّ النكاحُ إلا بولي، واستدلوا بما يلي:
أولاً: من القرآن الكريم:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .... ﴾ (٣)، وجه الدلالة من الآية أنّه تعالى خاطب بالنكاح الرجال، ولم يخاطب به النساء فكأنه قال لا تُنكحوا أيها الأولياء مولياتكم للمشركين، «وأنكح» فعل متعدٍ يتعدى إلى الغير، والخطاب للأولياء فدل هذا على أن النكاح راجع إليهم، ولذلك خوطبوا به، فيكون هذا دليلاً على أن المرأة لا يمكن أن تزوج نفسها، بل لابد من أن ينكحها غيرها. قال القرطبي: «وفي هذه الآية دليل بالنصّ على أنه لا نكاح إلا بولي» (٤).
стр. 1594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْن أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١). وجه الدلالة من الآية: قولُه خطاباً للأولياء: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وهذا الإسناد في الخطاب للأولياء دالٌّ على أنّ الأمر موكلٌ إليهم في التزويج لا إلى مولياتهم، فلو لم يكن الولي شرطاً لكان عضله لا أثر له.
قلت: ولهذه الآية سبب نزول أخرجه الشيخان، وهذا لفظ البخاري قال: عن الحسن قال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قال: «حدثني معقل بن يسار أنّها نزلت فيه قال: زوّجتُ أُختاً لي من رجل فطلّقها، حتى إذا انقضت عدتُها جاء يخطُبها، فقلتُ له: زوّجتُك وأفرشتُك وأكرمتُك فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأةُ تريدُ أن ترجع إليه فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقلتُ: الآن أفعلُ يا رسول الله قال: فزوّجها إياه» (٢).
قال الحافظ ابن حجر: «وهي أصرحُ دليل على اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى، ولأنها لو كان لها أن تُزوّج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومن كان أمرُه إليه لا يُقالُ: إنّ غيرَه منعه منه (٣).
وقال القرطبيُ: ففي الآية دليلُ على أنّه لا يجوزُ النكاحُ بغير ولي لأنّ=
стр. 1595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=أُختَ معقل كانت ثيباً، ولو كان الأمرُ إليها دون وليها لزوّجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل، فالخطاب إذاً في قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ للأولياء، وأنّ الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن (١).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ .. ﴾ (٢). قال ابن سعدي: «يأمرُ تعالى الأولياء والأسياد بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم من لا أزواج لهم من رجال ونساء، ثيباتٍ وأبكاراً» (٣).
وقال ابن حزم: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٤)، وهذا خطاب للأولياء لا للنساء (٥).
٤ - قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ (٦)، قال القرطبي: «وممّا يدل على هذا أيضاً من الكتاب أي اشتراط الولي قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾، فلم يخاطب تعالى بالنكاح غير الرجال ولو كان إلى النساء لذكرهن» (٧).
стр. 1596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأدلة من السنة:
١ - ما ذكره المؤلف وهو حديث أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: «لا نكاح إلا بولي» (١)، «لا» نافية للجنس، والنفي هنا للصحة أي: لا نكاح صحيح إلا بولي وليس على الوجود؛ لأنه قد تتزوج امرأة بدون ولي. فلو قال قائل: لِمَ لا نقول لا نكاح كامل إلا بولي، وحمل النفي على نفي الكمال لا على نفي الصحة.
قلنا هذا غير صحيح؛ لأنه متى أمكن حمله على نفي الصحة كان هو الواجب؛ لأنه ظاهر اللفظ، ونحن لا نرجع إلى تفسير النفي بنفي الكمال، إلا إذا دل دليل على الصحة، ولأن الأصل في النفي انتفاء الحقيقة واقعاً أو شرعاً، والقاعدة في ذلك أن النفي يحمل على نفي الوجود، فإن تعذر فنفي الصحة، فإن تعذر فنفي الكمال.
٢ - عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ لَمْ يُنْكِحْهَا الْوَلِيُّ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ» (٢).
стр. 1597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=أما الآثار الواردة عن الصحابة فمن ذلك ما جاء عن ابن جريج قال: «كانت عائشة إذا أرادت نكاح امرأة من نسائها، دعت رهطاً من أهلها، فتشهدت، حتى إذا لم يبق إلا النكاح قالت: «يا فلان! أنكح فإن النساء لا يُنْكِحن» (١).
وعن عائشة قالت: «كان الفتى من بني أختها إذا هويَ الفتاة من بني أخيها، ضربت بينهما ستراً وتكلمت، فإذا لم يبق إلا النكاح قالت: يافلان! أنكح، فإن النساء لا ينكحن» (٢).
القول الثاني: قولُ الحنفية (٣) فقد ذهبوا إلى أنه لا يُشترط الولي أصلاً، ويجوز أن تُزوِّج المرأةُ نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤاً، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي التي ذكرناها آنفاً على الصغيرة، أما الْبالغة العاقلة فيجوزُ مباشرة عقد نكاحها ونكاح غيرها مطلقًا - أَي من كفءٍ، أَو من غير كفءٍ - إِلا أَنه خلاف المستحب.
قلت: ولهم أدلة أخرى يحتجون بها.
والراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من كون الولي شرطاً لصحة عقد النكاح.
стр. 1598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قال الإمام الترمذي: «والعملُ في هذا الباب على حديث النبي ﷺ «لا نكاح إلا بولي» عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ؛ منهم عمر ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وغيرهم.
وهكذا رُوي عن بعض فقهاء التابعين أنهم يقولون: «لا نكاح إلا بولي» منهم سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشُريح, وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم» (١).
قلت: وهذا أيضاً هو قول شيخنا (٢)، وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة (٣).
- فائدة: في الشروط المعتبرة في الولي:
١ - كمال الأهلية: ولا يكون ذلك إلا بالبلوغ والعقل والحرية، فلا ولاية للصبي، والمجنون، والمعتوه «ضعيف العقل»، والسكران، وكذا مختل النظر بهرَم «وهو كبر السن»، أو خبَل «وهو فساد في العقل»، والرقيق، لأنه لا ولاية لأحد من هؤلاء على نفسه، لقصور إدراكه وعجزه في غير الرقيق فلا تكون له ولاية على غيره؛ لأن الولاية تتطلب كمال الحال. وأما الرقيق فلأنه مشغول بخدمة مولاه، فلا يتفرغ للنظر في شؤون غيره.
стр. 1599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
٢ - اتفاق دين الولي والمولى عليه: فلا ولاية لغير المسلم على المسلم، ولا للمسلم على غير المسلم، أي فلابد أن يكون دين الولي والمرأة واحداً، سواء كان دين الإسلام أو غير دين الإسلام؛ وذلك لانقطاع الولاية بين المختلفين في الدين، ويدل على انقطاع الولاية أنه لا يتوارث أهل ملتين، فإذا انقطعت الصلة بالتوارث، فانقطاعها بالولاية من باب أولى، فعلى هذا يزوج النصراني ابنته النصرانية، وكذلك يزوج اليهودي ابنته اليهودية، وعلى هذا فقس.
- فائدة: وهل يزوج المسلم ابنته النصرانية؟ على خلاف بين الفقهاء:
والراجح عندي أنه إذا كان الولي أعلى من المرأة في دينه فلا بأس أن يزوجها؛ فمن كان أقرب إلى الأمانة فهو أولى، فإذا كانت امرأة نصرانية، لها عم نصراني، وأخ نصراني، وأب مسلم، فعلى القول الراجح عندي أن الولي هو أبوها المسلم، ولذا كان الأب أولى من غيره في الولاية للنكاح لأنه أشد الناس نظراً لمصلحة المرأة، وإذا كنا نشترط في الولي المسلم العدالة، وهي أخص من الإسلام فاشتراط الإسلام أولى.
٣ - الذكورية: اشترط جمهور الفقهاء (١) أن يكون الولي ذكراً، فلا تثبت ولاية الزواج للأنثى؛ لأن المرأة لا يثبت لها ولاية على نفسها، فعلى غيرها أولى. =
стр. 1600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وقال الحنفية (١): ليست الذكورة شرطاً في ثبوت الولاية، فللمرأة البالغة العاقلة ولاية التزويج بالنيابة عن الغير، بطريق الولاية أو الوكالة.
٤ - العدالة: وهي استقامة الدين، بأداء الواجبات الدينية، والامتناع عن الكبائر: كالزنا، والخمر، وعقوق الوالدين، ونحوها، وعدم الإصرار على الصغائر، وقد اختلف الفقهاء في اشتراط العدالة في الولي:
فعند الشافعية (٢) على المذهب، وعند الحنابلة (٣) أنها شرط في الولي، فلا ولاية لغير العدل وهو الفاسق، ولأنها ولاية تحتاج إلى النظر وتقدير المصلحة، فلا يستبد بها الفاسق كولاية المال، ويكفي العدالة الظاهرة، فيكفي مستور الحال؛ لأن اشتراط العدالة ظاهراً وباطناً فيه حرج ومشقة ويفضي إلى بطلان غالب الأنكحة.
ويستثنى من هذا الشرط: السلطان، يزوج من لا ولي لها، فلا تشترط عدالته للحاجة، والسيد يزوج أمته، فلا تشترط عدالته؛ لأنه تصرف في أمته، كإيجارها ونحوه.
وذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥) إلى أن العدالة ليست شرطاً في ثبوت الولاية، فللولي عدلاً كان أو فاسقاً تزويج ابنته أو ابنة أخيه مثلاً؛ لأن=
стр. 1601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فسقه لا يمنع وجود الشفقة لديه ورعاية المصلحة لقريبه، ولأن حق الولاية عام، ولم ينقل أن ولياً في عهد الرسول ﷺ ومن بعده منع من التزويج بسبب فسقه.
قلت: الصواب في هذه المسألة: ما اختاره شيخنا (١) ﵀ أنه لا بد أن يكون الولي مؤتمناً على موليته، هذا أهم الشروط؛ وذلك لأنه يتصرف لمصلحة غيره، فاعتبر تحقيق المصلحة في حق ذلك الغير، أما عدالته ودينه فهذا إليه هو، وكثير من الآباء تجده فاسقاً من أفسق عباد الله، يشرب الخمر، ويزني، ويحلق لحيته، ويشرب الدخان، ويُعامل بالغش، ويغتاب الناس، وينم بين الناس، لكن بالنسبة لمصلحة بنته لا يمكن أن يفرط فيها أبداً.
٥ - الرشد: وهو من أهم الشروط التي يجب توافرها في الولي.
والرشد في اللغَة: الصلاح، وإصابة الصواب، والاستقامة على طريق الحق، مع تصلب فيه، وهو خلاف الغي والضلال، ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن المعنى اللغوي.
فهو في العقد بأن يكون بصيراً بأحكام عقد النكاح، بصيراً بالأكْفَاء، ليس من الناس الذين لا يعرفون الأكفاء ومصالح النكاح، وهذا في الحقيقة هو محط الفائدة من الولاية؛ لئلا تضيع مصالح المرأة.
стр. 1602
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد اختلف الفقهاء في هذا الشرط:
فالشافعية (١) على المذهب، والحنابلة (٢) في ثبوت الرشد في الولاية؛ لأن المحجور عليه بسفه لا يلي أمر نفسه في الزواج، فلا يلي أمر غيره.
وقال الحنفية (٣)، والمالكية (٤) ليس الرشد الذي هو بمعنى حسن التصرف في المال شرطاً في ثبوت الولاية، فيصح للسفيه ولو محجوراً عليه أن يتولى تزويج غيره. لكن يستحب عند المالكية أن يكون التزويج من السفيه ذي الرأي بإذن موليته، وبإذن وليه، فإن زوج ابنته مثلاً بغير إذن وليه، ندب أن ينظر الولي لما فيه المصلحة، فإن كان صواباً أبقاه وإلا رده، فإن لم ينظر فهو ماض.
والراجح من القولين: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول فيشترط أن يكون الولي راشداً في العقد، ولكن يكون كما رجحه شيخ الإسلام (٥) ﵀ حيث قال: «الرشد في كل مقام بحسبه، فالرشد في البيع شيء والرشد في النكاح شيء آخر، وهكذا. فالرشد في النكاح: أن يكون عارفاً بالكفء، وعارفاً بمصالح النكاح، وإن كان غير رشيد في بيعه وشرائه ولكنه رشيد في النكاح، ولا شك أن اشتراط الرشد في النكاح أولى من اشتراطه في البيع=
стр. 1603
وَشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ (١)،
ــ
= فإن استحلال الفرج وما يترتب على النكاح من آثارٍ أولى من خروج شيء من ملكيته من الأشياء المالية».
(١) قوله «وَشَاهِدَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ»: الشهادة لغة: مصدر. أصله شَهِدَ، كَعَلِمَ، وقد تسكن هاؤه (١)، والشين، والهاء، والدال أصل يدل على حضور، وعلم، وإعلام، يقول ابن فارس: «لا يخرج شيء من فروعه عن الذي ذكرناه، ومن ذلك الشهادة تجمع الأصول التي ذكرناها من الحضور، والعلم، والإعلام، يقال: شَهِدَ، يشهد، شهادةً» (٢).
واصطلاحاً: عرفت الشهادة عند الفقهاء بعدة تعريفات، واختلفت التعاريف بسبب اختلاف نوع الأداء، فإن كان إخباراً بحق للغير فهو الشهادة، وإن كان بحق للمخبر على آخر فهو الدعوى، أو بالعكس وهو الإقرار، فالشهادة هي: الإخبار بما علمه الشاهد، أما الشهادة في عقد النكاح فليست إخباراً، وإنما هي تحمل للشهادة أولاً لصحة العقد، ثم أداء لها في مجلس القضاء عند الحاجة، فلا تكون الشهادة ملزمة بدون القضاء.
- فائدة: حكم الإشهاد على عقد النكاح:
اختلف الفقهاء في حكم الإشهاد على عقد النكاح، وسبب الخلاف يرجع إلى أمرين:
стр. 1604
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمر الأول: هو المقصود من الشهادة في النكاح، هل هي حكم شرعي يجب امتثاله والعمل به، أم يقصد بها التوثيق وسد ذريعة الاختلاف التي قد تنشأْ بين الزوجين؟ فمن قال إنها حكم شرعي، قال إن الشهادة شرط في صحة عقد النكاح، ومن قال: إنها توثيق لم يشترط الشهادة في عقد النكاح، كالرهن والكفالة لا تشترط في البيوع.
الأمر الثاني: الذي بسببه حصل الاختلاف: هو الاختلاف في تصحيح أحاديث اشتراط الشهادة في عقد النكاح، فمن صححها أو بعضها قال باشتراط الشهادة، ومن رأى عدم صحتها قال بخلاف ذلك، وبسبب ما ذكرناه حصل الخلاف بين الفقهاء في الشهادة على عقد النكاح على قولين:
القول الأول: أن الشهادة شرط لصحة عقد النكاح: وهذا قول الحنفية (١) والشافعية (٢)، وهو المشهور عن الإمام أحمد (٣)، وقال به من الصحابة أمير المؤمنين عمر (٤)، وعلي (٥)، وعبد الله بن عباس (٦) ﵃، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والحسن، =
стр. 1605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والنخعي، وقتادة، والثوري، والأوزاعي (١)، وهو اختيار سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، وسماحة شيخنا ابن باز (٣)، وهو اختيار اللجنة الدائمة (٤)، استدل أصحاب هذا القول بعدة أحاديث تدل على اشتراط الشاهدين في عقد النكاح، منها:
١ - عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ لَهُ» (٥)، ففي هذا الحديث نص صريح على نفي صحة النكاح إلا بالشاهدين كما أنه لا يصح إلا بولي.
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَكُونُ نِكَاحٌ إِلا بِوَلِيٍّ وشاهدينِ، وَمَهْرٍ مَا كَانَ قَلَّ أَمْ كَثُرَ» (٦)، وهذا دليل ظاهر على وجوب الشاهدين في عقد النكاح.
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا نِكَاحَ إلا بِأَرْبَعَةٍ خَاطِبٍ=
стр. 1606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وَوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ» (١).
٥ - روي عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل نكاح إلا بولي، وصداق، وشاهدي عدل» (٢)، قال الشافعي ﵀: هذا وإن كان منقطعاً دون النبي ﷺ فإن أكثر أهل العلم يقول به، ويقول: هو الفرق بين النكاح والسفاح (٣).
ثانياً: استدلوا أيضاً بآثار مروية عن عدد من الصحابة منها:
١ - عن الحسن وسعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٤).
٢ - وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: «هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت» (٥).
قال الزركشي: وخص النكاح - والله أعلم - باشتراط الشهادة، دون غيره من العقود، لما فيه من تعلق حق غير المتعاقدين وهو الولد (٦).
٣ - عن ابن عباس ﵄ أنه قال «لا نكاح إلا بولي ولا نكاح=
стр. 1607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=إلا بشهود» (١).
ثالثاً: من المعنى قالوا: إن اشتراط الشهادة في النكاح آكد من اشتراطها في البيع؛ لأن النكاح يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد؛ لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه بخلاف البيع، ولأن في اشتراط الشهادة في عقد النكاح احتياطاً للأبضاع، وصيانة للأنكحة عن الجحود.
القول الثاني: أن الشهادة ليست شرطاً في صحة عقد النكاح، وهذا هو قول الإمام مالك (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وشيخنا ﵀ (٥)، استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أولاً: استدلوا بالعموميات:
١ - بعموم قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦)، فلم يذكر الله تعالى الشهادة، فيبقى النص على الإطلاق ولا تشترط الشهادة.
٢ - وبعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٧)، والنكاح من العقود التي يجب الوفاء بها دون شهود.
стр. 1608
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثانياً: من السنة:
١ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلاثًا يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ، وَلا لَحْمٍ أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَأُلْقِيَ فِيهَا مِنَ التَّمْرِ وَالأَقِطِ وَالسَّمْنِ فَكَانَتْ وَلِيمَتَهُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَقَالُوا إِنْ حَجَبَهَا فَهْيَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهْيَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّى لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ» (١).
وجه الاستدلال: أنهم لم يستدلوا على تزويجها إلا بالحجاب مما دل على عدم اشتراط الإشهاد في عقد النكاح.
ثالثاً: استدلوا بآثار رويت عن بعض الصحابة، أن ابن عمر زوج بلا شهود، وهو من أشد الصحابة ﵃ تمسكاً بالسنة،
رابعاً: استدلوا أيضاً بعدة تعليلات وأقيسة، منها:
١ - قياس النكاح على الرهن والكفالة في عدم اشتراط الإشهاد فيها بجامع أن كلاً منها عقد توثيق.
٢ - قالوا: ولأن كل شخص لا يحتاج إليه في إيجاب ولا قبول لم يكن حضوره شرطاً في انعقاد النكاح كالزوجة وسائر الأجانب.
стр. 1609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بيان الراجح من القولين:
بعد عرض الأدلة لكلا القولين مستوفاة فالذي يتبين لي رجحانه هو القول الأول القاضي باشتراط الشهادة في عقد النكاح، وذلك لعدة أسباب منها:
١ - أن أحاديث اشتراط الشهادة كثيرة، وقد ذكرت بعضها، وقد رويت بطرق مختلفة وأسانيد متعددة؛ لذا يظهر لمن تأمل أسانيد الأحاديث وطرقها ومتابعاتها أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج بها، فأقل ما يقال في الشهادة في عقد النكاح أنها ثابتة بأحاديث حسنة.
٢ - اشتراط الشهادة في عقد النكاح له فوائد عدة، منها:
أولاً: إثبات النكاح عند العقد وصيانة له عن الجحود، خصوصاً ونحن في زمن تهاون فيه كثير من الناس في التقاء الزوجين قبل الدخول ببعضهما، وأحياناً الخلوة بها والخروج معها وقد يواقعها؛ مما استدعى الأمر معه إلى إثبات النكاح عند العقد، وليس عند الدخول.
ثانياً: أن من المقرر عند الفقهاء أن الأصل في الأبضاع الحرمة، فإذا تعارض دليلان أحدهما موجب للحل والآخر موجب للحرمة رجح الموجب للحرمة للأصل.
ثالثاً: الناس يختلفون في إعلان النكاح بحسب أعرافهم وواقعهم، وقد يطرأ عليهم ما يمنع من إعلانه، ثم إن ضابط الإعلان مختلف فيه، فكان =
стр. 1610
وَأَوْلى النَّاسِ بِتَزْوِيْجِ الحُرَّةِ أَبُوْهَا، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا، ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلُوْا (١)،
ــ
=اشتراط الشهادة في العقد أولى من عدمه؛ لأن الشهادة لا مجال فيها للتفاوت أو الاختلاف.
رابعاً: أن عدم اشتراط الشهادة في عقد النكاح انتشار لنكاح السر، وناهيك عما فيه من مفاسد وأضرار على الأفراد والمجتمعات، ولا سيما هذا الواقع الذي كثر فيه التحايل على الحرام وماتت الغيرة في نفوس فئة من المسلمين، بل وانتشرت الدياثة التي تأباها الشريعة والفطر المستقيمة.
(١) قوله «وَأَوْلى النَّاسِ بِتَزْوِيْجِ الحُرَّةِ أَبُوْهَا، ثُمَّ أَبُوْهُ وَإِنْ عَلا، ثُمَّ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلُوْا»: أي أن الأب هو المقدم في باب الولاية على النكاح لأنه أشد شفقة وأكمل نظراً من غيره، فيقدم الأب حتى على الأبناء، وفي رواية عن الإمام أحمد (١) أن الأبناء يقدمون على الأب، وهو مذهب الإمام مالك (٢) قالوا: لأنهم أقرب عصبة من الأب.
والصحيح الأول لأن نظر الأب أكمل وشفقته أشد، وهو مذهب جمهور العلماء.
وقوله «ثم أبوه» الأولى أن يقال: ثم الوصي بعد الأب، أي بعد موت الأب، فإذا أوصى الأب أن تكون ولاية بناته لفلان الأجنبي عنهم، أو لأحد أولاده دون غيره، أو لأحد أخواله مع وجود أبنائه ونحو ذلك فإن=
стр. 1611
ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهَا (١)،
ــ
=الولاية تكون للوصي، كالتوكيل في الحياة، فكما أن الأب لو وكل رجلاً في نكاح بناته فيصح اتفاقاً فكذلك في الوصية بعد الموت، ولأنه أقوى نظراً من غيره، وغالباً لا يجعل الوصية إلا ممن يرى أن إنكاحه أصلح من إنكاح غيره، ثم بعد الوصي أبو الأب يعني الجد وإن علا، والجد هنا هو
الجد للأب، أما الجد للأم فلا لأنه ليس من العصبة بل هو من ذوي الأرحام كما تقدم في باب الفرائض، وفي رواية عن الإمام احمد (١)، وهو مذهب المالكية (٢) أن الابن يقدم على الجد.
والذي يترجح عندي هو ما ذهب إليه المؤلف، أي أن الجد يقدم على الابن أيضاً لأنه أكمل نظراً، ولما له من الإيلاد المشابه للأب فيه، ثم يلي الجد ابنها، ثم بنوه وإن نزلوا.
وقوله «ثم ابنه وإن نزل»، أي: بنو الابن؛ احترازاً من بني البنت فإنه لا ولاية لهم.
(١) قوله «ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهَا»: أي ثم يلي هؤلاء المذكورين الأقرب فالأقرب من عصباتها على ترتيبهم في الميراث لأن الولاية لدفع العار عن النسب والنسب في العصبات، وقدّم الأقرب فالأقرب لأنه أقوى فقدم كتقديمه في الإرث، ولأنه أشفق فقدم كالأب. =
стр. 1612
ثُمَّ مُعْتِقُهَا، ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ (١)،
ــ
=فالأقرب مثلاً بعد من ذكرهم المؤلف الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، وهكذا، ولا يزوجها من ليس من العصبة فلا يزوجها أخوها من الأم؛ لأنه من ذوى الأرحام.
ولا يزوجها الخال، ولا يزوجها جدها أبو الأم، وذلك لأنه من ذوى الأرحام، لو كان لها خال وأخ من الأم ولها ابن ابن ابن عم فإن ابن العم يزوجها ولو كان بعيداً لأنه من العصبة.
فإذا تساوى الناس في الدرجة يعني مثل أخوين أو ثلاثة لأبوين، فأيهما يقدم؟ المعروف عند العامة ابتداءً يقدم الكبير، وهذا ليس له أصل.
وقال بعض أهل العلم يقدم صاحب الدين والخلق، ثم الأسن.
والأظهر: أنه يقدم صاحب الدين، فإن لم يكن فللمرأة أن تختار من يكون ولياً لها فتقول: أريد فلاناً أن يعقد لي، فإن تنازعوا في ذلك أقرع بينهم وذلك لزوال الخصومة بينهم
(١) قوله «ثُمَّ مُعْتِقُهَا، ثُمَّ الأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ»: أي فإن كانت هذه المرأة معتقة وعُدِمَ من سبق ذكرهم فإن المعتق أولى من السلطان، فإن عُدِمَ المعتق فيكون وليها في عقد النكاح الأقرب فالأقرب من عصباته، أي أقرب عصبته نسباً على حسب ترتيبهم في الميراث، فيقدم ابن المولى على أبيه، ثم إن عُدم فعصبة المولى نسباً.
стр. 1613
ثُمَّ السُّلْطَانُ (١)،
ــ
(١) قوله «ثُمَّ السُّلْطَانُ»: أي فإن عدم هؤلاء جميعاً فإنً السلطان يكون ولياً لمن لا ولي له لقول النبي ﷺ : «فإن اشتجروا أي الولي وموليته فالسلطان ولي من لا مولى له»، والسلطان هو الإمام الأعظم أو نائبه، وكان نواب الإمام فيما سبق في هذه المسائل القضاة، أما الآن فنائبه وزير العدل، ونائب وزير العدل المأذون في الأنكحة.
وأيهما يقدم مأذون الأنكحة، أو الأخ لأم؟
مأذون الأنكحة يقدم على أخيها من أمها، بل على أبي أمها، فلو كانت هذه المرأة لها أبو أم قد كفلها منذ الصغر، وهو لها بمنزلة الأب، وخطبت فلا يتولى زواجها، بل يتولى زواجها مأذون الأنكحة.
فإذا قدرنا أننا في بلد كفر، والسلطان لا ولاية له، فنقول: السلطان إذا لم يكن أهلاً للولاية، فمن كان له الرئاسة في هذه الجالية المسلمة فهو الذي يتولى العقد؛ لأنه ذو سلطان في مكانه.
- فائدة: النساء اللاتي يسلمن في بلاد كافرة وأولياؤهن كفار: يتولى ذلك رئيس المركز الإسلامي، فإن تعذر عدم وجود السلطان أو المركز الإسلامي فإنها توكل عدلاً ينكحها، وقد روى البخاري معلقاً أن «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَالَ لأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ قَارِظٍ أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إِلَيَّ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُكِ» (١). فهنا فوضت أمرها إليه، فإذا انعدم السلطان فلها أن تفوض أمرها إلى عدل.
стр. 1614
وَوَكِيْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ يَقُوْمُ مَقَامَهُ (١). وَلا يَصِحُّ تَزْوِيْجُ الأَبْعَدِ مَعَ وُجُوْدِ الأَقْرَبِ مِنْهُ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَوَكِيْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ يَقُوْمُ مَقَامَهُ»: غائباً أَو حاضراً ويشترط في وكيل الولي ما يشترط فيه لأنه نائبه وقائم مقامه، وقد تضمن هذا صحة التوكيل في النكاح ولا إشكال في ذلك، فقد وكل النبي أبا رافع في تزويج ميمونة (١)، ووكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة (٢)، وظاهر إطلاقه أنه لا يشترط إذن المرأة في التوكيل، ولا نزاع في ذلك إن كان الولي مجبراً، فإن لم يكن مجبراً فعلى خلاف الأظهر عندي عدم الاشتراط.
(٢) قوله «وَلا يَصِحُّ تَزْوِيْجُ الأَبْعَدِ مَعَ وُجُوْدِ الأَقْرَبِ مِنْهُ»: أي إذا زوج الأبعد من غير عذر من الأعذار التي ستأتي، فلا يصح النكاح كالأخ مع وجود الأب، أو زوجها ابن عمها مع وجود عمها في البلد فلا يصح النكاح، أو زوجها القاضي لا يصح، ولو زوجها جارها لا يصح من باب أولى.
وإذا كان وليها القريب - والعياذ بالله - لا يصلي نهائياً، فزوَّجها البعيد فإنه يصح؛ لأن القريب ليس أهلاً للولاية، فالذي لا يصلي لا ولاية له؛ لأنه كافر، والعياذ بالله فلا يصح النكاح.
وعن الإمام أحمد أنه موقوف على إجازة الولي كالبيع، وفيه نظر للفارق بين النكاح والبيع بدليل أن المرأة لا يحل لها أن تنكح نفسها =
стр. 1615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=بإذن وليها فكذلك إذا أنكحها غيره وإن كان الولي قد أذن بذلك، فإذا استوى الوليان كأن يكون لها إخوة هم أولياؤها، فأي واحد منهم أنكح صح إنكاحه لأنهم كلهم أولياء لها، وكذا لو كان لها أبناء عم درجتهم واحدة.
فإن أذنت لواحدٍ تعين ولم يصح نكاح غيره، والمستحب أن يقوم الأفضل ثم الأسن، فإن تشاحنوا في ذلك أقرع بينهم.
ف إن زوجها وليان هذا زوج وهذا زوج فأي الوليين يكون نكاحه صحيحاً وتكون المرأة زوجة له ؟ للعلماء في ذلك مذهبان:
المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: أنه إن عرف من عقد له على المرأة أولاً فهي له، وهو الأحق بها، سواء دخل بها الثاني أم لا (١).
وحجتهم على ذلك: أن هذا مروي عن علي بن أبي طالب (٢)، ولأن الزوج الثاني تزوج امرأة قد أصبحت في عصمة رجل آخر، فكان زواجه بها باطلاً، كما لو علم أن لها زوجاً (٣).
المذهب الثاني: إن عرف الزوج الأول ولم يدخل بها الثاني فهي للأول، وإن دخل بها الثاني فهي له، وهذا مذهب عطاء، ومالك (٤).=