بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْطِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ تَعْلِيْقِ الطَّلاقِ بِالشُّرُوْط»: أي ترتيب الطلاق على شيء يحصل في المستقبل «بإن وإحدى أخوتها»، أو على شيء حصل.
مثال ما سيحصل: يقول لها إن كلمت زيداً فأنت طالق ,أما ما يكون على شيء ماضي مثل أن يقول لها إن كنت قد كلمت زيداً فأنت طالق.
إذاً فالتعليق يكون على شيء قد مضى أو على شيء في المستقبل.
- فائدة: تعليق الطلاق بالشروط ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون شرطاً محضاً فيقع به الطلاق على كل حال, كأن يقول لها إن غربت الشمس فأنت طالق، فإذا غربت الشمس طلقت لأنه علقه على شيء محض.
القسم الثاني: أن يكون يميناً محضاً فلا يقع به الطلاق, وفيه كفارة يمين مثل أن يقول إن كلمت زيداً فامرأتي طالق, وهو يقصد الامتناع عن تكليم زيد، فهذا يمين محض، لأنه لا علاقة بين كلامه زيداً وتطليقه امرأته.
القسم الثالث: أن يكون محتملاً الشرط المحض واليمين المحض، كأن يقول لزوجته: إن خرجت من البيت فأنت طالق، فهذا يحتمل أمرين:
الأول: الطلاق بمعنى أنه إذا خالفت أمره فخرجت فإن نفسه تطيب منها حينئذ يكون قد أراد طلاقها فهنا يكون طلاقاً.
الثاني: أن يكون مراده من ذلك تهديد المرأة ويريد أن يمنعها من الخروج مع رغبته فيها، فإذا خرجت في هذه الحال فإنها لا تطلق لأن هذا يراد =
стр. 1927
يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ (١)،
ــ
= به اليمين، وقد قال رسول الله ﷺ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١)، وجعل الله التحريم يميناً، لأن المحُرِّم يريد المنع أو الامتناع من الشيء، فدل هذا على أن ما قصد به الامتناع وإن لم يكن بصيغة القسم فإن حكمه حكم اليمين (٢).
(١) قوله «يَصِحُّ تَعْلِيْقُ الطَّلاقِ وَالْعِتَاقِ»: أي يصح أن يعلق طلاقه على حصول أمر يختاره، وكذا عتقه كأن يقول: «إن خرجت من البيت فأنت طالق»، أو يقول: «إذا جاء شهر كذا فأنت طالق» , أو يقول: «إن لم أفعل كذا فعبدي حر»، أو «إن فعلت كذا فعبدي حر»، ونحو ذلك من التعليقات، فإنه يصح فيه الطلاق والعتق عند حصول ما علق عليه كما سبق. و هل يقع الطلاق أو العتق إذا تحقق ما علق عليه, سواء كان جارياً مجرى اليمين أم لا ؟
نقول: جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦) على أنهم لا يفرقون بين ما كان جارياً مجرى اليمين أو لا، =
стр. 1928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فالكل عندهم سواء، أي سواء كان قصده من التعليق الطلاق أو التهديد أو البر أو عدمه عند إرادته التعليق.
القول الثاني: التفريق بين ما جرى مجرى اليمين وما لم يجر مجرى اليمين، فما كان مجراه مجرى يمين فإنه لا يقع، وما لم يجر مجراه فإنه يقع، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١)، وابن القيم (٢)، والشيخين (٣) ﵏، وهو الصواب.
وخلاصة الأمر هنا أن من علّق طلاقه على شيء لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يقصد عند تعليقه الطلاق لا غير كأن يقول لها إن خرجت من البيت فأنت طالق, أو إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق, أو إن جاء أقاربك إلى البيت فأنت طالق ونحو ذلك من الألفاظ ويقصد بذلك طلاقها فإنها تطلق.
الثانية: أن لا يقصد طلاقها، أو أن يقصد تخويفها وحثها على المنع وكان يكره وقوع الطلاق أو العتق عند حدوث ما علق عليه فإنه يكون يميناً, لأن تعليق الطلاق أو العتق على شرط كما في الأمثلة السابقة هو في حقيقته نوع من أنواع الأيمان, فيدخل في عموم قوله «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» (٤)، فمتى=
стр. 1929
بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ (١)،
ــ
= حصل ما حلف عليه فإنه يكون يميناً وعليه كفارة يمين ولا يجب عليه سوى ذلك.
(١) قوله «بِشُرُوْطٍ بَعْدَ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ، وَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ»: أي وشرط صحة تعليق الطلاق أن يكون بعد نكاح أي لا يكون إلا بعد قيام الزوجية بين الحالف والمحلوف عليها عند التعليق.
فإن لم تكن زوجته عند التعليق فلا يصح كأن يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق ولم تكن زوجته، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول كتاب الطلاق.
وكذلك «الملك»: أي ويشترط في تعليق العتق الملك، أي يكون بعد ملك الرقيق، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في باب العتق.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: إذا علق طلاق امرأته على شرط, فهل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أو لا ؟ مثاله: أن يقول لزوجته: «إن ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق» , يريد الطلاق لا اليمين, ثم بدا له أن يتنازل عن هذا, فهل له أن يتنازل أولا؟
الجواب: الجمهور يقولون: لا يمكن أن يتنازل, لأنه أخرج الطلاق من فيه على هذا الشرط, فلزم كما لو كان الطلاق منجزاً.
=وشيخ الإسلام يقول: إن هذا حق له فإذا أسقطه فلا حرج لأن =
стр. 1930
فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ (١)،
ــ
=الإنسان لا يبدو له أن ذهاب امرأته إلى أهلها يفسدها عليه, فيقول لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق»، ثم يتراجع ويسقط هذا (١).
- الفائدة الثانية: إن علق الطلاق على سبب تبين عدمه كأن يقول لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق» ظناً أن أهلها قد ركبوا دشاً وأنهم عاكفون عليه, فخشي على امرأته فقال لها ذلك، فهل تطلق إذا ذهبت؟
الجواب: لا تطلق لأنه قال ذلك بناءً على سبب تبين عدمه فلا حرج أن تذهب (٢).
(١) قوله «فَلَوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةً، فَهِيَ طَالِقٌ»: سبق الإشارة إلى ذلك فلا يصح تعليق الطلاق هنا, لأن غير الزوج لا يملك ابتداء الطلاق, فلا يملك تعليقه، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (٣)، فجعل الطلاق بعد النكاح.
وسبق أيضاً حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «وَلا طَلاقَ فِيمَا لا يَمْلِكُ» (٤).
стр. 1931
أَوْ إِنْ مَلَكْتُهَا، فَهِيَ حُرَّة (١)، لَمْ تَطْلُقْ، وَلَمْ تَعْتِقْ (٢)، وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ سِتٌّ: إِنْ، وَإِذَا، وَأَيُّ، وَمَنْ، مَتَى، وَكُلَّمَا (٣)،
ــ
(١) قوله «أَوْ إِنْ مَلَكْتُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ»: أي وإن قال: «متى ملكت هذه الأمة فهي حرة»، ثم ملكها فإنها لا تعتق للأدلة السابقة كما سبق الإشارة إلى ذلك في باب العتق.
(٢) قوله «لَمْ تَطْلُقْ، وَلَمْ تَعْتِقْ»: أي لم تطلق من علق طلاقه بزواجها، ولم تعتق من علق عتقه بملكها.
(٣) قوله «وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ سِتٌّ: إِنْ، وَإِذَا، وَأَيُّ، وَمَنْ، مَتَى، وَكُلَّمَا»: أي الأدوات التي توصل إلى الشرط وتستعمل فيه ستة, وهل هذه الأدوات على سبيل الحصر ؟
نقول: لا، وإنما أراد المؤلف هنا الأدوات التي تستعمل في الغالب, وإلا فإن هناك أدوات أخرى لم يذكرها المؤلف
قوله «إِنْ» بكسر الهمزة وسكون النون, وهي أم الأدوات لكثرة استعمالها في هذا الباب.
مثال للأداة «إن»: كأن يقول لها «إن ذهبت إلى السوق فأنت طالق».
وقوله «وَإِذَا»: هذه هي الأداة الثانية بأن يقول لها: «إذا خرجت من البيت فأنت طالق».
وقوله «وَأَيُّ»: بتشديد الياء من صيغ العموم كأن يقول: «أي امرأة تقوم منكن فهي طالق». =
стр. 1932
وَلَيْسَ فِيْهَا مَا يَقْتَضِيْ التِّكْرَارَ إِلاَّ كُلَّمَا (١)، وَكُلُّهَا إِذَا كَانَتْ مُثْبَتَةً، ثَبَتَ حُكْمُهَا (٢)، عِنْدَ وُجُوْدِ شَرْطِهَا (٣)،
ــ
=وقوله «وَمَنْ» بفتح الميم وسكون النون احترازاً من «مِنْ»، فإن «مِنْ» حرف جر بخلاف «مَنْ»، فهي شرطية، مثل أن يقول: «من قامت منكن فهي طالق».
وقوله «ومَتَى»: مثل أن يقول: «متى قمت فأنت طالق»، أو «أنت طالق متى قمت».
وقوله «وَكُلَّمَا»: وهي تدخل على الفعل فتقول: «كلما قمت فأنت طالق».
فهذه الأدوات الست هي التي غالباً ما تستخدم في ألفاظ الطلاق.
(١) قوله «وَلَيْسَ فِيْهَا مَا يَقْتَضِيْ التِّكْرَارَ إِلاَّ كُلَّمَا»: أي ليس في هذه الأدوات الست المذكورة ما يفيد التكرار إلا كلما, ومعنى التكرار هو حصول الفعل مرة بعد مرة فهذه من خصائصها, فإذا قال لزوجته: «كلما قمت فأنت طالق» فقامت فإنها تطلق, ثم قامت ثانية تطلق, ثم قامت ثالثة تطلق بخلاف باقي أدوات الشرط الأخرى.
(٢) قوله «وَكُلُّهَا إِذَا كَانَتْ مُثْبَتَةً، ثَبَتَ حُكْمُهَا»: أي جميع الأدوات المذكورة إذا كانت مثبتة أي لم يأت بعدها نفي فإنها يثبت حكمها كما سيأتي في الأمثلة التي سيذكرها المؤلف.
(٣) قوله «عِنْدَ وُجُوْدِ شَرْطِهَا»: أي عند تحقق ما علق عليه الشرط ثم ذكر الأمثلة التي توضح ما قاله.
стр. 1933
فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَامَتْ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّ شَرْطُهُ (١)، وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ كُلَّمَا قَامَتْ (٢) وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، كَانَتْ عَلى التَّرَاخِيْ (٣)،
ــ
(١) قوله «فَإِذَا قَالَ: إِنْ قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَامَتْ، طَلُقَتْ، وَانْحَلَّ شَرْطُهُ»: أي إذا قال لها: «إن قمت فأنت طالق»، فقامت فإنها تطلق وينحل هذا الشرط, وهكذا مثل لو قال: «إن خرجت فأنت طالق» ثم خرجت فإنها تطلق.
لكن يجب أن يلاحظ هل المراد إن قمت الآن، أو إن قمت في أي وقت، وهذا على حسب نيته، فإن كان مراده المنع من القيام الآن فهي إذا قامت فيما بعد لم تطلق، وإن كان يريد إن قمت في أي وقت، ففي أي وقت تقوم فيه تطلق، كذلك إذا وجدت قرينة تدل على أن المراد من القيام أو الخروج الآن أو في هذه الحال فإنه يعمل بها، وسيأتي مزيد إيضاح في كلام المؤلف إن شاء الله.
(٢) قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا قُمْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ كُلَّمَا قَامَتْ»: يعنى إذا قامت في المرة الأولى طُلقت الطلقة الأولى, وإن قامت الثانية والثالثة فإنها تطلق الثانية والثالثة, وذلك لأن أداة «كلما» كما سبق تفيد التكرار لغة.
(٣) قوله «وَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، كَانَتْ عَلى التَّرَاخِيْ»: أي وإن كانت أداة الشرط نافية, أي جاء بعدها نفي فإنها=
стр. 1934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=تكون على التراخي إذا لم ينو وقتاً بعينه، مثل ما ذكره المؤلف هنا كأن يقول: «إن لم أطلقك فأنت طالق»، فإنها لا تكون على التراخي إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على الفورية، والقاعدة هنا أن «إِنْ» لا تتأثر بدخول «لم» عليها بخلاف غيرها من الأدوات الأخرى، فإنها إذا دخلت عليها فإنها تفيد الفورية.
و الخلاصة في الأدوات التي ذكرها المؤلف ما يلي:
١ - أن جميعها لا يفيد التكرار عدا «كلما».
٢ - أن هذه الأدوات أحياناً تفيد الفورية، وأحياناً تفيد التراخي، والمرجع في ذلك إلى شيئين النية والقرينة, فإن كانت له نية للفورية فهي للفور, وإن كانت هناك قرينة تدل على الفورية فهي للفورية، فإذا لم يكن هناك نية للفورية بل نوى التراخي فإنها تكون للتراخي.
وكذلك إذا كانت هناك قرينة تدل على التراخي فهي للتراخي, فإذا لم يكن لا نية ولا قرينة فتكون جميع هذه الأدوات على التراخي إلا مع «لم» فإنها تكون للفور ما عدا «إن» فإنها لا تؤثر فيها, فإن الأصل فيها أنها على التراخي إلا إذا كانت هناك قرينة أو نية تدل على الفورية فإنها تحمل على الفور كما سبق ذكره فقوله في المثال «إن لم أطلقك فأنت طالق»، فإنها على التراخي كما سبق إلا إذا كانت هناك نية الفورية أو قرينة تدل على الفورية.
стр. 1935
فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلاَّ فِيْ آخِرِ أَوْقَاتِ الإِمْكَانِ (١)، وَسَائِرُ الأَدَوَاتِ عَلى الفَوْرِ (٢)، فَإِذَا قَالَ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ فِيْ الحَالِ (٣)،
ــ
(١) قوله «فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ إِلاَّ فِيْ آخِرِ أَوْقَاتِ الإِمْكَانِ»: أي إن قال لها: «إن لم أطلقك فأنت طالق»، ولم ينو يوماً بعينه، ولم تكن هناك قرينة تدل على الفورية فلا يقع الطلاق إلا في آخر حياة أحدهما, فإذا مات الأول منهما وقع الطلاق، وهذا بلا خلاف سائر الأدوات.
(٢) قوله «وَسَائِرُ الأَدَوَاتِ عَلى الفَوْرِ»: أي وسائر الأدوات وهي الخمس «إذا - أي - متى - مَنْ - كلما» جميع هذه الأدوات على الفور إذا اقترنت بـ «لم».
نحو: «متى لم تدخلي الدار فأنت طالق» , أو قال: «إذا لم تدخلي فأنت طالق» , أو «أي وقت لم تدخلي فأنت طالق» , فإذا مضى عقيب الكلام زمن لم تدخل فيه وجدت الصفة وهي عدم الدخول فيقع الطلاق.
فإن لم توجد «لم» فهي على التراخي, كقوله: «إذا خرجت فأنت طالق» «أو متى خرجت فأنت طالق».
فمتى وجد الخروج في أي زمن مستقبل طلقت, لأن ذلك يقتضي أي زمان خرجت فهي طالق.
(٣) قوله «فَإِذَا قَالَ: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ فِيْ الحَالِ»: سبق شرح ما ذكره المؤلف هنا, وخلاصته كما سبق أن «لم» =
стр. 1936
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أَطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلاقُهَا فِيْهِ ثَلاثاً وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ ثَلاثاً إِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا (١)،
ــ
= عند دخولها على أدوات الشرط الستة عدا «إن» فإنها تنقلها من حال التراخي إلى حال الفورية، فإذا قال لها «متى لم أطلقك فأنت طالق» ولم يطلقها طلقت في الحال لأن متى إذا اقترنت بـ «لم» التي تدل على النفي فإنها تدل على الفورية.
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ أَطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ طَلاقُهَا فِيْهِ ثَلاثاً وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، طَلُقَتْ ثَلاثاً إِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا»: سبق أن ذكرنا أن «كلما» تفيد التكرار.
ومعنى كلامه هنا ﵀ إن قال: «كلما لم أطلقك فأنت طالق»، ومضى من الزمن ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً لأن كلما تفيد التكرار، يعني كلما مضى زمن يمكن أن يقول فيه: «أنت طالق» طلقت، ثم الزمن الثاني: «أنت طالق» طلقت, ثم الزمن الثالث: «أنت طالق» طلقت.
وقوله ﵀ «إن كانت مدخولاً بها»: فيه احتراز من غير المدخول بها، فإنها تبين بطلقة واحدة ولم يلزمها ما بعدها, ولا يستحق مطلقها رجعتها إلا بعقد جديد, لأن غير المدخول بها لا عدة عليها.
أما إذا كانت الزوجة مدخولاً بها فإنها تبين منه في هذه الحالة بينونة كبرى، أي تحرم عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
стр. 1937
وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، طَلُقَتْ بِالأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِيْ؛ لاِنْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ (١)، وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الحَيْضِ (٢)، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ (٣)، وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ (٤)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدْتِ وَلَدًا، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، طَلُقَتْ بِالأَوَّلِ، وَبَانَتْ بِالثَّانِيْ؛ لاِنْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِهِ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهِ»: أما وجه كونها طلقت بالأول فلأنه علق الطلاق بولادته فصادف اللفظ ما علق عليه، فهنا تطلق بولادتها له, ووجه كون الثاني تبين به وتنقضي عدتها به لأن الحامل تخرج من العدة بوضع الحمل، «ولم تطلق به» لأنها بعد ولادته أصبحت بائناً لا يقع عليها الطلاق.
(٢) قوله «وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الحَيْضِ»: لأن الصفة وجدت، وكذلك حكمنا أنه حيض في المنع من الصلاة والصيام، فان بان أن الدم ليس بحيض لم تطلق، لأنّا تبيّنّا أن الصفة لم توجد, وكما سبق مع أن هذا الطلاق حرام وبدعة، لكن المذهب يرون أن الطلاق البدعي يقع، وسبق أن الصحيح أنه لا يقع.
(٣) قوله «فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ»: قلت: سواء تبين أنه حيض أو لم يتبين فإنها لا تطلق به.
(٤) قوله «وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ»: وذلك لأنه يقبل قولها في نفسها لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي=
стр. 1938
وَإِنْ قَالَ: قَدْ حِضْتِ، فَكَذَّبَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ (١)، وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُوْنَ ضَرَّتِهَا (٢)،
ــ
=أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١)، فلولا أن قولهن مقبول ما حرم الله عليهن كتمانه.
والصواب: أن دعواها للحيض لا يجعلها تطلق على القول الصحيح, فإن ادعت المرأة أنها حائض فلا يحل للزوج أن يطلقها بل إن فعل ذلك أثم، وعلى القول الصحيح إن طلّقها لا يقع الطلاق.
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ: قَدْ حِضْتِ، فَكَذَّبَتْهُ، طَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ»: لأنه أقر بما يوجب طلاقها, فأشبه ما لو قال «قد طلقتها».
(٢) قوله «وَإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ، فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَكَذَّبَهَا، طَلُقَتْ دُوْنَ ضَرَّتِهَا»: وذلك لأنها أقرت على نفسها دون ضرتها, فيكون قولها مقبولاً في حق نفسها دون ضرتها، فلا تطلَّق إذا كانت هناك بينة تدل على قولها, وما ذكره المؤلف هنا هو ما مشى عليه في المذهب.
والصواب: أن ما ذكره في هذه المسألة وما قبلها لا وجود له على الصحيح لأن المرأة إذا كانت حائضاً فطلاقها محرم ولا يصح على القول الراجح.
ثم ما ذكره المؤلف هنا من هذه المسائل هي نادرة الوقوع لكن هذا هو شأن الفقهاء يذكرون مسائل لأجل أن يكون طالب العلم متصوراً لها. والله أعلم.
стр. 1939
بابُ ما يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاقِ وَغَيْرُهُ (١)
الْمَرْأَةُ إِذا لَمْ يُدْخَلْ بِهَا تُبِيْنُهَا الطَّلْقَةُ (٢)، وَتُحَرِّمُهَا الثَّلاثُ مِنَ الحُرِّ (٣)،
ــ
(١) قوله «بابُ ما يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاقِ وَغَيْرُهُ»: أي باب في حكم ما يختلف به عدد الطلاق، و «ما» هنا للعاقل, لأن المراد ممن يختلف به العدد بالحرية والرق، وقد سبق بيان بعض الأحكام المتعلقة بهذا الباب في أول كتاب الطلاق.
(٢) قوله «الْمَرْأَةُ إِذا لَمْ يُدْخَلْ بِهَا تُبِيْنُهَا الطَّلْقَةُ»: أي إذا كانت المرأة غير مدخول بها بانت بطلقة واحدة, والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١)، فمتى قال لها «أنت طالق» فلا يستحق مطلقها رجعتها, وإنما تحل له بعقد جديد, لأن غير المدخول بها لا عدة عليها, فتصادفها الطلقة الثانية بائناً فلا يقع الطلاق بها, لأنها غير زوجة.
(٣) قوله «وَتُحَرِّمُهَا الثَّلاثُ مِنَ الحُرِّ»: أي إذا كانت الزوجة غير مدخول بها فقال لها: «أنت طالق ثلاثاً» أوقعت الثلاث, فتحرم عليه, ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره, لكن هذه الثلاث لا تكون إلا من الحر بخلاف العبد كما سيأتي, فالذي يملك الثلاث هو الحر، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف في ذلك.
стр. 1940
وَالاِثْنَتَانِ مِنَ العَبْدِ (١)، إِذَا وَقَعَتْ مَجْمُوْعَةً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً (٢)،
ــ
(١) قوله «وَالاِثْنَتَانِ مِنَ العَبْدِ»: سبق أن ذكرنا اتفاق أهل العلم على أن للعبد تطليقتين، واحتجوا لذلك بحديث عائشة المتقدم أن النبي ﷺ قال: «طَلاقُ الْعَبْدِ تَطْلِيقَتَانِ»، والحديث إسناده ضعيف كما سبق.
وأيضاً قالوا: بأن العبد على النصف من الحر في أكثر الأحكام، فعدة الأمة على النصف من عدة الحرة, وجلد الزاني في الإماء والعبيد نصف جلد الأحرار, وكذلك في الطلاق، فالحر يملك ثلاث تطليقات ونصفها تطليقة ونصف, ولما كان الطلاق لا يتبعض فإنه يجبر هذا النصف, فيكون للعبد تطليقتان. وقد سبق الإشارة إلى أقوال أهل العلم فيما يكون للعبد من عدد الطلاق عند قول المؤلف: «ويملك الحر ثلاث تطليقات والعبد اثنتين»، فذكرنا هذه المسألة وما جاء في الخلاف فيها مع بيان الراجح.
(٢) قوله «إِذَا وَقَعَتْ مَجْمُوْعَةً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً»: أي إذا قال لغير المدخول بها «أنت طالق بالثلاث» , أو «طالق ثلاثاً» فإنه يقع ثلاثاً، هذا هو المذهب، وعليه جماهير أهل العلم، أي أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة يقع ثلاثاً. وسبق أن ذكرنا هذه المسألة مستوفاة مع بيان الخلاف فيها، وقلنا بأن الراجح أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة كأن يقول «أنت طالق بالثلاث» أو «أنت طالق, طالق, طالق»، أو قال «أنت طالق أنت طالق، أنت طالق» متعاقبات أن هذا كله لا يكون إلا طلقة واحدة على القول، الصحيح من أقوال أهل العلم (١).
стр. 1941
أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ (١)، وَإِنْ أَوْقَعَهُ مُرَتَّباً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشْبَاهَ هَذَا، لَمْ يَقَعْ بِهَا إِلاَّ وَاحِدَةً (٢)،
ــ
(١) قوله «أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ»: أي إذا قال ذلك لغير المدخول بها فإنه يقع بها ثلاثاً كما يقع في المدخول بها وذلك لأن الواو تفيد الاشتراك والعطف ولا تفيد الترتيب فتقع ثلاثاً, لكن إذا أتى بصيغة تقتضي الترتيب فالطلقة الثانية والثالثة لا تقع, لأنها تبين بالأولى كما سيأتي في كلام المؤلف.
والحاصل أنه إذا اقترن لفظ الطلاق بحرف «الواو» فإنه لا يفيد إلا الاشتراك أي العطف فيحصل به العدد الذي تلفظ به، فإن قال للمدخول بها أو غير المدخول بها «أنت طالق وطالق وطالق» حسبت عليه ثلاثاً كما سبق. ووجه كونه يقع على غير المدخول بها ثلاثاً لأنها في عصمته فتقع عليه كما أوقعها على المدخول بها.
(٢) قوله «وَإِنْ أَوْقَعَهُ مُرَتَّباً، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِنْ طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ كُلَّمَا طَلَّقْتُكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَشْبَاهَ هَذَا، لَمْ يَقَعْ بِهَا إِلاَّ وَاحِدَةً»: أي وإن أوقع الطلاق مرتباً كما في الأمثلة التي ذكرها فإن غير المدخول بها تبين بالواحدة. =
стр. 1942
وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا وَقَعَ بِهَا، جَمِيْعُ مَا أَوْقَعَهُ (١)،
ــ
=أما الثانية والثالثة فلم تصادف محلاً حتى تقع لأنها تبين بالطلقة الأولى فلا يلحقها ما بعدها, وبعبارة أخرى نقول لأنه بطلقته الأولى أصبحت هذه المرأة غير المدخول بها ليست في عصمته, فلم يقع عليها طلاقه, كبقية النساء الأجنبيات.
والخلاصة أن الرجل إذا جاء بحرف يفيد الترتيب فلا يقع إلا طلقة واحدة، أما إذا جاء بحرف يفيد العطف فإنه يحصل به العدد الذي تلفظ به كما سبق بيانه, فإن لم يأت لا بحرف عطف ولا بحرف يفيد الترتيب كقوله «أنت طالق طالق طالق»، فهذه على خلاف، فقيل: تكون طلقة واحدة, وقيل: بل يرجع فيه إلى نيته، وقيل: بل تكون ثلاثاً.
(١) قوله «وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُوْلاً بِهَا وَقَعَ بِهَا، جَمِيْعُ مَا أَوْقَعَهُ»: أي إن قال للمدخول بها جميع ما ذكره كقوله «أنت طالق ثلاثاً»، أو «أنت طالق وطالق وطالق» , أو أوقعه مرتباً فإن ذلك كله يوقعه ثلاثاً، وقد فصلنا الكلام على هذه المسألة كلها.
- فائدة: يغلط الكثير في بعض المسائل في الطلاق فلا يفرقون بين ما يفيد تكرار الخبر وما يفيد تكرار الجملة ويجعلونهم شيئاً واحداً مثال ذلك.
قوله: «أنت طالق, أنت طالق, أنت طالق» فهذا تكرار جملة، وقوله: «أنت طالق طالق طالق»، فهذا فيه تكرار للخبر, فيظن البعض أن تكرار الخبر كتكرار الجملة وليس كذلك، فإذا قال: «أنت طالق طالق طالق»، فإنه يقع على المذهب واحدة, ما لم ينو أكثر, فإن نوى أكثر فالأعمال=
стр. 1943
وَمَنْ شَكَّ فِي الطَّلاقِ أَوْ عَدَدِهِ، أَوِ الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ (١)،
ــ
= بالنيات، فالمهم يجب أن نفهم أن التكرار له وجهان:
الأول: تكرار جمله، فيقع الطلاق بعدد التكرار.
الثاني: أن يكون التكرار للخبر فقط، فيقع واحدة ما لم ينو أكثر، وهذا هو ما قرروه في المذهب, وقد سبق أن الراجح أن الطلاق البدعي لا يقع إلا واحدة، فإن قال لها «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق»، فهو طلاق بدعي الصواب أنه لا يقع إلا واحدة كما سبق الإشارة إلى ذلك.
(١) قوله «وَمَنْ شَكَّ فِي الطَّلاقِ أَوْ عَدَدِهِ، أَوِ الرَّضَاعِ أَوْ عَدَدِهِ، بَنَى عَلى اليَقِيْنِ»: أي من شك هل طلق زوجته أم لا؟ أو شك في عدد الطلاق هل طلق زوجته واحدة أو أكثر؟ فإنه يبنى على اليقين, والشك في الطلاق له صور:
الأول: الشك في وجوده منه: يعنى لا يدري هل صدر منه الطلاق أم لا, فإن زوجته لا تطلق بمجرد ذلك, لأن النكاح متيقن فلا يزول بالشك.
ثانياً: الشك في حصول الشرط الذي علق عليه: كأن يقول لزوجته «إن دخلت الدار فأنت طالق» , ثم يشك هل دخلت الدار أم لا؟ فإنها لا تطلق بمجرد الشك لأن الأصل بقاء الزوجية.
ثالثاً: أن يشك في عدده مع يقينه بوجود الطلاق منه: فلا يلزمه إلا واحدة, لأنها متيقنة, وما زاد فمشكوك فيه, واليقين لا يزول بالشك فإن شك في اثنتين أو ثلاث جعلت اثنتان وهو الأقل. =
стр. 1944
وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالقُرْعَةِ (١)،
ــ
=وما ذكره المؤلف هنا في هذه القاعدة داخل في القاعدة العامة، وهي نافعة في كل الأحكام.
ودليل هذه القاعدة حديث عباد بن تميم عن عمه أنه شكا «شُكِيَ» إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: «لا يَنْفَتِلْ أَوْ لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (١)، وقوله ﷺ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ» (٢).
وكذلك إن شك في عدد الرضاع، فإن شك هل رضع أو لم يرضع فالأصل أنه لم يرضع، هذا هو المتيقن.
وإن شك هل هي أربع رضعات أو خمس؟ بنى على اليقين وهو الأقل فتكون أربعاً.
والقاعدة الكلية في جميع ما ذكرنا «أن اليقين لا يزول بالشك».
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، أُخْرِجَتْ بِالقُرْعَةِ»: أي وجب إخراج من لم يعينه منهن بالقرعة، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالقة بتلك اللفظة التي تلفظ بها, وفي رواية في=
стр. 1945
وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مِنِ امْرَأَتِهِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّناً، كَإِصْبَعِهَا أَوْ يَدِهَا، طَلُقَتْ كُلُّهَا (١)،
ــ
=المذهب (١)، وهي قول الأحناف (٢)، والشافعية (٣) بل يتخير أيتهما شاء, قالوا: لأنه له ابتداء إيقاع الطلاق وتعيينه, وهنا قد أوقعه ولم يعينه فبقى له حق التعيين استيفاء لملكه.
والأرجح: هو القول الأول لأنه حق لإحداهما من غير تعيين فوجب بالقرعة كالسفر ببعض النساء, أما ما ذكروه فهو ضعيف, وذلك لأنه يملك الطلاق قبل إيقاعه وأما بعد إيقاعه فإنه ليس له فيه أي ملك, وكان له حق التعيين مع الإيقاع، أما وقد أوقعه ولم يعين فقد خرج عنه حق التعيين.
(١) قوله «وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مِنِ امْرَأَتِهِ مُشَاعًا أَوْ مُعَيَّناً، كَإِصْبَعِهَا أَوْ يَدِهَا، طَلُقَتْ كُلُّهَا»: أي إن طلق عضواً، كأن يطلق يداً، أو رجلاً، أو كبداً من زوجته وقع الطلاق, لأنه لا يتبعض لا في ذاته, ولا في محله, فإذا قال «يدك طالق»، أو «رجلك طالق»، أو «أصبعك طالق»، فإنها تطلق كلها، أي فيسري الطلاق إلى جميعها مثل العتق كما سبق، فإنه إن أعتق جزءًا منه سرى العتق إلى جميعه، أو طلق منها جزءًا مشاعاً كالنصف والربع، فيقول «نصفك طالق»، فهذا جزء مشاع، فإنها تطلق كلها لأن الطلاق لا يتبعض. =
стр. 1946
إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالشَّعْرَ وَالرِّيْقَ وَالدَّمْعَ وَنَحْوَهُ لا تَطْلُقُ بِهِ (١)،
ــ
= فإن وجد في جزء من البدن سرى إلى كله، أو طلق جزء معيناً كأن يقول: «النصف الفوقاني فيك طالق»، فهذه كلها يحصل بها طلاقها كلها.
(١) قوله ﵀ «إِلاَّ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالشَّعْرَ وَالرِّيْقَ وَالدَّمْعَ وَنَحْوَهُ لا تَطْلُقُ بِهِ»: أي إذا قال للمرأة «شعرك طالق»، أو «سنك طالق»، أو «ظفرك طالق»، أو قال: «ريقك طالق»، أو قال: «دمعك»، فإنها لا تطلق بهذه الأشياء التي تنفصل عن الإنسان مع سلامته من غير عطب، فإن الشخص قد يحلق شعره ويقلم أظفاره ويقلع سنه ولا يتضرر شيء من بدنه، وهذا أحد القولين في المسألة، وهو المذهب (١).
والقول الثاني: وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣) أن الطلاق يقع، لأن المذكور وهو الظفر، والشعر، والسن ونحوها مما استباحه الناس بالنكاح فيقع الطلاق بتطليقه.
والقول الأول هو الراجح لأن الأصل بقاء عصمة النكاح، وأيضاً لما ذكروه من الاستدلال فإن هذه الأشياء تنفصل مع السلامة بخلاف الأصبع واليد ونحو ذلك مما لا ينفصل إلا مع العطب فإنها تجرح البدن ويتأذى البدن بذلك.
стр. 1947
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيْقَةٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً (١)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيْقَةٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً»: وذلك لأن الطلاق لا يتبعض، فإذا طلقها نصف طلقة أو ربع طلقة، فإنها تقع عليه طلقة واحدة.
стр. 1948
بابُ الرَّجْعَةِ (١)
ــ
(١) قوله ﵀ «بابُ الرَّجْعَةِ»: الرجعة في اللغة: اسم المرة من الرجوع بمعنى العود، وتفتح راؤها وتكسر والفتح أفصح.
والرجعة في الاصطلاح: إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد، أي أنه يراجعها ما دامت في العدة.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: دليل مشروعية الرجعة: الرجعة ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢)، فإن المقصود بذلك الرجعة.
أما السنة: فحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ «طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» (٣).
أما الإجماع: فقد أجمع الفقهاء على أن الحر إذا طلق الحرة دون الثلاث أو العبد إذا طلق دون الاثنتين وكان بغير عوض ولا أمر يقتضي بينونتها=
стр. 1949
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=أن له الرجعة في العدة نقل ذلك غير واحد من الفقهاء منهم ابن المنذر (١)، وابن حزم (٢)، والموفق (٣).
- الفائدة الثانية: الحكمة من مشروعية الرجعة: إن ارتجاع الزوج لزوجته باب من أبواب الإصلاح، لذلك نجد الشريعة الإسلامية قد نظمت أحكامها, ثم إن الحاجة تمسُّ إلى الرجعة لأن الإنسان قد يطلق امرأته ثم يندم على ذلك على ما أشار إليه الرب بقوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (٤) فيحتاج إلى التدارك, فلو لم تثبت الرجعة لا يمكنه التدارك, لما عسى أن لا توافقه المرأة في تجديد النكاح ولا يمكنه الصبر عنها فيقع في الزنا.
- الفائدة الثالثة: في شروط الرجعة: سيأتي في كلام المؤلف ﵀ شروط صحة الرجعة لكن نجملها هنا:
١ - أن تكون المرأة مدخولاً بها أو مخلواً بها.
٢ - أن تكون بعد طلاق رجعي.
٣ - أن يكون الطلاق بلا عوض.
٤ - أن يكون النكاح صحيحاً.
стр. 1950
وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، بَعْدَ الدُّخُوْلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ (١)،
ــ
٥ - أن تكون الرجعة في العدة.
٦ - أن يكون دون ما يملك من العدة.
٧ - أن تكون الرجعة منجزة, أي لا يصح تعليقها على شرط كإذا جاء رأس الشهر فقد أرجعتك أو إن قدم أبوك فقد راجعتك ونحو ذلك لأنه استباحة فرج مقصود فأشبه النكاح. قلت: وهذا الشرط في الرجعة فيه نظر، والذي يظهر لي أنه إذا كان التعليق لغرض مقصود فإنه يصح, لأن الأصل الحل.
(١) قوله «وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، بَعْدَ الدُّخُوْلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَقَلَّ مِنْ ثَلاثٍ»: شرع المؤلف في بيان ما يشترط في الرجعة فمن ذلك قوله «إذا طلق الرجل» فلا تكون الرجعة إلا بعد طلاق، فإن ذهبت إلى بيت أهلها لخصومة حصلت بينهما دون حصول طلاق ثم صالحها فلا تسمى رجعة, وهذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني: «بعد دخول» فإن لم تكن كذلك فلا يملك الزوج الرجعة لعدم وجوب العدة في حقها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (١).
وقوله «لغير عوض»: هذا هو الشرط الثالث، والمراد به ما تدفعه المرأة فداءً عن البقاء مع زوجها, فإن كان الطلاق على عوض فلا رجعة,=
стр. 1951
وَالرَّجْعَةُ: أَنْ يَقُوْلَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ رَاجَعْتُ زَوْجَتِيْ أَوْ رَدَدْتُهَا أَوْ أَمْسَكْتُهَا (١)،
ــ
= لأن العوض في الطلاق إنما جعل لتفتدي المرأة نفسها به من الزوج ولا يحصل ذلك مع ثبوت الرجعة والطلاق على عوض بينونة صغرى كما تقدم في الخلع.
وقوله «أقل من ثلاث أو العبد أقل من اثنتين»: هذا هو الشرط الرابع، أي لم يستكمل الزوج نصابه في عدد الطلقات وهي ثلاث طلقات للحر وطلقتان للعبد، وقد سبق بيان الخلاف فيما يملكه العبد من عدد الطلقات, فلا بد أن يكون الطلاق رجعياً فإن لم يكن طلاقاً رجعياً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره كما سبق.
وقوله «ما دامت في العدة» لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ (١)، أي للأزواج الحق بردهن في زمن التربص وهو العدة كما تقدم، وسيأتي بعد هذا الباب «باب العدة»، فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يكن قد أرجعها لم تحل له إلا بنكاح جديد.
(١) قوله «وَالرَّجْعَةُ: أَنْ يَقُوْلَ لِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنِّيْ قَدْ رَاجَعْتُ زَوْجَتِيْ أَوْ رَدَدْتُهَا أَوْ أَمْسَكْتُهَا»: شرع المؤلف في بيان كيفية الرجعة, فذكر أول ما يكون بها وهو القول, فيقول بلسانه أني قد راجعت، أو أمسكت، أو رددت زوجتي، وسيأتي أيضاً أن الرجعة=
стр. 1952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=تكون كذلك بالفعل كأن يطأها.
وأيضاً تكون الرجعة بالإشهاد عليها: وقد اختلف الفقهاء في الإشهاد على الرجعة, فذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والجديد في مذهب الشافعي (٣)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٤) إلى أن الإشهاد على الرجعة مستحب، فلو راجع زوجته ولم يشهد عليها صحت الرجعة, لأن الإشهاد مستحب، واحتج هؤلاء بما يلي:
١ - لأن الرجعة مثل النكاح من حيث كونها امتداداً له, ومن المتفق عليه أن استدامة النكاح لا تلزمها شهادة, فكذا الرجعة لا تجب فيها شهادة.
٢ - الرجعة حق من حقوق الزوج، وهي لا تحتاج لقبول المرأة لذلك لا تشترط لها الشهادة لصحتها, لأن الزوج استعمل خالص حقه, والحق إذا لم يحتج إلى قبول أو ولي فلا تكون الشهادة شرطاً في صحته.
٣ - أما أدلة من قال بوجوبها فهي محمولة على الاستحباب فقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥)، هذا أمر، والأمر في هذه الآية على الندب لا على الوجوب مثل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٦)، =
стр. 1953
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=واتفق جمهور الفقهاء على صحة البيع بلا إشهاد، فكذا استحب الإشهاد على الرجعة للأمن من الجحود، وقطع النزاع، وسد باب الخلاف بين الزوجين.
القول الثاني: هو ما ذهب إليه الشافعي (١) في القديم، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (٢) بأن الإشهاد على الرجعة واجب لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، وأيضاً احتجوا بالأثر المروى عن عمران بن حصين «فَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ يَقَعُ بِهَا، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلاقِهَا، وَلا عَلَى رَجْعَتِهَا، فَقَالَ: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلاقِهَا، وَعَلَى رَجْعَتِهَا، وَلا تَعُدْ» (٤)، وأيضاً قالوا لأن الرجعة استباحة بضع محرم فيلزمه الإشهاد.
قلت: والذي يظهر هو وجوب الإشهاد على الرجعة، لكن ليس بشرط في صحتها بل تصح الرجعة ولو لم يشهد وذلك بدلالة الآية في قوله=
стр. 1954
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، ولحديث عمران بن حصين المتقدم, ولأن عدم الإشهاد على الرجعة ذريعة إلى كتمان الطلاق، فقد يطلق الرجل امرأته المرة الأُولى، ثم يطلقها الثانية ولا يشهد، ثم يطلقها الثالثة ولا يشهد، فيكتم الطلقتين الأُوليين فيسول له الشيطان إبقاءها عنده بخلاف ما إذا أشهد على الطلاق فإن الأمر يكون بيناً.
وأيضاً الإشهاد على الرجعة فيه صيانة وحفظ للحقوق, فلو أن الزوج توفى فجأة, كأن جاءته سكتة, أو جاءه حادث بعد أن أشهد على الرجعة فإنها زوجة, ويجب عليها الإحداد وحكمها حكم الزوجات، قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: «وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه - يعنى الإشهاد - وفيه قوة» (٢).
قال شيخنا ﵀ (٣)(٤): «ويحتمل أن يقال في هذا تفصيل, إن راجعها بحضرتها فلا حاجة إلى إشهاد, وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد, لأنه إذا راجعها في غيبتها ولم يشهد, ربما تنكر وتقول: أبداً ما راجعتني إذا أعلمها وأخبرها بالمراجعة بعد انتهاء العدة وحينئذ يقع الإشكال,=
стр. 1955
مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ (١)، وَلا صَدَاقٍ يَزِيْدُه (٢)، وَلا رِضَاهَا (٣)،
ــ
=لأنه ليست المشكلة أنها تحرمه من المراجعة وإنما المشكلة أنها تحل لغيره, وهي مازالت في عصمته, فالصواب هذا التفصيل.
(١) قوله «مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ»: أي وتجوز الرجعة بلا ولي هذا بإجماع أهل العلم فلا يشترط إذن الولي لإرجاعها لأنها زوجته.
(٢) قوله «وَلا صَدَاقٍ يَزِيْدُه»: ولا يشترط في إرجاعها زيادة عن الصداق الذي سمى منهما عند عقد النكاح.
(٣) قوله «وَلا رِضَاهَا»: أي ولا يعتبر رضا المرأة في الرجعة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ (١)، فجعل الحق لبعولتهن وهم الأزواج, ولأن الرجعة إمساك للمرأة بحكم الزوجية, فلم يعتبر رضاها في ذلك.
لكن يشترط أن يكون ارتجاع الزوجة للإصلاح وليس للإضرار, والسبب في ذلك أنه كان بعض الناس قبل شرعية هذا الحكم يطلِّق المرأة ثم يراجعها ثم يطلق المرأة ويتركها تعتد وقبل أن تخرج من عدتها يردها ثم يطلقها من جديد, ثم يتركها تعتد حتى إذا قربت من الخروج من عدتها ردها، وهكذا تبقى كالمعلقة لا زوجة ولا مطلقة كما قال تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٢).
стр. 1956
وَإِنْ وَطِئَهَا، كَانَ رَجْعَةً (١)،
ــ
(١) قوله «وَإِنْ وَطِئَهَا، كَانَ رَجْعَةً»: ذكرنا فيما سبق أن الرجعة تحصل بالقول، وهذا بالاتفاق، لكن هل تحصل بالفعل وهو الوطء؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن الرجعة لا تحصل إلا بالقول, ولا تحصل بالفعل مطلقاً وهو قول الشافعي (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢) , وهي ظاهر كلام الخرقي (٣) , لأن إعادة الزوجية بعد الطلاق إنشاء للزواج من وجه, فلابد فيها من القول, ولأن غير القول فعل من قادر على القول, فلم تحصل به الرجعة, كالإشارة من الناطق.
القول الثاني: أن الرجعة تحصل بالوطء، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤) , وقول مالك (٥)، وأبي حنيفة (٦) , ولكنهم اختلفوا في اشتراط النية في الرجعة:
فقيل: لا تحصل الرجعة بالفعل إلا مع النية, وهو أن يجامعها بنية المراجعة، وهذه رواية عن الإمام أحمد (٧)، ومذهب مالك (٨) , لأن=
стр. 1957
وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ (١)،
ــ
=الفعل عند مالك ينزل منزلة القول مع النية، ولعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١)، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (٢) أن الرجعة تحصل بالوطء سواء نوى به الرجعة أو لا، اختارها ابن حامد والقاضي، وهي قول جماعة من السلف، وأصحاب الرأي (٣).
والصحيح عندي: أن الرجعة لا تحصل إلا بالوطء المقرون بالنية، فلا يكفي الوطء المجرد، بل لابد فيه من نية؛ قال شيخ الإسلام (٤): «وهو أعدل الأقوال الثلاثة في مذهب أحمد».
(١) قوله «وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ»: أي في حكم الزوجات، والدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (٥)، فسماه الله تعالى بعلاً مع أنه طلاق, إذاً فهي زوجة عليها ولها حكم الزوجات، فتجب لها النفقة ويلزمها طاعته, ويجوز أن تكشف له, فكل ما يجوز للزوجة مع الزوج يجوز لها مع زوجها إلا في مسائل قليلة منها:
١ - ليس لها حق القسم: فلا تطالب الزوج بليلة ويوم كزوجته الأخرى, لأنها انفصلت منه.
стр. 1958
يَلْحَقُهَا الطَّلاقُ وَالظِّهَارُ (١)، وَلَهَا التَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا وَالتَّشَرُّفُ لَهُ (٢)،
ــ
٢ - يلزمها لزوم المسكن كالمتوفى عنها: فلا تخرج إلا في ضرورة كالليل, ولحاجة في النهار, وهذا على المذهب (١).
والصواب: أنه لا يلزمها ذلك، بل لها أن تخرج كغيرها من سائر الزوجات، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢).
(١) قوله «يَلْحَقُهَا الطَّلاقُ وَالظِّهَارُ»: أي له أن يطلقها ما دامت في عدتها, وكذلك له أن يظاهر منها ما دامت في عدتها، وكذا الإيلاء وذلك لأنها كما سبق في حكم الزوجات.
لكن إن طلقها في عدتها هل تستأنف العدة أم تبني على ما مضى؟
قولان لأهل العلم:
قيل: تحسب ما مضى وتضيف ما بقى, لأنهما طلاقان لم يتخللهما إصابة ولا خلوة، فلم يجب بهما أكثر من عدة, كما لو والى بينهما.
وقيل: يستأنف العدة لأنها طلقة واقعة في حق مدخول بها فاقتضت عدة كاملة كالأُولى, والقول الأول هو الأظهر (٣).
(٢) قوله «وَلَهَا التَّزَيُّنُ لِزَوْجِهَا وَالتَّشَرُّفُ لَهُ»: أي ولها أن تلبس أجمل الثياب، وتريه نفسها، وتتجمل له بكل ما يرغبه في ارتجاعها لأنها في حكم الزوجات.
стр. 1959
وَلَهُ وَطْؤُهَا وَالخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِهَا (١)، وَإِذَا ارْتَجَعَهَا، عَادَتْ عَلى مَا بَقِيَ مِنْ طَلاقِهَا (٢)، وَلَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَلَهُ وَطْؤُهَا وَالخَلْوَةُ بِهَا وَالسَّفَرُ بِهَا»: لأنه كما سبق زوج وهي مازالت في حكم الزوجات.
(٢) قوله «وَإِذَا ارْتَجَعَهَا، عَادَتْ عَلى مَا بَقِيَ مِنْ طَلاقِهَا»: أي إن الرجعية التي راجعها زوجها, وهي التي طلقها أقل من ثلاث عادت إليه بما بقى من طلاقها بلا خلاف, وكذا لو عادت إليه بنكاح جديد قبل زواج ثان, فإن طلقها ثلاثاً فقضت عدتها, ثم نكحت غيره ثم تزوجها الأول فإنها ترجع إليه كنكاح جديد, أي فتعود له بطلقات ثلاث, لأن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث, ويهدم الثلاث.
(٣) قوله «وَلَوْ تَرَكَهَا حَتَّى بَانَتْ ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَهَا الأَوَّلُ»: اختلف الفقهاء فيما إذا طلقها الأول طلقة واحدة أو طلقتين ثم نكحت غيره، هل تعود إليه بما بقى من الطلقات أو لزواجها من الثاني تهدم جميع ما كان من الطلقات؟
فالمالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣) أنها تعود إليه بما بقى من الثلاث لأن الزواج الثاني لا يهدم ما دون الثلاث، لأن وطء الثاني لا يحتاج =
стр. 1960
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا إِذَا ادَّعَتْ مِنْ ذلِكَ مُمْكِنًا (١)،
ــ
= إليه في الإحلال للزوج الأول فيما دون الثلاث, فلا يغير حكم الطلاق, ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث, فأشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني، وهذا أيضاً رأى محمد بن الحسن (١) من الحنفية.
القول الثاني: قول أبي حنيفة (٢)، وأبي يوسف، وهو رواية في مذهب أحمد (٣) أن الزوج الثاني يهدم مطلقاً, فتعود بطلقات ثلاث للزوج الأول, سواء أكان زواجها بزوج ثان بعد الطلقتين أو بعد الثلاث, لأن وطء الزوج الثاني مثبت للحل, فيثبت حلاً يتسع ثلاث تطليقات كما يتسع لما دون الثلاث فأولى أن يهدم ما دونها، وقد سمّى النبي ﷺ الزوج الثاني مُحِّلاً، وهو المثبت للحل في حديث: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» (٤).
(١) قوله «وَإِذَا اخْتَلَفَا فِيْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا إِذَا ادَّعَتْ مِنْ ذلِكَ مُمْكِنًا»: أي إذا اختلفا في انقضاء العدة كأن تكون ممن تحيض في الشهر ثلاث حيض فقالت هذه المرأة: «أنها انقضت عدتها»، أو قالت: «إنها لم تنقض»، أو خالفها الزوج في ذلك ولا بينة على ذلك فالقول قول المرأة لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ=
стр. 1961
وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالقَوْلُ قُوْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا (١)،
ــ
=فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١)، فهذه الآية تشير إلى أن القول قولها لأن الله تعالى قال: ﴿يَكْتُمْنَ﴾، فلو قالت: لا يوجد حمل والعدة انقضت فالقول قولها، لأنه لولا أن القول قولها لم يكن لكتمانه أثر، إذاً فالقول قولها مع يمينها، لكن اشترط لذلك أن تكون دعواها ممكنه أو أمراً معقولاً كأن تدعي انقضاء العدة في شهرين، أو في ثلاثة أشهر، أو في شهرين ونصف فإن هذا ممكن، وكذلك إن ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر واحد وهذا ممكن، إذا قلنا أن أقل الحيض يوم وليلة وأقل الطهر ثلاثة عشر يوماً، فالقول قولها مع يمينها.
(١) قوله «وَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا فِيْ عِدَّتِهَا، فَأَنْكَرَتْهُ، فَالقَوْلُ قُوْلُهَا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا»: ما ذكره المؤلف هنا يحصل كثيراً، فأحياناً تنقضي عدة المرأة ثم يدعي الزوج أنه راجعها في العدة، وأحياناً يكون ذلك بمكيدة من الزوج نفسه، فيريد أن يكيد للمرأة فإذا انقضت عدتها وأرادت أن تنكح زوجاً غيره ادعى أنه قد راجعها، فهنا نقول بأن القول قولها لأن الأصل عدم الرجعة، ولأن جانب العِدد يرجح على جانب الزوج، إلا إذا كانت هناك بينة مع الزوج كأن يكون قد أشهد على الرجعة فهنا القول قوله ويحكم له بالرجعة.
стр. 1962
فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ (١)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ، رُدَّتْ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِيْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ»: أي إن ادعى الزوج الرجعة بعد انقضاء عدتها وكانت له بينة على دعواه، وقد تزوجت المرأة غيره فإنها ترجع لزوجها الأول، لأنه تبين أنها لم تخرج من ذمته بعد، ولأنها لا زالت زوجة للزوج الأول، فترد إليه حتى لو وطئها الثاني ويكون الوطء وطئاً بشبهه ولا يلحقه إثم بهذا.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: في حكم الرجعة في الطلاق البدعي: المشهور في مذهب الإمام أحمد أن الرجعة في الطلاق البدعي تستحب لقوله ﷺ في حديث ابن عمر «مره فليراجعها»، ولأن ابتداء النكاح ليس بواجب، فاستدامته بالرجعة كذلك.
القول الثاني: أن الرجعة في الطلاق البدعي واجبة لأن قوله ﷺ مره فليراجعها» أمر والأصل فيه للوجوب، ولأن الطلاق لما كان محرماً حال الحيض كما تقدم كانت استدامة النكاح فيه واجبة.
والحكمة من رجعتها ليقع الطلاق في زمن الإباحة وهو الطهر، وليزول الشيء الذي حرَّم الطلاق في الحيض لأجله.
- الفائدة الثانية: من خلال ما سبق نقول بأن المرأة الرجعية لا تخلو من أحوال ثلاث مع الطلاق:
أـ إذا طلقها ثلاثاً ثم نكحت زوجاً غيره ثم عاد إليها زوجها الأول فهذا يعود إليها وله ثلاث تطليقات جديدة.
стр. 1963
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ب - أن يطلقها دون الثلاث ثم يراجعها أو يعقد عليها بعد انتهاء عدتها فهذه تعود إليه على ما بقى له من الطلاق، وهاتان الحالتان محل اتفاق بين أهل العلم.
ج - أن يطلقها أقل من ثلاث ثم تنتهي عدتها ثم تنكح زوجاً غيره ثم تعود لزوجها الأول وهنا محل خلاف، قيل: تعود إليه بما بقي له من الطلاق، وقيل: تعود إليه بثلاث جديدة.
стр. 1964
وَبَلُ الغَمَامَةِ
في شَرْحِ عُمْدَةِ الفِقْهِ لابْنِ قُدَامَة
شرح لعبارة المؤلف مع التمثيل لها والاستدلال وتخريج الأحاديث
وذكر أقوال أهل العلم وبيان الراجح في كل مسألة
(من باب العدة إلى نهاية كتاب الجنايات)
تأليف
الأستاذ الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
أستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة القصيم
المملكة العربية السعودية - الزلفي - ص. ب: ١٨٨ - الرمز البريدي: ١١٩٣٢
هاتف: ٠٦٤٢٢٦٠٠٠ - فاكس: ٠٦٤٢٢٥٦٦٦ - جوال: ٠٥٠٥١٢٣١٠٠
موقع منار الإسلام www.m-islam.net
البريد الإلكتروني: a@m-islam.net ــ m-islam ١@hotmail.com
الجزء السابع
مدار الوطن للنشر