فَصْلٌ فِيْمَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَمَا لا يُبَاحُ (١):
وَالحَيَوَانِ قِسْمَانِ: (٢) بَحْرِيٌّ وَبَرِّيٌّ (٣)، فَأَمَّا البَحْرِيُّ، فَكُلُّهُ حَلالٌ (٤)،
ــ
(١) قوله «فَصْلٌ فِيْمَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَمَا لا يُبَاحُ»: بعد أن انتهى المؤلف من بيان النوع الأول من الأطعمة وهو ما يباح شربه، شرع في القسم الثاني من الأطعمة وهو ما يباح أكله من الحيوان فقال ﵀:
(٢) قوله «وَالحَيَوَانِ قِسْمَانِ»: سبق أن ذكرنا أن الحيوان ينقسم إلى قسمين: مائي، وبري، وفي كل من القسمين أنواع، فمنها ما يؤكل ومنها ما لا يؤكل.
وينقسم المأكول من الحيوان من حيث الحكم إلى ثلاثة أقسام: مباح، ومكروه، ومحرم.
وفي هذا الفصل سيذكر المؤلف ما يباح أكله من الحيوان البحري والبري.
(٣) قوله «بَحْرِيٌّ وَبَرِّيٌّ»: الحيوان البحري هو ما لا يعيش إلا في الماء كالأسماك والحيتان وغير ذلك، والحيوان البري المقصود به ما يعيش في البر من الدواب أو الطيور ونحو ذلك.
(٤) قوله «فَأَمَّا البَحْرِيُّ، فَكُلُّهُ حَلالٌ»: أي فأما ما يعيش في البحر فهو حلال كله، وقد اختلف الفقهاء فيما يحل من حيوان البحر على أقوال:
القول الأول: أن جميع حيوان البحر حلال لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ .. ﴾ (١). =
стр. 2102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وقوله ﷺ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١)، وهذا قول المالكية (٢).
القول الثاني: أن جميع ما في البحر حلال إلا الضفدع والتمساح والحية، وهو قول الحنابلة كما سيذكره المؤلف.
القول الثالث: أن جميع ما في البحر من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة فإنه يحل أكله إلا ما طفا منه. واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (٣)، حيث لم يفصل بين البري والبحري، وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ (٤).
وما سوى السمك من حيوان البحر خبيث كالضفدع والسرطان والحية ونحوها، وهذا قول الحنفية (٥)، ووجه في مذهب الشافعية (٦).
القول الرابع: أن الذي يحل أكله من الحيوان البحري هو السمك، وأما غير السمك فيؤكل منه ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وغيرها، =
стр. 2103
إِلاَّ الحَيَّةَ (١)،
ــ
= وما لا يؤكل نظيره في البر كخنزير الماء وكلبه فحرام وذلك لقياس ما في البحر على ما في البر، ولأن الاسم يتناوله فيعطى حكمه، وهذا وجه آخر في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
فهذه هي أقوال الفقهاء فيما يحل وما لا يحل من حيوان البحر.
والراجح عندي من الأقوال هو قول المالكية، وهو حل جميع صيد البحر لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٣)، قال ابن عباس ﵄ «صيده ما أُخذ حيًّا، وطعامه ما لَفَظَهُ ميتًا» (٤)، فجميع حيوانات البحر حية كانت أو ميتة كلها حلال لنا.
(١) قوله «إِلاَّ الحَيَّةَ»: يعني إلا حية البحر فإنها لا تحل وهذا ما ذهب إليه المؤلف، وقد سبق الإشارة إلى الخلاف، وقلنا بأن الراجح في حيوانات البحر أنها حلال لما ذكرناه سابقاً من الأدلةً.
وكونها تسمى حية لا يخرجها من الحل إلى التحريم، لأن التسمية لا أثر لها، فما دام أنه حيوان بحري لا يعيش إلا في البحر فهو حلال.
стр. 2104
وَالضِّفْدَعَ (١)،
ــ
(١) قوله «وَالضِّفْدَعَ»: الضفدع من الحيوانات البرمائية، أي مما يعيش في الماء ويعيش في البر، وهذا قسم ثالث من الحيوانات وهي ما تسمى بالحيوانات البرمائية.
وهل هذه تلحق بحيوانات البحر أم بحيوانات البر؟
نقول: ما يعيش في البر من حيوانات البحر كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان، وترس الماء، وغير ذلك اختلف الفقهاء في حله:
فذهب مالك (١) إلى حله مطلقًا لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، ولقوله ﷺ في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٢)، ففيه التصريح بأن ميتة البحر حلال فيعم كل ميتة مما في البحر.
وذهب الشافعية (٣) إلى أن الحيوانات البرمائية تحل مطلقًا ما عدا الضفدع فلا يحل بحال.
وعند الحنابلة (٤) لا تحل بغير ذكاة مطلقًا، ما عدا السرطان فإنه يحل بغير ذكاة لأنه لا دم له.
وذهب الحنفية (٥) إلى أن الحيوانات البرمائية لا تحل بحال، لأنها ليست بسمك.
стр. 2105
وَالتِّمْسَاحَ (١)،
ــ
=قلت: الأقرب أنها تُلحق بحيوانات البر ولا تُلحق بحيوانات البحر، لأنه اجتمع فيها جانب حظر، وجانب إباحة، فيغلب جانب الحظر.
وبناءً على ذلك فالضفدع يُلحق بحيوانات البر، وقد ورد النهي عن قتله والنهي عن قتلها يستدعي إبقاءها، وهذا يدل على تحريم أكلها؛ لأنه لو أُذِنَ في أكلها؛ لكان إذنًا بقتلها.
فالنهي عن قتلها يدل على تحريم أكلها، وحينئذ نقول: إنه لا يجوز أكل الضفادع، قال في الروض «لأنها مستخبثة».
قلت: وهذا قول غير مسلَّم به لأنه ربما تكون الضفادع مستخبثة عند كثير من الناس، لكن هناك من يستسيغون أكله ويوجد عندهم في المطاعم، فالضفدع لا يجوز أكله لورود النهي عن قتله كما سبق.
(١) قوله «وَالتِّمْسَاحَ»: أي ويحرم كذلك التمساح، ووجه كونه يحرم لأنه من الحيوانات البرمائية، فهو يعيش في الماء ساعةً لكن يخرج رأسه ويتنفس، ولذلك لا يصح أن نقول إنه من الحيوانات البحرية، بل من الحيوانات البرمائية.
وقد سبق أن قلنا بأن الحيوانات البرمائية تلحق بحيوانات البر.
وقال بعض أهل العلم: وجه كونه يحرم لأنه ذو ناب يفترس به.
قال شيخنا ﵀: «لكنه ليس من السباع .... وعليه فإننا نقول: الصحيح أنه لا يستثنى التمساح، وأنه يؤكل» (١)، وما ذهب إليه شيخنا هو =
стр. 2106
وَأَمَّا البَرِّيُّ فَيَحْرُمُ مِنْهُ كُلُّ ذِيْ نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ (١)،
ــ
= مذهب المالكية (١).
(١) قوله «وَأَمَّا البَرِّيُّ فَيَحْرُمُ مِنْهُ كُلُّ ذِيْ نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ»: الناب: السن التي خلف الرباعية جمعه أنياب.
والمراد به هنا: هو السن التي يتقوى بها السبع ويعدو بها على الناس وعلى الحيوان فيصطاده.
وقد اختلف الفقهاء في حكم أكل ما له ناب من السباع على قولين:
القول الأول: أنه يحرم أكله، وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، ودليلهم حديث أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله ﷺ قال: «كُلِّ ذِي نَابٍ، مِنَ السِّبَاعِ فأكله حَرَامٌ» (٥)، ففي هذه الأدلة دلالة واضحة على تحريم أكل ذوات الأنياب من السباع.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام مالك (٦) أن ذلك مكروه وليس بحرام، والرواية الثانية عنه أن ذلك حرام كقول الأئمة الثلاثة (٧).
والصواب: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء؛ فلا يحل أكل ذي ناب من =
стр. 2107
وَكُلُّ ذِيْ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ (١)،
ــ
= السباع لدلالة السنة على تحريمه، ولأن الحكمة تقتضيه، لأن للغذاء تأثيراً على المتغذي به.
فالإنسان ربما إذا اعتاد التغذي على هذا النوع من اللحوم صار فيه محبة العدوان على الغير.
(١) وقوله «وَكُلُّ ذِيْ مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ»: المِخلَب بكسر الميم وفتح اللام، قال أهل اللغة: المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان والمراد بها الأظفار التي يفترس بها إذا كان قويًا يعدو به على غيره كالبازي والصقر والعقاب والباشق والشاهين.
وقد اختلف العلماء في حكم أكل ما له مخلب من الطير:
فذهب جمهور أهل العلم (١) إلى تحريمه بدليل: حديث ابن عباس ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» (٢).
وذهب الإمام مالك (٣) إلى إباحة أكل ذي المخلب من الطير واستدل لقوله بعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٤)، =
стр. 2108
وَالحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ (١)،
ــ
=ولأنه لم يثبت نص صريح في التحريم، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في أول الكتاب.
والراجح في ذلك: ما ذهب إليه الجمهور، لأن الآية التي احتج بها مالك مخصوصة بالأحاديث الواردة في تحريم ما له مخلب من الطير.
ولأن الآية نزلت بمكة قبل الهجرة، وقد قصد بها الرد على أهل الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ثم بعد ذلك حرمت أمور كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.
و الحكمة في تحريم ذوات المخالب التي تصيد بها ما أشرنا إليه في تحريم ما له ناب يفترس به، وهي أن الإنسان إذا تغذى بهذا النوع من الطيور التي من طبيعتها العدوان والأذى، فإنه ربما يكتسب من طبائعها وصفاتها، ولهذا قال العلماء: لا ينبغي للإنسان أن يرضع ابنه امرأة حمقاء؛ لأنه ربما يتأثر بلبنها.
(١) قوله «وَالحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ»: أي ويحرم كذلك من الأطعمة الحمر الأهلية وهي التي يركبها الناس، وهذا هو مذهب عامة الفقهاء.
دليل ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر منادياً فنادى «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَأُكْفِئَتِ الْقُدُورُ وَإِنَّهَا لَتَفُورُ بِاللَّحْم» (١).
стр. 2109
وَالبِغَالُ (١)، وَمَا يَأْكُلُ الجِيَفَ مِنَ الطَّيْرِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَالبِغَالُ»: أي وكذا البغال محرمة؛ دليل ذلك أيضاً حديث جابر ﵁ قال: «ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ» (١).
والبغل: حيوان متولد بين الحمار والفرس، وأصل خلقته أن ينزو الحمار على الفرس فتلد ما يسمى بالبغل، وفيه من طبائع الحمير ومن طبائع الخيل، وحكمه أنه حرام؛ لأنه متولد من حلال وحرام على وجه لا يتميز فغلب جانب التحريم.
فإذا قال قائل: كيف نغلِّب جانب التحريم؟ ولماذا لا نغلِّب جانب الحل؟ نقول هكذا قال أهل العلم: إذا اجتمع موجب التحليل والتحريم على وجه لا تمييز بينهما غلب جانب التحريم؛ لأن اجتناب الحرام واجب، ولا يمكن اجتنابه إلا باجتناب الحلال.
(٢) قوله «وَمَا يَأْكُلُ الجِيَفَ مِنَ الطَّيْرِ»: أي ويَحرم أيضًا أكل ما يأكل الجيف من الطير، وكذلك الجلالة، التي تأكل القذر، وتأكل العَذِرَة.
وقد اختلفوا في حكم أكل لحمها على قولين:
القول الأول: يحرم أكلها وهو رواية عن أحمد (٢)، وأحد القولين في مذهب الشافعية (٣) بدليل حديث ابن عمر ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ =
стр. 2110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=عَنْ أَكْلِ الْجَلاَّلَةِ وَأَلْبَانِهَا» (١).
والجلالة: هي الحيوان الذي يأكل العذرة سواء كانت من البقر، أم الغنم، أم الإبل، أم الطيور كالدجاج والأوز وغيرها، فهو ظاهر في تحريم أكل لحم الجلالة لأن النهي ظاهره التحريم.
والقول الثاني: أنه يكره أكل لحمها كراهة تنزيه، وهو الرواية الثانية عن أحمد (٢)، والأصح في مذهب الشافعية (٣)، وهو قول الحنفية (٤) لأن النهى لا يرجع إلى ذاتها بل لأمر عارض لا يوجب أكثر من تغير لحمها وذلك لا يوجب التحريم.
والذي رجحه شيخنا (٥) في هذه المسألة أنه إذا كان للنجاسة أثر في طعم اللحم أو رائحته، أو اللبن، أو يسبب أمراضاً، ونحو ذلك، فإنه محرم، وأما إذا لم يكن لها أثر فإنه جائز؛ لأن النجاسات تطهر بالاستحالة. والأقرب في هذه المسألة: أنه إذا كان يغلب على شرابها وأكلها النجاسات فلا يجوز شرب لبنها، ولا أكل لحمها لنهيه ﷺ عن أكل لحوم الجلالة، وهذا هو رأي اللجنة الدائمة (٦).
стр. 2111
كَالنُّسُوْرِ وَالرَّخَمِ (١)،
ــ
=ولعل الحكمة في النهي عن أكلها ترفع الإسلام بأهله عن تناول الخبائث ولو من طريق غير مباشر لما لذلك من تأثير سيئ على صحة الإنسان وسلوكه، لأن المتغذي يشبه ما تغذى به كما سبق فينتقل الخبث من المأكول إلى الآكل ويكتسب من أخلاقه.
(١) قوله «كَالنُّسُوْرِ وَالرَّخَمِ»: هذه جملة من الطيور التي لا يجوز أكلها والعلة في ذلك خبث مطعمها فيسري ذلك الخبث في لحمها، والله تعالى قد حرَّم علينا الخبائث، ولأن الرسول ﷺ أمر بقتل خمس فواسق في الحل والحرم ومنها الغراب وهو يأكل الجيف فيقاس عليه غيره من الطيور التي تشاركه في هذا، وقال بعض أهل العلم لا يحرم من ذلك كله إلا ما ورد النهي عنه بعينه كالنملة والنحلة والهدهد والصرد، أو أُمر بقتله كالحدأة والغراب والفارة، أو ما له مخلب من الطير، أو ما ثبت ضرره كما سبق لأن الأصل في الأطعمة الحل، ولأن الرسول ﷺ أباح قتلها في الحرم ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم فدل على تحريمها، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
ومذهب المالكية (٣) هو إباحة هذا النوع من الطيور كما سبق تمسكًا بمفهوم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ (٤).
стр. 2112
وَغُرَابِ البَيْنِ وَالأَبْقَعِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَغُرَابِ البَيْنِ وَالأَبْقَعِ»: أي ويحرم كذلك من الطيور غراب البين والأبقع و الغربان ثلاثة أنواع:
الأول: كما ذكر المؤلف: «غراب البين الأبقع» وهو الذي فيه سواد وبياض، وقيل: هو الأحمر المنقار والرجلين.
الثاني: الحاتم: وهو الأسود الكبير؛ كله أسود.
الثالث: غراب الزرع: وهو الصغير الأسود، ويقال إنه يسمى الغداف وهو يشبه الحمامة، ومنقاره أسود.
فالمشهور من مذهب الحنابلة (١) أن المحرم من الغربان هو غراب البين الأبقع فقط، وأما الحاتم وغراب الزرع؛ فلا يحرم أكلهما، هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وفي رواية في المذهب (٢) في الغراب لا بأس به إن لم يأكل الجيف.
والراجح أنه لا يحل الغراب بجميع أنواعه لعموم قوله ﷺ : «خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ» (٣)، فلم يستثن من الغربان شيء بل أمر بقتل جميعها في الحرم، وإباحة قتلها في الحرم دليل على تحريم أكلها، =
стр. 2113
وَمَا يَسْتَخْبِثُ مِنَ الحَشَرَاتِ (١)،
ــ
=وأيضاً ما أُمر بقتله ووصفه بالفسق لا يحل أكله، لكن غراب الزرع أخف بكل حال من غيره، وقد استثناه بعض أهل العلم.
(١) قوله «وَمَا يَسْتَخْبِثُ مِنَ الحَشَرَاتِ»: أي ويحرم كذلك ما يستخبثه العرب ذوو اليسار من الحشرات، مثل: الصارور، والخنفساء، والجعل، والذباب، وما أشبه ذلك، وقد سبق أن ما يستخبثه العرب ذوو اليسار من الحشرات لا أصل له في التحريم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: «لا أثر لاستخباث العرب، وإن لم يُحَرِّم الشرع، حل» (١) وقال: «والوصف الخبيث هو وصف قائم بالأعيان، والطيبات هي المطاعم النافعة للعقول والأخلاق، والخبائث هي الضارة للعقول والأخلاق» (٢) فالضابط في الاستخباث: أن كل ما استخبثه الشارع فهو خبيث، وما لم يستخبثه الشارع فإنه لا يكون خبيثًا، لكن أيضًا ما لم يرد فيه نص من الشارع، وتستخبثه العقول السليمة فإنه أيضًا يكون خبيثًا، وما يضر العقول والأخلاق يكون خبيثًا، فالدخان يعتبر خبيثًا، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣)، وذلك لأن العقول السليمة والفِطَر السوية تستخبثه وترى أنه ضارٌّ بالصحة، وقد أجمع أهل الطب على ثبوت ضرره بالأبدان، فيدخل في الخبائث.
стр. 2114
كَالفَأْرِ وَنَحْوِهَا (١)، إِلاَّ اليَرْبُوْعَ وَالضَّبَّ (٢)؛
ــ
(١) قوله «كَالفَأْرِ وَنَحْوِهَا»: أي ويحرم كذلك الفأر ليس لأجل أنها خبيثة، وإنما من أجل عدوانها؛ لأنها مجبولة على العدوان، ولهذا تسمى «الفويسقة»، ومثل الفأرة الجرذي، وهو فأرة البر، فلا يحل؛ لأنه يعتدي. أما اليربوع كما سيأتي فإنه حلال مع أنه قريب وشبيه بالفأرة، وقد سبق دليل الأمر بقتل الفأرة في الحل والحرم، والقاعدة كما سبق أن كل ما أمر الشارع بقتله ووصف بالفسق فإنه يحرم أكله.
(٢) قوله «إِلاَّ اليَرْبُوْعَ وَالضَّبَّ»: أما اليربوع ويسميه بعض الناس بالجربوع، هذا يُباح أكله، والدليل على ذلك: أن عمر ﵁ حكم فيه بجفرة إذا قتله المحرم، والجفرة: هي الأنثى من ولد الماعز إذا بلغ أربعة أشهر، وهذا يدل على أنه صيد، وإذا كان صيدًا فإنه يُباح أكله.
وأما إباحة «الضَّبّ» فلأنه أُكِلَ على مائدة رسول الله ﷺ وهو ينظر، فعن ابن عباس ﵄ قال: «دخلت أنا وخالد بن الوليد على رسول الله ﷺ بيت ميمونة فأُتِيَ بِضَبٍّ، فقيل: يا رسول الله هو ضب، فرفع يده، فقيل: يا رسول الله أحرام هو؟ ! قال: «لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجد نفسي تعافه»، أو قال: «فأجدني أعافه»، قال خالد: «فاجْتَرَرْتُه وأكلته ورسول الله ﷺ ينظر» (١)، وهذا إقرار من النبي ﷺ لأكله، ولو كان حرامًا؛ لما أقر النبي ﷺ الصحابة على أكله، فدل ذلك=
стр. 2115
وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاح (١)، وَيُبَاحُ أَكْلُ الخَيْلِ وَالضَبُعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ فِيْ لُحُوْمِ الخَيْلِ، وَسَمَّى الضَّبُعَ صَيْدًا (٢)،
ــ
=على أن أكل لحم الضب مُباح.
(١) قوله «وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاحٌ»: أي ما عدا الذي ذكرنا فإنه يباح أكله لأن الأصل في الأطعمة كما سبق هو الحل.
(٢) قوله «وَيُبَاحُ أَكْلُ الخَيْلِ وَالضَبُعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ فِيْ لُحُوْمِ الخَيْلِ، وَسَمَّى الضَّبُعَ صَيْدًا»: الخيل: جماعة الأفراس، اسم جمع لا واحد له من لفظه كالقوم، والرهط والنفر وقيل: مفرده خائل، وسميت الخيل خيلًا لاختيالها في المشية، وقد اختلف العلماء في حكم أكل لحومها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: هو ما ذهب إليه الحنفية (١)، وهو المشهور عند المالكية (٢) أنه يحرم أكل لحوم الخيل، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣)
فالأنعام قال: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ =
стр. 2116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾، قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، فقسم الله هذه البهائم إلى قسمين: قسم لهم فيه دفء ومنافع وأكل، وقسم للركوب والزينة، وذكر الخيل فيما يحرم، وهي البغال، والحمير، فكانت محرمة، وذكر الحكمة وهي الركوب والزينة، ولو كان الأكل سائغا لذكره؛ لأنه غاية لمن اقتناه.
القول الثاني: ما ذهب إليه الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وقول محمد بن الحسن من الحنفية (٣)، وهو قول للمالكية (٤)، وهو الراجح عندي من إباحة أكل لحم الخيل لحديث جابر قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَرَخَّصَ فِي الْخَيْلِ» (٥)، وعن أسماء ﵂ قالت: «نحرنا فرساً في عهد النبي ﷺ ونحن في المدينة فأكلناه» (٦) وقولها: «ونحن في المدينة»، تعني أنه متأخر، لأن سورة النحل التي فيها دليل من استدل على تحريمها مكية. أما قوله «وَالضَبُعِ» بضم الباء وسكونها، اسم للأنثى ولا يقال ضبعة، والذكر ضبعان ومن عجيب أمره أنه يكون سنة=
стр. 2117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ذكرًا وسنة أنثي فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة وهو مولع بنبش القبور لشهوته للحوم بني آدم، وقد اختلف الفقهاء في حكم أكله على قولين:
القول الأول: إباحة أكله؛ وهو قول الشافعي (١)، وأحمد (٢)، ودليلهم: حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم. قلت: أكلها. قال: نعم» قلت: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم» (٣).
القول الثاني: تحريم أكل الضبع؛ وإليه ذهب أبو حنيفة (٤) ﵀ وغيره واستدلوا بما تقدم من تحريم كل ذي ناب من السباع قالوا: والضبع لها ناب تصيد به فتدخل تحت الحديث - وأجابوا عن الحديث الذي استدل به من أباحه من وجوه:
أولاً: أنه ليس بمشهور فالعمل بالمشهور أولى.
ثانيًا: يقدم دليل الحظر على دليل الإباحة عند التعارض احتياطًا.
ثالثًا: حمل ما يدل على إباحتها على ما قبل التحريم. =
стр. 2118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والراجح: هو القول الأول، وهو اختيار شيخنا ﵀ (١) لقوة دليله كما سبق، ومن قال بأن الضبع من ذوات الناب التي تفترس بنابها، فكلامه غير مسلم، فإن كثيراً من ذوي الخبرة يقولون: إن الضبع لا تفترس بنابها، وليست بسبع، ولا تفترس إلا عند الضرورة، أو عند العدوان عليها، يعني إذا جاعت جداً ربما تفترس، وليس من طبيعتها العدوان، أو إذا اعتدى أحد عليها، وما ذكروه أي «من قال بالتحريم» من تعليلات محجوج بالأدلة التي سبقت.
стр. 2119
بابُ الذَّكاةِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ الذَّكاةِ»: الذكاة لغة: تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل سريع القبول.
والذكاة شرعًا: ذبح أو نحر الحيوان المأكول البري بقطع حلقومه ومريئه، أو عقر ممتنع.
وقيل أيضاً في تعريفها: الذكاة هي إنهار الدم من بهيمة تحل، إما في العنق إن كان مقدوراً عليها، أو في أي محل من بدنه إن كان غير مقدور عليها.
وبهذا التعريف يمكننا أن نقول بأن الذكاة منها ما يكون اختيارياً ومنها ما يكون اضطرارياً، ف الذكاة الاختيارية: هي الذبح فيما يذبح وهو ما عدا الإبل من الحيوانات المقدور عليها، والنحر فيما ينحر وهو الإبل خاصة.
أما الذكاة الاضطرارية: فهي الجرح في أي موضع كان من البدن عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام، وتسمى هذه الحالة العقر.
- فائدة: الحكمة من مشروعية التذكية: هي تطييب الحيوان المُذَكَّى، وذلك أن الميتة إنما حُرِّمَت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، فهي مُضِرَّة بالبدن، أكلها مُضر بالصحة، والذكاة تُزيل الدم والفضلات، ولهذا نجد بعض الناس من غير المسلمين ينادون بالتذكية رغم أنهم لا يدينون بدين الإسلام، لكنهم يعرفون أن أكل الميتة مُضر بالصحة ضررًا بليغًا؛ لأن الميتة يحتقن فيها الدم والفضلات =
стр. 2120
يُبَاحُ كَلُّ مَا فِيْ البَحْرِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِيْ البَحْرِ: «الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١)
ــ
= والسموم التي تضر بالبدن، والتذكية تزيل هذه الفضلات وهذه السموم، والله تعالى لا يشرع شيئًا إلا لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة، فهو أحكم الحاكمين.
يسن عند الذبح ما يلي:
١ - كون الذبح بإنهار.
٢ - اضجاع الذبيحة على شقها الأيسر برفق.
٣ - نحر الإبل قائمة معقولة اليد اليسرى، وذبح البقر والغنم مضجعة على جنبها الأيسر.
٤ - قطع الأوداج والإسراع بالذبح.
٥ - الرفق بالبهيمة.
(١) قوله «يُبَاحُ كَلُّ مَا فِيْ البَحْرِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فِيْ البَحْر «الحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١): أي كل شيء لا يعيش إلا في الماء فإنه يحل بدون ذكاة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٢).
ومن السنة ما ذكره المؤلف هنا من حديث أبي هريرة ﵁ في ماء البحر، =
стр. 2121
إِلاَّ مَا يَعِيْشُ فِيْ البَرِّ، فَلا يُبَاحُ حَتَّى يُذَكَّى، إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ (١)،
ــ
=وكذلك حديث ابن عمر ﵄: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (١).
(١) قوله «إِلاَّ مَا يَعِيْشُ فِيْ البَرِّ، فَلا يُبَاحُ حَتَّى يُذَكَّى، إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ»: أي إلا ما يعيش في البر، من حيوانات البحر فلا يَحِل حتى يُذَكَّى وهي ما تسمى بالبرمائيات الحيوانية، مثل كلب الماء، والسلحفاة، والسمندل ونحو ذلك، فهذه لا بد من تذكيتها، ولهذا قال الإمام أحمد: «كلب الماء نذبحه، ولا أرى بأسًا بالسلحفاة إذا ذُبِحَ» (٢)، وفي رواية أخرى (٣) في المذهب أنه يحل بغير ذكاة وذهب إليه قوم من أهل العلم لقول النبي ﷺ في البحر «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (٤)، ولأنه من حيوان الماء فأبيح بغير ذكاة كالسمك والسرطان وقوله: «إِلاَّ السَّرَطَانَ وَنَحْوَهُ»، هذا مستثنى من الحيوانات البرمائية لأن السرطان لا دم فيه، قال أحمد «السرطان لا بأس به، قيل له يذبح؟ قال لا» (٥)، وذلك لأن مقصود الذبح إنما هو إخراج الدم وتطييب اللحم بإزالته عنه، فأما ما لا دم له فلا حاجة إلى ذبحه. =
стр. 2122
وَلا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ البَرِّيِّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلاَّ الجَرَادَ وَشِبْهَهُ (١)، وَالذَّكَاةُ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ: نَحْرٍ، وَذَبْحٍ، وَعَقْرٍ (٢)،
ــ
=ومقتضاه أن ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر كطير الماء والسلحفاة وكلب الماء فلا يحل إلا بذبحه، وهذا هو الصحيح في المذهب كما سبق قريباً.
(١) قوله «وَلا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ البَرِّيِّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلاَّ الجَرَادَ وَشِبْهَهُ»: أي لا يحل من الحيوانات البرية إلا ما يذكى، فالأصل في الحيوانات البرية أنه لا بد من تذكيتها. لكن أُستثنى من ذلك الجراد، فإن الجراد حيوان بري، فيحل بدون ذكاة، مع أنه لا يعيش إلا في البر، لقوله ﷺ : «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ، وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (١)، ولأن الجراد ليس فيه دم حتى يحتاج إلى إنهاره، وقد قال النبي ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» (٢)، وقال بعض العلماء في الجراد: لا بد أن يموت بسبب من الإنسان، ولو مات بدون سبب من الإنسان فإنه لا يحل، لكنه قول ضعيف.
(٢) قوله «وَالذَّكَاةُ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ: نَحْرٍ، وَذَبْحٍ، وَعَقْرٍ»: النحر في اللغة: من نحر ينحر نحراً: أصاب نحره، ونحر البعير ينحره نحراً: طعنه في منحره حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ=
стр. 2123
وَيُسْتَحَبُّ نَحْرُ الإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا (١)،
ــ
=وَانْحَرْ﴾ (١).
أما في الاصطلاح: فهو قطع عروق الإبل الكائنة في أسفل عنقها عند صدورها.
أما الذبح؛ فهو في اللغة: بمعنى الشق.
وفي الاصطلاح: هو قطع الحلقوم والمريء والودجين وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء.
أما العقر؛ بفتح العين وسكون القاف، فهو لغة: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم، ثم اتسع فيه العرب حتى استعملوه في القتل والإهلاك.
وفي الاصطلاح: هو جرح الحيوان، بأي فعل مزهق للروح. في أي مكان في جسمه. ويستعمل في تذكية الحيوان المأكول إذا لم يتمكن صاحبه من القدرة عليه.
(١) قوله «وَيُسْتَحَبُّ نَحْرُ الإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا»: لا خلاف بين أهل العلم في استحباب نحر الإبل، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٣) قال مجاهد: أمرنا بالنحر، وأمر بنو إسرائيل بالذبح، وثبت «أن رسول الله=
стр. 2124
فَإِنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ، فَجَائِزٌ (١)،
ــ
= ﷺ نحر بدنه، وضحى بكبشين أقرنين ذبحهما بيده» (١).
وذهب المالكية (٢) إلى وجوب نحرها، وألحقوا بها الزرافة لأن أعناقها طويلة فإذا ذبح تعذب بخروج روحه، ولأن النبي ﷺ نحر البدن وذبح الغنم وإنما نأخذ الأحكام من جهته.
والصحيح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وهو جواز الذبح في الإبل وإن كان خلاف الأولى وذلك لعموم قوله ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» (٣)، فلم يفرق بين النحر والذبح، فيجوز نحر ما يذبح وذبح ما ينحر.
(١) قوله «فَإِنْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ، فَجَائِزٌ»: أي فإن استبدل النحر بالذبح أو استبدل الذبح بالنحر فإن ذلك جائز، وقد سبق الإشارة إلى ذلك آنفاً وقلنا بأن النحر يكون للإبل، والذبح لغيرها، والعَقْر يكون للصيد وما يَمْتَنع من الحيوان، فلو أنه ذبح ما ينحر، كأن يأتي لبعير ويذبحه بسكين كما يذبح الشاة أو البقر، فإن هذا يصح، أو العكس، بأن نَحَرَ ما يُذبح كأن يأتي إلى البقرة أو الغنم فينحره نَحرًا، فيصح أيضاً وذلك لأدلة منها:
стр. 2125
وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ كُلِّهَا ثَلاثَةُ شُرُوْطٍ: (١)
ــ
أولاً: حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَمِرَّ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ، وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» (١).
ثانياً: حديث أسماء ﵂ قالت: «نَحَرْنا فرسًا على عهد رسول الله ﷺ وأكلناه» (٢)، ومن المعلوم أن الفرس يُذبح.
ثالثاً: جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ نَحَرَ في حجة الوداع عن نسائه البقر، ومعلوم أن البقر يُذبح، ومع ذلك قال الراوي: «نَحَرَ رسول الله ﷺ البقر»، فدل ذلك على أنه لو نُحِرَ ما يُذبح أو ذُبِحَ ما يُنحر أن ذلك لا بأس به، لكن الأفضل أن النَحْرَ يكون للإبل، والذبح يكون لما عداها كما سبق.
(١) قوله «وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ كُلِّهَا ثَلاثَةُ شُرُوْطٍ»: بدأ المؤلف ببيان شروط الذكاة التي لابد من توفرها لتكون صحيحة يحل بها الحيوان المذكي، وهذه الشروط بعضها يعتبر في الذابح وبعضها يعتبر في آلة الذبح وبعضها يعتبر في صفة الذبح، وهذا ما سيتم بيانه إن شاء الله تعالى.
стр. 2126
أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّيْ، وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ عَاقِلاً، قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَأَمَّا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُوْنُ وَالسَّكْرَانُ وَالكَافِرُ الَّذِيْ لَيْسَ بِكِتَابِيٍّ فَلا تَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ (١)،
ــ
(١) قوله «أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّيْ، وَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ عَاقِلاً، قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، فَأَمَّا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُوْنُ وَالسَّكْرَانُ وَالكَافِرُ الَّذِيْ لَيْسَ بِكِتَابِيٍّ فَلا تَحِلُّ ذَبِيْحَتُهُ»: هذا هو الشرط الأول فيما يعتبر في الذابح وهو أن يكون أهلاً للذكاة، ولا يكون كذلك إلا إذا توفر فيه شروط ثلاثة:
١ - العقل.
٢ - القدرة على الذبح.
٣ - الدين.
أما الشرط الأول وهو أن يكون عاقلاً: فهذا قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣) لأن الذكاة يعتبر لها القصد كالعبادة، ومن لا عقل له لا يصح منه القصد، فيصير ذبحه كما لو وقعت الحديدة بنفسها على حلق شاة فذبحتها.
فإذا كان الذابح طفلاً دون التمييز أو مجنونًا أو سكراناً لا يصح منه الذبح.
والأظهر في مذهب الشافعية (٤) أنه لا يشترط العقل في الذابح فيحل ذبح الصبي غير المميز والمجنون والسكران لأن لهم قصدًا وإرادة في الجملة لكن مع الكراهة خوفًا من عدولهم عن محل الذبح. =
стр. 2127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= والراجح أنه يشترط العقل في الذابح فلا تَحِلُ ذبيحة غير المميز والسكران والمجنون لأنه يُشترط للذبح صحة القصد والإرادة، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (١) فأضاف التذكية إلى المخاطبين، وهو ظاهر في إرادة الفعل، وما لا يمكن منه القصد لا تمكن منه الإرادة، ومعلوم أن المجنون لا يمكن منه الإرادة على وجه صحيح، وكذلك أيضاً الطفل غير المميز، لا يعقل النية، فلا يصح ذبحه ولا نَحْرُهُ، لكن الطفل المميز يصحّ ذَبْحُهُ، ولهذا قال ابن المنذر ﵀: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي» (٢)، ولأن الذكاة فيها نوع تعبد لله ويذكر عليها اسمه، والعبادة لابد لها من نية ولا يأتي هذا بدون أن يكون الذابح عاقلاً مميزًا.
الشرط الثاني: القدرة على الذبح: فيُشترط في الذابح أن يكون «قَادِرًا عَلى الذَّبْحِ»، وذلك ليتحقق منه فإن كان غير قادرٍ على الذبح أيضًا لا يصح ذبحه.
الشرط الثالث: أن يكون مسلماً أو كتابياً: أي ذا دين سماوي فيخرج بذلك ما ذبحه كافر غير كتابي فلا يحل، والمسلم هنا من دان بشريعة محمد ﷺ ، والكتابي هو من كان يهودياً، أو نصرانياً، فإن اليهودي والنصراني تحل ذبيحتهما؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ=
стр. 2128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ (١)، والطعام في الأصل: اسم لما يؤكل والذبائح منه، وهو هنا خاص بالذبائح، لأن غير الذبائح يحل منهم ومن غيرهم ولم يختلف السلف أن المراد بذلك الذبائح، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين (٢).
والحكمة في إباحة ذبائح أهل الكتاب كما قال أهل العلم: أنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله وإن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه، فهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين لأنهم ينتسبون إلى الأنبياء والكتب، وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله لأنه شرك؛ فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم.
هذا ما ذكره بعض العلماء في الحكمة في إباحة ذبائح أهل الكتابين فإن صح فذاك، وإلا فالله قد أباح ذبائحهم دون غيرهم وعلينا الاستسلام لحكمه سبحانه عرفنا الحكمة أم لم نعرفها (٣).
стр. 2129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- فائدة: في حكم ما ذبحه أهل الكتاب ولم يذكر اسم الله عليه:
ما ذبحه أهل الكتاب ولم يذكروا اسم الله عليه له حالتان:
الحالة الأولى: ما تركوا التسمية عليه بالكلية فلم يذكروا عليه اسم الله ولا اسم غيره .
الحالة الثانية: ما ذبحوه على اسم المسيح أو الزهرة أو غيرهما.
ففي الحالة الأولى للعلماء في حكم الذبيحة قولان:
القول الأول: أنها لا تحل مطلقًا سواء قلنا: إن التسمية شرط لحل ذبيحة المسلم أو لا - لأننا أن قلنا إن التسمية شرط في حل ذبيحة المسلم فالكتابي من باب أولى، وإن قلنا إنها غير شرط في حل ذبيحة المسلم فهناك فرق بين المسلم والكتابي لأن اسم الله في قلب المسلم وإن ترك ذكره بلسانه بخلاف الكتابي (١).
القول الثاني: أنها تحل مطلقًا: أي سواء اشترطت التسمية لحل ذبيحة المسلم أم لا، فذبيحة أهل الكتاب حلال سواء ذكروا اسم الله تعالى عليها أم لا لظاهر القرآن العزيز، كما في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ﴾ (٢)، فظاهر الآية العموم فيتناول ما لم يذكروا اسم الله عليه (٣). =
стр. 2130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والذي يظهر لي ترجيحه هو القول الأول، وهو تحريم ذبيحة الكتابي إذا لم يذكر اسم الله عليها متعمداً، لأن الراجح أن التسمية شرط في حل
ذبيحة المسلم والكتابي مع الذكر كما سيأتي إن شاء الله تعالى لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١)، وهذا عام في ذبيحة المسلم والكتابي، وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (٢) يراد به ما ذبحوه بشرطه كالمسلم.
الحالة الثانية: وهو ما ذبحوه على اسم غير الله كالمسيح والزهرة وغيرهما، نقول للعلماء في حكم الذبيحة في هذه الحالة ثلاثة أقوال:
القول الأول: التحريم: وهو قول الشافعية (٣)، والحنفية (٤)، وهو أصح الروايتين عن أحمد (٥) لأن القرآن الكريم صرح بتحريم ما أهل به لغير الله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٦)، وهذا عام في ذبيحة الوثني والكتابي إذا أهل بها لغير الله.
القول الثاني: الإباحة: وهو قول جماعة من السلف (٧)، ورواية عن أحمد (٨) لأن هذا من طعامهم، وقد أباح الله لنا طعامهم من غير=
стр. 2131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=تخصيص، وقد علم سبحانه أنهم يسمون غير اسمه.
القول الثالث: وهو قول المالكية (١): أن ذبح أهل الكتاب إذا قصدوا به التقرب لآلهتهم قربانًا وتركوه لا ينتفعون به فإنه لا يحل لنا أكله إذ ليس من طعامهم لأنهم لا ينتفعون به، وأما ما ذبحوه لأنفسهم بقصد أكلهم منه ولو في أعيادهم لكن سموا عليه اسم آلهتهم مثلاً تبركًا فهذا يكره أن يؤكل لأنه تناوله عموم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (٢). والراجح من الأقوال هو القول الأول، وهو التحريم مطلقًا لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (٣)، وهذا مما أهل به لغير الله، وإباحة ذبائح أهل الكتاب وإن كانت مطلقة: لكنها مقيدة بما لم يهلوا به لغير الله فلا يجوز تعطيل القيد وإلغاؤه بل يحمل المطلق على المقيد.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: هل طعام الذين أوتوا الكتاب كل ما اعتقدوه طعاماً، وإن لم يكن على الطريقة الإسلامية ؟ نقول لا، وهو المشهور عند عامة أهل العلم عامتهم، وذهب بعض العلماء - من الأقدمين والمتأخرين - إلى أن ما اعتقدوه طعاماً فهو حلال لنا؛ لأن الاختصاص في قوله تعالى: =
стр. 2132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (١) لولا أن له فائدة لم يكن
لذكره فائدة، وهي أن طعامهم يتميز عن طعامنا باعتقادهم إياه طعاماً، فإن كانوا مثلا يعتقدون أن المصعوق بالكهرباء ونحوه يعتبر طعاما فهو حل لنا، كما لو أن أحداً من الفقهاء خالفنا في شرط من شروط الذكاة، وذكى الذبيحة على اعتقاده فإنها تكون حلالاً لنا، ولنفرض أن شخصاً لا يرى وجوب التسمية ذبح ذبيحة ولم يسم الله؛ فهي حلالٌ لنا وله؛ لأنه اعتقدها حلالاً، أما لو ذبحها من يعتقد التحريم فهي حرام.
فالمهم أن بعض العلماء قال: ما اعتقده أهل الكتاب طعاماً فإنه حلال، ولا نحتاج إلى قطع الحلقوم والمريء، ولا إلى التسمية.
قلت: والصواب هو ما عليه جمهور العلماء، فلا بد أن يذكى وينهر الدم فيه، ولا بد أن يسمى الله عليه؛ كما سيأتينا - إن شاء الله تعالى - في الشروط المستقبلة.
- الفائدة الثانية: هل يشترط أن يكون أبوا الكتابي كتابيين ؟
الصحيح أنه لا يشترط أن يكون أبواه كتابيين، وأن لكل إنسان حكم نفسه، فلو قدر أن الأب شيوعي، أو وثني، وأن ابنه اعتنق دين اليهود مثلا، أو دين النصارى، فإن ذبيحته - على القول الراجح - حلال؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (٢).
стр. 2133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الفائدة الثالثة: شكك بعض الناس في عصرنا في حل ذبيحة اليهودي والنصراني، وقال: إنهم الآن لا يدينون بدين اليهود، ولا النصارى، وهذا ليس بصواب، نعم إن قالوا: نحن لا ندين بهذه الأديان، ولا نعتبرها دينا، فإن ردتهم واضحة، أما إذا قالوا: إنهم يدينون بها، ولكنَّ عندهم شركا، فإن ذلك لا يمنع، بدليل أن الله - تعالى - أنزل سورة المائدة، وحكي فيها عن النصارى ما حكي من القول بالتثليث، وكفرهم بذلك، فقال سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (١)، وفي نفس السورة قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (٢)، فالقرآن نزل بعد أن غيروا وبدلوا، بل بعد أن كفروا، ومع ذلك أحل ذبائحهم ونساءهم، وعلى هذا فما دام هؤلاء يقولون: إنهم يدينون بدين النصارى، أو بدين اليهود فإن لهم حكم اليهود والنصارى، ولو كان عندهم تبديل وتغيير، ما لم يقولوا: إنهم مرتدون (٣).
- الفائدة الرابعة: في حكم اللحوم المستوردة:
اللحوم المستوردة من أهل الكتاب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما علم أنه ذكي على الطريقة الشرعية، فهذا حلال بالإجماع.
стр. 2134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم الثاني: ما علم أنه ذكي على غير الطريقة الشرعية كأن يذبحوه بالخنق أو الكهرباء أو ضرب الرأس ونحو ذلك فقد سبق الإشارة إليه وقلنا بأن الصحيح أنه يحرم.
القسم الثالث: وهو ما جهل حاله من هذه اللحوم المستوردة فلم يعلم هل ذكي على الطريقة الإسلامية أو لا، فهذا قد اختلفت فيه أقوال العلماء في عصرنا على قولين:
القول الأول: أنه مباح عملاً بالآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ (١)، فالأصل فيه الإباحة إلا إذا علمنا أنهم ذبحوه على غير الوجه الشرعي، وهذا هو اختيار شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ (٢)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (٣)، وقول اللجنة الدائمة (٤).
القول الثاني: أن هذا النوع من الذبائح لا يحل واحتج أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - لأن الأصل في الحيوانات التحريم فلا يحل شيء منها إلا بذكاة شرعية متيقنة تنقلها من التحريم إلى الإباحة، وحصول الذكاة على الوجه الشرعي في هذه اللحوم مشكوك فيه، بل يغلب على الظن عدم وجود التذكية فيها فتبقى على التحريم. =
стр. 2135
الثَّانِيْ: أَنْ يَذْكُرَ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا (١)،
ــ
=٢ - أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر فيغلب جانب الحظر، وهذه اللحوم ترددت بين كونها مذكاة ذكاة شرعية فتحل أم غير مذكاة فلا تحل تغليباً لجانب التحريم.
قلت: والراجح هو القول الأول وأنَّ تورع الإنسان بتركها وإن كان ذلك محموداً وذلك لكَثُرَت شهادات من شهدوا بأن كثيرا من المصانع في بعض الدول أنهم يصعقون الحيوانات ولا يُذَكُّونَها التذكية الشرعية.
ومع قولنا بأن الإنسان يتورع بتركها فلا يأكل هذه الذبائح المستوردة، لكن لا يُحَرِّم هذا على غيره، ولا يُنكر على الذين يأكلون هذه الذبائح، وذلك لاختلاف العلماء في حلها وحرمتها، والورع شيء والتحريم شيء آخر.
(١) قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَذْكُرَ اللهِ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا»: هذا هو الشرط الثاني مما تحل به الذبيحة فلابد فيها من التسمية دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، إلى قوله تعالى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١).
ومن السنة قول النبي ﷺ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ» (٢)، و «ما» هنا شرطية. =
стр. 2136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ومن السنة أيضاً حديث عائشة ﵂ قالت: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» (١)، فقولها «لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا»، فإن هذا يدل على أنه كان من المستقر عندهم أن ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل.
وقد اختلف الفقهاء في حكم التسمية على الذبيحة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وجوب التسمية على الذبيحة مطلقًا فلا تحل بدونها أي فلا تسقط بأي حال من الأحوال، لا سهواً ولا جهلاً ولا عمداً مع الذكر وهذا هو قول الظاهرية (٢)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وشيخنا ﵀ (٥).
واستدل هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٦). ففيه النهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه وتسميته فسقًا.
стр. 2137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ومن ذلك أيضاً قوله ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ» (١)، فشرط لحل الأكل التسمية، ومعلوم أنه إذا فقد الشرط فقد المشروط، فإذا فقدت التسمية فإنه يفقد الحل، كسائر الشروط.
القول الثاني: أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حال النسيان، فيباح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا من الذبائح، وهذا قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٤)، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز (٥) ﵀. واستدل هؤلاء بأدلة منها:
حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ لْيَأْكُلْ» (٦).
وقول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٧).
القول الثالث: أن التسمية على الذبيحة سنة مطلقًا وليست شرطًا وهو=
стр. 2138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=رواية عن أحمد (١) ومذهب الشافعية (٢) واحتجوا بما يأتي:
١ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .. ﴾، إلى قوله تعالى ﴿ .. إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٣)، فأباح المذكي ولم يذكر التسمية.
٢ - واستدلوا أيضًا بأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ وهم لا يسمون غالبًا فدل على أنها غير واجبة لأنها لو اشترطت التسمية لما حلت الذبيحة مع الشك في وجودها لأن الشك في الشرط شك في المشروط.
٣ - واستدلوا أيضاً بحديث عائشة ﵂: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» (٤). ووجه الدلالة منه أنه لو كانت التسمية شرطًا لم يرخص لهم إلا مع تحققها وما ذكر في الحديث المراد به التسمية المأمور بها عند أكل الطعام.
قلت: والراجح من الأقوال هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حالة النسيان، فيباح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا من الذبائح.
стр. 2139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وهذا هو الموافق لأصول هذه الشريعة، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، قال: قد فعلت»، وقوله ﷺ : «وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ» (٢).
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: اختلف الفقهاء في الصيغة المعتبرة في التسمية على الذبيحة على قولين:
القول الأول: وهو قول الحنفية (٣)، والمالكية (٤) أن المراد بالتسمية ذكر أي اسم من أسماء الله سواء قرن به كأن قال: الله أكبر، الله أجل، الله أعظم، الله الرحمن، الله الرحيم، أو لم يقرن بأن قال: الله أو الرحمن أو الرحيم، وكذا التهليل والتحميد والتسبيح. ووجهتهم في ذلك: أن الله سبحانه قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٥).
وكذا جاء في الأحاديث من غير فصل بين اسم واسم، ويرى شيخنا ﵀ جواز قوله باسم الرحمن، أو باسم رب العالمين (٦).
стр. 2140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القول الثاني: أنه يتعين أن يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها، وهذا قول الحنابلة (١)، والشافعية (٢). ووجهتهم في ذلك: أن إطلاق التسمية ينصرف إلى: «بسم الله»، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا ذبح قال: «بسم الله الرحمن الرحيم».
والراجح عندي: هو القول الثاني؛ لأن اسم الله وإن جاء مطلقًا في النصوص فقد بينه فعل الرسول ﷺ الثابت في الصحيح، فقد كان يقول عند الذبح «بسم الله»، ويرى شيخنا ﵀ جواز قوله «باسم الرحمن»، أو «باسم رب العالمين» (٣).
- الفائدة الثانية: وقت التسمية على الذبيحة:
وقت التسمية على الذبيحة هو وقت الذبح، لأنه لا يتحقق معنى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا إذا كان وقت الذبح ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير لا يمكن التحرز عنه.
- الفائدة الثالثة: ما جهل حاله هل ذكر الذابح اسم الله عليه أو لا ؟
إن تيقن أن الذابح لم يسم عليها لم يجز أن يأكل منها، وإذا لم يعلم هل سمي عليها أو لا جاز أن يأكل منها لأنه لا يلزم أن تعلم التسمية فيما يجلب إلى أسواق المسلمين مما ذبحه المسلمون أو أهل الكتاب لأن المسلمين قد عرفوا التسمية، والمسلم يحسن به الظن ما لم يتبين خلاف ذلك، =