← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ومن السنة أيضاً حديث عائشة ﵂ قالت: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» (١)، فقولها «لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا»، فإن هذا يدل على أنه كان من المستقر عندهم أن ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل. وقد اختلف الفقهاء في حكم التسمية على الذبيحة على ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب التسمية على الذبيحة مطلقًا فلا تحل بدونها أي فلا تسقط بأي حال من الأحوال، لا سهواً ولا جهلاً ولا عمداً مع الذكر وهذا هو قول الظاهرية (٢)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وشيخنا ﵀ (٥). واستدل هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٦). ففيه النهي عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه وتسميته فسقًا.

стр. 2137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ومن ذلك أيضاً قوله ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ فَكُلْ» (١)، فشرط لحل الأكل التسمية، ومعلوم أنه إذا فقد الشرط فقد المشروط، فإذا فقدت التسمية فإنه يفقد الحل، كسائر الشروط. القول الثاني: أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حال النسيان، فيباح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا من الذبائح، وهذا قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والمشهور في مذهب الحنابلة (٤)، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز (٥) ﵀. واستدل هؤلاء بأدلة منها: حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ وَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ، ثُمَّ لْيَأْكُلْ» (٦). وقول النبي ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٧). القول الثالث: أن التسمية على الذبيحة سنة مطلقًا وليست شرطًا وهو=

стр. 2138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =رواية عن أحمد (١) ومذهب الشافعية (٢) واحتجوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .. ﴾، إلى قوله تعالى ﴿ .. إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٣)، فأباح المذكي ولم يذكر التسمية. ٢ - واستدلوا أيضًا بأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ وهم لا يسمون غالبًا فدل على أنها غير واجبة لأنها لو اشترطت التسمية لما حلت الذبيحة مع الشك في وجودها لأن الشك في الشرط شك في المشروط. ٣ - واستدلوا أيضاً بحديث عائشة ﵂: «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» (٤). ووجه الدلالة منه أنه لو كانت التسمية شرطًا لم يرخص لهم إلا مع تحققها وما ذكر في الحديث المراد به التسمية المأمور بها عند أكل الطعام. قلت: والراجح من الأقوال هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حالة النسيان، فيباح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا من الذبائح.

стр. 2139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وهذا هو الموافق لأصول هذه الشريعة، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، قال: قد فعلت»، وقوله ﷺ : «وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ» (٢). ذكر بعض الفوائد: - الفائدة الأُولى: اختلف الفقهاء في الصيغة المعتبرة في التسمية على الذبيحة على قولين: القول الأول: وهو قول الحنفية (٣)، والمالكية (٤) أن المراد بالتسمية ذكر أي اسم من أسماء الله سواء قرن به كأن قال: الله أكبر، الله أجل، الله أعظم، الله الرحمن، الله الرحيم، أو لم يقرن بأن قال: الله أو الرحمن أو الرحيم، وكذا التهليل والتحميد والتسبيح. ووجهتهم في ذلك: أن الله سبحانه قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٥). وكذا جاء في الأحاديث من غير فصل بين اسم واسم، ويرى شيخنا ﵀ جواز قوله باسم الرحمن، أو باسم رب العالمين (٦).

стр. 2140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القول الثاني: أنه يتعين أن يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها، وهذا قول الحنابلة (١)، والشافعية (٢). ووجهتهم في ذلك: أن إطلاق التسمية ينصرف إلى: «بسم الله»، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا ذبح قال: «بسم الله الرحمن الرحيم». والراجح عندي: هو القول الثاني؛ لأن اسم الله وإن جاء مطلقًا في النصوص فقد بينه فعل الرسول ﷺ الثابت في الصحيح، فقد كان يقول عند الذبح «بسم الله»، ويرى شيخنا ﵀ جواز قوله «باسم الرحمن»، أو «باسم رب العالمين» (٣). - الفائدة الثانية: وقت التسمية على الذبيحة: وقت التسمية على الذبيحة هو وقت الذبح، لأنه لا يتحقق معنى ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا إذا كان وقت الذبح ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير لا يمكن التحرز عنه. - الفائدة الثالثة: ما جهل حاله هل ذكر الذابح اسم الله عليه أو لا ؟ إن تيقن أن الذابح لم يسم عليها لم يجز أن يأكل منها، وإذا لم يعلم هل سمي عليها أو لا جاز أن يأكل منها لأنه لا يلزم أن تعلم التسمية فيما يجلب إلى أسواق المسلمين مما ذبحه المسلمون أو أهل الكتاب لأن المسلمين قد عرفوا التسمية، والمسلم يحسن به الظن ما لم يتبين خلاف ذلك، =

стр. 2141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =دليل ذلك «أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ» (١). - الفائدة الرابعة: هل يشرع أن يذكر اسم الرسول ﷺ على الذبيحة ؟ لا يشرع أن يقول عند الذبح «باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله» لأن هذا مقام إخلاص لله ، فلا ينبغي أن يذكر مع اسمه اسم غيره. - الفائدة الخامسة: هل يشترط أن تكون التسمية واقعة من الفاعل: بمعنى لو سمى غيره ممن هو إلى جانبه هل يجزئ؟ نقول: لا يجزئ، فلا بد أن يكون من الفاعل، ولهذا قال النبي ﷺ في الصيد: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (٢)، فالمخاطب في قوله ﷺ «أرسلت» و «ذكرت» هو الفاعل، فلا بد أن تكون التسمية منه. - الفائدة السادسة: في الذبح عن طريق الآلات الأوتوماتيكية: أولاً: يجوز الذبح بالآلات الحديثة بشرط كونها حادة، وأن تقطع الحلقوم والمريء. ثانياً: إذا كان هذا العامل مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً، وهو الذي أدار=

стр. 2142

أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا (١)، ــ =جهاز الذبح بقصد ذبح هذه الذبائح، وتحرى التسمية عند مرور السكين الأوتوماتيكية على الذبائح، وقطع ما شرع قطعه من الحلقوم والمريء والودجين - جاز أكل ما ذبح على هذا الوصف. ثالثاً: تكفي تسمية واحدة عند ذبح الجميع إذا كانت الآلة المستخدمة للذبح يحصل بها ذبح الجميع عند تحريكها، أما إن كانت الآلة تذبح عددا بعد عدد، فإنه يسمى عند كل تحريكه للذبح، رابعاً: كتابة البسملة على شفرة الذبح، لا تكفي ولا تتأدى بها التسمية المطلوبة عند الذبح مع العلم بأن الذكاة الشرعية هي قطع الحلقوم والمريء والودجين. خامساً: إذا كان الشخص يذبح بيده فيجب أن يسمي تسمية مستقلة على كل دجاجة يذبحها لاستقلال كل دجاجة بنفسها. سادساً: يجب أن تكون التذكية في محل الذبح، وأن يقطع المريء والودجان، أو أحدهما. (١) قوله «أَوْ إِرْسَالِ الآلَةِ فِيْ الصَّيْدِ، إِنْ كَانَ نَاطِقًا»: أي وكذلك أيضًا عند إرسال الآلة في الصيد لابد له من أن يُسَمِّي عند إرساله إن كان متكلماً والأدلة على ذلك كثيرة منها: عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أنه قال أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب نأكل في آنيتهم وأرض صيد أصيد بقوسي وأصيد بكلبي المعلم والذي ليس معلما فأخبرني ما الذي يحل =

стр. 2143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = لنا من ذلك فقال «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الْكِتَابِ تَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَأَىنِيَتِهِمْ فَلا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَ بِأَرْضِ صَيْدٍ فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ ثُمَّ كُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ مُعَلَّمًا فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» (١). وعن عدي بن حاتم ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ قلت إنا قوم نصيد بهذه الكلاب فقال «إِذَا أَرْسَلْتَ كِلابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَإِنْ قَتَلْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلا تَأْكُلْ» (٢). وعنه أيضاً قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي أجد معه كلباً آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: «لا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ». وسأَلته عن صيد المعراض فقال «إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلا تَأْكُلْ» (٣).

стр. 2144

وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَشَارَ إِلى السَّمَاءِ (١)، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَّةَ عَلى الذَّبِيْحَةِ عَامِدًا، لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا، حَلَّتْ (٢)، ــ (١) قوله «وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ، أَشَارَ إِلى السَّمَاءِ»: هذا من مفردات المذهب (١)، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على إباحة ذبيحة الأخرس» (٢). إذا ثبت هذا فإنه يشير إلى السماء؛ لأن إشارته تقوم مقام نطق الناطق، وإشارته إلى السماء تدل على قصده تسمية الذي في السماء. دليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن عليّ رقبة مؤمنة، أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «أَيْنَ اللَّهُ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ أَنَا قَالَتْ فَأَشَارَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَإِلَى السَّمَاءِ أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (٣)، ولو أشار إشارة تدل على التسمية وعلم ذلك كان كافيا. (٢) قوله «فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَّةَ عَلى الذَّبِيْحَةِ عَامِدًا، لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا، حَلَّتْ»: سبق الكلام على حكم التسمية وذكر الخلاف في حكمها، وقلنا بأن الراجح من أقوال الفقهاء أن التسمية على الذبيحة واجبة في حال الذكر دون حالة النسيان، فيباح من الذبائح ما تركت عليه سهوًا لا عمدًا.

стр. 2145

وَإِنْ تَرَكَهَا عَلى الصَّيْدِ، لَمْ يَحِلَّ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا (١)، الثَّالِثُ: أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ (٢)، ــ (١) قوله «وَإِنْ تَرَكَهَا عَلى الصَّيْدِ، لَمْ يَحِلَّ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا»: أي إن ترك التسمية سهواً، أو عمداً لم يبح، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١)، وكذلك للأحاديث التي ذكرناها آنفاً كحديث أبي ثعلبة الخشني وحديث عدي ابن حاتم المتقدمين، فعلى هذا لو نسي هذا الصائد أن يقول: باسم الله عند إرسال السهم، أو عند إرسال الجارحة، فإنها لا تحل وتكون ميتة. وقد سبق أن المؤلف ﵀ يرى أن من تركها سهواً عند الذبح فإنها تحل وهو الصحيح كما سبق، ولا فرق بين هذا وهذا، فإن التسمية واجبة في الذكاة، كما هي واجبة في الصيد، وتسقط بالنسيان في الحالتين بل سقوطها في حال الصيد أقرب وذلك لأن الصائد أعذر من الذابح في نسيان التسمية، فهو عندما يرى الصيد يخاف من أن يفوته، فيأخذ البندقية بسرعة، أو يرسل الجارح بسرعة، ويذهل، ويغفل، فهو إلى النسيان أقرب من الذابح الذي يأتي بهدوء، ويضجع الذبيحة، أو يعلقها إذا كانت بعيراً ويذبح، فهذا يبعد النسيان في حقه بخلاف الصائد. (٢) قوله «الثَّالِثُ: أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ»: أي الشرط الثالث من شروط حل ما يُذبح «أَنْ يَذَكِّيَ بِمُحَدَّدٍ»، وهي الآلة التي يذبح بها، فلا بد أن يكون الذبح بآلة، فلا يصح الخنق، ولا أن يرديها من الجبل حتى تموت - ولا=

стр. 2146

سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيْدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ غَيْرِهِ (١)، إِلاَّ السِّنَّ وَالظُفْرَ (٢)؛ ــ =الحذف بأن يحذفها بشيء حتى تموت، ولا الضرب، فكل هذا لا تحل به الذبيحة، بل لابد من آلة، ولابد في هذه الآلة من أن تكون محددة، أي تجعله يسيل، ولهذا قال المؤلف «بمحدد» أي له حد يقطع، أما إذا لم يكن له حد فلا تحل الذكاة به. فلو صعقها بالكهرباء فلا تحل، لأنها غير محددة، ولا تنهر الدم، دليل ذلك قول النبي ﷺ : «ما أَنْهَرَ الدم وَذُكِرَ اسم الله عليه؛ فَكُلْ ما لم يكن سنًّا أو ظفرًا» (١)، فقوله: «ما أَنْهَرَ الدم» معلوم أنه لا يحصل إِنْهار الدم إلا بالشيء المحدد، فلا بد من أن تكون التذكية بشيء محدد سواء كان حديدًا كأن تكون سكيناً مثلاً أو حجر أو قصباً كما سيذكر ذلك المؤلف. (١) قوله «سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيْدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ غَيْرِهِ»: أي سواء كان المذبوح به «وهي آلة الذبح» من حديد كأن تكون سكينة أو حجراً محدداً فإنه يصح أن يُذَكَّى به، ويدل لذلك قصة جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما بسلع فأصيبت شاة منها فأدركتها فذبحتها بحجر فسئل النبي ﷺ فقال: «كُلُوهَا» (٢)، وكذلك القصب والمراد به قشره، ومثله الذرة الغليظة، فكل قصب يكون محدداً تحل به الذكاة. (٢) قوله «إِلاَّ السِّنَّ وَالظُفْرَ»: هذا مستثنى مما سبق أي كل شيء يكون محددا ينهر الدم، فإنه تباح التذكية به، وتحل الذبيحة إلا السن والظفر، ولو=

стр. 2147

لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ» (١)، ــ =كان محدداً، وعلى هذا فما يفعله الصبيان من قطع رقبة العصفور بأظفارهم، ثم يأكلونه حرام، حتى لو كان الظفر حاداً، لقوله ﷺ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (١)، ومدى: جمع مدية، وهي السكين. (١) قوله «لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ» (٢): هذا الحديث له قصة فعن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا مع الرسول ﷺ بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصبنا إبلاً وغنماً، وكان النَّبي ﷺ في أخريات الناس، فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع النَّبي ﷺ إليهم، فأمر بالقدور فأكفئت ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير، وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه فأعياهم، فأهوى إليه رجل بسهم، فحبسه الله، فقال النَّبي ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» وقال جَدِّي: إنا لنرجو - أو نخاف - أَن نلقى العدو غداً، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب، فقال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، =

стр. 2148

وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ (١)، ــ =فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُر، وَسَأُحْدثُكُمْ عَنْهُ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (١). وفي الحديث بعض الفوائد منها: ١ - جواز التذكية بكل ما أنهر الدم وأساله، من حديد، أو حجر، أو قصب أو غيرها كما سبق. ٢ - اشتراطْ التسمية، وتقدم أنها تسقط سهواً وجهلا. ٣ - أنه لا يجوز الذبح بالسن والظفر، والحكمة في ذلك ما ذكره النبي ﷺ من أن السن عظم، وأما الظفر فلمخالفة الكفار، لم يجز الذبح به. ٤ - قوله ﷺ «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ» يفهم منه أنه لا يجوز التذكية بجميع العظام وهو الصحيح، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢)، أما المشهور من المذهب (٣) فيختص بالسن فقط. ٥ - قوله ﷺ «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» يؤخذ منه عدم جواز مشابهة الكفار وتقليدهم، ومتابعتهم بشيء من أعمالهم. (١) قوله «وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ»: شرع المؤلف هنا في بيان الأحكام المتعلقة بالصيد فذكر أول أحكامه وهو اعتبار الآلة التي يصاد بها فقال «وَيُعْتَبَرُ فِيْ الصَّيْدِ أَنْ يَصِيْدَ بِمُحَدَّدٍ»، كالبندقية مثلاً ونحوها، هذا صيد بمحدد ويشترط فيها ما يشترط في آلة=

стр. 2149

فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ بِحَجَرٍ، أَوْ بُنْدُقٍ أَوْ شَبَكَة (١)، ــ = الذبح، وقد سبق أن ذكرنا أنه يشترط في آلة الذبح أن تكون بغير السن والظُّفُر، لأن السن عظم، والظفر مدي الحبشة. والحكم الثاني: أن يجرح الصيد، ولذا قال «أَوْ يُرْسِلَ جَارِحًا يَجْرَحُ الصَّيْدَ» يعني لابد أن يكون بمحدد وأن يحصل أيضاً جرح الصيد، لابد من جرحه، فإن مات من غير جرح لم يحل، وذلك لعموم قول النبي ﷺ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» فإنه عام إلا أنه يختلف عن الذبح، لأن الذبح يشترط أن يكون في الرقبة وذلك بقطع الحلقوم والمريء والودجين أو ثلاثة منها، وأما في الصيد، ففي أي موضع أصابه حل، كالمعجوز عنه. (٢) قوله «فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ بِحَجَرٍ، أَوْ بُنْدُقٍ أَوْ شَبَكَة»: كأن يرى حمامة أو عصفوراً فيأخذ حجرًا ويضربها به فتموت فلا تَحِل؛ لأنه لا بد من أن يكون ذلك بمحدد. وقوله «أَوْ بُنْدُقٍ» البندق هو طين مُدَوَّر كان يُرمى به قديمًا وهو عبارة عن طين يدور، وييبس، والغالب أنه يكون من الفخار، وهو يقتل بثقله؛ لأنه لا ينفذ، فلو صدت طائرا بالبندق سواء حذفت باليد، أو حذفت بالمقلاع فقتلته لم يحل؛ لأن النبي نهى عنها، وقال «إِنَّهُ لا يُصَادُ بِهَا صَيْدٌ، وَلا يَنْكَأُ بِهَا عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَفْقَأُ الْعَيْنَ وَتَكْسِرُ السِّنَّ» (١)، =

стр. 2150

أَوْ قَتَلَ الجَارِحُ الصَّيْدَ بِصَدْمَتِهِ أَوْ خَنْقِهِ أَوْ رَوْعَتِهِ، لَمْ يَحِلَّ (١)، ــ =فالعدو لا تدفعه، والصيد لا تصيده؛ لأنه لا يحل الصيد بها، إلا إذا أدركته حيًّا فذكيته. وهل مثل البندق الرصاص؟ لا؛ لأن الرصاص نوعان: رصاص مدبب، فهذا كالسهم تماماً، ورصاص غير مدبب لكنه لا يقتل بثقله، وإنما يقتل بنفوذه فيكون جارحاً. وقد اختلف العلماء أول ما ظهر بندق الرصاص، فمنهم من حرمه، وقال: إن الصيد به لا يجوز، ولا يحل، ولكنهم في آخر الأمر أجمعوا على حل صيده. وقوله «أَوْ شَبَكَةٍ»: وهي ما تسمى شَركَاً، يحفرون بالجدار حفرة صغيرة، ويضعون فيها تمرة، ويستحسن أن يكون فيها حب بر، ثم يضعون على فم الحفرة خيطاً أو حبلاً يكون تكة، فإذا جاء العصفور وأدخل رأسه يأكل التمرة، أمسكه الحبل واشتد على رقبته، فأحياناً يدركه الإنسان قبل أن يموت فيأخذه ويذبحه، وأحياناً يموت قبل أن يدركه، فإذا مات فلا يحل؛ لأنه خنق خنقاً. (١) قوله «أَوْ قَتَلَ الجَارِحُ الصَّيْدَ بِصَدْمَتِهِ أَوْ خَنْقِهِ أَوْ رَوْعَتِهِ، لَمْ يَحِلَّ»: أي وكذلك إن قتل الجارح الصيد كأن يرسل كلبه المعلم إلى الصيد فيصطدم به فيموت، أو يخنقه من رقبته، أو يفجعه فتموت من حينه ولا يبقى فيه رمق، فإنه لا يحل لأنه في حكم الموقوذة، فإن أدركه وبه رمق حل.

стр. 2151

وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ (١)، أَكَلَ مَا قُتِلَ بِحَدِّهِ دُوْنَ مَا قُتِلَ بِعَرْضِهِ (٢)، وَإِنْ نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ وَسَمَّى، فَعَقَرَتِ الصَّيْدَ أَوْ قَتَلَتْهُ، حَلَّ (٣)، ــ (١) قوله «وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ»: المعراض: خشبة محدودة الطرف أو في طرفها حديدة يرمي بها الصيد. (٢) قوله «أَكَلَ مَا قُتِلَ بِحَدِّهِ دُوْنَ مَا قُتِلَ بِعَرْضِهِ»: وهذا هو قول جمهور أهل العلم أي أنهم يفرقون بين أن يقتل المعراض بحده أي بطرفه المحدد، وفي رواية (١) كل ما خرق فيحل أكله لأنه يجرح ما أصابه، بخلاف ما قتل بعرضه فإنه لا يحل لأنه مات بسبب الثقل فإنه يكون وقيذاً ولا يحل. وذهب بعض السلف إلى أنه يحل صيد المعراض مطلقاً، فيباح ما قتله بحده وعرضه خزق أم لا. قلت: والصواب هو قول جمهور الفقهاء لحديث عدى بن حاتم المتقدم وفيه: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ» (٢)، فالحجة في السنة لا فيما خالفها. (٣) قوله «وَإِنْ نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ وَسَمَّى، فَعَقَرَتِ الصَّيْدَ أَوْ قَتَلَتْهُ، حَلَّ»: المناجل: جمع منجل، وهي الآلة التي يحش بها ويُحصد بها، فإن نصبها للصيد فصادت الصيد وصدم بها، أو أنها عَقَرَت الصيد، =

стр. 2152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = كأن يلقيها على الصيد فتعقره فتقتله؛ فإنه يحل ذلك، لأنه قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد فأشبه ما لو رماه بها. فالمقصود أنه لا بد في هذا من أن يكون الصيد بمحدد، فلو أن سيارة صدمت جملاً فمات هذا الجمل؛ فإنه لا يَحِل، ويكون وقيذًا، ولو سال منه الدم، فلابد من أن يكون ذلك بمحدد، لكن لو أن السيارة لَمَّا صدمت هذا الجمل لا زال فيه حياة، فأتى أحد الحاضرين بسكين وَنَحَرَهُ، فإنه يَحِل.

стр. 2153

فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَالعَقْرِ (١) وَيُشْتَرَطُ فِيْ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ خَاصَّةً شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، فَيَقْطَعُ الحُلْقُوْمَ وَالْمَرِيْءَ، وَمَا لا تَبْقَى الحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ (٢)، ــ (١) قوله «فَصْلٌ فِيْ شُرُوْطِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَالعَقْرِ»: سبق تعريف الذبح والنحر والعقر، وذكرنا الشروط المعتبرة في الذابح والمذبوح به، وهنا سيذكر المؤلف الشروط المعتبرة في الذبح ذاته فقال: (٢) قوله «وَيُشْتَرَطُ فِيْ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ خَاصَّةً شَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، فَيَقْطَعُ الحُلْقُوْمَ وَالْمَرِيْء، وَمَا لا تَبْقَى الحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ»: بدأ المؤلف بشروط الذبح والنحر دون العقر، وذلك لأن العقر إنما يكون في حال الضرورة كما سبق، فله حكم يختلف فيه عن الذبح أو النحر اللذان محلهما الاختيار، فذكر الشرط الأول وهو «أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ»، يعني يكون الذبح في الحلق، «واللَّبَّةِ»: بفتح اللام وتشديد الموحدة هي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر. وفي الرقبة أربعة أشياء: ودجان، وحلقوم، ومريء. والودجان عرقان غليظان يحاذيان الحلقوم والمريء، ويسميان الشرايين، والحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب. هذه الأربعة إذا قطعها الذابح؛ حلت الذبيحة وحصل بها التذكية باتفاق أهل العلم، فإذا اقتصر على بعضها، فالقول الصحيح في هذه المسألة أنه لا بد من قطع ثلاثة من هذه الأربعة، فإما أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، أو يقطع الودجين والحلقوم، أو يقطع الودجين=

стр. 2154

الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْمَذْبُوْحِ حَيَاةٌ يُذْهِبُهَا الذَّبْحُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ إِلاَّ كَحَيَاةِ المَذْبُوْحِ، وَمَا أُبِيْنَتْ حَشْوَتُهُ، لَمْ يَحِلَّ بِالذَّبْحِ وَلا النَّحْرِ (١)، ــ =والمريء، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، واختيار الشيخين رحمهما الله (٢). (١) قوله «الثَّانِيْ: أَنْ يَكُوْنَ فِيْ الْمَذْبُوْحِ حَيَاةٌ يُذْهِبُهَا الذَّبْحُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ إِلاَّ كَحَيَاةِ المَذْبُوْحِ، وَمَا أُبِيْنَتْ حَشْوَتُهُ، لَمْ يَحِلَّ بِالذَّبْحِ وَلا النَّحْرِ»: هذا هو الشرط الثاني، وهو أن يكون في المذبوح حياة فإن لم يكن في المذبوح حياة؛ فإنها لا تَحِل، والضابط في معرفة حياتها وعدم موتها يكون بأحد أمرين: الأمر الأول: الحركة، فمتى تحركت بحركة قليلة أو كثيرة بيد أو برجل، أو بعين أو بأذن أو ذنب أو غير ذلك؛ فإن هذا دليل على حياتها، فتكون مباحة. الأمر الثاني: جريان الدم الأحمر الذي يخرج من المُذكَّى المذبوح عادة بقوة وإن لم تتحرك، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والصحيح: أنه إذا كان حيًّا فذكي حل أكله ولا يعتبر في ذلك حركة مذبوح، فإن حركات المذبوح لا تنضبط، بل فيها ما يطول زمانه وتعظم حركته، وقد قال ﷺ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُل» (٣)، =

стр. 2155

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، حَلَّ (١)؛ ــ =فمتى جرى الدم الذي يجري من المذبوح الذي ذبح وهو حي حل أكله، والناس يفرقون بين دم ما كان حيًّا ودم ما كان ميّتًا؛ فإن الميت يجمد دمه ويسود» (١). مسألة: إذا شُكَّ هل هو حيٌ أو ميت أو شكَّ في حركته فإنها لا تَحِل لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وما شككنا في بقاء حياته، لم نتحقق من ذكاته، فإن قيل الأصل بقاء الحياة؟ نقول نعم إلا أن الأصل عارضه ظاهرٌ أقوى منه وهو السبب المفضي إلى الموت فأنيط الحكمُ به ما لم يتحقق من حياته. (٢) قوله «وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، حَلَّ»: أي وإن لم يكن في حكم الميت فإنه يحل، لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (٢)، فاستثنى الله تعالى ما ذُكِّيَ. وبناءً على ذلك إذا وجد في الحيوان حياةٌ فذكي هذا الحيوان فإنه يحل، أما لو كان في حكم الميت كما مثل المؤلف بأن أبينت أحشاؤه، فإن هذا لا يحل بالتذكية، لأنه في الحقيقة في حكم الميت.

стр. 2156

لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ لَنَا غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتاً، فَكَسَرَتْ حَجَراً، فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا (١)، وَأَمَّا العَقْرُ، فَهُوَ: القَتْلُ بِجُرْحٍ فِيْ غَيْرِ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَيُشْرَعُ فِيْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَعْجُوْزٍ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالأَنْعَامِ (٢)؛ ــ (١) قوله «لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَتْ لَنَا غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتاً، فَكَسَرَتْ حَجَراً، فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا» (١): هذا الحديث حُجَّة في هذه المسألة. وفي هذا الحديث من الفقه أن ذبيحة النساء حلال والحرة والأمة في ذلك سواء. وفيه جواز الذبح بالحجر الذي له حد. والحديث محمول على أن هذه الذبيحة كانت بها حياة مستقرة فذبحتها ولولا ذلك ما حلت. (٢) قوله «وَأَمَّا العَقْرُ، فَهُوَ: القَتْلُ بِجُرْحٍ فِيْ غَيْرِ الحَلْقِ وَاللَّبَّةِ، وَيُشْرَعُ فِيْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَعْجُوْزٍ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ وَالأَنْعَامِ»: سبق تعريف العقر، وقلنا بأن العقر هو الجرح في أي موضع كان من البدن في غير الحلق واللبة عند العجز عن الحيوان، أي كأنها صيد فتستعمل للضرورة في المعجوز عنه من الصيد والأنعام.

стр. 2157

لِمَا رَوَى رَافِعٌ أَنَّ بَعِيْرًا نَدَّ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوْا بِهِ هَكَذَا (١)، وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيْرٌ فِيْ بِئْرٍ فَتَعَذَّرَ نَحْرُهُ، فَجُرِحَ فِيْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ، فَمَاتَ بِهِ، حَلَّ أَكْلُهُ (٢)، ــ (١) قوله «لِمَا رَوَى رَافِعٌ أَنَّ بَعِيْرًا نَدَّ فَأَعْيَاهُمْ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا، فَاصْنَعُوْا بِهِ هَكَذَا» (١): الأوابد: هي التي قد توحشت ونفرت، ومعنى الحديث أن ما شرد وهرب ولم تستطيعوا إمساكه بحيث تذبحونه من حلقه أو لبته، فإنه يرمى بسهم، فإذا سقط فإنه يكون حكمه حكم الصيد، وشأنه شأن الصيد الذي لا يقدر على ذبحه إلا بهذه الطريقة، لكنه إذا وقع وأدرك وفيه حياة تعيَّن ذبحه؛ أما ما رمي وخرجت روحه بهذه الإصابة التي حصلت في فخذه أو في أي مكان منه وسال الدم، فإنه يكون حلالاً بذلك إلحاقاً له بالصيد. وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة أن المقدور عليه من الدواب الإنسية إذا توحش فامتنع صار حكمه في الذكاة حكم الوحشي غير المقدور عليه. (٢) قوله «وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيْرٌ فِيْ بِئْرٍ فَتَعَذَّرَ نَحْرُهُ، فَجُرِحَ فِيْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ جَسَدِهِ، فَمَاتَ بِهِ، حَلَّ أَكْلُهُ»: أي وكذلك لو أن بعيراً سقط في بئر، ولم يمكن نحره إلا بهذه الطريقة، فإن هذا لا بأس به، ولهذا قال البخاري في صحيحه: «وقال ابن عباس ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو=

стр. 2158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =كالصيد، وفي بعير تردى في بئر من حيث قدرت عليه فذكه ورأى ذلك علي وابن عمر وعائشة» (١).

стр. 2159

كِتَابُ الصَّيْدِ (١) كُلُّ مَا أَمْكَنَ ذَبْحُهُ مِنَ الصَّيْدِ، لَمْ يُبَحْ إِلاَّ بِذَبْحِهِ (٢)، ــ (١) قوله «كِتَابُ الصَّيْدِ»: الصيد: مصدر صاد يصيد صيداً، ومعناه: الاقتناص، ثم أطلق الصيد على الحيوان المصاد، من باب تسمية اسم المفعول باسم المصدر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ (١). وأما الصيد بمعنى المصدر الذي هو فعل الصيد فهو: اقتناص المتوحش بطبعه من الحيوان المأكول الذي لا مالك له. (٢) قوله «كُلُّ مَا أَمْكَنَ ذَبْحُهُ مِنَ الصَّيْدِ، لَمْ يُبَحْ إِلاَّ بِذَبْحِهِ»: أي: كل ما كان مقدوراً عليه من الصيد فلا يباح إلا بالتذكية، وهذا بلا خلاف بين أهل العلم, دليل ذلك حديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» (٢).

стр. 2160

وَمَا تَعَذَّرَ ذَبْحُهُ فَمَاتَ بِعَقْرِهِ، حَلَّ بِشُرُوْطٍ سِتَّةٍ، ذَكَرْنَا مِنْهَا ثَلاثَةٌ فِيْ الذَّكَاةِ (١)، وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُوْنَ الجَارِحُ الصَّائِدُ مُعَلَّمًا، وَهُوَ: مَا يَسْتَرْسِلُ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيْبُ إِذَا دُعِيَ (٢)، ــ (١) قوله «وَمَا تَعَذَّرَ ذَبْحُهُ فَمَاتَ بِعَقْرِهِ، حَلَّ بِشُرُوْطٍ سِتَّةٍ، ذَكَرْنَا مِنْهَا ثَلاثَةٌ فِيْ الذَّكَاةِ»: أي: أما ما تعذر ذبحه لكونه غير مقدور عليه، فهذا لا يحل إلا بشروط ستة سبق ذكر ثلاثة منها في الذكاة، وهي: الأول: أهلية المذكي. الثاني: ذكر اسم الله عليه. الثالث: أن يصيد بجارح أو آلة تجرح الصيد. (٢) قوله «وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُوْنَ الجَارِحُ الصَّائِدُ مُعَلَّمًا، وَهُوَ: مَا يَسْتَرْسِلُ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيْبُ إِذَا دُعِيَ»: هذا هو الشرط الرابع وهو الجارحة، أي: المفترسة من السباع والطير، ويشترط فيها أن تكون معلمة، ولا خلاف في اشتراط التعليم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١). وذكر المصنف صفة التعليم، وذكر لها وصفان: الأول: أن يسترسل إذا أُرسل. الثانِي: أن يرجع إذا دعي. فإذا استرسل الكلب أو الصقر مثلاً بنفسه لم يحل؛ لقول النبي ﷺ لعدي بن حاتم ﵁: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ» (٢). =

стр. 2161

وَيُعْتَبَرُ فِيْ الكَلْبِ وَالفَهْدِ خَاصَّةً (١)، أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ، وَلا يُعْتَبَرُ ذلِكَ فِيْ الطَّائِرِ (٢)، ــ =مثال ذلك: رجل معه كلب صيد ويمشي ولم ينتبه للصيد إلا والكلب يعدو على الصيد، فهو ما أرسله، لكن كيف يحل؟ نقول: ازجره، يعني حُثَّه على الصيد، فإن زاد في عدوه في طلبه حلَّ؛ لأن زيادته في العدو تدل على أنه قصد أن يمسك عليك، فحينئذٍ يحل، وهذه حيلة سهلة. الشرط الثالث: أن يسمي عند إرسال الجارحة، لحديث عدي المتقدم. (١) قوله «وَيُعْتَبَرُ فِيْ الكَلْبِ وَالفَهْدِ خَاصَّةً، أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ»: لقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (١)، والإِمساك علينا بأنه لا يأكل إذا أمسك علي نفسه، وقوله ﷺ «فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» (٢)، فدل على أن إمساكه علينا علامته ترك الأكل. (٢) قوله «وَلا يُعْتَبَرُ ذلِكَ فِيْ الطَّائِرِ»: أي ولا يعتبر اشتراط عدم الأكل فيما إذا كان الصيد بالطائر، دليل ذلك: ما جاء عن ابن عباس ﵁ أنه قال: «إذَا أكَلَ الكَلبُ المُعَلَّمُ فَلا تَأكُل، أمَّا الصَّقرُ وَالبَازِيّ فَإنَّهُ إذَا أكَلَ فَكُل» (٣)، وهذا قول الحنابلة (٤)، والحنفية (٥)، ووجه في مذهب الشافعية (٦)، قالوا: =

стр. 2162

الخَامِسُ: أَنْ يُرْسَلَ الصَّائِدُ لِلصَّيْدِ، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ (١)، ــ = لأن هنا فارقاً بين جوارح الكلاب وجوارح الطير، وذلك أن بدن البازي ونحوه لا يحتمل الضرب حتى يترك الأكل، وبدن الكلب يحتمله، فيُضرب ليتركه، وقد ذكر البيهقي تعليقاً عن ابن عباس ﵁: «إذَا أكَلَ الكَلبُ فلا تأكل، وَإذَا أكَلَ الصَّقر فَكُل، لأن الكَلبَ تَستَطِيع أن تَضرِبه، وَالصَّقر لا تَستَطِيع» (١). والقول الثانِي: أنه يشترط انتفاء الأكل في الطيور، وهذا هو الأظهر في مذهب الشافعية (٢)، قياساً على جارحة الكلاب. والقول الأول هو الأظهر عندي، والقياس غير صحيح لما تقدم من الفرق بينهما. - فائدة: فيما يشترط لحل ما قتله الجارح من الكلاب والطير: يشترط لحل ما قتله الجارح من الكلاب والطير أن يجرحه، فإن قتله بخنقه أو صدمته لم يبح، لأنه موقوذة، أشبه ما لو قتله بحجر، وهذا هو الراجح من قولي العلماء. (١) قوله «الخَامِسُ: أَنْ يُرْسَلَ الصَّائِدُ لِلصَّيْدِ، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ»: أي: الشرط الخامس: أن يقصد إرسالها، لقوله ﷺ : «إِذَا أَرْسَلتَ كَلبَكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيهِ فَكُل» (٣)، وهذا قول الجمهور، لأن الإرسال بمنْزلة الذكاة، لوجود القصد، فإن استرسل الكلب بنفسه فقتل=

стр. 2163

السَّادِسُ: أَنْ يَقْصِدَ الصَّيْدَ، فَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ، لِيُصِيْبَ بِهِ غَرَضًا أَوْ كَلْبَهُ وَلا يَرَى صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يُبَحْ (١)، وَمَتَى شَارَكَ فِيْ الصَّيْدِ مَا لا يُبَاحُ قَتْلُهُ، مِثْلَ أَنْ يُشَارِكَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ كَلْبٌ أَوْ سَهْمٌ لا يَعْلَمُ مُرْسِلَهُ، أَوْ لا يَعْلَمُ أَنَّهُ سُمِّيَ عَلَيْهِ (٢)، ــ = صيداً لم يَحِلَّ على الراجح من قولي أهل العلم، لأن الإرسال يقوم مقام التذكية بدليل أنها اعتبرت معه التسمية، كما في الحديث، فإن استرسل الكلب بنفسه على صيد فزجره صاحبه وسَمَّى فزاد في عَدْوِهِ وقتل الصيد فالراجح من قولي أهل العلم أنه يحل، لوجود النية والتسمية والإغراء الذي صار له أثر في عَدْوِ الكلب، فكان كما لو أرسله ابتداءً (١). (١) قوله «السَّادِسُ: أَنْ يَقْصِدَ الصَّيْدَ، فَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ، لِيُصِيْبَ بِهِ غَرَضًا أَوْ كَلْبَهُ وَلا يَرَى صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يُبَحْ»: أي الشرط السادس: لابد من قصد الصيد، فإن أرسل سهمه ليصيب غرضاً فبان هذا الشيء صيداً أو أرسل كلبه ولا يرى صيداً فجاء إليه الكلب بصيد فإنه لا يحل لأن قصد الصيد شرط ولم يوجد فأشبه من نصب سكيناً فانذبحت بها شاة. (٢) قوله «وَمَتَى شَارَكَ فِيْ الصَّيْدِ مَا لا يُبَاحُ قَتْلُهُ، مِثْلَ أَنْ يُشَارِكَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ كَلْبٌ أَوْ سَهْمٌ لا يَعْلَمُ مُرْسِلَهُ، أَوْ لا يَعْلَمُ أَنَّهُ سُمِّيَ عَلَيْهِ»: أي: إذا كان شارك الكلب المعلم كلباً لا يُعرف حاله، ولا يُدرى هل وجدت فيه شرائط الصيد أو لا؟ فإنه لا يحل الصيد، إلا أن يدركه حياً فيذكيه، لقوله=

стр. 2164

أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مَسْمُوْمٍ يُعِيْنُ عَلى قَتْلِهِ (١)، أَوْ غَرِقَ فِيْ الْمَاءِ، أَوْ وَجَدَ بِهِ أَثَرًا غَيْرَ أَثَرِ السَّهْمِ أَوِ الكَلْبِ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِهِ، لَمْ يَحِلَّ (٢)؛ ــ = ﷺ في الحديث المتقدم: «وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلبِكَ كَلباً غَيرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلا تَأْكُل، فَإنَّك لا تَدْرِي أَيّهمَا قَتَلَهُ»، وفي رواية: «فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيرِهِ» فذكر الحكم وقرنه بالعلة. وكذلك إن أرسل سهمه فوجد سهماً آخر قد شارك سهمه في الصيد فإنه لا يحل لأنه إنما ذكر اسم الله على سهمه ولم يذكره على سهم غيره, والحديث حجة فيهما جميعاً. وفي بعض ألفاظ حديث عدي: «فإن لم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن شئت»، مفهومه أنه إن وجد فيه أثر غيره لا يأكله. (١) قوله «أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مَسْمُوْمٍ يُعِيْنُ عَلى قَتْلِهِ»: لأننا لا ندري هل مات بسبب السم أم السهم؟ فإنه لا يحل؛ لأنه اجتمع عندنا مبيح وحاظر، فيُغلَّب جانب الحظر - أي: المنع -؛ لأننا لا ندري أيهما الذي حصل به الموت. (٢) قوله «أَوْ غَرِقَ فِيْ الْمَاءِ، أَوْ وَجَدَ بِهِ أَثَرًا غَيْرَ أَثَرِ السَّهْمِ أَوِ الكَلْبِ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ بِهِ، لَمْ يَحِلَّ»: وذلك تغليباً لجانب الحظر لأنه يحتمل أنه مات بسبب الغرق.

стр. 2165

لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ حَياًّ فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَكُلْهُ، فَإِنَّ أَخْذَ الكَلْبِ لَهُ ذَكَاةٌ، فَإِنْ أَكَلَ فَلا تَأْكُلْ، فَإِنِّيْ أَخَافُ أَنْ يَكُوْنَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا، فَلا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلى غَيْرِهِ، وَإِذا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَلَمْ تَجِدْ فِيْهِ إِلاَّ أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْهُ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيْقًا فِيْ الْمَاءِ، فَلا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لا تَدْرِيْ الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ (١)، ــ (١) قوله «لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَأَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ حَياًّ فَاذْبَحْهُ، ... » (١) الحديث: هذا الحديث عمدة في باب الصيد، وفيه فوائد كثيرة منها: ١ - فيه دليل على حل ما صاده الكلب ونحوه، كالفهد، أو الصقر، ونحوه كالبازي، إذا كان معلماً وذكر اسم الله تعالى عند إرساله، ويستوي فيه أن يدرك صاحبه الصيد حياً أو ميتاً. ٢ - تحريم الصيد الذي اشترك فيه الكلب المعلَّم وغير المعلم، لأنه اجتمع فيه مبيح - وهو المعلم -، وحاظر - وهو غير المعلم -، فيترك من «باب ترك الأمور المشتبهة».

стр. 2166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٣ - أنه لابد من التسمية عند إرسال السهم، والمراد بالسهم، السلاح الذي صنع للرمي من البنادق بأنواعها وأسمائها، وهل تسقط التسمية سهوا وجهلا؟ تقدم الكلام على ذلك مع بيان الراجح. ٤ - لا يحل الصيد الذي اشترك في قتله المعلم وغيره، لأن غير المعلم لم يُذكَرُ اسم الله عند إرساله. ٥ - لا يحل الصيد الذي أكل منه، خشية أن يكون صاده لنفسه ولم يصده لصاحبه. ٦ - أن ما أدركته من صيد السلاح، أو الجارح حيا، فلا بد من تذكيته، وإن كان ميتاً فرميه أو قتل الجارح إياه، هو ذكاته. ٧ - إذا جرحت الصيد فوقع في ماء واشتبه عليك: هل مات من سهمك أو من الماء؟ فهو حرام، خشية أن يكون مات من الغرق وهذا إذا كان فيه اشتباه قَوِي. أما إذا غلب على الظن أنه مات من السهم، لكون الماء قليلا، والجرح موحيا فهو حلال.

стр. 2167

بابُ الْمُضْطَرِّ (١) وَمَنِ اضْطُرَّ فِيْ مَخْمَصَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ مُحَرَّمًا، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ (٢)، ــ (١) قوله «بابُ الْمُضْطَرِّ»: أي باب المضطر إلى أكل ما جاء في الشريعة من النهي عن أكله كالميتة والخنزير ونحو ذلك. (٢) قوله «وَمَنِ اضْطُرَّ فِيْ مَخْمَصَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ إِلاَّ مُحَرَّمًا، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ»: لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، فإذا اضطُر الإنسان إلى هذه المحرمات جاز له أكلها، لكن الله اشترط شرطين: الأول: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي: مجاعة. الثاني: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ يعني غير مائل إلى الإثم، أي: ما ألجأه إلا الضرورة وما قصد الإثم. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٣)، فإذا أكل ما يسد رمقه. زالت الضرورة، فتزول الإباحة. وهو اختيار الخرقي (٤)، وعنه: له الشبع. اختاره أبو بكر، لأنه طعام أبيح له أكله، فجاز له الشبع منه كالحلال. =

стр. 2168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =والصواب: أنه ليس له أن يشبع، وأن هذا الأكل ضرورة، فيتقيد بقدرها، وإذا خاف أن يجوع قبل أن يصل إلى بلده مثلاً، فله أن يتزود من هذا اللحم بحمله معه، وإذا تزوَّد وحمل معه فليس عليه خطر، لكن إذا شبع من هذا اللحم الخبيث، فربَّما يكون عليه تخمة، ونتن في بطنه فيتضرر. فالصواب هنا ما ذكره المؤلف أنه لا يحل له إلا ما يسد رمقه، ويرد عليه قوَّته. و هل يجب الأكل من الميتة حال الاضطرار ؟ على قولين: قيل يجب الأكل، نص عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢)، قال مسروق (٣) «من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات: دخل النار». وقيل: لا يجب لما روي عن عبد الله بن حذافة صاحب رسول الله ﷺ أن ملك الروم حبسه، ومعه لحم خنزير مشوي، وماء ممزوج بخمر ثلاثة أيام، فأبى أن يأكله، وقال: «لقد أحله الله لي، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام» (٤).

стр. 2169

وَإِنْ وَجَدَ مُتَّفَقًا عَلى تَحْرِيْمِهِ وُمُخْتَلَفًا فِيْهِ (١)، أَكَلَ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ، بِهِ مِثْلُ ضَرُوْرَتِهِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ، أَخَذَهُ مِنْهُ بِثَمَنِهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ، أَخَذَهُ قَهْرًا، وَضَمِنَهُ لَهُ مَتَى قَدِرَ (٢)، ــ - فائدة: يجب تقديم السؤال على أكل المُحرَّم: فلا يلجئ المضطر إلى الأكل من الميتة ابتداءً، بل يلزمه أولاً تقديم السؤال، فإن عجز عن الحصول على المباح جاز له الأكل من المحرم. (١) قوله «وَإِنْ وَجَدَ مُتَّفَقًا عَلى تَحْرِيْمِهِ وُمُخْتَلَفًا فِيْهِ، أَكَلَ مِنَ الْمُخْتَلَفِ فِيْهِ»: لأنه أخف تحريماً، كالخنزير متفق على تحريمه، والثعلب مختلف فيه، والقنفذ، وما شاكل ذلك، فهنا يأكل من المختلف فيه لأنه أخف تحريماً من المتفق عليه. (٢) قوله «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ طَعَامًا لِغَيْرِهِ، بِهِ مِثْلُ ضَرُوْرَتِهِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَخْذُهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ، أَخَذَهُ مِنْهُ بِثَمَنِهِ، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْهُ، أَخَذَهُ قَهْرًا، وَضَمِنَهُ لَهُ مَتَى قَدِرَ»: أي أنه إذا اضطر إلى طعام فان لم يجد إلا طعاماً لغيره فان كان صاحبه مضطرًا إليه فهو أحق به ولا يجوز لأحد أخذه منه لأنه ساواه في الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة، وإن أخذه منه أحد فمات فعليه ضمانه لأنه قتله بغير حق، وان لم يكن صاحبه مضطراً إليه لزمه بذله للمضطر لأنه يتعلق به إحياء نفس آدمي معصوم فلزمه بذله كما يلزمه بذل منافعه في إنجائه من الغرق والحرق، فان لم يفعل فللمضطر أخذه منه لأنه يستحقه دون مالكه فجاز له أخذه كعين ماله، فإن احتيج في ذلك إلى قتال فله المقاتلة عليه على ما يسد=

стр. 2170

فَإِنْ قُتِلَ الْمَضْطَرُّ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قُتِلَ الْمَانِعُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهِ (١)، وَلا يُبَاحُ التَّدَاوِيْ بِمُحَرَّمٍ (٢)، ــ =رمقه لأنه الذي اضطر إليه وعنه له قتاله على قدر الشبع والقول الأول أولى لما رجحناه سابقاً. (١) قوله «فَإِنْ قُتِلَ الْمَضْطَرُّ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ قُتِلَ الْمَانِعُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهِ»: أي فان قُتل المضطر فهو شهيد، وعلى قاتله ضمانه، وإن آل أخذه إلى قتل صاحبه فهو هدر لأنه ظالم بقتاله، فأشبه الصائل إلا أن يمكن أخذه بشراء أو استرضاء فليس له المقاتلة عليه لإمكان الوصول إليه دونها، فإن لم يبعه إلا بأكثر من ثمنه لم يلزمه إلا ثمن مثله، لكن لا يباح للمضطر من مال أخيه إلا ما يباح من الميتة. (٢) قوله «وَلا يُبَاحُ التَّدَاوِيْ بِمُحَرَّمٍ»: أي لا يجوز التداوي بمحرم؛ لما في جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُم» (١)، وعن أبي هريرة مرفوعاً: «إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (٢)، وقوله ﷺ عن الخمر «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» (٣).

стр. 2171

وَلا شُرْبُ الخَمْرِ مِنْ عَطَشٍ، وَيُبَاحُ دَفْعُ الغُصَّةِ بِهَا، إِذا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا غَيْرَهَا (١)، ــ (١) قوله «وَلا شُرْبُ الخَمْرِ مِنْ عَطَشٍ، وَيُبَاحُ دَفْعُ الغُصَّةِ بِهَا، إِذا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا غَيْرَهَا»: أي ولو اضطر إلى شرب الخمر فلا يشرب، لأن الخمر لا يغني من العطش، بل يزيد العطش، ومع ذلك إذا اضطر إليه بحيث تندفع ضرورته بتناوله حل له الخمر، ومثَّل المؤلف لذلك برجل غصَّ بلقمةٍ ولم يكن عنده إلا كأس خمر، فله أن يتناول ما يدفع اللقمة فقط ثم يمسك، لأنه هنا تندفع به الضرورة، أما غيرها فلا تندفع به الضرورة.

стр. 2172

بَابُ النَّذْرِ (١) ــ (١) قوله «بَابُ النَّذْرِ»: النذر لغةً: هو النحب، وهو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحباً واجباً، يقال: نذر على نفسه لله كذا، ينذر، وينذر نذراً ونذوراً، كما يقال: أنذر وأنذر نذراً، إذا أوجبت على نفسك شيئا تبرعاً، من عبادةٍ أو صدقةٍ، أو غير ذلك (١). والنذر في الاصطلاح: إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى بالقول شيئا غير لازم عليه بأصل الشرع. وقد اختلف الفقهاء في حكم النذر: فقال الحنفية (٢): النذر في الطاعات مباح، سواء أكان مطلقاً أم معلقاً على شرط. ورأى المالكية (٣) أن النذر المطلق مندوب، وهو ما ليس بمعلق على شيء ولا مكرر بتكرر الأيام كنذر صوم كل يوم خميس، وهو ما أوجبه على نفسه شكراً لله تعالى على نعمة وقعت، كمن شفى الله مريضه أو رزق ولداً أو زوجة، فنذر. أما المكرر كنذر صوم كل يوم خميس فمكروه، وأما المعلق مثل إن شفى الله مريضي فعلي صدقة، ففي كراهته وإباحته تردد، فقال الباجي بالكراهة، وقال ابن رشد بالإباحة (٤).=

стр. 2173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وقال الشافعية (١)، والحنابلة (٢): إنه مكروه كراهة تنزيه لا تحريم، فلا يستحب بدليل قوله ﷺ : «إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٣)، وفي لفظ: «إِنَّهُ لا يَأْتِى بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» ولأن النذر لو كان مستحباً لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه، لكن مع هذا من نذر طاعة لله لزمه الوفاء بها. أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٤)، ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (٥)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦)، والنذر نوع من العهد من الناذر مع الله ، والعقود: العهود. وأما السنة: فقوله ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» (٧)، فقوله «فليطعه» تفيد الإيجاب. وهذا هو الصواب عندي.

стр. 2174

مَنْ نَذَرَ طَاعَةً، لَزِمَ فِعْلُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيْعَ اللهِ، فَلْيُطِعْهُ» (١)، ــ (١) قوله «مَنْ نَذَرَ طَاعَةً، لَزِمَ فِعْلُهَا؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيْعَ اللهِ، فَلْيُطِعْهُ» (١): أي متى نذر الإنسان نذر طاعة فعليه أن يوفي بنذره. - فائدة: ينقسم النذر إلى خمسة أقسام: أحدها: النذر المطلق، مثل أن يقول: لله علىَّ نذر، ولم يسم شيء؛ فيلزمه كفارة يمين، سواء كان مطلقاً أو معلقاً؛ لما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٢)، فدل هذا الحديث على وجوب الكفارة إذا لم يسم ما نذر لله . الثاني: نذر اللجاج والغضب ، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب؛ كما لو قال: إن كلمتك، أو: إن لم أخبر بك، أو: إن لم يكن هذا الخبر صحيحاً، أو: إن كان كذبا، فعلي الحج أو العتق ونحو ذلك، فهذا النذر يخير بين فعل ما نذره أو كفارة يمين، لحديث: «لا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٣).=

стр. 2175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =و الثالث: نذر المباح ، كما لو نذر أن يلبث ثوبه أو يركب دابته فحكمه أنه يخير بين فعله وبين كفارة يمين إن لم يفعله؛ كالقسم الثاني. والصحيح أنه لا شيء عليه في نذر المباح؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ، وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (١). الرابع: نذر المعصية ، كنذر شرب الخمر وصوم أيام الحيض ويوم النحر؛ فلا يجوز الوفاء بهذا النذر؛ لقول النبي ﷺ : «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» (٢)، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية، لأن المعصية لا تباح في حال من الأحوال. ومن نذر المعصية كالنذر للقبور أو لأهل القبور، وهو شرك أكبر كما سبق، ويكفِّر عن هذا النذر كفارة يمين عند بعض أهل العلم، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃. وذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم انعقاد نذر المعصية، وأنه لا يلزمه به كفارة، وهو رواية عن أحمد (٣) ومذهب مالك (٤)، والشافعي (٥)، =
следующие страницы →