. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=العلم، لأنه فَعَل محرماً مجمعاً عليه، فاستحق العقوبة، والبهيمة لا حرمة لها، وليس بمرغوب فيها، فلا حاجة للزجر عنها بالحد، وأما حديث ابن عباس ﵁: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ» (١)، فلم يثبت ثبوتاً تقوم به الحجة.
وقد ورد عن عمر وابن عباس ﵄: «أَنَّهُ لا حَدَّ عَلَيهِ» (٢).
وقوله «حَرَاماً مَحضَاً»: أي في فرج تمحَّض تحريمه، قُبلاً كان أم دُبُراً.
وقوله «مُختَاراً»: هذا شرط من شروط وجوب حد الزنا، وهو أن يكون الزانِي مختاراً، فإن كان مُكرهاً فلا حد عليه، كما سبق لقوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (٣)، ولأن الإكراه يمنع من نسبة الفعل إلى الفاعل، وهذا بالنسبة إلى المرأة إذا أكرهت.
وأما الرجل إذا أكره على الزنا فالمذهب أنه يحد، لأن الإكراه في حقه غير متصور، فإن الوطء لا يتم إلا بالانتشار، وذلك لا يحصل إلا من شهوته وإرادته، وحصول الشهوة والإرادة تنفي حصول الإكراه.
والقول الثانِي: أنه لا يُحد إذا كان مُكرهاً على الزنا، وهو رواية عن أحمد، =
стр. 2417
مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا (١)، أَوْ مِنْ غُلامٍ (٢)،
ــ
=قال ابن قدامة: «وهذا أصح الأقوال إن شاء الله تعالى» (١). ودليله ما تقدم، ولأن الحد يدرأ بالشبهة، والإكراه شبهة، وما ذكره أصحاب القول الأول من أن الإكراه غير متصور، لأنه إذا انتشرت آلته فقد اختار، غير صحيح، فإنه قد يكون قوي الشهوة فيكره على الزنا وهو لا يختار، وشدة شهوته توجب له الانتشار ولو على الإكراه، وهذا هو الصواب وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢).
وقوله «بِلا شُبْهَةٍ»: هذا أيضاً شرط من شروط وجوب الحد، وهو انتفاء الشبهة.
والشبهة: التردد بين الحلال والحرام، أو ما لم يُتَيَقَّن كونه حراماً أو حلالاً، فلا بد من انتفاء الشبهة لإقامة الحد، فإن كان في ثبوت الزنا شبهة فلا حَدَّ، كما سبق.
(١) قوله «مِنِ امْرَأَةٍ لا يَمْلِكُهَا»: هذا قيد لما سبق وهو أنه لا يكون زنى إذا وطء امرأة يملكها سواء بنكاح صحيح أو بملك يمين، فإذا أتى الفاحشة في قبل أو دبر من امرأة لا يملكها فقد وقع في جريمة الزنا.
(٢) قوله «أَوْ مِنْ غُلامٍ»: أي وكذلك يكون زنى إذا أتى غلاماً في دبره فيقام عليه الحد، إن كان محصناً رجم حتى الموت وإن كان غير محصن جلد مائة جلدة، هذا هو المشهور في مذهب أحمد، واستدلوا: بما روى البيهقي أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ وَإِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ=
стр. 2418
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» (١)، لكن الحديث ضعيف.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، أن من فعل مثل فعل قوم لوط فإنه يقتل مطلقاً لا ينظر هل محصن أو ليس بمحصن، واستدلوا بالسنة والإجماع.
أما السنة: فعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (٥).
قال ابن القيم: «إن الإمام أحمد احتجَّ بهذا الحديث» (٦).
وأما الإجماع: فقد نقل ابن قدامة (٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، وابن القيم، وغيرهم إجماع الصحابة على قتله.
يقول ابن القيم: «اتفق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله، ولم يختلف فيه=
стр. 2419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة ﵃، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع» (١).
والقول الثالث: أنه يعزَّر، وهو قول أبي حنيفة (٢)، والظاهرية (٣)، وقول عند الشافعية (٤)، واحتجوا بأن الصحابة اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنه ليس فيه نص صحيح، وأنه من مسائل الاجتهاد.
والراجح عندي: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٥)، أي أن عقوبته القتل مطلقاً، أحصن أم لم يحصن، لقوة أدلة هذا القول، وهي السُّنة، والإجماع المؤيد لها - على ما تقدم - وقاعدة الشريعة المطردة من تغليظ العقوبات كلما تغلَّظت المحرمات، فإن وطء من لا يباح بحال أعظم جرماً من وطء مَنْ يباح في بعض الأحوال فيكون حدُّه أغلظ.
وأما صفة قتله: فالراجح أن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام فيفعل ما يرى أنه أردع سواء قتلاً بالسيف أو رجماً.
وإن كان أقواها أنه يرجم لقول ابن عباس، أنه قال في البكر يوجد على اللوطية قال: «يرجم»، ويشهد له قوله سبحانه: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا=
стр. 2420
أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ (١)، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، أَوْ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «خُذُوْا عَنِّيْ، خُذُوْا عَنِّيْ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيْلاً؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ» (٢)،
ــ
=وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (١).
(١) قوله «أَوْ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذلِكَ»: أي وكذلك يقام الحد على المفعول به لحديث ابن عباس ﵄ «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» (٢).
(٢) قوله «فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، أَوْ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «خُذُوْا عَنِّيْ، خُذُوْا عَنِّيْ، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيْلاً؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيْبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ» (٣): شرع المؤلف في بيان حد الزنا. و لا يخلو الزاني من حالين:
الأول: أن يكون محصناً ، فهذا حكمه أنه يرجم بالحجارة حتى الموت.
الثاني: غير المحصن؛ أي غير المتزوج ، فحده أن يجلد مائة ويُبعد عن بلده عاماً، لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، وفيه: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ: الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ رَدٌّ عَليكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، واغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٤) =
стр. 2421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= وهذا هو مذهب الجمهور (١) أي: أن من حد الزاني - إن كان بكراً - التغريب لمدة سنة، وذلك لما ذكره المؤلف، وأيضاً لحديث زيد بن خالد ﵁ المتقدم، ولأن الخلفاء الراشدين جمعوا بين الجلد والتغريب، ولم يعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع.
وذهب الحنفية (٢) إلى أن التغريب ليس من الحد، ولكنهم يجيزون للإمام أن يجمع بين الجلد والتغريب، إن رأى في ذلك مصلحة.
فالتغريب عندهم عقوبة تعزيرية، وذهبوا إلى أن ما روي من قوله ﷺ : «خُذُوا عَنِّى خُذُوا عَنِّى قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْىُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (٣). لا يؤخذ به؛ لأنه لو أخذ به لكان ناسخاً للآية، لأن فيه زيادة على نص الآية، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٤)، وهذا الحديث لا يقوى على نسخ الآية لأنه خبر آحاد.
وقالوا: ولأنه في التغريب فتح لباب الفساد، ففيه نقص وإبطال للمقصود منه شرعاً. ولما جاء: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه عرَّب ربيعة بن أمية ابن خلف في الشراب إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: =
стр. 2422
وَالْمُحْصَنُ هُوَ: الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِيْ قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ فِيْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فِيْ قُبُلِهَا فِيْ نِكَاحٍ صَحِيْحٍ (١)،
ــ
= لا أغرب بعده مسلماً» (١).
والصواب عندي: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢)، أي أنه لابد من الجمع بين الجلد والتغريب في إقامة حد الزنا لصراحة الأدلة التي تدل على ذلك.
(١) قوله «وَالْمُحْصَنُ هُوَ: الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ الَّذِيْ قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ فِيْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فِيْ قُبُلِهَا فِيْ نِكَاحٍ صَحِيْحٍ»: هذا هو تعريف المحصن، والإحصان في اللغة: مصدر أحصنَ يُحصن إحصاناً، وهو في الأصل: المنع والحفظ والحياطة والحرز.
وقول المؤلف «قَدْ وَطِئَ زَوْجَةً مِثْلَهُ»: أي موصوفة بمثل صفات الذكر، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣).
قال أهل العلم: المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والمحصنات تطلق في القرآن على معانٍ، منها:
أولاً: المتزوجات يعني ذوات الأزواج.
ثانياً: العفيفات عن الزنا.
ثالثاً: الحرائر.
стр. 2423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (١)، المراد بالمحصنات هنا العفيفات.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على قول فيها، إن المراد المتزوجات، وأما المحصنات الحرائر، فمثل هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وقد ذكر المؤلف هنا الشروط المعتبرة في المحصن، وهي:
١ - كون الزوجين حال الوطء مكلفين ، وذلك بأن يكون كل منهما بالغاً عاقلاً حراً، فإن كانا صبيين حال الوطء أو غير عاقلين لم يثبت لهما الإحصان عند الجمهور. قال ابن قدامة: «فلو وطئ وهو صبي أو مجنون، ثم بلغ أو عقل لم يكن محصناً، وهذا قول أكثر أهل العلم» (٢).
وكذا لو كان الزوج غير حر، أو الموطوءة غير حرة فلا إحصان في قول جمهور أهل العلم، لأن الله تعالى لم يبح نكاح الأَمَة إلا عند الضرورة - كما تقدم في النكاح -، فالمتعة بها ليست كاملة، لأن كمالها في هذا الشأن أن يكون العقد على حرة ويدخل بها، فيقضي كمال وطره، ويعطي شهوته حقها، ويضعها موضعها (٣).
٢ - تحقق الوطء بتغييب الحشفة، أو قدرها من فاقدها في القبل ، ولا خلاف=
стр. 2424
وَلايَثْبُتُ الزِّنا إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مُصَرِّحًا بِذِكْرِ حَقِيْقَتِهِ (١)،
ــ
=بين الفقهاء في اشتراط هذا الشرط، وأن النكاح الخالي من الوطء لا يحصل به إحصان، لقوله ﷺ : «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (١)، والثيوبة إنما تحصل بالوطء في القبل، لا بمجرد العقد الخالي عن الوطء.
٣ - كون الوطء في نكاح صحيح ، فإن كان النكاح باطلاً كأن يتزوج أخت زوجته أو معتدة زمن عدتها لم يحصل به إحصان.
وكذلك إن كان النكاح فاسداً كأن يتزوج بلا ولي لم يحصل به إحصان عند الجمهور لأن الإحصان إنما يعتبر إذا اكتملت به المتعة والنعمة في حق الواطئ، وذلك لا يكون إلا في النكاح الصحيح.
(١) قوله «وَلا يَثْبُتُ الزِّنا إِلاَّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِقْرَارُهُ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، مُصَرِّحًا بِذِكْرِ حَقِيْقَتِهِ»: أي أن حَدَّ الزنا يثبت بأحد أمرين:
الأول: أن يُقر الزاني على نفسه أربع مرات مع التصريح الصحيح بذكر حقيقة الزنا الذي هو تغييب الحشفة في الحشفة، وهذا هو المذهب (٢)، وقول الحنفية (٣)، مستدلين بالنص والقياس.
أما النص فهو ما روى أبو هريرة ﵁ قال: أَتَى رَجُلٌ مِنْ المُسلِمينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلقاءِ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَى ثَنَّىَ ذَلِكَ عَلَيه أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ =
стр. 2425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟ » قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَل أَحْصَنْتَ؟ » قَالَ: نَعَمْ، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» (١).
ووجه الاستدلال: أن قوله: «فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ» إشعار بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه، وإلا لأمر برجمه في أول مرة.
أما القياس فقد قاسوا الإقرار على الشهادة بالزنا، فإذا كان لا يقبل إلا أربعة شهود، فكذا لا يقبل إلا أربع إقرارات.
القول الثانِي: أنه يكفي الإقرار مرة واحدة، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، لحديث: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (٤)، ولم يذكر إقرارات أربعة، مع أن المقام مقام بيان واستيفاء، قال شيخنا: «وهذا القول أرجح» (٥)
والذي يظهر - والله أعلم - هو الجمع بين الأدلة والعمل بها، وهذا هو القول الوسط وذلك بأنه إذا اشتهر الأمر واتضح فإنه يُكتفى فيه بالإقرار مرة واحدة، بخلاف ما لم يشتهر فإنه يحتاط فيه بتكرار الإقرار أربعاً، وعلى هذا يكون هذا القول أخذاً بالقولين، فيشترط التكرار في حال، =
стр. 2426
أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ (١)،
ــ
=ولا يشترط في حال أخرى.
(١) قوله «أَوْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُوْلٍ»: هذا هو الأمر الثانِي مما يثبت به حد الزنا وهو الشهادة، لما ورد عن عمر ﵁ أنه قال في خطبته: «وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا كَانَتِ البَيِّنَةُ، أَو كَانَ الحَبَلُ، أَو الاعْتِرَافُ» (١).
واشترط كون الشهود أربعة لقوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٢)، وهذا بالإجماع وأما اشتراط كونهم رجالاً فهذا هو قول الجمهور من أهل العلم، لأن في شهادة النساء شبهة، لما في قبول شهادتهن من الاختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات، ولظاهر الآية، فإن الله تعالى قال: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وكلمة «أربعة» عدد يكون للمذكر، وعلى هذا فلابد أن يكونوا رجالاً، فإن «أربعة» بمعنى أربعة رجال، وقوله: «شهداء» - أيضاًـ للمذكر، وهي جمع شاهد أو شهيد، فلو شهد ثمان نسوة لا يقبل، وكذلك ثلاثة وامرأتان لا يقبل، فالحاصل أن شهادة النساء في الحدود لا تقبل، أما في الأموال وغير ذلك فتقبل شهادتهن.
وأما اشتراط كونهم عدولاً فبالإجماع، لأن ذلك شرط في سائر الشهادات، فلأن يشترط ذلك فيما فيه يُحتاط بطريق الأَولى.
стр. 2427
يَصِفُوْنَ الزِّنَى (١)، وَيَجِيْؤُوْنَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ (٢)، وَيَتَّفِقُوْنَ عَلى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحَدٍ (٣)،
ــ
(١) قوله «يَصِفُوْنَ الزِّنَى»: أي يصفون حقيقة ما رأوه بأعينهم من تغييب الحشفة بالحشفة كرؤية المرود إذا دخل المكحلة، فلو قالوا: رأيناه عليها متجردَيْن، فإن ذلك لا يقبل حتى لو قالوا: نشهد بأنه قد كان منها كما يكون الرجل من امرأته، فإنها لا تكفي الشهادة، بل لا بد أن يقولوا: نشهد أن ذكره في فرجها.
(٢) قوله «وَيَجِيْؤُوْنَ فِيْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ»: أي لا بد أن يأتوا الحاكم في مجلس واحد جملة.
والصواب أنه لا يشترط المجلس الواحد، بل إذا أتوْه متفرقين صحت شهادتهم.
(٣) قوله «وَيَتَّفِقُوْنَ عَلى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحَدٍ» أي: ويتفق الشهود في شهادتهم فيشهدون على فعل واحد غير متعدد، فلو شهد رجلان أنه زنى في الساعة الثامنة صباحاً، ورجلان على أنه زنى في المساء فهذان فعلان، وكذا لو اجتمعوا ونظروا واحداً بعد واحد لم تصح شهادتهم، لاحتمال تعدد الوطء، وأن الثانِي رأى إيلاجاً غير الذي رآه مَنْ قبله، لأن الأفعال لا يُضم بعضها إلى بعض، فلا تقبل الشهادة.
стр. 2428
بابُ حَدِّ القَذْفِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ حَدِّ القَذْفِ»: «حد» مضاف، و «القذف» مضاف إليه، والإضافة هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني باب الحد الذي سببه القذف. والقذف في اللغة: الرمي بالحجارة ونحوها مما يؤذي ويضر، استعير للسب وتوجيه العيوب، بجامع الإضرار والإيذاء في كل.
والمراد به هنا رمي شخص بالزنا، أو اللواط، فيقول: يا زانٍ، يا لوطي، أو أنت زانٍ، أو أنت لوطي، وما أشبه ذلك.
وشرعاً: الرمي بوطء يوجب الحد على المقذوف، وذلك كالرمي بزنا أو لواط، كما ذكرنا آنفاً.
- فائدة: في حكم القذف:
القذف محرم؛ بل من كبائر الذنوب إذا كان المقذوف محصناً، والحكمة من تحريمه صيانة أعراض الناس عن الانتهاك، وحماية سمعتهم عن التدنيس، وهذا من أحكم الحكم؛ لأن الناس لو سُلط بعضهم على بعض في التدنيس، والسب، والشتم حصلت عداوات، وبغضاء، وربما حروب طواحن من أجل هذه الأمور، لكن حفظاً لأعراض الناس، وحماية لها، ولسمعة المسلمين جاء الشرع محرماً للقذف، وموجباً للعقوبة الدنيوية فيه، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، =
стр. 2429
وَمَنْ رَمَى مُحْصَنًا بِالزِّنا، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ (١)،
ــ
=فرتب على ذلك أمرين عظيمين:
الأول: اللعنة في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله.
الثاني: العذاب العظيم.
ثم قال: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ (١)، وقد عدَّه النبي ﷺ من الكبائر كما في حديث: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يا رسول الله وما هن قال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ» (٢).
(١) قوله «وَمَنْ رَمَى مُحْصَنًا بِالزِّنا، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ»: أي من رمى المحصن وهو من اجتمعت فيه أوصاف - سيأتي ذكرها قريباً - رماه بالزنا أو باللواط، أو شهد عليه بهما ولم يكتمل العدد وهو أربعة من الشهود فإنه لا يقام على المقذوف الحد، وأُقيم على القاذف حد القذف.
وقوله: «مُحْصَنًا» نكرة في سياق الشرط، فتعم ما إذا كان المحصن امرأة أو رجلاً، فتكون كلمة محصن بمعنى شخصاً محصناً، وقدَّرنا ذلك من =
стр. 2430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= أجل الشمول والعموم.
وأيضاً قوله «مُحْصَنًا» ظاهره أن ذلك شامل لقذف الولد والده، فيجلد ثمانين جلدة، فإذا قذف والده فقال: يا زانٍ - والعياذ بالله - فإنه يجلد حد القذف؛ لأن قذف الولد الوالد شنيع جداً.
ويشمل كلام المؤلف: قذف الوالد ولده، فالوالد إذا قذف ولده، قال له: أنت لوطي، أنت زانٍ، أنت فاعل لشيء من هذه الخبائث، وما أشبه ذلك، فعلى كلام المؤلف يجلد الوالد؛ لأنه أطلق فقال: «محصناً» وهذا خلاف المذهب.
فالمذهب أن الوالد إذا قذف ولده فإنه لا يجلد به، كما أنه لو قتله لا يقتص به، وقد سبق لنا أن هذه المسألة فيها خلاف.
والصواب: أن قذف الوالد لولده يجب فيه الحد، سواء قلنا: إنه حق لله، أو للآدمي؛ لأننا إذا قلنا: إنه حق لله، فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه لا سُلْطَة للوالد على ولده فيه، وإذا قلنا: إنه حق للآدمي، فإننا نقول: إن الولد إذا لم يرضَ بإسقاط حقه فإن له المطالبة به، فكما أن له أن يطالب والده بالنفقة، فهذا مثله، فلمَّا أهدر كرامة ولده، وأهانه أمام الناس، فليقم عليه الحد، والآية عامة (١).
ويدخل في كلام المؤلف من قذف نبياً، وقد قيل: إن من قذف نبياً فليس عليه إلا الحد، ولكن هذا القول ضعيف. =
стр. 2431
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=والصحيح: أن من قذف نبياً فإنه يكفر ويقتل كفراً، فإن تاب فإنه يقتل حداً، وليس كفراً؟ والفرق بين القِتْلتين:
أننا إذا قتلناه كفراً فإنه لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا قتلناه حداً صار الأمر بالعكس.
وظاهره أيضاً ولو قذف أم نبي - نسأل الله العافية - مثل أن يقول: إن مريم - والعياذ بالله - بغي، فهل يقتل أو لا؟
الجواب: لا بد أن يقتل؛ لأنه حتى لو فرضنا أنه ليس من باب القذف، فهو من باب تكذيب القرآن؛ لأن الله تعالى قال في مريم: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١)، وأما أم نبي غير مريم، فالصحيح أنه يقتل كفراً، لما في ذلك من الشناعة العظيمة؛ حيث يوهم أن الأنبياء - وحاشاهم من ذلك - أولاد بغايا.
وظاهر كلامه أيضاً حتى لو قذف زوجة نبي فإنه يحد ثمانين؛ لأنه داخل في عموم «محصناً»، ولكن هذا فيه خلاف إلا في عائشة ﵂، فإن من رماها بما برأها الله منه فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، لكن لو رماها بغيره، أو رمى إحدى زوجات النبي ﷺ ، أو أي نبي كان، فالصحيح أنه يكفر - أيضاً - ويقتل، قال شيخ الإسلام: «لأن في هذا من الغضاضة، وإذلال النبي شيئاً لا يتهاون به، وهو أعظم من تحريم نكاح زوجاته بعده، فإذا كان الله قد نهانا أن نتزوج نساء الرسول ﷺ بعده؛ =
стр. 2432
جُلِدَ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً (١)، إِذَا طَالَبَ المَقْذُوْفُ (٢)،
ــ
=إكراماً له، وحماية لفراشه، فكيف يدنس بهذا؟ وهل قذف زوجات الأنبياء إلا استهزاءٌ بالأنبياء، وسخرية بهم، ولهذا فالصحيح أنه لا يدخل في كلام المؤلف» (١).
(١) قوله «جُلِدَ ثَمَانِيْنَ جَلْدَةً»: هذه عقوبة القذف، وهي ثمانون جلدة، ويتبعها عقوبتان: الأولى: عدم قبول شهادته، إلا إن تاب على الراجح من قولي أهل العلم، الثانية: وصفه بالفسق، لأنه ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)، وظاهر كلامه أن الثمانين تجب على الحر وعلى العبد، لأنه أطلق، وبه قال جماعة من السلف، واختاره الشنقيطي (٣) لعموم الآية.
القول الثانِي: أنه أربعون، وهو قول الجمهور (٤)، قياساً على الزنا الثابت تنصيفه على الأمة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥)، وقد تقدم ذلك مفصلاً في كتاب الحدود.
(٢) قوله «إِذَا طَالَبَ المَقْذُوْفُ»: أي إقامة الحد على القاذف مشروط بالمطالبة به من قبل المقذوف، فإذا أراد أن يسقط حد القذف عن القاذف فله ذلك، =
стр. 2433
وَالْمُحْصَنُ هُوَ الحُرُّ المُسْلِمُ البَالِغُ العَفِيْفُ (١)،
ــ
=فإذا بلغ الإمام فإنه لا يسقط ولو عفا المقذوف، لعموم قوله ﷺ : «تَعَافَوا الحُدُودَ فِيمَا بَينَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ» (١).
وهل يُعذَّر القاذف إذا عفا المقذوف عن الحد؟ إن رأى ولي الأمر تعزيره إصلاحاً للمجتمع، وصوناً للأعراض فله ذلك، وهذا يقوي القول بأن القذف فيه شائبة من حق الله، وحقوق العباد، لأن الله حرم القذف، وشرع عقوبة فاعله، وفيه أذية للمخلوق. و هل يصح العفو عن القاذف بعوض ؟
قولان: الأول لا يصح بعوض عن حد قذف، لأنه وإن كان حد القذف للمخلوق لكنه فيه شائبة حق لله ، فلو قال القاذف للمقذوف: «أعطيك عن حقك في القذف مائة ألف ولا ترفعني للقاضي»، فوافق فلا يجوز؛ لأن حد القذف لله فإما أن ترفعه لولي الأمر أو تتركه.
القول الثاني: أنه يصح بالعوض؛ لأنه حق محض للمقذوف فله إسقاطه بعوض أو بغير عوض فهو الذي سوف تسود صحيفته به، وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حق لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة من المقذوف. أما إذا قلنا: إنه حق محض لله، وأنه لا تشترط مطالبة المقذوف، فإنه لا يصح بعوض.
(١) قوله «وَالْمُحْصَنُ هُوَ الحُرُّ المُسْلِمُ البَالِغُ العَفِيْفُ»: هذه هي الشروط المغتبرة في المقذوف، وبها يتحقق الإحصان في باب «القذف»، قال تعالى=
стр. 2434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١)، والرجال مثل النساء في هذا بالإجماع، وشروطه:
١ - أن يكون مسلماً ، فالكافر ليس بمحصن، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢)، فمن أشرك بالله فلا حد على قاذفه على قول الجمهور، لأنه لا يتورع عن الزنا، إذ ليس هناك ما يردعه عن ارتكاب الفاحشة، ولأن عِرْضَ الكافر لا حرمة له، كالفاسق المعلن لا حرمة لعرضه، بل الكافر أولى، لزيادة الكفر على المعلن بالفسق (٣).
٢ - أن يكون المقذوف مكلفاً ، بأن يكون عاقلاً بالغاً، فإن كان مجنوناً لم يجب الحد على القاذف، بل يعزر، وكذا إن كان صبياً، لأن زنا الصبي لا يوجب عليه الحد، فلا يجب الحد بالقذف، كزنا المجنون، ولأن البلوغ أحد شرطي التكليف، أشبه العقل، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي، وهو رواية عن الإمام أحمد.
والقول الثانِي: أنه لا يشترط البلوغ، وهذا رواية عن أحمد (٤)، وقول مالك (٥)، لأنه حر عاقل عفيف يتعَيَّرُ بهذا القول الممكن صدقه، فأشبه =
стр. 2435
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الكبير، وحددوا ذلك بأن يكون مثله يطأ أو يوطأ.
والأول أظهر وهو أن من قذف غير بالغ لا يُحد، ولكنه يعزر، لأن من لم يبلغ من الذكور والإناث مرفوع عنه القلم، ولا مَعَرَّةَ تلحقه بذنب، لأنه غير مؤاخذ.
٣ - أن يكون حراً ، لأن الإحصان يطلق على الحرية، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١) أي: الحرائر، فالرقيق ليس محصناً بهذا المعنى على قول الجمهور.
وقالت الظاهرية: يقام الحد على قاذف العبد، لعموم قوله ﷺ : «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيكُمْ حَرَامٌ» (٢)، ولم يفرق في ذلك بين الحر والعبد (٣).
٤ - أن يكون عفيفاً ، أي: عفيفاً عن الزنا، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٤)، أي: العفيفات، جمع محصنة، قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (٥)، أي: عفت، قال في «لسان العرب»: «يقال: امرأة حَصَانٌ وحاصن، وكُلُّ امرأةٍ عفيفةٍ مُحصنةٌ» (٦).
стр. 2436
وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلاعِنَةَ أَوْ وَلَدَهَا (١). وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوْا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (٢)،
ــ
=فمن قذف المعروف بفجوره، أو المشتهر بالعبث والمجون فلا يحد، لأن القذف إنما شرع لحفظ كرامة الإنسان الفاضل، ولا كرامة للفاسق الماجن، وهذا مستفاد من الآية الكريمة.
(١) قوله «وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلاعِنَةَ أَوْ وَلَدَهَا»: الملاعنة: هي التي رماها زوجها بالزنا، أو قال لها هذا الولد الذي في بطنك أو ولدتيه ليس بابن لي، ولم تقر بالزنا أو بنفي الولد، ولم يقم بينة على ما قذفها به.
ففي هذه الحال إذا طالبت بإقامة حد القذف عليه فلها ذلك ولا يسقط عنه حد القذف إلا بثلاثة أمور:
الأول: إسقاطه باللعان، فيُحْضِرُهما القاضي، ويقول: اشهد على زوجتك أربع مرات، وفي الخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، فيحلف أربع مرات، ويقول في الشهادة الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم يقول لها: احلفي في تكذيبه، فتحلف بالله أربع مرات إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة تقول: أنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فإذا تم ذلك فرق بينهما تفريقاً مؤبداً لا تحل له أبداً، وقد سبق بيانه في باب اللعان.
الثاني: أن تعفو المرأة عنه فيسقط بالعفو الحد.
الثالث: أن تقر بما رماها به.
(٢) قوله «وَمَنْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوْا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ»: أي ومن قذف جماعة يتصور منهم الزنا بكلمة واحدة ففيه حد=
стр. 2437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=واحد إذا طالبوا أو طلبه واحد منهم، وهذه المسألة على ثلاث روايات في المذهب (١):
إحداها: عليه حد واحد لأن كلمة القذف واحدة فلم يجب بها أكثر من حد واحد، كما لو كان المقذوف واحداً، ولأنه بالحد الواحد يظهر كذبه ويزول عار القذف عن جميعهم.
الثانية: عليه لكل واحد حد لأنه قذفه، فلزمه الحد له، كما لو قذفه بكلمة مفردة.
الثالثة: إن طلبوه جملة فحد واحد لأنه يقع استيفاؤه لجميعهم، وإن طلبوه متفرقاً أقيم لكل مطالب مرة لأن استيفاء المطالب الأول له خاصة فلم يسقط به حق الباقين.
والأظهر عندي: هو القول الأول، لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٢) , ولم يفرق بين قذفهم واحدة أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوه بامرأة فلم يحدهم عمر إلا حداً واحداً، ولأنه قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحداً، ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وتزول المعرة فوجب أن يكتفى به بخلاف ما إذا قذف كل واحد بكلمة فإن ظهور كذبه في قذف واحد لا يزيل المعرة عن الآخر ولا يتحقق كذبه فيه.
стр. 2438
فَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ (١)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ»: أي إن أسقط أحدهم حقه في إقامة الحد عليه لم يسقط حق غيره لأنه ثابت لهم على سبيل البدل فأشبه ولاية النكاح.
стр. 2439
بابُ حَدِّ المُسْكِرِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ حَدِّ المُسْكِرِ»: أي هذا باب في بيان العقوبة الشرعية لمن شرب الخمر، أو تعاطى ما يسكر العقل سواء كان بالخمر أو كان بالمخدر الموجود في زماننا.
وقوله ﵀ «حَدِّ المُسْكِرِ»، سبق تعريف الحدود، وبيَّنَّا أنها العقوبات المقدرة شرعاً، وعلى هذا فإن حد المسكر هي: العقوبة التي نص عليها الشارع، إما مقدرة محددة كما اختاره جمهور العلماء ﵏، وإما أن تترك لنظر الإمام فيما هو أولى في ردع الناس وزجرهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى توضيحه وبيانه.
وقوله «المُسْكِرِ» يقال: أسكر الشيء يسكر فهو مسكر: اسم فاعل من أسكره الشراب فهو مُسْكِرٌ: إذا كان فيه قوة تجعل متناوِله يزول صحوه ويستتر عقله.
والسَّكران: من زال صحوه، واستتر عقله، ومَن داوم على السُّكر. قيل له: سِكِّير - بكسر السين وتشديد الكاف - صيغة مبالغة (١).
والمسكر: هو الخمر من عصير كل شيء أو نقيعه كما سبق، والمراد به ما خامر العقل وغطاه، سواء كان ذلك بالشراب أو بغيره، وسواء كان قليلاً أو كثيراً، وسواءً كان من العنب أو التمر أو الشعير أو غيرها، وسواءً كان مطبوخاً أو غير مطبوخٍ، فالمدار على الإسكار وغيبوبة العقل، وهذا =
стр. 2440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=مذهب الجمهور (١) لقوله ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (٢)، وعن عمر ﵁ قال: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ» (٣).
وعند الحنفية (٤): الخمر هو النيئ من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، وما كان من غيره لا يسمى خمراً، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول ضعيف مخالف للغة العرب وللسنة الصحيحة ولفهم الصحابة ﵃ (٥)، كما سبق بيان ذلك مفصلاً.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: فرّق بعض العلماء ﵏ بين السكر والجنون: فجعلوا الجنون ما يذهب العقل، وجعلوا السكر ما يغطي العقل، فهم يرون أن هناك فرقاً بين السكر والجنون من هذا الوجه؛ ولذلك وصف المسكر بكونه خمراً لأنه يخامر يعني: يغطي، وعلى هذا فالعقل في الأصل يكون موجوداً، وتجد السكران تارة يفهم الأشياء وتارة لا يفهمها.
стр. 2441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الفائدة الثانية: في ضوابط السكر الذي يقام به الحد:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ضابط السكر هو: من اختلط كلامه وكان غالبه هذياناً.
وقال بعض الفقهاء في ضابط السكر: إنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
وذهب بعضهم: إلى أن السكران هو الذي لا يعرف الأرض من السماء، والرجل من المرأة.
وقال بعض العلماء ﵏: هو الذي لا يفهم الخطاب، ولا يحسن الجواب، لا يفهم ما تخاطبه به، ولا يحسن أن يجيبك، ويختلّ ذلك الكلام المعهود منه.
- الفائدة الثالثة: في بيان الحكمة من تحريم الخمر:
لقد حرَّمَ الله تعالى الخمر لما تشتمل عليه من الأضرار والمفاسد العظيمة، التي كشف الطب الحديث عن كثير منها بما لديه من وسائل وأجهزة علمية دقيقة، وهي كما قال ﷺ لمن سأله عن الخمر يصنعها للدواء: «إِنَّهَا لَيسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ» (١).
والخمر تحتوي على مواد كيماوية كثيرة، أهمها: مادة «الغَول الإيثيلي»، وتسمى «الكحول»، وهي تنتج عن تخمر مادة السُّكَّر، وهي السبب في=
стр. 2442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=جميع الأضرار الناتجة عن تعاطي الخمور بأنواعها، وتوجد في السوائل الأخرى بنسب قليلة، وترتفع في المقَطَّرة منها، وتحديد الخمر وما يتبعها من السوائل المسكرة لا يتوقف على تساوي النِّسَبِ، ولا على ارتفاع وجودها، بل يتوقف على مجرد الوجود وإن كانت نسبتها قليلة، كالبيرة مثلاً، والغول سريع الذوبان في الماء، ويصل إلى الدم، ويتوزع على جميع أخلاط البدن وأنسجته بسرعة فائقة، ولاسيما إذا أُخذ على معدة فارغة، ولعل هذا هو السر في أن الغول يؤثر على جميع أجزاء البدن، لا يستثنى منها شيء.
وأكثر الأجهزة تأثراً في حالة السُّكْر هو الدماغ، ثم جهاز الدوران الدموي، والجهاز العصبي، والعقل، ثم الجهاز الهضمي بجميع أجزائه، ثم الكبد والبنكرياس، ثم الجهاز التنفسي والبولي، وما ينشأ عن ذلك من الأمراض النفسية والعقلية، والشيخوخة المبكرة، والموت المفاجئ، وضعف مقاومة الجسم للأمراض، ثم الأضرار الاجتماعية، والاقتصادية، حتى نَسْلُ الإنسان لم يسلم من أذى المسكرات، بل وصل إلى الأجنة في بطون أمهاتها.
والمخدرات من الأسباب الرئيسية في تفشي الجريمة في المجتمعات التي ابتليت بها لأن المدمن في الأعم الأغلب يكون فاشلاً غير قادر على عمل ما ينفعه وينفع الآخرين، ولا يستطيع المساهمة في نهضة البلاد في أي من المجالات التنموية سواء كانت اقتصادية أو زراعية أو اجتماعية أو عمرانية أو صناعية، كما أنه يصبح خالياً من الشعور بالمسئولية لأنه لا يحمل أي مؤهل من مؤهلات تحمل المسئولية، فهو ضعيف التدين معتوه العقل=
стр. 2443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ومن كانت هذه حاله فدوافع الجريمة عنده كثيرة، ولهذا أثبتت الدراسات التي أجريت على بعض المتعاطين للمخدرات ما تضمنته بعض البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية بشأن تنفيذ أحكام الله في بعض المجرمين حيث أوضحت أن بعض الجرائم تم اقترافها تحت تأثير وطأة المخدر وهذه الجرائم من أخطر الجرائم كجريمة القتل والاغتصاب والسطو وقطع الطريق.
ويظهر الضرر الأمني الخطير للمخدرات في السلوك العدواني الآثم الذي يقوم به المهربون والمروجون مع رجال الأمن عند القبض عليهم، ولقد شهدت كثير من البلاد معارك دامية بين رجال الأمن وتجار المخدرات وبلادنا الحبيبة رغم ما حباها الله من أمن ورغد عيش إلا أنها لم تسلم من هذا السلوك العدواني، فقد حدث أكثر من مرة اصطدام بين المهربين ورجال الأمن الذين يسهرون على راحة المواطنين، ويقدمون أرواحهم رخيصة لينعم هذا البلد بالأمن والأمان، ولكننا نحمد الله أن هذا قليل بالنسبة لكثير من البلاد الأخرى.
ثم إن العقوبة الصارمة التي تنتظر المروج في هذه البلاد هي التي تدفعه للاستماتة وسفك الدم، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ (١).
стр. 2444
وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ (١)، مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيْرَهُ يُسْكِرُ (٢)،
ــ
=وبالجملة فهي أم الخبائث، وجماع الإثم، ومجمع الأمراض، ولهذا تجد السكارى غالباً هم أفقر الناس، وأتعس الناس، وأشقى الناس (١).
(١) قوله «وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ»: أي من شرب مسكراً قليلاً كان أو كثيراً أسكره أم لم يسكره، وجب إقامة الحد عليه، وإنما حُرِّم القليل وحُدَّ شاربه وإن كان لا يسكر حسماً لمادة الفساد.
وفيه رد صريح على من قال من الحنفية: إن الخمر - وهو عصير العنب عندهم - يحرم قليله وكثيره، وغيره من المسكرات يحرم قدر المسكر منه، دون القليل الذي لا يسكر، وهذا قول باطل كما ذكرنا، ترده الأحاديث الكثيرة الصحيحة الصريحة، لأن الرسول ﷺ وصف القليل بأنه حرام، ولأن السُّكْرَ إنما يحصل بالمجموع من الشراب، لا من الشربة الأخيرة فقط، فإن الشربة الأخيرة إنما أثَّرت في السُّكر بانضمامها إلى ما قبلها.
وقد ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «مَا أَسْكَرَ مِنهُ الفَرَقُ فَمِلءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (٢).
(٢) قوله «مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيْرَهُ يُسْكِرُ»: هذه هي الشروط التي تجب بها عقوبة حد شارب المسكر:
الأول: أن يشربها مختاراً ، فإن شربها مكرهاً فلا حد عليه، لقوله ﷺ : =
стр. 2445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (١)، سواء كان الإكراه بالوعيد، أو بالضرب، أو ألجئ إلى شربها، بأن يُفتح فُوه وتصب فيه.
الشرط الثانِي: أن يكون عالماً أن كثير هذا المشروب يسكر ، فإن لم يعلم أن كثيره يُسكر فلا حدَّ عليه، وكذا لو شربه ظاناً أنه ليس بمسكر وكان قد تحول إلى الإسكار فلا حد عليه ولو سكر منه، ولأنه جاهل بحال هذا الشراب، ولم يقصد ارتكاب المعصية.
وهذه الشروط الثلاثة شروط للحد وللحرمة.
ومن الشروط الأُخرى التي لم يذكرها المؤلف:
الشرط الثالث: أن يكون الشارب مسلماً ، فإن كان غير مسلم كالذمي فإنه لا يحد؛ لأن المسلم هو الذي يعتقد تحريمه، أما غير المسلم فهم لا يعتقدون تحريمه؛ ولهذا لا يقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر، ولكنهم يمنعون من إظهاره في بلاد المسلمين.
الشرط الرابع: أن يكون عالماً بالتحريم، بالغاً، عاقلاً ، فإن كان جاهلاً معذوراً بجهله فلا حد عليه، كأن يكون حديث عهد بالإسلام، أو ينشأ ببلدة بعيدة عن العلماء بحيث يخفى عليه أمر الخمر، فإن ادعى أنه جاهل بالتحريم وقد نشأ بين المسلمين لم يقبل.
стр. 2446
جُلِدَ الحَدَّ أَرْبَعِيْنَ جَلْدَةً؛ «لأَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَدَ الوَلِيْدَ بْنَ عُقْبَةَ فِيْ الخَمْرِ أَرْبَعِيْنَ، وَقالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﵁ أَرْبَعِيْنَ، وَأَبُوْ بَكْرٍ أَرْبَعِيْنَ، وَعُمَرُ ثَمَانِيْنَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَصِيْرِ العِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ (١)،
ــ
(١) قوله «جُلِدَ الحَدَّ أَرْبَعِيْنَ جَلْدَةً؛ «لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَدَ الوَلِيْدَ بْنَ عُقْبَةَ فِيْ الخَمْرِ أَرْبَعِيْنَ، وَقالَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ ﵁ أَرْبَعِيْنَ، وَأَبُوْ بَكْرٍ أَرْبَعِيْنَ، وَعُمَرُ ثَمَانِيْنَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ» (١)، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَصِيْرِ العِنَبِ أَوْ غَيْرِهِ»: شرع المؤلف ببيان عقوبة شارب المسكر، وبين أنها أربعون جلدة، وهو قول الشافعي (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وتلميذه ابن القيم (٥)، قالوا: وللإمام أن يزيد على الأربعين تعزيزاً، لما ورد عن أنس ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَينِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبد الرَّحْمَن بن عَوفٍ: أَخَفَّ الحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ» (٦).
والقول الثانِي: أن عقوبته ثمانون، وهو قول أبي حنيفة (٧)، ومالك (٨) =
стр. 2447
وَمَنْ أَتَى مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا لا حَدَّ فِيْهِ، لَمْ يَزِدْ عَلى عَشْرِ جَلَدَاتٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «لا يُجْلَدُ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلاَّ فِيْ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ (١)،
ــ
= ورواية عند الحنابلة (١)، وقول للشافعي (٢)، لفعل عمر ﵁، فإنه استشار الصحابة، ولم ينقل أن أحداً خالف، فكان إجماعاً.
والقول الثالث: أنها عقوبة تعزيرية ولا حد فيها، وهو مروي عن طائفة من أهل العلم (٣)، وهو اختيار الشوكاني (٤)، وعلى هذا القول فمرجعها إلى الإمام يقدرها بناءً على المصلحة، وما يتحقق به الزجر.
والراجح عندي: أن عقوبة شارب المسكر من باب الحد، الذي لا يُنْقص عن أربعين جلدة؛ لأن هذا أقل ما روي فيه، ولكن للحاكم أن يزيد عليه ما يراه إلى ثمانين إذا رأى المصلحة في ذلك ويرى شيخنا ﵀ (٥) أنه كله من باب التعزير.
(١) قوله «وَمَنْ أَتَى مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَا لا حَدَّ فِيْهِ، لَمْ يَزِدْ عَلى عَشْرِ جَلَدَاتٍ؛ لِمَا رَوَى أَبُوْ بُرْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «لا يُجْلَدُ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلاَّ فِيْ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ»: هذه العقوبة تسمى بالتعزير، وهي خاصة بكل فعل جاءت الشريعة بتحريمه، ولم يرد في نصوص الشريعة حد فيها، وقد ذهب المؤلف هنا إلى أنها عشر جلدات لا يزيد على ذلك =
стр. 2448
إِلاَّ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِئَةً (١)،
ــ
= واحتج بحديث أبي بردة ﵁.
وقد اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة، والأظهر عندي أن هذا راجع إلى رأي الحاكم، فيجوز له الزيادة على عشر جلدات، وعشرين، وثلاثين، وأربعين، ومائة، بقدر ما يحصل به التأديب؛ لأن المقصود تقويم الاعوجاج، والتأديب، وإزالة الشر والفساد، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِئَةً»: أي إلا من وطئ جارية امرأته بإذنها فإنه يجلد مائة ولا يرجم إن كان ثيباً، وإن كان بكراً لم يغرب، وإن لم تكن أحلتها له فهو زان حكمه حكم الزاني بجارية الأجنبي.
وحكي عن النخعي (١) أنه يعزر ولا حد عليه لأنه يملك امرأته فكانت له شبهة في مملوكتها، وهذا هو الأقرب عندي.
стр. 2449
بابُ حَدِّ السَّرِقَة (١)
ــ
(١) قوله «بابُ حَدِّ السَّرِقَة»: السَّرقة لغة: أخذ الشيء من الغير خِفية (١).
واصطلاحاً: أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، أو هي أخذ العاقل البالغ نصاباً محرزاً، أو ما قيمته نصاب، ملكاً للغير، لا شبهة له فيه على وجه الخفية.
فقولنا «المال»: هو العين المباحة النفع، وخرج بذلك غير المال، كسرقة كلب وإن كان معلماً، لأنه ليس بمال، وسرقة حر ولو كان صغيراً، لأنه ليس بمال - أيضاً - وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم.
القول الأول: أنه يقطع إذا سرق حراً صغيراً، لأنه مسروق أشبه المال والبهيمة والعبد. ولا قطع بسرقة ما على الصغير من حلي ونحوه، على المشهور من المذهب (٢)، لأنه تابع لما لا قطع فيه أشبه بثياب الكبير، ولأن يد الصبي على ما عليه.
والقول الثانِي: أنه يقطع بسرقة ما على الصغير، وهذا هو الصواب لعموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .... ﴾، وكما لو سرقه مفرداً (٣).
وقولنا: «عَلى وَجه الاختفاء» هذا هو العنصر الأساسي في السرقة، فخرج به ما كان على وجه العلانية، كالمنتهب والمختلس، فلا قطع عليهما، =
стр. 2450
وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِيْنَارٍ مِنَ العَيْنِ (١)، أَوْ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الوَرِقِ (٢)،
ــ
=والمنتهب: آخذ الشيء من صاحبه غلبة وقهراً، والمختلس: آخذ الشيء بحضرة صاحبه في غفلة منه والهرب به.
وقولنا «مِن مَالِكِهِ، أو نَائِبِهِ»: نائب المالك: كل من كان مال غيره بيده بإذن الشرع أو بإذن مالكه، كالمستعير، والمستأجر، والمودَع، وولي اليتيم، ونحوهم، فخرج ما لو سرق مغصوباً من غاصبه فلا قطع، لأنه عند الغاصب لا حرمة له (١).
(١) قوله «وَمَنْ سَرَقَ رُبْعَ دِيْنَارٍ مِنَ العَيْنِ»: هذا هو الشرط الأول، وهو أن يكون المسروق نصاباً، وهو ربع دينار من الذهب، لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً» (٢)، والدينار يزن عند المتقدمين (٧٢) حبة شعير، وزنها بالجرام (٣.٥)، كما تقدم في «الزكاة».
فإذا سرق ما يقابل جراماً من الذهب الخالص قطع، والقطع بهذا المقدار وإن كان قليلاً، هو لحماية الأموال والقضاء على العبث بالأمن (٣).
(٢) قوله «أَوْ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ مِنَ الوَرِقِ»: أي أو ما قيمته ثلاثة دراهم من الفضة كما في حديث ابن عمر ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ» (٤).
стр. 2451
أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ (١)، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ (٢)،
ــ
(١) قوله «أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ»: أي أو ما يساوي أحد النقدين من سائر الأموال فإن فيه القطع، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلا شَىْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُئْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ» (١).
والقول الثاني في المسألة: أن النصاب ربع دينار فقط، وليس ثلاثة دراهم، فإذا سرق شيئاً يساوي ثلاثة دراهم، لكن لا يساوي ربع دينار، فليس عليه القطع، وإذا سرق ما يساوي ربع دينار فعليه القطع، وإن كان لا يساوي ثلاثة دراهم، وهذا القول أصح، لأن حديث عائشة ﵂ صريح فيه: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» (٢)، وأما الحديث الآخر أن الرسول ﷺ «قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم» (٣)، فهذا محمول على أن ثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار في ذلك الوقت، والدينار اثنا عشر درهماً من الفضة.
(٢) قوله «وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ»: هذا هو الشرط الثاني، وهو أن تكون السرقة=
стр. 2452
قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ (١)،
ــ
=من حرز. والحرز: ما يحفظ فيه المال عادةً، والمرجع فيه إلى العرف، وليس إلى الشرع؛ لأن الشرع أطلق ولم يقيد، وكل شيء يطلقه الشارع ولم يقيده فإنه يرجع فيه إلى العرف، إذا لم يكن له حقيقة شرعية، ولأنه لم يرد تقديره في الشرع، وإنما ورد مجملاً، فاعتبر فيه العرف (١).
(١) قوله «قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ»: دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ﴾ (٢)، والدليل على أنها اليمين قراءة ابن مسعود ﵁ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهمَا﴾، وهي قراءة شاذة (٣)، قال الموفَّق: «وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير» (٤)، وهذا قول أبي بكر، وعمر ﵄ ولا مخالف لهما، كما حكاه الموفق وغيره.
وقوله «مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ»: أي دون الذراع، وإنما وجب قطعها من هنا لا إلى المرفق؛ لأن الله تعالى أطلق ولم يقيد، واليد عند الإطلاق تحمل على الكف، والدليل على أنها من مفصل الكف أن هذا هو المتبادر عند الإطلاق، فهو أقل ما يطلق عليه اسم اليد.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن التيمم فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الوُضُوءَ: قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ =
стр. 2453
فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ (١)،
ــ
=وَقَال: ﴿ .. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ﴾ (١)، فَكَانَت السُّنَّةُ فِي القَطْعِ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّانِ، يَعْنِي: التَّيَمُّمَ» (٢).
وقوله «فَكَانَت السُّنَّةُ»: يفيد أنه مرفوع حكماً، وأن الله تعالى حدد الوضوء إلى المرفقين فوقفنا عند تحديده، وأطلق القول في اليدين في التيمم فحملناه على ظاهر مطلق اسم اليد، وهو الكَفَّان، وكذا في السرقة (٣).
قال البخاري: «وَقَطَعَ عَلِيٌّ ﵁ مِنَ الكَّفِّ» (٤)، وقوله «وَحُسِمَتْ»: الحسم في اللغة القطع، والمراد حسم الدم - أي قطعه - وذلك بأن يغلى زيت، أو دهن، أو نحوهما، ثم تغمس فيه وهو يغلي، فإذا غمست فيه وهو يغلي تسددت أفواه العروق، وإنما وجب حسمها؛ لأنها لو تركت لنزف الدم ومات، والحد لا يراد به موته وإتلافه، إنما يراد به تأديبه.
(١) قوله «فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ»: أي: فإن عاود السرقة بعد قطع اليمنى قطعت قدمه اليسرى، لأن في قطع الرِّجل اليسرى رفقاً به، لأنه يمكنه المشي على خشبة، بخلاف قطع الرجل اليمنى، لأنها إذا قطعت لا يمكنه ذلك.
стр. 2454
فَإِنْ عَادَ حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ (١). لَا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ (٢)، أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ (٣)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ»: أي فإن عاد وسرق بعد قطع يده اليمنى ورجله اليسرى فسرق ثالثاً حبس، ولا يقطع، لأن في قطع اليدين تعطيلاً لمنفعة الجنس، فلم يشرع في حد، كالقتل، ومرادهم حبسه حتى يموت (١)، وهو ظاهر كلام ابن قدامة (٢)، لورود أقضية عن الصحابة ﵃ في ذلك (٣)، وفي رواية أخرى في المذهب أنه إن عاد فإنه تقطع يده اليسرى في الثالثة، ورجله اليمنى في الرابعة (٤).
(٢) قوله «لا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ»: هذا أحد الأُمور الذي يثبت به القطع، وهو شهادة رجلين عدلين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وعلى هذا فلا تثبت عقوبة القطع بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة النساء.
(٣) قوله «أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ»: هذا هو الأمر الثاني الذي يثبت به القطع وهو إقرار السارق بالسرقة مرتين، وهذا من مفردات المذهب، لما ورد عن أبي أمية المخزومي أن النبي ﷺ أُتِي بِلِصٍ قد اعترف فقال: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ» قَال: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلاثاً، قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» (٥)، =
стр. 2455
وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ (١)،
ــ
=ولأنه يتضمن إتلافاً في حد، فكان من شرطه التكرار كحد الزنا.
والقول الثانِي: أنه لا يشترط تكرار الإقرار بل إذا أقر ولو مرة واحدة أقيم عليه الحد إذا تمت شروط الإقرار بأن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً، وهو قول الجمهور، لأن السرقة قد ظهرت بالإقرار مرة، فيكتفي به، كما في القصاص وحد القذف (١)، وهذا هو الراجح عندي، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢).
وأما الحديث - إن صح - فالمراد به الاستثبات وتلقين المسقط للحد، ولأن الراوي تردد هل عاد عليه مرتين أو ثلاثاً، فطريق الاحتياط في الاستدلال أن يقولوا بالإقرار ثلاثاً.
- فائدة: فيما تثبت به السرقة:
تثبت السرقة بطرق ثلاثة:
الأول: الشهادة: وهي أن يشهد عدلان على أن فلان هو السارق.
الثاني: الإقرار: وقد سبق بيانه، وهو أن يعترف على نفسه أنه هو السارق.
الثالث: أن يوجد المسروق عند السارق ما لم يدّع شبهة تمنع الحد، وهذا قال به جماعة من أهل العلم.
(١) قوله «وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ»: هذا أيضاً شرط من شروط قطع يد السارق، وهو أَن يطالب المسروق منه بماله، فإن لم يطالب فإنه لا يقطع، ولو ثبتت السرقة، ما دام صاحبه لم يطالب، =