أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ (١)، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ (٢)،
ــ
(١) قوله «أَوْ مَا يُسَاوِيْ أَحَدَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْمَالِ»: أي أو ما يساوي أحد النقدين من سائر الأموال فإن فيه القطع، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلا شَىْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ بِشَىْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُئْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَمَنْ سَرَقَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ» (١).
والقول الثاني في المسألة: أن النصاب ربع دينار فقط، وليس ثلاثة دراهم، فإذا سرق شيئاً يساوي ثلاثة دراهم، لكن لا يساوي ربع دينار، فليس عليه القطع، وإذا سرق ما يساوي ربع دينار فعليه القطع، وإن كان لا يساوي ثلاثة دراهم، وهذا القول أصح، لأن حديث عائشة ﵂ صريح فيه: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» (٢)، وأما الحديث الآخر أن الرسول ﷺ «قطع في مجنٍّ قيمته ثلاثة دراهم» (٣)، فهذا محمول على أن ثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار في ذلك الوقت، والدينار اثنا عشر درهماً من الفضة.
(٢) قوله «وَأَخْرَجَهُ مِنَ الحِرْزِ»: هذا هو الشرط الثاني، وهو أن تكون السرقة=
стр. 2452
قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ (١)،
ــ
=من حرز. والحرز: ما يحفظ فيه المال عادةً، والمرجع فيه إلى العرف، وليس إلى الشرع؛ لأن الشرع أطلق ولم يقيد، وكل شيء يطلقه الشارع ولم يقيده فإنه يرجع فيه إلى العرف، إذا لم يكن له حقيقة شرعية، ولأنه لم يرد تقديره في الشرع، وإنما ورد مجملاً، فاعتبر فيه العرف (١).
(١) قوله «قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ وَحُسِمَتْ»: دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ﴾ (٢)، والدليل على أنها اليمين قراءة ابن مسعود ﵁ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهمَا﴾، وهي قراءة شاذة (٣)، قال الموفَّق: «وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير» (٤)، وهذا قول أبي بكر، وعمر ﵄ ولا مخالف لهما، كما حكاه الموفق وغيره.
وقوله «مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ»: أي دون الذراع، وإنما وجب قطعها من هنا لا إلى المرفق؛ لأن الله تعالى أطلق ولم يقيد، واليد عند الإطلاق تحمل على الكف، والدليل على أنها من مفصل الكف أن هذا هو المتبادر عند الإطلاق، فهو أقل ما يطلق عليه اسم اليد.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن التيمم فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ حِينَ ذَكَرَ الوُضُوءَ: قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ =
стр. 2453
فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ (١)،
ــ
=وَقَال: ﴿ .. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا .. ﴾ (١)، فَكَانَت السُّنَّةُ فِي القَطْعِ الكَفَّيْنِ، إِنَّمَا هُوَ الوَجْهُ وَالكَفَّانِ، يَعْنِي: التَّيَمُّمَ» (٢).
وقوله «فَكَانَت السُّنَّةُ»: يفيد أنه مرفوع حكماً، وأن الله تعالى حدد الوضوء إلى المرفقين فوقفنا عند تحديده، وأطلق القول في اليدين في التيمم فحملناه على ظاهر مطلق اسم اليد، وهو الكَفَّان، وكذا في السرقة (٣).
قال البخاري: «وَقَطَعَ عَلِيٌّ ﵁ مِنَ الكَّفِّ» (٤)، وقوله «وَحُسِمَتْ»: الحسم في اللغة القطع، والمراد حسم الدم - أي قطعه - وذلك بأن يغلى زيت، أو دهن، أو نحوهما، ثم تغمس فيه وهو يغلي، فإذا غمست فيه وهو يغلي تسددت أفواه العروق، وإنما وجب حسمها؛ لأنها لو تركت لنزف الدم ومات، والحد لا يراد به موته وإتلافه، إنما يراد به تأديبه.
(١) قوله «فَإِنْ عَادَ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْراى مِنْ مِفْصَلِ الكَعْبِ وَحُسِمَتْ»: أي: فإن عاود السرقة بعد قطع اليمنى قطعت قدمه اليسرى، لأن في قطع الرِّجل اليسرى رفقاً به، لأنه يمكنه المشي على خشبة، بخلاف قطع الرجل اليمنى، لأنها إذا قطعت لا يمكنه ذلك.
стр. 2454
فَإِنْ عَادَ حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ (١). لَا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ (٢)، أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ (٣)،
ــ
(١) قوله «فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ»: أي فإن عاد وسرق بعد قطع يده اليمنى ورجله اليسرى فسرق ثالثاً حبس، ولا يقطع، لأن في قطع اليدين تعطيلاً لمنفعة الجنس، فلم يشرع في حد، كالقتل، ومرادهم حبسه حتى يموت (١)، وهو ظاهر كلام ابن قدامة (٢)، لورود أقضية عن الصحابة ﵃ في ذلك (٣)، وفي رواية أخرى في المذهب أنه إن عاد فإنه تقطع يده اليسرى في الثالثة، ورجله اليمنى في الرابعة (٤).
(٢) قوله «لا تَثْبُتُ السَّرِقَةُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ»: هذا أحد الأُمور الذي يثبت به القطع، وهو شهادة رجلين عدلين، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وعلى هذا فلا تثبت عقوبة القطع بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة النساء.
(٣) قوله «أَوِ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ»: هذا هو الأمر الثاني الذي يثبت به القطع وهو إقرار السارق بالسرقة مرتين، وهذا من مفردات المذهب، لما ورد عن أبي أمية المخزومي أن النبي ﷺ أُتِي بِلِصٍ قد اعترف فقال: «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ» قَال: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلاثاً، قَالَ: بَلَى، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» (٥)، =
стр. 2455
وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ (١)،
ــ
=ولأنه يتضمن إتلافاً في حد، فكان من شرطه التكرار كحد الزنا.
والقول الثانِي: أنه لا يشترط تكرار الإقرار بل إذا أقر ولو مرة واحدة أقيم عليه الحد إذا تمت شروط الإقرار بأن يكون بالغاً عاقلاً مختاراً، وهو قول الجمهور، لأن السرقة قد ظهرت بالإقرار مرة، فيكتفي به، كما في القصاص وحد القذف (١)، وهذا هو الراجح عندي، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢).
وأما الحديث - إن صح - فالمراد به الاستثبات وتلقين المسقط للحد، ولأن الراوي تردد هل عاد عليه مرتين أو ثلاثاً، فطريق الاحتياط في الاستدلال أن يقولوا بالإقرار ثلاثاً.
- فائدة: فيما تثبت به السرقة:
تثبت السرقة بطرق ثلاثة:
الأول: الشهادة: وهي أن يشهد عدلان على أن فلان هو السارق.
الثاني: الإقرار: وقد سبق بيانه، وهو أن يعترف على نفسه أنه هو السارق.
الثالث: أن يوجد المسروق عند السارق ما لم يدّع شبهة تمنع الحد، وهذا قال به جماعة من أهل العلم.
(١) قوله «وَلا يُقْطَعُ حَتَّى يُطَالِبُ المَسْرُوْقُ مِنْهُ بِمَالِهِ»: هذا أيضاً شرط من شروط قطع يد السارق، وهو أَن يطالب المسروق منه بماله، فإن لم يطالب فإنه لا يقطع، ولو ثبتت السرقة، ما دام صاحبه لم يطالب، =
стр. 2456
وَإِنْ وَهَبَهَا لِلسَّارِقِ، أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهَا قَبْلَ ذلِكَ، سَقَطَ القَطْعُ (١)،
ــ
=والدليل حديث صفوان بن أمية ﵁ «أَنَّهَا سُرِقَتْ خَمِيصَتُهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ اللِّصَّ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ قَالَ صَفْوَانُ: أَتَقْطَعُهُ؟ قَالَ: فَهَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ تَرَكْتَهُ» (١). فإنه يدل على أنه لو وهبه له قبل أن يرفعه للحاكم سقط القطع، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀ إلى أنه لا تشترط المطالبة، وأنه إذا ثبتت السرقة قطع، لأن القطع لحفظ الأموال، وليس حقاً خاصاً لهذا الرجل؛ حتى نقول: إنه إذا طالب قطع وإلا فلا، بخلاف القصاص، فإذا لم يطالب لا يقطع.
مسألة: هل البصمات طريق رابع لمعرفة المجرم ؟
تعتبر قرينة وليست بينة قطعية، لأنه قد يكون الذي لمس الباب لمسه قبل السرقة أو بعدها، لكن لو قيل: ليس فيه بصمة سوى هذه، فيمكن أن نقول: حتى لو لم يوجد إلا هذه البصمة فإنه يوجد احتمال أن تكون قبل السرقة أو بعدها، وأن يكون السارق تحاشى أن يمس هذا الباب، بل مسه بحديدة وما أشبه ذلك.
(١) قوله «وَإِنْ وَهَبَهَا لِلسَّارِقِ، أَوْ بَاعَهُ إِيَّاهَا قَبْلَ ذلِكَ، سَقَطَ القَطْعُ»: أي إن وهب المسروق ما سرق منه للسارق أو قال المسروق للسارق بعنيه فباعه عليه سقط الحد وذلك أنه إذا باعه العين أو وهبها له قبل رفعه إلى=
стр. 2457
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ يَسْقُطْ (١)، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بَعْدَ الإِخْرَاجِ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ (٢)، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَجِبْ (٣)، وَإِذَا قُطِعَ، فَعَلَيْهِ رَدُّ المَسْرُوْقُ، إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيْمَتُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا (٤).
ــ
=الحاكم سقط القطع عنه، لأن المطالبة شرط لما سبق ولم يبق مطالب وإن كان البيع أو الهبة بعد أن رفعه إلى الحاكم لم يسقط القطع.
(١) قوله «وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ يَسْقُطْ» أي وإن كان ما وهبه له أو باعه عليه بعد رفعه للحاكم لم يسقط كما في حديث صفوان ابن أمية المتقدم.
(٢) قوله «وَإِنْ نَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ بَعْدَ الإِخْرَاجِ لَمْ يَسْقُطِ القَطْعُ»: أي وإن نقصت العين المسروقة بعد إخراجها من حرزها عن النصاب «وهو ربع دينار كما سبق» فإنه لا يسقط القطع، لأنه نقصان حدث في العين فلم يمنع القطع كما لو نقص باستعماله, وسواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده؛ لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ. فأما إن نقص قبل الإخراج فقد قال المؤلف ﵀.
(٣) قوله «وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَجِبْ»: أي فإن كان النقص الحاصل في العين المسروقة قبل إخراج هذه العين من حرزها لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله, وإن وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها لم يجب القطع للشك في شرط الوجوب ولأن الأصل عدمه.
(٤) قوله «وَإِذَا قُطِعَ، فَعَلَيْهِ رَدُّ المَسْرُوْقُ، إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ قِيْمَتُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا»: أي يجتمع القطع للسارق والضمان للمسروق، لأنهما حقان=
стр. 2458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=لمستحقين فجاز اجتماعهما، كالدية والكفارة في قتل الخطأ، فيرد ما أخذه لمالكه إن كان باقياً، لأنه عين ماله، وإن كان تالفا فعليه ضمانه.
стр. 2459
بابُ حَدِّ المُحَارِبِيْنَ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ حَدِّ المُحَارِبِيْنَ»: أي سيذكر المؤلف جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بحد المحاربين قطاع الطرق، وما جعله الله من العقوبة لهذه الجريمة.
والمحاربة في اللغة: مصدر حارب يحارب حرابة ومحاربة، واسم الفاعل محارب، مأخوذ من الحرب الذي هو نقيض السِّلم، ويأتي الحرب بمعنى القتل، وبمعنى المعصية، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، وتأتي بمعنى السلب، يقال: حَربَه بمعنى: سلب ماله وتركه بلا شيء (٢).
واصطلاحاً: المحاربة والحرابة وقطع الطريق بمعنى واحد، وهو تعرض المكلف الملتزم ذي الشوكة والقوة للمسلمين مع تعذر الغوث، في العراء أو البنيان أو البحر أو الجو، لأخذ مال محترم أو انتهاك فرج، مجاهرةً لا خفية.
وقولنا «تعرض المكلف الملتزم»: هذا يخرج تعرض الصبي والمجنون والحربي، فإنه لا يعتبر حرابة. =
стр. 2460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وقولنا «ذي الشوكة والقوة»: يخرج ما إذا كان التعرض صادراً ممن لا شوكة له ولا قوة، فإنه لا يعتبر محارباً، ولا ينقطع به السبيل.
وقولنا «مع تعذر الغوث»: يخرج ما إذا كان الغوث ممكناً والنجدة متيسرة فإنه لا يعتبر حرابة.
وقولنا «في العراء ... إلخ»: بيان مواضع الحرابة، وأنه لا يشترط كونها خارج العمران، على الصحيح من آراء العلماء، لعموم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ (١)، بل يدخل ما ذكر، وقد أشار البهوتي في شرحه على «الزاد» (٢) إلى ذكر البحر وإعطائه حكم الحرابة، أما الجو فلم يذكروه، لأن الطائرات لم تكن موجودة في زمانهم، لكن لها حكم ما ذكر، فإن الاعتداء على ركاب وملاحي الطائرات المدنية وتهديدهم بالسلاح لقطع الرحلات الجوية أو الاتجاه قهراً إلى بلدٍ ما يُعَدُّ من قطع الطريق والإفساد في الأرض، لاسيما إذا وقع في ديار المسلمين.
وقولنا «لأخذ مال محترم»: يخرج غير المحترم، كالخمر ونحوه.
وقولنا «أو انتهاك فرج»: يفيد أن الحرابة كما تكون لأخذ مال تكون للاعتداء على الفروج المحرمة.
وقولنا «مجاهرة لا خفية»: لإخراج السرقة، وسميت هذه الجريمة حرابة ومحاربة لما فيها من سلب الأموال أو الأرواح ولما فيها من مخالفةٍ وعصيانٍ =
стр. 2461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=لأمر الله تعالى، وبعض الفقهاء يسميها: قَطْعَ الطريق، وبعضهم بالمحاربين، وهذا أحسن لأمرين: الأول: أن هذا اللفظ مطابق لما ورد في القرآن الكريم.
الثانِي: أنه أعم من غيره وأدل على المراد حيث يشمل جميع الصور.
والأصل في جريمة الحرابة وعقوبتها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، فهذه أربعة أنواع من العقوبات اشتملت عليها الآيات في المحارب:
١ - النفي.
٢ - القطع.
٣ - القتل.
٤ - القتل والصَّلب.
وظاهر الآية الكريمة لا يدل على هذا التقسيم، لأن الحرف ﴿أوْ﴾ أصله للتخيير، لكنَّ القائلين بذلك يرون أن الآية فيها قيود مقدرة، والمعنى: أن يقتلوا إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا أحداً، أو ينفوا من الأرض إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً، وهذا قول الجمهور من الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٥) واستدلوا بما ورد عن=
стр. 2462
وَهُمُ الَّذِيْنَ يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ فِيْ الصَّحْرَاءِ جَهْرَةً؛ لِيَأْخُذُوْا أَمْوَالَهُمْ (١)،
ــ
= ابن عباس ﵁ أنه قال في قُطَّاعِ الطريق: «إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا المَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا وَإذَا قَتَلُوا وَلَمْ يأخُذُوا المَال قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا, وإِذَا أَخَذُوا المَال وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ، وإِذَا أَخَافُوا السَّبِيل وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالاً نُفوا مِن الأَرض» (١)، قالوا: فتكون ﴿أَوْ﴾ في الآية للتنويع والتفصيل، فتُنوع العقوبة على حسب الجريمة، ولكن هذا التفسير عن ابن عباس ضعيف جداً.
وقالت المالكية (٢): إن تعدد العقوبات هنا يقصد به التخيير، وأن الإمام مخير، فيجتهد في اختيار العقوبة الملائمة للجريمة، ما لم يقتل المحارب، فإن قتل فلابد من قتله، وعند هؤلاء تعزير في الآية، لأن القول بزيادة القيود على ظاهر القرآن يحتاج إلى نص من كتاب أو سنة.
قلت: والراجح عندي هو قول المالكية، وسيأتي زيادة تفصيل في هذه المسألة قريباً إن شاء الله.
(١) قوله «وَهُمُ الَّذِيْنَ يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ فِيْ الصَّحْرَاءِ جَهْرَةً؛ لِيَأْخُذُوْا أَمْوَالَهُمْ»: هذا وصف للمحاربين، فهم موصوفون بأوصاف ثلاثة:
الأول «يَعْرِضُوْنَ لِلنَّاسِ»: أي أن يكون معهم سلاح فان لم يكن معهم سلاح فليسوا محاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم، فان عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون. =
стр. 2463
فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَدُفِعَ إِلى أَهْلِهِ (١)،
ــ
= وقوله «فِيْ الصَّحْرَاءِ»: هذا قيد آخر، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء، ولأن من في المصر يلحق به الغوث غالباً فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه.
والصواب كما سبق: أنه لا يشترط كونها في الصحراء، على الصحيح من آراء العلماء، لكنهم أكثر ما يكونون في الصحراء؛ لأن البنيان فيها من يحمي الناس، وفيها أناس كثيرون يمنعون فساد هؤلاء، فأكثر ما يكونون في الصحراء، وأكثر ما يكونون أيضاً في الصحراء غير المسلوكة.
وقوله «جَهْرَةً»: هذا هو القيد الثالث، أي أن يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهراً، فأما إن أخذوه مختفين فهم سُرَّاق، وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم، وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئاً فليسوا بمحاربين لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وان خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق.
(١) قوله «فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَدُفِعَ إِلى أَهْلِهِ»: شرع المؤلف ببيان الحكم الشرعي للمحاربين، وهم على أصناف، ولذا كان الحكم في حقهم يختلف من صنف لأخر.
وهذا هو الصنف الأول وهم من جمعوا بين القتل وأخذ المال فهنا يجمع لهم بين العقوبتين، وهما: القتل، والصلب، فيصلب بعد القتل، أي: نربطه على خشبة لها يدان معترضتان، وعود قائم، فنقيمه عليها، =
стр. 2464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= ونربطه، ونربط يديه على الخشبتين المعروضتين.
وقوله «حَتَّى يَشْتَهِرَ»: أي حتى يتضح أمره.
وهل يقتل أولاً ثم يصلب أم العكس؟
نقول ظاهر كلام المؤلف بل صحيحه أنه يقتل قبل الصلب.
والقول الثاني: أنه يصلب قبل القتل. والذي نراه أنه ينظر في هذا إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن المصلحة أن يصلب قبل أن يقتل فعل.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: لم يذكر المؤلف هنا أي آلة يقتل بها:
والصواب أنه يقتل بما يكون أسهل؛ لقول النبي ﷺ : «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَة» (١)، وليس هذا كالزاني إذا كان محصناً يرجم، بل المقصود بهذا إتلافه.
فإذا دار الأمر بين أن نقتله بالسيف، أو نقتله بالصعق بالكهرباء، فالسيف أولى من جهة أنه لا يصيب الإنسان بالصدمة القوية التي تقضي عليه، والصعق بالكهرباء أولى من جهة؛ لأنه أسرع.
وهنا ينبغي أن نرجع إلى الأطباء، فإذا قالوا: إن قتله بالصعق أسهل وأكثر راحة فعلنا، وهو أيضاً بالنسبة للصلب أقل ترويعاً؛ لأن ذاك لو قتل بالسيف فستصيبه الدماء، ويتروع الناس بمجرد رؤيته، بخلاف ما إذا قتل بالصعق فإنه يكون كالميت ميتة طبيعية.
стр. 2465
وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ، قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ (١)،
ــ
- الفائدة الثانية: هل يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين ؟
نعم؛ يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، وندفنه في مقابر المسلمين، إلا على رأي طائفتين مبتدعتين، وهما الخوارج الذين يقولون: إن فاعل الكبيرة يكفر ما لم يتب، والمعتزلة الذين يقولون: إنه مخلد في النار، فإن الصلاة عليه غير ممكنة؛ لأن المقصود بالصلاة عليه الدعاء له، وعندهم لا يجوز الدعاء لمثل هذا؛ لأنه لن يُرحم، فهو في النار (١).
- الفائدة الثالثة: هل يجوز أن يعطى السارق وقاطع الطريق عند قطع أعضائه مادة مخدرة لتخفيف الألم أو منع الشعور به؟
نقول: نعم يجوز ذلك لأن المقصود إتلاف العضو وليس الألم بخلاف من وجب عليه القصاص فإنه لا يجوز أن نبنجه، لأنه قصاص فيجب أن ينال من الألم مثل ما نال المجني عليه.
(١) قوله «وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ، قُتِلَ وَلَمْ يُصْلَبْ»: هذا هو الحكم الثاني للصنف الثاني من المحاربين، وهم من قتل ولم يأخذ المال، فإنه يقتل ولا يصلب. و هل لأولياء المقتول أن يعفوا عنهم ؟
نقول ليس فيه خيار لأولياء المقتول، لأن القتل هنا ليس قصاصاً، بل هو حد، فإذا لم يكن قصاصاً، بل كان حداً فإنه يتحتم قتله، لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ (٢).
стр. 2466
وَمَنْ أَخَذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى وَرِجْلُهُ اليُسْراى فِيْ مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا (١)، وَلا يُقْطَعُ إِلاَّ مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ بِهِ (٢)، وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيْلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلا أَخَذَ مَالاً، نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَمَنْ أَخَذَ المالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى وَرِجْلُهُ اليُسْراى فِيْ مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا»: هذا هو الصنف الثالث من أصناف المحاربين، وهو أن يأخذ مالاً، ولم يقتل، فعقوبته أن يُقَطَّعَ من خلاف، فتقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى، لقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ (١).
(٢) قوله «وَلا يُقْطَعُ إِلاَّ مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ بِهِ»: أي إنما يقام حد الحرابة عليهم إن أخذ كل واحد منهم من المال قدر ما يقطع به السارق، وهو على المذهب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عرض قيمته كأحدهما، والقول الثاني: أن النصاب ربع دينار؛ لحديث عائشة ﵂: «لا قَطْعَ إِلا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (٢)، وهذا هو الصحيح، فإذا أخذوا مالاً يبلغ نصاب قطع السرقة فإنهم تقطع أيديهم لأخذ المال، وأرجلهم لقطع الطريق؛ لأنهم يأخذون باليد ويمشون بالرِّجل.
(٣) قوله «وَمَنْ أَخَافَ السَّبِيْلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلا أَخَذَ مَالاً، نُفِيَ مِنَ الأَرْضِ»: هذا هو الصنف الرابع من أصناف المحاربين وهم من أخاف السبيل، ولم يقتل ولم يأخذ مالاً فإنه يُنفى من الأرض، فلا يترك يأوي إلى بلد، وهذا=
стр. 2467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قول الحنابلة (١)، لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾.
وظاهر اللفظ أن النفي معناه: الطرد والإبعاد، والنفي من الأرض يقتضي النفي من جميعها، فلا يترك يأوي إلى بلد.
والقول الثانِي: أن النفي هو السَّجْنُ، وهو قول الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن أحمد (٤).
والقول الثالث: أنه ينفى إلى بلد آخر ويُسجن فيه، وهذا قول لمالك (٥)، واختاره ابن جرير (٦)، والشنقيطي (٧).
فإن كانوا جماعة نُفُوا مفرقين، ولا يزال منفياً حتى تظهر توبته، على الصحيح من المذهب.
إلا إن كان شرهم لا يندفع بتشريدهم فيتوجه القول بالحبس على القول الثانِي في تفسير النفي (٨)، لأن المقصود دفع شرهم، وهذا هو الصواب.
стр. 2468
وَمَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُوْدُ اللهِ، وَأُخِذَ بِحُقُوْقِ الآدَمِيِّيْنَ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا (١)،
ــ
(١) قوله «وَمَنْ تَابَ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُوْدُ اللهِ، وَأُخِذَ بِحُقُوْقِ الآدَمِيِّيْنَ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا»: أي فإن تاب المحارب قبل الظفر به والقدرة عليه سقط عنه ما وجب من الحد لحرابته، وهذا أمر مجمع عليه (١)، لقوله تعالى: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، فختم الآية باسمين كريمين يدلان على العفو والمغفرة، فيسقط عنه تحتم القتل والصلب والنفي.
أما ما يتعلق بحق الآدمي فلا يسقط، بل يبقى مسئولاً عنه، فإن كان أخذ مالاً فعليه رده، وإن كان قَتَلَ أو جَرَحَ فعليه القصاص أو الدية، وتتحقق توبته على الراجح بتركه ما كان عليه من الحرابة وإتيانه إلى الإمام طائعاً مختاراً ملقياً سلاحه قبل القدرة عليه، أما إذا تاب المحارب بعد القدرة عليه فإنه لا يسقط عنه شيء من الحدود، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجب الحد على المحاربين وذكر عقوبتهم، ثم استثنى التائبين قبل القدرة عليهم، فيبقى من عداهم على العموم، ولأن توبته قبل القدرة عليه لا تهمة فيها، أما بعد القدرة فالظاهر أنها تُقية من إقامة الحد عليه (٤).
стр. 2469
فَصْلٌ فِيْ دَفْعِ الصَّائِلِ (١)
وَمَنْ عُرِضَ لَهُ مَنْ يُرِيْدُ نَفْسَهُ، أَوْ مَالَهُ، أَوْ حَرِيْمَهُ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ سِلاحًا، أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَهُ دَفْعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ (٢)، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ (٣)،
ــ
(١) قوله «فَصْلٌ فِيْ دَفْعِ الصَّائِلِ»: الصائل: اسم فاعل من صال يصول صولاً: إذا سطا ووثب، فالصائل على شيء: القاصد الوثوب عليه.
والمراد هنا: من سطا عادياً على غيره يريد نفسه أو عرضه أو ماله، سواءً كان الصائل آدمياً أو بهيمةً.
(٢) قوله «وَمَنْ عُرِضَ لَهُ مَنْ يُرِيْدُ نَفْسَهُ، أَوْ مَالَهُ، أَوْ حَرِيْمَهُ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ سِلاحًا، أَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَهُ دَفْعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ»: أي من سطا على غيره يريد نفسه أو عِرْضه أو ماله، أو يريد نساءه، كأمه وبنته وأخته وزوجته، أو حمل عليه سلاحاً أو دخل بيته من غير إذنه يريد ماله سواءً كان الصائل آدمياً أو بهيمةً، فله دفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإذا اندفع بالتهديد فلا يضربه، وإن كان لا يندفع إلا بالضرب ضربه بيده، ثم بعصا، ومتى أمكن الأسهل حرم الأصعب، كضربه بحديدة، لعدم الحاجة إليه وقد سبق الإشارة إلى ذلك في كتاب الجنايات.
(٣) قوله «فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، فَلَهُ قَتْلُهُ، وَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»: أي فإن لم يندفع الصائل إلا بالقتل فقتله فلا ضمان، والدليل على هذا حديث أَبي هريرة ﵁ قال «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي قَالَ «فَلا تُعْطِهِ مَالَكَ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ =
стр. 2470
وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ (١)،
ــ
=قَاتَلَنِي قَالَ «قَاتِلْهُ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِ قَالَ «فَأَنْتَ شَهِيدٌ». قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ قَالَ «هُوَ فِى النَّارِ» (١).
وكون القاتل لا ضمان عليه لأن الصائل معتدٍ ظالم، والمعتدي الظالم لا ضمان فيه؛ ولأن العدوان حصل من الصائل فهو الذي قتل نفسه في الحقيقة فلا ضمان على القاتل، ولكن يجب أن يدافعه كما سبق بالأسهل فالأسهل، فإذا اندفع بالتهديد فلا يضربه، وإذا اندفع بالضرب الخفيف فلا يضربه ضرباً شديداً، وإذا اندفع بالضرب الشديد فلا يقتله، وإذا لم يندفع إلا بالقتل فله قتله.
- فائدة: إذا ادعى أولياء المقتول أنه لم يَصُلْ على هذا الرجل، وأن هذا الرجل هو الذي اعتدى عليه وقتله ثم ادعى أنه صائل، فهنا يجب أن يُنظر للقرائن في القاتل والمقتول، فإذا كان القاتل ممن عُرِف بالصلاح والاستقامة وأنه لا يمكن أن يعتدي على أحد بالقتل، وَعُرِف الصائل بالشر والفساد والهجوم على الناس، فالقول قول القاتل لكن بيمينه ولا حاجة لبينة.
(١) قوله «وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ، فَهُوَ شَهِيْدٌ، وَعَلى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ»: أي إن قُتل من يدافع عن نفسه، أو عرضه، أو ماله، أو نسائه فهو شهيد لحديث أبي هريرة المتقدم، وعلى الصائل ضمانه لكونه ظالم بقتله.
стр. 2471
وَمَنْ صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيْمَةٌ، فَلَهُ دَفْعُهَا بِمِثْلِ ذلِكَ، وَلا ضَمَانَ فِيْهَا (١)، وَمَنِ اطَّلَعَ فِيْ دَارِ إِنْسَانٍ، أَوْ بَيْتِهِ مِنْ خَصَائِصِ البَابِ أَوْ نَحْوِهِ، فَحَذَفَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَمَنْ صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيْمَةٌ، فَلَهُ دَفْعُهَا بِمِثْلِ ذلِكَ، وَلا ضَمَانَ فِيْهَا»: أي وإن صالت عليه بهيمة فله دفعها بأسهل ما تندفع به فإن لم يمكن إلا بالقتل فقتلها لم يضمنها لأنه إتلاف بدفع جائز فلم يضمنه كدفع الآدمي الصائل ولأنه حيوان قتله لدفع شره أشبه الآدمي، وقال أبو حنيفة (١) عليه ضمانها لأنه أتلف مال غيره لإحياء نفسه فكان عليه ضمانه كالمضطر إلى طعام غيره.
والصواب القول الأول، وهو قول الجمهور (٢) لأنه قتله بالدفع الجائز، فلم يضمنه، كالعبد، ولأنه حيوان، جاز إتلافه فلم يضمنه، كالآدمي المكلف، ولأنه قتله لدفع شره، فأشبه العبد، وذلك لأنه إذا قتله لدفع شره، كان الصائل هو القاتل لنفسه، فأشبه ما لو نصب حربة في طريقه، فقذف نفسه عليها، فمات بها.
(٢) قوله «وَمَنِ اطَّلَعَ فِيْ دَارِ إِنْسَانٍ، أَوْ بَيْتِهِ مِنْ خَصَائِصِ البَابِ أَوْ نَحْوِهِ، فَحَذَفَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ، فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»: وجملة ذلك أن من نظر في بيت رجل من خصاص باب أو نافذة أو من فوق سطح، إنسان من ثقب أو شق باب أو نحوه فرماه صاحب الدار بحصاة أو طعنه بعود فقلع=
стр. 2472
وَإِنْ عَضَّ إِنْسَانٌ يَدَهُ فَانْتَزَعَ فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا (١)،
ــ
=عينه لم يكن عليه جناح ولا يضمنها، وبه قال الشافعي (١).
وقال أبو حنيفة (٢) يضمنها لأنه لو دخل منزله ونظر فيه أو نال من امرأته ما دون الفرج لم يجز قلع عينه، فبمجرد النظر أولى.
والصواب القول الأول لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «لَوْ أَنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِعَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ» (٣).
وعن سهل بن سعد أن رجلاً اطلع من جحر في باب النبي ﷺ يحك رأسه بمدرى في يده، فقال النبي ﷺ «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهَا فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ قِبَلِ الأَبْصَارِ» (٤).
قلت: وهذا هو عدل الإسلام، وحفاظه على سلامة المجتمع، وانتظام مصالحه؛ لتعمر البلاد، ويأمن العباد، على أرواحهم وأُسرهم، ومحارمهم.
(١) قوله «وَإِنْ عَضَّ إِنْسَانٌ يَدَهُ فَانْتَزَعَ فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ، فَلا ضَمَانَ فِيْهَا»: وذلك لحديث عمران بن حصين أن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ لا دِيَةَ لَكَ» (٥)، ولأنه عضو تلف ضرورة لدفع شر =
стр. 2473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=صاحبه فلم يضمن كما لو صال عليه فلم يمكنه دفعه ألا بقطع عضوه.
إلا أن يكون العض مباحاً له مثل أن يمسكه في موضع يتضرر بإمساكه أو يعصر يده بما لا يقدر على التخلص من ضرره إلا بعضه فيعضه فما سقط من أسنانه ضمنه لأنه معتد.
وكذلك لو عض أحدهما يد الآخر ولم يمكن المعضوض تخليص يده إلا بعضه فله عضه ويضمن الظالم منهما ما تلف من المظلوم وما تلف من الظالم كان هدراً.
وكذلك الحكم فيما إذا عضه في غير يده أو عمل به عملاً غير العض أفضى إلى تلف شيء من الفاعل لم يضمنه.
стр. 2474
بابُ قِتالِ أَهْلِ البَغْيِ (١)
ــ
(١) قوله «بابُ قِتالِ أَهْلِ البَغْيِ»: البغي أصله الاعتداء، ومجاوزة الحد والعلو والاستطالة، يقال: «بغى» إذا طغى وجاوز الحد في أذية الناس وأذية الغير، وبغى على فلان إذا استطال عليه.
سموا بغاة لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين، والأصل في قتالهم قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١)، ولحديث «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَ عَصَاكُمْ وَيُفَرِقَ جَمَاعَتِكُمْ فَاقْتُلُوه» (٢).
وعن ابن عباس مرفوعاً «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلاَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (٣).
وقوله ﵀ «أَهْلِ البَغْيِ»: البغاة كما سيذكر المؤلف هم الخارجون عن إمام المسلمين وجماعته، و الخروج على الإمام وجماعة المسلمين له صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون الخروج بدون تأويل سائغ ، بمعنى أنه لا يكون هناك شبهة ولا تأويل، فهو خروج المحاربين، وقد بيَّنَّاه وانتهينا من أحكامه فيما مضى.
стр. 2475
وَهُمُ: الخَارِجُوْنَ عَلى الإِمَامِ (١)،
ــ
=و الصورة الثانية: أن يكون الخروج بتأويل وشبهة ، وهذا هو مراد المؤلف هنا فلما انتهى من بيان حكم الحرابة شرع في بيان قتال أهل البغي، والمناسبة من هذا الوجه واضحة، حيث يجتمع البابان في حكم الخروج، فينفرد الباب الأول بأنه خروج من دون تأويل، والباب الثاني بأنه خروج بتأويل وشبهة.
(١) قوله «وَهُمُ: الخَارِجُوْنَ عَلى الإِمَامِ»: هذا وصف لأهل البغي، فالبغاة لهم ضوابط ذكرها العلماء: وهم القوم الخارجون على الإمام وجماعة المسلمين، ولهم شوكة ومنعة بتأويل وشبهة.
هذه أهم المعالم التي ينبغي توفرها للحكم على من خرج بكونهم بغاة وآخذين حكم أهل البغي.
فقد ذكر العلماء لهم أربعة شروط:
الشرط الأول: الخروج على الإمام وجماعة المسلمين .
الشرط الثاني: أن يكونوا قوماً وجماعة ذات عدد على تفصيل عند العلماء ﵏ في هذا الموضع.
الشرط الثالث: أن تكون لهم شوكة ومنعة لتحقق البغي ، وأصل الشوكة: شدة البأس وقوة السلاح، والمراد: أن لهم كثرة أو قوة ولو بحصن، بحيث يمكن معها مقاومة الإمام.
الشرط الرابع: أن يكون عندهم تأويل سائغ ، أو كما يقول بعض العلماء: عندهم شبهة.
стр. 2476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وقولنا: «أن يكون عندهم تأويل سائغ» هذا شرط لتحقق البغي، وهو أن يكون لهم تأويل يعتقدون به جواز الخروج على الإمام، والمراد: به الشبهة التي يحتجون بها ويظنونها تسوغ لهم الخروج على الإمام، وهي ليست كذلك، ويمثل لذلك بعض أهل العلم بتأويل الخارجين من أهل الجمل وصِفِّين على عليٍّ ﵁ بأنه يعرف قَتَلَةَ عثمان ﵁ ويقدر عليهم ولا يقتص منهم (١).
ومن أمثلة شبههم وتأويلاتهم أو تأويلهم السائغ: أن يقع من الإمام ظلم وعدوان، أو يُقصِّر في تنفيذ شرع الله، أو يوالي أعداء الإسلام، أو يترك أهل الفساد يعيثون في الأرض بفسادهم، ونحو ذلك مما أوردوه أهل العلم في شبههم التي جرَّت البلاد إلى فتنة كشفها الله تعالى (٢).
فإن لم يكن لهم تأويل، أو لهم تأويل غير سائغ فهم قطاع طريق وليسوا بغاة على قول الحنفية (٣)، والحنابلة (٤).
ويرى الشافعية (٥) أن حكمهم حكم غيرهم من أهل العدل، ويحاسبون على ما يأتون من أفعال، فإن فعلوا جريمة الحرابة عوقبوا على الحرابة، وإن فعلوا جرائم أخرى عوقبوا عليها.
стр. 2477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشرط الثالث: أن يكونوا جماعة، ويؤخذ من قول المصنف «ولَهُمْ» أنهم لابد أن يكونوا جماعة.
فإذا قام مجموعة من الناس على هذا الصفات فهم بغاة على الإمام، ومتى اختل شرط من ذلك بأن لم يكن خروجهم بتأويل أو بتأويل غير سائغ، أو كانوا جمعاً يسيراً لا شوكة لهم فليسوا بغاة، كما تقدم.
وظاهر كلامه «عَلى الإِمَامِ» أي ولو كان الإمام غير عدل، كأن يكون ظالماً أو جائراً ما لم يحدث كفراً، وهذا قول الشافعية (١)، وجمهور الحنابلة (٢)، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: «مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بَرٌّ، أو يُستراح من فاجر» (٣)، وقال أيضاً: « .. لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ما يحصل بذلك من فعل المنكرات، وترك واجبٍ أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب» (٤)، وهذا هو الصواب لوجود أدلة تؤيده، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٥)، فإن الآية الكريمة دلت على وجوب طاعة ولي الأمر، ولم تشترط عدالته، وهذا دليل على عدم جواز الخروج عليه وإن كان جائراً، ما لم يرتكب كفراً =
стр. 2478
يُرِيْدُوْنَ إِزَالَتَهُ عَنْ مَنْصِبِهِ (١)، فَعَلَى المُسْلِمِيْنَ مَعُوْنَةُ إِمَامِهِمْ فِيْ دَفْعِهِمْ بِأَسْهَلِ مَايَنْدَفِعُوْنَ بِهِ (٢)،
ــ
= صريحاً لا شبهة فيه، أو يعطل شعائر الدين من إقامة الصلاة، والحكم بشريعة الله، وعلى الرعية مناصحته بالحكمة والموعظة الحسنة، والدعاء له بالهداية والتوفيق.
(١) قوله «يُرِيْدُوْنَ إِزَالَتَهُ عَنْ مَنْصِبِهِ»: هذا هو غاية خروجهم على الإمام فمن خرج على الإمام يريد إزالته، عن منصبه، فهو باغي، مثل الخوارج الذين خرجوا عن طاعة علي ﵁.
(٢) قوله «فَعَلَى المُسْلِمِيْنَ مَعُوْنَةُ إِمَامِهِمْ فِيْ دَفْعِهِمْ بِأَسْهَلِ مَا يَنْدَفِعُوْنَ بِهِ»: أي ويجب على رعية الإمام مساعدته وتأييده على قتال البغاة، وذلك لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على قتال مانعي الزكاة، وَقَاتَلَ عليٌّ ﵁ أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام يوم صفين، وأهل النهروان (١).
ومما يدل على أن الرعية تكون عوناً لإمامهم في مقاتلة أهل البغي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢)، ولحديث عبادة ﵁ قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ الله ﷺ عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ» (٣)، والإمام قائم مقامه فوجب أن يعطى حكمه.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجوب التفريق بين أهل التأويل =
стр. 2479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= السائغ والمارقين من الدين من الخوارج والمرتدين ونحوهم، وأن الشريعة إنما جاءت بطلب قتال الفئة الأخيرة، كما فعل الصديق ﵁ مع المرتدين ومانعي الزكاة، وعليٌّ ﵁ مع الخوارج. أما الفئة الأولى فليس في النصوص أمر بقتالها، ومن قال بوجوب قتالها فهو مجرد تقليد، بل تعصب، والموقف حينئذ من أولئك الخارجين يتركز في الإصلاح، كما دل عليه القرآن، فإن بدأت بالقتال قوتلت وإلا فلا.» (١).
- فائدة: هل قتال الخوارج كقتال البغاة أم لا ؟ قولان لأهل العلم:
فالمشهور في مذهب أحمد (٢)، كما سيذكره المؤلف أن قتال الخوارج كقتال البغاة فلا يجهز على جريحهم، ولا يطلب دم فارِّهم، ولا يسلب قتيلهم.
القول الثاني: في المذهب أنه ليس لهم هذا الحكم، بل يجهز على جريحهم، ويسلب قتيلهم، ويتبع فارهم، ويطلب دمة.
وبعض أهل العلم يرجع هذه المسألة إلى الحكم بتكفيرهم، هل يكفرون أم لا؟ لكن الذي عليه نصوص أحمد (٣)، وهو المشهور عنه أنهم لا يكفرون، وهو قول علي، وهو أعظم من قاتل الخوارج؛ فإنه لما سئل أكفارٌ هُم قال: «من الكفر فروا»، وهناك رواية عن الإمام أحمد في التكفير.
стр. 2480
فَإِنْ آلَ إِلى قَتْلِهِمْ، أَوْ تَلَفِ مَالِهِمْ، فَلا شَيْءَ عَلى الدَّافِعِ (١)، وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ كَانَ شَهِيْدًا (٢)، وَلا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ (٣)، وَلا يُجَازُ عَلى جَرِيْحٍ (٤)،
ــ
=لكن الذي يظهر أن هذه المسألة لا تنبني على مسألة تكفيرهم وإنما ينبني على أن الخوارج يستبيحون دماء المسلمين وأموالهم وتكفيرهم بالمعاصي، وأما البغاة فليسوا كذلك، ولذا فقد فرَّق بينهم بعض أهل العلم كما تقدم.
(١) قوله «فَإِنْ آلَ إِلى قَتْلِهِمْ، أَوْ تَلَفِ مَالِهِمْ، فَلا شَيْءَ عَلى الدَّافِعِ»: أي فمن عاون الإمام على قتالهم فلا إثم ولا ضمان عليه فيمن قتل منهم لأنه فعل ما أمر به وقتل من أحل الله قتله, وكذلك ما أتلفه من أموالهم حال الحرب لا يضمنه لأنهم إذا لم يضمنوا الأنفس فالأموال أولى.
(٢) قوله «وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ كَانَ شَهِيْدًا»: لأنه قتل في قتال أمره الله تعالى به بقوله سبحانه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (١).
(٣) قوله «وَلا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ»: أي لا يقاتل مدبرهم، والمدبر: من ولى دبره وهرب، لأن شرط حِلِّ قتالهم كونهم مقاتلين، والجريح تمنعه جراحته عن القتال، والمدبر تارك للقتال فلا يقاتل.
(٤) قوله «وَلا يُجَازُ عَلى جَرِيْحٍ»: أي لا يقتل، يقال: أجاز عليه، أي قتله، لأن المقصود دفعهم وكفهم، وقد حصل فلم يجز قتلهم كالصائل، ولا يقتلون لما يخاف في ثاني الحال كما لو لم تكن لهم فئة، فعلى هذا إذا قتل إنساناً منع من قتله ضمنه لأنه قتل معصوماً لم يؤمر بقتله ويجب عليه=
стр. 2481
وَلا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ (١)، وَلا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ (٢)، وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ (٣)،
ــ
=القصاص في أحد الوجهين لأنه قتل مكافئا معصوماً.
والثاني: لا يجب لأن في قتلهم اختلافاً بين الأئمة فكان ذلك شبهة دارئة للقصاص لأنه مما يندرئ بالشبهات.
(١) قوله «وَلا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ»: أي ولا يجوز أخذ مال البغاة، لأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمةُ أموالهم تابعة لعصمة دينهم، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١). قال الشافعي: «الآية تدل على أنه إنما أبيح قتالهم في حال، وليس في ذلك إباحة أموالهم ولا شيء منها» (٢).
(٢) قوله «وَلا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ»: السبي: هو الأخذ، يقال: سَبَى يَسبِي سَبيَاً وسباء، إذا أَخَذَ، والمراد بالذُّريَّة: النساء والصبيان، فهؤلاء لا يجوز سبيهم، وذلك لأنه لم يحصل منهم سبب يقتضي سبيهم، بخلاف آبائهم فإنه قد وجد منهم البغي والقتال، ولأن قتال البغاة إنما هو لدفعهم وردهم إلى الحق لا لكفرهم فلا يستباح منهم إلا ما حصل ضرورة الدفع كالصائل وقاطع الطريق ويبقى حكم المال والذرية على أصل العصمة.
(٣) قوله «وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ»: لأنهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشهادة، فيصلى عليهم، ويغسلون كما لو لم يكن لهم فئة، فإن المخالف يسلم في هذه الصورة.
стр. 2482
وَلا ضَمَانَ عَلى أَحَدِ الفَرِيْقَيْنِ فِيْمَا أَتْلَفَ حَالَ الحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ (١)،
ــ
=وهذه المسألة على روايتين في المذهب (١): الأولى: لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه شهيد معركة أمر بالقتال فيها فأشبه شهيد معركة الكفار.
الثانية: ما ذكرها المؤلف أي أنه يغسل ويصلى عليه لأن النبي ﷺ أمر بالصلاة على من قال لا إله إلا الله، واستثنى قتيل الكفار في المعركة ففيما عداه يبقى على الأصل، ولأن شهيد معركة الكفار أجره أعظم وفضله أكثر، وقد جاء أنه يشفع في سبعين من أهل بيته، وهذا لا يلحق به في فضله، فلا يثبت فيه مثل حكمه لأن الشيء إنما يقاس على مثله، وهذا هو الراجح عندي.
(١) قوله «وَلا ضَمَانَ عَلى أَحَدِ الفَرِيْقَيْنِ فِيْمَا أَتْلَفَ حَالَ الحَرْبِ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ»: سبق أن ذكرنا أن الدافع وهم من قاتلوا مع الإمام لا يضمنون ما أتلفوه، أما أهل البغي فهل حكمهم كحكم أهل الدفع أي أنهم لا يضمنون ما أتلفوه حال الحرب، فالذي ذكره المؤلف أنه ليس على أهل البغي أيضاً ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس ولا مال، وعن أحمد رواية ثانية أنهم يضمنون لقول أبي بكر ﵁ لأهل الردة: «تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم»، ولأنها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حق ولا ضرورة دفع مباح فوجب ضمانه كالذي تلف في غير حال الحرب.
قلت: والصواب عندي هو ما ذهب إليه المؤلف، أي أنهم لا يضمنون وهو اختيار الموفق ﵀ (٢).
стр. 2483
وَمَا أَخَذَ البُغَاةُ حَال امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، أَوْ خَرَاجٍ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ (١)، وَلا عَلى الدَّافِعِ إِلَيْهِمْ (٢)، وَلا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إِلاَّ مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ (٣)،
ــ
(١) قوله «وَمَا أَخَذَ البُغَاةُ حَال امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، أَوْ خَرَاجٍ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ»: أي إذا غلب أهل البغي على بلد فجبوا الخراج والزكاة والجزية وأقاموا الحدود وقع ذلك موقعه، فإذا ظهر أهل العدل بعد على البلد وظفروا بأهل البغي لم يطالبوا بشيء مما جبوه ولم يرجع به على من أخذ منه.
وقال بعض أهل العلم: على من أخذوا منه الزكاة الإعادة لأن أخذها ممن لا ولاية له صحيحة فأشبه ما لو أخذها آحاد الرعية.
والصواب: القول الأول لأن هذا هو ما فعله علي ﵁ لما ظهر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبوه، ولأن في ترك الاحتساب بها ضرراً عظيماً ومشقة كبيرة، فإنهم قد يغلبون على البلاد السنين الكثيرة فلو لم يحتسب بما أخذوه لحصل الضرر.
(٢) قوله «وَلا عَلى الدَّافِعِ إِلَيْهِمْ»: أي وكذلك يكون الحكم في الدافع إليهم.
(٣) قوله «وَلا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إِلاَّ مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ»: أي: إذا نصب أهل البغي قاضياً يصلح للقضاء، فهو كقاضي أهل العدل ينفذ من أحكامه ما ينفذ من أحكام قاضي أهل العدل، ويرد منه ما يرد، فإن كان ممن يستحل دماء أهل العدل وأموالهم لم يجز قضاؤه، لأنه ليس بعدل.
стр. 2484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وقال أبو حنيفة (١) لا يجوز قضاؤه بحال لأن أهل البغي يفسقون ببغيهم، والفسق ينافي القضاء.
والصواب: ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن هذا اختلاف في الفروع بتأويل سائغ فلم يمنع صحة القضاء ولم يفسق به كاختلاف الفقهاء.
إذا ثبت هذا فإنه إذا حكم بما لا يخالف نصاً ولا إجماعاً نفذ حكمه، وإن خالف ذلك نقض حكمه كقاضي أهل العدل، فإن حكم بسقوط الضمان على أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب جاز حكمه لأنه موضع اجتهاد، وإن كان حكمه فيما أتلفوه قبل قيام الحرب لم ينفذ لأنه مخالف للإجماع، وإن حكم على أهل العدل بوجوب الضمان فيما أتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للإجماع، وإن حكم بوجوب ضمان ما أتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه، وإن كتب قاضيهم إلى قاضي أهل العدل جاز قبول كتابه لأنه قاض ثابت القضايا نافذ الأحكام، وقيل لا يقبله كسراً لقلوبهم.
стр. 2485
بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ (١)
وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَجَبَ قَتْلُهُ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ» (٢)،
ــ
(١) قوله «بابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ»: المرتد لغة: هو الراجع.
أما في الاصطلاح: فهو الذي يكفر بعد إسلامه.
والردة: هي الرجوع من الإسلام إلى الكفر طوعاً؛ بقول كفرٍ، أو فعلٍ، أو اعتقادٍ، أو شَكٍّ فيما عُلم من الدين بالضرورة ولو هازلاً.
(٢) قوله «وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَجَبَ قَتْلُهُ، لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ» (١) أي: فمن كفر بالله تعالى فهو مرتد، سواء كان رجلاً أو امرأة، سواء كانت هذه الردة باعتقاد الكفر، كأن ينكر وجود الله تعالى، أو ينكر وحدانيته، أو بقول: كأن يقول إن الله ثالث ثلاثة، أو بفعل كأن يسجد للصنم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الكفر عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب، بل شك وريب، أو إعراض عن هذا كله، حسداً، أو كبراً، أو إتباعاً لبعض الأهواء الصارفة عن إتباع الرسالة، وإن كان المكذب أعظم كفراً» (٢).
والردة: تكون بالاعتقاد، وبالقول، وبالفعل، وبالترك.
هذه أربعة أنواع للردة، بالاعتقاد كأن يعتقد ما يقتضي الكفر وظاهره الإسلام، مثل حال المنافقين، وتكون بالقول كالاستهزاء بالله =
стр. 2486
لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ بِالسَّيْفِ (١)،
ــ
=والقدح فيه أو في دينه، أو أن يدعو غير الله، أو يستغيث به، أو يقول: «لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك»، وما أشبه ذلك،
وتكون بالفعل كالسجود للصنم، وتكون بالترك كترك الصلاة مثلاً، وكترك الحكم بما أنزل الله رغبة عنه، أما كراهة ما أنزل الله فهي بالاعتقاد، لأنها داخلة في عمل القلب.
(١) قوله «لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ بِالسَّيْفِ»: هذا هو حكم المرتد، وهو أنه يستتاب ثلاثة أيام، لحديث جابر ﵁: «أنَّ امرَأةً يُقَالُ لها: أم مَروَان ارتَدَّت عن الإسلامِ، فأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أن يُعرَضَ عَلَيها الإسلام، فإن رَجَعَت، وإلا قُتِلَت» (١).
ولأن الردة إنما تكون عن شبهة، وهي لا تزول في الحال، ولأنه أمكن إصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه، وهذا هو المذهب، وهو وجوب الاستتابة، وهو قول مالك (٢)، والمشهور عند الشافعية (٣).
وعن أحمد (٤): لا تجب الاستتابة، بل تستحب، ويجوز قتله في الحال، وهو قول أبي حنيفة (٥)، وقول عند الشافعية (٦)، لقوله ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ=
стр. 2487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فَاقْتُلُوهُ» (١)، ولم يذكر فيه استتابة، ولحديث أبي موسى ﵁ قال: «قَدِمَ عَلَيَّ مُعَاذٌ وَأَنَا بِاليَمَنِ وَرَجُلٌ كَانَ يَهُودِيَّاً فَأَسْلَمَ، فَارْتَدَّ عَنْ الإِسْلامِ، فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ قَالَ: لا أَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ فَقُتِلَ» (٢)، وعنه تجب الاستتابة دون التأجيل (٣).
والأظهر عندي: هو ما ذهب إليه شيخنا (٤) ﵀: وهو الذي تدل عليه النصوص أنه يقتل لقوله «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٥)، ولقوله «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ»، ولأنه كفر وارتد.
فإن رأى الإمام المصلحة في تأجيله واستتابته فعل ذلك؛ لأنه قد يرى المصلحة في هذا، فقد يكون هذا الرجل سيداً في قومه، وقتلُهُ يثير فتنة عظيمة، وقد يكون هذا الرجل يحتاج إليه المسلمون لكونه ماهراً في صناعة شيء ما، أو قائداً محنكاً في الطائرات الحربية، أو ما أشبه ذلك، فيرى الإمام أن يستتاب.
стр. 2488
وَمَنْ جَحَدَ اللهِ تَعَالى (١)، أَوْ جَعَلَ لَهُ شَرِيْكًا، أَوْ نِدًّا وَوَلَدًا (٢)، وَكَذَّبَ اللهَ تَعَالى أَوْ سَبَّهُ (٣)، أَوْ كَذَّبَ رَسُوْلَهُ أَوْ سَبَّهُ (٤)،
ــ
=فالصحيح من هذه الروايات الثلاث أنه يقتل فوراً، إلا إذا رأى الإمام المصلحة في تأجيله ثلاثة أيام فإنه يستتاب.
(١) قوله «وَمَنْ جَحَدَ اللهِ تَعَالى»: هذه جملة من الأفعال والأقوال التي يصير بها المسلم مرتداً، فمن ذلك ما ذكره المؤلف وهو أن يجحد الله كأن ينكر وجود الله تعالى، أو ينكر وحدانيته، أو يجحد صفة من صفات الله تعالى، كالحياة والعلم، ونحو ذلك، ومثله لا يجهلها، فهذا كافر بالإجماع، لأنه مكذب لله ورسوله.
(٢) قوله «أَوْ جَعَلَ لَهُ شَرِيْكًا، أَوْ نِدًّا وَوَلَدًا»: أي ومن الردة أن يجعل للَّه تعالى شريكاً، والمراد: الشرك الأكبر في الخلق أو التدبير أو الملك، أو يعبد مع الله غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (١) أو أن يجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له شيئاً من أنواع العبادة.
(٣) قوله «وَكَذَّبَ اللهَ تَعَالى أَوْ سَبَّهُ»: أي أو كذب الله تعالى فيما أخبر به، وكذا سَبُّ الله تعالى، وهو وصفه بالعيب، أو الاعتراض على أحكامه الكونية أو الشرعية بالعيب، فإنه يكفر بهذا السَّبِّ، لأنه لا يسبُّه إلا وهو جاحد له.
(٤) قوله «أَوْ كَذَّبَ رَسُوْلَهُ أَوْ سَبَّهُ»: أي كذب رسوله ﷺ فيما يخبر به عن ربه أو سبُّ رسولٍ من رسله، فيكفر بذلك، لأن هذا ليس تنقصاً للرسول=
стр. 2489
أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ كِتَابَ اللهِ تَعَالى (١)،
ــ
=بشخصه، وإنما تنقص لرسالته، وتنقص لمن أرسله، سواء كان السَّابُّ يعتقد ما يقول، أو تلفظ به استهزاءً وسخرية، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ (١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «اتفق الأئمة على أن مَنْ سَبَّ نبياً قُتل، ومن سب غير النبي لا يقتل بكل سَبٍّ سبَّهُ، بل يفصل في ذلك، فإن من قذف أم النبي ﷺ قُتل، مسلماً كان أو كافراً، لأنه قدح في نسبه، ولو قذف غير أمِّ النبي ﷺ ممن لم يعلم براءتها لم يقتل» (٢).
وقد حكى ابن القيم إجماع الصحابة ﵃ ومَنْ بعدهم على أن من سب النبي ﷺ فهو كافر مرتد، وعقوبته القتل (٣)، وكذا حكاه الخطابي (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥).
(١) قوله «أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ كِتَابَ اللهِ تَعَالى»: أي فإنه يكفر بذلك لأنه مكذب لله جاحد لنبوة نبي من أنبيائه، فيكفر لثبوت ذلك في القرآن، ولأن جَحْدَ شيءٍ من ذلك كجحده كله، لاشتراكهما في كون الكل من عند الله .
стр. 2490
أَوْ شَيْئًا مِنْهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ (١)، أَوْ جَحَدَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلامِ (٢)، أَوْ أَحَلَّ مُحَرَّمًا ظَهَرَ الإِجْمَاعُ عَلى تَحْرِيْمِهِ، فَقَدِ ارْتَدَّ (٣)، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، فَيُعَرَّفُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، كَفَرَ (٤)،
ــ
(١) قوله «أَوْ شَيْئًا مِنْهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ»: أي أو جحد شيئاً مما اتفقت عليه شريعته كأن يجحد وجوب عبادة من العبادات كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فإذا أنكر وجوب عبادة من هذه العبادات وهو ممن لا يجهل ذلك كفر، لأنه مكذب لله تعالى ولرسوله ﷺ وسائر الأمة، لأن هذه العبادات مجمع عليها إجماعاً قطعياً، ومنكر الإجماع القطعي يكفر.
(٢) قوله «أَوْ جَحَدَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلامِ»: هذا داخل فيما قبله، لأن الأركان الخمسة مما اتفقت الأمة على ركنيتها، فمن جحدها أو جحد واحدة منها فقد كفر.
(٣) قوله «أَوْ أَحَلَّ مُحَرَّمًا ظَهَرَ الإِجْمَاعُ عَلى تَحْرِيْمِهِ، فَقَدِ ارْتَدَّ»: كأن يحل الربا، أو الزنا أو الخمر وغير ذلك مما انعقد الإجماع على تحريمه فإنه يكفر بذلك لأنه كذَّب الله ورسوله، ولأن أدلة ذلك قد ظهرت في الكتاب والسنة فلا تخفى على المسلمين ولا يجحدها إلا مكذِّبٌ لله ورسوله ﷺ
(٤) قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، فَيُعَرَّفُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، كَفَرَ»: هذا شرط عائد لما تقدم، والمعنى: أنه لا يحكم بالردة فيما ذكرناه إلا إذا صدر الجحود من إنسان لا يجهل الحكم، وهو الناشئ في بلاد الإسلام، أو يجهله وعُرِّف، فأصر على جحوده وإنكاره، فإنه يكفر لامتناعه عن قبول تعاليم الإسلام التي أجمعت الأمة=