لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ بِالسَّيْفِ (١)،
ــ
=والقدح فيه أو في دينه، أو أن يدعو غير الله، أو يستغيث به، أو يقول: «لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك»، وما أشبه ذلك،
وتكون بالفعل كالسجود للصنم، وتكون بالترك كترك الصلاة مثلاً، وكترك الحكم بما أنزل الله رغبة عنه، أما كراهة ما أنزل الله فهي بالاعتقاد، لأنها داخلة في عمل القلب.
(١) قوله «لا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا، فَإِنْ تَابَ، وَإِلاَّ قُتِلَ بِالسَّيْفِ»: هذا هو حكم المرتد، وهو أنه يستتاب ثلاثة أيام، لحديث جابر ﵁: «أنَّ امرَأةً يُقَالُ لها: أم مَروَان ارتَدَّت عن الإسلامِ، فأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أن يُعرَضَ عَلَيها الإسلام، فإن رَجَعَت، وإلا قُتِلَت» (١).
ولأن الردة إنما تكون عن شبهة، وهي لا تزول في الحال، ولأنه أمكن إصلاحه فلم يجز إتلافه قبل استصلاحه، وهذا هو المذهب، وهو وجوب الاستتابة، وهو قول مالك (٢)، والمشهور عند الشافعية (٣).
وعن أحمد (٤): لا تجب الاستتابة، بل تستحب، ويجوز قتله في الحال، وهو قول أبي حنيفة (٥)، وقول عند الشافعية (٦)، لقوله ﷺ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ=
стр. 2487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فَاقْتُلُوهُ» (١)، ولم يذكر فيه استتابة، ولحديث أبي موسى ﵁ قال: «قَدِمَ عَلَيَّ مُعَاذٌ وَأَنَا بِاليَمَنِ وَرَجُلٌ كَانَ يَهُودِيَّاً فَأَسْلَمَ، فَارْتَدَّ عَنْ الإِسْلامِ، فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ قَالَ: لا أَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ فَقُتِلَ» (٢)، وعنه تجب الاستتابة دون التأجيل (٣).
والأظهر عندي: هو ما ذهب إليه شيخنا (٤) ﵀: وهو الذي تدل عليه النصوص أنه يقتل لقوله «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٥)، ولقوله «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ الْجَمَاعَةَ»، ولأنه كفر وارتد.
فإن رأى الإمام المصلحة في تأجيله واستتابته فعل ذلك؛ لأنه قد يرى المصلحة في هذا، فقد يكون هذا الرجل سيداً في قومه، وقتلُهُ يثير فتنة عظيمة، وقد يكون هذا الرجل يحتاج إليه المسلمون لكونه ماهراً في صناعة شيء ما، أو قائداً محنكاً في الطائرات الحربية، أو ما أشبه ذلك، فيرى الإمام أن يستتاب.
стр. 2488
وَمَنْ جَحَدَ اللهِ تَعَالى (١)، أَوْ جَعَلَ لَهُ شَرِيْكًا، أَوْ نِدًّا وَوَلَدًا (٢)، وَكَذَّبَ اللهَ تَعَالى أَوْ سَبَّهُ (٣)، أَوْ كَذَّبَ رَسُوْلَهُ أَوْ سَبَّهُ (٤)،
ــ
=فالصحيح من هذه الروايات الثلاث أنه يقتل فوراً، إلا إذا رأى الإمام المصلحة في تأجيله ثلاثة أيام فإنه يستتاب.
(١) قوله «وَمَنْ جَحَدَ اللهِ تَعَالى»: هذه جملة من الأفعال والأقوال التي يصير بها المسلم مرتداً، فمن ذلك ما ذكره المؤلف وهو أن يجحد الله كأن ينكر وجود الله تعالى، أو ينكر وحدانيته، أو يجحد صفة من صفات الله تعالى، كالحياة والعلم، ونحو ذلك، ومثله لا يجهلها، فهذا كافر بالإجماع، لأنه مكذب لله ورسوله.
(٢) قوله «أَوْ جَعَلَ لَهُ شَرِيْكًا، أَوْ نِدًّا وَوَلَدًا»: أي ومن الردة أن يجعل للَّه تعالى شريكاً، والمراد: الشرك الأكبر في الخلق أو التدبير أو الملك، أو يعبد مع الله غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (١) أو أن يجعل لله نداً يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له شيئاً من أنواع العبادة.
(٣) قوله «وَكَذَّبَ اللهَ تَعَالى أَوْ سَبَّهُ»: أي أو كذب الله تعالى فيما أخبر به، وكذا سَبُّ الله تعالى، وهو وصفه بالعيب، أو الاعتراض على أحكامه الكونية أو الشرعية بالعيب، فإنه يكفر بهذا السَّبِّ، لأنه لا يسبُّه إلا وهو جاحد له.
(٤) قوله «أَوْ كَذَّبَ رَسُوْلَهُ أَوْ سَبَّهُ»: أي كذب رسوله ﷺ فيما يخبر به عن ربه أو سبُّ رسولٍ من رسله، فيكفر بذلك، لأن هذا ليس تنقصاً للرسول=
стр. 2489
أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ كِتَابَ اللهِ تَعَالى (١)،
ــ
=بشخصه، وإنما تنقص لرسالته، وتنقص لمن أرسله، سواء كان السَّابُّ يعتقد ما يقول، أو تلفظ به استهزاءً وسخرية، قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ﴾ (١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «اتفق الأئمة على أن مَنْ سَبَّ نبياً قُتل، ومن سب غير النبي لا يقتل بكل سَبٍّ سبَّهُ، بل يفصل في ذلك، فإن من قذف أم النبي ﷺ قُتل، مسلماً كان أو كافراً، لأنه قدح في نسبه، ولو قذف غير أمِّ النبي ﷺ ممن لم يعلم براءتها لم يقتل» (٢).
وقد حكى ابن القيم إجماع الصحابة ﵃ ومَنْ بعدهم على أن من سب النبي ﷺ فهو كافر مرتد، وعقوبته القتل (٣)، وكذا حكاه الخطابي (٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٥).
(١) قوله «أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا، أَوْ كِتَابَ اللهِ تَعَالى»: أي فإنه يكفر بذلك لأنه مكذب لله جاحد لنبوة نبي من أنبيائه، فيكفر لثبوت ذلك في القرآن، ولأن جَحْدَ شيءٍ من ذلك كجحده كله، لاشتراكهما في كون الكل من عند الله .
стр. 2490
أَوْ شَيْئًا مِنْهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ (١)، أَوْ جَحَدَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلامِ (٢)، أَوْ أَحَلَّ مُحَرَّمًا ظَهَرَ الإِجْمَاعُ عَلى تَحْرِيْمِهِ، فَقَدِ ارْتَدَّ (٣)، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، فَيُعَرَّفُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، كَفَرَ (٤)،
ــ
(١) قوله «أَوْ شَيْئًا مِنْهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ»: أي أو جحد شيئاً مما اتفقت عليه شريعته كأن يجحد وجوب عبادة من العبادات كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فإذا أنكر وجوب عبادة من هذه العبادات وهو ممن لا يجهل ذلك كفر، لأنه مكذب لله تعالى ولرسوله ﷺ وسائر الأمة، لأن هذه العبادات مجمع عليها إجماعاً قطعياً، ومنكر الإجماع القطعي يكفر.
(٢) قوله «أَوْ جَحَدَ أَحَدَ أَرْكَانِ الإِسْلامِ»: هذا داخل فيما قبله، لأن الأركان الخمسة مما اتفقت الأمة على ركنيتها، فمن جحدها أو جحد واحدة منها فقد كفر.
(٣) قوله «أَوْ أَحَلَّ مُحَرَّمًا ظَهَرَ الإِجْمَاعُ عَلى تَحْرِيْمِهِ، فَقَدِ ارْتَدَّ»: كأن يحل الربا، أو الزنا أو الخمر وغير ذلك مما انعقد الإجماع على تحريمه فإنه يكفر بذلك لأنه كذَّب الله ورسوله، ولأن أدلة ذلك قد ظهرت في الكتاب والسنة فلا تخفى على المسلمين ولا يجحدها إلا مكذِّبٌ لله ورسوله ﷺ
(٤) قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ مِمَّنْ تَخْفَى عَلَيْهِ الوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ، فَيُعَرَّفُ ذلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، كَفَرَ»: هذا شرط عائد لما تقدم، والمعنى: أنه لا يحكم بالردة فيما ذكرناه إلا إذا صدر الجحود من إنسان لا يجهل الحكم، وهو الناشئ في بلاد الإسلام، أو يجهله وعُرِّف، فأصر على جحوده وإنكاره، فإنه يكفر لامتناعه عن قبول تعاليم الإسلام التي أجمعت الأمة=
стр. 2491
وَيَصِحُّ إِسْلامُ الصَّبِيِّ العَاقِلِ، وَإِنِ ارْتَدَّ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا بَعْدَ بُلُوْغِهِ (١)،
ــ
=عليها، أما إذا كان في بلاد إسلامية ويظهر فيها العلم وأدعى أنه لا يعلم أن الزنا حرام أو أن الصلاة فرض فإن ذلك لا يقبل منه.
وعليه ف الجهل عذر في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أن يكون مدعي الجهل ناشئاً في بادية .
المسألة الثانية: أن يكون حديث عهد بإسلام .
المسألة الثالثة: أن تكون من المسائل الخفية .
(١) قوله «وَيَصِحُّ إِسْلامُ الصَّبِيِّ العَاقِلِ، وَإِنِ ارْتَدَّ، لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلاثًا بَعْدَ بُلُوْغِهِ»: اختلفت الروايات (١) عن الإمام أحمد في هذه المسألة ففي رواية: إن عقل الصبي الإسلام صح إسلامه وردته، وفي رواية أخرى عنه: يصح إسلامه دون ردته، وعنه لا يصح منهما شيء حتى يبلغ، والمذهب صحة إسلام الصبي إذا عقل الإسلام وفهم معناه، وأنه إذا رجع وقال: «لم أدر ما قلت» لم يلتفت إلى قوله وأجبر على الإسلام. وروي عن أحمد أنه يقبل منه ولا يجبر على الإسلام.
وهل يحد ذلك بسن؟ فيه ثلاث روايات:
الأولى: عشر؛ وهو الذي اعتمده الخرقي، واختاره القاضي (٢).
الثانية: سبع.
стр. 2492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الثالثة: لا حد لذلك. حكاه ابن المنذر عن أحمد (١). ومال إليه ابن قدامة (٢).
والأظهر عندي: أنه لا حد للسن في قبول إسلامه لعموم «مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (٣)، وقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللهُ فَإِذَا قَالُوا لا إِلَهَ إِلا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (٤)، وقوله: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ» (٥) , وهذا يدخل في عموم الصبي، ولأن الإسلام عبادة محضة فصحت من الصبي كالصلاة والحج, ولأن هذا هو الثابت عن الصحابة حين أسلموا، فقد ثبت أن علياً والزبير أسلما وهما ابنا ثماني سنين، وبايع النبي ﷺ ابن الزبير لسبع أو ثماني سنين.
стр. 2493
وَمَنْ ثَبَتَتْ رِدَّتُهُ فَأَسْلَمَ، قُبِلَ مِنْهُ (١)، وَيَكْفِيْ فِيْ إِسْلامِهِ أَنْ يَشْهَدَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ (٢)،
ــ
=أما الردة فلا تصح منه، لأنه لا إرادة له، والإرادة مناط التكليف، فإن كان مميزاً ثبتت ردته، لكن لا يستتاب إلا بعد بلوغه، وعلى هذا فلا يقتل قبل البلوغ، لأن القتل عقوبة، ومن دون البلوغ ليس من أهل العقوبة، وهذا موضع اتفاق بين أهل العلم.
(١) قوله «وَمَنْ ثَبَتَتْ رِدَّتُهُ فَأَسْلَمَ، قُبِلَ مِنْهُ»: أي من ارتد عن الإسلام بأي شيءٍ مما ذكر أو غيره مما تكون به الردة ثم أسلم فإنه يقبل منه إسلامه كالكافر الأصلي.
(٢) قوله «وَيَكْفِيْ فِيْ إِسْلامِهِ أَنْ يَشْهَدَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ»: أي ويكفي في توبة المرتد بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. دليل هذا ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (١).
وقيل: بل يكفي قبول شهادته بالوحدانية أي بأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أو يقول: لا إله إلا الله، فإنه يقبل منه، ودليل ذلك حديث أسامة بن زيد في الصحيحين فإن النبي ﷺ أنكر عليه قتل من قال: =
стр. 2494
إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ كُفْرُهُ بِجَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ فَرِيْضَةٍ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلى العَرَبِ خَاصَّةً، فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ (١)،
ــ
=لا إله الله» (١)، وليس فيه أنه قال: وأن محمداً رسول الله.
وهذا ظاهر جداً حيث استلزم ذلك الإيمان بالرسالة، فإن النبي ﷺ كان يدعوهم إلى لا إله إلا الله، فإذا أقروا بذلك فهذا دليل على إقرارهم بالرسالة. بخلاف اليهود، مثلاً فإنهم إنما كانوا إذا قالوا: لا إله إلا الله فإن هذا لا يستلزم إيمانهم بالرسالة، فإنهم إنما كانوا يجحدون نبوة النبي ﷺ ولم يكونوا يجحدون ألوهية الله ووحدانيته.
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ كُفْرُهُ بِجَحْدِ نَبِيٍّ، أَوْ كِتَابٍ، أَوْ فَرِيْضَةٍ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلى العَرَبِ خَاصَّةً، فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ»: أي ومن كان كفر بجحد شيءٍ من هذه المذكورات كأن يكون قد كفر بجحد النبوات، أو بكتاب من الكتب المنزلة، أو بححد فريضة من فرائض الإسلام كأن ينكر وجوب الصلاة، أو أحل محرماً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها كأن يحل الزنا أو حرم حلالاً مجمعاً على حله كأن يحرم الماء، أو يعتقد أن رسالة محمد ﷺ خاصة بالعرب دون غيرهم فتوبته مع الشهادتين إقراره بالمجحود به، وذلك لأن الشهادتين كان يقر بهما سابقاً=
стр. 2495
وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الحَرْبِ فَسُبِيَا، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمَا (١)،
ــ
=وهنا قد أنكر شيئاً آخر فلا يكفي أن يقر بالشهادتين بل لابد أن يقر بما نفاه وجحده فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن الصلاة فرض وأن الزنا حرام ونحو ذلك مما كان يجحده فلا يقبل منه ذلك إلا بهذا لأنه إنما كفر به. وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة.
والقول الثاني في المسألة: أن الشهادتين لا تجب عليه، لأنه لم ينف ذلك بل هو مقر بهما، وهو على إقراره بهما.
والأظهر عندي: هو القول الأول لأن جحده ترتب عليه إبطال شهادته، فأصبحت الشهادتان باطلتين لأنه جحد ما يكفر به، وهذا يبطل الشهادتين.
(١) قوله «وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الحَرْبِ، فَسُبِيَا، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمَا»: أي إن الرق لا يجرى على المرتد سواء كان رجلاً أو امرأة، وسواء لحق بدار الحرب أو أقام بدار الإسلام.
وقيل: إذا لحقت المرتدة بدار الحرب جاز استرقاقها لأن أبا بكر ﵁ سبى بني حنفية واسترق نساءهم، وأم محمد بن الحنفية منهم.
والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف لعموم قوله ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوه» (١)، ولأنه لا يجوز إقرارها على كفرها فلم يجز استرقاقها كالرجل، ولم ينقل أن الذين سباهم أبو بكر ﵁ كانوا أسلموا ولا ثبت لهم حكم الردة.
стр. 2496
وَلا اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا، وَيَجُوْزُ اسْتِرْقَاقُ سَائِرِ أَوْلادِهِمَا (١)،
ــ
(١) قوله «وَلا اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ قَبْلَ رِدَّتِهِمَا، وَيَجُوْزُ اسْتِرْقَاقُ سَائِرِ أَوْلادِهِمَا»: أي أما أولاد المرتدين فإن كانوا ولدوا قبل الردة فإنهم محكوم بإسلامهم تبعاً لآبائهم ولا يتبعونهم في الردة لأن الإسلام يعلو وقد تبعوهم فيه فلا يتبعونهم في الكفر، فلا يجوز استرقاقهم صغاراً لأنهم مسلمون، ولا كباراً لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم بعد كفرهم فهم مسلمون، وإن كفروا فهم مرتدون حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق، وأما من ولد بعد الردة فهو محكوم بكفره لأنه ولد بين أبوين كافرين، ويجوز استرقاقه لأنه ليس بمرتد.
стр. 2497
كِتابُ الجِهَادِ (١)
ــ
(١) قوله «كِتابُ الجِهَادِ»: أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بشعيرة الجهاد.
والجهاد: مصدر جاهد، وهو من الجهد - بفتح الجيم وضمها - أي الطاقة والمشقة، وقيل: الجهد - بفتح الجيم - هو المشقة، وبالضم الطاقة.
والجهاد القتال مع العدو كالمجاهدة، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ (١)، وفي حديث عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (٢)، يقال: جاهد العدو مجاهدة وجهاداً إذا قاتله.
والجهاد اصطلاحاً: قتال مسلم كافراً غير ذي عهد بعد دعوته للإسلام وإبائه إعلاءً لكلمة الله.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: الحكمة في مشروعية الجهاد:
القصد من الجهاد دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، أو الدخول في ذمة المسلمين ودفع الجزية، وجريان أحكام الإسلام عليهم، وبذلك ينتهي تعرضهم للمسلمين، واعتداؤهم على بلادهم، ووقوفهم في طريق نشر=
стр. 2498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الدعوة الإسلامية، وينقطع دابر الفساد، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى
لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (١).
وقال : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢).
وقد مضت سنة رسول الله ﷺ وسيرته، وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده على جهاد الكفار، وتخييرهم بين ثلاثة أمور مرتبة، وهي:
الأول: قبول الدخول في الإسلام.
الثاني: البقاء على دينهم مع أداء الجزية وعقد الذمة.
الثالث: فإن لم يقبلوا، فالقتال.
- الفائدة الثانية: في أقسام الجهاد: ينقسم الجهاد إلى ثلاثة أقسام: جهاد النفس، وجهاد المنافقين، وجهاد الكفار المبارِزين المعاندين.
أما النوع الأول: فهو جهاد النفس: وهو إرغامها على طاعة الله، ومخالفتها في الدعوة إلى معصية الله، وهذا الجهاد يكون شاقًّا على الإنسان مشقة شديدة، لا سيما إذا كان في بيئة فاسقة، فإن البيئة قد تعصف به حتى ينتهك حُرُمات الله، ويدع ما أوجب الله عليه.
أما النوع الثاني: فهو جهاد المنافقين، ويكون بالعلم، لا بالسلاح؛ =
стр. 2499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=لأن المنافقين لا يقاتَلون، فإن النبي ﷺ استؤذن أن يُقْتَلَ المنافقون الذين علم نفاقهم فقال: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَه» (١).
والدليل على أنهم يُجاهَدون قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (٢).
ولما كان جهاد المنافقين بالعلم، فالواجب علينا أن نتسلح بالعلم أمام المنافقين الذين يوردون الشبهات على دين الله، ليصدوا عن سبيل الله، فإذا لم يكن لدى الإنسان علم فإنه ربما تكثر عليه الشبهات والشهوات والبدع ولا يستطيع أن يردها.
أما النوع الثالث: فهو جهاد الكفار المبارِزين المعاندين المحاربين: وهذا يكون بالسلاح، وقد يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٣)، يشمل النوعين: جهاد المنافقين بالعلم، وجهاد الكفار بالسلاح، ولكنّ قول الرسول ﷺ : «أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيْ» (٤)، يؤيد أن المراد بذلك السلاح، والمقاتلة.
- الفائدة الثالثة: الجهاد قد يكون: بالقلب كالعزم عليه، أو بالدعوة إلى الإسلام وشرائعه، أو بإقامة الحجة على المبطل، أو ببيان الحق وإزالة=
стр. 2500
وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِيْ، سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ (١)،
ــ
=الشبهة، أو بالرأي والتدبير فيما فيه نفع المسلمين، أو بالقتال بنفسه، فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه.
- الفائدة الرابعة: هل يكون الجهاد بالمال أو بالنفس أو بهما ؟ .
نقول: أنه تارة يجب بالمال في حال من لا يقدر على الجهاد ببدنه، وتارة يجب بالبدن في حال من لا مال له، وتارة يجب بالمال والبدن في حال القادر ماليّاً وبدنيّاً.
وكما في القرآن الكريم فإن الله يذكر الجهاد بالمال والجهاد بالنفس، ويقدم الجهاد بالمال في أكثر الآيات؛ لأن الجهاد بالمال أهون على النفوس من الجهاد بالنفس، وربما يحتاج الجند إلى المال أكثر مما يحتاجون إلى الرجال.
(١) قوله «وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِيْ، سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ»: هذا هو حكم الجهاد؛ فهو فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل، لأنه واجب في الجملة، وليس واجباً على الأعيان، أما كونه واجباً في الجملة فلقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَال وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِفَاقٍ» (٣)، وقد أجمع المسلمون في =
стр. 2501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الجملة على وجوبه.
وأما كونه ليس واجباً على الأعيان فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلٍّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢)، فأثبت للمجاهد والقاعدين الأجر.
ولو كان فرض عين لكان القاعد آثماً، ولأن النبي ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وأصحابه، فإذا لم يجب في الجملة ولم يجب على الأعيان، لزم كونه فرض كفاية.
وأما قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣)، فقد قال ابن عباس ﵄: نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٤)(٥)، ويحتمل أنه أراد حينما استنفرهم النبي ﷺ إلى غزوة تبوك، ولذا هجر النبي ﷺ كعب بن مالك ﵁ ومن تخلف معه حتى تاب الله عليهم.
ومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض إليه قوم يكفون في جهادهم، =
стр. 2502
وَيَتَعَيَّنُ عَلى مَنْ حَضَرَ الصَّفَّ، أَوْ حَصَرَ العَدُوُّ بَلَدَهُ (١)،
ــ
=إما أن يكونوا جنداً لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا أعدوا أنفسهم له تطوعاً بحيث إذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم، ويكون في الثغور من يدفع العدو عنها، ويبعث في كل سنة جيشاً يغيرون على العدو في بلادهم.
(١) قوله «وَيَتَعَيَّنُ عَلى مَنْ حَضَرَ الصَّفَّ، أَوْ حَصَرَ العَدُوُّ بَلَدَهُ»: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يصير الجهاد فرض عين في كل من الحالات الآتية:
الحالة الأولى: إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان ، حرم على من حضر الانصراف، وتعين عليه المقام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
الحالة الثانية: إذا هجم العدو على قوم بغتة ، فيتعين عليهم الدفع ولو كان امرأةً أو صبياً، أو هجم على من بقربهم، وليس لهم قدرة على دفعه، فيتعين على من كان بمكان مقارب لهم أن يقاتلوا معهم إن عجز من فجأهم العدو عن الدفع عن أنفسهم، ومحل التعين على من بقربهم إن لم يخشوا على نسائهم وبيوتهم من عدو بتشاغلهم بمعاونة من فجأهم العدو، وإلا تركوا إعانتهم.
الحالة الثالثة: إذا استنفر الإمام قوماً لزمهم النفير معه إلا من له عذر قاطع؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا=
стр. 2503
وَلا يَجِبُ إِلاَّ عَلى ذَكَرٍ حُرٍّ، بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُسْتَطِيْعٍ (١)،
ــ
= فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» (٢)، وذلك لأن أمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك.
(١) قوله «وَلا يَجِبُ إِلاَّ عَلى، ذَكَرٍ، حُرٍّ، بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُسْتَطِيْعٍ»: أي إنما يجب الجهاد على من تحققت فيه هذه الشروط:
١ - أن يكون ذَكراً ، فلا يجب على المرأة، لحديث عائشة ﵂ أنها قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيهِ، الحَجُّ وَالعُمْرَةُ» (٣)، ولأن المرأة ليست من أهل القتال، لضعفها وَخَوَرِها، وعلى ذلك فلا يجب عليهن الجهاد ما لم يتعين في الأحوال الثلاثة المتقدمة.
أما إخراج النساء مع المجاهدين فيكره في سرية لا يؤمن عليها؛ لأن فيه تعريضهن للضياع، ويمنعهن الإمام من الخروج للافتتان بهن، ولسن من أهل القتال لاستيلاء الخور والجبن عليهن؛ ولأنه لا يؤمن ظفر العدو بهن، فيستحلون منهن ما حرم الله تعالى. =
стр. 2504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وصرح الحنابلة (١) باستثناء امرأة الأمير لحاجته، أو امرأةً طاعنةً لمصلحة فقط، فإنه يؤذن لمثلهما؛ فعن الربيع بنت معوذ قالت: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ فنسقي القوم ونخدمهم الماء، ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة» (٢).
٢ - أن يكون حُرَّاً ، فلا يجب الجهاد على العبد، لحديث جابر ﵁ قال: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ :
«بِعْنِيهِ»، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَينِ أَسْوَدَينِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ حَتَّى يَسْأَلَهُ: «أَعَبْدٌ هُوَ؟ » (٣)، ولأن الجهاد عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم يجب على العبد، كالحج.
٣ - أن يكون مُكَلفَاً ، وهو من اجتمع فيه وصفان البلوغ والعاقل، لأن غير المكلف لا يجب عليه شيء من فروع الإسلام، فكذلك الجهاد.
٤ - أن يكون مُستَطِيعَاً ، فلا يجب على غير المستطيع، كالمريض، والأعمى، والأعرج، وغير القادر على نفقته، وما يحمله، وما يقاتل به، لأنه عاجز، والعجز ينفي الوجوب شرعاً، قال تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّهِ أَمْوَاتًا بَل أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٣).
أما أدلة السنة فهي كثيرة جداً، فمن ذلك ما ذكره المؤلف هنا:
١ - كما قي حديث أبي هريرة ﵁ حيث جعله من أفضل الأعمال: فعن أبي هريرة قال: سئل رسول الله أَي الْعمل أَفضل؟ قال: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قِيل: ثُمَّ مَاذَا؟ قَال: الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ» (٤)، وكما في حديث أبي سعيد ﵁ حيث جعل المجاهد في سبيل الله من أفضل الناس.
٢ - ومن ذلك أيضاً: حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَثَل الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيل اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَل الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّل اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ، بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (٥).
стр. 2507
وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ البَرِّ (١)، وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بِرٍّ وَفَاجِرٍ (٢)،
ــ
٣ - أن أفضل ما يتطوع به الجهاد، قال الإمام أحمد بن حنبل (١): «لا أعلم شيئاً بعد الفرائض أفضل من الجهاد».
(١) قوله «وَغَزْوُ البَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ البَرِّ»: أي إن الغزو في البحر أفضل من الغزو في البر، لما روى أنس ﵁ قال: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القَيلولةَ عِنْدَ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلحَانَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُو يَضْحَكُ، قُلتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ، مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَّةِ، أَو مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ .. » الحديث (٢).
وعن أم حرام ﵂ أن النبي ﷺ قال: «المَائِدُ فِي البَحْرِ - الَّذِي يُصِيبُهُ القَيءُ - لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَينِ» (٣).
ولأن شهيد البحر أعظم خطراً ومشقةً، لأنه بين خطر العدو وخطر الغرق، ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه، فكان أفضل من غيره.
(٢) قوله «وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بِرٍّ وَفَاجِرٍ»: صرح بذلك جمهور الفقهاء، يعني يجاهد مع كل إمام براً كان أو فاجراً، ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يفضي إلى قطعه، وظهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم، وظهور كلمة=
стр. 2508
وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ العَدُوِّ (١)،
ــ
=الكافر، وفيه فساد عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (١)
- فائدة: قال الإمام أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين، فإن كان يُعرف بشرب الخمر والغلول يغزى معه إنما ذلك في نفسه، ويروى عن النبي ﷺ : «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (٢)(٣).
(١) قوله «وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيْهِمْ مِنَ العَدُوِّ»: الأصل في هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، ولأن الأقرب أكثر ضرراً، وفي قتاله دفع ضرره عن المقاتل له وعمن وراءه، ولأن الاشتغال بالبعيد عنه يمكنه من انتهاز الفرصة في المسلمين لاشتغالهم عنه، إلا أن تدعو الحاجة إلى البداءة بغيرهم، إما لانتهاز فرصة فيهم، أو خوف الضرر تركهم، أو لمانع من قتال الأقرب؛ فيبدأ بالأبعد لذلك.
стр. 2509
وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيْمَا سِوَاهُ» وَقَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ (١)،
ــ
(١) قوله «وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُوْنَ يَوْمًا، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيْمَا سِوَاهُ» (١). وَقَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ» (٢): الرباط: هو حبس النفس على الشيء، وأما في الشريعة: فالمراد به الرباط في الثغور في نحر العدو، وذلك بالسهر في حراسة الثغور، وحفظها من الأعداء، وهي من أحب الطاعات.
والثغر: هو المكان الذي يخشى دخول العدو منه إلى أرض المسلمين، وأقرب ما يقال فيه - بالنسبة لواقعنا -: إنه الحدود التي بين الأراضي الإسلامية والأراضي الكفرية، فيسن للإنسان أن يرابط؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣)، وأول ما يدخل في الآية الرباط على الثغور، فيرابط الإنسان ليحمي بلاد المسلمين من دخول الأعداء، ويجب على المسلمين أن يحفظوا حدودهم من الكفار إما بعهد وأمان، وإما بسلاح ورجال حسب ما تقتضيه الحال.
والرباط أقله ساعة، أي: لو ذهب الإنسان بالتناوب مع زملائه ساعة=
стр. 2510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=واحدة حصل له أجر، قال الإمام «أحمد يوم رباط وليلة رباط وساعة رباط» (١)، وتمامه أربعون يوماً، والرباط على أنواع منها:
الأول: الرباط على الثغور: وهذا هو المراد من كلام المؤلف، وعليه تحمل النصوص التي وردت في فضل الرباط.
لأن المرابط على الثغر رابط في نحر العدو وهذا هو أعلى درجات المرابطة.
الثاني: الرباط على الخير وحبس النفس على طاعة الله سبحانه وتعالى: كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ، قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ ثَلاثاً» (٢).
الثالث: جهاد النفس: وذلك بكفها عن فعل الشر وإلزامها بفعل الخير وحضها عليه، وهذا النوع من الرباط في بعض الأحيان يكون أعظم من جهاد العدو، وذلك أن جهاد النفس أعظم فتنة، ولربما انتكس الإنسان إذا لم يوفق فيه بخلاف جهاد العدو، ومن هنا قالوا إن الرباط على الطاعة أفضل وأكمل وذلك أن الإنسان إذا رابط على هذه الخصال وداوم عليها رزق المرابطة على الخير.
стр. 2511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأُولى: لا يستحب لمن رابط أن يحمل نساءه وذريته في المواضع المخوفة: لئلا يظفر العدو بذلك الثغر فيستولي على من فيه من نساء المسلمين وذراريهم، فهو موضع مخوف يحتمل في كل وقت أن يظفر فيه العدو، بل إن القول بالتحريم يقوى في تلك المواضع، فلا ينبغي للمسلمين أن يحملوا نساءهم وذراريهم إلى تلك المواضع المخوفة.
ويستثنى من ذلك أهل الثغر، أي أهل تلك البلدة فإنه لا قرار لحياتهم إلا بذلك، فهم أهل الثغر وسكانه.
أما من يأتي إليهم من المرابطين في سبيل الله فليس لهم أن يحملوا نساءهم وذراريهم.
- الفائدة الثانية: من الأعمال الفاضلة: الحراسة في سبيل الله:
١ - فعن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (١).
٢ - وقال ﷺ لأنس بن أبي مرثد الغنوي ﵁ وقد بات يحرسهم ليلة: «قَدْ أَوْجَبْتَ فَلا عَلَيْكَ أَنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَهَا» (٢).
стр. 2512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الفائدة الثالثة: في المفاضلة بين طلب العلم والجهاد في سبيل الله: المشهور من مذهب الإمام أحمد (١) أن الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، فهو أفضل من سائر النوافل، واستدلوا لذلك بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قيل له: أي الناس أفضل؟ فقال: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» (٢)، ولاشك أن تفضيل المتصف بهذه الصفة وجعله أفضل من غيره يدل على أن هذه الصفة أفضل من غيرها من الصفات، وعن أَبي هريرة ﵁: أَنَّ رسول الله ﷺ سئل: أَي العمل أَفضل؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (٣).
والرواية الثانية: أن تعلّم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد في سبيل الله.
قلت: الظاهر أن العلم تعلماً وتعليماً نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله وأن تفضيل أحد النوعين على الآخر راجع إلى المصلحة العامة.
فإذا كان الاشتغال بالعلم أصلح للأمة من الاشتغال بالجهاد - كما في هذه الأزمان - فإن العلم أفضل، وأما إن كانت الأمة محتاجة إلى الجهاد في سبيل الله وإلى المجاهدين فإن الاشتغال بالجهاد في سبيل الله أفضل من العلم.
стр. 2513
وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، جَرَى لَهُ أَجْرُهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَوُقِيَ الفَتَّانُ» (١)، وَلا يُجَاهِدُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلاَّ بِإِذْنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، جَرَى لَهُ أَجْرُهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَوُقِيَ الفَتَّانُ»: وذلك لحديث «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» (١)، فهذه فضيلة مختصة به، أي أن عمله يجرى له أجره بعد موته.
وقد جاء هذا مبينًا في قوله ﷺ : «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» (٢).
(٢) قوله «وَلا يُجَاهِدُ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ، إِلاَّ بِإِذْنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ»: أي: لا يجوز الجهاد إلا بإذن الأبوين المسلمين، أو بإذن أحدهما إن كان الآخر كافراً، إلا إذا تعين، كأن ينزل العدو بقوم من المسلمين، ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثاً لهم، أَذِنَ الأبوان أم لم يأذنا، إلا أن يضيعا، أو أحدهما بعده، فلا يحل له ترك من يضيع منهما لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال ﷺ : «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ » قَال: نَعَمْ. قَال: =
стр. 2514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» (١). فدل على أن بر الوالدين مقدم على الجهاد، ولأن الأصل في الجهاد أنه فرض على الكفاية ينوب عنه غيره فيه، وبر الوالدين فرض يتعين عليه؛ لأنه لا ينوب عنه فيه غيره.
وأما إن كان الأبوان كافرين أو أحدهما، فيرى جمهور الفقهاء أنه يجوز أن يجاهد من غير إذنهما؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجاهدون، وفيهم من له أبوان كافران من غير استئذانهما، منهم أبو بكر الصديق وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان مع النبي ﷺ وأبوه رئيس المشركين، ولأن الكافر متهم في الدين بالمنع من الجهاد لمظنته قصد توهين الإسلام.
وقال الحنفية (٢) «إنه لا يخرج إلا بإذن الأبوين الكافرين أو أحدهما إذا كره خروجه مخافةً ومشقةً، وأما إذا كان لكراهة قتال أهل دينه فلا يطيعه ما لم يخف عليه الضيعة. إذ لو كان معسراً محتاجاً إلى خدمته فرضت عليه ولو كافراً، وليس من الصواب ترك فرض عين ليتوصل إلى فرض كفاية، وذلك لعموم الأحاديث»، وإنما يجب استئذان الأبوين في الجهاد إذا لم يكن متعيناً، ولكن إذا تعين عليه الجهاد فلا إذن لهما من غير خلاف بين الفقهاء؛ لأنه صار فرض عين، وتركه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله.
стр. 2515
وَلا يَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْضَ الحَرْبِ إِلاَّ امْرَأَةً طَاعِنَةً فِيْ السِّنِّ؛ لِسَقْيِ المَاءِ وَمُعَالَجَةِ الجَرْحَى (١)، وَلا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَلا يَدْخُلُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْضَ الحَرْبِ إِلاَّ امْرَأَةً طَاعِنَةً فِيْ السِّنِّ؛ لِسَقْيِ المَاءِ وَمُعَالَجَةِ الجَرْحَى»: يكره، وقيل: بل يحرم دخول النساء الشواب أرض العدو لأنهن لسن من أهل القتال وقلما ينتفع بهن فيه لاستيلاء الجبن والخور عليهن ولا يؤمن ظفر العدو بهن فيستحلون ما حرم الله منهن، فأما المرأة الطاعنة في السن وهي الكبيرة إذا كان فيها نفع مثل سقي الماء ومعالجة الجرحى فلا بأس به، فقد كانت أم سليم ونسيبة بنت كعب تغزوان مع النبي ﷺ ، فأما نسيبة فكانت تقاتل وقُطِعتْ يدها يوم اليمامة، وقالت الربيع كنا نغزو مع النبي ﷺ لسقي الماء ومعالجة الجرحى. وقال أنس كان رسول الله ﷺ «يغزو بأم سليم ونسوة معها من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى»؟ .
(٢) قوله «وَلا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ»: أي لا يستعان بالمشركين على المشركين، وقد اختلف العلماء ﵏ في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على ثلاثة أقوال:
أحدهما: المنع من ذلك، واحتجوا على ذلك بحديث عائشة ﵂ قالت: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ بَدْرٍ فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَوْهُ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ لا، قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ=
стр. 2516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
= بِمُشْرِكٍ»، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَالَ: «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَانْطَلِقْ» (١).
القول الثاني: وهو رواية في مذهب أحمد (٢)، وهو ظاهر كلام الخرقي وقول الشافعي (٣)، واختيار المؤلف وهي أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه، ويستعين بهم بشرطين:
أحدهما: أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك.
الثاني: أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى.
القول الثالث: وهو قول أبي حنيفة (٤): يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق، ومتى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره.
قلت: والأظهر عندي هو القول الثاني، وهو اختيار ابن القيم (٥)، وشيخنا (٦). =
стр. 2517
وَلا يَجُوْزُ الجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ (١)،
ــ
=وقوله ﷺ : «فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ»، هذا حين لم تكن المصلحة ظاهرة في الاستعانة به، وأما إذا كانت المصلحة ظاهرة في الاستعانة به وأمن شره فإن الاستعانة به جائزة لا حرج فيها جلباً للمصلحة ودرءًا للمفسدة، وأما عند الضرورة فلا إشكال في جوازه فإن المحرمات تباح عند الضرورة إليها.
(١) قوله «وَلا يَجُوْزُ الجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ»: أي لا يجوز غزو الجيش إلا بإذن الإمام مهما كان الأمر؛ لأن المخاطب بالغزو والجهاد هم ولاة الأمور، وليس أفراد الناس، فأفراد الناس تبع لأهل الحل والعقد، فلا يجوز لأحد أن يغزو دون إذن الإمام إلاّ على سبيل الدفاع، وإذا فاجأهم عدو يخافون كلَبه فحينئذ لهم أن يدافعوا عن أنفسهم لتعين القتال إذاً.
وإنما لم يجز ذلك؛ لأن الأمر منوط بالإمام، فالغزو بلا إذنه افتيات وتعدٍّ على حدوده، ولأنه لو جاز للناس أن يغزوا بدون إذن الإمام لأصبحت المسألة فوضى، كل من شاء ركب فرسه وغزا، ولأنه لو مكن الناس من ذلك لحصلت مفاسد عظيمة، فقد تتجهز طائفة من الناس على أنهم يريدون العدو، وهم يريدون الخروج على الإمام، أو يريدون البغي على طائفة من الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١)، فلهذه الأمور الثلاثة ولغيرها - أيضاً - لا يجوز الغزو إلا بإذن الإمام.
стр. 2518
إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُوْنَ كَلَبَهُ، أَوْ تَعْرِضَ فُرْصَةٌ يَخَافُوْنَ فَوْتَهَا (١)، وَإِذَا دَخَلُوْا أَرْضَ الحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ، أَوِ احْتِطَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ (٢)، وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ مَالَهُ قِيْمَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ (٣)،
ــ
(١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُوْنَ كَلَبَهُ، أَوْ تَعْرِضَ فُرْصَةٌ يَخَافُوْنَ فَوْتَهَا»: أي لا يحتاج إلى إذن الإمام في مسألتين:
الأولى: «أن يفجأهم عدو يخافون كلَبه»: أي شره وأذاه، فلا يحتاجون إلى الإذن، لأن دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب إجماعاً.
الثانية: إذا عرض فرصة للإيقاع بالعدو ، فلا يحتاج إذن الإمام، لئلا تضيع هذه الفرصة.
(٢) قوله «وَإِذَا دَخَلُوْا أَرْضَ الحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ العَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ، أَوِ احْتِطَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الأَمِيْرِ»: لقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (١). ولأنه أعرف بحال الناس والمواضع ومكامن العدو وحاله وقربه وبعده، ولأنهم إن خرجوا من غير إذنه لم يأمنوا أن يكون في الموضع الذي يذهبون إليه عدو فيظفر بهم، وربما ارتحل الأمير بالناس وبقي الخارج فيضيع.
(٣) قوله «وَمَنْ أَخَذَ مِنْ دَارِ الحَرْبِ مَالَهُ قِيْمَةٌ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ»: وذلك لأنه مال ذو قيمة مأخوذ من دار الحرب بقوة المسلمين فكان غنيمة كالمطعومات.
стр. 2519
إِلاَّ الطَّعَامَ وَالعَلَفَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ (١)،
ــ
=مثاله: أن يغنم مع المجاهدين شيئاً، ويكتمه يريد أن يختص به لنفسه، فهذا قد فعل إثماً عظيماً وأتى كبيرة من كبائر الذنوب. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١).
ولما كانت المسألة كبيرة ومتعلقة بعموم المسلمين، امتنع النبي ﷺ أن يصلي على الغال، نكالاً لمن يأتي بعده، ولا تسقط الصلاة عن بقية المسلمين، فيجب عليهم أن يصلوا عليه. ودليل ذلك: ما روى زيد بن خالد ﵁ قال: «توفي رجل من جهينة يوم خيبر فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فتغيرت وجوه القوم، فلما رأى ما بهم قال: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ الْيَهُودِ، لا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ» (٢).
(١) قوله «إِلاَّ الطَّعَامَ وَالعَلَفَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ»: أي إذا دخل الغزاة أرض الحرب فلهم أن يأكلوا ما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من علفهم، لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ» (٣).
وكتب صاحب جيش الشام إلى عمر: إنا أصبنا أرضاً كثيرة الطعام =
стр. 2520
فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِيْ المَغْنَمِ (١)، وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوْعِهِ إِلى بَلَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ يَسِيْرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ (٢)،
ــ
=والعلف وكرهت أن أتقدم في شيء من ذلك، فكتب إليه عمر ﵁ «دع الناس يأكلون ويعلفون فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين» (١)، وعن عبد الله بن مغفل قال دلي جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته، وقلت والله لا أعطي أحداً منه شيئاً فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يضحك فاستحييت منه» (٢)، ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه مضرة بالجيش وبدوا بهم فانه يعسر عليهم نقل الطعام والعلف من دار الإسلام ولا يجدون بدار الحرب ما يشترونه.
(١) قوله «فَإِنْ بَاعَهُ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِيْ المَغْنَمِ» أي: فإن باع ما أُبيح له أخذه من الطعام وعلف الدواب، ونحوه مما يحتاجه فإن الواجب عليه رده إلى الغنائم لقول عمر المتقدم «فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضة ففيه خمس الله وسهام المسلمين».
(٢) قوله «وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوْعِهِ إِلى بَلَدِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنَ يَسِيْرًا، فَلَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ»: أي فان فضل منه ما لا حاجة به إليه رده على المسلمين إذا كان كثيراً لأنه إنما أبيح له ما يحتاج إليه فما بقي تبينا أنه أخذ أكثر مما يحتاجه فيبقى على أصل التحريم إلا أن يكون يسيراً فله =
стр. 2521
وَيَجُوْزُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيْقِ، وَقِتَالُهُمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلى بَنِيْ المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّوْنَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ (١)،
ــ
=أكله وإهداؤه لأن اليسير مما تجري فيه المسامحة، قال الأوزاعي: أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم لبعض ولا ينكره أحد (١).
(١) قوله «وَيَجُوْزُ تَبْيِيْتُ الكُفَّارِ وَرَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيْقِ، وَقِتَالُهُمْ قَبْلَ دُعَائِهِمْ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلى بَنِيْ المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّوْنَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ»: تبييت الكفار معناه: بأن يغير المسلمون عليهم ليلاً على حين غفلة منهم.
وقد ذهب جمهور الفقهاء بأنه يجوز ذلك ولو قتل في هذا التبييت من لا يجوز قتله من امرأة وصبي، وغيرهما كمجنون وشيخ فان إذا لم يقصدوا، لحديث الصعب بن جثامة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يُسأل عن ديار المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال: «هُمْ مِنْهُمْ» (٢).
فإن قيل: قد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والذرية.
نقول: هذا محمول على التعمد لقتلهم.
والجمع بينهما ممكن بحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه.
стр. 2522
وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ (١)، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا (٢)،
ــ
(١) قوله «وَلا يُقْتَلُ مِنْهُمْ صَبِيٌّ، وَلا مَجْنُوْنٌ، وَلا امْرَأَةٌ، وَلا رَاهِبٌ، وَلا شَيْخٌ فَانٍ، وَلا زَمِنٌ، وَلا أَعْمَى، وَلا مَنْ لا رَأْيَ لَهُمْ»: أما كون الصبي والمرأة والشيخ الفاني لا يقتلون فلأن النبي ﷺ : «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» (١)، ولأن الشيخ الفاني ليس من أهل القتال، فلا يقتل، كالمرأة.
وأما كون الراهب لا يقتل، فكما في حديث أبي بكر ﵁ في وصيته ليزيد ابن أبي سفيان: «سَتَمُرُّونَ عَلَى قَومٍ فِي صَوَامِعَ لَهُم، وَاحتَبَسُوا أنفُسَهُم فِيهَا، فَدَعُوهُم حَتَّى يُمِيتَهُمُ الله عَلَى ضَلالَتِهِم» (٢). ولأن الراهب لا يقاتل تَدَيُّناً، فأشبه من لا يقدر على القتال.
وأما الزَّمن - بفتح الزاي المشددة وكسر الميم، وهو الضعيف الذي لا يقدر على القيام - والأعمى فبالقياس على الشيخ الفاني، لاشتراكهم في عدم النكاية.
(٢) قوله «إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوْا»: هذا شرط في عدم قتل المذكورين، وهو ألا يكون لهم رأي في القتال أو مشاركة، فإن كان أحدهم يقاتل أو كان له رأي فإنه يُقتل، لأن الرأي من أعظم المؤنة في الحرب، بل ربما كان أبلغ من القتال.
وأما كون من قاتل يقتل، فلحديث رباح بن الربيع ﵁ قال: كُنَّا مَعَ =
стр. 2523
وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ (١)،
ــ
= رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيءٍ، فَبَعَثَ رَجُلاً فَقَالَ: «انْظُرْ عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ؟ » فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ... » الحديث (١).
(١) قوله «وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيْ أُسَارَى الرِّجَالِ، بَيْنَ القَتْلِ، وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَالفِدَاءِ، وَالْمَنِّ»: هذه هي الخصال التي تفعل في المقاتلة، فالإمام مخيّر بين هذه الخصال الأربع:
الخصلة الأولى: القتل: لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٢).
٢ - وروى البيهقي عن سعيد بن جبير أن النبي ﷺ «قُتِل يوم بدر ثلاثة صبراً» (٣).
وقال بعض الفقهاء: لا يجوز قتل الأسير، لأن ظاهر قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾، أنه ليس للإمام بعد الأسر إلا المنّ أو الفداء، والراجح جواز قتلهم.
الخصلة الثانية: المنّ: أي أن يطلق من غير مال، فقد قال ﷺ في أسارى=
стр. 2524
وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ (١)،
ــ
=بدر: «لَو كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيّاً، ثُمَ سَألَني هَؤُلاءِ النَّتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» (١).
«وقد مَنَّ النبي ﷺ عَلَى ثُمَامَة بْن أُثَال» (٢)، «ومَنَّ عَلَى أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ» (٣).
الخصلة الثالثة: الفداء: أي يفدي نفسه بمال، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء﴾ (٤)
الخصلة الرابعة: الاسترقاق ، أي أن يكون رقيقاً.
(١) قوله «وَلا يَخْتَارُ إِلاَّ الأَصْلَحَ لِلْمُسِلِمِيْنَ»: أي هذه التخييرات الأربع حسب المصلحة، لأن القاعدة الشرعية «أن كل من يتصرف لغيره إذا خيِّر بين شيئين فإن تخييره للمصلحة وليس للتشهي».
فالإمام يخيّر بين أن يقتل الأسير، وإن شاء جعله رقيقاً، وإن شاء قبل فيه المال فدية، وإن شاء منَّ عليه، هذا كله تحت خياره، وعلى حسب المصلحة التي يراها.
стр. 2525
وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ (١)، وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ (٢)،
ــ
(١) قوله «وَإِنِ اسْتَرَقَّهُمْ أَوْ فَادَاهُمْ بِمَالٍ، فَهُوَ غَنِيْمَةٌ»: أي ما أخذ الإمام من فدية الأسرى فهو غنيمة، لأن النبي ﷺ قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين، ولأنه مال حصل بقوة الجيش أشبه الخيل والسلاح.
و هل الهدية من جنس الفداء فتدخل في الغنيمة ؟ نقول في ذلك تفصيل:
فان كان في حال الغزو فهي غنيمة، لأن الظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لخوف من المسلمين، فظاهر هذا يدل على أن ما أهدي لآحاد الرعية فهو له، وإن كانت الهدية من دار الحرب إلى دار الإسلام فهي لمن أهديت له سواء كان الإمام أو غيره لان النبي ﷺ قبل هدية المقوقس فكانت له دون غيره.
(٢) قوله «وَلا يُفَرَّقُ فِيْ السَّبْيِ بَيْنَ ذَوِيْ رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُوْنُوْا بِالغِيْنِ»: أي وإن حصل بعد القتال سَبْيٌ لم يجز التفريق ببيع، أو قسمة، أو هبة بين ذوي رحم محرم، وهو القريب قرابة سببها الولادة، كأب وابن، وكأخوين، وأختين، وكالعمة مع ابن أخيها والخالة مع ابن أختها ونحو ذلك، لما ورد عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلامَينِ أَخَوَينِ فَبِعْتُهُمَا فَفَرَّقْتُ بَينَهُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إِلا جَمِيعاً» (١).