← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَينْصِبُ الْيُمْنَى (١) ــ = تكبيرة الإحرام فهي فرض. (١) قوله «وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، فَيَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَينْصِبُ الْيُمْنَى» هذه هي صفة الجلوس بين السجدتين، فالسنة أن يجلس بين السجدتين مفترشًا، وصفة الافتراش كما ذكره المؤلف هي أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى، ودليل ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى» (١)، وأيضًا جاء في حديث أبي حميد الساعديّ ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ حيث قال: «ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِيْ مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلاً ثُمَّ أَهْوَى سَاجِدًا» (٢)، لكن إن فرش قدميه وجلس على عقبيه، المذهب (٣) أنه يكره ذلك، وبالكراهة قال الحنفية (٤) والمالكية (٥)، وقال الشافعية (٦) وهو رواية المذهب (٧) أنه لا يكره بل من السنة فعل ذلك، واحتجوا لذلك بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: «من السنة أن يمس عقبك=

стр. 282

وَيَثْنِيْ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ (١)، ــ =إليتيك» (١)، وقال طاووس: «قُلْنَا لاِبْنِ عَبَّاسٍ فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ » (٢) وهناك صفة أخرى جاءت عن ابن عباس ﵄ أيضًا وهي: أن ينصب المصلي قدميه ويجلس على عقبيه. فالمذهب (٣) أن هذه الصفة والتي قبلها ليست من السنة. والصواب أن يقال: كل ما جاء عن النبي ﷺ بأحاديث صحيحة يعد سنة، لكن لا يواظب الإنسان على فعله، بل يفعله أحيانًا لبيان الجواز وإحياء للسنة، فيشرع للمصلي أن يفرش كلتا رجليه أحيانًا أو ينصبها ويجلس عليها أحيانًا، لكن يكون ذلك بين السجدتين كما ذكر ذلك بعض أهل العلم، أما في الجلوس للتشهد فالسنة أن يفرش اليسرى وينصب اليمنى. (١) قوله «وَيَثْنِيْ أَصَابِعَهَا نَحْوَ القِبْلَةِ» أي يثني أصابع اليمنى ويجعلها نحو القبلة؛ لورود ذلك في صفة صلاة النبي ﷺ . - تنبيه: أين يجعل المصلي يديه حال الجلوس بين السجدتين وكيف تكونان؟ نقول: هناك صفتان في وضع اليدين حال الجلوس بين السجدتين: الصفة الأولى: أن يضع يديه على فخذيه وأطراف أصابعه عند ركبتيه. والصفة الثانية: أن يضع يديه على ركبتيه، فيضع اليد اليمنى على الركبة=

стр. 283

وَيَقُوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ، ثَلاثًا (١)، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى (٢)، ــ =واليد اليسرى على الركبة يلقمها الركبة كأنه قابض لها. أما عن كيفية اليدين في حال وضعهما على الركبة في الصلاة فقد اختلف الفقهاء في ذلك: فجمهور الفقهاء أن اليدين اليمنى واليسرى تكونان مبسوطتي الأصابع موجهة إلى القبلة، وذهب ابن القيم (١) واختاره شيخنا (٢) ﵀ أن السنة في ذلك أن تكون اليد اليسرى مبسوطة مضمومة الأصابع موجهة إلى القبلة، أما اليمنى فالسنة أن يقبض منها الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام على البنصر الوسطى ويرفع السبابة ويحركها عند الدعاء. (١) قوله «وَيَقُوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ، ثَلاثًا» وهذا الذكر واجب في الصلاة والمجزئ مرة واحدة، والمستحب الإتيان به ثلاثًا، وبوجوبه قال الحنابلة (٣)، وذهب الجمهور إلى أن ذلك سنة وليس بواجب، وإن زاد المصلي على ذلك فقال: «رَبِّ اغْفِرْ لِيْ وَارْحَمْنِيْ وَاجْبُرْنِيْ وَارْفَعْنِيْ وَارْزُقْنِيْ وَاهْدِنِيْ» (٤)؛ لوروده عن النبي ﷺ فحسن. (٢) قوله «ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى» أي كالسجدة الأولى في الأقوال والأفعال، فيقول فيها كما قال في السجدة الأولى «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى»، «سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ»، «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ =

стр. 284

ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا (١)، وَيَنْهَضُ قَائِمًا (٢)، ــ =اغْفِرْ لِيْ»، «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوْتِ وَالْمَلَكُوْتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» ونحو ذلك. (١) قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا» والتكبير هنا واجب كما ذكرنا لحديث أبي هريرة ﵁ السابق بخلاف قول الجمهور بسنيتها. (٢) قوله «وَيَنْهَضُ قَائِمًا» أي بلا جلوس للاستراحة وهذا هو المذهب (١)، وذهب الشافعية (٢) إلى أن الجلوس للاستراحة سنة مطلقًا، سواء احتاج الإنسان إليه أم لم يحتج، وهذا هو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٣) ﵀، وهو قول أكثر أهل الحديث، واستدلوا لذلك بحديث مالك بن الحويرث الليثي ﵁ «أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِيْ وِتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» (٤)، وفي رواية «جَلَسَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ قَامَ» (٥). وذهب شيخنا محمد العثيمين (٦) ﵀ إلى قول وسط في هذه المسألة فقال: إن كان المصلي يحتاج إلى الجلوس أي لا يستطيع أن ينهض بدون جلوس فيجلس تعبدًا، وإن كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس، وهو قول صاحب المغني، واختاره ابن القيم، وهذا هو الراجح. - تنبيه: إذا كان الإمام لا يجلس للاستراحة، فهل يشرع للمأموم أن يجلس =

стр. 285

فَيُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالأُوْلى (١). ــ =لها إذا كان يرى أنها سنة؟ الجواب: متابعة الإمام أفضل؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (١)، ولقوله ﷺ : «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوْا» (٢)، فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب بدون مهلة، فدل ذلك على أن الأفضل في حق المأموم ألا يتأخر عن الإمام ولو يسيرًا. (١) قوله «فَيُصَلِّيْ الثَّانِيَةَ كَالأُوْلَى» أي يصنع في الركعة الثانية مثل ما صنع في الركعة الأولى، قال ﷺ للمسيء صلاته: «ثُمَّ افْعَلْ ذلِكَ فِيْ صَلاتِكَ كُلِّهَا» (٣)، لكن الركعة الثانية تخلو من النية وتكبيرة الإحرام والاستفتاح؛ لأن هذه من خصائص الركعة الأولى. - تنبيه: هل يستعيذ عند القراءة في الركعة الثانية ؟ قلنا: إن ذلك محل خلاف، فإحدى الروايتين عن أحمد (٤) وهي المذهب: أنه لا يستعيذ إلا في الأولى، والرواية الثانية عن أحمد (٥) وهو قول الشافعي (٦) ﵀ أنه يستعيذ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٧) فيقتضي ذلك تكرار الاستعاذة عند تكرار القراءة، لكن الصواب الأول كما رجحنا=

стр. 286

فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ مُفْتَرِشًا (١)، فَيَبْسُطُ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى، يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ (٢)، وَيُحَلِّقُ الإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى (٣) وَيُشِيْرُ بِالسَّبَابَةِ (٤)، ــ =ذلك سابقًا. (١) قوله «فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُمَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ مُفْتَرِشًا» أي إذا فرغ من الركعة الأولى والثانية جلس للتشهد مفترشًا أي يفرش رجله اليسرى فيجلس عليها وينصب اليمنى، فيكون جلوسه هنا مثل جلوسه بين السجدتين المتقدم ذكره. (٢) قوله «فَيَبْسُطُ يَدَهُ الْيُسْرى عَلَى فَخِذِهِ اليُسْرَى، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصِرَ وَالْبِنْصِرَ» أي يقبض من يده اليمنى الخنصر والبنصر، والخنصر هو الأصبع الأصغر والبنصر هو الذي يليه. (٣) قوله «وَيُحَلِّقُ الإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى» الإبهام هو الأصبع الأكبر، فيحلق مع الوسطى أي يحلق مقدم الإبهام مع مقدم الوسطى فيأخذ شكل حلقة، وهذه هي إحدى الصفات الواردة وهناك صفة أخرى وهي أن يضم الخنصر والبنصر والوسطى ويضم إليها الإبهام وتبقى السبابة مفتوحة. (٤) قوله «وَيُشِيْرُ بِالسَّبَابَةِ» السبابة هي ما بين الإبهام والوسطى، وسميت بذلك لأن الإنسان يشير بها عند السبِّ، وتسمى أيضًا السباحة لأنه يشير بها عند التسبيح. لكن متى يشير بالسبابة ؟ قال الفقهاء يشير بها عند ذكر الله في الصلاة، ويكون ذلك من بداية التشهد إلى آخره، وقال بعضهم: بل يشير بها عند قول: «أشهد أن لا إله إلا الله»، والصواب أنه يشير بها عند الذكر والدعاء فقط؛ لقوله في الحديث «يُحَرِّكُهَا =

стр. 287

وَيَقُوْلُ: التَّحِيَّاتُ للهِ (١)، ــ =يَدْعُوْ بِهَا» (١). وقد اختلف الفقهاء في الإشارة بالسبابة في التشهد؛ فذهب بعض الحنفية (٢) إلى عدم مشروعيته، وإجماع السلف على خلافه، لكن ورد الخلاف في تحريكها حال الإشارة بها، فالمذهب (٣) لا يرى التحريك أي يشير بالسبابة من غير تحريك، والصواب أن تحريك السبابة مستحب، ويكون تحريكها كما ذكرنا عند الذكر والدعاء، ولا يكون التحريك كما نراه من البعض عبارة عن اهتزاز الأصبع كهيئة المرتعش، بل يكفي التحريك الذي هو عبارة عن إشارة فقط، وليس معنى التحريك أيضًا تحريك السبابة يمينًا وشمالاً كما يحدث من البعض؛ لأنه لم يرد دليل على ذلك، بل يكون التحريك بالإشارة فقط عند الدعاء. (١) قوله «وَيَقُوْلُ: التَّحِيَّاتُ للهِ» هذا هو التشهد، وقد اختلف فيه الفقهاء؛ فقال الحنفية (٤) والمالكية (٥) بأنه سنة، وقال الشافعية (٦) والحنابلة (٧) بوجوبه وهذا هو الحق؛ لحديث ابن مسعود ﵁ قال: كُنَّا نَقُوْلُ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ السَّلامُ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ عَلَى جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ فَقَالَ رَسُولُ ﷺ =

стр. 288

وَالصَّلَوَاتُ (١)، وَالطَّيِّبَاتُ (٢)، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ (٣) ــ = «لا تَقُوْلُوْا هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ وَلَكِنْ قُوْلُوْا التَّحِيَّاتُ للهِ ... » (١). وقوله «التَّحِيَّاتُ للهِ» أي حال جلوسه للتشهد يأتي بهذه الصفة التي سيذكرها المؤلف، ومعنى «التَّحِيَّاتُ للهِ» أي جميع أنواع التعظيمات من دعاء وصلوات وكل طيب من الأقوال والأفعال لله تعالى، واللام في قوله «التَّحِيَّاتُ» للاستحقاق والاختصاص، فلا يستحق أي نوع من التحيات إلا لله . (١) قوله «وَالصَّلَوَاتُ» أي الصلوات كلها؛ فرضها ونفلها وكل الأدعية لله استحقاقًا لا أحد يستحقها غيره، فلازم أن تكون هذه الصلوات المؤداة لله إخلاصًا وعبودية، وقيل في معناها أيضاً العبادات، وقيل الرحمة. (٢) قوله «وَالطَّيِّبَاتُ» كل طيب من الأقوال والأفعال والصفات لله تعالى، فما يتعلق به له من الأوصاف أطيبها، ومن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها، فهو لا يقول إلا الطيب، ولا يفعل إلا الطيب، ولا يتصف إلا بالطيب، فهو طيب في كل شيء، في ذاته وصفاته وأفعاله، فالطيبات إذاً هي الكلام الذي هو ثناء على الله تعالى وذكر له. (١) قوله «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» السلام هو السلامة من كل شر في الدنيا والآخرة، وهذه الجملة خبر بمعنى الدعاء، بمعنى أنك تدعو بأن الله يسلم =

стр. 289

وَرَحْمَةُ اللهِ (١)، وَبَرَكاتُهُ (٢) ــ =نبيه من شرور الدنيا والآخرة، وخبر بمعنى قوة رجاء كأن الإجابة أمرٌ واقع. لكن هل يقال في التشهد «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ» بحذف الكاف لورود ذلك عن ابن مسعود ﵁؟ نقول: لا، بل يأتي بالكاف فيقول: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» لأن هذه هي الصفة التي علمها النبي ﷺ أمته في حياته، ولم يقل لهم إذا متُّ فقولوا: «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ»، بل علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن على لفظها، وما جاء عن ابن مسعود ﵁ هو اجتهاد منه خالفه فيه من هو أعلم منه كعمر ﵁، فإنه خطب الناس على منبر النبي ﷺ فقال: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ»، فلم يخالفه أحد من الصحابة وقال له: «السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ». ثم إن الكاف هنا ليست كاف خطاب حاضر يتكلم، بل هي هنا بمنزلة تنزيل الغائب منزلة الحاضر؛ لقوة استحضار القلب له، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀. (١) قوله «وَرَحْمَةُ اللهِ» جملة معطوفة على ما قبلها وهي قوله «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ» أي السلام عليك ورحمة الله عليك أيها النبي. (٢) قوله «وَبَرَكاتُهُ» جمع بركة، والبركة هي دوام الخير وثبوته، وأصل البركة من البِرْكَةِ بكسر الباء وهي مجمع الماء الكثير الثابت، والبركة أيضًا معناها النماء والزيادة في كل خير. والدعاء للنبي ﷺ بالبركة يكون حال حياته وبعد مماته، فأما في حال حياته فقد حصل من الصحابة- رضوان الله عليهم - حيث كانوا يدعون له في صلاتهم=

стр. 290

السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ (١)، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ (٢)، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ (٣)، ــ =بالبركة كما هو معروف في أثناء تشهدهم، والمراد به هنا أن يبارك الله تعالى له في أهله وعمله وطعامه وكسوته ونحو ذلك، ويكون ذلك بثبوت الخير له ودوامه عليه. أما بعد مماته فيكون الدعاء بالبركة له بأن يبارك الله في أتباعه وما يتبع فيه، فكثرة الأتباع تكون بزيادتهم وما يتبع فيه يكون بكثرة أعمال الخير ودوامها، فيحصل له بذلك الأجر العظيم بكثرة الأتباع وكثرة العمل من الأتباع. (١) قوله «السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ» بعد أن فرغ المصلي من الدعاء للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة، هنا يدعو لنفسه ولإخوانه المسلمين. والضمير في قوله «عَلَيْنَا» قيل يعود على المصلين، وقيل على الملائكة، وقيل على جميع الأمة المحمدية وهذا هو الأظهر، فالمصلي يدعو لنفسه ولإخوانه من هذه الأمة. أما قوله «وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ» هذا تعميم بعد تخصيص، وذلك لأن عباد الله الصالحين هم في الحقيقة من أمة محمد ﷺ . (٢) قوله «أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ» أي أشهد أنه لا معبود بحق إلا الله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (١). (٣) قوله «وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ» أي أشهد أن محمدًا ﷺ عبد الله أي عابد له لا يملك من الربوبية شيء بل هو بشر مثلنا، لكن ميزه الله تعالى بالوحي وبما جبله عليه من العبادة والأخلاق العظيمة، وقوله «وَرَسُوْلُهُ» =

стр. 291

فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيْ التَّشَهُّدِ (١)، ــ =أي أرسله الله وجعله واسطة بينه وبين عباده في تبليغ شرعه. (١) قوله «فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيْ التَّشَهُّدِ» وهو ثابت عن ابن مسعود ﵁، فعنه أن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِيْنَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الْكَلامِ مَا شَاءَ» (١)، هذا هو التشهد الأول، لكن هل يأتي المصلي بالصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول ؟ قولان لأهل العلم: فأكثر أهل العلم على أنه لا تشرع إلا في التشهد الأخير، وهذا اختيار شيخنا محمد العثيمين (٢) ﵀، وذهب النووي كما في المجموع (٣) وبعض أهل العلم واختاره سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٤) ﵀ إلى أن الصلاة على النبي تشرع في التشهد الأول وقال هذا على الصحيح. والذي نرجحه من القولين ما ذهب إليه سماحة شيخنا ابن باز ﵀ لعموم الأدلة فلم تخصص هذه الأدلة التشهد الأخير، بل هي عامة تشمل التشهدين، لكنها في التشهد الأول مستحبة وليست بواجبة.

стр. 292

ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (١)، ــ (١) قوله «ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» هذه إحدى صفات الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، فالمشهور من المذهب (١) أنها ركن لا تصح الصلاة بدونها، وفي رواية في المذهب (٢) أنها واجبة تصح بدونها مع جبر الصلاة بسجود سهو، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (٣) وهي المذهب عند الحنفية (٤) والمالكية (٥) أن الصلاة الإبراهيمية في الصلاة سنة وليست بركن ولا واجبة، واختار هذا القول شيخنا محمد العثيمين (٦) ﵀، وذهب الشافعية (٧) إلى أنها فرض في التشهد الثاني. والصحيح أن الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة ركن لا تتم الصلاة إلا بها وهذا في التشهد الأخير، أما في التشهد الأول فمستحبة. وقوله «اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» الصلاة من الله على أنبيائه ورسله هي ثناؤه عليهم عند الملائكة المقربين، فقولنا اللهم صل على محمد؛ أي أثن عليه وأعل ذكره، وزده تعظيمًا وتشريفًا. وقوله «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» أي أقاربه الذين تحرم عليهم الصدقة وهم بنوا هاشم وبنوا المطلب وأزواجه.

стр. 293

كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وَآلِ إِبْرَاهِيْمَ (١)، إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ (٢)، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ (٣)، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (٤)، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ (٥)، إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ (٦). وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ (٧)، ــ (١) قوله «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيْمَ وآلِ إِبْرَاهِيْمَ» أي كما مننت بهذه الصلاة على إبراهيم امنن بها على نبينا محمد ﷺ . (٢) قوله «إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ» إنك أنت المستحق للمحامد والتمجيد. (٣) قوله «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ» أي أنزل عليهم البركة. (٤) قوله «وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» «الآل» إن أفردت تشمل جميع الأتباع، ويكون المراد بها أتباعه ﷺ من قراباته ومن آمن به واتبعه من أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وهذا هو المراد في التشهد فأنت حينما تقول: «وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ» فقد دعوت لأقارب النبي ﷺ وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ودعوت لنفسك أنت كذلك بالبركة. (٥) قوله «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيْمَ» أي كما خصصت نبيك وخليلك إبراهيم وآله بالبركة، فكذلك أنزل بركتك على نبيك محمد ﷺ وآله، فما أعظمه من دعاء. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أتباع نبينا محمد ﷺ لننال هذه البركة أعني البركة في العمل والبركة في العمر والبركة في نعم الدنيا. (٦) قوله «إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ» قد سبق ذكره. (٧) قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ» اختلف العلماء في هذا الدعاء المذكور، فالجمهور على أنه سنة في الصلاة، وقيل بأنه واجب وهذا رواية عن الإمام أحمد (١)، والراجح أنه واجب، لكن فينبغي للمصلي أن لا يترك =

стр. 294

وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ (١)، ــ =هذا الدعاء لخطورة هذه الأربع التي أمر النبي ﷺ بالاستعاذة منها. قوله «عَذَابِ جَهَنَّمَ» علم على النار وهي مخلوقة وموجودة الآن كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١)، ولأنه ﷺ حينما صلى الكسوف عرضت عليه النار ووجد فيها عمرو بن لحي الخزاعي، وأيضًا عرضت عليه في المعراج ورأى فيها أناساً يعذبون. ومعنى «أعوذ بالله من عذاب جهنم» أي ألجأ وأعتصم بالله من عذاب في جهنم أو من العذاب الحاصل في جهنم. (١) قوله «وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» معطوف على ما قبلها أي أستعيذ بالله من عذاب القبر أي ما يحصل فيه من العقوبة، وعذاب القبر ثابت بظاهر القرآن وصريح السنة وإجماع المسلمين. فمن ظاهر القرآن قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢)، فقوله ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أي صباحًا ومساء يعذبون في قبورهم. ومن نصوص السنة قوله ﷺ : «اسْتَعِيْذُوْا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاًثًا .. » (٣)، وحديث عائشة قالت: «دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوْزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُوْدِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا لِيْ: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُوْرِ يُعَذَّبُوْنَ فِيْ قُبُوْرِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ، =

стр. 295

وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ (١)، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَّالِ (٢)، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِيْنِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ (٣)، ــ =فَقَالَ: صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُوْنَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا، فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِيْ صَلاةٍ إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (١). وهناك أدلة كثيرة تدل على ذلك. وقد أجمع المسلمون على أن عذاب القبر حاصل للكافرين وكذا عصاة الموحدين قد يحصل لهم شيء من عذاب القبر. (١) قوله «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» فتنة الدنيا تشمل الافتتان بها بشهواتها وما خلق فيها، وكذا الافتتان بشبهاتها كالتباس الحق بالباطل فيرى الإنسان الباطل حقًا والحق باطلاً. أما فتنة الممات فقيل هي سؤال الملكين في قبره عن ربه ودينه ونبيه ﷺ ، وقيل أيضًا ما يكون عند الموت في آخر الحياة. (٢) قوله «وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَّالِ» أي وأستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال، والمراد بفتنته ما يحصل به من الإضلال والإغواء بما معه من الشبهات، ولما كانت فتنته عظيمة أمر المسلم أن يستعيذ من فتنته في أحب الأعمال إلى الله تعالى وهي الصلاة. (١) قوله «ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِيْنِهِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ» وهذه التسليمة ركن من أركان الصلاة، وذهب الحنفية (٢) إلى عدم ركنية التسليم في الصلاة. والصحيح أن التسليم ركن لقوله ﷺ : «وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْمُ» (٣) ولأنه ﷺ =

стр. 296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = واظب عليه ولم يتركه أصحابه من بعده، وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (١). لكن اختلف الفقهاء في التسليمة الثانية؛ فالمالكية (٢)، والشافعية (٣) وإحدى الروايتين في المذهب (٤) يرون أنها سنة، والمذهب (٥) أنها ركن وهذا اختيار ابن القيم (٦) والعلامة ابن سعدي (٧) - رحمهما الله - وهو الراجح. وعلى ذلك لا يجزئ الإتيان بتسليمة واحدة على القول الراجح من أقوال أهل العلم، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٨) ﵀. لكن على من يسلم المصلي عند خروجه من الصلاة؟ قيل: يسلم على من معه إن كان إمامًا في جماعة، وإن كان منفردًا فإنه يسلم على الملائكة. - تنبيه: هل يزيد على ذلك فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟ الجواب: محل خلاف بين أهل العلم، فالمذهب (٩) يرى أن الأفضل أن لا يزيد، وذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية هذه الزيادة في التسليمة الأولى دون الثانية، واحتج لذلك بأنه ﷺ فعل ذلك، فعن وائل بن حجر ﵁ قال: =

стр. 297

وَعَنْ يَسَارِهِ كَذلِكَ (١). وَإِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ (٢)، نَهَضَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ (٣)، ــ = «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَعَنْ شِمَالِهِ السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» (١). والصواب أنه إن فعل ذلك أحيانًا فله ذلك؛ لصحة الخبر الوارد في ذلك لكن لا يواظب عليه، أما إن كان إمامًا ويحصل من هذه الزيادة تشويش على الناس ويستنكرون عليه فلا يفعل ذلك. (١) قوله «وَعَنْ يَسَارِهِ كَذلِكَ» أي يسلم عن يساره كما سلم عن يمينه «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» وهذه التسليمة على الصحيح واجبة لا يشرع لأحد تركها كما ذكرنا، بل الواجب الإتيان بها. (٢) قوله «وَإِنْ كَانَتِ الصَّلاةُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ» كأن تكون الصلاة ثلاثية كالمغرب، أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء. (٣) قوله «نَهَضَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ» أي نهض مكبرًا بعد التشهد الأول، لكن هل يرفع يديه عند نهوضه من التشهد الأول كرفعه عند ركوع وعند قيامه منه، المشهور من المذهب (٢) أنه لا يرفع يديه عند القيام للركعة الثالثة بعد تشهده الأول. والصحيح أنه إذا قام من الركعتين يسن له أن يرفع يديه لثبوت ذلك عن النبي ﷺ كما جاء في حديث ابن عمر ﵄ وفيه « ... وَإِذَا قَامَ=

стр. 298

كَنُهُوْضِهِ مِنَ السُّجُوْدِ (١)، ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ لا يَقْرَأُ فِيْهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا (٢)، ــ =مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ ... » (١). (١) قوله «كَنُهُوْضِهِ مِنَ السُّجُوْدِ» وصفة نهوضه هنا أن ينهض على صدور قدميه معتمدًا يديه على فخذيه أو ركبتيه، وإن احتاج المصلي إلى الاعتماد على يديه عند قيامه لكبر أو مرض أو لكون ذلك أسهل عليه فلا بأس. وقال الشافعية (٢) بل السنة الاعتماد على اليدين عند النهوض، وهو قول الألباني (٣) ﵀. (٢) قوله «ثُمَّ يُصَلِّيْ رَكْعَتَيْنِ لا يَقْرَأُ فِيْهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ شَيْئًا» هذا هو المذهب (٤) وهو قول الجمهور، أي يقتصر المصلي في الركعة الثالثة والرابعة على الفاتحة فقط أي لا يزيد عليها ودليل ذلك حديث أبي قتادة ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى مِنَ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ وَكَذلِكَ فِي الصُّبْحِ» (٥). قلت: لكن إن زاد عن الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة من الظهر أحيانًا فحسن لورود ذلك في حديث أبي حميد ﵁، وبهذا قال سماحة شيخنا =

стр. 299

فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ، تَوَرَّكَ؛ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَفَرَشَ الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَهَا عَنْ يَمِيْنِهِ (١). ــ =عبد العزيز بن باز (١) - رحمه الله تعالى -. (١) قوله «فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ، تَوَرَّكَ؛ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَفَرَشَ الْيُسْرَى، وَأَخْرَجَهَا عَنْ يَمِيْنِهِ» أي إذا أتى المصلي بما بقي من صلاته إن كانت ثلاثية أو رباعية يستحب له أن يجلس متوركًا، وصفة التورك كما ذكره المؤلف أن ينصب رجله اليمنى ويفرش اليسرى فيخرجها من الجانب الأيمن ثم يجلس على مقعدته على الأرض، وهذه هي إحدى صفات التورك. وهناك صفتان غير التي ذكرها المؤلف جاءت في بيان التورك؟ إحداهما: أن يفرش القدمين جميعًا ويخرجهما من الجانب الأيمن. والثانية: أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين فخذ وساق اليمنى، والذي ينبغي على الإنسان متى سهل عليه أن يفعل هذا مرة وهذا مرة ليحافظ على السنة. - تنبيهان: أولاً: ذهب بعض الفقهاء إلى التفريق بين الرجل والمرأة في هيئة الجلوس في الصلاة، فقالوا: يسن للرجل في الصلاة الافتراش وللمرأة التورك، لا فرق في ذلك بين التشهد الأول والأخير أو الجلسة بين السجدتين، والصحيح أن المرأة كالرجل تمامًا لعدم الدليل الذي يدل على التفريق بينهما، فالأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام. ثانيًا: المذهب (٢) على أن المرأة تضم نفسها في الحال التي يشرع للرجل فيها =

стр. 300

وَلا يَتَوَرَّكُ إِلاَّ فِيْ صَلاةٍ فِيْهَا تَشَهُّدَانِ (١)، فِي الأَخِيْرِ مِنْهُمَا (٢)، ــ =التجافي كما في الركوع والسجود، والصحيح أن المرأة كالرجل كما ذكرنا في الأحكام وليس هناك دليل على التفريق. (١) قوله «وَلا يَتَوَرَّكُ إِلاَّ فِيْ صَلاةٍ فِيْهَا تَشَهُّدَانِ» كالظهر والعصر والمغرب والعشاء، أما الصبح فليس فيه تورك، وهذا هو المذهب (١) وهو قول الشافعية (٢)، وذهب الحنفية (٣) إلى أن جميع الجلسات في الصلاة هي الافتراش وقال المالكية (٤) بأن هيئة الجلوس المسنونة في جميع جلسات الصلاة هي التورك سواء في التشهد الأول أو الثاني أو الجلوس بين السجدتين. والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية؛ لحديث أبي حميد الساعدي ﵁ وفيه: « .. فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنىَ وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» (٥)، وفي رواية «فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» (٦). (١) قوله «فِي الأَخِيْرِ مِنْهُمَا» لحديث أبي حميد ﵁ السابق، و المراد بالتشهد الأخير ما يعقبه السلام فإذا سبق المأموم بركعة وجلس مع إمامه في التشهد =

стр. 301

فَإِذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا (١)، وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ (٢). ــ =الأخير فإنه لا يتورك لأن تشهده هنا لا يعقبه السلام. (١) قوله «فَإِذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا» والحكمة في استغفاره بعد صلاته هي جبر التقصير والخلل الذي حصل للإنسان في صلاته وذلك بسبب الوساوس والغفلة فيها وغير ذلك مما يشغله عن خشوع القلب فيها، فيأتي الإنسان بسؤال الله المغفرة بسبب هذا التقصير. (٢) قوله «وَقَالَ: اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» أي يقول بعد استغفاره ثلاثًا هذا الدعاء، والمناسبة هنا ظاهرة، فكما سألت الله تعالى المغفرة تسأله أن لا يرد عليك صلاتك ولا ينقص لك الأجر فيها، والمعنى: سلم لي صلاتي من الرد والنقص. ودليل ذلك ما رواه مسلم عن ثوبان ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» (١). ثم من السنن أيضًا أن يقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، ويختم بـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، يتم بها المائة. وإن سبح ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبّر الله أربعًا وثلاثين، فيكون الجميع مائة، فهذا أيضًا مشروع، أو سبح الله عشرًا وحمده عشرًا =

стр. 302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وكبره عشرًا فهذا أيضًا مشروع، أو قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسًا وعشرين فيكون الجميع مائة، فكل هذا مشروع لثبوته عن النبي ﷺ ، وقد جاءت السنة بكل ما ذكرناه، فينبغي للمسلم أن يحافظ على هذه السنن بفعل هذا تارة وهذا تارة. ومما يشرع أيضًا للمصلي إذا انتهى مما ذكرناه أن يقرأ آية الكرسي، وكذا سورة الإخلاص والمعوذتين، وإن كان في صلاة الصبح والمغرب قرأ الإخلاص والمعوذتين ثلاثًا؛ لورود ذلك عن النبي ﷺ .

стр. 303

بَابُ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَوَاجِبَاتِهَا (١) أَرْكَانُهَا اثْنَا عَشَرَ (٢): الْقِيَامُ (٣)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ أَرْكَانِ الصَّلاةِ وَوَاجِبَاتِهَا» الأركان: جمع ركن، وهو في اللغة: جانب الشيء الأقوى، أما في الاصطلاح: فهو «ما لا تصح الصلاة إلا به سواء تركه عمدًا أو سهوًا»، فإذا ترك المصلى ركنًا من أركان الصلاة سهوًا، ووصل إلى محله من الركعة الثانية، فإنه يلغى هذه الركعة وتعتبر هذه الركعة التي هو فيها محل الركعة السابقة. أما الواجبات فسيأتي تعريفها والفرق بينها وبين الأركان قريبًا إن شاء الله. (٢) قوله «أَرْكَانُهَا اثْنَا عَشَرَ» هذا ما رجحه ابن قدامة ﵀، والراجح أن أركان الصلاة أربعة عشر، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. (٣) قوله «الْقِيَامُ» بدأ المؤلف في بيان أركان الصلاة، فالركن الأول فيها القيام، وقد سبق بيان هذا الركن في صفة الصلاة، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١)، وقوله ﷺ لعمران بن حصين «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (٢)، وهذا الحديث فيه بيان ركنية القيام في الصلاة، لكن ننبه هنا على أن العلماء احتجوا بهذا الحديث وبصريح القرآن على أن الأركان والواجبات تسقط عند العجز وعدم الاستطاعة، فالذي لا يستطيع أن يصلي قائمًا يسقط عنه القيام ويصلي قاعدًا، فإن لم يستطع الصلاة قاعدًا صلى على جنب، فإن لم يستطع صلى مستلقيًا، وهذا يدل على سماحة الشريعة الإسلامية.

стр. 304

وَتَكْبِيْرَةُ الإِحْرَامِ (١)، ــ =وهنا نذكر بعض ال تنبيهات المتعلقة بالقيام: أولاً: يجب على المصلي القيام ولو معتمدًا ، فمن كان لا يستطيع القيام إلا بالاعتماد على عصى أو عمود أو جدار فيجب عليه القيام لعموم الأدلة. ثانيًا: من كان قادرًا على القيام، لكن يخاف على نفسه من السقوط إذا قام، فإنه يسقط عنه القيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١)، فأسقط عنه الرب الركوع والسجود وهما ركنان بسبب الخوف فسقوط القيام عن المعذور من باب أولى. ثالثًا: من أمكنه أن يأتي بجزء من الركن وجب عليه الإتيان به، فإن لم يستطع الإتيان به سقط عنه كما ذكرنا، مثاله: شخص يستطيع أن يأتي بجزء من القيام كأن يكون حاني الظهر لزمه الإتيان به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، ولقوله ﷺ : «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣). (١) قوله «وَتَكْبِيْرَةُ الإِحْرَامِ» هذا هو الركن الثاني من أركان الصلاة، وبركنيته قال المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وقال أبو حنيفة (٦): بل يجزئ بكل ما يقتضي التعظيم، وقد بيَّنا في صفة الصلاة أن الراجح هو تعيين لفظ التكبير، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (٧)، وجمهور أهل العلم.

стр. 305

وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ (١)، ــ =أما تكبيرات الانتقال فهي واجبة كما ذكرنا ذلك، وسيأتي كلام المؤلف عليها في الواجبات. ودليل ركنية تكبيرة الإحرام قوله ﷺ : «وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيْرُ» (١)، وقوله ﷺ : «ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» (٢). (١) قوله «وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ» هذا هو الركن الثالث، دليل ذلك قوله ﷺ : «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣)، وقوله: «مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيْهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ» (٤). وقد اختلف الفقهاء في ركنية قراءة الفاتحة في الصلاة كما سبق في صفة الصلاة وقلنا بأن: المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧) على أنها ركن فيها، وقال الحنفية (٨) بأن ركنية القراءة تتحقق بأي آية من القرآن، أما الفاتحة فهي واجبة ليست بركن، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من ركنيتها في الصلاة للأدلة المتقدمة. لكن اختلف الفقهاء في حكم قراءتها على المأموم على ثلاثة أقوال: وقد =

стр. 306

والرُّكُوْعُ (١)، وَالرَّفْعُ مِنْهُ (٢)، ــ =سبق تفصيل كلام الفقهاء في ذلك مع بيان الراجح في باب صفة الصلاة. (١) قوله «وَالرُّكُوْعُ» هذا هو الركن الرابع، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، وأيضًا جاء في حديث المسيء صلاته: «ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا» (٢). وقد أجمع العلماء على ركنية الركوع في الصلاة. (٢) قوله «وَالرَّفْعُ مِنْهُ» أي من الركوع، وهذا هو الركن الخامس، دليله الحديث السابق أي حديث المسيء صلاته وفيه: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»، وقوله ﷺ في حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: «لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقِيْمُ فِيهَا الرَّجُلُ يَعْنِي صُلْبَهُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ» (٣). والاعتدال في الرفع من الركوع واجب، أما مجرد الرفع فقط ثم الهوي إلى السجود كما نراه من بعض إخواننا القادمين من بعض البلاد الإسلامية، نراهم يرفعون ولا يقيمون صلبهم ولا يعتدلون عند قيامهم، بل يسجدون مباشرة، فهذا خطأ، بل لابد من الاعتدال؛ لحديث المسيء صلاته: «ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا»، وحديث أبي مسعود الأنصاري المتقدم.

стр. 307

وَالسُّجُوْدُ (١)، وَالسُّجُوْدُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ (٢)، ــ - تنبيه: إذا جاء المأموم والإمام راكع ، إن كان أدركه في جزء من الركوع فقد أدرك الركعة وإلا فلا، لكن إن كان الإمام يخالف صوته حركته فالمعول عليه الصوت؛ لأنه قد لا يرى الإمام، ومن هنا ننبه على الأئمة بأن تكون تكبيرات الانتقال وكذا التسميع تتزامن فيها الحركة مع الصوت، فلا يكبر قبل أن يهوي، ولا يكبر بعد أن يهوي، وكذا لا يقول: سمع الله لمن حمده بعد أن يرفع، بل يكون الرفع متزامنًا مع قول: سمع الله لمن حمده، وعلل ذلك بأنه إذا رأى المسبوق الإمام وهو يعتدل من ركوعه ثم يقول: سمع الله لمن حمده، فهنا نقول: لا يعتد بهذه الركعة؛ لأنه لم يدرك الإمام في الركوع، لأن المعول عليه الصوت عند عدم إمكانية رؤية الإمام، أما مع إمكانية رؤيته فالمعول عليه الرؤية. (١) قوله «وَالسُّجُوْدُ» هذا هو الركن السادس، و كيفية السجود مذكورة في صفة الصلاة. والسجود كما ذكرنا يكون على الأعضاء السبعة لقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ -، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» (١). (٢) قوله «وَالسُّجُوْدُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» هذا هو الركن السابع وهو محل خلاف بين الفقهاء كما سبق، والراجح أنه ركن، فلا يكفي مجرد السجود بل لابد من السجود على هذه الأعضاء السبعة المذكورة في الحديث المتقدم.

стр. 308

وَالْجُلُوْسُ عَنْهُ (١)، وَالطُّمَأْنِيْنَةُ فِيْ هَذِهِ الأَرْكَانِ (٢)، ــ =لكن إن عجز عن السجود بجبهته هل يسقط عنه باقي الأعضاء؟ قال بعض الفقهاء (١) أنه يسقط عنه باقي الأعضاء؛ لأن الجبهة هي الأصل وغيرها تابع لها. والراجح أنه متى عجز عن السجود بالجبهة لزمه أن يأتي بما يستطيع، كأن تمس يده الأرض أو يمس أنفه الأرض إذا كان يمكنه ذلك، المهم أنه متى عجز عن الإتيان ببعض أعضاء السجود لزمه الإتيان بالباقي. (١) قوله «وَالْجُلُوْسُ عَنْهُ» نلاحظ هنا أن المؤلف ﵀ دقق العبارة فلم يقل: الجلوس له، ولا قال: الجلوس منه، بل قال: الجلوس عنه ليجمع بين الركنين في ركن واحد وهما الجلوس والرفع من السجود، لكن الصواب أنه لا يجمع بينهما كما فعل ذلك صاحب «دليل الطالب» وغيره حيث قالوا في أركان الصلاة: الثامن الرفع من السجود، التاسع الجلوس بين السجدتين. وقد مر بنا بيان صفة الجلوس المشروعة بين السجدتين في صفة الصلاة فلا حاجة لبيانها مرة أخرى. (٢) قوله «وَالطُّمَأْنِيْنَةُ فِيْ هَذِهِ الأَرْكَانِ» هذا هو الركن التاسع على كلام المؤلف، والطمأنينة ركن عند الحنابلة (٢) والشافعية (٣)، وذهب الحنفية (٤) إلى أن الطمأنينة سنة، وهو المشهور في مذهب المالكية (٥)، والصحيح أنها ركن في=

стр. 309

وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيْرُ (١)، ــ =جميع الأركان: في الركوع والسجود والجلوس بين السجدتين وفي الرفع من الركوع وفي كل أفعال الصلاة؛ لقوله ﷺ للمسيء صلاته في كل ركن من الأركان «حتى تطمئن». لكن اختلف الفقهاء في حد الطمأنينة، فقال بعضهم: السكون وإن قلَّ حتى وإن لم يتمكن من ذكر الواجب، وقال بعضهم: حدها السكون بقدر الذكر الواجب، وهذا هو الصواب. (١) قوله «وَالتَّشَهُّدُ الأَخِيْرُ» هذا هو الركن العاشر، وقد ذكرنا سابقًا أن الفقهاء اختلفوا في التشهد الأخير، فقال بركنية التشهد الأخير الحنابلة (١)، والشافعية (٢)، وذهب المالكية (٣) إلى أن الركن هو الجلوس للسلام فقط أما التشهد فيه فليس بواجب، فلو رفع المصلي رأسه من السجود واعتدل جالسًا وسلم كان ذلك الجلوس هو الواجب، أما التشهد عندهم سنة، وعند الحنفية (٤) كما سبق روايتان إحداهما وهي المذهب أنه واجب، والأخرى أنه سنة. والصحيح أن التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة، دليل ذلك حديث ابن مسعود الذي ذكرناه سابقًا وهو قوله: كُنَّا نَقُوْلُ فِي الصَّلاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ السَّلامُ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ عَلَى جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ فَقَالَ رَسُوْلُ ﷺ «لا تَقُوْلُوْا هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ وَلَكِنْ قُولُوْا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ... » (٥)، =

стр. 310

وَالْجُلُوْسُ لَهُ (١)، وَالتَّسْلِيْمَةُ الأُوْلَى (٢)، وَتَرْتِيْبُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (٣). فَهَذِهِ الأَرْكَانُ لا تَتِمُّ الصَّلاةُ إِلاَّ بِهَا (٤). ــ =الشاهد قوله: «قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ». (١) قوله «وَالْجُلُوْسُ لَهُ» أي الجلوس للتشهد الأخير، وهذا هو الركن الثاني عشر من أركان الصلاة، فلو فرض أن المصلي قام ثم قرأ التشهد فإنه لا يجزئه؛ لأن الجلوس للتشهد ركن من أركان الصلاة. (٢) قوله «وَالتَّسْلِيْمَةُ الأُوْلى» هذا هو الركن الحادي عشر، وقد سبق بيان ركنية التسليم في كتاب صفة الصلاة. (٣) قوله «وَتَرْتِيْبُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ» هذا هو الركن الثاني عشر، فلو قدم المصلي السجود قبل الركوع فلا تصح صلاته؛ لأن النبي ﷺ كان يصليها مرتبة مع قوله ﷺ : «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (١)، وكذا علّمها ﷺ المسيء صلاته مرتبة. فهذه هي أركان الصلاة الاثنا عشر عند المؤلف، والصواب أن يقال بأن أركان الصلاة أربعة عشر، وهي الاثنا عشر التي ذكرها المؤلف ويضاف إليها الرفع من السجود والصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير، كما مر بنا. (٤) قوله «فَهَذِهِ الأَرْكَانُ لا تَتِمُّ الصَّلاةُ إِلاَّ بِهَا» لأنها أركان، والركن لا تصح الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا بل لابد منه، لكن كما سبق يسقط هذا الركن عند عدم القدرة على الإتيان به.

стр. 311

وَوَاجِبَاتُهَا سَبْعَةٌ (١): التَّكْبِيْرُ غَيْرَ تَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ (٢)، وَالتَّسْبِيْحُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ مَرَّةً مَرَّةً (٣)، ــ (١) قوله «وَوَاجِبَاتُهَا سَبْعَةٌ» الفرق بين الأركان والواجبات: أن الأركان لا تسقط بالسهو، والواجبات تسقط به ويجبرها سجود السهو، فمن نسي واجبًا أجزأ عنه سجود السهو، بخلاف الأركان فلا تصح الصلاة إلا بها. وقوله «سَبْعَةٌ» هذا عند المؤلف ﵀، فهناك واجبات مختلف فيها، فبعض ما عدَّه واجبات هو على القول الراجح أركان كما سيأتي إن شاء الله. (٢) قوله «التَّكْبِيْرُ غَيْرَ تَكْبِيْرَةِ الإِحْرَامِ» أي تكبيرات الانتقال كلها واجبة إلا تكبيرة الإحرام، فتسقط هذه التكبيرات بالسهو، لكن استثنى أهل العلم من ذلك: التكبيرات الزوائد في صلاة العيد والاستسقاء فإنها سنة، وكذلك التكبيرات في صلاة الجنازة فإنها ركن، وتكبيرة الركوع لمن أدرك الإمام راكعًا فإنها سنة. وقد دلت السنة على وجوب هذا التكبير كما في قوله ﷺ : «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوْا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوْا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوْا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (١)، ولأنه ﷺ واظب عليه إلى أن مات ولم ينقل عنه تركه لهذا التكبير وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ»، وقد خالف في ذلك الأئمة الثلاثة فقالوا بعدم الوجوب، لكن الصواب وجوبه كما ذكرنا. (٣) قوله «وَالتَّسْبِيْحُ فِي الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ مَرَّةً مَرَّةً» وقد مرّ بنا اختلاف الفقهاء في حكم التسبيح في الركوع والسجود في صفة الصلاة، وذكرنا أنه واجب، وهو قول الشيخين - رحمهما الله -.

стр. 312

وَالتَّسْمِيْعُ وَالتَّحْمِيْدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوْعِ (١)، وَقَوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (٢) وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ (٣)، وَالْجُلُوْسُ لَهُ (٤)، وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ (٥) فَهَذِهِ إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا، سَجَدَ لَهَا (٦)، ــ (١) قوله «وَالتَّسْمِيْعُ وَالتَّحْمِيْدُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوْعِ» مرت بنا الأدلة على وجوب ذلك في صفة الصلاة، واختلاف الفقهاء فيه، وبيان الراجح من أقوالهم. (٢) قوله «وَقَوْلُ: رَبِّ اغْفِرْ لِيْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» وهو واجب على الصحيح وهو المذهب (١)، وبه قال الشيخان: سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٢)، وشيخنا محمد العثيمين (٣) - رحمهما الله تعالى - وخالف في ذلك الجمهور فقالوا بسنيته. (٣) قوله «وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ» والقول بوجوبه هو الراجح كما ذكرنا ذلك في صفة الصلاة. (٤) قوله «وَالجُلُوْسُ لَهُ» أي يجب الجلوس للتشهد الأول، فلو تشهد وهو قائم أو وهو ساجد لم تصح صلاته، بل لابد من الجلوس للتشهد الأول. (٥) قوله «وَالصَّلاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيْرِ» والصحيح أن هذا ركن وليس بواجب، بخلاف ما ذهب إليه المؤلف، وقد بينا ذلك في صفة الصلاة. (٦) قوله «فَهَذِهِ إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا، سَجَدَ لَهَا» أي هذه الواجبات حكمها أن من تركها عمدًا بطلت صلاته، ومن تركها سهوًا فيجبر ذلك بسجود السهو.

стр. 313

وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ، لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِهَا (١)، وَلا يَجِبُ السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا (٢) ــ (١) قوله «وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ» أي ما عدا هذه الأركان والواجبات فسنن، لا تبطل الصلاة بتركها لا عمدًا ولا سهوًا؛ لأنها من مكملات الصلاة، فمتى وجدت هذه السنن صارت الصلاة أكمل وأفضل، ومتى نقصت نقص الكمال المستحب لا الكمال الواجب. ولم يذكر المؤلف هذه السنن لأنها كثيرة، فمنها سنن الأقوال التي هي سبع عشرة سنة، ومنها سنن الأفعال التي عدها بعض أهل العلم فأوصلها إلى القريب من الثلاثين سنة، وقد مر بنا بيان بعض هذه السنن في صفة الصلاة، لكن هل يشرع لها سجود السهو؟ قال المؤلف: (٢) قوله «وَلا يَجِبُ السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا» أي لا يجب السجود لمن تركها سهوًا، والمذهب (١) أنه لا بأس بالسجود لترك السنة لكن لا يشرع، وهناك قول آخر في المذهب (٢) أنه يشرع سجود السهو لترك المسنون سواء كان من سنن الأقوال أو الأفعال؛ لعموم قوله ﷺ : «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (٣) وهذا عام. والذي رجحه شيخنا محمد العثيمين (٤) ﵀ أن الإنسان إن ترك شيئًا من سنن الأقوال أو الأفعال كان من عادته أنه يفعله فإنه يشرع له أن يسجد جبرًا لهذا النقص الذي هو نقص كمال، أما إن ترك سنة ليس من عادته أنه يفعلها فهذا لا يسن له السجود، لأنه لم يطرأ على باله أن يفعلها، وهذا هو الراجح.

стр. 314

بَابُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» أكثر العلماء يسمونه باب سجود السهو أو باب سجدتي السهو. وسجود السهو هو من باب إضافة الشيء إلى سببه، والسهو منه ما هو مذموم ومنه ما هو معفو عنه، فإن عُدِّي بـ «عَنْ» صار مذمومًا؛ لأنه بمعنى الغفلة والترك، كقولنا: سها فلان عن صلاته أي غفل عنها وتركها، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (١) أي غافلون لا يهتمون بها، وإن عُدِّي السهو بـ «فِيْ» صار معفوًا عنه؛ لأنه بمعنى الذهول الناتج عن غير قصد، كقولنا: سها فلان في صلاته، وهذا هو المراد في كلام الفقهاء، والسهو يقع من كل البشر، بل لم يسلم منه نبينا ﷺ ؛ لأنه مقتضى الطبيعة البشرية. وقد اختلف الفقهاء في حكم سجود السهو: فالحنفية (٢)، والحنابلة (٣) في المعتمد عندهم أنه واجب، وذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦) في إحدى الروايتين إلى أنه سنة. والصحيح أنه واجب؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيْتُ فَذَكِّرُوْنِيْ، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ» (٧)، ولأنه أيضًا ثابت من =

стр. 315

وَالسَّهْوُ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ (١): أَحَدُهَا: زِيَادَةُ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِهَا (٢)، ــ = فعله ﷺ حيث أنه لما سهى في صلاته أتى بسجود السهو جبرًا للنقص أو الزيادة الحاصلة في الصلاة. (١) قوله «وَالسَّهْوُ عَلَى ثَلاثَةِ أَضْرُبٍ» أي على ثلاثة أنواع، سيأتي بيانها على التفصيل. (٢) قوله «أَحَدُهَا: زِيَادَةُ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِهَا» هذا هو النوع الأول الذي يوجب سجود السهو، وهو الزيادة في الصلاة، لكن اشترط المؤلف له شرطين: الأول: أن تكون الزيادة في الفعل لا في القول. الثاني: أن يكون هذا الفعل من جنس الصلاة، كقيام أو قعود أو ركوع أو سجود كما سيذكره المؤلف. أما إن كان من غير جنس الصلاة كالمشي، والمراوحة بين القدمين، والحك، والتروح بمروحة اليد، وفرقعة الأصابع، ولبس الإزار أو خلعه، ونحو ذلك، فهذه تبطل الصلاة بها بشروط هي: الأول: أن تكون الحركة الحاصلة فيها كثيرة، وضابط الحركة هنا العادة والعرف. الثاني: أن تكون لغير ضرورة؛ لأنه مع الضرورة لا تبطل الصلاة ولو كثرت الحركة كصلاة الخوف، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١)، فمن يمشي لا شك أنه سيحصل منه عمل كثير في الصلاة. الثالث: أن يكون هذا العمل متواليًا، فإن تفرق الفعل كأن يتحرك في كل ركعة ثلاث حركات مثلاً، لكنها لو اجتمعت متوالية صارت كثيرة، فإن الصلاة لا تبطل بذلك لتفرق العمل وعدم موالاته. فهذه هي شروط الحركة التي تبطل بها الصلاة.

стр. 316

كَرَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ (١)، فَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ (٢). وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ، جَلَسَ فِي الْحَالِ (٣)، ــ (١) قوله «كَرَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ» أي بفعل ركعة زائدة عن المأمور به، أو زيادة ركن كأن يزيد ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا في الصلاة، فما الحكم إذًا؟ سيذكره المؤلف. (٢) قوله «فَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ» أي متى زاد المصلي في صلاته عمداً، فزاد فيها ركعة، أو زاد فيها ركوعًا أو سجودًا في غير محله، أو قعودًا في محل القيام، أو قيامًا في محل السجود، بطلت الصلاة بهذه الزيادة مع حصول الإثم عليه ويجب عليه التوبة؛ لأنه يكون بذلك متلاعبًا، أما إن فعل ذلك سهوًا فإنه يسجد للسهو. (٣) قوله «وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ، جَلَسَ فِي الْحَالِ» وهذا بخلاف ما يقع فيه بعض الأئمة أو المنفردين، فنرى بعضهم إذا قام إلى ركعة زائدة كخامسة في صلاة رباعية، أو رابعة في ثلاثية، أو ثالثة في ثنائية، نراه لا يجلس في الحال ويقول: ما دمت أني استويت قائمًا فلابد من إكمالها، وهذا خطأ، بل الواجب عليه أنه متى علم أنها زائدة فليجلس في الحال، فإن كان قد تشهد فليسلم ثم ليسجد للسهو بعد السلام. وقوله «فِي الْحَالِ» أي حال علمه بأن هذه ركعة زائدة حتى وإن كان في الركوع؛ لأن الزيادة لا يمكن الاستمرار فيها أبدًا، فإن زاد فيها شيئًا مع علمه بأنه زيادة وتوهم أنه إذا قام إلى زائدة وشرع في القراءة حرم عليه الرجوع فصلاته باطلة ويجب عليه إعادة الصلاة.

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - تنبيهات: أولاً: أين يكون محل السجود للسهو هنا، هل يكون قبل السلام أو بعده؟ المذهب (١) أنه يسجد قبل السلام؛ لأنهم يرون أن السجود بعد السلام لا يكون إلا إذا سلم قبل إتمامها فقط. والصحيح أن السجود هنا - أي في الزيادة - يكون بعد السلام كما ذكرت، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (٢) وشيخنا محمد العثيمين (٣) - رحمهما الله -. ثانيًا: من كان مسافرًا فقام إلى ثالثة في صلاة مقصورة ، هل يلزمه الرجوع أم له الإكمال؟ على قولين للفقهاء: فأهل الظاهر (٤) يرون أنه يلزمه الرجوع؛ لأن القصر في حق المسافر واجب. أما الجمهور فيرون أن القصر ليس بواجب وعلى ذلك فهو مخير بين الإتمام وبين الرجوع. والصحيح أنه إن دخل في الصلاة بنية القصر فلا يجوز له أن يزيد عليه؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٥)، وهذا قد دخل في الصلاة يريدها ركعتين. ثالثًا: من قام من الليل ليصلي فقام إلى ثالثة ناسيًا ، هل يلزمه الرجوع؟ نقول: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن صلاة الليل مثنى؛ مثنى لحديث ابن عمر =

стр. 318

وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ سَجَدَ (١). ــ = ﵄: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (١)، أما الحنفية (٢) فذهبوا إلى أن قيام الليل أربعًا، أربعًا. والصحيح هو القول الأول أي أن قيام الليل مثنى مثنى، وعلى ذلك إن زاد المصلي في صلاته ثالثة لزمه الرجوع. (١) قوله «وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ سَجَدَ» أي إذا سلم قبل إتمام صلاته ظنًّا أن الصلاة قد تمت ثم تذكر أنها ناقصة أتى بما بقي من صلاته، لكن يشترط هنا شرطان: الأول: أن لا يطول الفصل، فإن طال الفصل بأن تذكر بعد ساعة مثلاً أنه ما أتم صلاته فإنه لابد من أن يستأنف الصلاة أي يعيدها من جديد، أما إن تذكر بعد ثلاث أو أربع أو خمس دقائق أي تذكر أنه لم يتم صلاته فإنه يبني على ما مضى من صلاته فيتمها. الثاني: أن لا يفعل ما ينافي الصلاة كأكل أو شرب أو كلام ليس من مصلحتها أو أن يحدث وما أشبه ذلك. وقوله «ثُمَّ سَجَدَ» على كلامه يكون محل السجود هنا قبل السلام، والصحيح أن محل السجود هنا بعد السلام. مثال ذلك: رجل نسي الركوع من الركعة الثالثة ولم يعلم إلا بعد ما سلم، فإنه يقوم دون تكبير، ويأتي بركعة كاملة، ثم يتشهد التشهد الأخير ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.

стр. 319

وَلَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، لاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ (١)، فَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا، أَبْطَلَهَا (٢)، وَإِنْ كَانَ يَسِيْرًا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيْ حَمْلِهِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، فَلا بَأْسَ بِهِ (٣). ــ (١) قوله «وَلَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، لاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ» أي إن فعل شيئًا ليس من جنس الصلاة: كالأكل والشرب أو المشي والمراوحة بين القدمين والحك والتروح بمروحة اليد وفرقعة الأصابع ولبس الثوب أو خلعه، وكذا ربط الإزار أو حلها ونحو هذه المذكورات، فهذه العمد والسهو فيها سواء، وحكمها قال المؤلف: (٢) قوله «فَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا، أَبْطَلَهَا» وقد ذكرنا ذلك سابقًا، وقلنا أن العمل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة يبطل الصلاة، عمده وسهوه سواء، وحد الكثير هنا مرجعه إلى العرف، مثال ذلك: الحركة المتوالية الكثيرة لغير ضرورة تبطل الصلاة، وقدرها بعض أهل العلم بثلاث حركات متواليات، أما الحركة القليلة أو الحركة غير متوالية فلا تبطل الصلاة بها، كما ذكرنا ذلك في شروط بطلان الصلاة بالحركة. (٣) قوله «وَإِنْ كَانَ يَسِيْرًا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيْ حَمْلِهِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، فَلا بَأْسَ بِهِ» أي إن كان العمل الذي ليس من جنس الصلاة يسيرًا فإنه لابأس به ولا تبطل الصلاة به، واحتج المؤلف لذلك بدليلين: الدليل الأول: حمله ﷺ أمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت رسول الله ﷺ ، فقد كان رسول الله ﷺ يحملها في أثناء الصلاة (١).

стр. 320

الضَّرْبُ الثَّانِيْ (١): النَّقْصُ (٢)، ــ = والدليل الثاني: فتحه الباب لعائشة (١) ﵂، فهذه حركة يسيرة لا تؤثر في الصلاة. (١) قوله «الضَّرْبُ الثَّانِيْ» أي النوع الثاني مما يشرع له سجود السهو. (٢) قوله «النَّقْصُ» أي ينقص شيء من أركان الصلاة أو واجباتها أو سننها، يكون حكمه كالآتي: أولاً: الأركان: ١ - إن كان المتروك تكبيرة الإحرام فلا صلاة له، سواء تركها عمدًا أو سهوًا؛ لأن صلاته لم تنعقد. ٢ - وإن كان المتروك ركنًا غير تكبيرة الإحرام، فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يصل إلى موضعه من الركعة التي تليها، فالحكم هنا أن تلغى الركعة التي تركه منها وتقوم التي تليها مقامها ويسجد للسهو بعد السلام. الحالة الثانية: أن لا يصل إلى موضع الركن الذي تركه من الركعة الثانية، فالواجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به وبما بعده ويسجد للسهو بعد السلام، مثاله: شخص نسي السجدة الثانية والجلوس قبلها من الركعة الأولى، فتذكر ذلك بعد أن قام من الركوع من الركعة الثانية، فإنه يعود ويجلس ويسجد ثم يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.
следующие страницы →