← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كَرَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ (١)، فَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ (٢). وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ، جَلَسَ فِي الْحَالِ (٣)، ــ (١) قوله «كَرَكْعَةٍ، أَوْ رُكْنٍ» أي بفعل ركعة زائدة عن المأمور به، أو زيادة ركن كأن يزيد ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا في الصلاة، فما الحكم إذًا؟ سيذكره المؤلف. (٢) قوله «فَتَبْطُلُ الصَّلاةُ بِعَمْدِهِ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ» أي متى زاد المصلي في صلاته عمداً، فزاد فيها ركعة، أو زاد فيها ركوعًا أو سجودًا في غير محله، أو قعودًا في محل القيام، أو قيامًا في محل السجود، بطلت الصلاة بهذه الزيادة مع حصول الإثم عليه ويجب عليه التوبة؛ لأنه يكون بذلك متلاعبًا، أما إن فعل ذلك سهوًا فإنه يسجد للسهو. (٣) قوله «وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي الرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ، جَلَسَ فِي الْحَالِ» وهذا بخلاف ما يقع فيه بعض الأئمة أو المنفردين، فنرى بعضهم إذا قام إلى ركعة زائدة كخامسة في صلاة رباعية، أو رابعة في ثلاثية، أو ثالثة في ثنائية، نراه لا يجلس في الحال ويقول: ما دمت أني استويت قائمًا فلابد من إكمالها، وهذا خطأ، بل الواجب عليه أنه متى علم أنها زائدة فليجلس في الحال، فإن كان قد تشهد فليسلم ثم ليسجد للسهو بعد السلام. وقوله «فِي الْحَالِ» أي حال علمه بأن هذه ركعة زائدة حتى وإن كان في الركوع؛ لأن الزيادة لا يمكن الاستمرار فيها أبدًا، فإن زاد فيها شيئًا مع علمه بأنه زيادة وتوهم أنه إذا قام إلى زائدة وشرع في القراءة حرم عليه الرجوع فصلاته باطلة ويجب عليه إعادة الصلاة.

стр. 317

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - تنبيهات: أولاً: أين يكون محل السجود للسهو هنا، هل يكون قبل السلام أو بعده؟ المذهب (١) أنه يسجد قبل السلام؛ لأنهم يرون أن السجود بعد السلام لا يكون إلا إذا سلم قبل إتمامها فقط. والصحيح أن السجود هنا - أي في الزيادة - يكون بعد السلام كما ذكرت، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (٢) وشيخنا محمد العثيمين (٣) - رحمهما الله -. ثانيًا: من كان مسافرًا فقام إلى ثالثة في صلاة مقصورة ، هل يلزمه الرجوع أم له الإكمال؟ على قولين للفقهاء: فأهل الظاهر (٤) يرون أنه يلزمه الرجوع؛ لأن القصر في حق المسافر واجب. أما الجمهور فيرون أن القصر ليس بواجب وعلى ذلك فهو مخير بين الإتمام وبين الرجوع. والصحيح أنه إن دخل في الصلاة بنية القصر فلا يجوز له أن يزيد عليه؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٥)، وهذا قد دخل في الصلاة يريدها ركعتين. ثالثًا: من قام من الليل ليصلي فقام إلى ثالثة ناسيًا ، هل يلزمه الرجوع؟ نقول: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن صلاة الليل مثنى؛ مثنى لحديث ابن عمر =

стр. 318

وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ سَجَدَ (١). ــ = ﵄: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (١)، أما الحنفية (٢) فذهبوا إلى أن قيام الليل أربعًا، أربعًا. والصحيح هو القول الأول أي أن قيام الليل مثنى مثنى، وعلى ذلك إن زاد المصلي في صلاته ثالثة لزمه الرجوع. (١) قوله «وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا، ثُمَّ سَجَدَ» أي إذا سلم قبل إتمام صلاته ظنًّا أن الصلاة قد تمت ثم تذكر أنها ناقصة أتى بما بقي من صلاته، لكن يشترط هنا شرطان: الأول: أن لا يطول الفصل، فإن طال الفصل بأن تذكر بعد ساعة مثلاً أنه ما أتم صلاته فإنه لابد من أن يستأنف الصلاة أي يعيدها من جديد، أما إن تذكر بعد ثلاث أو أربع أو خمس دقائق أي تذكر أنه لم يتم صلاته فإنه يبني على ما مضى من صلاته فيتمها. الثاني: أن لا يفعل ما ينافي الصلاة كأكل أو شرب أو كلام ليس من مصلحتها أو أن يحدث وما أشبه ذلك. وقوله «ثُمَّ سَجَدَ» على كلامه يكون محل السجود هنا قبل السلام، والصحيح أن محل السجود هنا بعد السلام. مثال ذلك: رجل نسي الركوع من الركعة الثالثة ولم يعلم إلا بعد ما سلم، فإنه يقوم دون تكبير، ويأتي بركعة كاملة، ثم يتشهد التشهد الأخير ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.

стр. 319

وَلَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، لاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ (١)، فَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا، أَبْطَلَهَا (٢)، وَإِنْ كَانَ يَسِيْرًا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيْ حَمْلِهِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، فَلا بَأْسَ بِهِ (٣). ــ (١) قوله «وَلَوْ فَعَلَ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاةِ، لاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ» أي إن فعل شيئًا ليس من جنس الصلاة: كالأكل والشرب أو المشي والمراوحة بين القدمين والحك والتروح بمروحة اليد وفرقعة الأصابع ولبس الثوب أو خلعه، وكذا ربط الإزار أو حلها ونحو هذه المذكورات، فهذه العمد والسهو فيها سواء، وحكمها قال المؤلف: (٢) قوله «فَإِنْ كَانَ كَثِيْرًا، أَبْطَلَهَا» وقد ذكرنا ذلك سابقًا، وقلنا أن العمل الكثير الذي ليس من جنس الصلاة يبطل الصلاة، عمده وسهوه سواء، وحد الكثير هنا مرجعه إلى العرف، مثال ذلك: الحركة المتوالية الكثيرة لغير ضرورة تبطل الصلاة، وقدرها بعض أهل العلم بثلاث حركات متواليات، أما الحركة القليلة أو الحركة غير متوالية فلا تبطل الصلاة بها، كما ذكرنا ذلك في شروط بطلان الصلاة بالحركة. (٣) قوله «وَإِنْ كَانَ يَسِيْرًا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِيْ حَمْلِهِ أُمَامَةَ، وَفَتْحِ الْبَابِ لِعَائِشَةَ، فَلا بَأْسَ بِهِ» أي إن كان العمل الذي ليس من جنس الصلاة يسيرًا فإنه لابأس به ولا تبطل الصلاة به، واحتج المؤلف لذلك بدليلين: الدليل الأول: حمله ﷺ أمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت رسول الله ﷺ ، فقد كان رسول الله ﷺ يحملها في أثناء الصلاة (١).

стр. 320

الضَّرْبُ الثَّانِيْ (١): النَّقْصُ (٢)، ــ = والدليل الثاني: فتحه الباب لعائشة (١) ﵂، فهذه حركة يسيرة لا تؤثر في الصلاة. (١) قوله «الضَّرْبُ الثَّانِيْ» أي النوع الثاني مما يشرع له سجود السهو. (٢) قوله «النَّقْصُ» أي ينقص شيء من أركان الصلاة أو واجباتها أو سننها، يكون حكمه كالآتي: أولاً: الأركان: ١ - إن كان المتروك تكبيرة الإحرام فلا صلاة له، سواء تركها عمدًا أو سهوًا؛ لأن صلاته لم تنعقد. ٢ - وإن كان المتروك ركنًا غير تكبيرة الإحرام، فإن تركه عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يصل إلى موضعه من الركعة التي تليها، فالحكم هنا أن تلغى الركعة التي تركه منها وتقوم التي تليها مقامها ويسجد للسهو بعد السلام. الحالة الثانية: أن لا يصل إلى موضع الركن الذي تركه من الركعة الثانية، فالواجب عليه أن يعود إلى الركن المتروك فيأتي به وبما بعده ويسجد للسهو بعد السلام، مثاله: شخص نسي السجدة الثانية والجلوس قبلها من الركعة الأولى، فتذكر ذلك بعد أن قام من الركوع من الركعة الثانية، فإنه يعود ويجلس ويسجد ثم يكمل صلاته ويسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.

стр. 321

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثانيًا: الواجبات: إن كان المتروك واجبًا، فإن كان تركه للواجب متعمدًا بطلت صلاته، كأن يترك التشهد الأول مثلاً متعمدًا فصلاته هنا باطلة ويلزمه إعادتها، أما إن تركه ناسيًا فلا يخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يترك المصلي الواجب ثم يذكره قبل أن يفارق محله من الصلاة فإنه يأتي به ولا شيء عليه، مثاله: شخص رفع من السجود الثاني من الركعة الثانية ليقوم إلى الثالثة ناسيًا التشهد الأول ثم ذكر قبل أن ينهض فإنه يستقر جالسًا ثم يأتي بالتشهد ثم يكمل صلاته ويسلم ولا شيء عليه. الحالة الثانية: أن يتذكر الواجب بعد مفارقة محله قبل أن يصل إلى الركن الذي يليه فيلزمه الرجوع ليأتي به ثم يكمل صلاته ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم، مثاله: شخص نسي التشهد الأول وقام إلى الثالثة ثم تذكر التشهد بعد أن نهض قبل أن يستتم قائمًا فعليه أن يرجع ويجلس ويتشهد ثم يكمل الصلاة ويسلم ثم يسجد للسهو ويسلم. الحالة الثالثة: أن يتذكر الواجب بعد وصوله إلى الركن الذي يليه فهنا يسقط عنه الواجب أي لا يرجع إليه ويستمر في صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم مثاله: شخص نسي التشهد الأول فلم يذكره حتى استتم قائمًا فإنه يسقط عنه فلا يرجع إليه بل عليه أن يكمل صلاته ويسجد للسهو قبل السلام. ثالثًا: السنن: إن كان المتروك سنة فقد بيَّنا حكم ذلك سابقًا في آخر باب الأركان والواجبات عند قول المؤلف «وَمَا عَدَا هَذَا، فَسُنَنٌ، لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِهَا، وَلا يَجِبُ=

стр. 322

كَنِسْيَانِ وَاجِبٍ (١)، فَإِنْ قَامَ عَنِ التَّشّهُّدِ الأَوَّلِ، فَذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ (١)، ــ =السُّجُوْدُ لِسَهْوِهَا» فأغنى عن إعادته. (١) قوله «كَنِسْيَانِ وَاجِبٍ» أي واجب من واجبات الصلاة، والواجب ما أمر به الشارع على وجه الإلزام، وحكم نسيان واجبات الصلاة أنها تجبر بسجود السهو، وقد ذكرنا كيف يتعامل معها المصلي، وواجبات الصلاة كما ذكرنا ثمانية وهي: ١ - التكبيرات غير تكبيرة الإحرام. ٢ - التسميع أي قول «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» للإمام والمنفرد. ٣ - التحميد أي قول «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» للإمام والمأموم والمنفرد. ٤ - قول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيْمِ» في الركوع مرة واحدة. ٥ - قول «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» في السجود مرة واحدة. ٦ - سؤال المغفرة أي قول: «رَبِّ اغْفِرْ لِيْ» في الجلوس بين السجدتين. ٧ - التشهد الأول. ٨ - الجلوس للتشهد الأول. فهذه هي واجبات الصلاة التي لا تسقط عمدًا بل تبطل الصلاة، أما في حال السهو فيجبرها سجود السهو على ما ذكرنا سابقًا. (١) قوله «فَإِنْ قَامَ عَنِ التَّشّهُّدِ الأَوَّلِ، فَذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ» دليل ذلك حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلا يَجْلِسْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» (١).

стр. 323

وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ (١)، وَإِنْ نَسِيَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوْعِهِ فِيْ قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ (٢)، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذلِكَ، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِيْ تَرَكَهُ مِنْهَا (٣) ــ (١) قوله «وَإِنِ اسْتَتَمَّ قَائِمًا، لَمْ يَرْجِعْ» للحديث المذكور آنفًا. (٢) قوله «وَإِنْ نَسِيَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوْعِهِ فِيْ قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، رَجَعَ، فَأَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ» هذه إحدى الروايتين في المذهب (١)، والرواية الأخرى (٢) أنه يرجع ما لم يصل إلى محله من الركعة التي تليها، وهذا قول ابن سعدي (٣)، وشيخنا محمد العثيمين (٤) - رحمهما الله - وهو الراجح إن شاء الله. ونمثل للروايتين بما يلي: رجل نسي السجدة الثانية ثم قام للركعة التي تليها، فعلى الرواية الأولى في المذهب وهي المختارة عند الحنابلة أنه إن قام فشرع في قراءة الفاتحة فإنه لا يرجع وتلغى هذه الركعة وتقوم مقامها التي تليها، وعلى الرواية الثانية وهي الراجحة أنه مادام لم يصل إلى السجود - أي محله من الركعة الثانية - فإنه يرجع ويأتي بالسجود المتروك ثم يكمل صلاته. (٣) قوله «وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ ذلِكَ، بَطَلَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِيْ تَرَكَهُ مِنْهَا» أي إن ذكر الركن المتروك بعد أن شرع في القراءة من الركعة الثانية فتبطل الركعة التي تركه منها=

стр. 324

وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ فِي الْحَالِ، فَصَحَّتْ لَهُ رَّكْعَةُ، ثُمَّ يَأْتِيْ بِثَلاثِ رَكَعَاتٍ (١). الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الشَّكُّ (٢)، ــ =في إحدى الروايتين (١) في المذهب، والصحيح أنه إن لم يصل إلى محله من الركعة التي تليها فيجب أن يرجع ويأتي به ولا تبطل هذه الركعة، أما إذا وصل إلى الركن المتروك من الركعة التي تليها فهنا تبطل الركعة التي تركه منها. (١) قوله «وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ فِي الْحَالِ، فَصَحَّتْ لَهُ رَّكْعَةُ، ثُمَّ يَأْتِيْ بِثَلاثِ رَكَعَاتٍ» صورة هذه المسألة: أن يصلي أربع ركعات وينسى السجدة الثانية في كل ركعة، فلما جاء للركعة الرابعة وسجد السجدة الأولى وبدأ يقرأ التشهد، تذكر أنه ترك هذه السجدات، فنقول له: اسجد مباشرة السجدة الثانية من الركعة الأخيرة ثم اجعل هذه هي الركعة الأولى لك ثم أتمم صلاتك فأضف لذلك ثلاث ركعات أخرى واسجد للسهو بعد السلام. وهناك قول آخر في هذه المسألة وهو أنه يصح له ركعتان ويبقى عليه ثنتان، وذلك لأن له في كل ركعة سجدة فتحسب هذه السجدات له، فيكون مجموع الركعات له اثنتين كاملتين ويبقى عليه اثنتان، والذي نرجحه هو القول الأول. (١) قوله «الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الشَّكُّ» أي النوع الثالث مما يجب له سجود السهو الشك، والشك معناه: التردد بين أمرين لم يترجح أحدهما على الآخر. والشك منه ما يكون أثناء الصلاة، ومنه ما يكون بعد انتهائها، فإن كان=

стр. 325

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الشك بعد الانتهاء من الصلاة وخروجه منها بالتسليم فلا يلتفت إليه؛ لأنه لا عبرة بالشك بعد الفراغ من العبادة، أما إن شك في أثناء صلاته فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يشك ويمكنه التحري ويترجح عنده أحد الأمرين، إما الزيادة وإما النقص فهنا يعمل بمقتضى ما ترجح لديه. مثاله: شخص يصلي الظهر وفي إحدى الركعات بعد أن رفع من السجود شك هل قال: سبحان ربي الأعلى أم لم يقله؟ فهنا يتحرى، فإن ترجح لديه أنه لم يقله سجد للسهو قبل السلام لأنه عن نقص، وإن ترجح عنده أنه قاله فلا سجود عليه؛ لأنه لم ينقص من الصلاة. مثال آخر: رجل يصلي الظهر فلما وصل إلى الركعة الرابعة شك في أثنائها هل هذه الرابعة أم الخامسة ثم ترجح عنده أنها الرابعة فهنا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا. أما إن شك في الركعة الرابعة وهو في التشهد الأخير فلا يجب عليه سجود السهو؛ لأن الشك طرأ عليه بعد مفارقة الركعة محل الشك وقد انتهت على أنها الرابعة بلا تردد. الحالة الثانية: أن يشك ولا يمكنه التحرى فيستوي عنده الأمران، وفي هذه الحالة يأخذ بالأصل؛ لأنه اليقين في المعدودات، ولأن هذا أقرب وأبرأ للذمة، ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِيْ صَلاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ =

стр. 326

فَمَتَى شَكَّ فِيْ تَرْكِ رُكْنٍ، فَهُوَ كَتَرْكِهِ (١)، وَإِنْ شَكَّ فِيْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى الْيَقِيْنِ (٢)، إِلاَّ الإِمَامَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يَبْنِيْ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (٣)، ــ =صَلاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيْمًا لِلشَّيْطَانِ» (١). ونضرب مثالاً على هذه الحالة: شخص يصلي الظهر وأثناء الركعة الرابعة شك أهذه الثالثة أم الرابعة ولم يترجح لديه شيء فيبني على الأقل ويجعلهن ثلاثًا ويتم صلاته ويسجد للسهو قبل السلام. وهذه جملة ما ينبغي على المصلي أن يعرفه حال شكه في صلاته. (١) قوله «فَمَتَى شَكَّ فِيْ تَرْكِ رُكْنٍ، فَهُوَ كَتَرْكِهِ» أي إن شك في ترك الركن أو فعله فيكون حكمه حكم من تركه، مثاله: قام إلى الركعة الثانية فشكّ هل سجد مرتين أم مرة واحدة ولم يترجح عنده أحد الأمرين؟ فعلى المذهب إن شرع في القراءة لا يرجع وقبل الشروع يرجع، وعلى القول الراجح أنه يرجع مطلقًا ما لم يصل إلى محله من الركعة التالية، فيرجع ويجلس ثم يسجد ثم يقوم؛ لأن الشك في ترك الركن كتركه. (٢) قوله «وَإِنْ شَكَّ فِيْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، بَنَى عَلَى الْيَقِيْنِ» وهو الأقل كما ذكرنا، فمتى شك أثلاثًا صلى أم أربعًا فيبني على اليقين ويجعلهن ثلاثًا كما ذكرنا. (٣) قوله «إِلاَّ الإِمَامَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يَبْنِيْ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ» وذلك لأن الإمام إذا سها في صلاته فإن المأموم سيذكره بالتسبيح له، ويكون سجود السهو هنا محله بعد السلام.

стр. 327

وَلِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ قَبْلَ السَّلامِ (١) إِلاَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ وَالإِمَامُ إِذَا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (٢)، وَالنَّاسِيْ لِلسُّجُوْدِ قَبْلَ السَّلامِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ سَلامِهِ (٣)، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ (٤) ــ (١) قوله «وَلِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ قَبْلَ السَّلامِ» ليس مراده تعدد السجود إذا تعدد السهو، وإنما مراده أن كل السجود يكون قبل السلام إلا فيما استثني، وقد مر بنا محل سجود السهو. (٢) قوله «إِلاَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ فِيْ صَلاتِهِ وَالإِمَامُ إِذَا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ» فيكون السجود للسهو بعد السلام. (٣) قوله «وَالنَّاسِيْ لِلسُّجُوْدِ قَبْلَ السَّلامِ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ سَلامِهِ» وجوبًا ولكن بشرط أن يبقى في المسجد محل الصلاة وألا يطول الفصل، فإن خرج من المسجد سقط عنه، وكذا إن طال الفصل عرفًا سقط عنه؛ لأنه تكميل للصلاة فلا يأتي به بعد طول وصلاته صحيحة. لكن إن نسي سجود السهو ثم شرع في صلاة أخرى، كأن يصلي الظهر والعصر جميعًا فسها في صلاة الظهر سهوًا يوجب السجود قبل السلام فسها ولم يسجد للسهو بعد السلام ثم شرع في صلاة العصر فإنه يسجد له بعد تسليمه من العصر ما لم يطل الفصل عرفًا لبقاء محله. (٤) قوله «ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ» هذا هو المذهب وهو محل خلاف بين الفقهاء، والراجح أنه لا يتشهد بل يسجد للسهو ويسلم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١).

стр. 328

وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُوْمِ سُجُوْدُ سَهْوٍ، إِلاَّ أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ، فَيَسْجُدُ مَعَهُ (١). وَمَنْ سَهَا إِمَامُهُ، أَوْ نَابَهُ أَمْرٌ فِيْ صَلاتِهِ، فَالتَّسْبِيْحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيْقُ لِلنِّسَاءِ (٢). ــ - تنبيه: إذا كان سجود الإمام للسهو قبل السلام فالواجب متابعة المسبوق لإمامه، أما إن كان سجود السهو بعد السلام فالمذهب (١) يجب متابعته، والصحيح في هذه المسألة أن الإمام إذا سجد بعد السلام لا يلزم المسبوق متابعته؛ لأن المتابعة متعذرة فإن الإمام يسلم ولو تابعه في السلام لبطلت صلاته، لكن هل يلزمه سجود السهو إذا أتم صلاته بعد السلام؟ الصحيح أنه إذا كان سهو الإمام فيما أدركه من الصلاة وجب عليه أن يسجد بعد السلام، وإن كان السهو فيما لم يدركه مع الإمام لم يجب عليه سجود السهو. (١) قوله «وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُوْمِ سُجُوْدُ سَهْوٍ، إِلاَّ أَنْ يَسْهُوَ إِمَامُهُ، فَيَسْجُدُ مَعَهُ» لقوله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (٢)، ولأن سجود السهو واجب وليس بركن، والواجب يسقط عن المأموم من أجل متابعة الإمام. (٢) قوله «وَمَنْ سَهَا إِمَامُهُ، أَوْ نَابَهُ أَمْرٌ فِيْ صَلاتِهِ، فَالتَّسْبِيْحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيْقُ لِلنِّسَاءِ» وذلك لأن النبي ﷺ حين سها في صلاته جعل الصحابة بعضهم يصفق، فلما انتهى ﷺ قال: «إِذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ» (٣).

стр. 329

بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ» التطوع في اللغة: التبرع، يقال: تطوع بالشيء أي تبرع به، أما في الاصطلاح: فهي «صلاة مخصوصة بطاعة غير واجبة»، ويقال أيضًا هي «اسم لما شرع زيادة على الفرائض والواجبات». وقوله «صَلاةُ التَّطَوُّعِ» هو من باب إضافة الشيء إلى نوعه، فالصلاة جنس وأنواع، وصلاة التطوع نوع من أنواعها، لكن هل هناك فرق بين أحكام صلاة التطوع وأحكام الصلاة المفروضة؟ نقول: نعم، هناك فرق بينهما، فمن ذلك: (أ) أن صلاة التطوع يجوز فعلها قاعدًا مع القدرة على القيام، ولا يجوز ذلك في الفريضة. (ب) أن الجماعة في صلاة التطوع ليست بواجبة، بخلاف الجماعة للفريضة فهي واجبة على الصحيح. (ج) صلاة التطوع غير الرواتب غير مقدرة بمقدار خاص ولا مؤقتة بوقت خاص، فيجوز للإنسان أن يتطوع في أي وقت من النهار أو الليل إلا في الأوقات التي ورد النهي عن الصلاة فيها فلا يشرع التطوع المطلق فيها، أما الفرائض فهي مقدرة بمقدار خاص ومؤقتة بأوقات مخصوصة فلا يجوز الزيادة على ذلك. (د) الفريضة لابد فيها من تعيين النية بخلاف التطوع المطلق فلا يشترط له تعيين النية.

стр. 330

وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ (١): ــ (هـ) صلاة التطوع تجوز على الراحلة وما كان في معناها مع القدرة على النزول، أما الفريضة فلا يجوز إلا مع عدم القدرة على النزول، كالصلاة في السفينة والطائرة. (و) أن الفريضة لا تصح في الكعبة ولا على ظهرها، وهو المذهب (١) عند الحنابلة، بخلاف التطوع. (ز) الفريضة لا تسقط بحال ما دام عقله ثابتاً، بخلاف النافلة فتسقط عند العجز عنها ويكتب أجرها لمن اعتادها ولمن عجز عنها إذا كان من عادته فعلها. (ح) النافلة لا يكفر تاركها بالإجماع، بخلاف الفريضة فتاركها بالكلية يكفر على القول الصحيح. وهناك فروق أخرى ذكرها بعض أهل العلم. - تنبيه: آكد ما يتطوع به من العبادات البدنية: قيل الجهاد، وقيل العلم، والصحيح الذي اختاره شيخنا (٢) ﵀ أنه يختلف باختلاف الفاعل وباختلاف الزمن، فقد يكون الجهاد في حق بعض الأشخاص أفضل، وفي بعضهم يكون طلب العلم في حقهم أفضل، فإذا كان الإنسان شجاعًا قويًا ونشيطًا وليس بذكي مثلاً فالأفضل في حقه الجهاد، وإن كان ذكيًّا حافظًا قوي الحجة فيكون العلم في حقه أفضل. (١) قوله «وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ» أي صلاة التطوع على خمسة أنواع.

стр. 331

أَحَدُهَا: السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ (١)، وَهِيَ الَّتِيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ، حَفِظْتُهُنَّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا (٢)، ــ (١) قوله «أَحَدهَا: السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ» سميت بذلك لأنها دائمة مستمرة وهي تابعة للفرائض مرتبة قبلها أو بعدها. (٢) قوله «وَهِيَ الَّتِيْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ حَفِظْتُهُنَّ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ -» حديث ابن عمر ﵄ متفق عليه، وهذه هي السنن الرواتب أي الدائمة المستمرة التابعة للفرائض، وهي كما ذكر ابن عمر: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان بعد الفجر، هذه عشر ركعات، وهذا على أحد القولين. وقيل بأن الرواتب اثنتا عشرة ركعة، وذلك بإضافة ركعتين أخريين قبل الظهر؛ لحديث عائشة عند البخاري «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ» (١)، وكذا حديث أم حبيبة ﵂ عند مسلم عن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّيْ للهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» (٢). وهذا هو الصواب أي أن الرواتب اثنتا عشرة ركعة. وخرج من هذه المذكورات صلاة العصر، فليس لها سنة راتبة لكن لها سنة مطلقة وهي الداخلة في عموم قوله ﷺ : «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ» (٣). وقولنا «أربع ركعات قبل الظهر» أي بتسليمتين لا بتسليمة واحدة كما يظن البعض =

стр. 332

وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ (١)، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ (٢)، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، حَدَّثَتْنِيْ حَفْصَةُ (٣) أَنْ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذا طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٤)، وَهُمَا آكَدُهَا (٥). ــ = بل يصلي ركعتين ثم يسلم منها، ثم يصلي ركعتين ويسلم منها هكذا. (١) قوله «وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِيْ بَيْتِهِ» أي أن السنة لراتبة المغرب أن تصلى في البيت، وهذا عام في حق الإمام والمأموم، لكن من خاف أن ينسي هاتين الركعتين فالأولى أن يصليهما في المسجد، أما من اعتاد أن يصليهما في البيت فالأفضل له ذلك. (٢) قوله «وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ بَيْتِهِ» يقال فيها كما قيل في الركعتين بعد المغرب. (٣) قوله «حَدَّثَتْنِيْ حَفْصَةُ» القائل هو ابن عمر ﵄ وهو أخو حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵃ جميعًا. (٤) قوله «أَنْ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» المراد بطلوع الفجر هنا هو الفجر الصادق الذي سبق بيانه في باب المواقيت، وقلنا بأنه يتميز عن الفجر الكاذب بثلاثة أمور: الأول: أن الفجر الصادق يعقبه نور. الثاني: أن الفجر الصادق يكون معترضًا من الشمال إلى الجنوب. الثالث: أن الفجر الصادق يترتب عليه الأحكام الشرعية. (٥) قوله «وَهُمَا آكَدُهَا» أي آكد السنن الرواتب؛ لقوله ﷺ : «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا» (١)، وأيضًا لأن النبي ﷺ كما قالت عائشة عن هاتين الركعتين=

стр. 333

وَيَسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُمَا (١)، وَفِعْلُهُمَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ (٢)، ــ = «وَلَمْ يَكُنْ يَدَعْهُمَا أَبَدًا» (١). (١) قوله «وَيَسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُمَا» وذلك لحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إِنِّي لأَقُوْلُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ» (٢)، فالسنة التخفيف في هاتين الركعتين. (٢) قوله «وَفِعْلُهُمَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ» وذلك لحديث ابن عمر ﵄ السابق، لكن هل هذا عام في حق الإمام والمأموم أم الأفضل في حق المأموم أن يبادر إلى الصلاة قبل الأذان وفي أثنائه فيصليها في المسجد؟ نقول: الصواب أن الأفضل في حق المأموم أن يبادر إلى الصلاة؛ لأن الأجر الحاصل في المبادرة إلى الصلاة أفضل من أداء هذه السنة في البيت، ولذا فالأولى في حقه المبادرة ثم يصليها في المسجد، أما النوافل التي بعد الصلاة فالأفضل أن يصليها في البيت. ومن خلال ما ذكره المؤلف يتبين لنا أن ركعتي الفجر تختص عن غيرها بأمور هي: (أ) أنهما تشرعان سفرًا وحضرًا بخلاف غيرهما من الرواتب. (ب) أن ثوابهما خير من الدنيا وما فيها (ج) أنه يسن تخفيفهما كما في حديث عائشة سابق الذكر. (د) أنه يقرأ فيهما بسور معينة وهي سورة الكافرون في الركعة الأولى، وسورة الإخلاص في الركعة الثانية، وإن شاء قرأ في الأولى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٣)، وفي الركعة الثانية يقرأ فيها ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا =

стр. 334

وَكَذلِكَ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ (١). الثَّانِيْ: الْوِتْرُ (٢)، ــ = وَبَيْنَكُمْ﴾ (١). (هـ) أنه يسن الاضطجاع بعدهما لمن صلاهما في البيت، وهذه السنة الصواب أنها تكون في حق من يحتاج إليها، كمن يقوم من الليل ويحتاج إلى أن يستريح، لكن بشرط أن لا يستغرق في النوم فتفوته صلاة الجماعة، وبالتالي قد ترك أمرًا واجبًا لتحصيل سنة. (١) قوله «وَكَذلِكَ رَكْعَتَا الْمَغْرِبِ» أي يسن أن يصليها في البيت كما جاء في حديث ابن عمر السابق. - تنبيه: من فاته شيء من الرواتب هل يسن قضاؤها ؟ الجواب: نقول إن تركها لعذر كنوم ونسيان وانشغال بما هو أهم جاز قضاؤها، أما إن تركها عمدًا حتى فات وقتها فإنه لا يقضيها، بل إن قضاها فلا تصح منه راتبته؛ لأن الرواتب عبادات مؤقتة، والعبادات المؤقتة إذا تعمد الإنسان تركها حتى خرج وقتها لم تقبل منه؛ لقوله ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢) (٢) قوله «الثَّانِيْ: الْوِتْرُ» أي النوع الثاني من أنواع التطوع هو الوتر، واختلف الفقهاء في حكم الوتر، فالجمهور (٣) على أنه سنة مؤكدة وليس بواجب، =

стр. 335

وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ (١)، ــ =وذهب أبو حنيفة (١) خلافًا لصاحبيه وأبوبكر (٢) من الحنابلة إلى أنه واجب. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أي أنه سنة مؤكدة؛ لقوله ﷺ لما سأله الأعرابي عما فرض عليه في اليوم والليلة قال: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» (٣)، وقول علي ﵁: «الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (٤). ومع كونه سنة إلا أنه لا ينبغي لمسلم أن يتهاون فيها، فمن تركها فقد أساء، قال الإمام أحمد ﵀: «من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء لا ينبغي أن يقبل له شهادة» (٥). (١) قوله «وَوَقْتُهُ: مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ» أي وقت الوتر من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني، ودليل ذلك قوله ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ وَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوْعِ الْفَجْرِ» (٦)، ولقوله ﷺ : «إِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ =

стр. 336

وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ (١)، ــ =بِوَاحِدَةٍ» (١). وذهب ابن قدامة (٢) في المغني إلى أن الوتر يفعله قبل صلاة الفجر، ونقل ذلك عن كثير من الصحابة، وكذا الأئمة، واحتج لذلك بقوله ﷺ : «إن الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح». والذي أراه أنه لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح، لكن إن فاته فله أن يصليه قبل صلاة الصبح لاسيما أن هذا قد نقل عن كثير من الصحابة، قيل للإمام أحمد: أيوتر الرجل بعدما يطلع الفجر؟ قال: نعم، وهذا أيضاً نقل عن الإمام مالك. - تنبيهان: أولاً: إذا جمع المصلي بين المغرب والعشاء جمع تقديم فيبدأ وقت الوتر من بعد تمام صلاة العشاء. ثانيًا: من فاته الوتر حتى أصبح فيشرع في حقه أن يقضيه بعد طلوع الشمس شفعًا، فإن كان يوتر بواحدة قضاها ثنتين، وإن كان يوتر بثلاث قضاها أربعًا، وإن كان يوتر بخمس قضاها ستًّا، وهكذا. (١) قوله «وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ» هذا هو المذهب (٣)، وهو قول الشافعية (٤)، فيجوز ذلك بلا كراهة للحديث المتقدم «إِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ»، وفي قول في المذهب أنه يكره الإيتار بركعة حتى في حق المسافر وتسمى البتيراء، ذكر =

стр. 337

وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً (١)، ــ =ذلك صاحب الإنصاف، وذهب الحنفية إلى عدم جواز الإيتار بركعة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن البتيراء، والصحيح جواز الإيتار بركعة للحديث المتقدم ولما رواه مسلم «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» (١). (١) قوله «وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» هذا هو المذهب (٢)، وهو قول الشافعية (٣)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيْدُ فِيْ رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» (٤). لكن قول المؤلف «وَأَكْثَرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً» فيه نظر؛ لأن الصواب أنه يجوز الزيادة على ذلك، فيجوز أن يصليه ثلاث عشرة ركعة كما في حديث أم سلمة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوتِرُ بِثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً فَلَمَّا كَبِرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ» (٥)، وأيضًا لقوله ﷺ : «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوْتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (٦)، فالأولى في كلام المؤلف أن يقول: والأفضل إحدى عشرة ركعة.

стр. 338

وَأَدْنَى الكَمَالِ: ثَلاثٌ بِتَسْلِيْمَتَيْنِ (١)، وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ الرُّكُوْعِ (٢). ــ (١) قوله «وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلاثٌ بِتَسْلِيْمَتَيْنِ» وهذا هو المذهب (١)، وهو المذهب عند الشافعية (٢)، وعللوا ذلك بأن الوتر بواحدة مختلف في كراهته فكان أدنى الكمال الثلاث، وقال بعض الفقهاء بل أدنى الكمال ركعة واحدة. وقوله «بِتَسْلِيْمَتَيْنِ» أي يصلي ركعتين ثم يسلم منها ثم يأتي بركعة ويسلم، والعلة في ذلك لكي لا تشبه صلاة المغرب، وذهب الحنفية (٣) إلى أنه يصلى الوتر بثلاث كصلاة المغرب. والصحيح القول الأول؛ لأن النبي ﷺ نهى أن تشبه بصلاة المغرب، وإن صلاها بتشهد واحد وسلام واحد جاز. (٢) قوله «وَيَقْنُتُ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ الرُّكُوْعِ» اختلف الفقهاء في القنوت في الوتر؛ فذهب أصحاب الإمام أحمد (٤) إلى سنيته في الوتر في كل ليلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقنت إلا في رمضان، وقال البعض بل يقنت في آخر رمضان، وقال المالكية (٥) بل يكره القنوت في الوتر. والصحيح من هذه الأقوال أن القنوت في الوتر مشروع؛ لثبوته عن عمر ﵁، لكن لا يداوم عليه؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه قنت في الوتر. أما محل القنوت فالمذهب (٦) على أنه بعد الركوع، وهو قول الشافعية (٧)، ودليل ذلك أنه ﷺ «قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوْعِ فِي صَلاةِ الصُّبْحِ» (٨)، وهو في =

стр. 339

الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ (١)، وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ (٢)، ــ =الصحيحين من حديث أنس ﵁. وذهب الحنفية (١) والمالكية (٢) إلى أنه قبل الركوع، وهذا أيضًا ثابت في الصحيحين، والصحيح جواز الأمرين، والسنة في ذلك التنويع، فيقنت أحيانًا قبل الركوع وأحيانًا بعد الركوع. - تنبيه: لم يذكر المؤلف هنا ما يسن قراءته في الوتر ، والمشروع فيه من القراءة أن يقرأ في الركعة الأولى بسورة «الأعلى»، وفي الثانية بسورة «الكافرون»، وفي الثالثة بسورة «الإخلاص» كما جاء ذلك في السنن من حديث ابن عباس ﵁ أنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُوْنَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِيْ رَكْعَةٍ رَكْعَةٍ» (٣). (١) قوله «الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ المُطْلَقُ» أي النوع الثالث من أنواع النوافل التطوع المطلق، وسمي مطلقًا لأنه لا يختص بوقت ولا سبب بل يصليه الإنسان في أي وقت شاء إلا أوقات النهي التي سيذكرها المؤلف. (٢) قوله «وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ» لقوله ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيْضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ» (٤)، وقوله ﷺ : « ... وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ=

стр. 340

وَالنِّصْفُ الأَخِيْرُ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ (١)، وَصَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى (٢)، ــ =دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُوْمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ... » (١)، ولعل الفضل في ذلك راجع إلى أن الليل أدعى للخشوع، ولأن فيه وقت نزول الرب . (١) قوله «وَالنِّصْفُ الأَخِيْرُ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ» وذلك لحديث عائشة ﵂ «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (٢)، وللحديث المتقدم: « .. وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إِلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُوْمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ... »، ولقوله ﷺ : « ... وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُوْمَ آخِرَهُ فَلْيُوْتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُوْدَةٌ وَذلِكَ أَفْضَلُ» (٣)، لكن إن كان يخاف أن لا يقوم آخر الليل فالأولى أن يصلي أوله؛ لقوله ﷺ : «مَنْ خَافَ أَنْ لا يَقُوْمَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوْتِرْ أَوَّلَهُ» (٤). (٢) قوله «وَصَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» فلا ينبغي أن يصلي أربعًا بسلام واحد؛ لقوله ﷺ : «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (٥)، وعلى ذلك فإذا كان يصلي من الليل ثم=

стр. 341

وَصَلاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ (١). ــ =نسي فقام إلى ثالثة فالمشروع في حقه أنه متى تذكر وجب عليه الرجوع، فإن جعلها أربعًا لم تصح للحديث المتقدم. لكن هل يفهم منه أن صلاة النهار يجوز أن تكون أربعًا بسلام واحد أو أربعًا بتشهدين؟ نقول: لا يشرع ذلك؛ لأن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. أما من احتج بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيْدُ فِيْ رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّيْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَلا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُوْلِهِنَّ .. » (١)، فنقول: هذا محمول على أنه كان يصلي الأربع بسلامين، فيصلي ثنتين ثم يسلم ويصلي ثنتين ثم يسلم، لأنه لو صلى أربعًا بسلام واحد خالف قوله «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وهو صريح في صلاة الليل هكذا. (١) قوله «وَصَلاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاةِ الْقَائِمِ» هذا في النافلة، فيجوز أن يصليها الإنسان قاعدًا لغير عذر، لكن أجرها على النصف من صلاة القائم، وقد ذكرنا ذلك في الفرق بين الفريضة والنافلة. أما إن كان صلاها قاعدًا لعذر فالأجر له فيها كامل لقوله ﷺ : «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيْمًا صَحِيْحًا» (٢). وأما دليل ما ذكره المؤلف فهو قوله ﷺ : «وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ» (٣).

стр. 342

الرَّابِعُ: مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ (١): أَحَدُهَا: التَّرَاوِيْحُ (٢)، وَهِيَ: عِشْرُوْنَ رَكْعَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ رَمَضَانَ (١) ــ (١) قوله «الرَّابِعُ: مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ ثَلاثَةُ أَنْوَاعٍ» أي النوع الرابع من أنواع التطوع هو ما تسن له الجماعة، وهذا الضرب على ثلاثة أنواع: (٢) قوله «أَحَدُهَا: التَّرَاوِيْحُ» وهي قيام ليل رمضان، سميت بالتراويح؛ لأن الصحابة كانوا يطيلون فيها القراءة والركوع والسجود، فإذا صلوا أربعًا استراحوا ثم استأنفوا الصلاة أربعًا، ثم استراحوا ثم يوترون بثلاث. ويستحب لها الجماعة؛ لأن النبي ﷺ صلى بأصحابه جماعة، ثم خشي أن تفرض عليهم فتركها، فلما جاء عهد عمر ﵁ جمعهم عليها، وعمر ﵁ من الخلفاء الراشدين وأمرنا باتباع هديه، ثم استمر المسلمون عليها إلى وقتنا يصلونها جماعة. (٣) قوله «وَهِيَ: عِشْرُوْنَ رَكْعَةً بَعْدَ الْعِشَاءِ فِيْ رَمَضَانَ» وهذا هو الثابت عن الصحابة - رضوان الله عليهم - أنهم كانوا يصلون عشرين ركعة، وهذا هو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وبعض المالكية (٣)، وهو المشهور من المذهب (٤)، لكن الصحيح أن التراويح إحدى عشرة ركعة؛ لحديث عائشة ﵂ المتقدم «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيْدُ فِي رَمَضَانَ وَلا فِيْ غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ... »، وهذا رأي شيخنا (٥) ﵀، لكن إن زاد=

стр. 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =على ذلك فلا بأس؛ لقوله ﷺ : «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى؛ مَثْنَى» (١) فلم يحددها ﷺ فإن صلاها ثلاثًا وعشرين فلا بأس، لكن الأولى أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة؛ لأنه ثابت من فعله ﷺ . - تنبيه: أولاً: لا ينبغي للمأموم أن ينصرف عن الإمام لكونه يصلي عشرين ركعة كما يفعله البعض؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (٢)، ولأن هذا نوع من الاختلاف على الإمام، ولأن فيه نوع فرقة للمسلمين. ثانيًا: لشيخ الإسلام قول لطيف في الزيادة عن إحدى عشرة ركعة، قال ﵀: «إن أطال القيام والركوع والسجود فيقلل الركعات أي يجعلها إحدى عشرة ركعة، وإن خفف القراءة والركوع والسجود فليكثر من الركعات» (٣). وعلى العموم الذي أراه أنه ينبغي على الإمام أن يراعي حال المأموم، فإن كان المأموم يرغب في صلاة التراويح ويرى عدم الإطالة فيها فالأولى للإمام أن لا يحرم المأموم من أجرها فيصلي بلا إطالة ويجعلها إحدى عشرة ركعة، وإن كان المأموم يرغب في الإطالة صلى بهم وأطال.

стр. 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثالثًا: لا حرج في حق الإمام أن يقرأ من المصحف في صلاة التراويح أو غيرها من النوافل إذا لم يكن حافظًا، فقد كان لعائشة غلام اسمه ذكوان كان يؤم بها في رمضان ويقرأ من المصحف، أما الفريضة فلا يفعل ذلك. رابعًا: المأموم يكره له المتابعة من المصحف أثناء القراءة للإمام إلا إذا كانت هناك حاجة، كأن يحتاج إلى من ينبهه أثناء القراءة، وذلك لأن المتابعة من المصحف تشغله عن الخشوع في الصلاة وعن تدبر قراءة الإمام. خامسًا: لا حرج على المسلم أن يتتبع أصوات الأئمة، لكن الأولى أن يصلي في مسجده وخلف إمامه. سادسًا: لا بأس بأن يحسن الإمام صوته أثناء قراءة القرآن ويأتي به على صفة توافق القلوب دون غلو وأن يراعى أحكام القراءة متى أمكن ذلك. سابعًا: إذا قام الإمام إلى ثالثة في صلاة التراويح ناسيًا ثم تذكر أو ذُكّر أنها ثالثة، فالواجب عليه الرجوع ويجلس، فإن لم يرجع بطلت صلاته؛ لقوله ﷺ : «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (١). ثامنًا: بعض الأئمة يحرصون على تخفيف صلاة التراويح فيصلونها بسرعة تمنع المصلين من فعل ما يسن، بل قد تمنعهم من فعل ما يجب، وفي المقابل هناك من الأئمة من يطيل إطالة تشق على المأموم، وهذا خطأ من كليهما بل على الإمام أن يتقي الله تعالى فلا يخفف بما يخل بواجب أو مسنون، ولا يطيل بما يشق على المأمومين.

стр. 345

وَالثَّانِيْ: صَلاةُ الْكُسُوْفِ، فَإِذَا كُسِفَتِ الشَّمْسُ، أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ (١). ــ تاسعًا: القنوت في الوتر مشروع، لكن لابد أن يراعى فيه أولاً: عدم السجع، ثانياً: عدم الإطالة المفرطة، ثالثًا: الأولى فيه الاقتصار على ما ورد. عاشرًا: يجوز لمن صلى مع الإمام أن يؤخر الوتر، فإذا سلم قام وضم ركعة أخرى، ولا يجوز أن يوتر مرتين في ليلة، مرة مع الإمام في التراويح ومرة بعد تهجده، فهذا لا يشرع. (١) قوله «وَالثَّانِيْ: صَلاةُ الْكُسُوْفِ، فَإِذَا كُسِفَتِ الشَّمْسُ، أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ» أي النوع الثاني من أنواع التطوع التي تشرع له الجماعة صلاة الكسوف، وصلاة الكسوف من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي باب الصلاة التي سببها الكسوف. الكسوف والخسوف قيل: بأنهما بمعنى واحد، وقيل: بأن الكسوف للشمس والخسوف للقمر، وقيل: بالعكس. والكسوف عرّفه العلماء بأنه ذهاب أحد النيرين أو بعضه، وسبب كسوف الشمس يحدث بسبب حجب القمر للشمس، فيحول بينها وبين الأرض فيحجبها عن الأرض، إما جميعها أو بعضها. وقولنا «جميعها» ليس معناه أن الشمس تحجب عن الأرض جميعها، وإنما المراد أنه يحجبها عن موضع معين فيها؛ لأن القمر أصغر من الشمس، ولذلك لا يمكن أن يكون كسوف الشمس كليًّا في جميع أقطار الدنيا. أمّا خسوف القمر فيكون بسبب حجب الأرض للقمر فتحول بينه وبين الشمس؛ لأن القمر يستمد نوره من الشمس، ومن هنا يحصل خسوف القمر. =

стр. 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وخسوف القمر وكسوف الشمس يحصل بسببين: الأول: حسِّي وهو الذي ذكرناه آنفًا، والثاني: سبب شرعي وهو تخويف الله تعالى لعباده كما قال ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ» (١). أمّا حكم صلاة الكسوف فقد ذهب جمهور الفقهاء (٢) إلى أنها سنة مؤكدة، وذهب بعض الفقهاء إلى القول بالوجوب، قال شيخنا (٣) ﵀: القول بالوجوب أقوى من القول بالاستحباب، والصواب أنها سنة مؤكدة، وهو قول سماحة شيخنا ابن باز (٤) ﵀. وتصلى هذه الصلاة فرادى وجماعات، فالجماعة ليست شرطًا فيها، لكن صلاتها جماعة أولى، والأفضل أيضًا أن تصلى في الجوامع؛ لأن النبي ﷺ صلاها في مسجد واحد، ولأن كثرة المصلين أدعى للخشوع وخضوع القلب وأقرب لإجابة الدعاء. وقوله «فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلاةِ» وذلك لفعله ﷺ حينما كسفت الشمس في عهده، فزع ﷺ فزعًا عظيمًا حتى أنه خرج بإزاره قاصدًا المسجد حتى تبعوه بردائه، وهذا يدل على أن الأمر عظيم.

стр. 347

إِنْ أَحَبُّوْا جَمَاعَةً، وَإِنْ أَحَبُّوْا فُرَادَى (١)، فَيُكَبِّرُ (٢)، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً (٣)، ــ (١) قوله «إِنْ أَحَبُّوْا جَمَاعَةً، وَإِنْ أَحَبُّوْا فُرَادَى» وذلك لأن الجماعة ليست شرطًا فيها، لكن الأفضل أن تصلى جماعة كما ذكرناه آنفًا. (٢) قوله «فَيُكَبِّرُ» أي تكبيرة الإحرام ناويًا بذلك صلاة كسوف الشمس أو القمر. (٣) قوله «وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً» وتكون القراءة في ذلك جهرًا، فالسنة فيها سواء كانت في الليل أو النهار أنها تكون جهرًا وهذ هو المذهب (١)، ورواية في مذهب مالك (٢)، وذهب ابو حنيفة (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥) إلى أن القراءة تكون سرًّا في كسوف الشمس. والصحيح أنها تكون صلاة جهرية؛ لحديث عائشة ﵂: «جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِيْ صَلاةِ الْخُسُوْفِ بِقِرَاءَتِهِ .. » (٦)، وهذا اختيار شيخ الإسلام (٧) ﵀. وقوله «وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً» لم يأت تعيين لهذه السورة، فالمهم أن تكون القراءة طويلة.

стр. 348

ثُمَّ يَرْكَعْ رُكُوْعَا طَوِيْلاً (١)، ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً دُوْنَ الَّتِيْ قَبْلَهَا (٢)، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيْلُ دُوْنَ الَّذِيْ قَبْلَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ (٣)، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ (٤)، ــ (١) قوله «ثُمَّ يَرْكَعْ رُكُوْعًا طَوِيْلاً» من غير تقدير لهذا الركوع، المهم أن يكون طويلاً، فيطيل فيه بقدر الإمكان. (٢) قوله «ثُمَّ يَرْفَعُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُوْرَةً طَوِيْلَةً دُوْنَ الَّتِيْ قَبْلَهَا» وتكون هذه القراءة دون الأولى، أي أقل منها كما جاء ذلك في حديث عائشة ﵂. (٣) قوله «ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيْلُ دُوْنَ الَّذِيْ قَبْلَهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ» قائلاً: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثيْرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ (١)، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٢). (٤) قوله «ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ» بقدر ركوعه، ويكون كذلك جلوسه بين السجدتين بقدر سجوده؛ لحديث البراء بن عازب ﵁: «كَانَ سُجُوْدُ النَّبِيِّ ﷺ وَرُكُوْعُهُ وَقُعُوْدُهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ» (٣)، ولأنه ﷺ كان =

стр. 349

ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذلِكَ (١)، فَيَكُوْنُ أَرْبَعَ رُكُوْعَاتٍ وَأَرْبَعَ سُجُوْدَاتٍ (٢) ــ =يطيل الجلوس بين السجدتين حتى يقول الصحابة - رضوان الله عليهم -: قد أوهم من طول جلوسه بين السجدتين. (١) قوله «ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذلِكَ» أي يأت بركعة أخرى مثل الأولى لكن دونها في كل ما فعل، فيكون القيام الأول من الركعة الثانية دون القيام الثاني من الركعة الأولى لتكون صلاته بالتدرج كل ركعة دون التي قبلها. (٢) قوله «فَيَكُوْنُ أَرْبَعَ رُكُوْعَاتٍ وَأَرْبَعَ سُجُوْدَاتٍ» وهذا هو قول الجمهور من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣): أي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجدتان، وقال الحنفية (٤) إنها ركعتان في كل ركعة قيام واحد وركوع واحد وسجدتان كسائر النوافل. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لحديث عائشة ﵂ في صلاة الخسوف. - ذكر بعض التنبيهات التي لم يذكرها المؤلف: أولاً: قال في زاد المستقنع «وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز»، والصواب أن يقال بأن هذا مبني على طول زمن الكسوف، فإذا علمنا أن زمن الكسوف يطول فلا حرج من أن نصلي ثلاث ركوعات في كل ركعة ثلاث ركوعات أو أربع ركوعات أو خمس ركوعات؛ لورود ذلك=

стр. 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =عن الصحابة ﵃، لكن الأولى والأفضل أن يقتصر على ركوعين وأن يطيل الصلاة؛ لأن هذا هو الذي جاء عن النبي ﷺ . ثانيًا: ما بعد الركوع الأول هل هو ركن أم سنة ؟ الصواب أنه سنة وليس بركن، ولذا لو صلاها كما تصلى صلاة النافلة أي جعلها ركوعين فقط فلا بأس. ثالثًا: هل تدرك صلاة الكسوف بالركوع الثاني ؟ بناء على ما ذكرناه آنفًا بأن ما بعد الركوع الأول سنة نقول: بأنها لا تدرك بالركوع الثاني، ولذلك من كان مسبوقًا بالركوع الأول لزمه أن يأتي بركعة أخرى؛ لأن الأولى تعتبر قد فاتته، وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخنا (١) ﵀. رابعًا: إذا انتهت الصلاة والكسوف باق ، هل تعاد الصلاة؟ الصواب أنها لاتعاد، بل يبقى الناس يدعون الله تعالى وينشغلون بالذكر والتكبير والصدقة ونحو ذلك، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا ابن باز (٢) ﵀ أي لا تعاد صلاة الخسوف. خامسًا: إذا انجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة، وليس معنى قولنا «أتمها خفيفة» أنه يجعلها جذماء مقطوعة بعض الأعضاء، وإنما التخفيف المراد هنا تخفيفًا لا يشعر المصلي أنه تخفيفٌ مخلٌ، فإن كان قد صلى في الركعة الأولى بمائة آية مثلاً فيجعل الثانية بقدر أربعين آية أو ثلاثين آية، بحيث لا يشعر المصلي بالتخفيف.

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سادسًا: إذا طلع الفجر وخسف القمر قبل طلوع الشمس هل يصلى ؟ الجواب: لقد حصل هذا بالفعل ووقع الناس في حيرة، فبعض الناس صلى وبعضهم لم يصل، والمشهور من المذهب (١) أنها لا تصلى بعد طلوع الفجر إذا خسف القمر؛ لأنه وقت نهي، والصحيح أنها تصلى إن كان القمر بادياً ولولا الكسوف لأضاء، أما إن كان النهار قد انتشر ولم يبق إلا القليل على طلوع الشمس فهنا قد ذهب سلطانه والناس لا ينتفعون به سواء كان كاسفًا أو مبدرًا، وهذا هو اختيار شيخنا (٢) ﵀. سابعًا: إذا شرع في صلاة الكسوف للشمس بعد العصر ثم غابت كاسفة فإنه يتمها خفيفة؛ لأنها إذا غابت ذهب الانتفاع بها. ثامنًا: هل يصلى لغير الخسوف كالزلازل والبراكين والصواعق ونحو ذلك؟ محل خلاف بين الفقهاء، فالمذهب (٣) أنه يصلى فقط للزلزلة الدائمة وما عداها فلا، والمالكية (٤) يرون أنه لا يصلى لغير الشمس والقمر مطلقًا، وهو اختيار سماحة شخنا ابن باز (٥) ﵀، أما الشافعية (٦) فيرون الصلاة لغير الشمس والقمر لكن لا تصلى جماعة بل منفردين. والصحيح ما ذهب إليه الحنفية (٧) من مشروعية الصلاة لكل ما فيه فزع =

стр. 352

الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ (١)، إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ (٢)، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ (٣)، خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ (٤)، ــ = كالريح الشديدة والزلزلة والظلمة والصواعق والبراكين، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١) وشيخنا محمد العثيمين (٢) - رحمهما الله -. تاسعًا: هل تسن الخطبة للكسوف ؟ اختلف الفقهاء في مشروعية الخطبة لصلاة الكسوف، فالجمهور على أنه لا خطبة لصلاة الكسوف، والصحيح أنه تسن الخطبة بعد الفراغ من الصلاة لفعله ﷺ ، وهو مذهب الشافعية (٣)، وهو اختيار شيخنا (٤) ﵀، لكن بلا صعود على المنبر وبلا إطالة، بل يكفي فيها التذكير فتكون بمثابة الموعظة. (١) قوله «الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ» أي النوع الثالث مما تشرع له الجماعة من النوافل صلاة الاستسقاء، وهذا من باب إضافة الشيء إلى سببه كما ذكرنا ذلك سابقًا، والاستسقاء معناه طلب السقيا من الله تعالى، ويقال لها أيضًا صلاة الاستغاثة. (٢) قوله «إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ» أي خلت الأرض من النبات، وضد الجدب الإخصاب، يقال: أخصبت الأرض أي ظهر نباتها وكثر. (٣) قوله «وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ» أي امتنع عن النزول. (٤) قوله «خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ» أي ساكني الأطراف عليهم الوقار والهيبة.

стр. 353

مُتَبَذِّلِيْنَ (١)، مُتَذَلِّلِيْنَ (٢)، مُتَضَرِّعِيْنَ (٣)، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ (٤)، ــ (١) قوله «مُتَبَذِّلِيْنَ» التبذل أي ترك الزينة وعدم التهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع. (٢) قوله «مُتَذَلِّلِيْنَ» أي متواضعين، والذل أشد من التواضع أي ذليل أمام ربه . (٣) قوله «مُتَضَرِّعِيْنَ» التضرع يعني الاستكانة أي مستكينين، وذلك لشدة إنابتهم إلى الله تعالى. وهذه الأوصاف التي ذكرها المؤلف جاءت عن النبي ﷺ كما ذكر ذلك ابن عباس ﵄ حيث قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلاً مُتَخَشِّعًا مُتَرَسِّلاً مُتَضَرِّعًا» (١). (٤) قوله «فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ» وهذا هو قول الجمهور (٢)، وقال أبو حنيفة (٣): لا تسن الصلاة للاستسقاء بل يخرج الإمام ويدعو فإن صلى الناس جاز، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عباد بن تميم المازني عن عمه قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِيْ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُوْ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيْهِمَا =

стр. 354

كَصَلاةِ العَيْدِ (١)، ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً (٢)، ــ = بِالْقِرَاءَةِ» (١). أما حكمها فهي سنة مؤكدة ثابتة بفعل النبي ﷺ وبفعل أصحابه ﵃، وأجمع المسلمون على مشروعيتها. (١) قوله «كَصَلاةِ الْعَيْدِ» أي في عدد ركعاتها، والجهر بالقراءة فيها، وفعلها في المصلى، وفي التكبيرات الزوائد في الركعتين قبل القراءة. (٢) قوله «ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً» فتكون الخطبة بعد صلاة العيد، وهذا هو المذهب (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤). وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطبة تكون قبل الصلاة وهو رواية في المذهب (٥)؛ لحديث عائشة ﵂ وكذا عبد الله بن زيد أنه خطب ثم صلى ركعتين، ورجح شيخنا (٦) ﵀ جواز الأمرين. لكن إن خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها، وإن خطب بعد الصلاة لم يخطب قبلها. والصواب القول الأول أي أن الخطبة تكون بعد الصلاة؛ لقول ابن عباس ﵄: « ... فَصَنَعَ فِيهِ كَمَا صَنَعَ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى» (٧).

стр. 355

وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ (١) ــ =ومن المعلوم أن الخطبة في العيد بعد الصلاة، وأيضًا لحديث أبي هريرة ﵁: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِيْ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ ثُمَّ خَطَبَنَا» (١). وقوله «خُطْبَةً وَاحِدَةً» هذا هو المذهب (٢)، واختاره أبو يوسف (٣) من الحنفية، وذهب المالكية (٤) والشافعية (٥) إلى أنها خطبتان يفصل بينهما بجلوس لقول ابن عباس المتقدم. والصواب القول الأول لقول ابن عباس ﵄ « ... فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيْرِ ... » (٦). وهذا يدلنا على أنه ما فصل بين الخطبة بسكوت ولا جلوس، وأيضًا لم ينقل أنه خطب خطبتين للاستسقاء. (١) قوله «وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ» لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة واستغفار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ =
следующие страницы →