← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سادسًا: إذا طلع الفجر وخسف القمر قبل طلوع الشمس هل يصلى ؟ الجواب: لقد حصل هذا بالفعل ووقع الناس في حيرة، فبعض الناس صلى وبعضهم لم يصل، والمشهور من المذهب (١) أنها لا تصلى بعد طلوع الفجر إذا خسف القمر؛ لأنه وقت نهي، والصحيح أنها تصلى إن كان القمر بادياً ولولا الكسوف لأضاء، أما إن كان النهار قد انتشر ولم يبق إلا القليل على طلوع الشمس فهنا قد ذهب سلطانه والناس لا ينتفعون به سواء كان كاسفًا أو مبدرًا، وهذا هو اختيار شيخنا (٢) ﵀. سابعًا: إذا شرع في صلاة الكسوف للشمس بعد العصر ثم غابت كاسفة فإنه يتمها خفيفة؛ لأنها إذا غابت ذهب الانتفاع بها. ثامنًا: هل يصلى لغير الخسوف كالزلازل والبراكين والصواعق ونحو ذلك؟ محل خلاف بين الفقهاء، فالمذهب (٣) أنه يصلى فقط للزلزلة الدائمة وما عداها فلا، والمالكية (٤) يرون أنه لا يصلى لغير الشمس والقمر مطلقًا، وهو اختيار سماحة شخنا ابن باز (٥) ﵀، أما الشافعية (٦) فيرون الصلاة لغير الشمس والقمر لكن لا تصلى جماعة بل منفردين. والصحيح ما ذهب إليه الحنفية (٧) من مشروعية الصلاة لكل ما فيه فزع =

стр. 352

الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ (١)، إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ (٢)، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ (٣)، خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ (٤)، ــ = كالريح الشديدة والزلزلة والظلمة والصواعق والبراكين، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١) وشيخنا محمد العثيمين (٢) - رحمهما الله -. تاسعًا: هل تسن الخطبة للكسوف ؟ اختلف الفقهاء في مشروعية الخطبة لصلاة الكسوف، فالجمهور على أنه لا خطبة لصلاة الكسوف، والصحيح أنه تسن الخطبة بعد الفراغ من الصلاة لفعله ﷺ ، وهو مذهب الشافعية (٣)، وهو اختيار شيخنا (٤) ﵀، لكن بلا صعود على المنبر وبلا إطالة، بل يكفي فيها التذكير فتكون بمثابة الموعظة. (١) قوله «الثَّالِثُ: صَلاةُ الاِسْتِسْقَاءِ» أي النوع الثالث مما تشرع له الجماعة من النوافل صلاة الاستسقاء، وهذا من باب إضافة الشيء إلى سببه كما ذكرنا ذلك سابقًا، والاستسقاء معناه طلب السقيا من الله تعالى، ويقال لها أيضًا صلاة الاستغاثة. (٢) قوله «إِذَا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ» أي خلت الأرض من النبات، وضد الجدب الإخصاب، يقال: أخصبت الأرض أي ظهر نباتها وكثر. (٣) قوله «وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ» أي امتنع عن النزول. (٤) قوله «خَرَجُوْا مَعَ الإِمَامِ مُتَخَشِّعِيْنَ» أي ساكني الأطراف عليهم الوقار والهيبة.

стр. 353

مُتَبَذِّلِيْنَ (١)، مُتَذَلِّلِيْنَ (٢)، مُتَضَرِّعِيْنَ (٣)، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ (٤)، ــ (١) قوله «مُتَبَذِّلِيْنَ» التبذل أي ترك الزينة وعدم التهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع. (٢) قوله «مُتَذَلِّلِيْنَ» أي متواضعين، والذل أشد من التواضع أي ذليل أمام ربه . (٣) قوله «مُتَضَرِّعِيْنَ» التضرع يعني الاستكانة أي مستكينين، وذلك لشدة إنابتهم إلى الله تعالى. وهذه الأوصاف التي ذكرها المؤلف جاءت عن النبي ﷺ كما ذكر ذلك ابن عباس ﵄ حيث قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلاً مُتَخَشِّعًا مُتَرَسِّلاً مُتَضَرِّعًا» (١). (٤) قوله «فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ» وهذا هو قول الجمهور (٢)، وقال أبو حنيفة (٣): لا تسن الصلاة للاستسقاء بل يخرج الإمام ويدعو فإن صلى الناس جاز، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عباد بن تميم المازني عن عمه قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِيْ فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُوْ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيْهِمَا =

стр. 354

كَصَلاةِ العَيْدِ (١)، ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً (٢)، ــ = بِالْقِرَاءَةِ» (١). أما حكمها فهي سنة مؤكدة ثابتة بفعل النبي ﷺ وبفعل أصحابه ﵃، وأجمع المسلمون على مشروعيتها. (١) قوله «كَصَلاةِ الْعَيْدِ» أي في عدد ركعاتها، والجهر بالقراءة فيها، وفعلها في المصلى، وفي التكبيرات الزوائد في الركعتين قبل القراءة. (٢) قوله «ثُمَّ يَخْطُبُ بِهِمْ خُطْبَةً وَاحِدَةً» فتكون الخطبة بعد صلاة العيد، وهذا هو المذهب (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤). وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطبة تكون قبل الصلاة وهو رواية في المذهب (٥)؛ لحديث عائشة ﵂ وكذا عبد الله بن زيد أنه خطب ثم صلى ركعتين، ورجح شيخنا (٦) ﵀ جواز الأمرين. لكن إن خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها، وإن خطب بعد الصلاة لم يخطب قبلها. والصواب القول الأول أي أن الخطبة تكون بعد الصلاة؛ لقول ابن عباس ﵄: « ... فَصَنَعَ فِيهِ كَمَا صَنَعَ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى» (٧).

стр. 355

وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ (١) ــ =ومن المعلوم أن الخطبة في العيد بعد الصلاة، وأيضًا لحديث أبي هريرة ﵁: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِيْ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ ثُمَّ خَطَبَنَا» (١). وقوله «خُطْبَةً وَاحِدَةً» هذا هو المذهب (٢)، واختاره أبو يوسف (٣) من الحنفية، وذهب المالكية (٤) والشافعية (٥) إلى أنها خطبتان يفصل بينهما بجلوس لقول ابن عباس المتقدم. والصواب القول الأول لقول ابن عباس ﵄ « ... فَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيْرِ ... » (٦). وهذا يدلنا على أنه ما فصل بين الخطبة بسكوت ولا جلوس، وأيضًا لم ينقل أنه خطب خطبتين للاستسقاء. (١) قوله «وَيُكْثِرُ فِيْهَا مِنَ الاِسْتِغْفَارِ» لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة واستغفار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ =

стр. 356

وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ (١)، وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ (٢)، ــ = يَرْجِعُونَ﴾ (١). فقلة المطر وحبسه إنما هو بسبب المعاصي والذنوب، ولذا شرع الاستغفار والتوبة إلى الله تعالى. (١) قوله «وَتِلاوَةِ الآيَاتِ الَّتِيْ فِيْهَا الأَمْرُ بِهِ» وذلك مثل قوله تعالى في سورة نوح: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٢)، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (٣)، وكقوله : ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (٤). (٢) قوله «وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ» فيكون تحويل الرداء للإمام والمأموم جميعًا، وهذا هو قول المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)؛ وذلك لفعل النبي ﷺ ، وما ثبت من فعله ﷺ يثبت في حق غيره ما لم يقم دليل على الاختصاص، ولأن الحكمة من قلب الرداء هو التفاؤل من أن يقلب الله الحال من الجدب إلى الخصب، لكن لايشرع للنساء فعل ذلك. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قلب الرداء خاص بالإمام دون المأموم، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور.

стр. 357

وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوْا وَأُمِرُوْا أَنْ يَنْفَرِدُوْا عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ (١). ــ (١) قوله «وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يَمْنَعُوْا وَأُمِرُوْا أَنْ يَنْفَرِدُوْا عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ» في هذه المسألة قولان لأهل العلم: القول الأول: أنه لا يستحب خروج الكفار وأهل الذمة بل يكره خروجهم مع المسلمين للاستسقاء، ولكن إذا خرجوا مع الناس وانفردوا في مكان بعيد عنهم لم يمنعوا، وهذا هو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). واستدل أصحاب هذا القول بأنه يكره خروجهم لأنهم أعداء الله الذين كفروا به وبدلوا نعمة الله كفرًا، فهم بعيدون عن الإجابة، وإن أغاث الله المسلمين فلربما قالوا هذا حصل بفضل دعائنا. وكونهم إذا خرجوا لم يمنعوا لأنهم يطلبون أرزاقهم من الله ولا يبعد أن يجيبهم الله لذلك لأنه ضمن أرزاقهم كما ضمن للوثنيين أرزاقهم. وكونهم منفردين عن المسلمين لأنه لا يؤمن أن يصيبهم الله بعذاب من عنده فيعم من حضرهم، ولا يجوز لهم الخروج للاستسقاء وحدهم لأنهم قد يغاثون فتكون الفتنة بهم أعظم وأشد. القول الثاني: وهو قول الحنفية (٤) أنه لا يحضر الذمي الاستسقاء ولا يخرج له؛ لأنه لا يتقرب إلى الله بدعائه، ولأن الاستسقاء من أجل الرحمة وهم بعيدون عنها، وأما منعهم من الخروج لأنهم قد يستسقون فيسقيهم الله فتحصل لهم الفتنة.

стр. 358

الضَّرْبُ الْخَامِسُ: سُجُوْدُ التِّلاوَةِ (١)، ــ = والصواب ما ذهب إليه الأولون، فإذا خرج أهل الذمة معنا من أجل الاستسقاء لم يمنعوا، لكن يخرجون في نفس اليوم الذي نستسقي فيه، وأن يكونوا بعيدين عنا كما ذكر ذلك المؤلف، وهو اختيار شيخنا (١) ﵀. (١) قوله «الضَّرْبُ الْخَامِسُ: سُجُوْدُ التِّلاوَةِ» أي النوع الخامس من أنواع التطوع سجود التلاوة أي السجود الذي سببه التلاوة، وقد اختلف الفقهاء في حكمه، فالجمهور على أنه سنة مؤكدة عقب تلاوة آية سجدة، وذهب الحنفية (٢) إلى أنه واجب. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ لما رواه البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ قال: «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيْهَا» (٣)، وفي رواية «فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ» (٤). وروى البخاري عن عمر ﵁ أنه «قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُوْدِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ ﵁» (٥). لكن هل سجود التلاوة صلاة ؟ الصحيح أنه ليس بصلاة ولا يجب له ما يجب للصلاة.

стр. 359

وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِي الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ (١)، وَيُسَنُّ السُّجُوْدُ لِلتَّالِيْ (٢)، وَالْمُسْتَمِعِ (٣) دُوْنَ السَّامِع (٤). وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ (٥). ــ (١) قوله «وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً، فِيْ الْحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ» وهي كالآتي: في الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والحج اثنتان، والفرقان، والنمل، وآلم السجدة، وفصلت، والنجم، والانشقاق، والعلق. أما سجدة ص فهي مختلف فيها، والصحيح أنه إن سجد أحيانًا وترك أحيانًا فهو حسن. (٢) قوله «وَيُسَنُّ السُّجُوْدُ لِلتَّالِيْ» أي الذي يتلو القرآن. (٣) قوله «وَالْمُسْتَمِعِ» الذي يقصد السماع للقراءة. (٤) قوله «دُوْنَ السَّامِع» أي الذي لم يقصد السماع كأن يكون قد مرّ برجل يقرأ القرآن وأثناء مروره سمع آية سجدة فهنا لايسن له السجود مع هذا القارئ. (٥) قوله «وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» هذا بناء على قولهم أنه صلاة وهو قول أكثر الفقهاء، وعلى ذلك يشترط له ما يشترط لصحة الصلاة من الطهارة واستقبال القبلة، وغير ذلك، والصحيح كما ذكرنا أنه ليس بصلاة، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١) ﵀، وعلى ذلك لا يكبر ولا يسلم له إلا إذا كان في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع، أما في غير الصلاة فلا يسن له تكبير إذا سجد وإذا رفع منه. ونقول أيضاً أن السجود بشروط الصلاة أفضل ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر، لكن اشتراط ذلك لصحته غير صحيح. قوله «ثُمَّ يُسَلِّمُ» أي إذا فرغ من سجود التلاوة سلم له، والصحيح أنه لا يسن له التسليم لعدم ثبوت ذلك.

стр. 360

بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِيْ نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيْهَا (١) وَهِيَ خَمْسٌ (٢): بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (٣)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِيْ نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيْهَا» أي الساعات التي نُهي عن صلاة التطوع فيها، وإلا فالفريضة تؤدى فيها إن نام عنها أو نسيها. (٢) قوله «وَهِيَ خَمْسٌ» أي خمسة أوقات، دليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (١) فهذان وقتان، أما الثلاثة المتبقية فهي في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: «ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيْهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيْهِنَّ مَوْتَانَا: حِيْنَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِيْنَ يَقُوْمُ قَائِمُ الظَّهِيْرَةِ حَتَّى تَمِيْلَ الشَّمْسُ، وَحِيْنَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ حَتَّى تَغْرُبَ» (٢)، فهذه هي الأوقات الخمسة التي نُهِي عن الصلاة فيها، وهي التي بيَّنها المؤلف. (٣) قوله «بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» هذا هو الوقت الأول الذي لا يجوز التطوع فيه أي من طلوع الفجر الثاني حتى تطلع الشمس، لكن هل النهي متعلق بفعل الصلاة أم بالوقت ؟ المذهب (٣) أن النهي متعلق بالوقت أي من=

стр. 361

وَبَعْدَ طُلُوْعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ (١)، وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُوْلُ (٢)، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَتَضَيَّفَ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ (٣)، ــ =طلوع الفجر الثاني حتى تطلع الشمس، لكن الصحيح أن النهي متعلق بفعل الصلاة؛ لقوله ﷺ : « ... وَلا صَلاةَ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»، وهذا هو اختيار ابن سعدي (١) ﵀. لكن هل يشرع الصلاة فيما بين الأذان والإقامة؟ ما دام أن النهي متعلق بفعل الصلاة نقول: لايشرع؛ لأن النبي ﷺ كان إذا أذن الصبح صلى ركعتين ولم يثبت عنه أنه صلى غيرهما. (١) قوله «وَبَعْدَ طُلُوْعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قِيْدَ رُمْحٍ» هذا هو الوقت الثاني، أي بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح، وقد قدّر بالساعات بما يعادل عشر دقائق إلى اثنتي عشرة دقيقة، لكن الأحوط أن يكون خمس عشرة دقيقة. (٢) قوله «وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُوْلُ» هذا هو الوقت الثالث، أي من قيام الشمس، ومعنى قيامها أي منتهى ارتفاعها في السماء. وقوله «حَتَّى تَزُوْلُ» أي تميل من وسط السماء نحو الغروب، وهذا الوقت قصير جدًّا، وقد قدّر بما يعادل خمس دقائق تقريبًا، ولكن الأحوط أن يكون في حدود خمس عشرة دقيقة. (٣) قوله «وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَتَضَيَّفَ الشَّمْسُ لِلْغُرُوْبِ» هذا هو الوقت الرابع أي من بعد صلاة العصر إلى أن تميل الشمس إلى الغروب، ودليل ذلك حديث أبي سعيد ﵁ المتقدم، والمراد بالغروب هنا هو شروعها في الغروب.

стр. 362

وَإِذَا تَضَيَّفَتْ حَتَّى تَغْرُبَ (١). فَهذِهِ السَّاعَاتُ لا يُصَلَّى فِيْهَا تَطَوُّعًا (٢)، ــ (١) قوله «وَإِذَا تَضَيَّفَتْ حَتَّى تَغْرُبَ» هذا هو الوقت الخامس الذي لا يشرع التطوع فيه، أي من حين ميل الشمس للغروب إلى أن يتم غروبها، وهذا الوقت يقدر بربع ساعة تقريبًا بمقدارها عند طلوعها. هذه خمسة أوقات هي التي نهي عن الصلاة فيها. (٢) قوله «فَهذِهِ السَّاعَاتُ لا يُصَلَّى فِيْهَا تَطَوُّعًا» أي التطوع المطلق، دليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (١)، وحديث عقبة بن عامر المتقدم: «ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيْهِنَّ» أما التطوع المقيد بسبب فقد اختلف فيه الفقهاء: فالحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤) على أنه لا يصلى مطلقًا سواء بسبب أو بغير سبب، أما الشافعية (٥) فيرون جواز صلاة ماله سبب عند وجود سببه، كتحية مسجد وسنة وضوء وركعتي طواف وغير ذلك مما له سبب. وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (٦)، وشيخنا محمد العثيمين (٧) - رحمهما الله -، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٨)، وهذا هو الصحيح.

стр. 363

إِلاَّ إِعَادَةَ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ (١)، ــ (١) قوله «إِلاَّ إِعَادَةَ الْجَمَاعَةِ إِذَا أُقِيْمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ» أي يجوز في أوقات النهي أن يعيد الإنسان الجماعة، كأن يأتي إلى مسجد ووجدهم يصلون وهو قد صلى فإنه يصلي معهم ولو كان وقت نهي، دليل ذلك قوله ﷺ للرجلين اللذين أتيا وهو يصلي في منى صلاة الفجر، فقال لهما: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ قَالا: يَا رَسُوْلَ اللَّهِ قَدْ كُنَّا صَلَّيْنَا فِيْ رِحَالِنَا، قَالَ: فَلا تَفْعَلا إِذَا صَلَّيْتُمَا فِيْ رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» (١). ومن هنا نلاحظ أن ما يفعله بعض الإخوة حينما تكون هناك جنازة فيصلون في مساجدهم ثم يأتون إلى الجامع الذي تقام فيه صلاة الجنازة والإمام يصلي ولم ينته من الفريضة ثم تجدهم يقفون يتحدثون أو يصلون تحية المسجد دون الدخول مع الإمام ويجلسون مع أن هذا لا ينبغي، بل المشروع في حقهم أن يدخلوا مع الإمام لأمر النبي ﷺ المتقدم. لكن هل ينكر عليهم إذا فعلوا ذلك؟ الجواب: قال شيخنا (٢) ﵀ ينكر عليهم؛ لأنه شذوذ وخروج عن الجماعة. قلت: حتى وإن كان وقت نهي كأن يكون صلوا العصر ثم قدموا إلى الجامع فالمشروع أن يدخلوا مع الإمام للحديث المتقدم: كان ﷺ يصلي الصبح في منى ثم أمرهم بذلك.

стр. 364

وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَهُ (١)، وَالصَّلاةَ عَلَى الْجَنَازَةِ (٢)، وَقَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِيْ وَقْتَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ (٣)، وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الْمَفْرُوْضَاتِ فِيْ جَمِيْعِ الأَوْقَاتِ (٤). ــ (١) قوله «وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدَهُ» هذا هو الاستثناء الثاني عند الحنابلة، وهما ركعتا الطواف، ودليل ذلك قوله ﷺ : «يَا بَنِيْ عَبْدِ مَنَافٍ لا تَمْنَعُوْا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» (١). (٢) قوله «وَالصَّلاةَ عَلَى الْجَنَازَةِ» هذا هو الاستثناء الثالث وهي صلاة الجنازة فتفعل في أوقات النهي؛ وذلك لعموم الأدلة التي جاءت في وجوب الصلاة على الميت، ولأن الميت جاءت السنة بالإسراع بدفنه. (٣) قوله «وَقَضَاءَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِيْ وَقْتَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا: بَعْدَ الْفَجْرِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ» هذا هو الاستثناء الرابع، فيجوز قضاء راتبة الظهر بعد العصر؛ لفعله ﷺ ، لكن الصواب أن هذا خاص به، وكذا راتبة الفجر بعد صلاة الفجر؛ لفعل بعض الصحابة ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، لكن الأولى أن يؤخر سنة الفجر حتى ينتهي وقت النهي ثم يصليها، وإن صلاها بعد الفجر مباشرة فلا بأس. (٤) قوله «وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الْمَفْرُوْضَاتِ فِيْ جَمِيْعِ الأَوْقَاتِ» هذا هو الاستثناء الخامس وهو الأخير أي يجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي، وهذا هو قول الجمهور؛ لقوله ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ =

стр. 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ذَلِكَ» (١)، وقال أبو حنيفة (٢) لا يجوز القضاء في أوقات النهي، والصحيح جواز ذلك، وهذا أمر مجمع عليه عند الصحابة فلا حجة للأحناف هنا.

стр. 366

بَابُ الإِمَامَةِ (١) ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ الإِمَامَةِ» نلاحظ أن المؤلف لم يعقد بابًا خاصًا بصلاة الجماعة مع كونه يرى وجوبها كما ذكر ذلك في المقنع والكافي والمغني، ويرى أنها ليست بشرط لصحة الصلاة، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم. أما إيجابها في المسجد فهو يتساهل فيه ﵀، وكذا يرى ﵀ أنها تدرك - أي الجماعة- بقدر تكبيرة الإحرام كما سيأتي ذلك في آخر باب الإمامة، ويرى أيضًا أن ما يدركه المأموم مع الإمام هو آخر الصلاة مع أن الراجح أنها لا تدرك إلا بإدراك الركوع، وأن ما يدركه المسبوق هو أولها وما يقضيه هو آخرها وهو مبني على رواية لقوله ﷺ : « .. إِذَا أَتَيْتُمْ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» (١). ويرى أيضًا أن المأموم لا تجب عليه القراءة مع الإمام بل تكفيه قراءة الإمام وقد عقد له بابًا في المقنع. المهم أن المؤلف في هذا الكتاب لم يبين فيه حكم صلاة الجماعة وبعض الأحكام المتعلقة بها، ونحن إن شاء الله سنتعرض لبعض أحكامها في أثناء شرحنا لباب الإمامة هذا. أما عن حكم صلاة الجماعة فقد اختلف فيه الفقهاء: فقيل بأنها شرط لصحة الصلاة، وهذا قول ابن عقيل (٢) من الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام (٣) ﵀ =

стр. 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وقيل بأنها فرض كفاية وهذا قول بعض فقهاء الحنابلة (١)، وهو الأصح عند الشافعية (٢)، وقيل بأنها سنة مؤكدة للرجال وهو المذهب عند الحنفية (٣)، وعليه أكثر المالكية (٤)، وهو قول عند الشافعية (٥). والصحيح أن صلاة الجماعة واجبة وجوب عين في حق الرجال وليست شرطًا لصحة الصلاة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٦)، وهو قول عند الشافعية (٧)، والحنفية (٨)، وهو اختيار شيخينا (٩). دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١٠)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ (١١) فهذا في حالة الخوف فما بالك بحال الأمن، وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (١٢). أما السنة فمنها قوله ﷺ : «إِنَّ أَثْقَلَ صَلاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِيْنَ صَلاةُ الْعِشَاءِ وَصَلاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُوْنَ مَا فِيْهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِيْ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ =

стр. 368

رَوَى أَبُوْ مَسْعُوْدٍ الْبَدْرِيُّ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ (١)، ــ =حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» (١)، وعن ابن عباس وابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوْبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (٢)، وكذا قوله ﷺ للأعمى: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَجِبْ» (٣)، وفي رواية: «لا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (٤)، فهذه بعض الأدلة التي تدل على وجوب صلاة الجماعة. (١) قوله ﷺ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ -» اختلف الفقهاء في بيان معنى الأقرأ لكتاب الله: فقال بعض الفقهاء الأجود قراءة، وقال بعضهم الأكثر قراءة، وقال آخرون أكثرهم حفظًا للقرآن. والصحيح أن المراد به هو أتقنهم وأحفظهم، لكن هل يشترط أن يكون ممن يتغنى بالقرآن ويحسن به صوته؟ الجواب: لا يشترط فيه ذلك، بل يكفي كونه متقنًا حافظًا، لكن الأولى أن يجتمع فيه حسن الأداء وجمال الصوت.

стр. 369

فَإِنْ كَانُوْا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ (١)، فَإِنْ كَانُوْا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً (٢)، ــ - تنبيهات: أولاً: اختلف الفقهاء فيما إذا اجتمع أقرأ وقارئ فقيه أي في القراءة أدنى من الأقرأ، فأيهما يقدم؟ المذهب (١) يقدم الأقرأ أخذًا بظاهر الحديث، وقال بعض أهل العلم: بل يقدم القارئ الفقيه؛ لأنه هو الأعلم بفقه صلاته فيؤديها على الوجه المشروع بخلاف الأقرأ فإنه قد يسرع في الركوع أو السجود أو القيام وربما يسهو في صلاته فلا يدري ماذا يفعل، ومن هنا كان الأولى تقديم القارئ العالم بفقه صلاته على الأقرأ، وهذا هو اختيار شيخنا (٢) ﵀. ثانياً: إذا كان للمسجد إمام راتب فهو أولى بكل حال، أي حتى إن وجد من هو أقرأ وأعلم منه مادام أنه لا يوجد فيه مانع يمنع إمامته. (١) قوله ﷺ «فَإِنْ كَانُوْا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» أي إذا اجتمع أكثر من قارئ للقرآن فينظر هنا إلى أعلمهم بالسنة، أي الأعلم بفقه صلاته من خلال أدلة السنة التي جاءت من خلال قوله ﷺ : «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (٣)، ودليل ما ذكره المؤلف قوله ﷺ في الحديث السابق «فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ». (٢) قوله ﷺ «فَإِنْ كَانُوْا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً» وهذا إنما يكون في صحابة النبي ﷺ الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وقد انقطعت الهجرة بهم؛ لقوله ﷺ : «لاهِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوْا» (٤)

стр. 370

فَإِنَ كَانُوْا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا (١)، وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِيْ بَيْتِهِ (٢)، ــ (١) قوله ﷺ «فَإِنَ كَانُوْا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا» ، وفي رواية «فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا» (١)، وعلى الرواية الأولى لا يكون هذا إلا في صحابة النبي ﷺ ، وعلى الرواية الثانية يقدم الأكبر سنًّا، وهذا هو الموافق لحديث مالك بن الحويرث وفيه قوله ﷺ : «وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» (٢). لكن لماذا قدّم هنا الهجرة والأقدم سلمًا عن غيرهم؟ نقول أولاً: بالنسبة للهجرة قُدِّم على غيره لأنه الأسبق للخير، ولأنه أقرب إلى معرفة شرع الله ممن تأخر عن الهجرة وبقي في بلاد الكفر. أما الأقدم سلمًا على الرواية الأولى فلأنه هو الأفضل، لأنه بادر بالاستجابة بالإسلام فآمن به، ولأنه أيضًا أقرب إلى معرفة شريعة الله ممن تأخر إسلامه. (٢) قوله ﷺ «وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِيْ بَيْتِهِ» أي أن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره إن كان أهلاً لها إلا من الإمام الأعظم أو نائبه كالحاكم العام أو الخاص في البلد الذي سكن فيه إن كان أهلاً للإمامة، فإن كان غير أهل للإمامة فلا يقدم، فيقدم صاحب البيت على الأقرأ والأفقه والأقدم هجرة والأقدم إسلامًا والأسن وهكذا، وهذا باتفاق أهل العلم للحديث المتقدم، ويدخل في ذلك عدم التقدم في مزرعته أو استراحته وما أشبه ذلك.

стр. 371

وَلا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (١)» (*)، وَقَالَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَليَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا (٢)» (*). وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُمَا مُتَقَارِبَةً (٣). وَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَ مَنْ صَلاتُهُ فَاسِدَةٌ (٤)، ــ - تنبيهان: أولاً: إذا اجتمع صاحب البيت ومستأجره ، فالمستأجر أحق؛ لأن المستأجر مالك المنفعة فهو أحق بانتفاعه بالإمامة في هذا البيت. ثانيًا: إن كان صاحب البيت حليق اللحية أو لايحسن القراءة أي عامي فلا يتقدم إلا بمثله. (١) قوله ﷺ «وَلا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ» أي لايجلس المضيف في محل الضائف الخاص به فلا يجوز الجلوس عليه إلا بإذنه. (٢) قوله ﷺ «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَليَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» هذا الحديث فيه دلالة على تقديم الأسن في الإمامة كما ذكرنا ذلك سابقًا، لكن على حسب الترتيب السابق الوارد في الحديث، ولذا قال المؤلف: (٣) قوله «وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُمَا مُتَقَارِبَةً» وذلك لأنه جلس عند النبي ﷺ هو وصاحبه فترة واحدة فتعلما من النبي ﷺ جميعًا وكان علمهما متقاربًا. (٤) قوله «وَلا تَصِحُّ الصَّلاةُ خَلْفَ مَنْ صَلاتُهُ فَاسِدَةٌ» بأن يكون محدثا ويعلم حدث نفسه فصلاته فاسدة وهو آثم في ذلك، بل قال بعض أهل العلم: يكفر إذا كان يعلم حدث نفسه ثم صلى؛ لأنه يعد بذلك متلاعباً بأحكام الله، فالأمر خطير جدًّا.

стр. 372

إِلاَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَدَثَ نَفْسِهِ (١)، وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَأْمُوْمُ حَتَّى سَلَّمَ (٢)، فَإِنَّهُ يُعِيْدُ وَحْدَهُ (٣)، وَلا تَصِحُّ خَلْفَ تَارِكِ رُكْنٍ (٤)، ــ (١) قوله «إِلاَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ حَدَثَ نَفْسِهِ» أي إذا انتهى من صلاته فتذكر أنه صلى محدثا، فهنا الواجب عليه إعادة الصلاة؛ لقوله ﷺ : «لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١)، وهو معذور بنسيانه أي لا إثم عليه، لكن الواجب عليه الإعادة. (٢) قوله «وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَأْمُوْمُ حَتَّى سَلَّمَ» أي لم يعلم المأموم أن إمامه محدث حتى سلم، فما الحكم؟ قال المؤلف ﵀: (٣) قوله «فَإِنَّهُ يُعِيْدُ وَحْدَهُ» أي يعيد الإمام صلاته وحده، أما المأموم فلا إعادة عليه، دليل ذلك فعل عمر ﵁، فقد ثبت عنه وعن ابنه عبد الله أنهما صليا بالناس على غير طهارة فلما علما بذلك أعادا الصلاة ولم يعد من صلى خلفهما، وقال بعض الفقهاء: بل على المأموم الإعادة، والصواب المذهب. (٤) قوله «وَلا تَصِحُّ خَلْفَ تَارِكِ رُكْنٍ» أي لا تصح إمامة العاجز عن الركوع أو السجود أو القيام أو القعود ونحو ذلك من الأركان، والتعليل في ذلك لأن القادر على الإتيان بأركان أكمل حالاً من العاجز عن الإتيان بها، ولا يصح أن يكون العاجز إمامًا للقادر، وهذا هو المذهب (٢). والصحيح أن الصلاة=

стр. 373

إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ، إِذَا صَلَّى جَالِسًا؛ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ (١)، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّوْنَ وَرَاءَهُ جُلُوْسًا (٢)، ــ =خلفه تصح، لكن الأولى أن لا يتقدم للإمامة، لكن استثنى المؤلف هنا إمام الحي فقال: (١) قوله «إِلاَّ إِمَامَ الْحَيِّ، إِذَا صَلَّى جَالِسًا؛ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ» مر بنا أن الشروط والأركان والواجبات تسقط مع العذر كما جاء في حديث عمران بن الحصين وفيه قوله ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (١)، لكن كما تقدم المذهب أن العاجز عن الأركان لاتصح إمامته، لكن استثني هنا إمام الحي بشرط أن يكون مرضه يرجى برؤه، مثل: أن يطرأ عليه وجع يرجى زواله فهنا تصح إمامته، والصحيح أن هذا القيد - أعني قيد كونه إمام الحي ومرضه يرجى برؤه - قيد يحتاج إلى دليل، فما أطلقه الشارع لا يجوز تقييده إلا بدليل، وعلى ذلك تصح إمامة العاجز عن الإتيان بالأركان مطلقًا، لكن خلاف الأولى. (٢) قوله «فَإِنَّهُمْ يُصَلُّوْنَ وَرَاءَهُ جُلُوْسًا» هذا هو المذهب (٢)، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الإمام إذا صلى جالسًا وجب على المأمومين القادرين على القيام أن يصلوا قيامًا، فإن صلوا قعودًا بطلت صلاتهم. والصحيح أنهم يصلون وراءه قعودًا؛ لحديث أنس بن مالك ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأيْمَنُ فَصَلَّى صَلاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوْدًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا=

стр. 374

إِلاَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا قَائِمًا، ثُمَّ يَعْتَلُّ، فَيَجْلِسُ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّوْنَ مَعَهُ قِيَامًا (١). ــ =فَصَلُّوْا قِيَامًا فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوْا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوْا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُوْلُوْا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوْا قِيَامًا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوْسًا أَجْمَعُوْنَ» (١). لكن هل جلوسهم خلفه ندبًا أم وجوبًا ؟ المذهب (٢) يرى أن الجلوس خلفه سنة، فإن صلوا وراءه قيامًا صحت صلاتهم؛ لأن السنة لا تبطل صلاتهم بتركها. والصواب أنه متى صلى الإمام قاعدًا وجب على المأمومين الصلاة خلفه قعودًا، فإن صلوا وراءه قيامًا بطلت صلاتهم، وهذا هو اختيار شيخنا (٣) ﵀. (١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا قَائِمًا، ثُمَّ يَعْتَلُّ، فَيَجْلِسُ، فَإِنَّهُمْ يُتِمُّوْنَ مَعَهُ قِيَامًا» أي إذا أصاب الإمام علة أثناء صلاته فجلس. فالواجب على المأمومين أن يتموا صلاتهم خلفه قيامًا، ولا يجوز لهم الجلوس، وهذا خاص من العموم المذكور في قوله ﷺ : «وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوْسًا»، ودليل ذلك فعل النبي ﷺ في مرضه حين دخل المسجد وأبو بكر يصلي بالناس وقد ابتدأ أبوبكر الصلاة قائمًا فجلس النبي ﷺ إلى يسار أبي بكر وبقي أبو بكر قائمًا، فيصلي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ويصلي الناس بصلاة أبي بكر ﵁ ولم يأمرهم ﷺ بالجلوس (٤).

стр. 375

وَلا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ (١)، وَلا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ (٢)، ــ (١) قوله «وَلا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْمَرْأَةِ» أي لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال مطلقًا سواء في الفرض أو النفل، وهذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، دليل ذلك قوله ﷺ : «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» (٤)، فالإمامة نوع من الولاية والجماعة قد ولوا امرأة إمامتهم فلا تصح أن تكون المرأة إمامًا لهم. ومن ذلك قوله ﷺ : «خَيْرُ صُفُوْفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوْفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» (٥)، وجه الدلالة أن النساء لا موضع لهن في الأمام، فلو قلنا بأنه تصح إمامتهن لصار انقلابًا في الوضع ولصارت هي المتقدمة على الرجل، وأيضًا حصول الفتنة الحاصلة بهن، ولذا جاءت الشريعة بالنهي عن إمامة المرأة. وعلى ذلك ما يحصل في بعض البلاد غير الإسلامية من إمامة النساء للرجال، بل وأداء صلاة الجمعة بالرجال كله مخالف ومصادم للشريعة، نسأل الله تعالى العافية. (٢) قوله «وَلا مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ» أي لا تصح إمامة من به سلس بول إلا بمثله وهذا المذهب (٦)، وقيل تصح إمامة من به سلس البول مطلقًا، وهذا هو قول شيخنا (٧) ﵀ وهو الصحيح، لكن ينصح أن لايكون إمامًا، أما صلاته =

стр. 376

وَالأُمِّيِّ الَّذِيْ لا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُخِلَّ بِحَرْفٍ مِنْهَا، إِلاَّ بِمِثْلِهِمْ (١). وَيَجُوْزُ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ (٢)، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ (٣). ــ =بمثله فلا إشكال فيها. (١) قوله «وَالأُمِّيِّ الَّذِيْ لا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُخِلَّ بِحَرْفٍ مِنْهَا، إِلاَّ بِمِثْلِهِمْ» الأمي من لا يحسن قراءة الفاتحة لا حفظًا ولا تلاوة، فالمذهب أنه لا تصح إمامته إلا بمثله، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز إمامته مطلقًا؛ لأن من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، وهذا هو الصواب، لكن الأولى أن لا يتقدم للإمامة؛ لأن فيه شيئًا من المخالفة لقوله ﷺ : «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ » (١). (٢) قوله «وَيَجُوْزُ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ» وهذا صحيح، بخلاف من قال بعدم جواز إمامة المتيمم للمتوضئ، دليل ذلك حديث عمرو بن العاص ﵁ حيث أنه صلى بأصحابه وهو متيمم وهم متوضئون فقال له النبي ﷺ : «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِيْ مَنَعَنِيْ مِنَ الاِغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّيْ سَمِعْتُ اللهَ يَقُوْلُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» (٢). (٣) قوله «وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ» أي يجوز إمامة المتنفل بالمفترض، وهذا هو قول الشافعي (٣)، وإحدى الروايتين في المذهب (٤)، وهي التي اختارها ابن قدامة =

стр. 377

وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُوْمُ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِيْنِ الإِمَامِ (١)، ــ = كما ذكر في الحمد، وهو قول شيخ الإسلام (١)، والمذهب (٢) لا تصح إمامة المتنفل بالمفترض، وهو قول أبي حنيفة (٣)، ومالك (٤)؛ لقول النبي ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلا تَخْتَلِفُوْا عَلَيْهِ» (٥). والصحيح ما ذهب إليه المؤلف من جواز ائتمام المفترض بالمتنفل وذلك لقصة معاذ ﵁ حيث «كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ» (٦). أما الحديث المذكور فمراده ﷺ بعدم الاختلاف عليه في الأركان والواجبات أي في الأفعال. (١) قوله «وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُوْمُ وَاحِدًا، وَقَفَ عَنْ يَمِيْنِ الإِمَامِ» وذلك لأن النبي ﷺ لما وقف ابن عباس عن يساره في قيام الليل أخذه فجعله عن يمينه. - تنبيه: ثم اعلم أن للمأمومين مع الإمام أربعة مواقف: الأول: خلفه، وهذا هو الأفضل إن كانوا أكثر من واحد؛ لأن هذا هو المعهود من صلاة الصحابة مع النبي ﷺ . الثاني: عن جانبيه، وهذا أيضًا صح عنه ﷺ لما رواه أحمد عن الأسود بن يزيد النخعي قال: «دَخَلْتُ أَنَا وَعَمِّي عَلْقَمَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ=

стр. 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =بِالْهَاجِرَةِ قَالَ فَأَقَامَ الظُّهْرَ لِيُصَلِّيَ فَقُمْنَا خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِيَدِيْ وَيَدِ عَمِّي ثُمَّ جَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِيْنِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ قَامَ بَيْنَنَا فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفًّا وَاحِدًا قَالَ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ إِذَا كَانُوْا ثَلاثَةً» (١). وقال بعض أهل العلم هذا منسوخ، فقد كان هذا أول الإسلام ثم نسخ، فصار أقل الجمع في باب الجماعة اثنين فأكثر، فيقف الاثنان خلف الإمام، وكذا فعل النبي ﷺ مع جابر وجبار حينما وقفا عن يمينه وشماله فجعلهما خلفه (٢)، وهذا هو الصواب، لكن إن صلوا عن يمينه وشماله صحت صلاتهم لكنه خلاف الأولى. الثالث: أن يقفوا عن يمينه، وهذا إذا كان من يصلي مع الإمام واحداً فقط كما مرَّ معنا في حديث ابن عباس ﵄، فإن كانوا أكثر من واحد فصلوا عن يمينه صحت صلاتهم لكنه خلاف الأفضل. الرابع: أن يقفوا قدَّامه، فالمذهب (٣) لا يصح أن يقف المأمومون أمام الإمام، فإن وقفوا أمامه فصلاتهم باطلة، وبهذا القول قال الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، وجماهير العلماء. وذهب مالك (٦) إلى صحة الصلاة أمام الإمام، واختار شيخ الإسلام (٧) أن صلاة الجمعة ونحوها أمام الإمام لعذر تصح، وهذا هو =

стр. 379

فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ قُدَّامَهُ أَوْ وَحْدَهُ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ (١)، ــ = الصواب، فإن كان هناك ضرورة من زحام شديد كيوم جمعة أو في أيام الحج فالمساجد العادية تمتلئ ويصلي الناس أمام الإمام، فهذا لا شك هو الأرفق بالناس، فالضرورة تقدر بقدرها. (١) قوله «فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ قُدَّامَهُ أَوْوَحْدَهُ، لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ» هذه ثلاث حالات للمأمومين لم تصح عند المؤلف صلاتهم مع الإمام: الحالة الأولى: «عَنْ يَسَارِهِ» أي إن وقف المأموم عن يسار الإمام لم تصح، وذلك لأن النبي ﷺ أدار ابن عباس إلى يمينه لما وقف عن يساره، لكن هذا مع خلو اليمين. والصحيح أنه إن صلى عن يساره صحت صلاته، وهذا هو قول أكثر أهل العلم، وهو رواية عن أحمد (١)، واختار هذا القول ابن سعدي (٢)، وشيخنا محمد العثيمين (٣) - رحمهما الله -. أما كون النبي ﷺ أدار ابن عباس إلى يمينه فهذا فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب. الحالة الثانية: التي لاتصح الصلاة فيها، قال المؤلف «أَوْ قُدَّامَهُ» وقد ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وقلنا إن الراجح أنه إن كان لضرورة فلا تبطل الصلاة بذلك، أما مع عدم الضرورة فلا شك أنه لايجوز أن يصلي المأموم أمام الإمام؛ لأن النبي ﷺ كان يؤم الناس وراءه وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (٤)، وهو القائل: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٥).

стр. 380

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحالة الثالثة: أن يكون «وَحْدَهُ» وهذا مختلف فيه عند الفقهاء، فالجمهور يقولون بصحة صلاة الفذ خلف الصف مع الكراهة. وذهب الحنابلة (١) إلى عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف، واحتجوا لذلك بحديث: «لا صَلاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» (٢)، ولأنه ﷺ «رَأَى رَجُلاً يُصَلِّيْ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيْدَ الصَّلاةَ» (٣). والصحيح من هذه الأقوال ما اختاره شيخ الإسلام وابن سعدي وشيخنا ﵏: أنه إن كان لعذر صحت صلاته، فإذا جاء المصلي ووجد الصف قد تم ولا مكان له في الصف فصلى خلف الصف لعذر فإن صلاته تصح بذلك، فإن الواجبات تسقط بالعجز كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، وقوله ﷺ : «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٥). - تنبيهات: أولاً: ذكر بعض الفقهاء أن من دخل المسجد ووجد الصف مكتملاً فيشرع له أن يجذب أحد الناس من الصف ليقف معه. قلت: هذا لا يشرع لأن فيه =

стр. 381

إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً، فَتَقِفُ وَحْدَهَا خَلْفَهُ (١)، ــ =محاذير، منها: ١ - فيه تشويش على ذاك الرجل المجذوب. ٢ - أن فيه قطعاً للصف، وقد نهى النبي ﷺ عن قطع الصفوف وتوعد من يفعل ذلك فقال: «وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» (١). ٣ - أن فيه نوع جناية على المجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول. ثانيًا: هل يؤمر هذا المنفرد بأن يدخل مع الإمام ليقف بجانبه؟ نقول: قال بذلك بعض أهل العلم، والصواب أنه لا يدخل بجانب الإمام، بل يصلي خلف الصف منفردًا؛ لأن هذا ما يسعه، ولأنه فيه تخطى للرقاب ومخالفة للسنة، فالإمام موضعه التقدم على المأموم - كما ذكرنا- ووقوفه بجانبه فيه مخالفة لذلك. ثالثًا: ما هو الانفراد المبطل للصلاة ؟ الانفراد المبطل للصلاة هو أن يرفع الإمام رأسه من الركوع ولم يدخل مع المسبوق أحد، فإن دخل أحد قبل أن يرفع رأسه من الركوع أو انفتح في الصف فرجة فدخل فيها قبل الركوع فإنه في هذه الحالة يزول عنه الانفراد، هذا إذا كان يسعه الدخول في الصف، أما مع العذر فلا تبطل الصلاة كما قلنا. (١) قوله «إِلاَّ أَنْ تَكُوْنَ امْرَأَةً، فَتَقِفُ وَحْدَهَا خَلْفَهُ» مراده ﵀ أنه يستثنى هنا أن يكون خلف الصف امرأة، فهنا تصلي وحدها وصلاتها صحيحة، ودليل ذلك حديث أنس ﵁ أنه صلى هو واليتيم خلف النبي ﷺ وصلت العجوز=

стр. 382

وَإْنْ كَانُوْا جَمَاعَةً، وَقَفُوْا خَلْفَهُ، فَإِنْ وَقَفُوْا عَنْ يَمِيْنِهِ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ، صَحَّ، فَإِنْ وَقَفُوْا قُدَّامَهُ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ (١). وَإِنْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِالنِّسَاءِ، قَامَتْ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ وَسْطًا (٢)، ــ =خلفهم (١). (١) قوله «وَإْنْ كَانُوْا جَمَاعَةً، وَقَفُوْا خَلْفَهُ، فَإِنْ وَقَفُوْا عَنْ يَمِيْنِهِ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ، صَحَّ، فَإِنْ وَقَفُوْا قُدَّامَهُ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، لَمْ يَصِحَّ» ذكرنا هذه المسألة آنفًا، وقلنا بأن الصواب الذي اختاره شيخ الإسلام (٢) أنه تجوز الصلاة أمام الإمام للضرورة، كزحام شديد مثلاً كيوم جمعة أو كما يحصل في منى في مسجد الخيف، فقد يصلي الناس أمام الإمام أي خارج المسجد، وهذا لعذر، لكن لابد أن تكون الصفوف متصلة. أما قوله «أَوْ عَنْ يَسَارِهِ لَمْ يَصِحَّ» نقول بل تصح إن صلوا عن يساره، وهو قول جمهور أهل العلم، لكن لاينبغي أن يكون المأموم عن يسار الإمام؛ لأنه مخالف للسنة ولهديه ﷺ في صلاته. (١) قوله «وَإِنْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِالنِّسَاءِ، قَامَتْ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ وَسْطًا» أي إن صلت النساء جماعة فالمشروع في حق من تكون إمامة لهن أن تقف وسطهن؛ لثبوت ذلك عن عائشة وأم سلمة ﵄، ولأن ذلك أستر والمرأة مطلوب منها الستر.

стр. 383

وَكَذلِكَ إِمَامُ الرِّجَالِ الْعُرَاةِ يَقُوْمُ وَسْطَهُمْ (١). وَإِنِ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَصِبْيَانُ، وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ، تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخُنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ (٢) ــ (١) قوله «وَكَذلِكَ إِمَامُ الرِّجَالِ الْعُرَاةِ يَقُوْمُ وَسْطَهُمْ» أي إذا كان هناك عراة لا يجدون ما يستر عوراتهم وقد دخل وقت الصلاة بل قرب خروج وقتها فهنا يصلون على حسب حالهم عراة، لكن يكون إمامهم وسطهم حتى لا تبدو عورته أمامهم، إلا أن تكون هناك ظلمة شديدة أو جميعهم غير مبصرين فهنا يتقدم عليهم. (٢) قوله «وَإِنِ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَصِبْيَانُ، وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ، تَقَدَّمَ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ الْخُنَاثَى، ثُمَّ النِّسَاءُ» أي إذا اجتمع مع الإمام هذه الأصناف المذكورة، فالمشروع أن يكون خلفه الرجال، ثم يليهم الصبيان، ثم يلي الصبيان الخناثى، ثم يلي الخناثى النساء. لكن إن كان الصبيان سيحصل منهم نوع أذية على المصلين، وذلك بالتشويش عليهم من خلال لعبهم إن اجتمع بعضهم إلى بعض، فهنا نقول: الأفضل أن يفرق بينهم بحيث يجعل بين كل صبي وصبي بالغًا من الرجال، وذلك لكي يكفوا عن المصلين أذيتهم ولا يحصل منهم لعب ولا تشويش. - تنبيه: إن جاء صبي مبكرًا إلى الصلاة رغبة منه في الصلاة خلف الإمام، هل يشرع تنحيته عن مكانه؟ الصواب: أنه لا يشرع فعل ذلك؛ لأن فيه نوع أذية وجناية على حقه لما روي عن النبي ﷺ : «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» (١)، وهذا =

стр. 384

وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلامِ الإِمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ (١)، وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوْعَ، فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، وَإِلاَّ فَلا (٢) ــ =الصبي قد سبق غيره. (١) قوله «وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلامِ الإِمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ» هذا هو المذهب (١)، أي يحصل فضل الجماعة إذا أدرك المسبوق الإمام قبل أن يسلم ولو بلحظة، والصحيح من هذه الأقوال أن الجماعة لاتدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، أي بركوعها مع سجدتيها مع الإمام، وهذا هو قول المالكية (٢)، واختاره شيخ الإسلام (٣)، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٤)، دليل ذلك قوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» (٥)، والركعة تكون بإدراك الركوع. (٢) قوله «وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوْعَ، فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، وَإِلاَّ فَلا» لقوله ﷺ : «إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوْا وَلا تَعُدُّوْهَا شَيْئًا وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» (٦)، وفي رواية: «مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوْعَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» (٧).

стр. 385

بَابُ صَلاةِ الْمَرِيْضِ (١). وَالْمَرِيْضُ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيْدُ فِيْ مَرَضِهِ، صَلَّى جَالِسًا (٢)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ صَلاةِ الْمَرِيْضِ» ويقال لها صلاة أهل الأعذار، ويدخل فيها صلاة المريض والمسافر والخوف، فالصلاة في هذه الأحوال الثلاثة تختلف هيئةً وعددًا بناء على قاعدة «المشقة تجلب التيسير». (٢) قوله «وَالْمَرِيْضُ إِذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيْدُ فِيْ مَرَضِهِ، صَلَّى جَالِسًا» لقوله ﷺ لعمران بن حصين لما اشتكى البواسير قال له ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ» (١) لكن هل العبرة هنا بزيادة المرض أم بحصول المشقة والعجز؟ الصحيح أنه متى عجز عن القيام أو كان في قيامه مشقة عليه فيشرع له الصلاة قاعدًا؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وللحديث المتقدم. وما هي صفة الجلوس في هذه الحالة؟ صفة الجلوس هنا هو أن يجلس متربعًا على إليته؛ لأن هذا هو الثابت من فعله ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «رأيت النبي ﷺ يصلي متربعاً» (٣)، وأيضًا لكي يحصل التفريق بين الجلوس للقيام والجلوس الذي في محله، لكن هذا على سبيل السنة لا الوجوب، فإن شق عليه ذلك فله أن يجلس على الهيئة التي تسهل عليه.

стр. 386

فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، فَعَلَى جَنْبِهِ (١)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ». فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى ظَهْرِهِ (٢)، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، أَوْمَأَ بِهِمَا (٣)، ــ (١) قوله «فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، فَعَلَى جَنْبِهِ» أي لم يطق الصلاة قاعدًا فيصلي على جنبه، وهذا فيه دليل على عدم سقوط الصلاة عن الإنسان مادام عقله معه، وفيه دليل على عظم شأن الصلاة، وأنها لا تسقط على أي حال إلا مااستثناه الدليل كالحائض والنفساء والمجنون والنائم حتى يستيقظ والصبي حتى يحتلم. (٢) قوله «فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى ظَهْرِهِ» أي إن شق عليه الصلاة على جنبه صلى على ظهره أي مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة. (٣) قوله «وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، أَوْمَأَ بِهِمَا» أي إن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل إيماءه بالسجود أخفض من الإيماء بالركوع، هذا مع عجزه عن السجود، أما إذا قدر عليه فيومئ بالركوع ويسجد، فإن لم يستطع أومأ بكليهما. وإذا كان يصلي مستلقيًا على ظهره فكيف يومئ في هذه الحال؟ نقول: يجعل إيماءه برأسه جهة صدره، ويكون إيماؤه برأسه إلى صدره قليلاً في حال الركوع ويومئ أكثر منه في حال السجود فإن عجز عن الإيماء قال ابن قدامة فبطرفه أي بعينه، فيغمض قليلاً للركوع ويغمض أكثر للسجود. - تنبيهان: أولاً: قال بعض أهل العلم: متى عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة، وهذا اختيار شيخ الإسلام (١) ﵀ وهذا غير صحيح، بل لا تسقط عنه =

стр. 387

وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيْ إِغْمَائِهِ (١)، ــ =الصلاة، وتسقط عنه الأفعال فقط بل متى عجز عن الأقوال والأفعال لم تسقط عنه الصلاة، وتبقى النية، فينوي أنه في صلاة، وينوي القراءة والسجود والركوع والقيام والقعود، وهذا هو الذي رجحه شيخنا (١) ﵀. ثانيًا: قال بعض أهل العلم: إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بالأصبع، وهذا لا أصل له، ولم ترد به سنة صحيحة ولاضعيفة، ولذا لا يشرع فعله. (١) قوله «وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيْ إِغْمَائِهِ» اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول عند الحنابلة (٤)، ورأي شيخنا محمد العثيمين (٥) ﵀ أنه لايلزمه القضاء إلا أن يفيق في جزء من وقتها ولم يؤدها، أما الحنفية فيرون أنه ليس على مغمى عليه قضاء ما فاته إذا زادت الفوائت عن يوم وليلة، أما الحنابلة فكما ذكر المؤلف الصحيح من المذهب عندهم أن المغمى عليه كالنائم لايسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها. والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٦) ﵀ أنه يجب عليه قضاء الفوائت إن كانت ثلاثة أيام فأقل؛ لأن هذا ليس =

стр. 388

وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِيْ وَقْتِهَا، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِيْ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا (١). فَإِنْ جَمَعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى، اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا (٢)، ــ = فيه مشقة عليه. ولأن هذا فعل عمار ﵁، فقد روي «أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لا يُصَلِّيْ، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلاثٍ، فَقِيْلَ: هَلْ صَلَّيْتَ؟ فَقَالَ: مَا صَلَّيْتُ مُنْذُ ثَلاثٍ، فَقَالَ: أَعْطُوْنِيْ وَضُوْءًا، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ» (١). (١) قوله «وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِيْ وَقْتِهَا، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِيْ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا» أي إن شق على المريض أداء الصلاة في وقتها فيشرع له الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشائين يعني العشاء والمغرب في وقت أحدهما، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، فباب الجمع أوسع من باب القصر كما سيأتي بيان ذلك، فكلما لحق الإنسان مشقة بترك الجمع جاز له الجمع حضرًا وسفرًا، و دليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)، وقول ابن عباس ﵄ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَدِينَةِ فِيْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ، قِيْلَ لابْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ» (٤). (٢) قوله «فَإِنْ جَمَعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا» أي إن جمع =

стр. 389

وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِيْ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا (١)، وَأَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ بِقَدْرِ الْوُضُوْءِ (٢). ــ = المريض بين الظهرين (الظهر والعصر) في وقت الأولى وهي الظهر، أو جمع بين العشائين (المغرب والعشاء) في وقت الأولى وهي المغرب قال المؤلف: «اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا» وعلل لذلك لأن الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى فلابد أن تكون نية الضم في جميع أجزاء الصلاة. والصحيح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرامه للصلاة الأولى، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١) وشيخنا (٢) فله أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الصلاة الأولى، لكن يشترط عند إحرامه للثانية كما سيذكره المؤلف استمرار السبب الذي من أجله شرع له الجمع كالمرض أو الخوف أو السفر. (١) قوله «وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِيْ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا» هذا هو الشرط الثاني للعذر المبيح للجمع، وهذا الشرط مبني على الذي قبله عند المؤلف، أعني اشتراط نية الجمع عند إحرامه بالصلاة الأولى، وذكرنا أنه لا يشترط نية الجمع، ولذا نقول هنا أيضًا لا يشترط وجود العذر عند افتتاح الأولى، بل إذا صلى الأولى ثم طرأ عليه مرض بعد فراغه منها جاز له الجمع، وهذا هو اختيار شيخنا (٣) ﵀. (٢) قوله «وَأَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِقَدْرِ الْوُضُوْءِ» هذا هو الشرط الثالث لجواز الجمع حال المرض وهو شرط الموالاة، فيشترط أن لا يفرق بين المجموعتين =

стр. 390

وَإِنْ أَخَّرَ، اعْتُبِرَ اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُوْلِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا (١)، وَأَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى (٢)، قَبْلَ أَنْ يَضِيْقَ عَنْ فِعْلِهَا (٣)، ــ = إلا بقدر الوضوء، وذهب شيخ الإسلام (١) إلى عدم اشتراط الموالاة بل له أن يجمع وإن طال الفصل بين المجموعتين، والأحوط عندي اشتراط الموالاة بين المجموعتين. (١) قوله «وَإِنْ أَخَّرَ اعْتُبِرَ اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُوْلِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا» أي يشترط لجمع التأخير للمريض أن يستمر عذر المرض إلى دخول وقت الثانية، فإن لم يستمر العذر فلا يجوز له الجمع، بل عليه أن يبادر بأداء الصلاة الأولى قبل دخول وقت الثانية إن زال العذر، وذلك لأن الصلاة لها وقت محدد، فلا يجوز أن تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية إلا بنية الجمع إذا وجد سببه، فمتى زال السبب رجعنا للأصل وهو عدم الجمع. (١) قوله «وَأَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى» وذلك لأن تأخير الصلاة عن وقتها بغير عذر شرعي محرم، فلابد من وجود نية الجمع. (١) قوله «قَبْلَ أَنْ يَضِيْقَ عَنْ فِعْلِهَا» أي قبل أن يضيق وقت الصلاة الأولى عن فعلها، فإن ضاق عن فعلها فهنا لم يصح الجمع؛ لأن تأخير الصلاة - كما ذكرنا- عن وقتها لايجوز بل هو محرم، والجمع رخصة، والرخص لا تستباح بالمحرم. مثال ذلك: رجل مريض، مضى معه مرضه ودخل عليه صلاة ولم يصل، فلما بقي عليه ما يضيق عن فعل صلاة الظهر نوى جمع الظهر مع العصر، =
следующие страницы →