← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، فَعَلَى جَنْبِهِ (١)؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَعَلَى جَنْبٍ». فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى ظَهْرِهِ (٢)، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، أَوْمَأَ بِهِمَا (٣)، ــ (١) قوله «فَإِنْ لَمْ يُطِقْ، فَعَلَى جَنْبِهِ» أي لم يطق الصلاة قاعدًا فيصلي على جنبه، وهذا فيه دليل على عدم سقوط الصلاة عن الإنسان مادام عقله معه، وفيه دليل على عظم شأن الصلاة، وأنها لا تسقط على أي حال إلا مااستثناه الدليل كالحائض والنفساء والمجنون والنائم حتى يستيقظ والصبي حتى يحتلم. (٢) قوله «فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، فَعَلَى ظَهْرِهِ» أي إن شق عليه الصلاة على جنبه صلى على ظهره أي مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة. (٣) قوله «وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ، أَوْمَأَ بِهِمَا» أي إن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل إيماءه بالسجود أخفض من الإيماء بالركوع، هذا مع عجزه عن السجود، أما إذا قدر عليه فيومئ بالركوع ويسجد، فإن لم يستطع أومأ بكليهما. وإذا كان يصلي مستلقيًا على ظهره فكيف يومئ في هذه الحال؟ نقول: يجعل إيماءه برأسه جهة صدره، ويكون إيماؤه برأسه إلى صدره قليلاً في حال الركوع ويومئ أكثر منه في حال السجود فإن عجز عن الإيماء قال ابن قدامة فبطرفه أي بعينه، فيغمض قليلاً للركوع ويغمض أكثر للسجود. - تنبيهان: أولاً: قال بعض أهل العلم: متى عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة، وهذا اختيار شيخ الإسلام (١) ﵀ وهذا غير صحيح، بل لا تسقط عنه =

стр. 387

وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيْ إِغْمَائِهِ (١)، ــ =الصلاة، وتسقط عنه الأفعال فقط بل متى عجز عن الأقوال والأفعال لم تسقط عنه الصلاة، وتبقى النية، فينوي أنه في صلاة، وينوي القراءة والسجود والركوع والقيام والقعود، وهذا هو الذي رجحه شيخنا (١) ﵀. ثانيًا: قال بعض أهل العلم: إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ بالأصبع، وهذا لا أصل له، ولم ترد به سنة صحيحة ولاضعيفة، ولذا لا يشرع فعله. (١) قوله «وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ فِيْ إِغْمَائِهِ» اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول عند الحنابلة (٤)، ورأي شيخنا محمد العثيمين (٥) ﵀ أنه لايلزمه القضاء إلا أن يفيق في جزء من وقتها ولم يؤدها، أما الحنفية فيرون أنه ليس على مغمى عليه قضاء ما فاته إذا زادت الفوائت عن يوم وليلة، أما الحنابلة فكما ذكر المؤلف الصحيح من المذهب عندهم أن المغمى عليه كالنائم لايسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها. والصحيح من هذه الأقوال ما ذهب إليه سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٦) ﵀ أنه يجب عليه قضاء الفوائت إن كانت ثلاثة أيام فأقل؛ لأن هذا ليس =

стр. 388

وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِيْ وَقْتِهَا، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِيْ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا (١). فَإِنْ جَمَعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى، اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا (٢)، ــ = فيه مشقة عليه. ولأن هذا فعل عمار ﵁، فقد روي «أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لا يُصَلِّيْ، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلاثٍ، فَقِيْلَ: هَلْ صَلَّيْتَ؟ فَقَالَ: مَا صَلَّيْتُ مُنْذُ ثَلاثٍ، فَقَالَ: أَعْطُوْنِيْ وَضُوْءًا، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ» (١). (١) قوله «وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ صَلاةٍ فِيْ وَقْتِهَا، فَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ فِيْ وَقْتِ إِحْدَاهُمَا» أي إن شق على المريض أداء الصلاة في وقتها فيشرع له الجمع بين الظهر والعصر، وبين العشائين يعني العشاء والمغرب في وقت أحدهما، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، فباب الجمع أوسع من باب القصر كما سيأتي بيان ذلك، فكلما لحق الإنسان مشقة بترك الجمع جاز له الجمع حضرًا وسفرًا، و دليل ما ذكره المؤلف قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣)، وقول ابن عباس ﵄ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَدِينَةِ فِيْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلا مَطَرٍ، قِيْلَ لابْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ» (٤). (٢) قوله «فَإِنْ جَمَعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا» أي إن جمع =

стр. 389

وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِيْ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا (١)، وَأَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، إِلاَّ بِقَدْرِ الْوُضُوْءِ (٢). ــ = المريض بين الظهرين (الظهر والعصر) في وقت الأولى وهي الظهر، أو جمع بين العشائين (المغرب والعشاء) في وقت الأولى وهي المغرب قال المؤلف: «اشْتُرِطَ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ فِعْلِهَا» وعلل لذلك لأن الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى فلابد أن تكون نية الضم في جميع أجزاء الصلاة. والصحيح أنه لا يشترط نية الجمع عند إحرامه للصلاة الأولى، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (١) وشيخنا (٢) فله أن ينوي الجمع ولو بعد سلامه من الصلاة الأولى، لكن يشترط عند إحرامه للثانية كما سيذكره المؤلف استمرار السبب الذي من أجله شرع له الجمع كالمرض أو الخوف أو السفر. (١) قوله «وَاسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ حَتَّى يَشْرَعَ فِيْ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا» هذا هو الشرط الثاني للعذر المبيح للجمع، وهذا الشرط مبني على الذي قبله عند المؤلف، أعني اشتراط نية الجمع عند إحرامه بالصلاة الأولى، وذكرنا أنه لا يشترط نية الجمع، ولذا نقول هنا أيضًا لا يشترط وجود العذر عند افتتاح الأولى، بل إذا صلى الأولى ثم طرأ عليه مرض بعد فراغه منها جاز له الجمع، وهذا هو اختيار شيخنا (٣) ﵀. (٢) قوله «وَأَنْ لا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِقَدْرِ الْوُضُوْءِ» هذا هو الشرط الثالث لجواز الجمع حال المرض وهو شرط الموالاة، فيشترط أن لا يفرق بين المجموعتين =

стр. 390

وَإِنْ أَخَّرَ، اعْتُبِرَ اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُوْلِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا (١)، وَأَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى (٢)، قَبْلَ أَنْ يَضِيْقَ عَنْ فِعْلِهَا (٣)، ــ = إلا بقدر الوضوء، وذهب شيخ الإسلام (١) إلى عدم اشتراط الموالاة بل له أن يجمع وإن طال الفصل بين المجموعتين، والأحوط عندي اشتراط الموالاة بين المجموعتين. (١) قوله «وَإِنْ أَخَّرَ اعْتُبِرَ اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُوْلِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا» أي يشترط لجمع التأخير للمريض أن يستمر عذر المرض إلى دخول وقت الثانية، فإن لم يستمر العذر فلا يجوز له الجمع، بل عليه أن يبادر بأداء الصلاة الأولى قبل دخول وقت الثانية إن زال العذر، وذلك لأن الصلاة لها وقت محدد، فلا يجوز أن تؤخر الصلاة الأولى إلى الثانية إلا بنية الجمع إذا وجد سببه، فمتى زال السبب رجعنا للأصل وهو عدم الجمع. (١) قوله «وَأَنْ يَنْوِيَ الْجَمْعَ فِيْ وَقْتِ الأُوْلَى» وذلك لأن تأخير الصلاة عن وقتها بغير عذر شرعي محرم، فلابد من وجود نية الجمع. (١) قوله «قَبْلَ أَنْ يَضِيْقَ عَنْ فِعْلِهَا» أي قبل أن يضيق وقت الصلاة الأولى عن فعلها، فإن ضاق عن فعلها فهنا لم يصح الجمع؛ لأن تأخير الصلاة - كما ذكرنا- عن وقتها لايجوز بل هو محرم، والجمع رخصة، والرخص لا تستباح بالمحرم. مثال ذلك: رجل مريض، مضى معه مرضه ودخل عليه صلاة ولم يصل، فلما بقي عليه ما يضيق عن فعل صلاة الظهر نوى جمع الظهر مع العصر، =

стр. 391

وَيَجُوْزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ (١)، وَيَجُوْزُ الْجَمْعُ فِي الْمَطَرِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ خَاصَّةً (٢). ــ = فلا تصح هذه النية؛ لأنه يحرم تأخير الصلاة حتى يضيق وقتها، وإن كان مريضًا ومرضه مستمر معه ولا يستطيع أن يؤدي الصلاة في وقتها فلابد له أن ينوي الجمع. (١) قوله «وَيَجُوْزُ الْجَمْعُ لِلْمُسَافِرِ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ» أي يجوز الجمع بين الظهر والعصر، وكذا المغرب والعشاء في وقت أحدهما للمسافر الذي له القصر، والذي له القصر عند المؤلف: من كان سفره مباحًا، وبلغ مسافة القصر، وأن لا يتجاوز أربعة أيام. فهذه هي شروط القصر في المذهب، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الباب الذي يليه. - تنبيه: هل الجمع عام لكل من كان نازلاً أم سائرًا؟ نقول: محل خلاف بين أهل العلم: فمنهم من قال: بأنه لايشرع الجمع إلا لمن كان سائرًا، أما النازل فلا، وقال آخرون: بل يجوز الجمع مطلقًا، سواء كان نازلاً أم سائرًا. والصحيح من القولين: أن الجمع للمسافر إن كان سائرًا فمستحب، أما إن كان نازلاً فهو جائز غير مستحب أي إن جمع فلا بأس، وإن ترك فهو أفضل، وهذا هو قول شيخنا (١) ﵀. (٢) قوله «وَيَجُوْزُ الْجَمْعُ فِيْ الْمَطَرِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ خَاصَّةً» أي يجوز الجمع بين المغرب والعشاء دون غيرهما من الفرائض في المطر الذي يحصل به مشقة على الناس. =

стр. 392

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعلم من قوله «خَاصَّةً» أنه لا يجوز الجمع بين الظهر والعصر في المطر، وهذا هو المذهب (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والصحيح أنه يجوز الجمع بينهما؛ لعموم حديث ابن عباس ﵄، ولأن العبرة بالمشقة، فمتى وجدت جاز الجمع، وهذا مذهب الشافعية (٣)، وهو اختيار شيخينا (٤) - رحمهما الله -، وعليه كثير من أهل العلم.

стр. 393

بَابُ صَلاةِ الْمُسَافِرِ . وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا (١)، وَهِيَ مَسِيْرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ (٢)، ــ الشرح: (١) قوله «وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا» الفرسخ يعادل ثلاثة أميال، والميل ١٦٧٠ م، فيكون الفرسخ بالكيلو ما يعادل ٥ كيلو متراً تقريبًا، فتكون مسافة القصر ثمانين كيلو مترًا، وهذا هو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز (٤) ﵀، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٥). وقال شيخ الإسلام (٦): أنه لا حد للسفر بالمسافة؛ لأن التحديد يحتاج إلى توقيت وليس لما صار إليه المحددون حجة، وقال: إنما يرجع ذلك إلى العرف، فما سماه العرف سفرًا صار سفرًا وإن قل عن المسافة التي حددها الجمهور، وهذا هو اختيار شيخنا (٧) ﵀. لكن الصواب ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من تحديد المسافة؛ لأن هذا أضبط وأحوط. (٢) قوله «وَهِيَ مَسِيْرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ» أي يومين كاملين بسير الإبل المحملة، وقوله «قَاصِدَيْنِ» معتدلين بمعنى أنه لا يسير في اليومين ليلاً ونهارًا سيرًا بحتًا بدون=

стр. 394

وَكَانَ مُبَاحًا (١)، فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً (٢). ــ =راحة، ولا يكون كثير النزول والإقامة، بل يكون اليومان معتدلين، لا بهذا ولا بذاك، هذا معنى قوله «قَاصِدَيْنِ»، ولكن التحديد بالمسافة أضبط من التحديد بالأيام. (١) قوله «وَكَانَ مُبَاحًا» هذا هو الشرط الثاني لجواز القصر، فيشترط كون السفر مباحًا، فإن كان السفر غير مباح أي محرماً أو مكروهاً فلا يترخص المسافر برخصه ومنها قصر الصلاة؛ لأن الرخصة تسهيل وتيسير على المكلف، والمسافر سفرًا محرمًا أو مكروهًا لا يستحق أن يسهل عليه ويرخص له، ولأن جواز الرخص في سفر المعصية إعانة على المعصية، وهذا لا يجوز وهو المذهب (١)، وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣). والصحيح أنه لا يشترط كون السفر مباحًا لكي يقصر الصلاة، لأن القصر ليس برخصة، فإن صلاة الركعتين في السفر ليس تحويلاً من الأربع إلى الركعتين بل هو الأصل؛ لقوله عائشة ﵂: «فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُوْلَى» (٤)، وهذا هو المذهب عند الحنفية (٥)، واختيار شيخ الإسلام (٦) ﵀. (٢) قوله «فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ خَاصَّةً» أي له قصر الظهر والعصر والعشاء خاصة، أما الصبح والمغرب فليس فيهما قصر.

стр. 395

إِلاَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِمُقِيْمٍ (١)، أَوْ لا يَنْوِيَ الْقَصْرَ (٢)، ــ (١) قوله «إِلاَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِمُقِيْمٍ» فلا يشرع له القصر؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» (١)، ولقوله ﷺ : «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوْا» (٢) وهذا عام يشمل كل ما فاته، ولحديث مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ قَالَ «كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ: إِنَّا إِذَا كُنَّا مَعَكُمْ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى رِحَالِنَا صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: تِلْكَ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ » (٣). - تنبيه: إذا أدرك المسافر الإمام المقيم في ركعة من الظهر أو العصر أو العشاء فلا يشرع له أن يجعلها قصرًا بل يصليها صلاة تامة لعموم الأدلة السابقة. (١) قوله «أَوْ لا يَنْوِيَ الْقَصْرَ» أي عند إحرامه بالصلاة ما نوى القصر وهذه المسألة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن ينوي الإتمام عند إحرامه، فهذه محل خلاف، والصحيح أنه يلزمه الإتمام؛ لعموم قوله تعالى: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٤). الصورة الثانية: أن ينوي القصر فيلزمه القصر. الصورة الثالثة: أن لا ينوي الإتمام والقصر، فهذه محل خلاف بين الفقهاء،

стр. 396

أَوْ يَنْسَى صَلاةَ حَضَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِي السَّفَرِ (١)، أَوْ صَلاةَ سَفَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِي الْحَضَرِ، فَعَلَيْهِ الإِتْمَامُ (٢). ــ =فالمذهب (١) يلزمه الإتمام؛ لأن الأصل وجوب الإتمام، والقول الثاني (٢) وهو اختيار شيخنا (٣) ﵀ أنه لا يلزمه الإتمام بل يقصر؛ لأن الأصل في صلاة المسافر هو القصر، وهذا هو الأظهر. (١) قوله «أَوْ يَنْسَى صَلاةَ حَضَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِيْ السَّفَرِ» أي من نسي صلاة حضر ثم سافر فتذكر أنه لم يصل، فهنا يلزمه الإتمام؛ لأن هذه الصلاة لزمته تامة، فالواجب عليه فعلها تامة، ولأن القضاء بحسب الأداء، وهذا هو المذهب (٤)، وهو قول جمهور الفقهاء، وهو الصحيح. (٢) قوله «أَوْ صَلاةَ سَفَرٍ، فَيَذْكُرَهَا فِي الْحَضَرِ، فَعَلَيْهِ الإِتْمَامُ» وهذه عكس سابقتها أي نسي صلاة وهو مسافر ثم أقام، فهنا يلزمه إتمامها؛ لأنها صلاة وجبت عليه في الحضر فلزمه الإتمام، ولأن القصر من رخص السفر وقد زال. وذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧) في القديم عندهم، وهو قول شيخنا (٨) ﵀ أنه يلزمه قضاؤها ركعتين؛ لأن القضاء بحسب الأداء، ولأنها صلاة وجبت عليه مقصورة فلا يلزمه إتمامها. والأحوط في هذه المسألة هو =

стр. 397

وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَّ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ (١) ــ =المذهب أي يلزمه إتمامها. (١) قوله «وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَّ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ» اختلف الفقهاء في هذه المسألة بناء على: هل الأصل الإتمام أم القصر؟ فالجمهور على أن الأصل هو الإتمام وأن القصر رخصة، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوْا صَدَقَتَهُ» (١)، وعلى ذلك فيكون القصر أفضل مع جواز الإتمام، وذهب الحنفية (٢) إلى أن الأصل هو القصر، وليس للمسافر أن يتم الصلاة أربعًا، واحتجوا لذلك بحديث عائشة ﵂ «فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وَزِيْدَ فِي صَلاةِ الْحَضَرِ» (٣). ولقول ابن عباس ﵁: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» (٤). والصحيح أنه لا ينبغي لمسافر أن يتم الصلاة في سفره وهو يعلم أن النبي ﷺ ما أتم صلاة في سفر، وكذا أصحابه - رضوان الله عليهم - بل يلتزم بفعل القصر؛ لأنه هو الأفضل، لكن إن أتم جاز له لكنه خلاف الأولى، قال ابن عمر ﵄: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ=

стр. 398

وَمَنْ نَوَى الإِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ صَلاةً، أَتَمَّ (١)، ــ =اللَّهُ، وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾» (١). (١) قوله «وَمَنْ نَوَى الإِقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ صَلاةً، أَتَمَّ» أي متى نوى المسافر أكثر من إحدى وعشرين صلاة وهي بالأيام أربعة أيام فلا يرخص له القصر. وهذه مسألة كثر فيها الخلاف عند الفقهاء، فالمذهب (٢) كما بينه المؤلف: إذا نوى المسافر الإقامة أكثر من أربعة أيام انقطع حكم السفر في حقه ولزمه الإتمام، وذهب الحنفية (٣) إلى أنه إن نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يومًا أتم وإن نوى دونها قصر، والشافعية (٤) يوافقون المذهب، لكن لا يحسب عندهم يوم الدخول ولا يوم الخروج، وعلى ذلك فالأيام عندهم ستة. وذهب شيخ الإسلام (٥)، واختاره ابن سعدي (٦)، وشيخنا محمد العثيمين (٧) ﵏ إلى أنه لادليل على تحديد المدة، فللمسافر القصر سواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو دونها.

стр. 399

وَإِنْ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى ذلِكَ، قَصَرَ أَبَدًا (١). ــ =لكن الأحوط عندي أنه متى نوى المسافر الإقامة أكثر من أربعة أيام فإنه يتم صلاته، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز (١) ﵀، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٢) خروجًا من الخلاف في هذه المسألة. (١) قوله «وَإِنْ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى ذلِكَ، قَصَرَ أَبَدًا» أي لم ينو الإقامة فله قصر الصلاة أبدًا أي ولو بقي طول عمره فإنه يقصر الصلاة؛ لأنه إنما نوى الإقامة بسبب الحاجة ولم ينو إقامة مطلقًا. مثال ذلك: سافر زيد من الناس إلى خارج البلاد يريد العلاج ولا يدري متى ينتهي فإنه يشرع له القصر أبدًا حتى لو غلب على ظنه أنه سيطول؛ لأنه إنما بقاؤه في هذه البلاد من أجل الحاجة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أقام أربعة أيام لزمه الإتمام، وذلك لانتهاء حكم السفر وذلك بتحديد المدة وهي أربعة أيام ولذا يجب عليه الإتمام. لكن الصحيح الأول، وعليه عامة أهل العلم، لكن ننبه على أنه يلزمه هنا الصلاة في جماعة إذا كان يسمع النداء، فلا يجوز له التخلف عنها لوجوبها في حقه، أما إن صلى منفردًا لعارض حصل له فيجوز له قصر الرباعية.

стр. 400

بَابُ صَلاةِ الْخَوْفِ (١). وَتَجُوْزُ صَلاةُ الْخَوْفِ (٢)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ صَلاةِ الْخَوْفِ» أي كيفية الصلاة عند حدوث الخوف من عدو، ولا يشترط أن يكون هذا العدو آدميًّا، بل أي عدو كان يخاف منه الإنسان، آدميًّا كان أو سبعًا، أو نارًا فهرب منها، أو سيلاً، أو أسيرًا لدى الكفار يخاف على نفسه إن رأوه يصلي، أو كان مختفيًا يخاف على نفسه إن ظهر، أو غيره، فإنه يشرع له صلاة الخوف على الصفة التي سيذكرها المؤلف أو أي صفة مما سنذكرها. - تنبيه: تجوز صلاة الخوف في كل قتال مباح، ولا تجوز في قتال محرم عند أكثر أهل العلم؛ لأنها رخصة لا تستباح بمحرم. (١) قوله «وَتَجُوْزُ صَلاةُ الْخَوْفِ» ذهب إلى جوازها جمهور الفقهاء (١)، وقالوا بأنها مشروعة في حياة النبي ﷺ وبعد مماته، وأنها مشروعة لأمته بعد وفاته إلى يوم القيامة للأدلة الدالة على مشروعيتها، وذهب أبو يوسف (٢) من الحنفية إلى أنها كانت مختصة بالنبي ﷺ ، والصحيح عدم الخصوصية، فتخصيص النبي ﷺ بالخطاب لا يقتضي تخصيصه بالحكم. وقال المزني (٣) من الشافعية بأن صلاة الخوف كانت مشروعة ثم نسخت، والصحيح عدم النسخ، إذ لو نسخت لنقل ذلك، ولأن الصحابة ﵃ مازالوا=

стр. 401

عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَلاَّهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ (١). وَالْمُخْتَارُ مِنْهَا: أَنْ يَجْعَلَهُمُ الإِمَامُ طَائِفَتَيْنِ، طَائِفَةً تَحْرُسُ، وَالأُخْرَى تُصَلِّيْ مَعَهُ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ، نَوَتْ مُفَارَقَتَهُ وَأَتَمَّتْ صَلاتَهَا، وَذَهَبَتْ تَحْرُسُ، وَجَاءَتِ الأُخْرَى، فَصَلَّتْ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، قَامَتْ فَأَتَتْ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى، وَيَنْتَظِرُهَا حَتَّى تَتَشَهَّدَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهَا، ــ =يصلونها بعد وفاته ﷺ في حال خوفهم كما فعل ذلك علي بن أبي طالب في خروجه لصفين. (١) قوله «عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَلاَّهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ -» والثابت عن النبي ﷺ في كيفيتها خمس أو ست صفات وهي: الصفة الأولى: أن يجعلهم الإمام طائفتين: طائفة تحرس والأخرى تصلي معه ركعة، فإذا قام للركعة الثانية نوت المفارقة وأتمت لنفسها وذهبت تحرس، وجاءت الأخرى فصلت معه الركعة الثانية ثم تتم لنفسها ويسلم بهم. الصفة الثانية: يصلي بكل طائفة ركعة وتتم كل واحدة الركعة الثانية، فالأولى تتمها بعد مواجهة الثانية للعدو، والثانية تتمها بصلاتها مع الإمام. الصفة الثالثة: أن يصلي بكل طائفة ركعتين فتكون له أربعًا ولكل واحدة ركعتان. الصفة الرابعة: أن يصلي بكل واحدة ركعتين ويسلم فهو يصلي أربعًا بسلامين، الأولى له فريضة والثانية نافلة. الصفة الخامسة: أن يصلي بكل واحدة ركعة وتسلم فله ركعتان وكل واحدة منهما تصلي ركعة فقط. الصفة السادسة: إذا كان العدو تجاه القبلة يصلي بهم جميعًا ويركع بهم جميعًا ويرفع بهم جميعًا، ثم يسجد معه الصف الأول، فإذا قام للثانية سجد الصف المؤخر، ثم يتقدم المؤخر ويتأخر المتقدم ويصلي بهم الركعة الثانية كالأولى =

стр. 402

وَإِنِ اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رِجَالاً وَرُكْبَانًا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَإِلَى غَيْرِهَا. يُوْمِئُوْنَ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ (١)، ــ = ثم يسلم بهم جميعًا. الصفة السابعة: إذا اشتد الخوف صلوا رجالاً أو ركبانًا إلى القبلة وغيرها يومؤون إيماء على قدر استطاعتهم، فلا يكلف الله العبد فوق طاقته. فهذه هي صور صلاة الخوف، كلها جائزة، والمختار عند المؤلف الصورة الأولى، وذلك لأمرين: الأول: لأنها هي الموافقة للقرآن كما في سورة النساء: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَاءِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ (١). الثاني: أن صفتها خرَّجها البخاري ومسلم. - تنبيهان: أولاً: إذا كان العدو في البلد فلا تقصر الصلاة بل يتمها. ثانيًا: صلاة المغرب لا تقصر بالاتفاق، بل يصلي بالأولى ركعتين وتتم لنفسها ثم تسلم ويصلي بالثانية ركعة ثم تتم لنفسها وتسلم. (١) قوله «وَإِنِ اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا رِجَالاً وَرُكْبَانًا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَإِلَى غَيْرِهَا يُوْمِئُوْنَ بِالرُّكُوْعِ وَالسُّجُوْدِ» كما ذكرنا ذلك في صفات صلاة الخوف، دليل ذلك قوله=

стр. 403

وَكَذلِكَ كُلُّ خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ، يُصَلِّيْ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيَفْعَلُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِ، مِنْ هَرَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ (١). ــ =تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١). وعلى ذلك لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها إذا اشتد الخوف، إلا إذا كان لا يمكنه أن يتدبر ما يقول في قراءته وركوعه وسجوده وأفعاله في الصلاة فهنا يؤخرها، هذا إذا كانت الصلاة لا تجمع مع غيرها كصلاة الصبح مثلاً، أما إذا كانت مما يجمع فهنا يباح له الجمع، فيؤخر صلاة الظهر إلى العصر وكذا المغرب إلى العشاء. (١) قوله «وَكَذلِكَ كُلُّ خَائِفٍ عَلَى نَفْسِهِ، يُصَلِّيْ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيَفْعَلُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَى فِعْلِهِ، مِنْ هَرَبٍ، أَوْ غَيْرِهِ» دليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذلِكَ صَلَّوْا رِجَالاً قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيْهَا، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: لا أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذلِكَ إِلاَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢). وذهب فريق من أهل العلم إلى جواز تأخير الصلاة عن وقتها، واستدلوا لذلك بتأخير النبي ﷺ الصلاة في غزوة الأحزاب (٣)، والحالة هذه إذا اشتد الخوف الخوف بحيث لا يمكن أن يتدبر الإنسان ما يقول أو يفعل، فإن أمكنه تدبر ما يقول أو يفعل في الصلاة فيصلي على أي حال.

стр. 404

بَابُ صَلاةِ الْجُمُعَةِ (١). كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْمَكْتُوْبَةُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ (٢)، إِذَا كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِبِنَاءٍ (٣)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ صَلاةِ الْجُمُعَةِ» للمسلمين اجتماعات: صغرى وكبرى ومتوسطة، منها اجتماع في الحي وهو الصلوات الخمس، واجتماع في البلد وهو الجمعة، واجتماع في البلد لكنه أوسع وهو العيد، واجتماع في البلاد وهو عرفة. (٢) قوله «كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ الْمَكْتُوْبَةُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ» فتلزم المسلم الذكر الحر المكلف، وقال بعض أهل العلم في العبد إذا أذن له سيده وإلا فلا. وقولنا «وهو المسلم» خرج به الكافر، فالكافر لا تجب عليه الصلاة، بل لاتصح منه مع كونه مخاطباً بها ومحاسباً على تركها على القول الصحيح من أقوال أهل العلم. وقولنا «الذكر» يخرج به الأنثى والخنثى، فلا تلزمهم صلاة الجمعة، أما الأنثى فلكونها ليست من أهل الجماعة، وأما الخنثى فلعدم تحقق الشرط فيها وهو الذكورية، فلا يدرى أذكر أم أنثى. أما «الحرّ» فضده العبد، وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم ذكر أنها تلزمه إذا أذن له سيده، وهذا هو الصحيح، فهو وسط بين من أوجبها عليه مطلقًا لعموم الأدلة التي تدل على وجوب السعي لها فلم تخصص العبد ولا غيره، وبين من قال بأنها لا تلزمه مطلقًا. وقولنا «المكلف» وهو من أجتمع فيه وصفان: البلوغ والعقل. (٣) قوله «إِذا كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِبِنَاءٍ» هذا أيضًا شرط من شروط من تجب عليه الجمعة، فيشترط أن يكون مستوطنًا ببناء، وضد المستوطن المسافر والمقيم فلا تلزمهم =

стр. 405

بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَرْسَخٌ فَمَا دُوْنَ (١) ــ =الجمعة بأنفسهم بل تلزمهم بغيرهم. فلو أن إنسانًا سافر ومرَّ ببلد تقام فيه الجمعة ودخل هذا المسافر تلك البلد لغرض - ما - كأن يستريح فيها أو يشتري شيئًا، فهنا تلزمه. وكذا إن كان ينوي أن يقيم في بلد أكثر من أربعة أيام فهذا ليس مستوطنًا لأنه لم يتخذ هذا البلد وطنًا وليس مسافرًا، فمتى أقيمت الجمعة في هذا البلد بالمستوطنين لزمته الجمعة. لكن هل يحسب المسافر أو المقيم من العدد عند من اشترط العدد؟ محل خلاف: فالمذهب (١) يرى أنه لا يحسب، والصحيح أنه يحسب من العدد وتنعقد به الجمعة كما سنذكره قريبًا إن شاء الله. وقوله «بِبِنَاءٍ» أي يوطن مبنى، فإن كانوا من أهل الخيام كالبوادي فلا تلزمهم الجمعة؛ لأن البدو الذين كانوا حول المدينة لم يأمرهم النبي ﷺ بإقامة الجمعة. (١) قوله «بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَرْسَخٌ فَمَا دُوْنَ» الفرسخ كما ذكرنا ثلاثة أميال، والميل اثنا عشر ألف ذراع، أي ما يعادل (١٦٠٠ متر)، فتكون المسافة (١٦٠٠ × ٣ = ٤٦٠٠ متر)، أي ما يعادل ٥ كيلو متراً تقريبًا. فمتى كانت المسافة بين من تلزمه الجمعة وبين مكان إقامتها (٥ كيلومتراً) تقريبًا أي ما يعادل (ساعة ونصف) بسير الإبل والقدم فإنه لا تلزمه الجمعة، وعلل الفقهاء لذلك بأن هذه المسافة هي التي في الغالب لا يسمع النداء فيها للصلاة، وقد قال ﷺ للأعمى: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ » قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ» (٢)، فجعل الحكم منوطاً بسماع الأذان.

стр. 406

إِلاَّ الْمَرْأَةَ، وَالْعَبْدَ (١)، وَالْمُسَافِرَ (٢)، وَالْمَعْذُوْرَ بِمَرَضٍ (٣)، أَوْ مَطَرٍ (٤)، ــ =وقد قال الفقهاء بأن التحديد بالمسافة أولى من التحديد بالسماع؛ لأن الأذان يختلف باختلاف صوت المؤذن والرياح وارتفاع المؤذن، ولأن التحديد بالفرسخ أضبط، وعلى ذلك مع وجود مكبرات الصوت الموجودة حاليًا التي يبلغ فيها صوت المؤذن الآفاق لا يلزم من سمع النداء من خلالها إذا كانت المسافة فرسخاً؛ لأن العبرة في إجابة المؤذن هو ما كان بدون مكبر الصوت، وهذا هو قول شيخنا (١) ﵀. (١) قوله «إِلاَّ الْمَرْأَةَ وَالْعَبْدَ» أي لا تجب الجمعة على المرأة والعبد، ودليل ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن طارق بن شهاب مرفوعًا: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوْكٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيْضٌ» (٢)، والحديث مختلف فيه، لكن الأدلة الدالة على عدم وجوب الجمعة على هؤلاء معروفة. (٢) قوله «وَالْمُسَافِرَ» لأن النبي ﷺ سافر أسفارًا كثيرة، ولم ينقل عنه أنه صلى جمعة فيها. (٣) قوله «وَالْمَعْذُوْرَ بِمَرَضٍ» للحديث المتقدم. (٤) قوله «أَوْ مَطَرٍ» أي لا تلزم المعذور بمطر؛ لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيْرٍ: «إِذَا قُلْتَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللَّهِ فَلا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، قُلْ صَلُّوْا فِي بُيُوْتِكُمْ، فَكَأَنَّ=

стр. 407

أَوْ خَوْفٍ (١)، وَإِنْ حَضَرُوْهَا أَجْزَأَتْهُمْ (٢)، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ (٣)، ــ =النَّاسَ اسْتَنْكَرُوْا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمْعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّيْنِ وَالدَّحَضِ» (١). (١) قوله «أَوْ خَوْفٍ» كما ذكرنا ذلك في صلاة الخوف، فلا تلزم الجمعة من خاف من العدو أو إنسان أو سبع أو حرق ونحو ذلك. (٢) قوله «وَإِنْ حَضَرُوْهَا أَجْزَأَتْهُمْ» أي إن حضر هؤلاء المذكورون - وهم المرأة والعبد والمسافر والمعذور بمرض أو مطر أو خوف - الجمعة وصلوها مع الإمام أجزأتهم، وذلك لأمرين: الأول: أن إسقاطها عنهم تخفيف لهم. الثاني: أنهم ائتموا بمن يصلي الجمعة فأجزأتهم تبعًا لإمامهم. (٣) قوله «وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ» أي لم تنعقد الجمعة بواحد من هؤلاء المذكورين آنفًا- وهم المرأة والعبد والمسافر-، واستثنى المؤلف المعذور بمرض أو خوف فإنه إن حضرها تلزمه وتنعقد به الجمعة. وقوله «وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ» مراده أنه لا يحسب من العدد المعتبر لصلاة الجمعة وهم أربعون رجلاً كما سيأتي. والصحيح في هذه المسألة أن المرأة لا تنعقد بها الجمعة؛ لأنها لا تصح أن تكون خطيبًا ولا أن تكون إمامًا، ولذا لا تحسب من العدد. أما العبد والمسافر فالصحيح أنهما تنعقد بهما الجمعة، ويصح أن يكونوا أئمة فيها، فالعبد من أهل التكليف والمسافر كذلك، ولا دليل على منعهم من=

стр. 408

إِلاَّ الْمَعْذُوْرَ إِذَا حَضَرَهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ (١). وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا (٢): فِعْلُهَا فِيْ وَقْتِهَا (٣)، ــ =الإمامة والخطابة فيها، وهذا في إحدى الروايتين في المذهب (١)، وهو اختيار شيخنا (٢) ﵀. (١) قوله «إِلاَّ الْمَعْذُوْرَ إِذَا حَضَرَهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ» وذلك لأن المعذور من أهل الوجوب أي ممن تلزمه الجمعة، لكن سقط عنه الحضور للعذر، فإذا حضر وجبت عليه وانعقدت به أي فيحسب من العدد ويصح أن يكون إمامًا وخطيبًا. (٢) قوله «وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا» للجمعة شروط وجوب وشروط صحة: أما شروط الوجوب فقد مر ذكرها، وأما شروط الصحة فسيذكرها المؤلف، وشروط الصحة «ما تتوقف عليها صحة صلاة الجمعة». (٣) قوله «فِعْلُهَا فِيْ وَقْتِهَا» هذا هو الشرط الأول من شروط الصحة، فلا بد أن تؤدى في الوقت، وهذا بإجماع أهل العلم، فلا تصح صلاة الجمعة إلا في وقتها، فلو خرج الوقت ولم يصل لعذر أو نسيان أو نوم فإنها لا تصلى كما سيذكره المؤلف إن شاء الله تعالى. لكن لم يبين المؤلف هنا وقت الجمعة، وقد اختلف فيه الفقهاء: فعند الجمهور (٣) أن وقت الجمعة هو وقت الظهر، فلا يثبت وجوبها ولا يصح أداؤها إلا بدخول وقت الظهر، ويستمر وقتها بدخول وقت العصر، فإذا =

стр. 409

فِيْ قَرْيَةٍ (١)، ــ =خرج وقت الظهر سقطت. وذهب الحنابلة (١) إلى أن أول وقت صلاة الجمعة هو أول وقت صلاة العيد أي قبل الزوال وفعلها بعد الزوال أفضل، واحتجوا لذلك بحديث جابر حين سئل: «مَتَى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّيْ ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيْحُهَا حِيْنَ تَزُوْلُ الشَّمْسُ» (٢)، وقالوا أيضًا بأن هذا ثابت عن بعض الصحابة أنهم صلوا قبل الزوال ولم ينكر عليهم. والصحيح أنها لا تصح في أول النهار، إنما تصح قبل الزوال بساعة، والأولى والأفضل أن لا تؤدى إلا بعد الزوال وفاقًا لقول الجمهور كما ذكرنا، واختاره سماحة شيخنا ابن باز (٣) ﵀. (١) قوله «فِيْ قَرْيَةٍ» هذا هو الشرط الثاني من شروط صحة الجمعة، فلاتصح في البوادي ولا في الصحراء ولا في البر، فلا بد فيها من البنيان. لكن إذا خرج أهل القرية إلى مكان بعيد عن القرية لأداء صلاة الجمعة، هل تصح؟ نقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تصح ولا تجزئ؛ لأنه يشترط حصول الجمعة في البنيان، والصحيح أنها تصح وتجزئ؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي الفطر والأضحى في المصلى وهو خارج القرية كما هو معروف. - تنبيهان: أولاً: البدو الذين بضواحي القرى والمدن إن كانوا قريبين من محل إقامة =

стр. 410

وَأَنْ يَحْضُرَهَا مِنَ الْمُسْتَوْطِنِيْنَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ وُجُوْبِهَا (١)، ــ =الجمعة ويسمعون النداء عند عدم المانع تلزمهم الجمعة مع الناس. ثانيًا: أهل البادية إن كانوا مستوطنين في مكان لا ينتقلون عنه صيفًا ولا شتاء تلزمهم إقامة الجمعة في مكانهم كأهل القرى. (١) قوله «وَأَنْ يَحْضُرَهَا مِنَ الْمُسْتَوْطِنِيْنَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ وُجُوْبِهَا» هذا هو الشرط الثالث، وقد اختلف الفقهاء في اشتراط العدد الذي تنعقد به الجمعة: فالحنفية (١) لهم قولان في العدد، والصحيح عندهم حضور واحد سوى إمام وقيل ثلاثة سوى إمام. أما الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) فيشترطون أن لا يقل العدد عن أربعين رجلاً ممن تجب في حقهم الجمعة، وقال المالكية (٤) يشترط فيها حضور اثني عشر رجلاً. والصحيح من هذه الأقوال: أن الجمعة تصح بل تجب إذا حضرها ثلاثة: الإمام واثنان معه، وهذا هو إحدى الروايتين عند الحنفية (٥)، واختارها شيخ الإسلام (٦)، وسماحة شيخنا ابن باز (٧)، وشيخنا محمد العثيمين (٨) ﵏؛ وذلك لأن الثلاثة أقل الجمع، ولما رواه أحمد وغيره من حديث أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِيْ قَرْيَةٍ لا يُؤَذَّنُ وَلا تُقَامُ فِيْهِمُ الصَّلاةُ=

стр. 411

وَأَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ (١)، فِيْ كُلِّ خُطْبَةٍ حَمْدُ اللهِ تَعَالَى (٢)، ــ =إِلاَّ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» (١)، فقوله «تُقَامُ فِيْهِمُ الصَّلاةُ» عامة تشمل الجمعة وغيرها. (١) قوله «وَأَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ» هذا هو الشرط الرابع، أي يشترط لصحة الجمعة أن يتقدمها خطبتان؛ وذلك لأن النبي ﷺ واظب عليها مواظبة غير منقطعة، بل لم ينقل عنه أنه صلى جمعة بغير خطبة، وكذا أصحابه من بعده، فدل على وجوبهما. وقوله «وَأَنْ يَتَقَدَّمَهَا» يفهم منه أنه إذا تأخرت الخطبة عن الصلاة لم تصح، وهذا هو الصحيح. (٢) قوله «فِيْ كُلِّ خُطْبَةٍ حَمْدُ اللهِ تَعَالَى» هذا أحد شروط الخطبة، فيشترط لها حمد الله تعالى، واستدل على ذلك بحديث «كُلُّ أَمْرٍ ذِيْ بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيْهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» (٢). والحديث فيه ضعف، لكن يستعاض عنه بما رواه مسلم من حديث جابر ﵁: «كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ... » (٣). وقال بعض أهل العلم: لا يشترط حمد الله في الخطبة؛ لأن فعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب والشرطية بل يدل على الاستحباب.

стр. 412

وَالصَّلاةُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (١)، وَقِرَاءَةُ آيَةٍ (٢)، ــ =والصحيح أنه لا ينبغي للخطيب أن يعدل عن فعل النبي ﷺ إلى غيره، فقد كان في خطبة يقول: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ»، وكان يبدأ خطبته بحمد الله كما ذكر جابر، فحري بالخطيب أن يسير على ما جاء عن النبي ﷺ من قوله وفعله. لكن إذا جاء الخطيب بما ليس فيه حمد الله، بل جاء بأي نوع من الثناء على الله، هل نقول بأن الخطبة لا تصح؟ نقول: بل تصح لكنه خلاف الأولى والأفضل، لكن إذا كان أهل البلد يرون وجوب الإتيان بحمد الله، فيلزم الخطيب الإتيان به حفاظًا على الألفة والمحبة والاجتماع. (١) قوله «وَالصَّلاةُ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ -» هذا هو الشرط الثاني من شروط خطبة الجمعة أي تشترط لها الصلاة على النبي ﷺ ، هذا هو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وعللوا لذلك بأن كل عبادة افتقرت لذكر الله افتقرت لذكر رسوله ﷺ ، والصحيح أنه لا تشترط الصلاة على النبي ﷺ بل هي من كمال الخطبة، وهو اختيار العلامة ابن سعدي (٣) ﵀. (٢) قوله «وَقِرَاءَةُ آيَةٍ» هذا هو الشرط الثالث لصحة الخطبة، واشترطوا للآية أن تستقل بمعنى، فإن لم تستقل بمعنى لم تصح الخطبة، وهذا هو أيضًا المذهب عند الشافعية (٤). والصحيح أنه لا تشترط قراءة آية للخطبة، بل متى تضمنت الخطبة الموعظة=

стр. 413

وَالْمَوْعِظَةُ (١). وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ (٢)، فَإِذَا صَعِدَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَجْلِسُ إِلَى فَرَاغِ الأَذَانِ (٣)، ثُمَّ يَقُوْمُ الإِمَامُ، فَيَخْطُبُ (٤)، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَّةَ (٥)، ــ =المؤثرة صحت الخطبة. قال الشيخ ابن سعدي (١) ﵀: أما اشتراط تلك الشروط في الخطبة يعني حمد الله والصلاة على رسوله وقراءة آية من كتاب الله فليس على اشتراط ذلك دليل. والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة فذلك كاف. (١) قوله «وَالْمَوْعِظَةُ» هذا هو الشرط الرابع، فلابد في الخطبة من اشتمالها على الموعظة لأن هذا هو مقصود الخطبة الأعظم فلابد من موعظة ترقق القلوب. (٢) قوله «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ» لأن النبي ﷺ كان يخطب على منبر، ولأن ذلك أبلغ في إيصال الخطبة للناس. (٣) قوله «فَإِذَا صَعِدَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَجْلِسُ إِلَى فَرَاغِ الأَذَانِ» أي يستحب للخطيب أنه إذا صعد المنبر أن يسلم على الناس قبل أن يجلس، وللإمام عند دخول المسجد سلامان: سلام عام وهذا يكون عند دخوله المسجد فيسلم على من يمر به، وسلام خاص وهذا عند صعوده المنبر، فإنه يسلم تسليمًا عامًا على جميع المصلين. (٤) قوله «ثُمَّ يَقُوْمُ الإِمَامُ، فَيَخْطُبُ» أي عند خطبته يسن أن يخطب قائمًا؛ وذلك لفعل النبي ﷺ ، ولأن هذا أبلغ في إسماع الناس. (٥) قوله «ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُوْمُ فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَّةَ» أي بعد فراغه من الخطبة=

стр. 414

ثُمَّ تُقَامُ الصَّلاةُ، فَيَنْزِلُ، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فِيْهِمَا بِالْقِرَاءَةِ (١). فَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمَّها ظُهْرًا (٢)، ــ =الأولى، وهذه سنة فقد كان ﷺ يفعل ذلك، روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُوْمُ كَمَا تَفْعَلُوْنَ الآنَ» (١). (١) قوله «ثُمَّ تُقَامُ الصَّلاةُ، فَيَنْزِلُ، فَيُصَلِّيْ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فِيْهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» لم يبين المؤلف قراءة الإمام في صلاة الجمعة، ولكن جاءت السنة ببيان ذلك، فقد جاء في صحيح مسلم عنه ﷺ : «أنه كان يقرأ بالجمعة والمنافقون (٢)، ويقرأ بالأعلى والغاشية» (٣). (٢) قوله «فَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْهَا رَكْعَةً، أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمَّها ظُهْرًا» أي من أدرك مع الإمام ركعة كاملة بركوعها وسجدتيها أتمها جمعة، وهذا هو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة (٤): بل متى أدرك جزءًا منها مع الإمام ولو التشهد الأخير، بل لو أدرك سجدتي السهو أتمها جمعة. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، أي لاتدرك الجمعة إلا بإدراك الركعة كاملة، فإن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام أتمها ظهرًا، دليل ذلك قوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» (٥).

стр. 415

وَكَذلِكَ إِذَا نَقَصَ الْعَدَدُ (١)، أَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوْهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمُّوْهَا ظُهْرًا (٢). وَلا يَجُوْزُ أَنْ يَصَلَّى فِي الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ، إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا (٣). ــ (١) قوله «وَكَذلِكَ إِذَا نَقَصَ الْعَدَدُ» أي إذا قل العدد عن الأربعين أثناء الصلاة، فإن الإمام يتمها ظهرًا، والصحيح كما ذكرنا أن تحديد العدد بالأربعين أو الاثني عشر أو غيره لا دليل عليه، بل تقام الجمعة باثنين مع الإمام، وقد مر بنا ذلك. لكن لو فرض أن واحدًا من الاثنين ذهب لشيء ما وترك الآخر مع الإمام أتموها ظهرًا. (٢) قوله «أَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوْهَا جُمُعَةً، وَإِلاَّ أَتَمُّوْهَا ظُهْرًا» أي متى خرج وقت صلاة الجمعة - وهو كما ذكرنا آخر وقت الظهر - فإن أدركوا من هذا الوقت ركعة فيتموها جمعة، فإن لم يدركوا منها شيئًا وقد خرج الوقت فالواجب أن يتموها ظهرًا؛ وذلك لخروج وقتها، وهذا هو الصحيح. أما المذهب (١) فتدرك الجمعة بإدراك التحريمة في الوقت أي تكبيرة الإحرام، والصحيح الأول؛ لقوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ» والركعة تكون بجميع ما يدخل فيها من تكبيرة الإحرام والركوع والسجدتين. (١) قوله «وَلا يَجُوْزُ أَنْ يَصَلَّى فِي الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ جُمُعَةٍ، إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْهَا» أي يحرم أن تقام في البلد أكثر من جمعة إلا لحاجة، كأن يضيق المسجد بأهله ولم يمكن توسعته، أو تباعد أقطار البلد ولم يمكن=

стр. 416

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ (١)، ــ =المجيء إليه إلا بمشقة، وغير ذلك من الحاجات، فهنا يجوز أن تتعدد الجمعة في المصر. أما الدليل على عدم تعدد الجمعة أنه لم يصل في عهد النبي ﷺ ذلك، بل كان الصحابة وأهل العوالي يأتون للصلاة خلف النبي ﷺ وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (١). وأيضًا أن الصحابة من بعده وبخاصة في عهد عثمان ﵁ اتسعت البلاد حتى جعل للجمعة أذانين غير الإقامة ولم يجعل للناس جامعًا آخر ليصلوا فيه، بل جميعهم كانوا يصلون وراءه، ولأن كثرة تعدد الجمعة يفوت المقصود الأعظم وهو اجتماع المسلمين وائتلافهم الذي من أجله شرعت الجمع والجماعات. لكن عند الحاجة لتعدد الجوامع لابد من إذن الإمام والرجوع إلى نظام الدولة، فإن ولي الأمر هو الذي له الكلمة في تعدد الجوامع أو نائبه، ونائبه بلا شك هم وزارة الأوقاف، فمتى أذَّنت فيجوز هنا تعدد الجمعة، فإن صلى الناس قبل الفسح فهل تصح الصلاة؟ محل نظر عند أهل العلم؛ لأن تعدد الجمعة يشترط له إذن الإمام. ومنع تعدد الجمعة في البلدة الواحدة هو قول جمهور الفقهاء. (١) قوله «وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ» اختلف الفقهاء في غسل الجمعة، هل هو واجب أم مستحب؟ فالجمهور (٢) على أنه مستحب، وهذا=

стр. 417

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =هو قول سماحة شيخنا ابن باز (١) ﵀، واحتجوا لذلك بقوله ﷺ : «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيْبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّيْ مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى» (٢)، واحتجوا أيضًا بما رواه أحمد وغيره عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» (٣). وذهب الظاهرية (٤) وهي رواية عن الإمام أحمد (٥)، وبه قال شيخنا محمد العثيمين (٦) ﵀ إلى أن غسل الجمعة واجب، واحتجوا لذلك بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (٧)، والشاهد من الحديث تصريحه ﷺ هنا بالوجوب. وذهب شيخ الإسلام (٨) إلى التفصيل فقال: بوجوبه على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس، والراجح هو قول الجمهور. - تنبيه: متى يبدأ وقت الغسل ؟ اشترط الفقهاء لغسل الجمعة أن يكون متصلاً=

стр. 418

وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيْفَيْنِ (١)، وَيَتَطَيَّبَ (٢)، وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا (٣)، ــ =بوقت الذهاب، لكن الصواب أن وقته يمتد من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، وأن المستحب أن يتصل بالذهاب. (١) قوله «وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيْفَيْنِ» أي يسن أن يلبس ثوبين نظيفين من أحسن ثيابه؛ لأن النبي ﷺ كان يعد أحسن ثيابه للوفود والجمعة، فقد روى البخاري ومسلم: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ» (١)، فلم يلبسها ﷺ لكونها من الحرير، وقال ﷺ : «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ» (٢). (٢) قوله «وَيَتَطَيَّبَ» أي يسن أن يتطيب، وهذا كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم، وفيه قوله «أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيْبِ بَيْتِهِ». (٣) قوله «وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا» أي يسن التبكير لصلاة الجمعة؛ وذلك له فضل عظيم كما في حديث أوس بن أوس الثقفي مرفوعًا: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» (٣).

стр. 419

فَإِنْ جَاءَ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، لَمْ يَجْلِسْ، حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يُوْجِزُ فِيْهِمَا (١)، ــ =وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (١). (١) قوله «فَإِنْ جَاءَ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يُوْجِزُ فِيْهِمَا» و هاتان الركعتان هما تحية المسجد ، فلا يجوز للإنسان إذا دخل المسجد أن يجلس دون أن يصلي ركعتين، دليل ذلك قوله ﷺ حينما دخل رجل المسجد فجلس والنبي ﷺ يخطب فقال: «أَصَلَّيْتَ» قَالَ: لا، قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (٢)، وفي رواية «وَتَجَوَّزْ فِيْهِمَا» (٣)، وأيضًا عموم قوله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٤).

стр. 420

وَلا يَجُوْزُ الكَلامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، إِلاَّ لِلإِمَامِ أَوْ مَنْ كَلَّمَهُ (١) ــ (١) قوله «وَلا يَجُوْزُ الكَلامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، إِلاَّ لِلإِمَامِ أَوْ مَنْ كَلَّمَهُ» أي يحرم الكلام إذا كان الإمام يخطب؛ لقوله ﷺ : «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» (١)، لكن يستثنى من ذلك الإمام؛ لحديث سليك الغطفاني المتقدم، وقوله «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ» (٢)، وكذلك الرجل الذي جاء والرسول ﷺ يخطب فطلب منه أن يستسقي للمسلمين. لكن من كان لا يسمع الخطبة لبعده، هل يجوز له الكلام؟ اختلف الفقهاء في ذلك؛ فالحنفية (٣) والمالكية (٤) قالوا: لا يجوز، وقال الشافعية (٥)، والحنابلة (٦) بجواز الكلام حال الخطبة لمن لم يسمعها. والصواب منع الكلام مطلقًا؛ لعموم قوله ﷺ : «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ» فلم يشترط السماع وعدمه، ثم لو تكلم هذا وهذا لأصبح فيه نوع تشويش على الناس ممن يستمعون. - ذكر بعض التنبيهات المتعلقة بصلاة الجمعة: أولاً: من دخل المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن، هل ينتظر إلى انتهاء الأذان أم يشرع في صلاة تحية المسجد؟ الجواب: بل يشرع في تحية المسجد؛ لأن الإنصات إلى الخطبة واجب وإجابة المؤذن سنة على الصحيح، وهذا رأي=

стр. 421

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =شيخنا (١)، ويرى شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز أنه يتابع المؤذن ثم يصلي تحية المسجد. قلت: والأمر يختلف حسب المؤذن والإمام، فإن كان الداخل يتمكن من الصلاة بعد الأذان وقبل الخطبة فالأولى متابعة المؤذن، ثم صلاة تحية المسجد، وإلا صلى حال دخوله ولو لم يتابع المؤذن. ثانيًا: من عطس يوم الجمعة فإنه يحمد الله خفية، فإن جهر بذلك فسمعه أحد فلا يجوز له أن يشمته. ثالثًا: ليس للجمعة لها سنة قبلية، بل يكفي ركعتان، وأما البعدية فقيل ست، وقيل أربع، وقيل اثنتان، والصواب أنه إن صلاها في البيت فركعتان، وإن صلاها في المسجد فأربع أو ست. رابعًا: لا حرج أن يشرب الخطيب الماء عند الحاجة. خامسًا: ليس من السنة الالتفات في الخطبة ولا تحريك اليد عند الانفعال. سادسًا: هل يجوز أن يتولى الخطبتين اثنان ، وهل يجوز أن يتولى الخطبة الواحدة اثنان؟ نقول: أما إن كان بغير عذر فلا يجوز، وإن كان لعذر فلا حرج، لكن إن طرأ للخطيب عذر ناب عنه غيره، والأولى أن يبدأ الخطبة التي بدأها الأول من جديد، أما التي أكملها الأول فلا يعيدها.

стр. 422

بَابُ صَلاةِ الْعِيْدَيْنِ (١). وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (٢)، ــ الشرح: (١) قوله «بَابُ صَلاةُ الْعِيْدَيْنِ» هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه ووقته. (٢) قوله «وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ» هذا هو المذهب (١)، والدليل على ذلك قوله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢)، ولمداومة النبي ﷺ عليها، وكذا أصحابه - رضوان الله عليهم -، ولأنها أيضًا من أعلام الدين الظاهرة. وذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤) إلى أنها سنة مؤكدة، واحتجوا لذلك بحديث الأعرابيّ حين سأل النبي ﷺ عن الإسلام فذكر له الصلوات الخمس، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» (٥)، وقال الحنفية (٦): بل هي فرض عين؛ وذلك لأن النبي ﷺ واظب عليها دون تركها مرة واحدة، ولأنه أيضًا أمر النساء بحضورها حتى لم يستثن الحيَّض، بل أمرهن أن يشهدنها ويعتزلن المصلى، واختار هذا القول شيخ الإسلام (٧)، وشيخنا محمد العثيمين (٨) - رحمهما الله -. والصحيح أنها فرض كفاية كما هو المذهب، وهذا هو اختيار اللجنة =

стр. 423

إِذَا قَامَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ (١)، سَقَطَتْ عَنْ سَائِرِهِمْ (٢)، وَوَقْتُهَا: مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ (٣). وَالسُّنَّةُ فِعْلُهَا فِي الْمُصَلَّى، وَتَعْجِيْلُ الأَضْحَى، وَتَأْخِيْرُ الْفِطْرِ (٤)، ــ =الدائمة (١)، وسماحة شيخنا ابن باز (٢) ﵀. (١) قوله «إِذَا قَامَ بِهَا أَرْبَعُوْنَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ» هذا هو المذهب (٣)، فاشترط لها العدد كصلاة الجمعة. والراجح أن العدد المعتبر للجمعة والعيدين ثلاثة، فإن لم يوجد إلا رجل أو رجلان فإنهما لا يقيمان العيد، أما الثلاثة فيقيمونها. (٢) قوله «سَقَطَتْ عَنْ سَائِرِهِمْ» هذا هو فرض الكفاية: إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فلو أقام العيدين ثلاثة من الرجال دون بقية البلد سقط الإثم عن الباقين. (٣) قوله «وَوَقْتُهَا: مِنِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ» أي وقت صلاة العيدين من ارتفاع الشمس قيد رمح بعد طلوعها إلى الزوال، وقد حدد بالتوقيت بما يعادل ربع ساعة تقريبًا - أي بعد طلوع الشمس بربع ساعة -، دليل ذلك فعل النبي ﷺ وخلفائه من بعده وهو القائل: «صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ» (٤). (٤) قوله «وَالسُّنَّةُ فِعْلُهَا فِي الْمُصَلَّى، وَتَعْجِيْلُ الأَضْحَى، وَتَأْخِيْرُ الْفِطْرِ» هذه جملة من السنن ذكرها المؤلف لصلاة العيد: =

стр. 424

وَالإِفْطَارُ فِي الْفِطْرِ خَاصَّةً، قَبْلَ الصَّلاةِ (١). ــ =أولاً: فعلها في المصلى، أي يسن فعلها في الصحراء خارج البلد في مكان بحيث لا يشق على الناس الخروج إليه، ودليل ذلك فعله ﷺ حيث صلاها في المصلى مع كون مسجده ﷺ موجودًا ومعلوم فضل الصلاة فيه، ومع ذلك صلاها في المصلى. ثانيًا: تعجيل الأضحى وتأخير الفطر، أي تعجيل صلاة الأضحى يعني تقديمها، وعكسه الفطر فالسنة تأخيرها، وعلل الفقهاء لذلك بأن الناس في الفطر يحتاجون إلى امتداد الوقت ليتسع لهم إخراج صدقة الفطر، وذلك لأن أفضل وقت لإخراج صدقة الفطر يوم العيد قبل الصلاة كما في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄ «وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوْجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ» (١). أمَّا عيد الأضحى فالمشروع المبادرة بالأضحية، ولا يكون ذلك إلا بتعجيل الصلاة أي بعد طلوع الشمس قيد رمح، فتصلى مباشرة لكي يتسنى لهم تعجيل الذبح. (١) قوله «وَالإِفْطَارُ فِي الْفِطْرِ خَاصَّةً، قَبْلَ الصَّلاةِ» أي يسن أن يأكل قبل خروجه إلى المصلى للعيد، دليل ذلك فعله ﷺ كما في صحيح البخاري من حديث أنس حيث قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَغْدُوْ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» (٢).

стр. 425

وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ (١)، فَإِذَا حَلَّتِ الصَّلاةُ، تَقَدَّمَ الإِمَامُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ (٢)، ــ (١) قوله «وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ، وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ» أي يسن أن يغتسل لصلاة العيد ويتنظف لها، ويكون تنظفه في لباسه وهيئته، فيلبس أحسن الثياب، ويقلم أظفاره، ويخفف شاربه ونحو ذلك مما يكون فيه نظيفًا، ويضاف إلى ذلك التطيب، وكل ذلك عنوان للسرور والفرح. (٢) قوله «فَإِذَا حَلَّتِ الصَّلاةُ، تَقَدَّمَ الإِمَامُ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ بِلا أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ» أي إذا كان وقت الصلاة - وهو كما ذكرنا بعد ارتفاع الشمس قيد رمح - تقدم الإمام فصلى بالمأمومين ركعتين بلا أذان ولا إقامة، دليل ذلك ما رواه مسلم عن سمرة بن جندب ﵁: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ» (١). أما عن حكم الصلاة قبلها وبعدها فالمذهب (٢) أنه لا يشرع لها شيء من ذلك، فعن ابن عباس ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا» (٣). لكن هل يصلى للمصلى تحيته كالمسجد؟ يرى شيخنا (٤) ﵀ أن المصلى تشرع له تحيته كالمسجد، ويرى سماحة شيخنا ابن باز (٥) ﵀ أن المصلى المعد لصلاة العيدين ليست له تحية؛ لأنه ليس له حكم المساجد من كل =
следующие страницы →