وَإِذَا أُخْرِجَ الْفَرْضُ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمْ، رَجَعَ عَلَى خُلَطَائِهِ بِحِصَصِهِمْ مِنْهُ (١)،
ــ
=وخلطة الأوصاف هي التي ذكرها المؤلف هنا، ولها ضوابط:
الأول: أن يكون الخليطان من أهل الزكاة.
الثاني: أن يختلطا في نصاب أو أكثر.
الثالث: أن تكون الخلطة في السائمة، أما غيرها فلا تؤثر لأن النص اختص بها.
الرابع: أن تكون الخلطة في أشياء وهي:
أ - أن يكون الفحل واحدًا
بـ - أن يكون المرعى لها جميعًا
جـ - أن يكون المبيت لها جميعًا
د - أن يكون مشربهم واحدًا
هـ - أن يكون محلبهم واحدًا.
الخامس: أن يختلطا في جميع الحول لا بعضه.
السادس: أن يختلطا للمصلحة ويتفرقا لأجلها.
فمتى كانت الخلطة بهذه الضوابط فهي خلطة أوصاف تجعل المالين كالمال الواحد، ودليل ما ذكرناه حديث أنس ﵁ المتقدم في كتاب أبي بكر ﵁ في الصدقات وفيه: «وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيْطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ).
(١) قوله «وَإِذَا أُخْرِجَ الْفَرْضُ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمْ، رَجَعَ عَلَى خُلَطَائِهِ بِحِصَصِهِمْ مِنْهُ) وذلك كأن يكون لأحد الخليطين عشر شياه وللآخر ثلاثون وأخذ المصدق الواجب وهو شاة واحدة، فهنا على صاحب العشر الربع وعلى=
стр. 492
وَلا تُؤَثِّرُ الْخِلْطَةُ فِيْ غَيْرِ السَّائِمَةِ (١)
ــ
=صاحب الثلاثين ثلاثة أرباع.
(١) قوله (وَلا تُؤَثِّرُ الْخِلْطَةُ فِيْ غَيْرِ السَّائِمَةِ) فلا تؤثر في عروض التجارة، ولا في الخارج من الأرض، ولا في النقدين، فلا تأثير في الخلطة إلا في بهيمة الأنعام؛ لأن النص إنما ورد فيها فلا يحمل على غير الماشية.
стр. 493
بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ (١).
وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّبَاتُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ (٢)،
ــ
الشرح:
(١) قوله (بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ) ويسميه أيضًا بعض الفقهاء: باب زكاة الحبوب والثمار، ولكن ما ذكره المؤلف هنا أشمل؛ لأن ما يخرج من الأرض قد يكون حبوبًا وثمارًا، وقد يكون معدنًا وغيره.
(٢) قوله (وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّبَاتُ، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِيْ كُلِّ حَبٍّ وَثَمَرٍ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) أي تجب الزكاة في الحبوب والثمار لكن بشرط أن تكون مما يكال ويدخر، فإذا كانت هذه الحبوب مما لا يكال ولا يدخر فلا زكاة فيها ولو كان مما يؤكل كالفواكه والخضروات.
وقد اختلف الفقهاء في الضوابط التي يضبط فيها الخارج من الأرض لكي تجب الزكاة فيه، فالمشهور من المذهب (١) ما ذكره المؤلف، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (٢) أن الزكاة لا تجب إلا في المنصوص عليه وهي أربعة: الحنطة والتمر والشعير والزبيب.
وذهب الحنفية (٣) إلى أن الزكاة تجب في كل ما يقصد بزراعته استنماء الأرض من الثمار والحبوب والخضروات وغيرها مما يقصد به استغلال الأرض، فالعبرة عندهم هي استغلال الأرض، والمدار عندهم على القصد.
стр. 494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وقال المالكية (١)، والشافعية (٢): لا تجب الزكاة في الحبوب إلا إذا كانت قوتًا وتدخر عادة، فلا يشترط كونها تكال أو لا تكال، وهذا هو قول شيخ الإسلام (٣) ﵀.
والراجح من هذه الأقوال هو المذهب، وهو قول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٤)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (٥) - رحمهما الله -.
لكن هل يشترط كون المكيل والمدخر قوتًا؟
المذهب (٦) على أنه لا يشترط كونه قوتًا وهو اختيار شيخنا (٧) ﵀، والمالكية (٨)، والشافعية (٩) يشترطون كونه قوتًا وهو الصحيح، وعلى ذلك نقول: ما تجب فيه الزكاة من الزروع والثمار أن يكون قوتًا مكيلاً مدخرًا.
- تنبيهات:
أولاً: العبرة فيما يكال ويدخر ما كان على عهد النبي ﷺ ، فإن استبدلنا الوزن مكان الكيل كما هو معروف عندنا الآن في التمر والزبيب وغيره فلا عبرة بالاختلاف فيه.
ثانيًا: العنب الذي لا يصير زبيبًا اختلف فيه الفقهاء: فقال بعضهم لا تجب=
стр. 495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فيه الزكاة؛ لأنه لا يصير زبيبًا مهما يبسته.
والصواب أن فيه الزكاة وإن لم يزبب كما لو كان تمرًا لا يؤكل إلا رطبًا.
ثالثًا: التين لا تجب فيه الزكاة على المذهب (١)؛ لأنه لا يدخر غالبًا.
رابعًا: لا عبرة بوسائل الادخار الصناعي الحالية مما يضاف إلى بعض الثمار، أو بواسطة آلات التبريد الحديثة، فهذه لا يتحقق بها شرط الادخار، بل لابد أن يكون الادخار مما جرت به العادة عند الناس مما يدخرون به.
خامسًا: هل في الزيتون زكاة ؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فالجمهور (٢) على أن فيه الزكاة لقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٣)، قالوا فقد قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ بعد أن ذكر الزيتون، ولأنه يمكن ادخار غلته كالتمر والزبيب.
وفي رواية عند الشافعي (٤) ورواية أخرى عند أحمد (٥) أنه لا تجب فيه الزكاة، والاستدلال بالآية فيه نظر؛ لأن الآية ذكرت أيضًا الرمان، فتجب تسويته أيضًا بالزيتون، وهذا لا يقول به من قال بوجوبها في الزيتون.
والصحيح أنه ليس فيه زكاة في أصح قولي الفقهاء؛ لأنه من الخضروات والفواكه، وليس مدخرًا، وليس قوتًا، وهذا ما رجحه سماحة شيخنا ابن باز (٦) ﵀.
стр. 496
إِذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ (١)، وَبَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (لَيْسَ فِيْ حَبٍّ وَلا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ). وَالوَسْقُ: سِتُّوْنَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: رِطْلٌ بِالدِّمَشْقِيِّ وَأُوْقِيَّةُ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوْقِيَّةٍ. فَجَمِيْعُ النِّصَابِ: مَا قَارَبَ ثَلاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ رِطْلاً وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ رِطْلٍ (٢).
ــ
(١) قوله (إِذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ) لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وضمير الهاء في «أَرْضِهِ) عائد إلى المالك والمستأجر لها قبل بدو الصلاح أو اشتداد الحب، فإن ملكها بعد اشتداد الحب وبدو الصلاح فلا زكاة عليه، بل الزكاة على المالك الأول أي من كان مالكًا لها قبل بدو الصلاح واشتداد الحبّ.
(٢) قوله (وَبَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ لِقَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ (لَيْسَ فِيْ حَبٍّ وَلا ثَمَرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) (١). وَالوَسْقُ: سِتُّوْنَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: رِطْلٌ بِالدِّمَشْقِيِّ وَأُوْقِيَّةُ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوْقِيَّةٍ. فَجَمِيْعُ النِّصَابِ: مَا قَارَبَ ثَلاثَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ رِطْلاً وَسِتَّةَ أَسْبَاعِ رِطْلٍ) الوسق ستون صاعًا بالإجماع، والصاع أربعة أمداد وهو يساوي بالكيلو جرام كيلوين وربع (٢٥ و ٢) على الصحيح عندي، ومنهم من يرى أن الصاع ثلاثة كيلو جرامات، وقد قمت بضبط ذلك بنفسي بالبر الجيد فتبين لي أنه كيلوان وربع.
فإذا أردنا أن نعرف النصاب نضرب خمسة أوسق في ستين صاعًا يساوي ثلاثمائة صاع (٥ ﵀ ٦٠ (٣٠٠)، ثم نضرب ثلاثمائة صاع بكيلوين وربع يساوى ستمائة وخمسة وسبعين كيلو جرام (٣٠٠ ﵀ ٢٥ و ٢= ٦٧٥ كيلو جرام) وهذا هو نصاب الحبوب والثمار على الراجح عندي.
стр. 497
وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيْمَا سُقِيَ مِنَ السَّمَاءِ وَالسُّيُوْحِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيْمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ، كَالدَّوَالِيْ وَالنَّوَاضِحِ (١)، وَإِذَا بَدَا الصَّلاحُ فِيْ الثَّمَرِ، وَاشْتَدَّ الْحَبُّ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ (٢)،
ــ
(١) قوله (وَيَجِبُ الْعُشْرُ فِيْمَا سُقِيَ مِنَ السَّمَاءِ وَالسُّيُوْحِ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيْمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ، كَالدَّوَالِيْ وَالنَّوَاضِحِ) . دليل ذلك ما جاء عن ابن عباس مرفوعًا: «فِيْمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُوْنُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ) (١).
والسيوح هو الماء الخارج على وجه الأرض، والدوالي هي الدولاب الذي يديره البقر ويسمى بالساقية، والنواضح جمع ناضح وهي البعير والناقة التي يسقى عليها، ومثلها ما يسقى به الآن من المكائن ونحوها من الآلات الحديثة.
(٢) قوله (وَإِذَا بَدَا الصَّلاحُ فِيْ الثَّمَرِ، وَاشْتَدَّ الْحَبُّ، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ) هذا هو وقت وجوب الزكاة، ففي التمر إذا بدا صلاحه، وفي الحب إذا اشتد، ولكن كيف نعرف بدو الصلاح واشتداد الحبّ؟ المذهب (٢): يكون بدو الصلاح في الثمار بأن يحمر أو يصفر في النخيل، وفي العنب بأن يكون ليِّنًا حُلوًا، أما في الحب فيكون اشتداده بأن يقوى ويصبح شديدًا لا ينضغط بضغطه.
وقال المالكية (٣)، والشافعية (٤) بأنها تجب بإفراك الحب وطيب الثمر والأمن عليه من الفساد. والمراد بإفراك الحب عندهم يبوسته واستغناؤه عن السقي وإن بقي في الأرض لتمام طيبه.
стр. 498
وَلا يُخْرَجُ الْحَبُّ إِلاَّ مُصَفًّى، وَلا الثَّمَرُ إِلاَّ يَابِسًا (١). وَلا زَكَاةَ فِيْمَا يَكْسِبُهُ مِنْ مُبَاحِ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ، وَلا فِيْ اللَّقَاطِ، وَلا مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِحَصَادِهِ (٢)،
ــ
=والأصح عندي هو المذهب؛ لأن بدو الصلاح واشتداد الحب بهما يحصل الاقتيات ويقصد الأكل فأشبه اليابس، وقد جاء من حديث عائشة ﵂ أنها قالت وهي تذكر شأن خيبر: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى يَهُوْدَ فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ حِيْنَ يَطِيْبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ) (١).
(١) قوله (وَلا يُخْرَجُ الْحَبُّ إِلاَّ مُصَفًّى، وَلا الثَّمَرُ إِلاَّ يَابِسًا) دليل ذلك ما رواه أبو داود والنسائي من طريق سعيد بن المسيب: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيْدٍ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيْبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا) (٢)، قال ابن حجر: «قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلاً لكنه اعتضد بقول الفقهاء والأئمة) (٣).
(٢) قوله (وَلا زَكَاةَ فِيْمَا يَكْسِبُهُ مِنْ مُبَاحِ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ، وَلا فِيْ اللَّقَاطِ، وَلا مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِحَصَادِهِ) نص على ذلك الإمام أحمد وقال: هو بمنزلة المباحات ليس فيه صدقة.
قلت: وعدم وجوب الزكاة راجع لأنه حين وجوب الزكاة لم يكن في ملكه.
وقوله (وَلا فِيْ اللَّقَاطِ) هو الذي يتتبع المزارع فيلتقط المتساقط من الزرع بعد الحصاد.
стр. 499
وَلا يُضَمُّ صِنْفٌ مِنَ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ إِلَى غَيْرِهِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ (١)، فَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا، مُخْتَلِفَ الأَنْوَاعِ، كَالتُّمُوْرِ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ (٢)، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ زَكَاتَهُ (٣)، وَإِنْ أَخْرَجَ جَيِّدًا عَنِ الرَّدِيْءِ، جَازَ، وَلَهُ أَجْرُهُ (٤).
النَّوْعُ الثَّانِيْ (٥):
ــ
(١) قوله (وَلا يُضَمُّ صِنْفٌ مِنَ الْحَبِّ وَالثَّمَرِ إِلَى غَيْرِهِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ) فإن كان عنده مزرعة نصفها بر والنصف الآخر شعير، وكل واحد منهما لا يكمل النصاب لكن إن اجتمعا كمل النصاب فهنا لا يضم هذا إلى هذا؛ لأن الجنس يختلف، فكما لا يضم البقر إلى الإبل أو الغنم لاختلاف الأجناس فكذلك هنا لا يضم هذا إلى هذا.
(٢) قوله (فَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا، مُخْتَلِفَ الأَنْوَاعِ، كَالتُّمُوْرِ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ) مثل أن يكون عنده تمر برحي وسكري وغيرها فإنه يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فالأنواع يضم بعضها إلى بعض دون الأجناس، و دليل ذلك أن النبي ﷺ أمر بإخراج الزكاة في التمر مطلقًا، ومعلوم أن التمر يشمل أنواعًا كثيرة، ولم يأمر ﷺ بتمييز نوع عن آخر، لكن كيف نزكيه هنا؟
(٣) قال المؤلف (وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ زَكَاتَهُ) فيخرج عن التمر السكري سكريًا، والبرحي برحيًا، وهكذا في جميع الأجناس سواء كان في التمر أو البر وغيره.
(٤) قوله (وَإِنْ أَخْرَجَ جَيِّدًا عَنِ الرَّدِيْءِ، جَازَ، وَلَهُ أَجْرُهُ) لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١).
(٥) قوله (النَّوْعُ الثَّانِيْ) أي النوع الثاني مما تجب فيه الزكاة من الخارج من
الأرض، دليله قوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ=
стр. 500
الْمَعْدِنُ (١)، فَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (٢)، أَوْ مَا قِيْمَتُهُ ذلِكَ مِنَ الْجَوَاهِرِ، أَوِ الْكُحْلِ أَوِ الصُّفْرِ، أَوِ الْحَدِيْدِ، أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ (٣)، وَلا يُخْرَجُ إِلاَّ بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ (٤)،
ــ
=مِنْ الأَرْضِ﴾ (١).
(١) قوله (الْمَعْدِنُ) ذكرنا فيما سبق أن الخارج من الأرض منه ما يكون نباتًا، ومنه ما يكون معدنًا، والمعدن كالذهب والفضة والحديد والنحاس، وكذا النفط والقار والفحم وغيرها، هذا كله قد يكون مخلوقًا في الأرض بفعل الله تعالى كالنفط والقار والفحم وغير ذلك مما ذكرنا، وقد يكون مما وضعه فيها الآدميون كالكنوز التي يضعها أهلها في الأرض ثم يبيدون وتبقى فيها.
(٢) قوله (فَمَنِ اسْتَخْرَجَ مِنْ مَعْدِنٍ نِصَابًا مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ) نصاب الذهب كما سيأتي سبعون جرامًا من الذهب الخالص، ونصاب الفضة مائتا درهم وهي تعادل بالجرامات أربعمائة وستين جرامًا، فإن بلغ الخارج من الأرض من المعدن الذي تجب فيه الزكاة قيمة نصاب الذهب أو الفضة ففيه الزكاة وهي ربع العشر.
(٣) قوله (أَوْ مَا قِيْمَتُهُ ذلِكَ مِنَ الْجَوَاهِرِ، أَوِ الْكُحْلِ أَوِ الصُّفْرِ، أَوِ الْحَدِيْدِ، أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ) «أو) للتنويع، أي إن كان الخارج من الأرض غير الذهب والفضة بل كانت قيمته فيه نصاب الذهب أو الفضة كأن يكون جوهرًا أو كحلاً أو نحاسًا وهي كما ذكرنا ربع العشر.
(٤) قوله (وَلا يُخْرَجُ إِلاَّ بَعْدَ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ) لا يخرج زكاة الخارج من باطن
الأرض إلا بعد سبكه أي إذابته وتصفيته من الشوائب التي علقت به، وذلك=
стр. 501
وَلا شَيْءَ فِيْ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، وَالْعَنْبَرِ وَالسَّمَكِ (١)، وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (٢). وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٣)،
ــ
=قياسًا على الحب والثمرة لأنه أوان الكمال.
(١) قوله (وَلا شَيْءَ فِي اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ، وَالْعَنْبَرِ وَالسَّمَكِ (*)) هذه المذكورات لا شيء فيها لأنها كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ، ولم يثبت أنه أمر أهلها بإخراج زكاتها، وقد جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره (وفي رواية: ألقاه) البحر) (١). ويقاس على العنبر اللؤلؤ والمرجان، لكن إن كانت هذه الأشياء عروض تجارة يتاجر فيها مالكها فإنها تُقوَّم ويخرج عنها زكاتها كما سيأتي إن شاء الله.
(٢) قوله (وَلا فِيْ شَيْءٍ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) لأنه لم ينقل لا عن النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة وجوب الزكاة فيه.
(٣) قوله (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) الركاز هو دفن الجاهلية من الذهب والفضة سواء كان مضروبًا أو غيره باتفاق الفقهاء، لكن اختلفوا في غير النقدين - الذهب والفضة - هل يدخل في الركاز؟ الجمهور (٢) يرون أن الركاز يشمل كل ما كان مالاً مدفونًا على اختلاف أنواعه كالحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك من المعادن.
وذهب الشافعية (٣) إلى أن الركاز يطلق على ما وجد من الذهب والفضة فقط
دون غيرهما من المعادن، وعللوا لذلك بقولهم: إن الركاز مال مستفاد من=
стр. 502
أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ (١)، قَلَّ أَوْ كَثُرَ (٢)،
ــ
=الأرض فاختص بما تجب فيه الزكاة قدرًا ونوعًا.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من أن اسم الركاز يتناول كل ما دفن في الجاهلية سواء كان ذهبًا أو فضة أو غيرهما. وقوله (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) أي يجب فيه الخمس لقوله ﷺ : ( .. وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) (١).
- تنبيهان:
أولاً: كل ما تقوم الدولة بإخراجه من الأرض من نفط ومشتقاته أو حديد أو نحاس أو ذهب أو فضة وغيرها ليس فيها زكاة: لأنها تدخل في مال المسلمين.
ثانيًا: إذا كان ما وجد فيه علامة تدل على صيرورته للمسلم كأن تكون عليه علامة المسلمين بأسماء ملوكهم أو أنبيائهم، أو آية من القرآن ونحو ذلك فهذا ليس بركاز بل هو لقطة تجري عليها أحكامها كما سيأتي - إن شاء الله - في باب اللقطة.
(١) قوله (أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ) سواء كان من الحديد أو الرصاص أو الذهب أو الفضة وغيرها - كما مر بنا آنفًا - ففيها الخمس.
(٢) قوله (قَلَّ أَوْ كَثُرَ) أي ليس له نصاب، بل قليله وكثيره فيه الخمس، وهذا هو قول جمهور الفقهاء (٢)، وذهب الشافعية (٣) في الجديد عندهم أنه يشترط له النصاب بناء على أن الخمس المأخوذ منه الركاز زكاة.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور.
стр. 503
لأَهْلِ الْفَيْءِ (١)، وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ (٢)
ــ
(١) قوله (لأَهْلِ الْفَيْءِ) الفيء ما أخذ من أموال الكفار بغير قتال، وقد اختلف الفقهاء في الخمس الواجب في الركاز: هل هو زكاة أم فيء؟
ذهب جمهور الفقهاء (١) إلى أن خمس الركاز يصرف مصارف الغنيمة وليس مصارف الزكاة، وهذا هو ما رجحه شيخنا (٢) ﵀.
وفي رواية عن الإمام أحمد (٣) وهو المذهب عند الشافعية (٤) أن مصرف خمس الزكاة مصرف الزكاة.
والصحيح هو قول الجمهور أي أنه يصرف مصرف الفيء، والدليل على ذلك أنه مال كفار فحكمه حكم أموالهم الأخرى المشابهة له وهو الفيء، ولأنه أيضًا إن جعلناه زكاة فقد خالف المعهود في باب الزكاة.
ومصرف الفيء هو المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٥).
(٢) قوله (وَبَاقِيْهِ لِوَاجِدِهِ) أي ما بقي من الركاز بعد الخمس وهو أربعة أخماس تكون لواجده.
стр. 504
بَابُ زَكَاةِ الأَثْمَانِ (١).
وَهِيَ نَوْعَانِ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ (٢)، وَلا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (٣)،
ــ
الشرح:
(١) قوله (بَابُ زَكَاةِ الأَثْمَانِ) ويسميه بعض الفقهاء زكاة النقدين، والأثمان هي ما يجعل ثمناً للأشياء وهي الذهب والفضة وما ناب عنهما من الريالات والدولارات، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١)، وقوله ﷺ «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّيْ مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِيْ نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيْدَتْ لَهُ فِيْ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيْلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) (٢).
(٢) قوله (وَهِيَ نَوْعَانِ: ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) وهكذا ما يقوم مقامهما من الأثمان الأخرى - كما ذكرنا ذلك آنفًا - كالأوراق النقدية من الريالات والدولارات والجنيهات والدنانير وغيرها.
(٣) قوله (وَلا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) هذا بإجماع أهل العلم، دليل ذلك ما رواه البخاري عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ) (٣)، والرقة هي الفضة أو الدراهم المضروبة منها، وقال أيضًا:
«وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ) (٤).
стр. 505
فَيَجِبُ فِيْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (١)، وَلا فِيْ الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالاً (٢)،
ــ
=والدراهم هذه في السابق، أما معرفة كم تساوي من الجرامات في العصر الحاضر فقد بحثت هذه المسألة وتبين لي أن مائتي درهم تساوي أربعمائة وستين جرامًا من الفضة.
أما كيفية إخراجه فهو كالتالي:
زنة الدرهم (إحدى وخمسون حبة شعير مقطوعة الطرفين) (٢.٣ جرام، وعلى ذلك يكون نصاب الفضة بالجرامات:
(٣ و ٢ ﵀ ٢٠٠ درهم) (٤٦٠ جرامًا.
والواجب فيها خمسة دراهم من مائتي درهم أي ربع العشر وهي تساوي أحد عشر جرامًا ونصف الجرام (١١.٥ جرامًا).
(١) قوله (فَيَجِبُ فِيْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) أي ربع العشر وهي تساوي أحد عشر جرامًا ونصف الجرام كما ذكرنا.
(٢) قوله (وَلا فِيْ الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِيْنَ مِثْقَالاً) أي لا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً، وهل المثقال والدينار واحد؟ نقول: نقل النووي (١) الاتفاق على ذلك.
إذًا كيف نحسب نصاب الذهب؟ نقول: وزن الدينار (اثنتان وسبعون حبة شعير مقطوعة الطرفين) وهي تساوي (ثلاثة جرامات ونصف الجرام)، فنضرب زنة الدينار من الجرامات في عشرين (٣.٥ ﵀ ٢٠ (٧٠ جرامًا).
فيكون هذا هو نصاب الذهب يعني سبعين جرامًا، والواجب فيه ربع العشر وهو (١.٧٥) جرام، هذا في الذهب الخالص.
стр. 506
فَيَجِبُ فِيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ (١)،
ــ
=وذهب شيخنا محمد بن صالح العثيمين (١) ﵀ إلى أن نصاب الذهب خمسة وثمانون جرامًا (٨٥ جرامًا)، ونصاب الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جرامًا (٥٩٥ جرامًا).
ويرى سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (٢) ﵀ أن نصاب الذهب اثنان وتسعون جرامًا (٩٢ جرامًا).
وبهذا يظهر أنني رجحت الأقل وذلك لأمور منها:
أولاً: أنني قمت بنفسي - ولله الحمد - بوزن حبات الشعير المحددة مفردة ومجموعة في أكثر من مناسبة وفي أكثر من ميزان من موازين الصاغة وظهرت لي هذه التقديرات المذكورة في كل مرة قمت بها.
ثانيًا: أنني رجحت الأقل احتياطًا وأبرأ لذمة المسلم وأحفظ لحقوق الفقراء.
(١) قوله (فَيَجِبُ فِيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ) أي إذا بلغ نصاب الذهب سبعين جرامًا فيجب فيها نصف المثقال وهو بالجرامات (١.٧٥) جرام، هذا في الذهب الخالص.
أما العملات المتداولة الآن فكيف يخرج المسلم نصابها؟
نقول: النصاب بالعملات المتداولة الآن مثل الريالات والدولارات وغيرها: من كان عنده من هذه العملات ما يساوي سبعين جرامًا (٧٠ جرامًا) من الذهب أو أربعمائة وستين جرامًا (٤٦٠ جرامًا) من الفضة فقد وجبت عليه الزكاة، فيزكي ما عنده بنسبة ربع العشر (٢.٥%).
стр. 507
فَإِنْ كَانَ فِيْهِمَا غِشٌّ (١)، فَلا زَكَاةَ فِيْهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا (٢).
ــ
=وطريقة ذلك: إذا حال الحول على ما عند الإنسان من المال ما عليه إلا أن يأتي بائع الذهب ويسأله عن قيمة (سبعين جرامًا من الذهب) أو (أربعمائة وستين جرامًا من الفضة)، فإن أعلمه بها فهل هذا المبلغ الذي ذكر له عنده أولاً، فإن وجد عنده علم أن الزكاة وجبت عليه زكى ما عنده، وإن كان ما عنده أقل مما أخبره به بائع الذهب علم أن ماله لم يبلغ نصابًا وأنه لا زكاة عليه.
وطريقة إخراج ما بلغ النصاب تقوم بقسمة ما عندك على أربعين ويكون الناتج هو الواجب عليك إخراجه.
(١) قوله (فَإِنْ كَانَ فِيْهِمَا غِشٌّ) أي الذهب والفضة، ويحصل الغش بإضافة بعض المعادن الأخرى إليهما، إما لتقويتها حتى لا تنكسر أو لأمر آخر قد تحتاج إليه.
والذهب الخالص هو ما يسمى في عرف الصاغة اليوم بعيار (٢٤)، أما ما دونه من عيار (٢١) أو (١٨) أو (١٤) فهذه كلها قد خلط بها غيرها من نحاس أو غيره، فهذه كيف تخرج زكاتها؟ أجاب عن ذلك المؤلف:
(٢) قوله (فَلا زَكَاةَ فِيْهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا) وهذا هو قول الشافعية (١) أيضًا، أي لا زكاة فيهما حتى يبلغ خالصه نصابًا؛ لقوله ﷺ : «وَلَيْسَ فِيْمَا دُوْنَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ) (٢).
стр. 508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=وله أيضًا أن يخرج من المغشوش ما يعلم اشتماله على خالص بقدر الواجب مع مراعاة درجة الجودة.
أما الحنفية (١) فعملوا بالغالب، فقالوا: إن كانت الفضة المضروبة الغالب فيها الفضة فتجب فيها الزكاة كأنه كله فضة، والغلبة عندهم بزيادة الفضة عن النصف ولم يلتفتوا إلى المغشوش فيها، وقالوا بأن الدراهم لا تخلو من قليل الغش لأنها لا تنطبع إلا به، أما إذا كان الغالب فيها المغشوش فلا تجب فيها الزكاة عندهم إلا أن ينويها للتجارة فتخرج كعروض التجارة.
أما المالكية (٢) فوافقوا الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) لكن بشرط أن لا يكون المغشوش رائجًا، فإن كانت الدراهم أو الدنانير المغشوشة رائجة كرواج غير المغشوشة فإنها تعامل مثل الكاملة سواء.
والصحيح من هذه الأقوال هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.
وعلى ذلك إذا كان الذهب أو الفضة مغشوشة أو مختلطة بغيرها فلا زكاة فيها حتى يبلغ الخالص نصابًا، ويكون إخراج الخالص إما بسبكه فيستبعد المغشوش ويزكى الخالص إن بلغ نصابًا أو يكون بالاستظهار أي بالاحتياط فيخرج زيادة عن الفرض ليبرأ بيقين.
стр. 509
فَإِنْ شَكَّ فِيْ ذلِكَ (١)، خُيِّرَ بَيْنَ الإِخْرَاجِ وَبَيْنَ سَبْكِهِمَا؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ ذلِكَ (٢).
وَلا زَكَاةَ فِي الْحُلِّيِّ الْمُبَاحِ، الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، وَالْعَارِيَةِ (٣).
ــ
(١) قوله (فَإِنْ شَكَّ فِيْ ذلِكَ) أي إن شك في الذهب المغشوش والفضة المغشوشة.
(٢) قوله (خُيِّرَ بَيْنَ الإِخْرَاجِ وَبَيْنَ سَبْكِهِمَا؛ لِيَعْلَمَ قَدْرَ ذلِكَ) وقد مر ذلك آنفًا.
(٣) قوله (وَلا زَكَاةَ فِي الْحُلِّيِّ الْمُبَاحِ، الْمُعَدِّ لِلاِسْتِعْمَالِ، وَالْعَارِيَةِ) هذه من المسائل التي اختلف فيها السلف قديمًا وحديثًا، وما رجّحه المؤلف من عدم وجوب الزكاة فيه هو قول مالك (١)، والشافعي (٢) بل قول أكثر أهل العلم من السلف والخلف، وهو اختيار الشيخ محمد بن إبراهيم (٣)، والشيخ الشنقيطي (٤)، والشيخ ابن حميد (٥)، وهو الراجح عندي.
وذهب أبو حنيفة (٦)، وأيضًا كثير من السلف والخلف إلى القول بوجوب الزكاة، وهذا اختيار سماحة شيخنا ابن باز (٧)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (٨)، والعلامة الألباني (٩) ﵏ (١٠).
стр. 510
وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (١). وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ: الْخَاتَمُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَنَحْوُهَا (٢).
ــ
- تنبيهان:
أولاً: إذا خرج الذهب عن المألوف كتفصيل ثوب ذهب ونحوه ففيه الزكاة، ومن اشتراه لا لأجل الاستعمال وإنما ينتظر غلاء القيمة ففيه الزكاة.
ثانيًا: إذا لم تستعمل المرأة ذهب الحلي خلال العام فتجب فيه الزكاة ؛ لأنه يصير بهذه الحالة مكنوزًا، أما إذا استعملته خلال العام ولو مرة واحدة فلا تجب فيه الزكاة.
(١) قوله (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) ولو كثر ما دام أنه عادة، ويباح لهن أيضًا الذهب المحلق بخلاف من ذهب إلى حرمة لبسه للنساء لعموم قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ (١) حيث ذكر الله أن الحلية من صفات النساء وهي عامة في الذهب وغيره، وأيضًا عموم قوله صلى الله عليه وسلمفي الذهب والحرير (إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُوْرِ أُمَّتِيْ) (٢)، وفي رواية: «حِلٌّ لإِنَاثِهِمْ) (٣).
(٢) قوله (وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنَ الْفِضَّةِ: الْخَاتَمُ، وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، وَالْمِنْطَقَةُ، وَنَحْوُهَا) حلية السيف أي المقبض. والمنطقة هي ما يشد به الرجل الوسط=
стр. 511
فَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلْكِرَاءِ وَالاِدِّخَارِ، أَوِ الْمُحَرَّمُ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ (١).
ــ
= (ليقوي على العمل. دليل ذلك حديث أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ ... ) (١)، فيجوز لبس الرجال للفضة إذا لم يكن في ذلك تشبه بالنساء ولا الكفار.
(١) قوله (فَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلْكِرَاءِ وَالاِدِّخَارِ، أَوِ الْمُحَرَّمُ، فَفِيْهِ الزَّكَاةُ) أما الحلي والفضة التي أعدها صاحبها لتأجيرها والاتجار بها أو لكنزها فتجب فيها الزكاة.
وكذا المحرم الذي صنع على هيئة محرمة كأن يكون صنع على هيئة إنسان أو حيوان أو طائر ونحوه، أو استعمل في حرام كأن يلبس الرجل ما صنع من ذهب كخاتم مثلا، وكذا الفضة الكثيرة وما فيه نوع تشبه بالكفار، فكل هذا تجب فيه الزكاة، والقاعدة في ذلك: كل ما حرم استعماله من الذهب أو الفضة وجب إخراج زكاته؛ لأنه صار مكنوزًا والأصل وجوب الزكاة في المكنوز.
стр. 512
بَابُ حُكْمِ الدَّيْنِ
ــ
الشرح:
(١) قوله (بَابُ حُكْمِ الدَّيْنِ) الدَّين هو ما ثبت في الذمة كقرض أو مبيع أو أجرة ونحو ذلك لكنه مملوك للدائن. اختلف الفقهاء في حكم زكاته، وذلك نظرًا لأنه مع كونه ملك للدائن إلا أنه ليس تحت يد صاحبه، فجمهور الفقهاء على أن الدين لا يسقط وجوب الزكاة.
مثال ذلك: رجل عنده مائة ألف ريال وعليه مائة ألف، فالصواب أنه يجب عليه إخراج الزكاة وأن الدين لا يؤثر على الزكاة، فإن كان الدين حالاً نقول: سدده ولا يكون عندك نصاب، وإن كان مؤجلاً فزكِّ ولا أثر له في الزكاة.
أما الدائن فلا يخلو دينه من أمرين:
الأول: دين حال مرجو الأداء.
الثاني: دين حال غير مرجو الأداء.
ولبيان حكمهما نقول:
أما الدين الحال المرجو أداؤه فهو ما كان مرجو الأداء: كمن كان على مقرٍ به باذلٍ له، كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.
وقد اختلف الفقهاء في زكاة هذا النوع من الدين: فالحنفية (١)، والحنابلة (٢) على أنه لا تجب عليه الزكاة ما لم يقبضه فإذا قبضه زكاه لكل=
стр. 513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ما مضى من السنين.
وعللوا لعدم وجوب الزكاة قبل قبضه بأنه دين ثابت في الذمة فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه، ولأنه لا ينتفع به في الحال وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به. أما وجوبها فيما مضى من السنوات فعللوا لذلك بأن صاحبه قادر على أخذه والانتفاع به فوجبت فيه الزكاة لما مضى.
والقول الثاني في هذا النوع من الدين قول الشافعية (١) أن الزكاة تجب فيه نهاية كل حول؛ لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه، فهو مال في حكم الموجود عند مالكه. وهذا هو الراجح.
والقول الأول هو رأي شيخنا (٢) ﵀، أي أنها تجب زكاته عن كل سنة إذا قبضه قالوا وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله، وهذا أفضل وأسرع في إبراء الذمة.
النوع الثاني من الدين هو ما كان غير مرجو الأداء، كأن يكون على معسر أو جاحد أو مماطل، وقد اختلف الفقهاء في حكم زكاته: فالحنفية (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، واختارها ابن سعدي (٥) ﵀ أنه لا تجب فيه الزكاة لعدم تمام الملك، ولأنه غير مقدور على الانتفاع به بل يستقبل به حولاً جديدًا.
стр. 514
وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيْءٍ (١)، أَوْ مَالٌ يُمْكِنُ خَلاصُهُ، كَالْمَجْحُوْدِ الَّذِيْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَغْصُوْبِ الَّذِيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى (٢). وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ عَلَى جَاحِدٍ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَالْمَغْصُوْبِ، وَالضَّالِّ الَّذِيْ لا يُرْجَى وُجُوْدُهُ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ (٣).
ــ
=القول الثاني: أنه تجب فيه الزكاة إذا قبض لما مضى من السنين كالدين المرجو أداؤه، وهذا رواية عن الإمام أحمد (١).
القول الثالث: أنه يزكيه لعام واحد إذا قبضه إن كان مما تجب فيه الزكاة، وهو قول المالكية (٢)، واختاره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (٣)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (٤) - رحمهما الله -، وهذا هو الراجح.
(١) قوله (وَمَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيْءٍ) أي غنى.
(٢) قوله (أَوْ مَالٌ يُمْكِنُ خَلاصُهُ، كَالْمَجْحُوْدِ الَّذِيْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَغْصُوْبِ الَّذِيْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِهِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُه إِذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى) هذا قول جمهور الفقهاء. لكن اختلفوا - كما ذكرنا - هل يؤديه عند قبضه أم في نهاية كل حول له؟ والصواب إن أدى زكاته مع زكاة ماله فهذا أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء الذمة، وإن أخّره لحين قبضة زكّاه لما مضى، وهذه رخصة لا بأس بها عند بعض أهل العلم.
(٣) قوله (وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ عَلَى جَاحِدٍ، وَلا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ، وَالْمَغْصُوْبِ، وَالضَّالِّ الَّذِيْ لا يُرْجَى وُجُوْدُهُ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ) وهذه=
стр. 515
وَحُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الدَّيْنِ (١)، وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ الَّذِيْ مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُهُ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْهِ (٢).
ــ
=رواية في المذهب (١)، وهو قول الحنفية (٢) - كما ذكرنا - واختار هذا القول ابن سعدي (٣) ﵀.
والصواب: أنه متى قبضه زكَّاه مرة واحدة كما ذكرنا ذلك آنفاً، وهذه رواية في المذهب، ومذهب مالك، واختاره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين - رحمهما الله -.
(١) قوله (وَحُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الدَّيْنِ) أي إذا كانت المرأة لها صداق عند زوجها وزوجها مليء أي قادر على إعطائها صداقها وغير مماطل فهنا تزكيه عن كل سنة إذا قبضته، أما إذا كان زوجها معسرًا أو مماطلاً ففيه الخلاف المذكور آنفًا، وأصح الأقوال وجوب الزكاة فيه عن عام واحد إذا قبضته.
(٢) قوله (وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ الَّذِيْ مَعَهُ، أَوْ يَنْقُصُهُ، فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيْهِ) ذكرنا طرفًا من هذه المسألة في أول أحكام الدين وقلنا هذا محل خلاف بين الفقهاء:
القول الأول: أن الدَّين الذي يستغرق النصاب أو ينقصه يمنع وجوب الزكاة؛ لأن الزكاة إنما شرعت للمواساة، ومن عليه دين ينقص النصاب أو يستغرقه لا يوصف بالغني بل هو أهل لدفع الزكاة إليه، وهذا قول مالك (٤)، وهي=
стр. 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (١)، واختارها ابن سعدي ﵀، هذا في الأموال الباطنة.
أما الأموال الظاهرة كالمواشي والثمار وغيرها فتجب فيها الزكاة؛ لأن المنقول عن النبي ﷺ وخلفائه ﵃ أنهم حينما كانوا يرسلون السعاة لأخذ الزكاة منها لا يؤثر عنهم أنهم كانوا يستفسرون عن أهلها، هل عليهم ديون أم لا؟ والحكم هنا يختلف عن الأموال الباطنة كالنقدين وعروض التجارة.
القول الثاني: أن الأموال الظاهرة والباطنة لا تجب فيها الزكاة إذا كان على صاحبها ديون تستغرقها أو تنقص نصابها.
القول الثالث: أن الزكاة تجب في الجميع - أي الأموال الظاهرة والباطنة - إذا كان على صاحبها دين؛ لأن الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة ليس فيها دليل على مراعاة الدين فوجب التعميم.
وهذا ما رجحه الشيخان (٢) - رحمهما الله - وهو الراجح.
стр. 517
بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوْضِ (١).
ــ
الشرح:
(١) قوله (بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوْضِ) وهي كل ما أُعِدَّ للتجارة من أي نوع ومن أي صنف كان، وهي أشمل الأموال التي تجب فيها الزكاة، إذ أنه يدخل فيها العقارات والأقمشة والأواني وجميع أنواع الحيوانات كالإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وغير ذلك مما أعد للاتجار به.
أما عن حكم الزكاة في عروض التجارة فالجمهور (١) على وجوب الزكاة فيها، وهو قول شيخ الإسلام (٢)، وتلميذه ابن القيم (٣)، والشيخين (٤) ﵏، وبه أفتت اللجنة الدائمة (٥).
قلت: وقال داود الظاهري (٦)، وهو قول الألباني (٧) أن عروض التجارة لا تجب فيها الزكاة وإنما الزكاة تجب من قيمته إذا بيع، وهذا أيضًا قول لبعض السلف (٨).
لكن القول الأول هو الراجح لعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ=
стр. 518
وَلا زَكَاةَ فِيْها حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا التِّجَارَةَ (١)،
ــ
=صَدَقَةً﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢).
- تنبيه: شروط الزكاة في عروض التجارة:
أ - أن تكون هذه العروض مملوكة للشخص ملكًا تامًا.
بـ - أن ينوي بها التجارة كما سيذكره المؤلف.
جـ - أن تبلغ قيمتها أقل النصابين من الذهب والفضة؛ لأنه أحظ للفقراء والمساكين.
د - حولان الحول على هذه العروض.
(١) قوله (وَلا زَكَاةَ فِيْها حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا التِّجَارَةَ) هذا هو الشرط الأول لوجوب الزكاة في عروض التجارة، أي يشترط عند شرائه أو تملكه لشيء أن ينوي به التجارة، فإن اشتراه لقنية ولم يكن للتجارة ثم بدا له أن يتاجر فيه فهل تجب فيه الزكاة؟
المذهب أنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأن النية المعتبرة لوجوب الزكاة فيه أن تكون مقارنة لدخوله في ملكه، ولأن التجارة عمل فيحتاج إلى النية مع العمل.
والصحيح أنه متى اشتراه للقنية أو لغيرها أو ملكها بغير فعله ثم بدا له أن يتاجر به فهنا تجب فيها الزكاة لعموم قوله ﷺ (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (٣)، وهذا الرجل نوى التجارة فلزمته الزكاة، أما إذا كان لا ينوي التجارة بها أو تردد في بيعها فلم يجزم بشيء فلا زكاة فيها.
стр. 519
وَهِيَ نِصَابٌ (١) حَوْلاً كَامِلاً (٢)، ثُمَّ يُقَوِّمُهَا (٣)،
ــ
(١) قوله (وَهِيَ نِصَابٌ) أي يشترط في العروض بلوغ النصاب، ونصابها يقَوَّم بقيمة الذهب أو الفضة، فلا زكاة في العروض إذا كانت قيمتها أقل من نصاب الذهب والفضة ما لم يكن عنده ذهب أو فضة يكمل به النصاب، لكن الأفضل أن تقوَّم بأقل النصابين من الذهب والفضة؛ لأنه أحظ للفقراء والمساكين، فإن كان التاجر إذا قوَّمها بأحدهما لا يبلغ نصابًا وبالآخر يبلغ نصابًا تعين عليه التقويم بما يبلغ نصابًا.
(٢) قوله (حَوْلاً كَامِلاً) أي يشترط لعروض التجارة أن يحول عليها حول كامل، لكن هل المعتبر كل الحول كما في النقدين بمعنى أنها لو نقصت القيمة في أثناء الحول لم تجب الزكاة؟
المذهب يشترط كل الحول فمتى نقصت قيمة العروض في أثناء الحول لم تجب الزكاة.
(٣) قوله (ثُمَّ يُقَوِّمُهَا) الذي يقوَّم من العروض ما يراد بيعه دون ما لا يعد للبيع، وكذا المعد للاستعمال فإنه ليس فيه زكاة كالرفوف التي توضع عليها السلع لا زكاة فيها، ومواد التنظيف كالصابون ونحوه التي أعدها الصانع ليستهلكها في صناعته لا لبيعها فلا زكاة فيها، وكذا الأدوات التي يستخدمها الحداد والنجار مثل القدوم والمنشار وجميع الأدوات لا زكاة فيها، إنما الزكاة فيما أعد للبيع.
- تنبيهات:
أولاً: المواد الخام التي اشتراها صاحب المصنع ليقوم بتصنيعها نص المالكية (١) =
стр. 520
فَإِذَا بَلَغَتْ أَقَلَّ نِصَابٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (١)،
ــ
=على أنها تقوم على الحال التي اشتراها عليها صاحبها أي قبل تصنيعها.
ثانيًا: إذا قوّم سلعة لأجل الزكاة وأخرجها على أساس ذلك فلما باعها زاد ثمنها عن القيمة فلا زكاة في هذه الزيادة لاحتمال ارتفاع الأسعار في السوق.
ثالثًا: السعر الذي تقوم به السلعة هو سعر البلد الذي فيها المال وليس الذي فيه المالك أو غيره ممن له بالمال علاقة.
رابعًا: هل المعتبر في التقويم بقيمة السلعة يوم الوجوب أم المعتبر القيمة يوم الأداء؟ على خلاف بين الفقهاء: والصحيح أنها تُقوّم بقيمة السلعة عند تمام الحول ولا يحق له أن يؤخرها بزمن يتغير فيه السعر.
خامسًا: إذا كانت هناك سلع لم يدفع التاجر ثمنها هل يقوّمها؟ نقول إذا كانت السلعة حال عليها الحول وأصبحت في ملكه زكاها وإن لم يدفع ثمنها؛ لأن الدَّين - كما قلنا - لا يسقط وجوب الزكاة.
سادسًا: لا يعتبر في تقويم السلعة عند تمام الحول ما اشتريت به وذلك لأن القيمة تختلف ارتفاعًا ونزولاً، بل المعتبر في تقويمها عند حلول الحول.
(١) قوله (فَإِذَا بَلَغَتْ أَقَلَّ نِصَابٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ) اختلف الفقهاء فيما تُقوّم به زكاة عروض التجارة، هل تُقوّم بالذهب أم بالفضة؟
فالمذهب (١)، ورواية عند الأحناف (٢) أنها تقوّم بالأحظ للفقراء، فإن كان إذا قوَّمها بأحدهما لا يبلغ نصابًا وبالآخر يبلغ نصابًا تعين عليه أن يخرجها بما يبلغ نصابًا، وهذا هو الصحيح.
стр. 521
أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ قِيْمَتِهَا (١).
ــ
(١) قوله (أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ قِيْمَتِهَا) أي يكون إخراج زكاة عروض التجارة من قيمة السلع لا من عينها، وهذا هو قول أحمد (١)، والشافعي (٢) في الجديد، وعليه الفتوى، وهو ظاهر كلام المالكية (٣).
وقال أبو حنيفة (٤) أن التاجر مخير بين إخراج الزكاة من قيمة السلعة وبين الإخراج من عينها، فإن كان تاجر ملابس مثلاً أو أحذية أو ما شابه ذلك فله أن يخرج زكاته من الملابس أو الأحذية وغيرها مما يتاجر فيه، وعللوا لذلك بأن السلعة وجبت فيها الزكاة فجاز إخراجها من عينها كسائر الأموال.
والراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة وهو أنه لا يخرج من عروض التجارة إلا قيمتها؛ لأن ذلك هو الأنفع للفقير فإنه يستطيع أن يشتري بالقيمة ما يسد حاجته، أما عين السلعة فقد لا تنفعه، اللهم إلا إذا كان يعلم جيّدًا أن هذا الفقير يحتاج إلى هذه السلعة بعينها فهنا يجوز للحاجة أو المصلحة الراجحة.
وأيضًا إذا حال الحول والتاجر ليس عنده مال، أي ليس عنده إلا سلع فهنا يخرج من عين السلعة لعموم قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٦)، ولقوله ﷺ (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٧).
стр. 522
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، ضَمَّهُمَا إِلَى قِيْمَةِ الْعُرُوْضِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ (١). وَإِذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ (٢)، ثُمَّ إِنْ نَوَى بِهِ بَعْدَ ذلِكَ التِّجَارَةَ، اسْتَأْنَفَ لَهُ حَوْلاً (٣).
ــ
(١) قوله (وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، ضَمَّهُمَا إِلَى قِيْمَةِ الْعُرُوْضِ فِيْ تَكْمِيْلِ النِّصَابِ) بغير خلاف عند الفقهاء، فلو كان عنده مائة درهم وعنده عروض قيمتها مائة درهم ضم هذا إلى هذا لتكميل النصاب؛ لأن الزكاة إنما تجب في قيمة العروض وهي تُقوّم بكل من الذهب أو الفضة فتكون مع الضم جنسًا واحدًا.
(٢) قوله (ثم وَإِذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، فَلا زَكَاةَ فِيْهِ) القنية هي ما اتخذه الإنسان لنفسه للانتفاع به لا للتجارة، من طعام أو شراب أو سيارة أو سكن أو حيوان ونحو ذلك، فإذا اشتراها للتجارة ثم بان له أن يجعلها لنفسه فلا زكاة فيها؛ لأن القنية هي الأصل ويكفي في الرد إلى الأصل حصول النية.
(٣) قوله (ثُمَّ إِنْ نَوَى بِهِ بَعْدَ ذلِكَ التِّجَارَةَ، اسْتَأْنَفَ لَهُ حَوْلاً) أي إذا نوى التجارة بما صار للقنية فإنه يستأنف به حولاً جديدًا يبدأ من تاريخ نية التجارة؛ لأن حول التجارة انقطع بنية الاقتناء فلابد من حول جديد لنية التجارة. وهناك قول آخر: أنه لم يصر للتجارة بمجرد النية.
والصحيح الأول؛ لأن المعتبر هو كون هذا الشيء عرضًا أم لا هو نية مالكه لعموم قوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (١).
стр. 523
بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ (١).
وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (٢)،
ــ
الشرح:
(١) قوله (بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ) يقال لها زكاة الفطر أو صدقة الفطر، ويقال للمخرَج فِطرة - بكسر الفاء - مأخوذ من الفطرة التي هي الخلقة أي زكاة الخلقة، وهي المقصودة في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (١)، وأضيفت الزكاة هنا إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان، وهي صدقة عن البدن لذلك يسميها بعض الفقهاء زكاة الرؤوس أو الرقاب أو الأبدان.
أما التعريف الاصطلاحي لها فهي: صدقة تجب بالفطر من رمضان قبل صلاة عيد الفطر شكرًا لله تعالى على نعمة التوفيق للصيام والقيام.
والحكمة في مشروعيتها مركبة من أمرين:
الأول: يتعلق بالصائمين في شهر رمضان وما عسى أن يكون قد شاب صيامهم من لغو القول ورفث الكلام وطعمة للمساكين.
الثاني: يتعلق بالمجتمع فيه عنوان على إشاعة المحبة في المجتمع والمسرة في جميع أنحائه وخاصة المساكين وأهل الحاجة فيه.
(١) قوله (وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) ذكرًا كان أو أنثى، كبيرًا كان أو صغيرًا، حرًّا كان أو عبدًا. ودليل فرضيتها حديث ابن عمر ﵄ قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيْرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيْرِ وَالْكَبِيْرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوْجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ) (٢).
стр. 524
مَلَكَ فَضْلاً عَنْ قُوْتِهِ وَقُوْتِ عِيَالِهِ (١)،
ــ
=لكن هل يخرجها عن الجنين؟
الصواب أنه يستحب إخراجها عنه إذا نفخ فيه الروح أي إذا كان الحمل مدته أربعة أشهر فأكثر، وهذه هي المدة التي ينفخ فيها الروح، ودليل إخراجها عنه ما جاء عن عثمان رضي الله عنهأنه أخرج عن الجنين (١).
وقوله «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) هذا هو الشرط الأول لوجوبها، فخرج به غير المسلم.
وجاء عند الشافعية (٢) وهو الأصح عندهم أنه يجب على الكافر أن يؤدي عن أقاربه المسلمين.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ أي أنه لا يجب عليه إخراجها لأنها قربة من القرب، وطهرة للصائم من الرفث، واللغو، والكافر ليس من أهلها، إنما يعاقب على تركها في الآخرة.
(١) قوله (مَلَكَ فَضْلاً عَنْ قُوْتِهِ وَقُوْتِ عِيَالِهِ) هذا هو الشرط الثاني، وهو قول الشافعية (٣)، أي لا يشترط له ملك النصاب، وذهب الحنفية (٤) إلى اشتراط ملك النصاب الذي تجب فيه الزكاة من أي مال كان من الذهب أو الفضة أو السوائم من الإبل والبقر والغنم.
والصحيح: القول الأول وهو قول جمهور أهل العلم.
стр. 525
لَيْلَةَ الْعِيْدِ وَيَوْمَهُ، صَاعًا (١). وَقَدْرُ الْفِطْرَةِ: صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ، أَوْ دَقِيْقِهِمَا أَوْ سَوِيْقِهِمَِا (٢)،
ــ
=وقوله (عَنْ قُوْتِهِ) أي مأكله ومشربه، وقوله «وَقُوْتِ عِيَالِهِ) أي أولاده الذين تجب عليه نفقتهم.
(١) قوله (لَيْلَةَ الْعِيْدِ وَيَوْمَهُ، صَاعًا) أي إذا كان عنده ما يقتات به وأولاده ليلة العيد ويومه فتجب عليه زكاة الفطر، أما إذا كان الذي عنده لا يكفيه لهذه المدة فلا تجب عليه، فإن كان الذي عنده يكفيه لهذه المدة وبقي عنده شيء قليل فالواجب عليه إخراج هذا القليل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١)، ولقوله ﷺ (وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٢).
(٢) قوله (وَقَدْرُ الْفِطْرَةِ: صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ، أَوْ دَقِيْقِهِمَا أَوْ سَوِيْقِهِمَِا) هذا هو القدر الواجب في زكاة الفطر ونوع ما تخرج منه.
فالقدر فيها صاع، وقد سبق تحقيق قدر الصاع بالكيلو جرام، وقررنا أنه يعادل كيلوين وربع كيلو وذكر شيخنا (٣) أن الصاع يعادل كيلوين وأربعين جرامًا.
وما رجحنا أن الصاع يعادل كيلوين وربع الكيلو هو الذي توصلت إليه بعد بحث طويل ومناقشة لأهل العلم. وقد بسطت ذلك في كتابي الزكاة فليراجع.
أما النوع الذي تخرج منه زكاة الفطر فقد ذكره المؤلف وهو صاع من البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما.
стр. 526
أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ (١)،
ــ
(١) قوله (أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ) فهو مخير في إخراج زكاة الفطر في هذه المذكورات، لكن هنا تنبيهان:
أولاً: إذا لم تكن هذه المذكورات (البر والشعير والتمر والأقط والزبيب) قوتًا في بلد ما فهل تجزئ؟ الجواب: لا تجزئ لأن ما ذكره النبي ﷺ في الحديث إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، فينبغي على الإنسان حين إخراجه زكاة الفطر أن يراعي قوت البلد الذي هو فيها، ولذا ورد عن الإمام أحمد (١) أن الأقط لا يجزئ إلا إذا كان قوتًا.
ثانيًا: اختلف الفقهاء في إخراج القيمة عن زكاة الفطر:
فالمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) يرون أنه لا يجوز إخراج القيمة لعدم ورود النص في ذلك مع أن النقود كانت في عهده ﷺ ولم يثبت أنه جوَّز لأحد من أصحابه إخراجها قيمة، وأيضًا النبي ﷺ نص على أن إخراجها يكون قوتًا كما في حديث ابن عمر ﵁ المتقدم، وهذه كلها مطعومات فدل ذلك على أن غير المطعومات لا يجوز.
وذهب الحنفية (٥) إلى أنه يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر، بل هو أولى ليتيسر للفقير أن يشتري أي شيء يريده في يوم العيد؛ لأنه قد لا يكون محتاجًا للحبوب بل هو محتاج إلى ملابس أو لحم أو غير ذلك.
стр. 527
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا (١).
ــ
=والراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أنه لا يجوز إخراج القيمة، وهذا هو قول الشيخين (١) - رحمهما الله -.
(١) قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا) أي إن لم يجد هذه المذكورات - البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو التمر أو الزبيب - أخرج من قوته، أي كل ما يقتات ويطعم من الحب والتمر كالأرز والذرة بدلاً عن البر أو الشعير، أو أخرج أي أنواع الثمار الأخرى بدلاً عن الزبيب.
والصحيح كما قلنا أن كل ما كان قوتًا من حب وثمر ونحوها فهو مجزئ سواء عدم الخمسة أو لم يعدمها لحديث أبي سعيد وفيه: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيْرُ وَالزَّبِيْبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ) (٢).
- تنبيه: هل يجزئ إخراج الخبز في صدقة الفطر؟
الجواب: لا يجزئ إخراجه في المذهب (٣)؛ لأنه لا يكال ولا يقتات، ومن العلل أيضًا في عدم إجزائه أن النار أثرت عليه وغيرته.
ويرى شيخنا (٤) ﵀ أن الصحيح في الخبز أنه إذا كان قوتًا بأن ييبس وينتفع الناس به فلا بأس بإخراجه، وكذا يرى شيخنا جواز إخراج المكرونة ما دامت قوتًا للناس وتعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز وبالوزن إذا كانت كبيرة. كبيرة.
стр. 528
وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ (١)، إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ (٢)
ــ
=ثانياً: يجوز إعطاء زكاة الفطر لفقير واحد سواء كان المعطي واحداً أو جماعة، مثاله: إنسان عنده عشر فطرات فإنه يجوز أن يعطي هذه العشر إلى فقير واحد، وكذلك يجوز أن يعطى إنسان فطرة واحدة لعشرة فقراء.
(١) قوله (وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ)
أي أن زكاة الفطر يخرجها الإنسان عن نفسه وكل من تجب عليه نفقته من المسلمين، وهذا هو المذهب (١)، وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣).
وذهب الحنفية (٤) إلى أنه لا يجب عليه أن يخرجها عن غيره، وهو قول شيخنا (٥) ﵀ فتجب على الزوجة بنفسها وعلى الأب بنفسه، وعلى البنت بنفسها، وهكذا.
والصواب: أنه يجب إخراجها عن نفسه وعن من تلزمه مؤونته من زوجة أو أبناء أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم لأنهم المخاطبون بها أصلاً.
(٢) قوله (إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ) أي إذا ملك مالاً يؤدي به الزكاة عمن تلزمه مؤونته فالواجب عليه أن يؤديها عنه وهذا محل خلاف كما ذكرنا وبيَّنا الراجح.
стр. 529
فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ (١)، وَالْمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ (٢)، فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ (٣).
ــ
(١) قوله (فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ) وهو المملوك بين اثنين وأكثر، فيلزمهم إخراج فطرته حسب نفقته عليهم.
(٢) قوله (وَالْمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ) كالعم أو أبناء العم أو إخوانه عموماً، فهؤلاء قال فيهم المؤلف (فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ) فيلزمهم إخراجها عنه لحديث ابن عمر ﵄: «أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون) (١).
والصحيح أنه لا يلزم المسلم إخراج صدقة الفطر عن القريب المسلم، لحديث ابن عمر ﵄: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) (٢).
والأصل في الفرض أنه يجب على كل إنسان بعينه دون غيره، أما الحديث الذي احتج به فهو ضعيف ومنقطع فلا يصح الاحتجاج به.
والفرض الأصل فيه أنه يجب على كل واحد بعينه دون غيره لقوله سبحانه ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).
(٣) قوله (فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ) أي توزع عليهم على حسب نفقتهم عليه لأن زكاة الفطر تابعة للنفقة، فيبدأ أولاً بنفسه لأنه هو المخاطب بذلك عيناً، ثم زوجته وهي مقدمة على أمه وأبيه، ثم رقيقه، ثم أمه ثم أبيه، =
стр. 530
فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ (١). وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيْدِ (٢)، وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ (٣)،
ــ
=وهكذا.
(١) وقوله (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ) فتكون فطرة العبد على قدر ما فيه من الحرية، وغير الحر يكون على سيده فطرته، وقد ذكر هنا أن العبد إن كان قد جمع بين الحرية والرق فإن السيد يلزمه إخراج نصيبه.
(٢) قوله (وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيْدِ) أي من بعد صلاة الفجر إلى قبيل صلاة العيد وهو الوقت المستحب لإخراجها، ودليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ المتقدم وفيه: «وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة).
(٣) قوله (وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ) لقوله ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، ويفهم من كلامه ﵀ أنه يجوز تأخير صدقة الفطر إلى غروب شمس يوم العيد، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول: إخراجها يوم العيد جائز من غير كراهة لقوله ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، واليوم يكون بطلوع الفجر إلى غروب الشمس - فيجوز إخراجها يوم العيد -.
القول الثاني: أنه جائز مع الكراهة على الصحيح، وهذا قول للشافعية (١)، ورواية في مذهب أحمد (٢) وذلك لأن إخراجها في بقية يوم العيد يفوت المقصود من إغناء الفقراء في هذا اليوم.