أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ (١)،
ــ
(١) قوله (أَوْ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيْبِ) فهو مخير في إخراج زكاة الفطر في هذه المذكورات، لكن هنا تنبيهان:
أولاً: إذا لم تكن هذه المذكورات (البر والشعير والتمر والأقط والزبيب) قوتًا في بلد ما فهل تجزئ؟ الجواب: لا تجزئ لأن ما ذكره النبي ﷺ في الحديث إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، فينبغي على الإنسان حين إخراجه زكاة الفطر أن يراعي قوت البلد الذي هو فيها، ولذا ورد عن الإمام أحمد (١) أن الأقط لا يجزئ إلا إذا كان قوتًا.
ثانيًا: اختلف الفقهاء في إخراج القيمة عن زكاة الفطر:
فالمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) يرون أنه لا يجوز إخراج القيمة لعدم ورود النص في ذلك مع أن النقود كانت في عهده ﷺ ولم يثبت أنه جوَّز لأحد من أصحابه إخراجها قيمة، وأيضًا النبي ﷺ نص على أن إخراجها يكون قوتًا كما في حديث ابن عمر ﵁ المتقدم، وهذه كلها مطعومات فدل ذلك على أن غير المطعومات لا يجوز.
وذهب الحنفية (٥) إلى أنه يجوز إخراج القيمة في صدقة الفطر، بل هو أولى ليتيسر للفقير أن يشتري أي شيء يريده في يوم العيد؛ لأنه قد لا يكون محتاجًا للحبوب بل هو محتاج إلى ملابس أو لحم أو غير ذلك.
стр. 527
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا (١).
ــ
=والراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أنه لا يجوز إخراج القيمة، وهذا هو قول الشيخين (١) - رحمهما الله -.
(١) قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، أَخْرَجَ مِنْ قُوْتِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، صَاعًا) أي إن لم يجد هذه المذكورات - البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما أو التمر أو الزبيب - أخرج من قوته، أي كل ما يقتات ويطعم من الحب والتمر كالأرز والذرة بدلاً عن البر أو الشعير، أو أخرج أي أنواع الثمار الأخرى بدلاً عن الزبيب.
والصحيح كما قلنا أن كل ما كان قوتًا من حب وثمر ونحوها فهو مجزئ سواء عدم الخمسة أو لم يعدمها لحديث أبي سعيد وفيه: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيْرُ وَالزَّبِيْبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ) (٢).
- تنبيه: هل يجزئ إخراج الخبز في صدقة الفطر؟
الجواب: لا يجزئ إخراجه في المذهب (٣)؛ لأنه لا يكال ولا يقتات، ومن العلل أيضًا في عدم إجزائه أن النار أثرت عليه وغيرته.
ويرى شيخنا (٤) ﵀ أن الصحيح في الخبز أنه إذا كان قوتًا بأن ييبس وينتفع الناس به فلا بأس بإخراجه، وكذا يرى شيخنا جواز إخراج المكرونة ما دامت قوتًا للناس وتعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز وبالوزن إذا كانت كبيرة. كبيرة.
стр. 528
وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ (١)، إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ (٢)
ــ
=ثانياً: يجوز إعطاء زكاة الفطر لفقير واحد سواء كان المعطي واحداً أو جماعة، مثاله: إنسان عنده عشر فطرات فإنه يجوز أن يعطي هذه العشر إلى فقير واحد، وكذلك يجوز أن يعطى إنسان فطرة واحدة لعشرة فقراء.
(١) قوله (وَمَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيْدِ)
أي أن زكاة الفطر يخرجها الإنسان عن نفسه وكل من تجب عليه نفقته من المسلمين، وهذا هو المذهب (١)، وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣).
وذهب الحنفية (٤) إلى أنه لا يجب عليه أن يخرجها عن غيره، وهو قول شيخنا (٥) ﵀ فتجب على الزوجة بنفسها وعلى الأب بنفسه، وعلى البنت بنفسها، وهكذا.
والصواب: أنه يجب إخراجها عن نفسه وعن من تلزمه مؤونته من زوجة أو أبناء أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم لأنهم المخاطبون بها أصلاً.
(٢) قوله (إِذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّيْ عَنْهُ) أي إذا ملك مالاً يؤدي به الزكاة عمن تلزمه مؤونته فالواجب عليه أن يؤديها عنه وهذا محل خلاف كما ذكرنا وبيَّنا الراجح.
стр. 529
فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ (١)، وَالْمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ (٢)، فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ (٣).
ــ
(١) قوله (فَإِنْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَلْزَمُ جَمَاعَةً، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ) وهو المملوك بين اثنين وأكثر، فيلزمهم إخراج فطرته حسب نفقته عليهم.
(٢) قوله (وَالْمُعْسِرِ الْقَرِيْبِ لِجَمَاعَةٍ) كالعم أو أبناء العم أو إخوانه عموماً، فهؤلاء قال فيهم المؤلف (فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ) فيلزمهم إخراجها عنه لحديث ابن عمر ﵄: «أمر رسول الله ﷺ بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون) (١).
والصحيح أنه لا يلزم المسلم إخراج صدقة الفطر عن القريب المسلم، لحديث ابن عمر ﵄: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) (٢).
والأصل في الفرض أنه يجب على كل إنسان بعينه دون غيره، أما الحديث الذي احتج به فهو ضعيف ومنقطع فلا يصح الاحتجاج به.
والفرض الأصل فيه أنه يجب على كل واحد بعينه دون غيره لقوله سبحانه ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣).
(٣) قوله (فَفِطْرُتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مُؤْنَتِهِ) أي توزع عليهم على حسب نفقتهم عليه لأن زكاة الفطر تابعة للنفقة، فيبدأ أولاً بنفسه لأنه هو المخاطب بذلك عيناً، ثم زوجته وهي مقدمة على أمه وأبيه، ثم رقيقه، ثم أمه ثم أبيه، =
стр. 530
فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ (١). وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيْدِ (٢)، وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ (٣)،
ــ
=وهكذا.
(١) وقوله (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ) فتكون فطرة العبد على قدر ما فيه من الحرية، وغير الحر يكون على سيده فطرته، وقد ذكر هنا أن العبد إن كان قد جمع بين الحرية والرق فإن السيد يلزمه إخراج نصيبه.
(٢) قوله (وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الْفِطْرَةِ يَوْمَ الْعِيْدِ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيْدِ) أي من بعد صلاة الفجر إلى قبيل صلاة العيد وهو الوقت المستحب لإخراجها، ودليل ذلك حديث ابن عمر ﵄ المتقدم وفيه: «وأمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة).
(٣) قوله (وَلا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيْدِ) لقوله ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، ويفهم من كلامه ﵀ أنه يجوز تأخير صدقة الفطر إلى غروب شمس يوم العيد، وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول: إخراجها يوم العيد جائز من غير كراهة لقوله ﷺ : «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)، واليوم يكون بطلوع الفجر إلى غروب الشمس - فيجوز إخراجها يوم العيد -.
القول الثاني: أنه جائز مع الكراهة على الصحيح، وهذا قول للشافعية (١)، ورواية في مذهب أحمد (٢) وذلك لأن إخراجها في بقية يوم العيد يفوت المقصود من إغناء الفقراء في هذا اليوم.
стр. 531
وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَيْهِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ (١).
ــ
=القول الثالث: أنه يجوز تأخيرها عن يوم العيد، فمن أداها بعد يوم العيد بدون عذر كان آثماً، وهذا هو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
القول الرابع: لا يجوز تأخيرها بعد صلاة العيد واختار هذا القول ابن القيم (٤) ﵀، وهذا هو الصواب لحديث ابن عباس ﵄: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ) (٥)، وكذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ) (٦).
- تنبيه:
اتفق الفقهاء على أن زكاة الفطر لا تسقط بخروج وقتها لأنها وجبت في ذمته لمستحقيها، فهي دين لهم لا يسقط إلا بالأداء، أما حق الله في التأخير عن وقتها فلا يجبر إلا بالاستغفار والندم.
(١) قوله (وَيَجُوْزُ تَقْدِيْمُهَا عَلَيْهِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ) فقط. وهذا هو قول المالكية (٧) أيضاً، ودليل ذلك ما جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «كانوا يعطون صدقة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين، فإن أخرجها أول الشهر أو قبل العيد بأكثر من ثلاثة أيام لا يصح، لكن هل تجزئه؟ قولان لأهل العلم: =
стр. 532
وَيَجُوْزُ أَنْ يُعْطَى الْوَاحِدُ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، وَالْجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ (١).
ــ
=والذي اختاره شيخنا (١) ﵀ أنه لا يجزيء، فهو كمن صلى قبل الوقت ظاناً أن الوقت قد دخل.
(١) قوله (وَيَجُوْزُ أَنْ يُعْطَى الْوَاحِدُ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ، وَالْجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ) فلو كان عند إنسان خمس فطر، فيجوز أن يعطيها لفقير واحد، وكذلك إذا كان عنده فطرة واحدة فيجوز أن يعطيها خمسة فقراء لأن النبي ﷺ قدر المعطى ولم يقدر الأخذ.
وقال بعض أهل العلم: بل لو فرق فطرة رجل واحد على جماعة لم يجزئه، والصحيح الأول، لكن إذا أعطى الفطرة لجماعة فيسن ألا ينقص عن مد.
стр. 533
بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ (١)
لا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ * وُجُوْبِهَا (٢)،
ــ
(١) قوله (بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ) أي دفعها إلى مستحقيها، والمراد بها زكاة السائمة من بهيمة الأنعام، وزكاة الأثمان، وكذا عروض التجارة، والخارج من الأرض، أما زكاة الفطر فقد سبق بيان كيفية إخراجها.
(٢) قوله (لا يَجُوْزُ تَأْخِيْرُ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ (*) وُجُوْبِهَا) فمتى حال الحول وجب المبادرة بإخراجها وذلك لأن الله تعالى أمر بإيتاء الزكاة، والأمر يقتضي الفور، وأيضاً فإن حاجة الفقراء ناجزة، وحقهم في الزكاة ثابت فيكون تأخيرها عنهم منعاً لحقهم في وقته.
وقال الحنفية (١) في أحد القولين عندهم، وعليه عامة مشايخهم: إن افتراض الزكاة عمري أي على التراخي، ففي أي وقت أدى يكون مؤدياً للواجب، ويتعين ذلك الوقت للوجوب.
والصحيح: هو قول جمهور الفقهاء، أي متى حال الحول وجب إخراجها على الفور مع القدرة على ذلك، وعدم الخشية من الضرر.
- تنبيه:
هناك حالات يجوز فيها تأخير الزكاة عن وقت وجوبها، وهذه الحالات هي:
الحالة الأولى: إذا كان في تأخير إخراجها مصلحة للفقير ، مثال ذلك:
أكثر الناس يخرجون زكاتهم في شهر رمضان رغبة في حصول الأجر، لكن في بعض الأيام الأخرى كأيام الشتاء التي لا توافق رمضان قد يكون الفقراء=
стр. 534
إِذَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهَا (١)، فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ الْمَالُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكاةُ (٢)،
ــ
=أشد حاجة، فلو أخرها المزكي إلى هذا الوقت جاز ذلك لأن في ذلك مصلحة لمستحقيها.
الحالة الثانية: أن لا يتمكن من إخراجها عند حلول الحول ، مثال ذلك:
أن يكون له مال غائب لا يمكن تحصيله، كأن يكون هذا المال في ذمة موسر، أو ذمة معسر ولا يتمكن من الحصول عليه إلا بعد وقت الوجوب بفترة، فهنا يجوز تأخيرها لعدم تمكنه من الإخراج.
الحالة الثالثة: إذا كان يتضرر بإخراجها في وقتها ، كأن يخشى أن يرجع عليه الساعي مرة أخرى، أو يكون المزكي بين قوم لصوص ويخشى على نفسه وماله وعياله إن أخرجها نظروا إليه فيعلمون أن معه مالاً فيسطون عليه، فهنا يجوز له تأخيرها إلى حين زوال الضرر، ومن صور الضرر أيضاً أن يحول الحول على عروض التجارة وليس عند التاجر سيولة مالية، فهنا ينتظر لحين بيع العروض أو بعضها للحصول على المال.
(١) قوله (إِذَا أَمْكَنَ إِخْرَاجُهَا) كما ذكرنا ذلك آنفاً، أما الجمعيات الخيرية وكذا المراكز الإسلامية التي يجتمع عندها أموال زكوية فيجوز لها أن تجزاء الزكاة على الفقراء، وتوزعها عليهم على فترات بشرط أن لا تزيد هذه المدة عن سنة وهذه هي أقصى مدة يجوز فيها تأخير الزكاة.
(٢) قوله (فَإِنْ فَعَلَ فَتَلِفَ الْمَالُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكاةُ) أي إن أخر الزكاة عن وقت الوجوب ثم تلف المال لم تسقط عنه الزكاة في المال التالف لأنها وجبت في ذمته.
والصواب أن يقال في ذلك تفصيل:
стр. 535
وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، سَقَطَتْ (١). وَيَجُوْزُ تَعْجِيْلُهَا إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ (٢)،
ــ
=إن أخرها ثم تلف المال بسبب تفريطه أو بتعدٍ منه على المال فهنا لا تسقط.
وإن أخرها ثم تلف المال من غير تعد ولا تفريط منه فإنها تسقط عنه، وهذا هو قول المالكية (١)، والشافعية (٢).
(١) قوله (وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَهُ، سَقَطَتْ) أي إن تلف المال قبل وقت الوجوب، وهو حلول الحول سقطت عنه الزكاة.
(٢) قوله (وَيَجُوْزُ تَعْجِيْلُهَا إِذَا كَمُلَ النِّصَابُ) وهذا هو قول الجمهور (٣)، أي يجوز تعجيل الزكاة إذا كمل النصاب، وقال المالكية (٤): لا يجوز تعجيل الزكاة لأنها عبادة موقوتة بالحول.
والصحيح هو قول الجمهور، ودليل ذلك ما جاء عن علي ﵁ (أن النبي ﷺ تعجل من العباس صدقته سنتين) (٥).
وقال الفقهاء أيضاً: الحول شرطها، وبلوغ النصاب سبب لوجوبها، والقاعدة في ذلك أنه لا يقدم الواجب قبل سببه، ويجوز تقديمه قبل شرطه، فبلوغ النصاب سبب لوجوب الزكاة، فإن قال: أزكي عن مال لم يبلغ النصاب فلا يصح، وإن ملك النصاب وقدم الزكاة قبل حلول الحول جاز لأنه قدمها بعد السبب وقبل الشرط.
وأيضاً: تعجيل الزكاة فيه مصلحة لأهلها، وتأخيرها إلى حلول الحول من=
стр. 536
وَلا يَجُوْزُ قَبْلَ ذلِكَ (١). وَإِنْ عَجَّلَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تُجْزِئْهُ (٢)،
ــ
=باب الرفق بالمالك، فإن أداها قبل تمام الحول عن رضا منه فلا مانع، ومع قولنا بالجواز إلا أنه لا ينبغي تعجيل الزكاة قبل وقتها إلا لحاجة كجهاد، وحصول مجاعة، ونحو ذلك لأن الإنسان قد يعتري ماله تلف أو خسارة وغيره.
لكن هل يكون التعجيل لحول أو حولين أو أكثر ، أم هو مقيد؟
هذا محل خلاف بين الفقهاء؛ فالشافعية (١) قالوا: يجوز تعجيل الزكاة لعام واحد، ولا يجوز لعامين في الصحيح لأن زكاة العام الثاني لم ينعقد حولها.
والمذهب (٢) قالوا: تقديمها يكون لحولين فأقل. والذي نراه أن تعجيل الزكاة لأكثر من سنة الصحيح جوازه لمدة سنتين فقط ولا يجوز لأكثر من ذلك.
- تنبيه: لو عجل الإنسان زكاته ثم لما جاء الحول زاد عما هو عليه حال التعجيل، فهذه الزيادة التي نمى فيها ماله يجب عليه دفع زكاتها.
(١) قوله (وَلا يَجُوْزُ قَبْلَ ذلِكَ) أي لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك نصابها لأن ملك النصاب سبب لوجوبها، فإذا عدم السبب سقط الواجب، والقاعدة هنا: «ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب) فبلوغ النصاب سبب لوجوب الزكاة، فإذا عدم هذا السبب سقط الوجوب.
(٢) قوله (وَإِنْ عَجَّلَهَا إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تُجْزِئْهُ) أي إن عجل إخراج زكاته فأعطاها لغير مستحقيها لم يجزئه تعجيله، بل عليه أن يعيد إخراجها عند تمام الحول.
стр. 537
وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْوُجُوْبِ مِنْ أَهْلِهَا (١). وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوِ ارْتَدَّ، أَجْزَأَتْ (٢)،
ــ
(١) قوله (وَإِنْ صَارَ عِنْدَ الْوُجُوْبِ مِنْ أَهْلِهَا) في هذه المسألة تفصيل:
أولاً: أن يعجل زكاته فيعطيها لغير مستحقيها وهو يعلم، كأن يعطيها لغني ثم افتقر عند الوجوب لم يجزئه بلا نزاع.
ثانياً: أن يعجل زكاته إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم ثم علم، فهنا فيه تفصيل: فتارة يكون عدم استحقاقه لغناه، وتارة يكون لغيره كأن يكون كافراً، أو عبداً، أو هاشمياً، أو يكون قريباً للمعطي ممن لا يجوز دفع الزكاة إليه، فإن كان غنياً ففيه روايتان في المذهب (١): قيل يجزئه، وقيل لا يجزئه.
والصحيح: أنها تجزئه لأن الغنى يتعذر الإطلاع عليه والمعرفة بحقيقته، أما إن كان غير غني فرواية واحدة في المذهب أنها لا تجزئه لأن غير الغني لا يخفى حاله غالباً فلم يجزئه الدفع إليه.
(٢) قوله (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَمَاتَ أَوِ اسْتَغْنَى أَوِ ارْتَدَّ، أَجْزَأَتْ) لأن العبرة كما أسلفنا تكون بحال الإعطاء، أي إن تعجل بإخراج الزكاة فأعطاها إلى مستحقيها ممن يجزيء إخراج الزكاة إليهم فمات أو استغنى، أي صار غنياً، أو ارتد عن الإسلام قبل وجوبها أجزأت، لأن العبرة كما أسلفنا تكون بحال الإعطاء.
وما ذكره المؤلف هنا: أي إذا أخرج الزكاة معجلة لا يخلوا من أربعة أحوال:
الأول: أن لا يتغير حال من أخرجها إليه ، فهذا القسم يجزيء المزكي ولا يلزمه بدله، وليس له استرجاعه كما لو قبلها بعد وجوبها.
стр. 538
وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآخِذِ (١).
ــ
=الثاني: أن يتغير حال الأخذ كما ذكره المؤلف هنا، فهذا كما ذكر المؤلف يأخذ حكم القسم الأول، أي يجزيء عنه، وهذا قول أبي حنيفة (١).
وقال الشافعي (٢)، وهو أيضاً قول في المذهب (٣) لا يجزيء، لأن ما كان شرطاً للزكاة إذا عدم قبل الحول لم يجزيء كما لو تلف المال، أو مات صاحبه.
والصحيح: ما ذهب إليه المؤلف، لأن العبرة تكون بحال الإعطاء، فمتى أداها إلى مستحقيها لم يمنع الإجزاء تغير حال المعطى.
الثالث: أن يتغير حال رب المال بموت أو ردة ، أو بيع النصاب، فهل إذا عجل زكاته يرجع بها على من أداها إليه، بمعنى هل يجوز له استرجاعها على قولين:
الأول: وهو المذهب (٤) أنه لا يرجع بها على الفقير لأنها زكاة دفعت إلى مستحقيها فلم يجز ارتجاعها.
والقول الثاني: أنه إذا أعلم المستحق أنها زكاة معجلة أو كان الدافع لها الساعي فله أن يرجع بها، والصحيح القول الأول.
القسم الرابع: أن يتغير حالهما، أي رب المال والمستحق للزكاة، فهذا كالقسم الذي قبله.
(١) قوله (وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الآخِذِ) سبق بيان ذلك آنفاً، وقلنا أنه إذا تعجل دفع الزكاة ثم تغير حال رب المال فتلف ماله أو ارتد فإنه لا=
стр. 539
وَلا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلاةُ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهَا فِيْ بَلَدِهَا (١)
ــ
=يرجع على الفقير لأنها زكاة دفعت إلى مستحقيها، فلم يجز له الرجوع فيها، وهذا هو الراجح كما ذكرنا ذلك سابقاً.
(١) قوله (وَلا تُنْقَلُ الصَّدَقَةُ إِلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إِلَيْهِ الصَّلاةُ إِلاَّ أَنْ لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهَا فِيْ بَلَدِهَا) اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الجمهور (١) إلى أنه لا يجوز نقل الزكاة إلى ما يزيد عن مسافة القصر لحديث معاذ ﵁ وفيه قوله ﷺ : «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (٢).
واحتجوا أيضاً بما ورد عن عمر ﵁ أنه أنكر على معاذ، وقال: لم أبعثك جابياً، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك شيئاً وأنا أجد من يأخذ مني).
وقال أيضاً الجمهور: أن المعتبر أيضاً بلد المال.
وذهب أبو حنيفة (٣) إلى أنه يكره تنزيهاً نقل الزكاة من بلد إلى آخر، واستثنوا من الكراهة أن ينقلها المزكي إلى قرابته لما في الإيصال إليهم من صلة الرحم، وله أن ينقلها إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده وكذا ينقلها لأصلح أو أورع أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم.
والذي نرجحه من هذه الأقوال: أنه يجوز أن ينقلها إلى البلد البعيد والقريب=
стр. 540
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للحاجة والمصلحة، فالحاجة مثل أن يكون البلد البعيد الفقراء فيه أشد فقراً من بلده، والمصلحة مثل أن يكون لصاحب الزكاة أقارب في بلد بعيد يساوون فقراء بلده في الحاجة فهنا تكون الزكاة صدقة وصلة. وهذا ما رجحه شيخنا (١) ﵀.
стр. 541
بَابُ مَنْ يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ (١)
وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ (٢): الْفُقَرَاءُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ لا يَجِدُوْنَ مَا يَقَعَ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ بِكَسْبٍ وَلا غَيْرِهِ (٣). وَالثَّانِيْ: الْمَسَاكِيْنُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ يَجِدُوْنَ ذلِكَ، وَلا يَجِدُوْنَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ (٤).
ــ
(١) قوله (بَابُ مَنْ يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ) بدأ المؤلف هنا ببيان مصارف الزكاة التي جاءت نصوص الكتاب والسنة ببيانها، وهم الأصناف الثمانية الوارد ذكرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
وقوله (من يجوز) دليل على أن هناك أصنافاً لا يجوز دفع الزكاة إليهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله بعد هذا الباب.
(٢) قوله (وَهُمْ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ) لا يجوز إخراج الزكاة لغيرهم، وهم:
(٣) قوله (الْفُقَرَاءُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ لا يَجِدُوْنَ مَا يَقَعَ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ بِكَسْبٍ وَلا غَيْرِهِ) بدأ المؤلف ﵀ بأصحاب السهم الأول وهم الفقراء، وعرفهم المؤلف بأنهم من ليس عندهم مال قليل ولا كثير، وليس عندهم مهنة تعوض النقص الحاصل في كفايتهم.
(٤) قوله (وَالثَّانِيْ: الْمَسَاكِيْنُ، وَهُمُ: الَّذِيْنَ يَجِدُوْنَ ذلِكَ، وَلا يَجِدُوْنَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ) هذا هو الصنف الثاني وهم المساكين، ووصفوا بذلك لأن الفقر أسكنهم، أي أذلهم، وعرفهم المؤلف بأنهم يجدون مالاً أو كسباً لكن لا=
стр. 542
الثَّالِثُ الْعَامِلُوْنَ عَلَيْهَا، وَهُمُ: السُّعَاةُ عَلَيْهَا، وَمَنْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيْهَا (١).
ــ
=يكفيهم هذا المال، ولا هذا الكسب إلى قيام الكفاية، فالمسكين أحسن حالاً من الفقير، فالفقير هو الذي لا يجد شيئاً أصلاً، أو يجد البعض، والمسكين هو الذي يجد بعض كفايته، وإذا أطلق أحدهما دخل فيه الآخر، فإذا قيل الفقراء دخل فيهم المساكين، وإذا قيل المساكين دخل فيهم الفقراء.
لكن ما هو حد الكفاية للفقير والمسكين؟
نقول: سيأتي بيان ذلك في كلام المؤلف قريباً إن شاء الله.
(١) قوله (الثَّالِثُ الْعَامِلُوْنَ عَلَيْهَا، وَهُمُ: السُّعَاةُ عَلَيْهَا، وَمَنْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيْهَا)
هذا هو الصنف الثالث ممن تدفع إليه الزكاة، وهؤلاء هم الذين ترسلهم الحكومة لجمع الزكاة والقيام بتوزيعها، فهم ولاة وليسوا أجراء، وبهذا نعلم بأن الذي يعطى الزكاة ليوزعها ليس من العاملين عليها، بل هو وكيل عليها أو بأجرة.
- فائدة: هل يشترط أن يكون العاملون عليها فقراء؟
الجواب: لا يشترط ذلك، بل يعطون ولو كانوا أغنياء، لأن عملهم إنما هو لمصلحة الزكاة، وللحاجة إليهم لا لحاجتهم، فإذا انضم إلى ذلك بأن كانوا فقراء ونصيبهم من العمل لا يكفي لمؤونتهم ومؤنة عيالهم فإنهم يأخذون بالسببين، أي سبب العمالة، وسبب الفقر.
لكن ما القدر الذي يعطاه العاملون عليها؟
اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الحنفية (١) إلى أنه يدفع إلى العامل بقدر عمله، فيعطيه ما يسعه ويسع أعوانه غير مقدر بثمن، ولا يزاد على نصف=
стр. 543
وَالرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوْبُهُمْ (١)،
ــ
=الزكاة التي يحملها وإن كان عمله أكثر.
وقال الشافعية (١): لا يعطى العامل من الزكاة أكثر من ثمن الزكاة.
والصحيح من الأقوال: أنه يعطى قدر الأجرة مطلقاً كما سيذكر ذلك المؤلف ﵀ قريباً.
الشروط المعتبرة في العاملين عليها:
(١) أن يكون مسلماً، فلا يستعمل عليها كافرٌ لأنها ولاية وفيها تعظيم للوالي.
(٢) أن يكون عدلاً، أي ثقة، مأموناً لا يجور ولا يحابي في الجمع، ولا يحابي في القسمة.
(٣) أن يكون فقيها في أمور الزكاة.
(٤) أن يكون قادراً على العمل وضبطه على الوجه المعتبر.
(١) قوله (وَالرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوْبُهُمْ) هذا هو الصنف الرابع ممن يجب دفع الزكاة إليه وهم المؤلفة قلوبهم، وقد اختلف الفقهاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة حال كونهم كفاراً.
فقال المالكية (٢)، والحنابلة (٣) يعطون ترغيباً في الإسلام لأن النبي ﷺ أعطى المؤلفة من المسلمين والكفار.
وقال الحنفية (٤)، والشافعية (٥) لا يعطى الكافر من الزكاة لا لتأليف قلبه=
стр. 544
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=ولا لغيره، وقد كان إعطاؤهم في صدر الإسلام في حال قلة المسلمين وكثرة عددهم، وقد أعز الله الإسلام وأهله، واستغنى بهم عن تأليف قلوب الكفار على الإسلام ولم يعطهم الخلفاء الراشدون بعد رسول ﷺ ، فعن عبيدة قال: جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس إلى أبي بكر ﵁، فقالا: يا خليفة رسول الله ﷺ : إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نزرعها ونحرثها، فذكر الحديث في الإقطاع وإشهاد عمر ﵁ عليه ومحوه إياه، قال: فقال عمر ﵁: «أن رسول الله ﷺ كان يتألفكما والإسلام يومئذ ذليل وأن الله قد أعز الإسلام فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى الله عليكما إن رعيتما .. ) (١).
والراجح من القولين: ما ذهب إليه المالكية والحنابلة من جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم، وأن حكمهم باق، وقد رجح هذا القول صاحب المغني (٢)، وأجاب على ما قاله الحنفية والشافعية بقوله: (ولنا على جواز الدفع إليهم قول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وهذه الآية في سورة براءة، وهي من آخر ما نزل من القرآن على رسول الله ﷺ ، وقد ثبت أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من المشركين والمسلمين، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم، وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة، ثلاثين بعيراً، ومخالفة كتاب الله=
стр. 545
وَهُمُ: السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ فِيْ عَشَائِرِهِمْ، الَّذِيْنَ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِمْ إِسْلامُهُمْ، أَوْ دَفْعُ شَرِّهِمْ، أَوْ قُوَّةُ إِيْمَانِهِمْ، أَوْ دَفْعُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ، أَوْ مَعُوْنَتُهُمْ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِهَا (١).
ــ
=تعالى وسنة رسوله ﷺ واطراحهما بلا حجة لا يجوز) (١).
قلت: وفي وقتنا الحاضر ظهرت الحاجة له في الذين يسلمون حديثاً وتنقطع عنهم المعونات التي كانت تصرف لهم من أهليهم.
(١) قوله (وَهُمُ: السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ فِيْ عَشَائِرِهِمْ، الَّذِيْنَ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِمْ إِسْلامُهُمْ، أَوْ دَفْعُ شَرِّهِمْ، أَوْ قُوَّةُ إِيْمَانِهِمْ، أَوْ دَفْعُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِيْنَ، أَوْ مَعُوْنَتُهُمْ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ مِنْ دَفْعِهَا) المؤلفة قلوبهم ضربان: كفار ومسلمون، وهم جميعاً سادة مطاعون في قومهم وعشائرهم.
و الكفار ضربان:
الأول: من يرجى إسلامه ، فيعطى لتميل نفسه إليه فيسلم، وقد أعطى النبي ﷺ صفوان بن أمية وادياً فيه إبل محملة، فقال صفوان هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
قلت: ويعرف من يرجى إسلامه ببعض القرائن منها: أن نعرف أنه يميل للمسلمين، أو أنه يطلب كتاباً أو ما شابه ذلك، فيعطى من الزكاة ما يتحقق تأليفه به.
الثاني: من يخشى شره ، ويرجى بعطيته كف شره، وكف غيره معه، فهذا يعطى.
أما المسلمون: فهم على أربعة أضرب:
الضرب الأول: قوم من المسلمين لهم أصدقاء من الكفار ، فإن أعطوا رجي=
стр. 546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=إسلام أصدقائهم، أو إخوانهم من الكفار، وحسن نياتهم، فيجوز إعطاؤهم كما أعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر مع حسن نياتهما وإسلامهما.
الضرب الثاني: قوم من المسلمين سادات مطاعون في قومهم يرجى بإعطائهم قوة إيمانهم ومناصحتهم في الجهاد، فيعطون كما أعطى النبي ﷺ الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، والطلقاء من أهل مكة.
وقد قال ﷺ : «إِنِّي أُعْطِي الرَّجُلَ وَأَدَعُ الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ .. ) (١).
الضرب الثالث: قوم في طرف بلاد المسلمين ، إذا أعطوا دفعوا عمن يليهم من المسلمين.
الضرب الرابع: وهم من ذكرهم المؤلف ممن يعطى من أجل معونتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع.
فكل هؤلاء يجوز دفع الزكاة إليهم لأنهم من المؤلفة قلوبهم. وقول المؤلف (هُمُ السَّادَةُ الْمُطَاعُوْنَ) يفهم منه أنه إذا كان غير سيد مطاع فلا يجوز دفع الزكاة إليه، والصحيح أنه يعطى إذا كان ممن يرجى إسلامه، وذلك لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن.
- فائدة: هذا الصنف أعني المؤلفة قلوبهم منهم من يعطى للحاجة إليه، كمن
يعطى لكف شره، ومنهم من يعطى لحاجة نفسه، كمن يعطى لقوة إيمانه=
стр. 547
الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمُ: الْمُكَاتَبُوْنَ، وَإِعْتَاقُ الرَّقِيْقِ (١).
ــ
=ورجاء إسلامه.
(١) قوله (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ، وَهُمُ: الْمُكَاتَبُوْنَ، وَإِعْتَاقُ الرَّقِيْقِ) هذا هو الصنف الخامس ممن تجب له الزكاة، وهم ثلاثة أنواع:
الأول: المكاتبون: وهم الذين اشتروا أنفسهم من أسيادهم، فهؤلاء يعطون من الزكاة ليكونوا أحراراً، لكن كم يعطى المكاتب من الزكاة؟
نقول: يعطى بقدر ما يحصل به الوفاء، فمثلاً إذا كان عبدٌ اشترى نفسه من سيده بعشرين ألفاً نصفها بعد ستة أشهر، والباقي بعد الستة الأخرى فهنا يعطى ما يحصل به الوفاء الأول وهو عشرة آلاف، ثم بعد الستة الأخرى يعطى الباقي.
فالمهم أنه يدفع إليه جميع ما يحتاج إليه لوفاء كتابته، فإن لم يكن معه شيء جاز أن يدفع إليه جميعها، وإن كان معه شيء تمم له ما يتخلص به.
الثاني: إعتاق الرقيق: وقد اختلفت الرواية عند الإمام أحمد (١) في جواز الإعتاق من الزكاة، فالرواية الأولى أنه يجوز صرف الزكاة في اعتاق الرقيق المسلم، وهذا هو قول المالكية (٢) أيضاً.
والرواية الثانية (٣) أنه لا يجوز، وهو قول الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، وعللوا لذلك بأن هذا كدفع الزكاة إلى القن، والقن لا تدفع إليه الزكاة، ولأنه دفع إلى السيد في الحقيقة.
стр. 548
السَّادِسُ: الْغَارِمُوْنَ، وَهُمُ: الْمَدِيْنُوْنَ لإِصْلاحِ نُفُوْسِهِمْ فِيْ مُبَاحٍ، أَوْ لإِصْلاحٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ (١).
ــ
=والصحيح: أن صرف الزكاة في إعتاق الرقيق المسلم جائز لعموم قوله تعالى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، فيشمل المكاتب وغيره، وهذا هو اختيار الشيخين (١) - رحمهما الله -.
الثالث: فكاك الأسير المسلم: فيجوز إعطاء الأسير من الزكاة لفكاكه من الأسر لأن في ذلك فك رقبة من الأسر، فهو كفك رقبة من الرق، ولأن في فكه إعزازاً للدين.
(١) قوله (السَّادِسُ: الْغَارِمُوْنَ، وَهُمُ: الْمَدِيْنُوْنَ لإِصْلاحِ نُفُوْسِهِمْ فِيْ مُبَاحٍ، أَوْ لإِصْلاحٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ) هذا هو الصنف السادس ممن يجب دفع الزكاة إليه، وهم الغارمون، والغارم هو المدين الذي تحمل ديناً في غير معصية الله ورسوله وتعذر عليه تسديده، فيعطى من الزكاة ما يسد به دينه، وهم نوعان:
الأول: غارم لإصلاح نفسه .
الثاني: غارم لإصلاح ذات البين.
أما الأول: فقد عرفه المؤلف بقوله (وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح، فهذا يعطى من الزكاة لعجزه عن سداد ديونه، وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عياله لمدة سنة أو أكثر.
مثال ذلك: شخص عليه خمسون ألف ريال وراتبه ثلاثة آلاف ريال في الشهر، ومؤونته ومؤنة أولاده ثلاثة آلاف ريال، فهذا يعطى من الزكاة لأنه=
стр. 549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=فقير بالنسبة للدين، فلا نعطيه لفقره لأن راتبه يكفيه، وإنما نعطيه لسداد دينه لعجزه عن الوفاء.
واشترط المؤلف لذلك بأن يكون الدين بسبب أمر مباح، فلا يجوز إعطاؤه إذا كان بسبب محرم.
والصواب في ذلك إن كان غرمه بسبب محرم ثم تاب إلى الله وصلح حاله فإننا نعطيه، وإن لم يتب فإنه لا يعطى لأن في إعطاءه إعانة على المحرم.
الثاني: الغارم في إصلاح ذات البين.
مثاله: كانت هناك عداوة وفتنة بين جماعتين فدخل زيد للإصلاح بينهم، لكن لا يتمكن من الصلح بينهم إلا ببذل مال فيقول أنا ألتزم لكل واحد منكما بمبلغ وقدره كذا من أجل الصلح، فيوافقون على ذلك.
فهذا الرجل يعطى من الزكاة ما يدفعه في هذا الإصلاح، فيعطى هذا المبلغ الذي اشترطه على نفسه.
- فائدة: إذا وفى الرجل من ماله هل يعطى من الزكاة؟
نقول: إذا وفى الرجل من ماله بنية الرجوع على أهل الزكاة فإنه يعطى ما دفعه للإصلاح، أما إذا كان خرج منه على سبيل القربة لله تعالى، أو لم يكن بباله الرجوع على أهل الزكاة فإنه لا يعطى لأنه أخرجه لله، فلا يجوز الرجوع فيه.
- فائدة: الغارم للإصلاح يعطى من الزكاة ولو كان غنياً لأننا إنما نعطيه من أجل الحاجة إليه، ومن أعطي للحاجة إليه فإنه لا يشترط أن يكون فقيراً.
стр. 550
السَّابِعُ: فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَهُمُ: الْغُزَاةُ الَّذِيْنَ لا دِيْوَانَ لَهُمْ (١).
ــ
(١) قوله (السَّابِعُ: فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، وَهُمُ: الْغُزَاةُ الَّذِيْنَ لا دِيْوَانَ لَهُمْ) هذا هو الصنف السابع، وهم الغزاة في سبيل الله الذين لا ديوان لهم، أي ليس لهم نصيب من بيت المال على غزوهم، بل هم متطوعون، فهؤلاء يعطون لدفع حاجتهم، وللحاجة إليهم، ما يكفيهم لجهادهم.
أما العساكر الذين لهم رواتب من الدولة فهؤلاء لا يعطون من الزكاة، اللهم إلا إذا كان الراتب لا يكفيهم، فإنهم يعطون لفقرهم وحاجتهم.
- فائدة: حدد المؤلف هنا (في سبيل الله) بقوله: وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم، ولكن هذا التحديد فيه نظر، والصواب أن الجهاد في سبيل الله يشمل كل ما يعين الغزاة، من أسلحة، وبناء أسوار لحماية البلاد من العدو، وآلات الحرب، وبناء المراكب الحربية، وبالجملة كل ما يعم الغزاة وما يحتاجون إليه من سلاح فهو داخل في سبيل الله.
- فائدة: هل يعطى من يريد الحج من الزكاة؟
الجواب: ذهب الجمهور (١) إلى عدم جواز إعطاء من يريد الحج أو العمرة من الزكاة، وذهب الإمام أحمد (٢) في رواية عنه وهي المذهب، واختارها شيخ الإسلام (٣) إلى أن الحج من سبيل الله، فيجوز صرف الزكاة فيه.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول ابن قدامة (٤) في المغني.
لكن لو أعطي لفقره وحج منه فلا بأس بذلك.
стр. 551
الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيْلِ، وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فِيْ بَلَدِهِ (١).
ــ
(١) قوله (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيْلِ، وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَا يَسَارٍ فِيْ بَلَدِهِ) هذا هو الصنف الثامن وهو الأخير ممن تجب له الزكاة، وهو ابن السبيل الذين ينتقلون من بلادهم إلى بلاد فينقطعون في الطريق، إما لذهاب نفقتهم في الطريق إذا طال السفر عليهم، أو لأن عدوًا من قطاع الطريق أخذهم وأخذ أموالهم، أو لأسباب أخرى، فهؤلاء يعطون من الزكاة ما يوصلهم إلى بلادهم ولو كانوا فيها أغنياء لأنهم ليس عندهم ما يقوم بحالهم.
وهناك شروط وضعها الفقهاء لإعطاء ابن السبيل من الزكاة وهي:
(١) كونه مسلماً؛ فلا يعطى الكافر منها، وقد سبق بيان ذلك.
(٢) أن لا يكون من آل البيت، ولكن يعطى من صدقة التطوع.
(٣) أن لا يكون بيده في الحال ما يتمكن به من الوصول إلى بلده وإن كان غنياً فيها.
(٤) أن لا يكون سفره لمعصية لأنه إعانة عليها.
- فائدة: هل يشترط عدم وجود من يقرضه؟
نقول: اشترط ذلك المالكية (١)، والصواب أنه لا يشترط ذلك لأن الآية عامة، وتخصيص ذلك بإيجاد المقرض يحتاج إلى دليل، وهذا هو قول سماحة شيخنا بن باز (٢) ﵀.
стр. 552
فَهَؤُلاءِ أَهْلُ الزَّكَاةِ (١)، لا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ (٢)، وَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (٣).
ــ
(١) قوله (فَهَؤُلاءِ أَهْلُ الزَّكَاةِ) الضمير يعود على الأصناف الثمانية التي ذكرها.
(٢) قوله (لا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ) لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١)، فهؤلاء ثمانية أصناف على سبيل الحصر لا يجوز أن تصرف إلى غيرهم لأن الحصر يقتضي إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمن سواه.
وعلى ذلك لا تصرف الزكاة في بناء المساجد، ولا في بناء المدارس، ولا في إصلاح الطرق ولا غيرها، وما ذهب إليه بعض المتأخرين من جواز صرفها في المشاريع الخيرية هو قول مرجوح لأنه يخالف ما دلت عليه الآية، ويخالف ما عليه أكثر أهل العلم.
(٣) قوله (وَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ) أي يجوز أن تصرف الزكاة إلى واحد من الأصناف الثمانية، وهذا هو قول الجمهور (٢)، أي لا يجب أن تعمم الزكاة على الأصناف الثمانية سواء كان المال كثيراً أم قليلاً. و دليل ذلك ما سيذكره المؤلف.
وذهب الشافعية (٣)، وهو رواية في مذهب أحمد (٤) إلى أنه يجب التعميم، وإعطاء كل صنف من الأصناف الثمانية الثمن من الزكاة المجتمعة.
стр. 553
لأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَمَرَ بَنِيْ زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ (١)
ــ
=واستدلوا لذلك بالآية نفسها ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قالوا بأن الله أضاف الزكاة إليهم بلام التمليك، وأشرك بينهم بواو التشريك، فدل على أنها مملوكة لهم، مشتركة بينهم.
وذهب المالكية (١) إلى أنه يندب أي التعميم خروجاً من الخلاف، وفي إحدى الروايات عن الإمام أحمد (٢) أنه يستحب التعميم.
والصحيح من الأقوال هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم إيجاب التعميم للأدلة المذكورة عند المؤلف وغيرها.
أما قول من أوجب التعميم بأن (الواو) تدل على وجوب التعميم فهذا غير صواب، بل الواو هنا لبيان المستحقين لا لوجوب التعميم.
فائدة: إذا كانت الزكاة قليلة فصرفها في أسرة واحدة محتاجة فهذا أولى وأفضل من توزيعها على أسر كثيرة، لأن توزيعها على الأسر الكثيرة يقلل نفعها.
(١) قوله (لأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ أَمَرَ بَنِيْ زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إِلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ) هذا الحديث له قصة، وهي أن سلمة بن صخر، ويقال له أيضاً: سلمان بن صخر، وهو صحابي أنصاري قد ظاهر من امرأته ظهاراً مؤقتاً في شهر رمضان، أي قال لها أنتِ عليّ كظهر أمي حتى ينسلخ رمضان، فلم يلبث حتى جامعها فيه، قبل أن يمضي فلما أصبح غدا على قومه فأخبرهم بأمره، =
стр. 554
وَقَالَ لِقَبِيْصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيْصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا (١)،
ــ
=وطلب منهم أن يذهبوا معه إلى النبي ﷺ ليخبره بأمره، فقالوا: لا والله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا قرآن، أو يقول فينا رسول الله ﷺ مقالة يبقى علينا عارها، وقالوا له: اذهب أنت فأخبره، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره بأمره، فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، فقال: سلمان بن صخر: لا أجدها، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكيناً، فقال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشى ما لنا عشاء، قال النبي ﷺ : «اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك، قال سلمة ﵁: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ، فدفعوها إليّ) (١).
(١) وقوله (وَقَالَ لِقَبِيْصَةَ: أَقِمْ يَا قَبِيْصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا) هذا أيضاً حديث احتج به المؤلف في جواز إعطاء الزكاة لفرد واحد، وقصة هذا الحديث أن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا قَالَ ثُمَّ قَالَ يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ=
стр. 555
وَيُدْفَعُ إِلَى الْفَقِيْرِ، وَالْمِسْكِيْنِ مَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ، وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ، وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ، وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ، وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ، وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ (١).
ــ
=لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) (١).
(١) قوله (وَيُدْفَعُ إِلَى الْفَقِيْرِ، وَالْمِسْكِيْنِ مَا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ ... ) سيذكر المؤلف هنا القدر الذي يعطى للأصناف الثمانية الذين تجب لهم الزكاة، فذكر أولاً ما يدفع للفقير والمسكين، وقد اختلف الفقهاء في القدر الذي يدفع إلى الفقير والمسكين. فالجمهور (٢) على أن الواحد من الفقراء والمساكين يعطى من الزكاة الكفاية أو إتمامها له ولمن يعوله عاماً كاملاً ولا يزاد عليه، وحددوها بالعام لأن الزكاة تتكرر كل عام، ولأن النبي ﷺ ادخر لأهله قوت سنة، وإن كان يملك أو يحصل له بعض الكفاية أعطي تمام الكفاية لعام.
وفي رواية للإمام أحمد (٣)، وهي أيضاً قول منصوص عليه عند الشافعية (٤) إلى أن الفقير والمسكين يعطيان ما يخرجهما من الفاقة إلى الغنى، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام.
وذهب الحنفية (٥) إلى أن من لا يملك نصاباً زكوياً كاملاً يجوز أن يدفع إليه أقل من مائتي درهم أو تمامها، ويكره أكثر من ذلك.
стр. 556
وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ (١)، وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ (٢)،
ــ
=والصحيح ما ذهب إليه الجمهور فيعطى الفقير والمسكين قدر كفايته سنة كاملة، وهذا هو قول سماحة شيخنا ابن باز (١) ﵀.
(١) قوله (وَإِلَى الْعَامِلِ قَدْرُ عُمَالَتِهِ) سبق بيان القدر الذي يعطاه العامل على الزكاة وقلنا: اختلف الفقهاء في القدر الذي يعطاه العامل على الزكاة، فالحنفية (٢) على أنه يعطى بقدر عمله، فيعطى ما يسعه ويسع أعوانه غير مقدر بالثمن، ولا يزاد على نصف الزكاة التي يجمعها وإن كان عمله أكثر.
وقال الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) الإمام مخير بين أن يستأجر العامل إجارة صحيحة، إما مدة معلومة أو على معلوم، وبين أن يجعل له جعلاً معلوماً على عمله.
والصواب: أنه يعطى على قدر عمله وتعبه على ما يراه ولي الأمر، وهذا ما ذكره سماحة شيخنا ابن باز (٥) ﵀.
(٢) قوله (وَإِلَى الْمُؤَلَّفِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيْفُهُ) أي ويعطى المؤلفة قلوبهم من الزكاة ما يحصل به تأليفهم.
وقد ذكرنا أقوال الفقهاء في المؤلفة قلوبهم، وبينا أن الراجح من أقوالهم أن حكمهم باق، وأنهم يعطون من الزكاة.
стр. 557
وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ (١)، وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ (٢)، وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ (٣)، وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ لا يَأْخُذُوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ، وَهُمُ: الْفَقِيْرُ، وَالْمِسْكِيْنُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ، وَابنُ سَبِيْلٍ (٤).
ــ
(١) قوله (وَإِلَى الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ مَا يَقْضِيْ بِهِ دَيْنَهُ) أي ويعطى المكاتب والغارم من الزكاة ما يقضي به دينه، فيعطى المكاتب الذي اشترى نفسه من سيده ليكون حراً ما تحصل به الحرية، وقد ذكرنا ذلك سابقاً، وقلنا بأنه يعطى ما يحصل به الوفاء ليعتق، وكذلك الغارم وهو الذي تحمل ديناً تعذر عليه سداده فيعطى من الزكاة ما يسد به دينه، وقد سبق بيان ذلك أيضاً.
(٢) قوله (وَإِلَى الْغَازِيْ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِغَزْوِهِ) أي ويعطى الغزاة في سبيل الله ما يحتاج إليه من متاع أو نقود أو سلاح وغير ذلك مما يعينه على غزوه، ويحصل به إعداد القوة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ... ﴾ (١). وقد سبق بيان ذلك مفصلاً عند ذكر الأصناف الثمانية التي تدفع لهم الزكاة.
(٣) قوله (وَإِلَى ابْنِ سَبِيْلٍ مَا يُوْصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَلا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى ذلِكَ) أي ويعطى ابن السبيل من الزكاة ما يحصل به اندفاع حاجته فيعطى منها القدر الذي يوصله إلى بلده لا يزاد على ذلك، وقد سبق بيان ذلك مع ذكر الشروط المعتبرة في ابن السبيل.
(٤) قوله (وَخَمْسَةٌ مِنْهُمْ لا يَأْخُذُوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ، وَهُمُ: الْفَقِيْرُ، وَالْمِسْكِيْنُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمِ لِنَفْسِهِ، وَابنُ سَبِيْلٍ) إنما أعطي هؤلاء الخمسة من=
стр. 558
وَأَرْبَعَةٌ يَجُوْزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مَعَ الْغِنَى، وَهُمُ: الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَازِيْ، وَالْغَارِمُ لإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (١).
ــ
=أجل الحاجة، أي من أجل حاجتهم هم لا من أجل الحاجة إليهم، فمع عدم الحاجة لا يعطون من الزكاة لأنهم حينئذٍ يكونون ليسوا من أهل الزكاة.
(١) قوله (وَأَرْبَعَةٌ يَجُوْزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ مَعَ الْغِنَى، وَهُمُ: الْعَامِلُ، وَالْمُؤَلَّفُ، وَالْغَازِيْ، وَالْغَارِمُ لإِصْلاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) نقول من تدفع لهم الزكاة على قسمين:
القسم الأول: من تدفع إليهم لحاجتهم، وهم المذكورون أولاً، وهم الفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل، فهؤلاء كما ذكرنا يعطون على قدر كفايتهم وإن أخذوها ملكوها.
القسم الثاني: ما ذكره المؤلف هنا، وهم العامل على الزكاة، والمؤلف، والغازي، والغارم لإصلاح ذات البين، فهؤلاء يعطون من الزكاة وإن كانوا أغنياء تشجيعاً لهم، ويعطون منها ما يحصل به المقصود.
стр. 559
بَابُ مَنْ لا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ (١).
لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ (٢)، وَلا تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُمْ: بَنُوْ هَاشِمٍ وَمَوَالِيْهِمْ (٣).
ــ
(١) قوله (بَابُ مَنْ لا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَيْهِ) هذا الباب في بيان الموانع التي تمنع من استحقاق الزكاة.
(٢) قوله (لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) دليل ذلك ما رواه أحمد وغيره عن عبيد بن عدي (أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ ﷺ يَسْأَلانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ وَرَأَىهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) (١). وهنا بعض الفوائد:
الأولى: في قوله ﷺ (إن شئتما أعطيتكما) هذا ما ينبغي قوله لمن كان غنياً، أو قوياً مكتسباً عند طلبهما من الأخذ من الزكاة، أما نهرهما وإغلاظ القول لهما فهذا لا ينبغي بل أعظم زجر لهما هو ما جاء من قوله ﷺ لهما.
الثانية: من كان قوياً مكتسباً ويريد أن يتفرغ لطلب العلم، فإنه يعطى منها لأنه نوع من الجهاد في سبيل الله.
الثالثة: الرجل قد يكون قوياً ولكنه أخرق لا كسب له فتحل له الزكاة.
(٣) قوله (وَلا تَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُمْ: بَنُوْ هَاشِمٍ وَمَوَالِيْهِمْ) المراد ببني هاشم (آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث)، فلا تحل لبني هاشم، قال ابن قدامة (٢) لا نعلم خلافاً من أن بني هاشم لا تحل لهم=
стр. 560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=الصدقة المفروضة.
دليل ذلك ما رواه مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي من أوساخ الناس) (١).
وقوله ﷺ للحسين بن علي ﵄: «كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ) (٢).
لكن ينبغي أن يكون ذلك إذا كان بنو هاشم يأخذون الخمس من بيت مال المسلمين، أما عند عدمه وكونهم فقراء فإنهم يأخذون منها، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، واختاره شيخنا (٤) ﵀.
- فائدة (١): اختلف الفقهاء في جواز دفع زكاة الهاشمي إلى هاشمي، والصحيح في ذلك التفصيل في هذه المسألة:
أولاً: إذا كان هناك بيت مال للمسلمين ويعطون من الخمس فلا يجوز دفع الزكاة إليهم لقوله ﷺ ( .. إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ .. ) (٥)، والهاشميون من الناس فلا تحل لهم.
ثانياً: أن يكون الهاشمي فقيراً محتاجاً وليس له نصيب من بيت مال المسلمين كما هو الشأن في وقتنا هذا في كثير من بلاد المسلمين، فلا يوجد من ينقذ هؤلاء من الجوع، فهنا تكون زكاة الهاشمي لهاشمي مثله أولى من زكاة غير الهاشمي.
стр. 561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- فائدة (٢): هل يعطى الهاشمي من صدقة التطوع؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
قال ابن قدامة (١) ﵀: (فأما النبي ﷺ فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونفلها).
أما آل النبي ﷺ فقد ذهب جمهور الفقهاء، وهو اختيار الشيخين (٢) رحمهما الله إلى جواز إعطائهم من صدقة التطوع، وهذا هو الصحيح.
- فائدة (٣): هل بنو المطلب يأخذون حكم بني هاشم في منعهم من أخذ الزكاة؟
اختلف الفقهاء في إلحاق بني المطلب ببني هاشم في منعهم من الزكاة، فالشافعية (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤) أنه ليس لهم الأخذ من الزكاة مثل بني هاشم لقوله ﷺ : «وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) (٥).
وذهب الحنفية (٦) وهو رواية في مذهب أحمد (٧)، واختاره شيخنا (٨) ﵀ أنه يجوز دفع الزكاة لبني المطلب، وقالوا قوله ﷺ (أن الصدقة لا تنبغي لآل محمد) يجب أن يختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم لأن بني هاشم أقرب إلى النبي ﷺ وأشرف، وهم آل النبي ﷺ .
стр. 562
وَلا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا (١)،
ــ
=والذي يظهر والله أعلم أنه لا يجوز دفع الزكاة لبني المطلب وذلك لصحة الخبر الوارد في ذلك، فهو حجة في محل النزاع.
قوله (وَمَوَالِيْهِمْ) وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم، أي كذلك لا يعطون من الزكاة، ودليل ذلك قوله ﷺ لمولاه رافع (إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم من أنفسهم) (١).
(١) قوله (وَلا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا) المراد بالوالدين الأب والأم.
قال ابن المنذر (٢): أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين، وعلل الفقهاء بمنع الزكاة لهم بأن الولد وماله ملك لأبيه، فالواجب عليه النفقة عليهما، فإذا دفع الزكاة إليهم فكأنه دفعها إلى نفسه.
وقالوا أيضاً لأن دفع زكاته إليهم يغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه فيعود نفعها إليه.
وقوله (وإن علوا) يعني آبائهما وأمهاتهما من يرث منهم ومن لا يرث، فالأصل والفرع تجب النفقة عليهم بكل حال وارثين أم غير وارثين.
قلت: وقد أجاز شيخ الإسلام (٣) دفع الزكاة إلى الأبوين وإن علو، وإلى الولد وإن سَفَلَ إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، وهذا إحدى الروايتين في مذهب الإمام أحمد (٤)، وهو قول شيخنا (٥) ﵀.
стр. 563
وَلا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ (١)، وَلا إِلَى الزَّوْجَةِ (٢)،
ــ
=والذي أرجحه عدم جواز إعطاء الأبوين من الزكاة مطلقاً، وإنما يعطيهم من ماله إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
(١) قوله (وَلا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ) أي لا يجوز دفع الزكاة إلى الفرع وإن سفل، أي وإن نزلت درجته من أولاد البنين أو أولاد البنات لوارث وغيره.
(٢) قوله (وَلا إِلَى الزَّوْجَةِ) أما الزوج فلا يجوز له أن يعطي الزوجة من زكاة ماله بالإجماع، لأن النفقة عليها واجبة عليه، ونقل الإجماع على ذلك صاحب المغني (١).
أما إعطاء الزوجة الزوج من زكاة مالها فقد اختلفت الرواية في المذهب (٢) في ذلك؛ ففي الرواية الأولى: لا يجوز دفعها إليه، وهذا مذهب أبي حنيفة (٣) وقول مالك (٤) لأنه أحد الزوجين فلم يجز دفع الزكاة إليه كالآخر، ولأنها تنتفع بدفعها إليه لأنه إن كان عاجزاً عن الإنفاق عليها تمكن بأخذ الزكاة من الإنفاق، فإذا انفق عليها من هذا المال فكأنما عاد مالها إليها.
والرواية الثانية في المذهب (٥) يجوز دفع المرأة من زكاتها إلى زوجها، وهو مذهب الشافعي (٦)، وهذا هو الصواب، ودليل ذلك حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵂ قالت: يا رسول الله إنك أمرت بالصدقة، =
стр. 564
وَلا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَلا إِلَى رَقِيْقٍ (١)،
ــ
=وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم، فقال النبي ﷺ «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) (١).
ولأنه تجب نفقته فلم يمنع من دفع الزكاة إليه كالأجنبي، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢).
(١) قوله (وَلا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَلا إِلَى رَقِيْقٍ) أي لا يجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه مؤنته كأخيه وأخته، وابن أخيه، وخالته، وسائر أقاربه ممن لا يكون هناك من يرعاهم وينظر إلى حوائجهم، فهؤلاء تجب نفقته عليهم، وعلى ذلك لا يجوز صرف الزكاة إليهم.
واختلفت الرواية في المذهب (٣) في هذه المسألة: أعني صرف الزكاة إلى من تلزمه مؤنته غير الأبوين والولد:
فالرواية الأولى عن الأمام أحمد، وهي ما عليها قول أكثر أهل العلم جواز دفع الزكاة إليهم لقوله ﷺ (الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) (٤). فلم يشترط نافلة ولا فريضة.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يجوز دفعها إلى الموروث منهم، لأن على الوارث مئونة الموروث، فإذا دفع إليه الزكاة أغناه عن مؤنته، فيعود=
стр. 565
وَلا إِلَى كَافِرٍ (١).
فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى هَؤُلاِءِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ (٢)،
ــ
=نفع الزكاة إليه، فلم يجز كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها.
أما الحديث فيحتمل أن يكون في صدقة التطوع.
قوله (وَلا إِلَى رَقِيْقٍ) أي لا يجوز دفع الزكاة إلى الرقيق لأنه لا يملك مالاً، فإذا دفع الزكاة إليه انتقلت إلى سيده، ونفقة الرقيق تجب على السيد.
- فائدة: هل يجوز صرف الزكاة للعاملين في المؤسسات إذا كانوا من أهل الحاجات وجنسياتهم من خارج المملكة؟ .
الجواب: نعم يجوز دفع الزكاة للفقراء المسلمين منهم وإن كانوا غير سعوديين، ولا تعتبر من مكافأتهم وجوائزهم التي جرى العرف بإعطائهم، ولا يقصد منها تنشيطهم في العمل في المؤسسة لتستفيد من ورائهم زيادة في العمل والربح (١).
(١) قوله (وَلا إِلَى كَافِرٍ) الكفار على قسمين: مؤلف وغير مؤلف.
أما المؤلفة قلوبهم فقد سبق ذكرهم، وبيّنا جواز دفع الزكاة إليهم، أما غير المؤلفة قلوبهم فلا يجوز دفع الزكاة إليهم لقوله ﷺ لمعاذ (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (٢).
(٢) قوله (فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى هَؤُلاِءِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ) الصدقة منها ما هو فريضة، ومنها ما هو تطوع، فالفريضة لا يجوز صرفها إلا لمن عينه الله تعالى في كتابه، وهم الأصناف الثمانية الذين سبق بيانهم، أما=