← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - فائدة (٢): هل يعطى الهاشمي من صدقة التطوع؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: قال ابن قدامة (١) ﵀: (فأما النبي ﷺ فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونفلها). أما آل النبي ﷺ فقد ذهب جمهور الفقهاء، وهو اختيار الشيخين (٢) رحمهما الله إلى جواز إعطائهم من صدقة التطوع، وهذا هو الصحيح. - فائدة (٣): هل بنو المطلب يأخذون حكم بني هاشم في منعهم من أخذ الزكاة؟ اختلف الفقهاء في إلحاق بني المطلب ببني هاشم في منعهم من الزكاة، فالشافعية (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤) أنه ليس لهم الأخذ من الزكاة مثل بني هاشم لقوله ﷺ : «وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) (٥). وذهب الحنفية (٦) وهو رواية في مذهب أحمد (٧)، واختاره شيخنا (٨) ﵀ أنه يجوز دفع الزكاة لبني المطلب، وقالوا قوله ﷺ (أن الصدقة لا تنبغي لآل محمد) يجب أن يختص المنع بهم، ولا يصح قياس بني المطلب على بني هاشم لأن بني هاشم أقرب إلى النبي ﷺ وأشرف، وهم آل النبي ﷺ .

стр. 562

وَلا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا (١)، ــ =والذي يظهر والله أعلم أنه لا يجوز دفع الزكاة لبني المطلب وذلك لصحة الخبر الوارد في ذلك، فهو حجة في محل النزاع. قوله (وَمَوَالِيْهِمْ) وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم، أي كذلك لا يعطون من الزكاة، ودليل ذلك قوله ﷺ لمولاه رافع (إن الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم من أنفسهم) (١). (١) قوله (وَلا يَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِنْ عَلَوْا) المراد بالوالدين الأب والأم. قال ابن المنذر (٢): أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين، وعلل الفقهاء بمنع الزكاة لهم بأن الولد وماله ملك لأبيه، فالواجب عليه النفقة عليهما، فإذا دفع الزكاة إليهم فكأنه دفعها إلى نفسه. وقالوا أيضاً لأن دفع زكاته إليهم يغنيهم عن نفقته ويسقطها عنه فيعود نفعها إليه. وقوله (وإن علوا) يعني آبائهما وأمهاتهما من يرث منهم ومن لا يرث، فالأصل والفرع تجب النفقة عليهم بكل حال وارثين أم غير وارثين. قلت: وقد أجاز شيخ الإسلام (٣) دفع الزكاة إلى الأبوين وإن علو، وإلى الولد وإن سَفَلَ إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم، وهذا إحدى الروايتين في مذهب الإمام أحمد (٤)، وهو قول شيخنا (٥) ﵀.

стр. 563

وَلا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ (١)، وَلا إِلَى الزَّوْجَةِ (٢)، ــ =والذي أرجحه عدم جواز إعطاء الأبوين من الزكاة مطلقاً، وإنما يعطيهم من ماله إذا دعت الحاجة إلى ذلك. (١) قوله (وَلا إِلَى الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ) أي لا يجوز دفع الزكاة إلى الفرع وإن سفل، أي وإن نزلت درجته من أولاد البنين أو أولاد البنات لوارث وغيره. (٢) قوله (وَلا إِلَى الزَّوْجَةِ) أما الزوج فلا يجوز له أن يعطي الزوجة من زكاة ماله بالإجماع، لأن النفقة عليها واجبة عليه، ونقل الإجماع على ذلك صاحب المغني (١). أما إعطاء الزوجة الزوج من زكاة مالها فقد اختلفت الرواية في المذهب (٢) في ذلك؛ ففي الرواية الأولى: لا يجوز دفعها إليه، وهذا مذهب أبي حنيفة (٣) وقول مالك (٤) لأنه أحد الزوجين فلم يجز دفع الزكاة إليه كالآخر، ولأنها تنتفع بدفعها إليه لأنه إن كان عاجزاً عن الإنفاق عليها تمكن بأخذ الزكاة من الإنفاق، فإذا انفق عليها من هذا المال فكأنما عاد مالها إليها. والرواية الثانية في المذهب (٥) يجوز دفع المرأة من زكاتها إلى زوجها، وهو مذهب الشافعي (٦)، وهذا هو الصواب، ودليل ذلك حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵂ قالت: يا رسول الله إنك أمرت بالصدقة، =

стр. 564

وَلا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، وَلا إِلَى رَقِيْقٍ (١)، ــ =وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه هو وولده أحق من تصدقت عليهم، فقال النبي ﷺ «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) (١). ولأنه تجب نفقته فلم يمنع من دفع الزكاة إليه كالأجنبي، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٢). (١) قوله (وَلا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَلا إِلَى رَقِيْقٍ) أي لا يجوز دفع الزكاة إلى من تلزمه مؤنته كأخيه وأخته، وابن أخيه، وخالته، وسائر أقاربه ممن لا يكون هناك من يرعاهم وينظر إلى حوائجهم، فهؤلاء تجب نفقته عليهم، وعلى ذلك لا يجوز صرف الزكاة إليهم. واختلفت الرواية في المذهب (٣) في هذه المسألة: أعني صرف الزكاة إلى من تلزمه مؤنته غير الأبوين والولد: فالرواية الأولى عن الأمام أحمد، وهي ما عليها قول أكثر أهل العلم جواز دفع الزكاة إليهم لقوله ﷺ (الصدقة على المسكين صدقة، وهي لذي الرحم اثنتان صدقة وصلة) (٤). فلم يشترط نافلة ولا فريضة. والرواية الثانية عن الإمام أحمد أنه لا يجوز دفعها إلى الموروث منهم، لأن على الوارث مئونة الموروث، فإذا دفع إليه الزكاة أغناه عن مؤنته، فيعود=

стр. 565

وَلا إِلَى كَافِرٍ (١). فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى هَؤُلاِءِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ (٢)، ــ =نفع الزكاة إليه، فلم يجز كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها. أما الحديث فيحتمل أن يكون في صدقة التطوع. قوله (وَلا إِلَى رَقِيْقٍ) أي لا يجوز دفع الزكاة إلى الرقيق لأنه لا يملك مالاً، فإذا دفع الزكاة إليه انتقلت إلى سيده، ونفقة الرقيق تجب على السيد. - فائدة: هل يجوز صرف الزكاة للعاملين في المؤسسات إذا كانوا من أهل الحاجات وجنسياتهم من خارج المملكة؟ . الجواب: نعم يجوز دفع الزكاة للفقراء المسلمين منهم وإن كانوا غير سعوديين، ولا تعتبر من مكافأتهم وجوائزهم التي جرى العرف بإعطائهم، ولا يقصد منها تنشيطهم في العمل في المؤسسة لتستفيد من ورائهم زيادة في العمل والربح (١). (١) قوله (وَلا إِلَى كَافِرٍ) الكفار على قسمين: مؤلف وغير مؤلف. أما المؤلفة قلوبهم فقد سبق ذكرهم، وبيّنا جواز دفع الزكاة إليهم، أما غير المؤلفة قلوبهم فلا يجوز دفع الزكاة إليهم لقوله ﷺ لمعاذ (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) (٢). (٢) قوله (فَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، فَيَجُوْزُ دَفْعُهَا إِلَى هَؤُلاِءِ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ) الصدقة منها ما هو فريضة، ومنها ما هو تطوع، فالفريضة لا يجوز صرفها إلا لمن عينه الله تعالى في كتابه، وهم الأصناف الثمانية الذين سبق بيانهم، أما=

стр. 566

وَلا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ (١)، إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَهَا الإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا (٢). ــ =صدقة التطوع فالأمر فيها واسع، فيجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع الزكاة إليه وإلى غيرهم، لكن الأقربين أولى بالمعروف، فالصدقة على ذوي الرحم ثنتان كما ذكرنا صدقة وصلة. (١) قوله (وَلا يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِنِيَّةٍ) أي ويشترط عند دفع الزكاة النية، فيقصد المزكي أن ما يخرجه هو الزكاة الواجبة عليه، دليل ذلك قوله ﷺ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .. ) (١). (٢) قوله (إِلاَّ أَنْ يَأْخُذَهَا الإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا) أي متى أخذ الإمام أو نوابه الزكاة ممن امتنع عن أدائها قهراً فإنه في هذه الحالة لا يشترط النية من المزكي، لكن هل تجزيء عنه؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الشافعية (٢)، وهو قول عند الحنابلة (٣) إلى أن أخذ الإمام أو نوابه الزكاة من الممتنع قهراً يكفي فيه نية الإمام عند التفريق أو الأخذ لأنه الإمام وله ولايه على المالك، أما المالكية فقالوا بإجزائها ظاهراً وباطناً. وذهب بعض الحنابلة (٤) إلى أن الإمام إن أخذها قهراً فقد أجزأت ظاهراً فلا يطالب بها ولا تجزيء باطناً لأنها عبادة لا تجزيء عمن وجبت عليه بغير نية كالصلاة، وأخذا الإمام لها يسقط المطالبة بها لا غير. ولعل هذا هو الصواب والله أعلم.

стр. 567

وَإِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تَجْزِهِ (١)، إِلاَّ الْغَنِيَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيْرًا (٢). ــ - فائدة (١): لا تغني الضريبة عن الزكاة ولو كانت تؤخذ منه قهراً. - فائدة (٢): إذا كان العمال الذين يرسلهم الحاكم لا يأخذون الزكاة كاملة مثلاً يأخذ خمسة آلاف، والواجب إخراجه عشرة آلاف، فلا يكفي ما أخذ العامل في إخراج الزكاة بل عليه أن يخرج الباقي عليه. (١) قوله (وَإِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا، لَمْ تَجْزِهِ) أي إذا دفع الزكاة إلى غير المستحقين الثمانية الذين ذكر الله تعالى فإنها لا تجزئه لأنه يعد بذلك متلاعباً بأحكام الشرع، اللهم إلا إذا دفعها إلى من يظن أنه أهل للزكاة بعد التحري، فبان أنه من غير أهلها فهذا الأقرب أنها تجزئه بخلاف ما ذكر المؤلف من عدم الإجزاء. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١)، فهذا المزكي اتقى الله ما استطاع ولأن العبرة في العبادات بما في ظن المكلف بخلاف المعاملات فالعبرة بما في نفس الآمر. فالصواب هنا أنه إذا دفع الزكاة إلى غير مستحقيها بعد إفراغ الوسع والاجتهاد والتحري، وبنى على غلبة ظنه فإنها تجزئه بخلاف ما إذا دفعها من غير تحرٍّ ولا اجتهاد، ولا غلبة ظن فإنها لا تجزئه. وهذا عام في الأصناف كلها، وهذا هو اختيار شيخنا ﵀ (٢). (٢) قوله (إِلاَّ الْغَنِيَّ إِذَا ظَنَّهُ فَقِيْرًا) هذا مستثنى من الكلام السابق، أي إذا دفع الزكاة إلى من يظنه فقيراً ثم بان غنياً فهنا تجزئه، وعلل لذلك الفقهاء بقولهم=

стр. 568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =بأن الفقر والغنى يعسر الاطلاع عليهما، والمعرفة بحقيقتهما، قال الله تعالى ﴿يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ﴾ (١). فاكتفى بظهور الفقر ودعواه، بخلاف غيره.

стр. 569

كِتَابُ الصِّيَامِ (١) ــ الشرح: (١) قوله (كِتَابُ الصِّيَامِ): الصيام لغة: الإمساك، والامتناع، والكف. قال تعالى حكاية عن مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ (١)، أي إمساكاً عن الكلام. وقال النابغة: تحت العجاج وخيل تعلك اللجما ... خيل صيام وخيل غير صائمة أي خيل ممسكة عن العلف، وخيل غير ممسكة. يقال صام الفرس: إذا قام على غير اعتلاف. ويقال: هو الذي أمسك عن الصهيل (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: (جماع معنى الصيام في اللغة: الكف، والإمساك، والامتناع، وذلك هو السكون، وضده الحركة، ولهذا قرن الله تعالى بين الصوم والصلاة، لأن الصلاة حركة إلى الحق، والصوم سكون عن الشهوات، فيعم الإمساك عن القول والعمل من الناس والدواب وغيرها) (٣). أما تعريف الصيام في الشرع: فقد اختلفت فيه أقوال الفقهاء:

стр. 570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال الحنفية (١) في تعريف الصيام: هو الإمساك عن أشياء مخصوصة، وهي الأكل والشرب والجماع بشرائط مخصوصة. وقال المالكية (٢): هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وما يقوم مقامهما مخالفة للهوى في طاعة المولى في جميع أجزاء النهار بنية قبل الفجر أو معه إن أمكن فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد. وقال الشافعية (٣): الصيام هو: إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص. وقال الحنابلة (٤) في تعريفه: بأنه إمساك مخصوص عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص. ومن خلال تعريفات الفقهاء لمعنى الصوم شرعاً يتبين لنا أن منهم الموسع ومنهم المضيق في تعريفه، لكن المعنى الذي يجمع بين هذه التعريفات هو: الإمساك بنية التعبد لله تعالى عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص بشروط مخصوصة. ولبيان هذا التعريف نقول: قولنا: (الإمساك بنية) مؤداه أن الصوم لا يصح إلا بالنية، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك كما نقله البهوتي في كشاف القناع (٥).

стр. 571

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقولنا: (التعبد لله) حتى لا يكون مجرد إمساك عن الطعام فقط، وحتى لا يكون تعبداً لغير الله، كأن يصوم رياء وسمعة، أو خوفاً من كلام الناس عليه. وقولنا: (عن أشياء مخصوصة) المقصود بها مفسدات الصوم، وهي الأكل والشرب وما يقوم مقامهما والجماع. وما ينبغي الإمساك عنه كاللغو والرفث والفسوق. وقولنا: (في زمن معين) المراد به من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). وقولنا: (من شخص مخصوص) وهو المسلم البالغ العاقل القادر المقيم، غير الحائض والنفساء، فلا يجوز فعله مع وجود العذر من الحيض والنفاس، بل يجب القضاء مع زوال العذر. وقولنا: (بشروط خاصة) هناك شروط للإجزاء وشروط للصحة كما سيأتي بيان ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى. وبناءً على الكلام الذي ذكرناه يتبين لنا أن أركان الصوم أربعة: (١) النية. (٢) الإمساك عن المفطرات. (٣) الصائم. (٤) الزمان.

стр. 572

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكر بعض الفوائد: - فائدة (١): متى فرض الصيام: أجمع أهل العلم على أن صيام رمضان فرض في السنة الثانية من الهجرة، وفرض في أول الأمر على التخيير بين الصيام والإطعام، كما في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ثم أمر الله تعالى بفرضه، فقال ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ .. ﴾ (٢)، ثم استثنى بعض أهل الأعذار ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ .. ﴾ (٣). والسبب في التدرج - والله أعلم - في فرضيته ليكون أسهل في قبوله كما في تحريم الخمر. - فائدة (٢) في ذكر بعض فضائل الصوم: وردت أدلة كثيرة تدل على فضل الصيام، وعلى ما أعده الله تعالى للصائمين، فمن ذلك: ما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (٤).

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ) (١). ومن فضائله أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ .. ) (٢). - فائدة (٣): في بيان الحكمة من الصوم: في كل أمر من أوامر الله تعالى، بل وفي كل نهي مما نهى الله عنه تتجلى الحكم، وهذه الحكم قد يعلمها العالم بالأمر والنهي، وقد لا يعلمها، ومما ذكره أهل العلم في بيان الحكمة من الصوم ما يلي: (١) أنه وسيلة للتقوى، وهي الغاية المنشودة، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣)، فالصوم وسيلة لتحقيق التقوى لأنه إذا انقادت النفس للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضات الله تعالى، وخوفاً من أليم عقابه فأولى أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سبباً لاتقاء محارم الله تعالى.

стр. 574

وَيَجِبُ صِيَامُ رَمَضَانَ (١) ــ (٢) أنه وسيلة إلى شكر النعمة، إذ هو كف النفس عن الأكل والشرب والجماع، وهذه الثلاث من أجل النعم، والامتناع عنها زمناً معتبراً يعرف قدرها، إذ النعم مجهولة فإذا فقدت عرفت، فيحمل ذلك العباد على قضاء حقها بالشكر، وإلى هذا أشار الرب في آية الصيام بقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). (٣) أن فيه قهر الطبع وكسر الشهوة، لأن النفس إذا شبعت تمنت الشهوات، وإذا جاعت امتنعت عما تهوى، لذا فقد قال ﷺ للشباب (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (٢). (٤) أنه موجب للرحمة والعطف على المساكين، فإن الصائم إذا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات فإنه يتذكر من هذا حاله في جميع الأوقات، فيسارع بمد يد العون لهم والرحمة بهم والإحسان إليهم. وإذا أردنا أن نتلمس الحكمة من تشريع الصوم فيحتاج ذلك إلى وقت طويل ولكن ما ذكرناه فيه غنية ولله الحمد. (١) قوله (وَيَجِبُ صِيَامُ رَمَضَانَ): صيام رمضان هو أحد أركان الإسلام، وفرض من فروض الله، معلوم من الدين بالضرورة وإجماع المسلمين، بل من العلم العام الذي توارثته الأمة خلفاً عن سلف، وقد دل على ركنيته=

стр. 575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الكتاب والسنة والإجماع. وأجمعت الأمة على أن من أنكر وجوبه كفر. أما دليل الكتاب على ركنيته فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ .. ﴾ (١). ومعنى كُتب: أي فُرض. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢). والأمر للوجوب. وأما دلالة السنة على ركنيته: فقوله ﷺ من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ) (٣). أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على فرضيته، وأنه الشهر التاسع من شهور العام بين شعبان وشوال. وقول المؤلف (ويجب صيام رمضان) بدون ذكر اسم الشهر دليل على جواز تسميته رمضان دون قولنا (شهر رمضان) وقد كره ذلك بعض أهل العلم (٤)، أي كرهوا أن يقال (رمضان)، بل يقال (شهر رمضان)، وذلك موافقة للفظ القرآن، وأكثر الأحاديث ومنها (لا تَقُولُوا رَمَضَانَ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَلَكِنْ قُولُوا شَهْرُ رَمَضَانَ) (٥). والذي يظهر والله أعلم أنه لا مانع من ذكر (رمضان) مجرداً لورود ذلك في=

стр. 576

عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ (١) ــ =السنة، كما في الحديث الصحيح (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ) (١). وقوله ﷺ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (٢). وقوله ﷺ : (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (٣). وغير ذلك مما جاءت به السنة. (١) قوله (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ): هذا شروع في بيان الشروط المعتبرة في الصائم، فلا يجب على الكافر، أي لا يخاطب بفعله، ولا يجب عليه قضاؤه إذا أسلم، ولا يصح منه ابتداء ولا دوماً، لكن هل يعاقب على تركه في الآخرة إذا لم يسلم؟ نعم يعاقب على تركه في الآخرة، وعلى ترك جميع واجبات الدين لأن الراجح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤). فذكروا أموراً أربعة أوجبت دخولهم النار. - فائدة (١): في حكم من أسلم في رمضان: من أسلم في رمضان لا يخلو من حالين: الأول: أن يسلم في شهر رمضان بعد غروب شمس يوم منه، فهذا يجب عليه صيام ما يستقبله من بقية شهره بلا خلاف، أما قضاء ما مضى قبل إسلامه=

стр. 577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =فمحل خلاف بين الفقهاء. فالجمهور (١) على عدم القضاء لأن ما مضى عبادة خرجت في حال كفره، فلم يلزمه قضاؤه كرمضان الماضي. وقال عطاء: عليه قضاؤه. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور فلا يلزم الكافر قضاء ما فاته حال كفره، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢). الثاني: أن يسلم في شهر رمضان في جزء من نهار يوم من أيامه، فهنا يلزمه الإمساك بقية اليوم، وهل يقضي هذا اليوم؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: أنه يلزمه الإمساك والقضاء، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد (٣)، وهو قول ابن قدامة (٤). القول الثاني: لا يلزمه الإمساك ولا القضاء لأنه لم يدرك في زمن العبادة ما يمكنه التلبس بها فيه، فأشبه ما لو أسلم بعد خروج اليوم. وهذا مذهب مالك (٥)، والشافعي (٦)، واختاره شيخ الإسلام (٧). - فائدة (٢): في حكم من ارتد عن الإسلام في رمضان: من ارتد عن الإسلام في رمضان أفطر وحبط عمله، فإن عاد إلى الإسلام في=

стр. 578

بَالِغٍ (١) ــ =بقية النهار صام ما بقى. وهل يلزمه قضاء ما أفطر منه بعد الردة أم لا؟ على روايتين: الأولى: أنه لا يجب عليه قضاؤه إذا أسلم لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١)، وهذا هو الصحيح من المذهب (٢). والرواية الأخرى: أن القضاء يجب على المرتد إذا أسلم، وهذا هو قول الشافعي (٣)، لأنه قد اعتقد وجوبها عليه بخلاف الكافر الأصلي. والصحيح: أنه لا يجب قضاؤه إذا عاد إلى الإسلام حكمه في ذلك حكم الكافر الأصلي. (١) قوله: (بَالِغٍ): هذا هو الشرط الثاني من الشروط المعتبرة في الصائم، فيشترط فيه كونه بالغاً، والبلوغ لا يكون التكليف إلا به، لأن الغرض من التكليف الامتثال، ولا يحصل التكليف إلا بالقدرة على الفعل والإدراك وهما منعدمان قبل البلوغ. ويحصل البلوغ كما ذكرنا في كتاب الصلاة بواحد من ثلاثة أشياء للذكر وللأنثى بواحد من أربعة أشياء. أما الذكر: فيحصل البلوغ فيه بإتمام خمسة عشر عاماً، وإنبات شعر العانة، وإنزال المني بشهوة. أما الأنثى: فيحصل بواحد من هذه الثلاث المذكورات، ويضاف إليها رابع=

стр. 579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وهو الحيض، فإذا حاضت فقد بلغت ولو كانت في سن أقل من خمسة عشر عاماً. أما دليل عدم وجوب الصوم على غير البالغ فقوله ﷺ : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) (١). ومعنى رفع القلم: أي لا يكتب عليه إثم وذلك لعدم تكليفه. لكن مع القول باشتراط البلوغ للصائم فيجب على ولي الصبي أن يأمره به ليعتاده. وسيأتي في كلام المؤلف ما يدل على ذلك. - فائدة: متى بلغ الصبي في جزء من نهار رمضان هل يلزمه الإمساك والقضاء؟ اختلفت الرواية في المذهب (٢) في الصبي إذا بلغ في أثناء النهار وهو مفطر، ففي رواية: أنه يلزمه الإمساك، وهذا هو قول أبي حنيفة (٣)، وعللوا لذلك بأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ وجب الإمساك. والرواية الثانية (٤) لا يلزمه الإمساك، وإليه ذهب مالك (٥)، والشافعي (٦)، واحتجوا لذلك بما جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (من أكل أول النهار فليأكل آخره) (٧)، وأنه أبيح له الفطر أول النهار ظاهراً وباطناً، فإذا=

стр. 580

عَاقِلٍ (١) ــ =أفطر كان له استدامة الفطر، كما لو دام الضرر. هذا بالنسبة للإمساك، أما القضاء ففيه أيضاً روايتان (١): الأولى وهي ظاهر المذهب أنه يجب القضاء لأنه أدرك جزءًا من وقت العبادة، فلزمه القضاء، كما لو أدرك بعض وقت الصلاة. الثانية: لا يلزمه القضاء، وهو قول مالك (٢)، وذلك لأنه لم يدرك وقتًا يمكنه التلبس بالعبادة فيه أشبه ما لو زال عذره بعد الوقت. والراجح عندي أنه يلزمه الإمساك دون القضاء، وهي رواية كما ذكرنا في المذهب، وهو مذهب الإمام مالك، واختيار شيخ الإسلام (٣)، وشيخنا محمد بن صالح العثيمين (٤)، ووجه ذلك أنه لا يلزمه الإمساك في أول النهار لعدم شرط التكليف، فلما بلغ في أثناء النهار ووجد شرط التكليف لزمه الإمساك، ومن أتى بما أمر به لم يكلف الإعادة. (١) قوله (عَاقِلٍ): ضده فاقد العقل من مجنون، ومعتوه، ومهذر (٥)، والمغمى عليه، وغيرهم ممن فقد عقله، فهؤلاء لا يجب عليهم الصوم وهم في مثل حالتهم هذه لقوله ﷺ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ) (٦)، فإن أفاقوا في أثناء النهار فالخلاف فيهم كالخلاف في الصبي إذا بلغ في أثناء النهار.

стр. 581

قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ (١)، وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ إِذَا أَطَاقَهُ (٢)، ــ (١) قوله: (قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ): هذا هو الشرط الرابع من شروط من يلزمه الصوم في رمضان وهو أن يكون قادراً على الصوم وخرج من هذا الشرط العاجز عن الصيام كالمريض الذي يرجى برؤه يفطر ويقضي بعد شفائه، أما المريض الذي لا يرجى برؤه حسب تقرير الأطباء فيطعم عنه، وكذلك الكبير الذي لا يطيق، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ .. ﴾ (١). أي يطيقونه بمشقة وثبت أن أنس ﵁ أفطر سنتين لما كبر. والعجز إما أن يكون عجزاً عن الصيام في وقته قادراً عليه بعد خروج وقته، كالحامل والمريض مرضاً يرجى برؤه فإنه يجب عليهما القضاء، وإما أن يكون عاجزاً عنه في الوقت وبعد الوقت كالشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض مرضاً لا يرجى برؤه فإنهما يفطران ويطعمان كما سيأتي إن شاء الله. ومن شروطه أيضاً التي لم يذكرها المؤلف: كون الصائم مقيماً فلا يجب على المسافر، وكونه أيضاً خالياً من الموانع كالحائض والنفساء، فلا يصح منهما الصوم، ولا يجزئهما إن صاما، كما سيأتي ذكر ذلك قريباً إن شاء الله. (٢) قوله: (وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ إِذَا أَطَاقَهُ): ذكرنا فيما سبق أنه يشترط في الصائم كونه بالغاً، فلا يجب الصوم على غير البالغ لكن نص جمهور الفقهاء (٢) على أن الصبي يؤمر به لسبع كالصلاة إن أطاقه، ويضرب على تركه لعشر، بل

стр. 582

وَيَجِبُ بِأَحَدِ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ: (١) كَمَالِ شَعْبَانَ (٢)، ــ =قالوا يجب على وليه أمره بالصوم إذا أطاقه، وضربه عليه ليعتاده كالصلاة، ولمَّا كان الصوم أشق اشترطوا له الطاقة لأنه قد يطيق الصلاة ولا يطيق الصوم. وقال المالكية (١): لا يؤمر الصبيان بل يكره لهم الصوم بخلاف الصلاة، فلا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام، وتحيض الفتاة، وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، فقد ثبت عن جماعة من السلف أنهم كانوا يأمرون الصبيان بالصوم إذا أطاقوا، ثبت ذلك عن عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وقتادة، والزهري (٢). بل كان صوم الصبيان معهوداً في زمن النبي ﷺ ، كما في حديث الربيع بنت معوذ المتقدم وفيه قالت: (أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ قَالَتْ فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ) (٣). (١) قوله: (وَيَجِبُ بِأَحَدِ ثَلاثَةِ أَشْيَاءَ): بدأ المؤلف ببيان متى يجب الصوم، فقال: (بأحد ثلاثة أشياء: ) أي يجب صيام رمضان بواحد من ثلاثة أشياء: (٢) قوله: (كَمَالِ شَعْبَانَ): ويكون الإكمال بجعله ثلاثين يوماً، دليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا=

стр. 583

وَرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ (١) ــ =لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ) (١). (١) قوله: (وَرُؤْيَةِ هِلالِ رَمَضَانَ): أي ويجب الصوم أيضاً برؤية هلال رمضان للحديث المتقدم، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢). ذكر بعض الفوائد: - فائدة (١): هل يجب الصوم بمقتضى الحساب ؟ : أقول: نظراً لأهمية هذه المسألة، - أعني إثبات الأهلة بالحساب الفلكي - وكثرة من يدندن حولها ويدعوا للأخذ بها وبخاصة في الأزمنة المتأخرة ووقوع الخوض فيها فلابد من بيان الحكم الشرعي، وبيان أقوال الأئمة فيها. فأقول وبالله التوفيق: ذهب بعض المتأخرين إلى أنه إن لم تمكن رؤية الهلال عدل الناس إلى العمل بالحساب الفلكي، واحتجوا لقولهم بأنه قول بعض التابعين كمطرف بن عبد الله الشخير، وأبي العباس بن سريج من الشافعية، وابن قتيبة من المحدثين، واحتج هؤلاء بحديث ابن عمر مرفوعاً: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ) (٣). فقالوا معنى التقدير هنا هو الحساب، ذكر ذلك العيني في عمدة القاري (٤)، وابن رشد في المقدمات (٥)، وغيرهم.

стр. 584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلت: وذهب جمهور الفقهاء (١) إلى عدم إثبات الأهلة بالحساب الفلكي، بل نقل شيخ الإسلام (٢) الإجماع على عدم اعتبار الحساب الفلكي في رؤية الهلال. وهذا طرف من أقوال الفقهاء في هذه المسألة: قال الحنفية (٣): إن شرط وجوب الصوم والإفطار رؤية الهلال، وأنه لا عبرة بقول المؤقتين ولو عدولا، ومن رجع إلى قولهم فقد خالف الشرع. وقال المالكية (٤): منع مالك من اعتماد الحساب في إثبات الهلال، فقال: (إن الإمام الذي يعتمد على الحساب لا يقتدى به ولا يتبع). وبيَّن أبو الوليد الباجي (٥) من المالكية حكم صيام من اعتمد على الحساب فقال: (فإن فعل ذلك أحد فالذي عندي أنه لا يعتمد بما صام منه على الحساب، ويرجع إلى الرؤية في إكمال العدد، فإن اقتضى ذلك قضاء شيء من صومه قضاه). وقال النووي من الشافعية: قال أصحابنا (٦) وغيرهم لا يجب صوم رمضان إلا بدخوله، ويعلم دخوله برؤية الهلال، فإن غمَّ وجب استكمال شعبان ثلاثين، ثم يصومون سواء كانت السماء مصبحة أو مغيمة غيماً قليلاً أو

стр. 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =كثيراً، وفي هذا حصر طرق إثبات هلال رمضان في الرؤية وإكمال شعبان ثلاثين، وفي هذا الحصر نفي لاعتماد الحساب. وقال شيخ الإسلام (١) أيضاً: (فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم والحج أو العدة أو الإيلاء، أو غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز .. ) إلى أن قال: (والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون بذلك عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحاسب دل على الرؤية صام، وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب (في نفسه) فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، أما اتباع ذلك - يعني الحساب - في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم). أما الحنابلة فلا يعتمد أيضاً عندهم الحساب الفلكي ولو كثرت إصابته (٢). قال ابن عبد البر: (لا يصح عن مطرف - يعني الأخذ بالحساب - ونفى نسبة ما عرف عن ابن سريج إلى الشافعي لأن المعروف عنه ما عليه الجمهور. قلت: أما دليل ما احتج به من قال بجواز الأخذ بالحساب الفلكي في حديث ابن عمر المتقدم فهذا لم يقل به أحد من السلف، فالسلف اختلفوا في معنى التقدير المراد في الحديث، هل معناه إتمام شهر شعبان ثلاثين يوماً؟ أم المراد=

стр. 586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =تضييق عدد أيام الشهر وذلك بجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، وسيأتي بحث هذه المسألة قريباً إن شاء الله تعالى. ومن الأدلة أيضاً على عدم صحة تفسيرهم لهذا الحديث ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا) (١). يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. قال ابن حجر ﵀ في شرح هذا الحديث: (المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولو لم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لدفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً ويوضحه قوله في الحديث الماضي (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)، ولم يقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقال سماحة شيخنا ابن باز (٢) ﵀: (إن علماء الأمة في صدر الإسلام قد أجمعوا على اعتبار الرؤية في إثبات الشهور القمرية دون الحساب، فلم يعرف أن أحداً منهم رجع إليه في ذلك عند الغيم ونحوه، أما عند الصحو فمن باب أولى).

стр. 587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال أيضاً ﵀: (الحسابون لا يلتفت إليهم ولا يعول على حسابهم، ولا ينبغي لهم أن ينشروا حسابهم، وينبغي منعهم من نشر حساباتهم لأنهم بذلك يشوشون على الناس. لا في مسألة رؤية الهلال ولا في مسألة الكسوفات لما في إعلانهم من التشويش على الناس، ولأنه لا يجوز العمل بقولهم). وقال شيخنا (١) ﵀: في قوله ﷺ (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا)، قال: علم منه أنه لا يجب الصوم بمقتضى الحساب، فلو قرر علماء الحساب المتابعون لمنازل القمر أن الليلة من رمضان ولكن لم ير الهلال فإنه لا يصام لأن الشرع علق هذا الحكم بأمر محسوس وهو الرؤية). قلت: وبعد ذكر هذه الأدلة وأقوال أهل العلم في هذه المسألة أعني الأخذ برؤية الأهلة لا بالحساب الفلكي تبين لنا أن ما تقوم به بلادنا - رعاها الله حكومة وشعباً - من الأخذ برؤية الهلال هو الحق الموافق للشريعة، والموافق لما أجمع عليه الفقهاء، ولا يسوغ لأحد بعد ذلك أن يبدي برأيه في أمر انعقد فيه الإجماع، لأنه بذلك يكون قد خالف النصوص الشرعية التي أمر الله تعالى بالرجوع إليها في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ .. ﴾ (٢). - فائدة (٢): في الأخذ بالآلات الحديثة كالمراصد، والدرابيل (٣)، في رؤية الأهلة:

стр. 588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز (١) ﵀ في هذه المسألة: (ظاهر الأدلة الشرعية عدم تكليف الناس بالتماس الهلال بالآلات الحديثة مثل المراصد والدرابيل، بل يكفي رؤية العين، ولكن من طالع الهلال بها وجزم بأنه رآه بواستطها بعد غروب الشمس وهو مسلم عدل فلا أعلم مانعاً من العمل برؤيته الهلال لأنها من رؤية الهلال بالعين). وقال شيخنا (٢) ﵀: (فإن كان هناك رؤية ولو عن طريق المراصد الفلكية فإنها معتبرة لعموم قوله ﷺ (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا) (٣)، أما الحساب فإنه لا يجوز العمل به، ولا الاعتماد عليه .. )، إلى أن قال ﵀: (وعلى كل حال متى ثبتت رؤيته بأي وسيلة فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية). - فائدة (٢): قد يقول قائل: قول النبي ﷺ (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ .. ) هذا باعتبار حالهم وقت النبي ﷺ ، أما الآن فالأمة عندها علماء الحساب والفلك والأرصاد وغيرها مما ينفي عنها صفة الأمية. نقول: إن من فهم الحديث بهذا الفهم قد غلط في فهمه، لأن الحديث في الحقيقة فيه صفة مدح وكمال للأمة وذلك من وجوه: الأول: من جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر=

стр. 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وهو الهلال. الثاني: أن الكتاب والحساب هنا يدخلها غلط، ولذا لا يخفى على من له معرفة بأحوال الحاسبين من أهل الفلك ما يقع بينهم من الاختلاف في كثير من الأحيان في إثبات ولادة الهلال أو عدمها، وفي إمكان رؤيته على ولادته أو عدمه، ولو فرضنا إجماعهم في وقت من الأوقات على ولادته لم يكن إجماعهم حجة لأنهم ليسوا معصومين، بل يجوز عليهم الخطأ جميعاً، وإنما الإجماع المعصوم الذي يحتج به هو إجماع سلف الأمة في المسائل الشرعية. ثالثاً: أن في الكتاب والحساب تعباً كثيراً بلا فائدة، فإن ذلك شغل عن المصالح إذ هذا مقصود لغيره لا لنفسه. رابعاً: أن دعوى زوال وصف الأمية بعلم النجوم عن الأمة غير مسلمة ولو سلمت فذلك لا يغير حكم الله لأنه تشريع عام للأمة في جميع الأزمنة. خامساً: أن تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة، لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس من العامة والخاصة في الصحاري والبنيان، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة لأن أغلب الأمة لا يعرف الحساب. ومن أراد الزيادة في الإجابة على هذه الإشكالية التي قد تقع عنده فليقرأ كلام شيخ الإسلام (١) ﵀ في هذا الموضوع فإنه من أنفس ما كتب في الرد على هذه الشبهة.

стр. 590

وَوُجُوْدِ غَيْمٍ أَوْ قَتْرٍ لَيْلَةَ الثَّلاثِيْنَ يَحُوْلُ دُوْنَهُ (١) ــ (١) قوله (وَوُجُوْدِ غَيْمٍ أَوْ قَتْرٍ لَيْلَةَ الثَّلاثِيْنَ يَحُوْلُ دُوْنَهُ): هذا هو القيد الثالث الذي يجب به صوم رمضان، والغيم هو السحاب، والقتر هو الغبار الذي ينتج عن الرياح فيمنع رؤية الهلال. وقد اختلف الفقهاء في هذا القيد، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد (١) أنه يجب الصوم بذلك، وهذا القول هو قول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وعائشة، وأسماء بنتا أبي بكر، ذكر ذلك عنهم ابن القيم ﵀ (٢). واحتج أصحاب هذا القول بما يلي: (١) حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) (٣). (٢) ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعاً: (إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ) قَالَ نَافِعٌ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ فَإِنْ رُئِيَ فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا (٤). وفسر هؤلاء قوله ﷺ : (فَاقْدُرُوا لَهُ)، أي ضيقوا عليه الحساب فاجعلوه تسعة=

стр. 591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =وعشرين يوماً. (٣) أنه يحتمل أن يكون الهلال قد هل ولكن منعه وجود الغيم أو القتر فيصام احتياطاً. القول الثاني في هذه المسألة: هو ما ذهب إليه الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤)، واختارها شيخ الإسلام (٥)، وابن القيم (٦): أنه لا يجب صيام هذا اليوم، واحتجوا بما يلي: (١) ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ) (٧)، وهذه الرواية مفسرة لقوله ﷺ : (فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ) (٨). فالتقدير هنا يكون بجعل شعبان ثلاثين يوماً. (٢) ما جاء في النهي عن صيام يوم الشك: فقد روى الإمام البخاري معلقاً مجزوماً به عن عمار بن ياسر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ (٩). ولا ريب أن هذا اليوم أعني الذي حصل فيه غيم أو قتر هو مشكوك فيه.

стр. 592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (٣) ما ورد من النهي في أن يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين: فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلا يَوْمَيْنِ إِلا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ) (١). وبالنظر إلى هذه الأدلة يتبين لنا أن الصواب ما ذهب إليه الجمهور: أنه لا يصام هذا اليوم الذي حصل فيه غيم أو قتر، لكن هل النهي عن الصيام هنا للتحريم، أم الكراهة، أم للاستحباب؟ نقول: على خلاف بين الفقهاء، والراجح أن النهي هنا للتحريم، وهو اختيار الشيخين (٢) رحمهما الله، فإن وافق هذا اليوم ما كان من عادته صيامه كيوم الاثنين أو الخميس مثلاً فلا يحرم ولا يكره صيامه. - فائدة: هل يجزيء صيام يوم الثلاثين بأن يقول: (إن كان غداً من رمضان فأنا صائم)؟ قد يقول قائل: ما دام أن الأمر أنه لم تظهر رؤيته لوجود غيم أو قتر فأنا أصبح صائماً إن كان من رمضان فهو عن رمضان، وإلا فهو تطوع، أو يقصد صيام هذا اليوم تطوعاً ولم يجزم في ذلك بنية كونه من رمضان. فإن بان أن غداً من رمضان فهل يجزئه صومه عن رمضان؟ نقول: اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب جمهور المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) أنه لا يجزئه لأنه يجب تعيين النية في كل صوم=

стр. 593

وَإِذَا رَأَى الْهِلالَ وَحْدَهُ، صَامَ (١)، ــ =واجب، وذلك بأن يعتقد أنه يصوم غداً من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو نذره، وذلك لقوله ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى .. ) (١). وذهب الحنفية (٢)، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (٣)، واختارها شيخ الإسلام (٤) ﵀، وهو أيضاً قول شيخنا (٥) أنه يجزئه لأن هذا هو غاية قدرته، وكثير من الناس ينامون في ليلة الثلاثين من شعبان على هذه النية، وهذا هو الراجح - إن شاء الله تعالى -. (١) قوله (وَإِذَا رَأَى الْهِلالَ وَحْدَهُ، صَامَ): أي من رأى هلال رمضان وحده وجب عليه الصوم، ولو ردت شهادته، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد (٦)، وهو مذهب الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٠). وقوله ﷺ : (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ.) (١١)، قالوا هذا الرجل الذي=

стр. 594

فَإِنْ كَانَ عَدْلاً، صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ (١)، ــ =رآه وحده رأى الهلال وتيقن أنه من رمضان، فلزمه الصوم كما لو حكم به الحاكم. وذهب الإمام أحمد (١) في رواية عنه، واختارها شيخ الإسلام (٢) أنه لا يلزمه الصوم، بل يصوم مع الناس لأن الهلال هو ما هل واستهل واشتهر لا ما رئي، وهذا هو اختيار سماحة شيخنا بن باز (٣) ﵀، حيث قال: (من رأى الهلال وحده في الدخول أو الخروج ولم يعمل بشهادته فإنه يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، ولا يعمل بشهادة نفسه في أصح أقوال أهل العلم). أما شيخنا (٤) ﵀ فقال: (بأن الأظهر أنه يصوم إذا رآه وحدده، ولا يفطر إذا رأى هلال شوال وحده عملاً بالأحوط). والصواب عندي أنه لا يصوم إلا إذا قبلت شهادته أو لم تقبل ولم ترد، أما إذا ردت فلا يصوم وهكذا يقال في الفطر لقوله ﷺ : (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ .. ) (٥). (١) قوله: (فَإِنْ كَانَ عَدْلاً، صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ): أي متى ثبتت رؤية هلال رمضان من رجل عدل، فالواجب على الناس الصيام بقوله. وقال المالكية (٦) في حالة الغيم والصحو، في المصر الصغير والكبير فلا تثبت=

стр. 595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =الرؤية إلا بالعدلين في الصوم، والفطر وشهر ذي الحجة، واشترطوا في العدلين ما تقتضيه العدالة من العقل والبلوغ والالتزام بالإسلام. والصحيح هو القول الأول، فمتى رآه العدل الثقة وجب على الناس الصيام بقوله، وهذا هو المذهب (١)، وهو قول الحنفية (٢)، والصحيح عند الشافعية (٣). فائدة: الشروط المعتبرة فيمن رأى الهلال: اشترط الفقهاء لمن رأى الهلال شروطاً منها: (١) العدالة: وحدها الالتزام بالإسلام، بأن يقوم بالواجبات، ولا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة، هذا هو حدها الشرعي. والأظهر عندي والله أعلم ما ذكره شيخنا (٤) في حدها حيث قال: (لو قلنا بقول الفقهاء لم نجد عدلاً، فمن يسلم من الغيبة، والسخرية بالناس، والتهاون بالواجبات، وأكل المحرم وغير ذلك. ولهذا كان الصحيح بالنسبة للشهادة فإنه يقبل منها ما يرجح أنه حق وصدق لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥)، ولأن الله لم يأمرنا برد شهادة الفاسق، بل أمرنا بالتبين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٦)).

стр. 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذكر بعض الفوائد: - فائدة (١): يشترط مع العدالة أن يكون قوي البصر، بحيث يحتمل صدقه فيما ادعاه، فإن كان ضعيف البصر لم تقبل شهادته وإن كان عدلاً. - فائدة (٢): لو تراءى عدل الهلال مع جماعة كثيرين وهو قوي البصر ولم يره غيره فهل يصام برؤيته؟ نقول: نعم يصام، وهذا هو المشهور من المذهب، وعليه أكثر أهل العلم. - فائدة (٣): من رأى الهلال وهو ممن يفعل كبيرة كشرب الخمر مثلاً: يلزمه أن يخبر أنه رأى الهلال، ولا يلزم أن يخبر أنه يفعل كبيرة لأن الأحكام تتبعض. - فائدة (٤): في شهادة مستور الحال: مستور الحال هو من تُجهل عدالته، فالمذهب (١) لا تقبل شهادته، والأصح عند الشافعية (٢) قبول شهادته. والأظهر عندي أن هذا راجع للقاضي، فإن وثق به فلا يحتاج للبحث في عدالته، وإن لم يثق بقوله أو تردد في أمره فله أن يسأل عنه. (٢) الحرية: وهذا هو قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وعللوا لذلك بأن الرؤية من قبيل الشهادة، فلا تقبل فيها شهادة العبد. والصحيح عندي أنه لا يشترط في ترائي هلال رمضان الحرية، وهذا هو قول الحنفية (٥)، والحنابلة (٦)، وذلك لأن الإعلام بالرؤية هو من قبيل الإخبار.

стр. 597

صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ (١) ــ (٣) الذكورية: فيشترط فيمن رأى الهلال أن يكون ذكراً، وهذا هو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، واختاره سماحة شيخنا بن باز (٣) ﵀ حيث قال: (اختلف العلماء في المرأة هل تقبل شهادتها في الدخول كالرجل؟ على قولين: والأرجح عدم قبولها في هذا الباب، لأن هذا المقام مقام الرجال، ومما يختص به الرجال ويشاهده الرجال، ولأنهم أعلم بهذا الأمر وأعرف به). وذهب الحنفية (٤)، وهو قول عند الشافعية (٥)، والحنابلة (٦) أن المرأة إذا أخبرت برؤيتها للهلال قبل قولها لأنه خبر ديني أشبه الرواية والخبر عن القبلة، ودخول وقت الصلاة، وهذا هو الراجح عندي، وهو اختيار شيخنا (٧) ﵀. (٤) البلوغ: فلا يقبل في رؤية الهلال المميز ولا الصبي الموثوق به، وهذا هو المذهب عند الشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. (١) قوله: (صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ): هل المراد عموم الناس، أم هو خاص بطائفة معينة من الناس؟ نقول: هذه المسألة هي ما يسميها الفقهاء: (اعتبار اختلاف المطالع):

стр. 598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمعتمد عند الحنفية (١)، وهو ظاهر الرواية عندهم، وهو مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣) أنه إذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، حتى لو رئي في المشرق ليلة الجمعة، وفي المغرب ليلة الخميس وجب على أهل المغرب العمل بما رآه أهل المشرق، فبثبوت الرؤية يعم الصوم سائر البلاد القريبة والبعيدة، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع ولا عدمها. واحتج هؤلاء بأن الأدلة التي جاءت بالأمر بالصوم أدلة عامة يستوي فيها القريب والبعيد. القول الثاني: وهو ما ذهب إليه الشافعية (٤) أنه إذا رأي هلال رمضان في بلد ولم ير في غيره نظر؛ فإذا تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد، ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف عندهم، وإن تباعدا فوجهان؛ أصحهما لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى، والثاني يجب. قال النووي (٥) ﵀: (والصحيح الأول، يعني لا يجب الصوم). لكن ما هو حد التقارب الذي يلزم فيه الصوم عند الشافعية؟ هذه المسألة على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قال النووي: أصحها أالتباعد يختلف باختلاف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب أن لا يختلف باختلاف المطالع، =

стр. 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =كبغداد، والكوفة، والري، وقزوين، لأن مطلع هؤلاء مطلع هؤلاء، فإذا رأى هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو العارض، بخلاف مختلفي المطالع. الوجه الثاني: الاعتبار باتحاد الإقليم، واختلافه، فإن اتحدا فمتقاربان وإلا فمتباعدان. الوجه الثالث: أن التباعد مسافة قصر والتقارب دونها. انتهى كلامه ﵀ القول الثالث في المسألة: أن الناس تبع الإمام، فإذا صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، ولو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة ثم حكم الخليفة بالثبوت لزم من تحت ولايته في مشارق الأرض ومغاربها أن يصوموا أو يفطروا لئلا تختلف الأمة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرق. أما دليلهم على ذلك فهو حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) (١). ذكر هذا القول ابن حجر (٢) في الفتح، وهذا القول هو ما عليه غالب البلدان الآن، فإن عمل الناس اليوم أنه إذا ثبتت عند ولي الأمر لزم جميع من تحت ولايته أن يلتزموا الصوم أو الفطر. وبعد ذكر الخلاف في هذه المسألة، وذكر أقوال المذاهب فيها، فالذي يترجح عندي أنه إذا كانت البلاد متقاربة والمطالع متحدة فيلزمهم الصيام، وإلا فلا=

стр. 600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا هو اختيار شيخنا (١) ﵀. وتوسط سماحة شيخنا ابن باز (٢) ﵀ في هذه المسألة فقال: (الأمر واسع بحمد الله، فلكل أهل بلد رؤيتهم، كما ثبت ذلك عن ابن عباس ﵄ لما قدم عليه كريب). وبهذا قال جماعة من أهل العلم، ورأوا أنه لكل أهل بلد رؤيتهم، فإذا ثبتت في المملكة العربية السعودية مثلاً وصام برؤيته أهل الشام ومصر وغيرهم فحسن لعموم الأحاديث، وإن لم يصوموا وتراءوا الهلال وصاموا برؤيتهم فلا بأس. ذكر بعض الفوائد: - فائدة (١): أثر الخطأ في رؤية الهلال: قد يحصل خطأ في رؤية الهلال في رمضان، ويترتب عليه إفطار يوم من رمضان، أو ينتج عن رؤية هلال شوال خطأ ويترتب عليه إفطار يوم من رمضان، أو صيام يوم العيد، وهذا الخطأ ناتج إما عن وجود غيم أو التقصير في رؤية الهلال، فما الحكم إذاً في هذه المسألة: نقول: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) (٣). قال الطيبي (٤): (ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من الشهور، وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص وإنما=
следующие страницы →