. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): يشترط مع العدالة أن يكون قوي البصر، بحيث يحتمل صدقه فيما ادعاه، فإن كان ضعيف البصر لم تقبل شهادته وإن كان عدلاً.
- فائدة (٢): لو تراءى عدل الهلال مع جماعة كثيرين وهو قوي البصر ولم يره غيره فهل يصام برؤيته؟
نقول: نعم يصام، وهذا هو المشهور من المذهب، وعليه أكثر أهل العلم.
- فائدة (٣): من رأى الهلال وهو ممن يفعل كبيرة كشرب الخمر مثلاً: يلزمه أن يخبر أنه رأى الهلال، ولا يلزم أن يخبر أنه يفعل كبيرة لأن الأحكام تتبعض.
- فائدة (٤): في شهادة مستور الحال: مستور الحال هو من تُجهل عدالته، فالمذهب (١) لا تقبل شهادته، والأصح عند الشافعية (٢) قبول شهادته.
والأظهر عندي أن هذا راجع للقاضي، فإن وثق به فلا يحتاج للبحث في عدالته، وإن لم يثق بقوله أو تردد في أمره فله أن يسأل عنه.
(٢) الحرية: وهذا هو قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وعللوا لذلك بأن الرؤية من قبيل الشهادة، فلا تقبل فيها شهادة العبد.
والصحيح عندي أنه لا يشترط في ترائي هلال رمضان الحرية، وهذا هو قول الحنفية (٥)، والحنابلة (٦)، وذلك لأن الإعلام بالرؤية هو من قبيل الإخبار.
стр. 597
صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ (١)
ــ
(٣) الذكورية: فيشترط فيمن رأى الهلال أن يكون ذكراً، وهذا هو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، واختاره سماحة شيخنا بن باز (٣) ﵀ حيث قال: (اختلف العلماء في المرأة هل تقبل شهادتها في الدخول كالرجل؟ على قولين: والأرجح عدم قبولها في هذا الباب، لأن هذا المقام مقام الرجال،
ومما يختص به الرجال ويشاهده الرجال، ولأنهم أعلم بهذا الأمر وأعرف به).
وذهب الحنفية (٤)، وهو قول عند الشافعية (٥)، والحنابلة (٦) أن المرأة إذا أخبرت برؤيتها للهلال قبل قولها لأنه خبر ديني أشبه الرواية والخبر عن القبلة، ودخول وقت الصلاة، وهذا هو الراجح عندي، وهو اختيار شيخنا (٧) ﵀.
(٤) البلوغ: فلا يقبل في رؤية الهلال المميز ولا الصبي الموثوق به، وهذا هو المذهب عند الشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
(١) قوله: (صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ): هل المراد عموم الناس، أم هو خاص بطائفة معينة من الناس؟
نقول: هذه المسألة هي ما يسميها الفقهاء: (اعتبار اختلاف المطالع):
стр. 598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فالمعتمد عند الحنفية (١)، وهو ظاهر الرواية عندهم، وهو مذهب المالكية (٢)، والحنابلة (٣) أنه إذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، حتى لو رئي في المشرق ليلة الجمعة، وفي المغرب ليلة الخميس وجب على أهل المغرب العمل بما رآه أهل المشرق، فبثبوت الرؤية يعم الصوم سائر البلاد القريبة والبعيدة، ولا يراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع ولا عدمها.
واحتج هؤلاء بأن الأدلة التي جاءت بالأمر بالصوم أدلة عامة يستوي فيها القريب والبعيد.
القول الثاني: وهو ما ذهب إليه الشافعية (٤) أنه إذا رأي هلال رمضان في بلد ولم ير في غيره نظر؛ فإذا تقارب البلدان فحكمهما حكم بلد واحد، ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف عندهم، وإن تباعدا فوجهان؛ أصحهما لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى، والثاني يجب.
قال النووي (٥) ﵀: (والصحيح الأول، يعني لا يجب الصوم).
لكن ما هو حد التقارب الذي يلزم فيه الصوم عند الشافعية؟ هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: قال النووي: أصحها أالتباعد يختلف باختلاف المطالع
كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب أن لا يختلف باختلاف المطالع، =
стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=كبغداد، والكوفة، والري، وقزوين، لأن مطلع هؤلاء
مطلع هؤلاء، فإذا رأى هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو العارض، بخلاف مختلفي المطالع.
الوجه الثاني: الاعتبار باتحاد الإقليم، واختلافه، فإن اتحدا فمتقاربان وإلا فمتباعدان.
الوجه الثالث: أن التباعد مسافة قصر والتقارب دونها. انتهى كلامه ﵀
القول الثالث في المسألة: أن الناس تبع الإمام، فإذا صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، ولو كانت الخلافة عامة لجميع المسلمين فرآه الناس في بلد الخليفة ثم حكم الخليفة بالثبوت لزم من تحت ولايته في مشارق الأرض ومغاربها أن يصوموا أو يفطروا لئلا تختلف الأمة وهي تحت ولاية واحدة، فيحصل التنازع والتفرق.
أما دليلهم على ذلك فهو حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) (١).
ذكر هذا القول ابن حجر (٢) في الفتح، وهذا القول هو ما عليه غالب البلدان الآن، فإن عمل الناس اليوم أنه إذا ثبتت عند ولي الأمر لزم جميع من تحت ولايته أن يلتزموا الصوم أو الفطر.
وبعد ذكر الخلاف في هذه المسألة، وذكر أقوال المذاهب فيها، فالذي يترجح
عندي أنه إذا كانت البلاد متقاربة والمطالع متحدة فيلزمهم الصيام، وإلا فلا=
стр. 600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذا هو اختيار شيخنا (١) ﵀.
وتوسط سماحة شيخنا ابن باز (٢) ﵀ في هذه المسألة فقال: (الأمر واسع بحمد الله، فلكل أهل بلد رؤيتهم، كما ثبت ذلك عن ابن عباس ﵄ لما قدم عليه كريب).
وبهذا قال جماعة من أهل العلم، ورأوا أنه لكل أهل بلد رؤيتهم، فإذا ثبتت في المملكة العربية السعودية مثلاً وصام برؤيته أهل الشام ومصر وغيرهم فحسن لعموم الأحاديث، وإن لم يصوموا
وتراءوا الهلال وصاموا برؤيتهم فلا بأس.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): أثر الخطأ في رؤية الهلال: قد يحصل خطأ في رؤية الهلال في رمضان، ويترتب عليه إفطار يوم من رمضان، أو ينتج عن رؤية هلال شوال خطأ ويترتب عليه إفطار يوم من رمضان، أو صيام يوم العيد، وهذا الخطأ ناتج إما عن وجود غيم أو التقصير في رؤية الهلال، فما الحكم إذاً في هذه المسألة: نقول: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) (٣).
قال الطيبي (٤): (ظاهر سياق الحديث بيان اختصاص الشهرين بمزية ليست في غيرهما من الشهور، وليس المراد أن ثواب الطاعة في غيرهما ينقص وإنما=
стр. 601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=المراد رفع عما عسى أن يقع فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين، وجواز احتمال وقوع الخطأ فيهما، ومن ثم قال: (شهرا عيد) قبل قوله (شهران لا ينقصان)، ولم يقتصر على قوله: (رمضان وذو الحجة).
قال العيني (١): قال ابن بطال: (قالت طائفة: من وقف بعرفة ........ شامل لجميع أهل الموقف في يوم قبل عرفة أو بعده أنه يجزيء عنه، وهو قول عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأبي حنيفة، والشافعي. واحتج أصحابه على جواز ذلك بصيام من التبست عليه الشهور، وأنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان أو بعده).
وقال ابن حجر (٢) ﵀: (الحديث يطمئن من صام رمضان تسعة وعشرين ووقف بعرفات في غير يومها اجتهاداً).
قلت: فلو صام الناس ثمانية وعشرين يوماً ثم رأوا هلال شوال أفطروا قطعاً، وقضوا يوماً فقط على الصحيح من المذهب (٣).
وفي وجه آخر في المذهب أنهم يقضون يومين. لكن الصحيح عندي القول الأول.
- فائدة (٢): اختلف الفقهاء فيما إذا رئي الهلال نهاراً وذلك لاختلاف الصحابة ﵃ في هذه المسألة، هل هو لليلة الماضية أم المقبلة؟
فالشافعية (٤)، والحنابلة (٥) على أنه إذا رئي نهاراً فهو لليلة المستقبلة، واحتجوا لذلك بما جاء عن عمر ابن الخطاب ﵁ (أن الأهلة بعضها=
стр. 602
وَلا يُفْطِرُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ (١)
ــ
=أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس) (١).
وعن الإمام مالك بن أنس (٢) ﵀: (من رأى هلال شوال نهاراً فلا يفطر ويتم صيام يومه ذلك، فإنما هو هلال الليلة التي تأتي). وفي رواية أخرى عنه وهي قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة (٣): (التفريق بين كونه رئي قبل الزوال أم بعده، فإن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، فيمسكون إن وقع ذلك في شعبان، ويفطرون إن وقع ذلك في رمضان، ويصلون العيد، وإذا رئي بعد الزوال فهو للقادمة سواء أصليت الظهر أم لم تصل).
أما أبو حنيفة (٤) فقال: (لا يعتبر في رؤية الهلال قبل الزوال ولا بعده، وإنما العبرة لرؤيته بعد غروب الشمس. وبعد ذكر أقوال الفقهاء في هذه المسألة نقول بأن ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة هو الصواب، أي متى رئي الهلال نهاراً فهو لليلة المقبلة لا لليلة الماضية، وهذا هو اختيار شيخنا (٥) ﵀.
(١) قوله (وَلا يُفْطِرُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ): أي فلا يثبت هلال شوال إلا إذا رآه
عدلان.
(قال الترمذي (٦) وغيره: (لم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل إلا=
стр. 603
وَلا يُفْطِرُ إِذَا رَآهُ وَحْدَهُ (١)،
ــ
=شهادة رجلين، أي عدلين يشهدان لأنه مما يطلع عليه الرجال غالباً، وإنما أجزيء بواحد في الصوم احتياطاً للعبادة).
قلت: واحتج لذلك بما رواه عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب رسول الله ﷺ أنه ﷺ قال: ( .. فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا) (١).
وقال ابن عبد البر (٢) ﵀: (أما الشهادة على رؤية الهلال فأجمع العلماء على أنه لا تقبل في شهادة شوال في الفطر إلا رجلان عدلان).
وقال النووي (٣) ﵀: (فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل).
قلت: وهذا هو الصواب: أي لا تقبل في الشهادة على الفطر إلا رؤية عدلين بخلاف ما ذهب إليه أبو ثور، والشوكاني (٤) كما في نيل الأوطار.
(١) قوله: (وَلا يُفْطِرُ إِذَا رَآهُ وَحْدَهُ): وعلل لذلك لاحتمال خطئه وتهمته، فوجب الاحتياط، وهذا هو المذهب (٥)، وهو مذهب الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، وذهب الشافعية (٨) إلى أنه يفطر سراً، وبه قال بعض الحنفية (٩)، والحنابلة (١٠).
стр. 604
وَإِنْ صَامُوْا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلاثِيْنَ يَوْمًا، أَفْطَرُوْا (١)، وَإِنْ كَانَ بِغَيْمٍ، أَوْ قَوْلِ وَاحِدٍ، لَمْ يُفْطِرُوْا، إِلاَّ أَنْ يَرَوْهُ، أَوْ يُكْمِلُوْا الْعِدَّةَ (٢)،
ــ
والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه شيخ الإسلام (١)، وهو قول الجمهور من أنه لا يفطر وحده، بل يفطر مع الناس، وهو أيضاً اختيار شيخنا (٢) ﵀.
(١) قوله: (وَإِنْ صَامُوْا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلاثِيْنَ يَوْمًا، أَفْطَرُوْا): وإن لم يروا الهلال، ودليل ذلك حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب النبي ﷺ قال: (فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا) (٣).
ولأن الشهر لا يزيد عن الثلاثين، وهذا هو المذهب (٤).
(٢) قوله: (وَإِنْ كَانَ بِغَيْمٍ، أَوْ قَوْلِ وَاحِدٍ، لَمْ يُفْطِرُوْا، إِلاَّ أَنْ يَرَوْهُ، أَوْ يُكْمِلُوْا الْعِدَّةَ): معنى كلامه ﵀ أنه إن كان صومهم لرمضان بسبب الغيم أو بشهادة واحد فلابد أن يروا الهلال أو يكملوا رمضان ثلاثين يوماً.
أي إن صام الناس بسبب الغيم لليلة الثلاثين من شعبان أو صاموا بشهادة واحد برؤية هلال رمضان فإنه يلزمهم ثبوت رؤية هلال شوال، أو إكمال رمضان ثلاثين يوماً ليس فيها اليوم الأول لأنه إنما صاموا احتياطاً فلا يجوز الخروج منه للاحتياط أيضاً. وما ذكره المؤلف فيه مسألتان:
الأولى: أن يصوم الناس ليلة الثلاثين من شعبان بسبب وجود الغيم أو القتر وهذا هو يوم الشك الذي بينا حكمه سابقاً وقلنا لا يشرع صومه، بل يحرم على الصحيح، وإذا قلنا بذلك فإن هذه المسألة لا ترد.
الثانية: أن يصام بشهادة واحد ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال، وهذه المسألة=
стр. 605
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=على وجهين في المذهب:
الوجه الأول: أنهم لا يفطرون لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب المتقدم (١).
الوجه الثاني: أنهم إن صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوماً ولم يروا الهلال أفطروا لأن الصوم إذا وجب وجب الفطر لاستكمال العدة لا بالشهادة، ولأن الصوم إنما ثبت بدليل شرعي، وقد صاموا ثلاثين يوماً، ولا يمكن أن يزيد الشهر عن ثلاثين يوماً، وهذا هو الصحيح، وهو رواية في المذهب (٢)، واختارها شيخنا (٣) ﵀.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): لو صام شخص برؤية بلد ثم سافر لبلد آخر قد صاموا بعدهم بيوم ، وأتم هو ثلاثين يوماً ولم ير الهلال في تلك البلد التي سافر إليها فهل يفطر أو يصوم معهم؟
نقول: هذه المسألة على قولين:
الأول: أنه يفطر سراً لأنه لا عبرة باختلاف المطالع، فمتى رئي في بلد لزم الجميع الصوم والفطر على هذه الرؤية.
الثاني: أنه لا يفطر، بل يلزمه الصوم، وإن زاد على ثلاثين يوماً لدخوله في عموم الخطاب الموجه إليهم، ولأن العبرة في بدء صيام رمضان في البلد التي=
стр. 606
وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَشْهُرُ عَلَى الأَسِيْرِ، تَحَرَّى، وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ ما قَبْلَهُ، لَمْ يَجْزِهِ (١)
ــ
=سافر منه وفي نهايته في البلد التي قدم إليها، ولأن النبي ﷺ قال: (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ) (١).
وهذا هو القول الصحيح، وهو اختيار اللجنة الدائمة (٢)، وشيخنا (٣) ﵀.
- فائدة (٢): لو صام شخص برؤية بلد، ثم سافر إلى بلد آخر قد صاموا قبلهم بيوم، وأتموا هم تسعة وعشرين يوماً وهو يعتبر في حقه اليوم الثامن والعشرين، ثم رأى الهلال فهل يفطر معهم أم يصوم؟
الصواب في هذه المسألة: أنه يفطر معهم ثم يقضي هذا اليوم الذي يكون في حقه التاسع والعشرون.
- فائدة (٣): متى يفطر المسافر إذا كان في الطائرة ؟
نقول: الأصل أن لكل شخص في إمساكه في الصيام وإفطاره وأوقات صلاته حكم الأرض التي هو عليها، أو الجو الذي يسير فيه، وعلى ذلك فمن كان في الطائرة وهو يرى الشمس لم تغرب فلا يجوز له الفطر حتى تغرب الشمس، حتى وإن كان غروبها يتأخر عن وطنه بنصف ساعة مثلاً أو أكثر من ذلك أو أقل لأنه كما قلنا لكل صائم حكم المكان الذي هو فيه سواء كان على سطح الأرض أم كان على طائرة.
(١) قوله: (وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَشْهُرُ عَلَى الأَسِيْرِ، تَحَرَّى، وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ ما قَبْلَهُ، لَمْ يَجْزِهِ): جملة ما ذكره المؤلف=
стр. 607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١) =في هذه المسألة أن من عمي عن الشهر كالأسير في بلاد الكفار أو المسجون في مكان خفي، أو النائي عن الأمصار وغيرهم ممن عمي عليه الشهر، فهؤلاء الواجب في حقهم أن يجتهدوا ويتحروا في معرفة عين الشهر ودخوله كما يتحرون في معرفة وقت الصلاة وجهة القبلة، وغير ذلك عند الاشتباه لأنه لا يمكنهم أداء العبادة إلا بالتحري والاجتهاد وهذا الاجتهاد والتحري قد يكون صواباً وقد يكون خطأً، فإن كان الاجتهاد والتحري صواباً، بمعنى أنه اجتهد وتحرى في دخول شهر رمضان فوافق اجتهاده وتحريه الشهر فهنا صومه صحيح وليس عليه شيء، وإن كان اجتهاده وتحريه خطأ، بمعنى أنه أخطأ في صيام الشهر فهنا لا يخلو من أحوال:
الأول: أن يصوم قبل شهر رمضان كشعبان مثلاً، فهنا لم يجزئه صومه لأنها عبادة لم يصح قضاؤها في غير وقتها كالصلاة.
الثاني: أن يصوم بعد شهر رمضان كشوال مثلاً، فهنا أجزئه صومه لأن أكثر ما فيه أنه قضاء، وقد نواه أداء، وهذا يجوز في حال الاشتباه كالصلاة.
الثالث: أن يتبين له أنه صام بعضه في رمضان وبعضه قبله، فهنا أجزأه ما صام في رمضان دون ما صام قبله.
الرابع: أن يتبين له أنه صام بعضه في رمضان وبعضه بعده فهنا أجزأه جميع ما صام.
стр. 608
بَابُ أَحْكَامِ الْمُفْطِرِيْنَ فِيْ رَمَضَانَ (١)
وَيُبَاحُ الْفِطْرُ فِيْ رَمَضَانَ لأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ (٢): أَحَدُهَا: الْمَرِيْضُ الَّذِيْ يَتَضَرَّرُ بِهِ (٣)،
ــ
(١) قوله (بَابُ أَحْكَامِ الْمُفْطِرِيْنَ فِيْ رَمَضَانَ): المفطرون في رمضان على ثلاثة أقسام: الأول: من يرخص لهم الفطر، ويجب عليهم القضاء، وهم المريض الذي يرجى برؤه، والمسافر.
الثاني: من يرخص لهم الفطر ويجب عليهم الفدية وهم الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمريض الذي لا يرجى برؤه.
الثالث: من يجب عليهم الفطر والقضاء معاً، وهم الحائض والنفساء.
وسيأتي بيان المؤلف لهؤلاء في هذا الباب.
(٢) قوله (وَيُبَاحُ الْفِطْرُ فِيْ رَمَضَانَ لأَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ): المباح ما استوى فيه الفعل والترك، أي ما لم يكن في فعله وتركه ثواب ولا عقاب، لكن هل هذا مسلَّم فيما سيذكره المؤلف؟
نقول: لا لأن ممن ذكرهم المؤلف فيمن يباح له الفطر الحائض والنفساء، وهما ممن يحرم عليهما الصوم ويجب عليهما القضاء، وكذا المريض الذي يتضرر بالمرض، وكذا المسافر الذي يشق عليه الصوم، فهؤلاء أيضاً يجب عليهم الفطر كما سنذكره.
(٣) قوله (أَحَدُهَا: الْمَرِيْضُ الَّذِيْ يَتَضَرَّرُ بِهِ): دليل ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). قال ابن قدامة (٢) ﵀: (أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة).
стр. 609
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: (الذي يتضرر به): هذا قيد في المرض المبيح للفطر، فلابد أن يتضرر به كأن يكون بسبب الصوم يزداد ألماً ومشقة، أو يكون الصيام سبباً في زيادة المرض أو بسببه يتأخر شفاء المريض منه.
فمتى حصل للمريض الضرر بذلك أبيح له الفطر، لكن ما هو الطريق الذي يتعرف به على ذلك؟
نقول: هناك طريقان لمعرفة الضرر:
الأول: إما عن طريق التجربة، وذلك عن طريق المريض نفسه كأن يجرب الصوم يوماً أو أكثر ثم يشق عليه أو يزيد وجعه، أو عن طريق رجل آخر عنده نفس المرض فيخبره بمدى الضرر الذي قد يلحقه به إذا صام.
الثاني: أن يخبر الطبيب بما قد يلحقه من ضرر إذا صام، فهنا يجوز له الفطر ولكن ينبغي له أن يسأل الطبيب المتخصص الذي يثق به في طبه، وهل يلزم أن يكون الطبيب مسلماً؟ المذهب (١) يشترط فيه الإسلام، والثقة.
والصحيح: عدم اشتراط الإسلام في الطبيب، بل يكفي كونه ثقة في مهنته، وهذا هو اختيار شيخنا (٢) ﵀.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): إذا كان الصوم يضر المريض فيحرم عليه الصوم لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ .. ﴾ (٣).
وجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى نهى عن قتل النفس، والنهي عام في=
стр. 610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=قتل النفس بكل ما كان فيه ضرر عليها، لكن إن صام أجزأه صومه.
وقوله: (الذي يتضرر به): فيه أيضاً أنه إذا كان لا يتضرر بالمرض فيجب عليه الصوم.
وقيل: بل يباح الفطر بكل مرض حتى من وجع الأصبع، والضرس، ولا يشترط كونه يضر الصائم لأن الآية عامة في المرض، ولأن المسافر يباح له الفطر من غير حاجة إليه فكذلك المرض.
والذي يظهر لي أنه لابد من اعتبار الضرر والمشقة في المرض الذي يجوز فيه الفطر، فالمرض لا ضابط له، والأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه ومنها ما لا يضر، ولا أثر للصوم عليه، كجرح في الأصبع، ودمل، وزكام يسير، وصداع يسير، وأشباه ذلك، ولا يصلح للمرض ضابط دقيق وعليه فلابد من اعتبار الحكمة هنا وهي ما يخاف منه الضرر.
وخلاصة ما ذكرناه في هذه المسألة: أن للمريض حالات مع الصوم:
الحالة الأولى: أن لا يتأثر بالصوم كيسير المرض مثل الزكام والصداع اليسير، ووجع الأصبع، والضرس، فهؤلاء لا يجوز لهم الفطر، ويجب عليهم الصوم إلا أن يكون الفطر أرفق بهم فهنا يفطرون.
الحالة الثانية: أن يشق عليه الصوم لكن لا يضره فهنا يسن له الفطر ويكره له الصوم.
الحالة الثالثة: أن يشق عليه الصوم ويضره كمرضى الكلى، والسكر، وأشباه ذلك، فهنا يحرم عليه الصوم وإن صام أجزأه.
الحالة الرابعة: أن يستوي عنده الصوم والفطر، فالأفضل له أن يصوم لأمور=
стр. 611
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=أربعة هي:
(١) لأنه بصومه يدرك فضيلة الزمن.
(٢) ولأن ذلك أسرع في إبراء الذمة.
(٣) لأن حال النبي ﷺ أنه كان يصوم في السفر أكثر مما يفطر فيه، وما قيل في السفر يقال في المرض.
(٤) ولأن الصيام مع الناس أيسر.
- فائدة (٢): إذا خاف الصحيح شدة، أو التعب بسبب الصوم هل له أن يفطر؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقال الحنفية (١): إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر، فإن خافه بمجرد الوهم فليس له الفطر.
وقال المالكية (٢): إذا خاف حصول أصل المرض بصومه فإنه لا يجوز له الفطر على المشهور، إذ لعله لا ينزل به المرض إذا صام، وقيل: يجوز له الفطر.
وقال الحنابلة (٣): والصحيح أن الذي يخشى المرض بالصيام كالمريض الذي يخاف زيادة المرض أنه يباح له الفطر.
قلت: وهذا هو الصحيح، لكن لا يكون ذلك إلا باستشارة طبيب ثقة يخبره بأنه لو صام فإن الصوم يضره، أو بالتجربة كما ذكرنا ذلك في المريض الذي يضره الصوم.
стр. 612
وَالْمُسَافِرُ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ (١)،
ــ
(١) قوله: (وَالْمُسَافِرُ الَّذِيْ لَهُ الْقَصْرُ): أي وكذلك المسافر الذي يشرع له قصر الصلاة فيباح له الفطر في رمضان، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١).
وروى مسلم عن حمزة الأسلمي ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أجد مني قوة على الصوم في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال: (هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ) (٢).
وروى مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ قَالَ فَنَزَلْنَا مَنْزِلا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَكَانَتْ رُخْصَةً فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلا آخَرَ فَقَالَ إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ) (٣).
وعن أبي سعيد ﵁ أيضاً قال: (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ) (٤).
فهذه نصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على إباحة الفطر للمسافر،
стр. 613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لكن أيهما أفضل في حقه الصوم أم الفطر؟ نقول: اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣) إلى أن الصيام أفضل لمن قوي عليه، والفطر أفضل لمن لم يقوى عليه. دليلهم في ذلك الأدلة السابقة، وأيضاً بما رواه البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ) (٤).
وعللوا أيضاً لذلك بتعليلات منها:
أن الصوم في السفر إذا كان لا يتضرر به الإنسان أفضل لأنه أسرع في إبراء الذمة، ولأن الصوم عزيمة والفطر رخصة، ولاشك أن العزيمة الأخذ بها أفضل كما تقرر في أصول الفقه.
فهذا ملخص ما ذهب إليه الجمهور.
وذهب الحنابلة (٥) إلى أن الفطر للمسافر أفضل، بل قال الخرقي: (والمسافر يستحب له الفطر)، قال الماوردي: (وهذا هو المذهب).
قال صاحب الإقناع: (المسافر يسنُّ له الفطر ويكره له الصوم ولو لم يجد مشقة).
стр. 614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واستدل الحنابلة على ذلك بما رواه البخاري ومسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) (١)، وزاد في رواية: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّذِي رَخَّصَ لَكُمْ) (٢).
وعن جابر ﵁ ﵄ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) (٣).
قلت: وبعد عرض أدلة الفريقين فالذي يترجح لي أن المسافر الأفضل في حقه فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر، فإن تساويا فالصوم أفضل لما يأتي:
(١) لأنه أسرع في إبراء الذمة.
(٢) أنه أنشط له إذا صام مع الناس.
(٣) أنه يدرك بصومه فضيلة الزمن.
(٤) ولأنه فعل النبي ﷺ كما في حديث أبي الدرداء ﵁ المتقدم (٤).
أما إذا كان الصوم يشق على المسافر فإنه يفطر ولا يصوم كما فعل النبي ﷺ
ذكر بعض الفوائد المتعلقة بهذه المسألة:
- الفائدة الأولى: يشترط في السفر المبيح للفطر شروط وهي:
стр. 615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(١) أن يكون السفر طويلاً مما تقصر فيه الصلاة، والسفر الذي يجوز فيه قصر الصلاة هو ما كانت مسافته (٨٠) كيلو متراً فأكثر.
(٢) أن لا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره أكثر من أربعة أيام.
(٣) أن لا يكون سفراً في معصية، بل في غرض صحيح، وهذا ما ذهب إليه الجمهور (١)، وذلك لأن الفطر رخصة وتخفيف فلا يستحقها عاص بسفره عند جمع من أهل العلم.
وذهب الحنفية (٢) إلى جواز فطر المسافر ولو كان سفر معصية عملاً بإطلاق النصوص المرخصة، ولأن نفس السفر ليس بمعصية وإنما المعصية ما يكون بعده أو بجواره. والصحيح في ذلك ما ذهب إليه الجمهور.
(٤) أن يجاوز مدينته وما يتصل بها من البناءات والأقنية، وسيأتي بيان هذا الشرط مستوفى إن شاء الله.
- الفائدة الثانية: في وقت جواز الفطر للمسافر:
للمسافر في هذه المسألة ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن يبدأ السفر قبل الفجر، أو يطلع عليه الفجر وهو مسافر وينوي الفطر فيجوز له الفطر إجماعاً.
الحالة الثانية: أن يبدأ السفر بعد الفجر، بأن يطلع عليه وهو مقيم ثم سافر، فهذا محل خلاف بين الفقهاء، فذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وهو الصحيح=
стр. 616
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=في مذهب الشافعية (١) إلى أنه لا يحل له الفطر بعدما أصبح صائماً تغليباً لحكم
الحضر.
وذهب الحنابلة (٢) وهو رواية عند الشافعية (٣) وذهب إليه المزني وغيره من الشافعية أن من نوى الصوم في الحضر ثم سافر في أثناء اليوم فله الفطر بعد خروجه ومفارقته بيوت قريته العامرة. وهذا هو الصحيح.
دليل ذلك ظاهر الآية في قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٤)، ولحديث جابر (٥)، وابن عباس (٦) المتقدمين.
وإن كان الأفضل عندي لمن سافر في أثناء يوم نوى صومه إتمام صوم ذلك اليوم خروجاً من الخلاف، وهو قول أكثر العلماء، لكنه لا يجب في حقه أن يتم ذلك اليوم.
الحالة الثالثة: أن يفطر قبل مغادرة بلده، وهذا كما قلنا لا يجوز له، لأن رخصة السفر لا تتحقق بدونه كما لا تبقى بدونه، ولأنه في الحقيقة مقيم، وشاهد للشهر، ولا يوصف بكونه مسافراً حتى يخرج من البلد، فمتى كان فيها فله أحكام المقيمين، ولذلك لا يقصر الصلاة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور (٧).
وخالف في ذلك بعض أهل العلم فقالوا: يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه=
стр. 617
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=من الموضع الذي أراد السفر منه، وهذا قول الحسن، حيث قال: (يفطر إن شاء وهو في بيته يوم يريد أن يخرج). وقال به إسحاق بن راهوية، واختار هذا القول الشوكاني، واحتج أصحاب هذا القول بحديث أنس الذي رواه الترمذي عن محمد بن كعب قال: (أتيت في رمضان أنس بن مالك وهو يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له سنة؟ فقال سنة ثم ركب) (١).
واحتجوا أيضاً لذلك بما رواه أبو داود عن عبيد بن جبير قال: (رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَدَفَعَ ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ اقْتَرِبْ فَقُلْتُ أَلَسْنَا نَرَى الْبُيُوتَ فَقَالَ أَبُو بَصْرَةَ أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ ﷺ (٢).
قال الشوكاني (٣) تعليقاً على هذه الآثار: (والحديثان يدلان على أن المسافر له أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه).
وقال ابن العربي (٤): (وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر وهذا هو الحق).
قلت: والصحيح في ذلك المذهب (٥)، وهو اختيار شيخنا (٦) ﵀ فلا يجوز له الفطر حتى يغادر عامر قريته شأنه في ذلك كشأن الصلاة، فكما لا يجوز أن=
стр. 618
فَالْفِطْرُ لَهُمَا أَفْضَلُ (١)، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ (٢)،
ــ
=يقصرها حتى يخرج من البلد، فكذلك الصوم.
الثاني: أن ينوي المسافر الإقامة مطلقاً، أو يتيقن أن حاجته لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام فأكثر، كأن يكون مرافقاً لمريض في سفر، أو له معاملة يدري أنها ستنتهي بعد أربعة أيام، أو له غرض تجاري في بلد ما يدري أنه لا يفرغ منه إلا بعد المدة المحددة لجواز الفطر فهنا يلزمه الصوم.
أما إذا كان لم ينو الإقامة لكنه أقام لقضاء حاجة له بلا نية إقامة ولا يدري متى تنقضي كأن يكون كما ذكرنا مرافقاً لمريض أو له معاملة، أو له غرض تجاري لا يدري متى تنقضي معاملته، ولم ينو الإقامة، فهنا يجوز له الفطر كما يقصر الصلاة ولو بقي على ذلك سنين.
(١) قوله: (فَالْفِطْرُ لَهُمَا أَفْضَلُ): ذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وقلنا أن الراجح في حقهما فعل الأيسر إلا إذا استوى عندهما الأمران فالصوم لهما أفضل، وهذا هو اختيار شيخنا (١) ﵀.
(٢) قوله: (وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ): أي قضاء الأيام التي أفطروها لقوله تعالى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢).
وهنا فائدة: لو سافر من لا يستطيع الصوم لكبر سنه، أو مرض لا يرجى زواله، فماذا يصنع؟
نقول: المذهب (٣) أنه لا صوم ولا فدية عليه لأنه مسافر والفدية بدل عن الصوم، والصوم يسقط في السفر ولا صوم عليه لأنه عاجز.
стр. 619
وَإِنْ صَامَا، أَجْزَأَهُمَا (١).
الثَّانِيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ (٢)،
ــ
والصحيح: أنه يلزمه الفدية لأن الصوم لم يكن واجباً في حقه أصلاً، وإنما الواجب عليه الفدية، والفدية لا فرق فيها بين السفر والحضر، وهذا هو اختيار شيخنا (١) ﵀.
(١) قوله: (وَإِنْ صَامَا، أَجْزَأَهُمَا): وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وجماهير الصحابة والتابعين، فالصوم في السفر جائز صحيح منعقد.
وجاء عن ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة ﵃ أن الصوم غير صحيح (٢) ويجب القضاء، واختار هذا القول ابن حزم (٣) ﵀ كما في المحلى، والقاعدة عنده في ذلك أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئاً.
فالصوم عنده في السفر محرم، ومقتضى القول بالتحريم أنه إذا صام لم يجزئه لأنه صام ما نهى عنه، كالصوم في أيام التشريق وأيام العيدين فإنه لا يحل ولا يصح.
قلت: والصحيح كما ذكرنا ما ذهب إليه المؤلف وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة.
(٢) قوله: (الثَّانِيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ): أي الثاني ممن يفطر في رمضان الحائض والنفساء، وقد ذكرنا آنفاً أن المؤلف ﵀ أدرج هذا القسم فيمن يباح له الفطر في رمضان، وهذا فيه إشكال.
والصواب: أن هذا القسم ممن يجب عليه الفطر فإنا صاما أثما ويلزمهما=
стр. 620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=القضاء.
أما دليل عدم صومهما فما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد ﵁ وفيه: ( .. أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا) (١). فمتى رأت المرأة الدم ساعة من نهار وكذلك إذا نفست في أي ساعة من نهار فسد صومها.
أما القضاء فهو لازم في حقهما إذا طهرتا لقول عائشة ﵂: ( .. كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ) (٢).
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): لا خلاف بين الفقهاء أن المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض بعد الفجر فإنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم، لكن هل يلزمها الإمساك باقي اليوم إذا طهرت؟
ذهب الحنفية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أنه يلزمها الإمساك. وذهب المالكية (٥) إلى أنه لا يستحب لها الإمساك. وقال الشافعية (٦) لا يلزمها الإمساك.
والصحيح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٧)، واختارها شيخنا (٨) ﵀، أنه لا يلزمها الإمساك لأنها أفطرت=
стр. 621
وَإِنْ صَامَتَا، لَمْ يُجْزِئْهُمَا (١). الثَّالِثُ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ (٢)،
ــ
=بعذر شرعي وهو الحيض، ولأنه لا فائدة من إمساكها، والقاعدة في ذلك أن من أفطر في رمضان بعذر يبيح الفطر ثم زال العذر أثناء النهار لم يلزمه
الإمساك بقية اليوم.
- فائدة (٢): اتفق الفقهاء أنه إذا طهرت المرأة قبل الفجر فإنه يجب عليها صوم ذلك اليوم، لكن اختلفوا في الفترة التي إذا انقطع عنها الدم فإنه يجزيها صوم ذلك اليوم:
فذهب الحنفية (١) إلى أنه لا يجزيها صوم ذلك اليوم إذا لم يبق من الوقت قدر الاغتسال والتحريمة لأنه لا يحكم بطهارتها إلا بهذا.
وقال المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) بل متى انقطع دم الحيض وجب عليها الصوم ولو بلحظة، وإن لم تغتسل إلا بعد الفجر، بل إن لم تغتسل أصلاً لأن الطهارة ليست شرطاً في الصوم. وهذا هو الراجح.
(١) قوله: (وَإِنْ صَامَتَا، لَمْ يُجْزِئْهُمَا): وذلك للأدلة السابقة فالحائض والنفساء لا تصومان ولا يجوز لهما أن تنويا الصوم والكف عن الأكل، ولعل هذا من باب الرحمة بهما، فإن صامتا أثمتا ولم يجزئهما الصوم.
(٢) قوله: (الثَّالِثُ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ): أي القسم الثالث ممن يباح له الفطر في رمضان هما الحامل والمرضع، وذلك لأن الحمل والرضاعة فيهما مشقة، فالحمل يشق على المرأة من أجل كونه حملاً لاسيما في الأشهر الأخيرة عند=
стр. 622
إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا (١)، وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنِ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا (٢)
ــ
=المرأة، وأيضاً يؤثر على الجنين من جهة نموه إذا لم يكن في جسمها غذاء فربما يضعف ويتضرر.
وأيضاً في الرضاعة إذا صامت يقل لبنها فيتضرر بذلك الطفل، ولهذا رخص لهما الشارع بالفطر رحمة بهما.
ولمَّا كان الفطر قد يكون مراعاة لحالهما وقد يكون مراعاة لحال الولد، وقد يكون لحالهما جميعاً ذكر المؤلف هنا الأحكام الخاصة بكل حالة.
(١) قوله: (إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا): هذه هي الحالة الأولى، فمتى خافت الحامل والمرضع على نفسيهما فأفطرتا فالواجب عليهما الفطر والقضاء فقط، وهذا بغير خلاف لأنها بمنزلة المريض، أو بمنزلة من يخاف حدوث مرض، وهذا هو الراجح.
وفي رواية عن الإمام أحمد (١) يطعمان ويقضيان، لكن الراجح عندي جواز الفطر لهما وعليهما القضاء فقط ولا يلزمهما الإطعام.
عليهما من غير إطعام لأنهما بمنزلة المريض والخائف على نفسه.
(٢) قوله: (وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا، أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنِ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا): هذه هي الحالة الثانية، وهي أن الحامل والمرضع إذا خافتا من الصوم على الولد، إما لأن الجوع يضر به، أو لاحتياجه إلى دواء تشربه، فإنه يجوز لها أن تفطر لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر، وبعض المرضى، ويجب عليها القضاء والفدية وهي أن تطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا هو=
стр. 623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=المذهب، وهو المشهور من مذهب الشافعي (١).
وفي رواية عند الإمام مالك (٢) الكفارة على المرضع دون الحامل لأن المرضع يمكنها أن تسترضع لولدها، بخلاف الحامل، ولأن الحمل متصل بالحامل والخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها.
وقال أبو حنيفة (٣) لا كفارة عليهما بل تستحب، وعليهما القضاء فقط.
والراجح من هذه الأقوال هو القول الأول: إن ثبتت الرواية في الإطعام عن ابن عباس وابن عمر ﵄ من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٤)، قال ابن عباس ﵄ (كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا) قَالَ أَبُو دَاوُد يَعْنِي عَلَى أَوْلادِهِمَا (أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا) (٥).
وجاء أيضاً عن ابن عمر (٦) مثل ذلك ولا مخالف لهما من الصحابة.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): بقيت حالة أخرى لم يذكرها المؤلف وهي إذا خافت المرأة على
ولدها وعلى نفسها، والصحيح في هذه المسألة تغليب جانب الأم أي يجب=
стр. 624
وَإِنْ صَامَتَا، أَجْزَأَهُمَا (١) الرَّابِعُ (٢): الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ، لِكِبَرٍ (٣)، أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ (٤)،
ــ
=عليها القضاء فقط.
- فائدة (٢): متى عجزت الحامل والمرضع عن الإطعام سقط عنهما بالعجز ككفارة الوطء وهي رواية في المذهب (١).
والصحيح في المذهب عدم الإسقاط، لكن الرواية الأولى هي الراجحة عندي لوجود العذر، وهو العجز، هذا إذا قلنا بوجوب الإطعام عليهما.
- فائدة (٣): ظاهر المذهب أن الإطعام واجب على من تلزمه النفقة، وقال بعض الفقهاء بل الإطعام واجب على الحامل والمرضع، والأظهر عندي أن الإطعام مستحب في حق الحامل والمرضع إلا إن صح الحديث فهو واجب عليهما.
- فائدة (٤): الواجب في الإطعام مد بر، أو نصف صاع شعير، والخلاف فيه كالخلاف في كفارة الجماع على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(١) قوله: (وَإِنْ صَامَتَا، أَجْزَأَهُمَا): أي متى صامتا الحامل والمرضع أجزئهما الصوم لأن الفطر لهما مباح ورخصة.
(٢) قوله: (الرَّابِعُ): أي القسم الرابع ممن يباح له الفطر في رمضان.
(٣) قوله: (الْعَاجِزُ عَنِ الصَّوْمِ، لِكِبَرٍ): كالشيخ الفاني، وهو الذي فنيت قوته أو أشرف على الفناء، وكذا المرأة المسنة (العجوز).
(٤) قوله: (أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ): أي المرض الذي تحقق اليأس من صحته، كسرطان وغسيل كلى، وغيره مما يقر الأطباء أنه لا يرجى برؤه، فَحُكمُ هؤلاء بيَّنه المؤلف بقوله:
стр. 625
فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ (١)، وَعَلَى سَائِرِ مَنْ أَفْطَرَ الْقَضَاءُ لا غَيْرُ (٢)
ــ
(١) (فَإِنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنٌ): أي لا يلزمه الصوم في رمضان، ولا يلزمه كذلك القضاء، وهذا بإجماع أهل العلم إذا كان الصوم يجهدهم ويشق عليهم.
والأصل في مشروعية فطر هؤلاء قوله تعالى: ﴿ .. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن عباس ﵄: (لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) (١).
(٢) قوله: (وَعَلَى سَائِرِ مَنْ أَفْطَرَ الْقَضَاءُ لا غَيْرُ): نقول المفطرون في نهار رمضان على قسمين:
أحدهما: من يباح له الفطر، وهم من ذ كرهم المؤلف: كالمريض، والمسافر، والمرضع، والحامل، والعاجز عن الصوم، وهؤلاء تقدم حكمهم.
الثاني: من أفطر بغير عذر من الأعذار التي سيأتي بيانها، فهؤلاء يجب عليهم القضاء عن كل يوم يوماً. إلا في حالتين:
الأولى: الجماع: وسيأتي بيانه في كلام المؤلف.
الثانية: العاصي بفطره: فإنه يلزمه مع القضاء التوبة إلى الله تعالى.
وهل هناك عقوبة على من أفطر عمداً من غير عذر؟
نقول: للفقهاء في هذه المسألة خلاف، وتفصيل، والأظهر عندي أنه يؤدب=
стр. 626
إِلاَّ مَنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ (١)،
ــ
=بما يراه الإمام من ضرب أو سجن أو بهما معاً.
(١) قوله (إِلاَّ مَنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ): يعد الجماع من أعظم المفطرات تحريماً وأشدها تكفيراً، لكن يشترط لذلك شروط:
الأول: أن يكون ممن يلزمه الصوم، فإن كان ممن لا يلزمه الصوم كالصغير، فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة.
الثاني: أن لا يكون هناك مسقط للصوم كأن يكون مسافراً وهو صائم فجامع زوجته، فإنه لا إثم عليه ولا كفارة وإنما عليه القضاء فقط.
الثالث: أن يكون الجماع في الفرج، فإن كان قد جامع دون الفرج فأنزل فسد صومه بغير خلاف، لكن اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على من جامع دون الفرج.
فعن أحمد روايتان (١)، أحدهما: تجب الكفارة، اختارها الخرقي والقاضي، وهو قول الإمام مالك (٢).
الثانية: لا كفارة عليه، وهو مذهب أبي حنيفة (٣)، والشافعي (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥) اختارها شيخنا (٦) ﵀، وهذا هو الراجح.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة الأولى: إذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلاً كان أو دبراً فعليه=
стр. 627
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
=القضاء والكفارة.
وقال الشافعي في أحد قوليه (١) لا يجب القضاء على من لزمته الكفارة.
والصحيح: الأول وهو المذهب عند الشافعية (٢)، واختيار سماحة شيخنا بن باز (٣) ﵀ أي يلزمه القضاء والكفارة لقوله ﷺ للمجامع في نهار رمضان (وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) (٤) ولأنه أفسد يوماً من نهار رمضان فلزمه قضاؤه.
- الفائدة الثانية: أن من جامع في نهار رمضان وجب عليه القضاء والكفارة سواء أنزل أو لم ينزل، بخلاف ما ذهب إليه الشعبي والنخعي (٥) أنه لا كفارة عليه إلا بالإنزال.
- الفائدة الثالثة: أن الكفارة إنما تجب على من جامع في نهار رمضان ذاكراً متعمداً، فإن كان مكرهاً، أو ناسياً، فلا تجب عليه الكفارة على الصحيح من أقوال أهل العلم.
- الفائدة الرابعة: إذا جامع في غير صوم رمضان عامداً أفسده، ويجب عليه القضاء إن كان واجباً بغير خلاف، أما إن كان نفلاً ففيه خلاف، والصحيح أنه لا يجب عليه القضاء.
- الفائدة الخامسة: إذا كانت المرأة معذورة بجهل أو نسيان أو إكراه فإن عليها القضاء دون الكفارة، أما لو كانت مطاوعة فعليها القضاء والكفارة.
стр. 628
فَإِنَّهُ يَقْضِيْ، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ (١)،
ــ
(١) قوله (فَإِنَّهُ يَقْضِيْ، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ): أجمع العلماء على وجوب الكفارة في حق من جامع عامداً مختاراً في نهار رمضان، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ مَا لَكَ قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لا قَالَ فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لا فَقَالَ فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَ لا قَالَ فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنَا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) (١).
لكن اختلف الفقهاء في وجوب قضاء هذا اليوم الذي أفطره بالجماع، فالجمهور (٢) يوجبون القضاء والكفارة، وفي قول ثان للشافعية (٣) لا يجب القضاء لأن الخلل انجبر بالكفارة، وفي قول ثالث أيضاً للشافعية (٤) إن كفر بالصوم دخل فيه القضاء وإلا فلا يدخل فيجب القضاء.
стр. 629
فَإِنَّهُ يَقْضِي (١)، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً (٢)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ (٣)،
ــ
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو قول سماحة شيخنا بن باز (١) ﵀، فيجب عليه القضاء والكفارة.
(١) قوله (فَإِنَّهُ يَقْضِي): أي يقضي مكان اليوم الذي أفسده بالجماع، فيصوم يوماً مكانه، وهذا هو الصحيح كما ذكرنا ذلك آنفاً بخلاف ما نقل عن الشافعي بأنه لا يلزمه القضاء وإلا فالمذهب عند الشافعية (٢) وجوب القضاء.
(٢) قوله (وَيُعْتِقُ رَقَبَةً): أي فكها من الرق، قال شيخنا (٣) ووجه المناسبة هو أن هذا الرجل لما جامع في نهار رمضان مع وجوب الصوم عليه استحق أن يعاقب ففدى نفسه بعتق الرقبة.
(٣) قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ): أي إن لم يجد الرقبة أو ثمنها فيلزمه صيام شهرين متتابعين، أي يتبع بعضهم بعضاً، فلا يفطر فيها يوماً واحداً إلا لعذر شرعي كالحيض والنفاس للمرأة، وكالعيدين، وأيام التشريق، أو عذر حسي كالمرض والسفر للرجل والمرأة بشرط ألا يسافر لأجل أن يفطر فإن سافر ليفطر انقطع التتابع.
والقاعدة في ذلك أن الصيام الواجب والفطر الواجب لا يقطع التتابع.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): الصيام المتتابع يكفي فيه النية من أول الصيام كرمضان وصيام الكفارة.
- فائدة (٢): من عليه صيام كفارة لم يجز لأكثر من شخص أن يصوم عنه.
стр. 630
فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا (١)، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ (٢)،
ــ
(١) قوله (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا): أي إن عجز عن الصيام لزمه أن يطعم ستين مسكيناً عن كل يوم مسكين، يعطى نصف صاع من البر وغيره، وإن قال سأقوم بجمعهم في مكان واحد وأعشيهم أو أغديهم أجزأ ذلك، لكن لابد من اعتبار العدد في الإطعام.
(٢) قوله (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، سَقَطَتْ عَنْهُ): وذلك لعجزه، وهذا هو المذهب (١)، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد (٢) أنها لا تسقط بالعجز.
والصحيح القول الأول، وهو اختيار شيخنا (٣) ﵀.
ذكر بعض الفوائد:
- الفائدة (١): إذا أغنى الله هذا الرجل الذي لم يكفر لعجزه - في المستقبل - هل يلزمه أن يكفر أم لا؟
نقول: هذه المسألة على روايتين في المذهب (٤)، والصحيح عندي أنه لا يلزمه لأنها سقطت عنه، وكما أن الفقير لو أغناه الله لم يلزمه أن يؤدي الزكاة عما مضى من سنواته لأنه فقير، فكذلك هذا الذي لم يجد الكفارة إذا أغناه الله تعالى لم يجب عليه قضاؤها.
قيل للإمام أحمد (٥) فإن كان المجامع محتاجاً فأطعمه عياله. قال: يجزيء عنه.
قيل: ولا يكفر إذا وجد؟ قال: لا؛ إلا أنه خاص في الجماع وحده.
стр. 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الفائدة (٢): الكفارة في الوطء في نهار رمضان على الترتيب لا التخيير، وفي رواية عن الإمام أحمد (١) أنها على التخيير، والصحيح القول الأول، وهي كما جاء في الحديث: (عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً)، والكفارة هنا هي نفس كفارة الظهار، مع أن كفارة الظهار ثابتة بالكتاب، وهذه ثابتة بالسنة، فلا يتحول من عتق الرقبة إلى الصيام إلا عند العجز عن العتق، ولا يتحول من الصيام إلى الإطعام إلا إذا لم يقدر على الصيام لمانع صحيح، كأن يكون به مرض، أو يخشى حدوث المرض بالصوم، أما من تلحقه المشقة المحتملة بالصوم فليس ذلك مسوغاً له للانتقال إلى الإطعام.
- الفائدة (٣): لابد أن يكون الصيام متتابعاً كما قال المؤلف ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾، فلا يفطر فيها إلا بعذر شرعي كأيام العيدين، والتشريق، وأيام الحيض والنفاس للمرأة، أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر، فإن أفطر بغير عذر ولو يوماً واحداً لزمه استئناف الصوم من جديد ليحصل التتابع.
- ال فائدة (٤): إذا شرع في الكفارة بالصيام، ثم قدر على العتق في أثناء الصيام هل يلزمه أن يعدل إلى العتق؟
نقول: لا يلزمه الانتقال.
- الفائدة (٥): من كفَّر بالصيام يباح له الوطء قبل التكفير بخلاف كفارة الظهار، فإنه يحرم عليه الوطء قبل التكفير.
стр. 632
فَإِنْ جَامَعَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (١).
ــ
(١) قوله: (فَإِنْ جَامَعَ وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .): هذه المسألة لها حالتان:
الأولى: أن يجامع في يوم واحد مرتين، فهذا لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يجامع ثم يكفر، ثم يجامع في نفس اليوم، فالمذهب (١) أنه يلزمه كفارة ثانية.
والجمهور (٢) على عدم الإلزام، لأن الجماع لم يرد على صوم صحيح، وإنما ورد على إمساك فقط، وهذا هو الصحيح.
الأمر الثاني: أن يجامع في يوم واحد مرتين، ولم يكفر عن الجماع الأول، أجزأته كفارة واحدة بغير خلاف في المذهب (٣).
الحالة الثانية: أن يجامع في يومين، فهو أيضاً لا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن يجامع في يوم، ويكفر عنه، فهنا يلزمه الكفارة عن الثاني.
الأمر الثاني: أن يجامع في يوم ولم يكفر، ثم يجامع في آخر، فهل تلزمه كفارتان، عن كل يوم كفارة؟ على روايتين في المذهب (٤).
إحداهما: تجزئه كفارة واحدة، وهو مذهب أبي حنيفة (٥)، وذلك لأنها كفارات من جنس واحد، فاكتفى فيها بكفارة واحدة، كما لو حلف على أيمان متعددة ولم يكفر.
стр. 633
وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ (١). وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ فِيْ رَمَضَانَ، فَجَامَعَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ (٢).
ــ
الثانية: أنه يلزمه عن كل يوم كفارة، وهو قول المالكية (١)، والشافعية (٢)، فإن جامع في يومين فإنه يلزمه كفارتان، وإن جامع في ثلاثة أيام فثلاث كفارات، وهكذا.
قلت: ولو راعى المفتي أحوال المستفتي وظروف وقوعه في المحظور لكان ذلك أرفق.
(١) قوله (وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ .): سبق بيان هذه المسألة آنفاً.
(٢) قوله (وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الإِمْسَاكُ فِيْ رَمَضَانَ، فَجَامَعَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .): ذكرنا فيما سبق أن من أفطر بعذر شرعي لا يلزمه إمساك بقية اليوم لأنه لا فائدة في الإمساك، قال ابن مسعود ﵁: (من أكل أول النهار فليأكل آخره) (٣) وعلى ذلك ما ذهب إليه المؤلف في هذه المسألة الراجح خلافه.
فالمسافر المفطر الذي قدم إلى بلده نهاراً، وكذا الحائض والنفساء تطهران نهاراً، والمريض الذي يفطر لمرضه ثم يشفى أثناء النهار، ونحو هؤلاء ممن أفطروا لعذر شرعي لا يلزمهم الإمساك، ومتى جامع هؤلاء في نهار رمضان لا يجب عليهم الكفارة، بل يلزمهم القضاء فقط.
ذكر بعض الفوائد:
- فائدة (١): من رأى هلال رمضان وحده، ولم تقبل شهادته ثم جامع في نهار رمضان فهل يجب عليه القضاء والكفارة؟
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نقول على الخلاف المذكور سابقاً، فالمذهب (١) يوجب القضاء والكفارة، والصحيح أنه لا يلزمه القضاء ولا الكفارة لأن الصوم في حقه غير ملزم به، لأن الصوم يوم يصوم الناس والفطر يوم يفطر الناس، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام (٢) ﵀.
- فائدة (٢): هل تجب الكفارة على من أفطر متعمداً في نهار رمضان؟
نقول: قال بعض الفقهاء: الكفارة إذا وجبت بالوطء مع قلة الداعي إليه في الصوم، فلأن تجب بالأكل أولى وأحرى، لأن الكفارة تجب زاجرة عن المعاودة، وماحية للسيئة، وجابرة لما دخل من النقص على العبادة، وهذا يستوي فيه الأكل والوطء، ولأن الأكل مما تدعو إليه الطباع، وتشتهيه
النفوس كالجماع، وما كان من المحرمات تشتهيه الطباع كالزنا، وشرب الخمر فلابد من زاجر شرعي، والزواجر إما حدود، أو كفارات، فلما لم يكن في الأكل حد فكان لابد فيه من الكفارة.
قلت: والصحيح أن الكفارة إنما تجب بالجماع فقط، ولا يجوز أن تلحق سائر المفطرات بالجماع وذلك لأمور:
الأول: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة، والحديث إنما يوجبها في الوقاع، فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل، والقياس في ذلك ليس بالبين كما ذكر ذلك شيخ الإسلام.
الثاني: أن الجماع يفارق غيره بقوة داعيه وشدة باعثه، فإنه إذا هاجت=
стр. 635
وَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ؛ لِعُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ، أَطْعَمَ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا (١)،
ــ
=شهوته، لم يكد يزعها وازع العقل، ولم يمنعها حارس الدين.
الثالث: أنه لو وجب لأجل الإفطار لاستوى فيه جميع المفطرات، فإن تخصيص بعضها دون بعض نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع.
الرابع: أن هذه الكفارة العظمى لا تجب إلا في نوع النكاح المحرم لعارض، ولهذا وجبت على المظاهر لما حرم عليه فرج امرأته بالظهار، كما حرم على الصائم فرج امرأته بالصيام، ووجب نحوها على المحرم لما حرم عليه فرج امرأته بالإحرام.
الخامس: أن هذه الكفارة لو كانت واجبة بالفطر لكان من أبيح له الفطر من غير قضاء تجب عليه هذه الكفارة، كالشيخ الكبير والعجوز الكبيرة.
فهذه جملة من الفروق بين وجوب الكفارة بالجماع، وبين وجوب الكفارة بغيره، ذكرها شيخ الإسلام (١) في شرحه للعمدة.
ومن هنا نقول: بأن وجوب الكفارة إنما تكون على من جامع في نهار رمضان وفق الشروط المذكورة سابقاً، وما عداه لا تجب عليه الكفارة.
(١) قوله (وَمَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ؛ لِعُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ فَرَّطَ، أَطْعَمَ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيْنًا): ذهب جمهور الفقهاء (٢) إلى أن قضاء رمضان على التراخي لكن قيدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه كأن يهل رمضان آخر وهو لم يقض.