← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 145206

وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة

عبد الله الطيار

Полный текст (2 697 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ (١) ــ = فهو حلق، ويأخذ أجر المحلقين. - فائدة (٢): الحكمة من الحلق أنه ذُل لله لا للتنظيف، ولهذا لم نؤمر به في غير الإحرام. - فائدة (٣): إذا حلق لنفسه بنفسه: قال بعض أهل العلم بأنه فعل محظور. والصحيح: أنه لم يفعل محظوراً بل حلق للنسك. - فائدة (٤): هل يقصر بعض رأسه أم لابد من التعميم ؟ الجواب: لابد أن يكون التقصير من جميع الرأس بحيث يظهر لمن رآه أنه مقصر، أما ما يفعله بعض الناس حيث يأخذ بعض الشعر من الرأس أخذاً بقول بعض الفقهاء فهذا قول غير صحيح، بل لابد من أن يشمل التقصير جميع الرأس. وأما المرأة فالمشروع في حقها أن تقصر من شعرها قدر أنملة الأصبع، وهي مفصل الأصبع، ومقدار ذلك اثنان سنتيمتر تقريباٌ. (١) قوله (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ): أي بعد حلقه يكون قد حل له كل شيء إلا النساء دليل ذلك ما رواه أحمد وغيره عن عائشة ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلا النِّسَاءَ) (١)، أي بعد الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير حلَّ له كل شيء إلا النساء. وقد سبق أن قلنا أن التحلل الأول اختلف أهل العلم فيما يحصل به: فقيل =

стр. 842

ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ (١)، وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ (٢)، ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ (٣) .. ــ = يحصل بالرمي فقط، وقيل يحصل باثنين من ثلاثة بالرمي، أو الحلق، أو الطواف، وهذا هو الصواب. - فائدة: الأحوط أن لا يعقد الحاج عقد نكاح ولا يخطب بعد التحلل الأول . وذهب شيخ الإسلام إلى جواز عقد النكاح بعد التحلل الأول، لكن الأولى عندي أن لا يفعله حتى يتحلل التحلل الثاني. قوله (إِلاَّ النِّسَاءِ) فلا يحل له وطؤها، أو مباشرتها ولمسها بشهوة ونحوه. (١) قوله (ثُمَّ يُفِيْضُ إِلَى مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ لِلزِّيَارَةِ): وهو طواف الحج؛ أي ثم يفيض الحاج من مفرد وقارن ومتمتع إلى مكة، فيطوف طواف الزيارة يوم العيد كما في حديث جابر، لكن إن كان في هذا اليوم مشقة وزحام فلا حرج عليه أن يؤخره إلى وقت آخر. (٢) قوله (وَهُوَ الطَّوَافُ الَّذِيْ بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ): أي هذا الطواف يعني طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج إذا طاف تم حجه، وسيأتي مزيد من بيان لأحكامه إن شاء الله تعالى. (٣) قوله (ثُمَّ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَسْعَ مَعَ طَوَافِ القُدُوْمِ): أي إذا انتهى الحاج من طواف الإفاضة فالواجب عليه أن يسعى بين الصفا والمروة، لكن ليس هذا السعي لكل أحد، بل يلزم المتمتع أو من لم يسع في طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً. ونقول في هذه ال مسألة: هل يلزم المتمتع سعيان أم يكتفي بالسعي الأول يعني سعي العمرة؟ =

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور (١) الفقهاء، وهو قول الشيخين (٢) إلى أن المتمتع يلزمه سعيان سعي لعمرته وسعي لحجه، واستدلوا لذلك بما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه لما سئل عن متعة الحج قال (أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْعَلُوا إِهْلالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَالَ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ) (٣)، فهذا الحديث صريح في إن المتمتع يسعى سعيين. واحتجوا أيضاً بما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت في حديثها عن حجة الوداع (فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) (٤). وجه الدلالة في قولها (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ)، فيكون بهذا قد طافوا طوافين، أحدهما للعمرة والآخر للحج.

стр. 844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القول الثاني: ما ذهب إليه شيخ الإسلام (١)، وابن القيم (٢) رحمهما الله، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٣) أنه ليس على المتمتع إلا سعيٌ واحد، فإذا اكتفى المتمتع بالسعي الأول (يعني العمرة) أجزأه ذلك كما يجزئ المفرد والقارن. واحتج لذلك شيخ الإسلام بأن الصحابة ﵃ الذين تمتعوا مع النبي ﷺ لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة قبل التعريف. واحتج لذلك أيضاً بحديث جابر ﵄ في صحيح مسلم (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا)، زَادَ فِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ (طَوَافَهُ الأَوَّلَ) (٤). قلت: وبعد عرض القولين وأدلة كل فريق الذي يترجح عندي ما ذهب إليه الجمهور. فيجب على المتمتع سعيان؛ سعي لعمرته، وسعي لحجه لما دل عليه حديث ابن عباس، وحديث عائشة ﵄، وهما ظاهران في الدلالة على أن المتمتع يلزمه سعيان، أما حديث جابر ﵄ فيجاب عنه بأن ما ذكره إنما هو في حق القارن لا المتمتع. أما القارن فلا يلزمه إلا طواف واحد وسعي واحد، فلم ينقل عن أحد من الصحابة أنه لما قرن طاف طوافين وسعى سعيين، وهذا هو قول جمهور =

стр. 845

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ (١) ــ = الفقهاء (١)، وهو المشهور عن الإمام أحمد (٢)، وفي رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة (٣)، وهو قول الشعبي، وجابر بن يزيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وبه قال الثوري أن القارن يلزمه طوافان، وسعيان. والصحيح: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ فلا يلزم القارن وكذا المفرد إلا طواف واحد وسعي واحد، وذلك لحديث جابر المتقدم، وفيه قوله (لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلا طَوَافًا وَاحِدًا) (٤). قال النووي ﵀ في تعليقه على الحديث: (وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة للشافعي (٥)، أو موافقيه في أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة وسعي واحد). قلت: فمتى طاف المتمتع وسعى، وكذا من لم يسع عند طوافه للقدوم فإنه يحلُّ بذلك التحلل الأكبر، فقد حلَّ له كل شيء حتى النساء، وهذا بالإجماع. (١) قوله (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا أحبَّ): ماء زمزم معروف؛ قال عنها النبي ﷺ ( .. إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ .. ) (٦)، وفي رواية: ( .. وَشِفَاءُ سُقْم) (٧).

стр. 846

وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ (١) ــ =والشرب منها مستحب وله ثلاث طرق: الأول: أن يشرب منها اقتداء بالنبي ﷺ لكونه شرب منها، فهذا سُنَّة، فقد روى البخاري ومسلم من حديث جابر المتقدم وفيه قوله ( .. فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ .. )، وفيه قوله ( .. فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ .. ) (١). الثاني: أن يشرب منه بنية حصول أمر يحبه كأن يشرب منه بغية الشفاء، أو حصول العلم، أو المال، أو نحوه، فهذا قد ورد فيه حديث وهو ما رواه ابن ماجه، وأحمد من حديث جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ) (٢)، وأيضاً للحديث المتقدم ( .. وَشِفَاءُ سُقْم) (٣). وهذان الحديثان اختلف في صحتهما، فقد ضعفهما بعض أهل العلم، وبعضهم صحح حديث (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)، وذلك بمجموع طرقه، وبعضهم ضعف حديث (وَشِفَاءُ سُقْم)، وجعلها موقوفة على مجاهد كما ذكر ذلك في التلخيص. الثالث: أن يجمع الإنسان بين النيتين عند شربه من زمزم نية الإقتداء بالنبي ﷺ وكذا حصول مراده عند شرب ماء زمزم. (١) قوله (وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ): أي يزيد من الشرب منه حتى تمتلئ أضلاعه، وقد جاء في ذلك أثر بأن المنافقين لا يتضلعون من زمزم.

стр. 847

ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِيْ، وَامْلأْهُ مِنْ حِكْمَتِكَ وَخَشْيَتِكَ (١) ــ (١) قوله (ثُمَّ يَقُوْلُ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا ، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَرِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِيْ، وَامْلأْهُ مِنْ حِكْمَتِكَ وَخَشْيَتِكَ): قلت الحديث الوارد في ذلك ضعفه كثير من أهل العلم.

стр. 848

بَابُ ما يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّ (١) ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنَى وَلا يَبِيْتُ لَيَالِيَهَا إِلاَّ بِهَا (٢) ــ (١) قوله (بَابُ ما يَفْعَلُهُ بَعْدَ الْحِلِّ): أي بعد تحلله التحلل الثاني فإنه يرجع إلى منى. (٢) قوله (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى مِنَى وَلا يَبِيْتُ لَيَالِيَهَا إِلاَّ بِهَا): وهذا واجب من واجبات الحج عند جمهور الفقهاء (١) يلزم لمن تركه بغير عذر دم. وذهب الحنفية (٢) إلى أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق سُنَّة وليس بواجب. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور لقول النبي ﷺ (خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِّى لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِى هَذَا) (٣)، ولأنه ﷺ بات بمنى. وروى البخاري ومسلم أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال (أَنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ) (٤)، وفي حديث ابن عمر ﵄ (أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ مِنًى مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ فَرَخَّصَ لَهُ) (٥) فكونه ﷺ يرخص لعمه العباس يدل على أن المبيت عزيمة لا بد منها. لكن اختلف الفقهاء في القدر الواجب للمبيت الذي يجب على من تركه دم؟ فقال المالكية (٦) إن ترك المبيت بها جُلّ ليله فدم، وكذا ليلة كاملة أو أكثر =

стр. 849

فَيَرْمِيْ بِهَا الْجَمَرَاتِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ أَيَّامِهَا (١)، ــ = حتى وإن كان يترك لضرورة ولم يسقطوا الدم بترك المبيت إلا للرعاة وأهل السقاية. وأوجب الشافعية (١)، والحنابلة (٢) في ترك المبيت كله دماً واحداً، وفي ترك ليلة مُداً من الطعام، وفي ترك ليلتين مُدَين إلا إذا ترك المبيت لعذر فلا شيء عليه كأهل السقاية. والراجح عندي: ما ذهب إليه الشافعية، والحنابلة، وهو قول شيخنا ﵀ (٣). (١) قوله (فَيَرْمِيْ بِهَا الْجَمَرَاتِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ أَيَّامِهَا): أي إذا زالت شمس أول أيام التشريق وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة فإن الحاج يبدأ برمي الجمرات، ويكون الرمي بعد زوال الشمس، وهو وقت أذان الظهر. وقول المؤلف (بَعْدَ الزَّوَالِ)، هذا هو الصحيح، وعليه جمهور الفقهاء لفعله ﷺ وفعل أصحابه ﵃ من بعده، وهو قول جماهير العلماء خلفاً وسلفاً، فلا يجوز الرمي قبل الزوال، ودليل ذلك: ١ - ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال عند رمي جمرة العقبة (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ .. ) (٤). ٢ - ما رواه أبو داود أيضاً عن جابر ﵄ قال (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ) (٥).

стр. 850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (وما رواه أحمد وغيره عن ابن عباس ﵄ قال (رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجِمَارَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ) (١). ٣ - ما رواه أحمد وغيره أيضاً عن عائشة ﵂ قالت (أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) (٢) ٤ - ما رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر ﵄ قال (كُنَّا نَتَحَيَّنُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) (٣). ٥ - ما رواه البيهقي عن عمر ﵁ قال (لا تَرْمِى الْجَمْرَةَ حَتَّى يَمِيلَ النَّهَارُ) (٤). فهذه الأدلة وغيرها تدل دلالة واضحة على أن الرمي أيام التشريق لا يكون إلا بعد الزوال، وهذا ما أفتى به الشيخان (٥)، وهو قول اللجنة الدائمة (٦). ٦ - ومن الأدلة أيضاً التعليل، وهو أنه لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لفعله النبي ﷺ لما فيه من فعل العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجه آخر لأن الرمي قبل الزوال أيسر، ولأن الرمي بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس أن يأتوا من مخيمهم إلى الجمرات، =

стр. 851

كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ (١)، ــ ومع شدة الحر يكون الغمّ مع الضيق والزحام، فلا يمكن أن يختار النبي ﷺ الأشد ويدع الأخف. قلت: وما ذهب إليه بعض العلماء من جواز الرمي قبل الزوال نظراً لشدة الزحام وما يحصل بسببه من المشقة غير متجه لأن وقت الرمي ممتدٌ، ويمكن تلافي الزحام إذا انتظم الناس في الرمي، ولو أن الحاج المتعجل يوم الثاني عشر بقي قليلاً إلى ما بعد العصر لزال الزحام، ثم بعد هذه التوسعة التي قامت بها حكومتنا - وفقها الله لكل خير وحماها من كل شر - حيث تعددت الجسور وتوسع مكان الرمي، وتشعبت الطرق المؤدية إليه، وبناءً على ذلك فلا ينبغي لأحد أن يفتي بالرمي قبل الزوال، فقد زال الزحام وما يسببه من المشقة بفضل الله تعالى ثم بفضل جهود هذه البلاد المباركة على يد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله ووفقه لكل خير. (١) قوله (كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ): قد سبق بيان ذلك يرمي كل جمرة بسبع حصيات فيكون مجموع الحصى في اليوم الحادي عشر إحدى وعشرين، ويكون جملة ما يرميه الحاج من بداية يوم العيد إلى آخر أيام التشريق سبعين حصاة، وقد سبق ذكر حكم ما إذا رمى بأقل من سبع حصيات. وقد روى النسائي عن سعد ﵁ (رَجَعْنَا فِي الْحَجَّةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضُنَا يَقُولُ رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَبَعْضُنَا يَقُولُ رَمَيْتُ بِسِتٍّ فَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (١). قلت: لكن لا يجوز أن يتعمد الرمي بأقل من سبع حصيات.

стр. 852

فَيَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُوْلَى (١)، فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيْهَا بِسَبْعٍ كَمَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (٢)، ثُمَّ يَتَقَدَّمَ قَلِيْلاً، فَيَقِفُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى (٣)، ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَرْمِيْهَا كَذلِكَ (٤). ثُمَّ يَرْمِيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (٥)، وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا (٦)، ــ (١) قوله (فَيَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الأُوْلَى): وهي أبعد الجمرات من مكة وأقربها من منى، وهي التي تلي مسجد الخيف، وتسمى الآن بالجمرة الصغرى. (٢) قوله (فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَرْمِيْهَا بِسَبْعٍ كَمَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ): وقيل يجعل مكة عن يمينه ومنى عن يساره، ويستقبل الجمرة، ثم يتقدم ذات اليمين، وتكون الجمرة جهة كتفه الأيسر، ولا دليل هنا على استقبال القبلة حال الرمي، ولذا الأظهر عندي أنه يفعل الأيسر له لما فيه من التيسير على المسلم في هذا الموقف الذي يحصل فيه زحام ومشقة شديدة. (٣) قوله (ثُمَّ يَتَقَدَّمَ قَلِيْلاً، فَيَقِفُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى): أي يبتعد قليلاً عن موضع الزحام لئلا يناله الحصى، ويدعو طويلاً. وسنذكر دليل ذلك إن شاء الله. (٤) قوله (ثُمَّ يَأْتِي الْوُسْطَى، فَيَرْمِيْهَا كَذلِكَ): أي يرميها بسبع حصيات متتابعات ثم يدعو كما فعل في الأولى. (٥) قوله (ثُمَّ يَرْمِيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ): وهي التي رماها يوم العيد. (٦) قوله (وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا): أي لا يقف عند جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى بل إذا رماها انصرف. وقد علل الفقهاء عدم الدعاء هنا بأمرين: الأول: إما لأن المكان ضيق، فلو وقف لحصل منه تضييق على الناس وتعب على نفسه. الثاني: وقيل لا يدعو هنا لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في موقف العبادة =

стр. 853

ثُمَّ يَرْمِيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيْ كَذلِكَ (١)، ــ ولا يكون بعدها، ودليل ما ذكره المؤلف حديث ابن عمر ﵄ (أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ثُمَّ يَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلا وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلا ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلا يَقِفُ عِنْدَهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ) (١). (١) قوله (ثُمَّ يَرْمِيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِيْ كَذلِكَ): أي ثم يرمي في اليوم الثاني عشر وهو الثاني من أيام التشريق كما رمى في اليوم الذي قبله. - فائدة (١): هل الترتيب في الرمي بين الجمرات شرط ؟ نقول: قال بعض الفقهاء يشترط الترتيب في الرمي، وقال بعضهم لا يشترط الترتيب، فمتى جاء به على غير وجه فيه ترتيب جاز ذلك. قلت: والصواب أنه إن كان معذوراً سقط الترتيب، وإن تعمد لم يسقط. - فائدة (٢): من أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث: أجزأه ذلك لكن يرتب الرمي بنيته، فيبدأ برمي أول يوم بالأولى ثم الثانية ثم الثالثة، ثم يعود فيرمي لليوم الثاني فيبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وهكذا لليوم الثالث، ولا يجزيء أن يرمي الأولى عن ثلاثة أيام ثم الوسطى عن ثلاثة أيام ثم العقبة عن ثلاثة أيام لأن ذلك يفضي إلى تداخل العبادات، لكن مع القول بأنه أخر الرمي كله إلى اليوم الثالث أجزأه ذلك عنه. قال بعض أهل العلم: غير أنه لا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر يوم =

стр. 854

فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِيْ يَوْمَيْنِ خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوْبِ (١)، فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، لَزِمَهُ الْمَبِيْتُ بِهَا، وَالرَّمْيُ مِنْ غَدٍ (٢)، ــ =إلا في حال واحدة وهي أن يكون منزله بعيداً ويصعب عليه أن يتردد كل يوم لاسيما في أيام الحر وشدة الزحام فهنا لا بأس، أما كون الإنسان ليس له عذر أو لقربه من الجمرات فهنا يجب عليه أن يرمي كل يوم في يومه ولا يجوز له أن يؤخر الرمي إلى آخر أيام التشريق. والذي يظهر لي أن الأمر واسع في ذلك. وهل يعتبر له أداء أو قضاء؟ الراجح: أنه أداء، لأن أيام التشريق كلها أيام رمي. (١) قوله (فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِيْ يَوْمَيْنِ خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوْبِ): أي إن أحب أن يتعجل في الخروج من منى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد رمي جماره فلابد له أن يخرج منها قبل غروب الشمس، وهذا هو قول جمهور الفقهاء (١). وقال الحنفية (٢) له أن ينفر ما لم يطلع الفجر. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور، وذلك ليصدق عليه أنه تعجل في يومين، إذ لو أخَّر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين لأن اليومين قد فاتا وانقضيا. (٢) قوله (فَإِنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، لَزِمَهُ الْمَبِيْتُ بِهَا، وَالرَّمْيُ مِنْ غَدٍ): دليل ذلك قول ابن عمر ﵄ (من غربت عليه الشمس وهو بمنى =

стр. 855

فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، فَقَدِ انقَضَى حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ (١)، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيْمِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ (٢)، ثُمَّ يَأْتِيْ مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ (٣)، ــ =من أوسط أيام التشريق فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد) (١)، وروي معناه عن عمر ﵁. قلت: هذا إذا لم يكن نوى التعجل، فإن نوى التعجل وتهيأ لذلك وأدركه الغروب فلا يلزمه في أصح قولي العلماء، وهو مذهب الشافعية (٢). - فائدة: من تعجل في يومين وخرج من منى قبل غروب الشمس وكان قد رمى قبل ذلك ثم رجع إلى منى في الليل لحاجة له فلا يلزمه المبيت بها، وإن بات بها فلا يلزمه الرمي في هذا اليوم لأنه قد قطع نية العبادة، فلا يضره رجوعه إليها. (١) قوله (فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا، فَقَدِ انقَضَى حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ): وذلك لانقضاء أعمال الحج في حقه. (٢) قوله (وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا خَرَجَ إِلَى التَّنْعِيْمِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ): أي إذا انتهى من رمي الجمرات فإنه يخرج إلى التنعيم فيحرم منه وذلك ليأتي بعمرة، كما فعلت عائشة ﵂. وهل هذا مستحب أم لا؟ على قولين: فمن استحبه احتج بحديث عائشة ﵂، ومن قال بعدم الاستحباب احتج بأن النبي ﷺ لم يفعله ولم يأمر أحداً من أصحابه أن يفعله، وإنما أذن لعائشة تطييباً لخاطرها. (٣) قوله (ثُمَّ يَأْتِيْ مَكَّةَ، فَيَطُوْفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ): أي يأتي بأعمال العمرة على الوجه الذي ذكرناه سابقاً.

стр. 856

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعَرٌ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوْسَى عَلَى رَأْسِهِ (١)، وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ (٢)، وَلَيْسَ فِيْ عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةً عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ (٣)، لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٤)، ــ (١) قوله (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعَرٌ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوْسَى عَلَى رَأْسِهِ): هذا على سبيل الاستحباب، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوبه. والصحيح: أنه يستحب لأن الحلق أو التقصير محله الشعر فسقط بعدمه، كما يسقط وجوب غسل العضو في الوضوء بفقده. وقال بعضهم: لا يسن لأنه إذا سقط ما وجب الحلق لأجله سقط الحلق. (٢) قوله (وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ): أي المفرد متى انتهى من عمرته بعد حلقه لشعره فقد انتهى من حجه وعمرته. (٣) قوله (وَلَيْسَ فِيْ عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةً عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ): إلا ما سيذكره المؤلف وهو وجوب الهدي في حق القارن دون المفرد، لكن المؤلف أراد أن يبين أن الأعمال الظاهرة لا تختلف أما العمل الباطن فيختلف فيكون بنية إما قارناً أو مفرداً. (٤) قوله (لَكِنْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ، لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) ذهب جمهور الفقهاء (٢) إلى وجوب الدم على القارن قياساً على المتمتع، ولذا قالوا بوجوب الهدي عليه ووجه القياس عندهم =

стр. 857

وَإِذَا أَرَادَ القُفُوْلَ (١)، ــ = أن هذا الحاج جمع بين نسكين وهما الحج والعمرة في سفرة واحدة كما هو الحال مع المتمتع. وذهب بعض الفقهاء إلى أن القارن ليس عليه دم، واحتجوا لذلك بظاهر النص القرآني بقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (١)، فقوله تعالى ﴿بِالْعُمْرَةِ﴾ ولم يقل (مع العمرة) يشعر بأنه هناك فرقاً والفرق بينهما أنه لو قال فمن تمتع بالعمرة مع الحج لقلنا إن القارن يدخل في ذلك، لأن القارن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفراً مستقلاً، لكن لما قال ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ علمنا أن هناك انفصالاً بين العمرة والحج. ثم إن من شروط القياس أيضاً أنه لا بد أن يشترك الأصل والفرع في العلة الموجبة، والعلة هنا مختلفة فالعلة في وجوب الدم على المتمتع أن الله يسر له تمتعاً تاماً بين العمرة والحج، والقارن ليس كذلك لأنه سيبقى محرماً من حين أن يحرم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس، وذهب شيخنا ﵀ إلى أن الأحوط في حق القارن، والأكمل لنسكه أن يهدي. قلت: والذي يظهر عندي هو وجوب الهدي على القارن لجمعه بين نسكين في سفرة واحدة وبوجوبه أفتت اللجنة الدائمة، وعلى ذلك يجب على من حج قارناً أو متمتعاً هدي يذبح في مكة، فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كما ذكره المؤلف هنا. (١) قوله (وَإِذَا أَرَادَ القُفُوْلَ): أي الرجوع إلى بلده.

стр. 858

لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيْعِ أُمُوْرِهِ، حَتَّى يَكُوْنَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ (١)، ــ (١) قوله (لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافٍ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ جَمِيْعِ أُمُوْرِهِ، حَتَّى يَكُوْنَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ): دليل ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ قال (أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ) (١)، وفي رواية لمسلم (كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) (٢). واختلف الفقهاء في حكم طواف الوداع بالنسبة للحاج: فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو الأظهر عند الشافعية (٥) إلى أنه واجب لحديث ابن عباس المتقدم. وذهب المالكية (٦) إلى أنه مستحب وليس بواجب، واحتجوا لذلك بأنه جائز للحائض تركه دون فداء، ولو وجب لم يجز للحائض تركه. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور لحديث ابن عباس المتقدم، وكونه لم يجب على الحائض هو من باب التخفيف على المرأة الحائض لحديث ابن عباس ﵄ وفيه قوله (إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) (٧)، لكن إن =

стр. 859

فَإِنِ اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِتِجَارَةٍ أَعَادَهُ (١)، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمُ الْبَيْتَ (٢)، ــ =طهرت المرأة الحائض قبل مفارقة البنيان رجعت واغتسلت وودعت لأنها في حكم الإقامة، وإن فارقت البنيان فلا يجب عليها الرجوع، أما العمرة فلا يجب لها طواف وداع على الصحيح من أقوال أهل العلم، ويرى شيخنا وجوبه. (١) قوله (فَإِنِ اشْتَغَلَ بَعْدَهُ بِتِجَارَةٍ أَعَادَهُ): أي إن اشتغل بعد أداءه لطواف الوداع بشراء ونحوه، أو تأخر كثيراً، أو أدى بعض أعمال الحج بعد طوافه للوداع، كأن يطوف بالبيت للوداع ثم يعود لرمي الجمار فيلزمه الإعادة لأنه لم يصدق عليه أنه جعل آخر عهده بالبيت الطواف، لكن إن تأخر لعذر كرفقه غابت عنه، أو لضياع بعض أغراضه، أو طاف للوداع ليلاً ثم لم يتمكن من الخروج إلا نهاراً ونحو ذلك فلا يلزمه إعادة الطواف. (٢) قوله (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا طَافَ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، فَيَلْتَزِمُ الْبَيْتَ): الملتزم: موقف ما بين الركن الذي هو الحجر الأسود والباب، هذا هو الملتزم. وقد اختلف الفقهاء في حكم الوقوف في الملتزم: فأكثر أهل العلم على استحبابه، واحتجوا لذلك بأن بعض الصحابة كابن عباس وابن عمر وابن الزبير كانوا يفعلونه، وهو أيضاً ثابتٌ عن طاووس ومجاهد وعروة بن الزبير وغيرهم. وذهب بعضهم أنه لا يلتزم من البيت شيئاً لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا غيره عن الصحابة، كالخلفاء الراشدين، وبقية العشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من أكابر الصحابة.

стр. 860

وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ هَذا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِيْ عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيْ مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِيْ فِيْ بِلادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِيْ بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِيْ عَلَى أَدَاءِ نُسُكِيْ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّيْ، فَازْدَدْ عَنِّيْ رِضًا، وَإِلاَّ فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِيْ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِيْ إِنْ أَذِنْتَ لِيْ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلا بِبَيْتِكَ وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلا عَنْ بَيْتِكَ. اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِيْ بَدَنِيْ، وَالصِّحَةَ فِيْ جِسْمِيْ، وَالعِصْمَةَ فِيْ دِيْنِيْ، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِيْ، وَارْزُقْنِيْ طَاعَتَكَ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِيْ، وَاجْمَعْ لِيْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ) (١)، ــ = والأظهر عندي - والله أعلم -: أنه لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق، وهذا ما ذهب إليه شيخنا ﵀ (١). وصفة الالتزام هو أن يضع صدره، ووجهه، وذراعيه، وكفيه يبسطهما على مكان الالتزام. (١) قوله (وَيَقُوْلُ: اللهُمَّ هَذا بَيْتُكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، حَمَلْتَنِيْ عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيْ مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِيْ فِيْ بِلادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِيْ بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِيْ عَلَى أَدَاءِ نُسُكِيْ، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيْتَ عَنِّيْ، فَازْدَدْ عَنِّيْ رِضًا، وَإِلاَّ فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِيْ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِيْ إِنْ أَذِنْتَ لِيْ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ، وَلا بِبَيْتِكَ وَلا رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلا عَنْ بَيْتِكَ. اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِيْ بَدَنِيْ، وَالصِّحَةَ فِيْ جِسْمِيْ، وَالعِصْمَةَ فِيْ دِيْنِيْ، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِيْ، وَارْزُقْنِيْ طَاعَتَكَ أَبَدًا مَا أَبْقَيْتَنِيْ، وَاجْمَعْ لِيْ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ): لم يثبت ما ذكره المؤلف هنا بحديث صحيح عن النبي ﷺ ولا أصحابه ﵃، فلا يشرع تقصده على =

стр. 861

وَيَدْعُوْ بِمَا أَحَبَّ (١)، ثُمَّ يُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (٢)، فَمَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِنْ كَانَ قَرِيْبًا (٣)، وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا بَعُثَ بِدَمٍ (٤)، ــ = أنه مشروع، لكن إن دعا به على أنه دعاء فقط فلا بأس، وللإنسان أن يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. (١) قوله (وَيَدْعُوْ بِمَا أَحَبَّ): هذا هو الأقرب في اتباع السنة، وهذا الدعاء المذكور لم يثبت لا عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة ﵃. (٢) قوله (ثُمَّ يُصَلِّيْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ : أي ثم يختم دعائه بالصلاة على النبي ﷺ ، وإلا فلم يثبت تخصيص الصلاة على النبي ﷺ في هذا المكان. لكن لعل المؤلف أراد بذلك أن يختم الداعي بالصلاة على النبي ﷺ ، فإن هذا مستحب لقول النبي ﷺ لما رأى رجلاً يدعو في صلاته فلم يصل على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ (عَجِلَ هَذَا ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لْيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ) (١). (٣) قوله (فَمَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِنْ كَانَ قَرِيْبًا): لأن طواف الوداع كما ذكرنا واجب فيلزمه الإتيان به ما لم يتضرر بنفسه، فإذا لم يحصل له ضرر لزمه الرجوع أداء للواجب. (٤) قوله (وَإِنْ كَانَ بَعِيْدًا بَعُثَ بِدَمٍ): كفارة عن تركه للوداع، فيذبح هذا الدم بمكة ويوزع على فقراء الحرم. دليل ذلك ما جاء عن ابن عباس ﵄ حيث قال (مَنْ نَسِىَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا) (٢)

стр. 862

إلاَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَلا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا (١)، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُقُوْفُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَالدُّعَاءُ بِهَذَا (٢). ــ (١) قوله (إِلاَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، فَلا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا): أي يسقط عنها طواف الوداع كما ذكرنا ذلك سابقاً لحديث ابن عباس ﵄ وفيه قوله (إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) (١). (٢) قوله (وَيُسْتَحَبُّ لَهُمَا الْوُقُوْفُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَالدُّعَاءُ بِهَذَا): هذا لا دليل عليه، ولذا فالصواب أن الحائض والنفساء لا تقفان عند الباب تدعوان إذ لا دليل على ذلك، بل لم يأمر النبي ﷺ صفية ﵂ حين نفست بذلك ولا غيرها ممن حج معه في حجة الوداع.

стр. 863

بَابُ أَرْكانِ الْحَجِّ وَالعُمْرَةِ (١) أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ (٢) ــ (١) قوله (بَابُ أَرْكانِ الْحَجِّ وَالعُمْرَةِ): سبق أن ذكرنا معنى الركن، والشرط، والواجب، والفرق بينها في كتاب الطهارة (١)، وقلنا بأن الركن هو جانب للشيء الأقوى، والمراد بالأركان هنا هو ما لا يتم الحج إلا بها، فمتى تركها عمداً أو سهواً لم يتم حجه. (٢) قوله (أَرْكَانُ الْحَجِّ: الْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ): هذا هو الركن الأول، وبدأ به لأنه أعظم الأركان وأقواها، حيث يختص هذا الركن بأنه من فاته فقد فاته الحج، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على ركنيته. فدليل الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢). قال العلامة ابن سعدي ﵀ (٣) في تفسيره لهذه الآية فيها دليل على أمور: (أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج). أما دلالة السنة: فقوله ﷺ (الْحَجُّ عَرَفَةُ) (٤) رواه أبو داود وغيره. أما الإجماع فقد أجمعت الأمة سلفاً وخلفاً على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج فمن تركه فاته الحج، قال ابن رشد (٥) (وأجمعوا على أنه =

стр. 864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =ركن من أركان الحج، وأن من فاته فعليه حج قابل). - فائدة: يبدأ وقت الوقوف بعرفة عند الحنابلة من فجر يوم التاسع من ذي الحجة. وعند الجمهور من عند الزوال، ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق يوم النحر. ذكر بعض الفوائد المتعلقة بعرفة: فائدة (١): يشرع التوجه إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسع من ذي الحجة، ويصلي بها الظهر والعصر جمعاً وقصراً، جمع تقديم بأذان واحد وإقامتين. فائدة (٢): يمتد زمن الوقوف بعرفة من طلوع فجر اليوم التاسع إلى طلوع فجر يوم النحر ، وعند الجمهور من بعد الزوال إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر. فائدة (٣): من لم يتمكن من الوقوف نهارًا ثم وقف ليلاً قبيل الصبح ولو بضع دقائق كفاه عن الوقوف نهاراً. فائدة (٤): من لم يتمكن من الوقوف نهاراً بل لم يتمكن من الوقوف ليلاً إلا أنه مرَّ على عرفات مروراً ولو كان مساءاً على سيارته أجزأه. فائدة (٥): زمن الوقوف المجمع عليه بين الفقهاء هو ما بعد الزوال من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر، أما ما قبل الزوال ففيه خلاف بين أهل العلم والأكثرون على أنه لا يجزئ فائدة (٦): إذا لم يقف بعد الزوال ولا في الليل عشية عرفات واكتفى بالوقوف ضحى فالأكثرون على أنه فاته الحج. ٧ - لا يجوز الانصراف قبل غروب الشمس لمن وقف نهاراً، فإن فعل ذلك فعليه دم عند أكثر أهل العلم لأنه ترك واجباً وهو الجمع بين الوقوف ليلاً ونهاراً لمن وقف نهاراً.

стр. 865

وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ (١) ــ (١) قوله (وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ): أي الركن الثاني من أركان الحج طواف الزيارة ويسمى طواف الإفاضة، وطواف الحج، وطواف الركن. ودليل ذلك قوله تعالى ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (١). وقد أجمع العلماء على أن الآية في طواف الإفاضة. أما دلالة السنة: فما رواه البخاري ومسلم أن صفية بنت حيي ﵂ لما نفست قال النبي ﷺ (أَحَابِسَتُنَا هِيَ قَالُوا إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ فَلا إِذًا) (١). وجه الدلالة: أن طواف الإفاضة فرضه النبي ﷺ لما علم بأن زوجته صفية ﵂ أنها حائض، قال: (أَحَابِسَتُنَا هِيَ) دلَّ على أن طواف الإفاضة لا يصح تركه حتى ولو كانت المرأة حائضاً بخلاف طواف الوداع كما ذكرنا، وأنه لولا فرضيته لم يمنع من لم يأت به من السفر. - فائدة (١): لطواف الإفاضة شروط لا بد منها: ١ - أن يكون مسبوقاً بإحرام: لتوقف احتساب أي عمل من أعمال الحج على الإحرام. ٢ - أن يكون مسبوقاً بوقوف عرفة: فلو طاف للإفاضة قبل الوقوف فلا يسقط به فرض الطواف. ٣ - النية: ويقصد بها نية الطواف.

стр. 866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ٤ - هل يشترط تعيين الطواف على قولين: فذهب الجمهور (١) على عدم اشتراط التعيين، وذهب الحنابلة (٢) إلى اشترط التعيين، وقول الجمهور هو الأظهر عندي. ٥ - الوقت: فلا يصح طواف الإفاضة قبل الوقت المحدد له شرعاً. وقد اختلف الفقهاء في بداية وقت الطواف: فذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) إلى أن أول وقت طواف الإفاضة بعد منتصف ليلة النحر لمن وقف بعرفة قبله. وذهب الحنفية (٥)، والمالكية (٦) إلى أن وقت الطواف يبدأ من طلوع فجر اليوم الثاني. والصحيح عندي: ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة. أما آخر وقت طواف الإفاضة: فليس لآخره حد معين لأدائه فرضاً، بل جميع الليالي والأيام وقته. وهل يلزمه شيء بالتأخير؟ نقول: ذهب الحنفية إلى أن أداءه في أيام النحر واجب، فلو أخره إلى ما بعدها صح وعليه دم جزاء تأخيره عنها. أما المالكية فقالوا لا يلزمه بالتأخير شيء إلا بخروج ذي الحجة، فإذا خرج =

стр. 867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = لزمه دم، أما الشافعية والحنابلة فلا يلزمه شيء بالتأخير أبداً (١). ٦ - يلزم أن يكون الطواف على طهارة من الحدث الأكبر والأصغر، وهذا قول أكثر أهل العلم. ودليل ذلك حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلاةٌ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ النُّطْقَ .. ) (٢)، ففي هذا دليل على أنه يشترط في الطواف ما يشترط في الصلاة من الطهارة وستر العورة وغير ذلك من الشروط. ومن الأدلة أيضاً على اشتراط الطهارة له حديث عائشة ﵂ قالت ( .. أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ) (٣)، فكونه بدأ بالوضوء قبل الطواف دليل على أنه لا بد من الوضوء له. ومن الأدلة أيضاً قوله ﷺ لعائشة ﵂ (افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) (٤). ومن الأدلة أيضاً التي استدل بها الجمهور قوله ﷺ حين أراد أن ينفر فقيل له أن صفية قد حاضت، قال (أَحَابِسَتُنَا هِيَ قَالُوا إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ فَلا إِذًا) (٥). فهذه الأحاديث وغيرها تدل على اشتراط الطهارة للطواف.

стр. 868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا ما ذهب إليه المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وذهب الحنفية (٤) إلى أن الطهارة للطواف واجبة وليست شرطاً، واستدلوا لذلك بقوله تعالى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٥)، ووجه الدلالة من الآية أن الأمر بالطواف مطلق لم يقيده الشارع بشرط الطهارة وهذا نص قطعي، أما حديث ابن عباس فإنه خبر آحاد ويفيد غلبة الظن فلا يقيد نص القرآن، لأنه دونه رتبة، فحملنا الحديث على الوجوب وعملنا به. وقال شيخ الإسلام (٦) لا تشترط الطهارة للطواف، بل ولا تجب له، بل هي مستحبة والأدلة الشرعية إنما تدل على عدم وجوبها، وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه، وهذا هو اختيار شيخنا محمد بن صالح العثيمين ﵀ (٧). قلت: والأحوط عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في اشتراط الطهارة للطواف، وهو قول سماحة شيخنا ابن باز (٨) وهو ما أفتت به اللجنة الدائمة. - فائدة (٢): متى أخر طواف الإفاضة عن أيام النحر أو أيام شهر ذي الحجة فإنه لا يسقط أبداً ، وهو محَّرم على النساء أبداً إلى أن يعود فيطوف، ولا =

стр. 869

وَوَاجِبَاتُهُ (١) الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيْقَاتِ (٢) ــ = يكفي الفداء عن أداء طواف الإفاضة بإجماع أهل العلم لأنه ركن، وأركان الحج لا يجزئ عنها البدل، ولا يقوم غيرها مقامها بل يجب الإتيان بها بعينها. (١) قوله (وَوَاجِبَاتُهُ): أي وواجبات الحج. والواجب: هو ما يطلب فعله ويحرم تركه، لكن لا يتوقف صحة الحج عليه، ويأثم تاركه ويجب لتركه فدية إلا إذا تركه بعذر معتبر شرعاً، ويجب عليه الفدية بترك واجب منها. والواجبات في الحج قسمان: واجبات أصلية، وواجبات تابعة لغيرها. فالواجبات الأصلية هي ما سيذكرها المؤلف هنا، وسنذكر - إن شاء الله - الواجبات التابعة لهذه الواجبات. (٢) قوله (الإِحْرَامُ مِنَ الْمِيْقَاتِ): الإحرام كما سبق: هو نية الدخول في النسك، وليس لبس ملابس الإحرام كما يظن البعض. والإحرام الذي هو نية الدخول في النسك ركن من أركان الحج ولم يذكره المؤلف هنا. أما الإحرام من الميقات وهو ما ذكره المؤلف فهو واجب من واجبات الحج، دليل ذلك قوله ﷺ كما في حديث المواقيت الذي سبق ذكره (وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ... ) (١)، هذا خبر بمعنى الأمر، وفي رواية أخرى ( .. يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) (٢). وعن ابن عمر ﵄ (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلأَهْلِ =

стр. 870

وَالْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ (١) ــ = الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ .. ) (١)، فمن تركه لزمه الرجوع إلى الميقات والإهلال منه، فإن لم يعد لزمه دم لتركه واجب من واجبات الحج. (١) قوله (وَالْوُقُوْفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ): وقد سبق بيان ذلك، فمن نفر من عرفة قبل غروب الشمس لزمه الرجوع وإلا فقد تعين عليه دم عند جمهور أهل العلم لأنه ترك واجباً من واجبات الحج، دليل ذلك أن النبي ﷺ وقف كذلك وقال (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ .. ) (٢)، وكونه ﷺ يمكث بعرفة إلى ما بعد الغروب ثم يدفع منها فهذا دليل على وجوب البقاء إلى هذا الوقت. وما ذهب إليه المؤلف من جعل الوقوف بعرفة إلى الليل واجب من واجبات الحج هو قول الجمهور (٣). وذهب الشافعية (٤) في المعتمد عندهم إلى أن الجمع بين الليل والنهار بعرفة سنة ليس واجباً، لكن يستحب له بتركه الفداء. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور. - فائدة: أجمع أهل العلم على أنه يصح وقوف غير الطاهر من الرجال والنساء ، كالمحدث والحائض، وغيرهم. واختلفوا في صوم يوم عرفة بعرفة، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في كتاب الصوم. والراجح: أنه يكره للحاج.

стр. 871

وَالْمَبِيْتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ (١)، وَالسَّعْيُ (٢) ــ (١) قوله (وَالْمَبِيْتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ): أي من واجبات الحج المبيت بمزدلفة إلى نصف الليل، وقد سبق بيان هذا الواجب وأدلته مع ذكر الخلاف فيه وبيان الراجح. (٢) قوله (وَالسَّعْيُ) أي ومن واجبات الحج السعي بين الصفا والمروة. وقد اختلف الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروة هل هو واجب، أم ركن، أم سنة؟ فالمذهب، وهو قول الجمهور أن السعي ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به لقوله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١)، قالت عائشة ﵂ في تفسيرها لهذه الآية: (مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) (٢). وذهب المؤلف إلى أن السعي بين الصفا والمروة واجب ليس بركن، وهذا إحدى الروايتين في المذهب، وهو قول الحنفية (٣). والصحيح: أنه ركن لا يتم الحج إلا به، وهو قول الشيخين (٤). ذكر بعض الفوائد في السعي: - فائدة (١): من سعى من غير طهارة أجزأه ذلك ، فإن الطهارة ليست شرطاً =

стр. 872

وَالْمَبِيْتُ بِمِنًى (١)، وَالرَّمْيُ (٢)، وَالْحَلْقُ (٣)، ــ = في السعي. - فائدة (٢): لا حرج على من قدم السعي في الحج على الطواف خطأً أو نسياناً، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال لما قيل له سعيت قبل أن أطوف فقال ( .. افْعَلْ وَلا حَرَجَ) (١)، لكن الأحوط أن لا يفعله عمداً. - فائدة (٣): السعي في الطابق العلوي صحيح كالسعي في الأسفل لأن الهواء يتبع القرار. - فائدة (٤): لا يجب الصعود على الصفا والمروة ، ولكن يكفي الساعي استيعاب ما بينهما، والصعود عليهما هو السنة إن تيسر ذلك. - فائدة (٥): المشروع لمن سعى أن يقول في أول شوط ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ... ﴾ (٢)، أما تكرار ذلك فلا أعلم ما يدل على استحبابه. (١) قوله (وَالْمَبِيْتُ بِمِنًى): أي ومن واجبات الحج المبيت بمنى، وقد سبق بيان ذلك فلا حاجة لإعادته. (٢) قوله (وَالرَّمْيُ): أي ومن واجبات الحج رمي الجمار، وقد أجمعت الأمة على وجوبه ومن تركه فعليه دم، وقد سبق بيان بعض الأحكام المتعلقة بالرمي من بيان وقت الرمي، وعدد ما يرمى به من الحصيات، وحكم تأخير الرمي، وصفة الرمي، وبيان السنن المتعلقة به. (٣) قوله (وَالْحَلْقُ): أي ومن واجبات الحج الحلق أو التقصير، وقد اتفق الفقهاء (٣) على أنه واجب من واجبات الحج.

стр. 873

وَطَوَافُ الْوَدَاعِ (١)، وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ (٢)، وَوَاجِبَاتُهُ الإِحْرَامُ (٣)، ــ = وقد ذهب الشافعي (١) في المشهور عنه إلى أنه ركن في الحج. والصحيح: أنه واجب من واجبات الحج يجب بتركه دم. - فائدة: لا يختص الحلق أو التقصير بزمان ولا مكان ، لكن السنة فعله في أيام النحر، وإليه ذهب الجمهور (٢). وذهب الحنفية (٣) إلى أن الحلق يختص بأيام النحر ومنطقة الحرم، فلو أخل بأي من هذين لزمه الدم ويحصل له التحلل بهذا الحلق. والصحيح عندي: ما ذهب إليه الجمهور. (١) قوله (وَطَوَافُ الْوَدَاعِ): أي ومن واجبات الحج طواف الوداع وهذا هو القول الصحيح، وقد ذكرنا الخلاف فيه، والقول الراجح وبعض المسائل المتعلقة به. (٢) قوله (وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ: الطَّوَافُ): الطواف قد سبق بيانه، وأنه ركن في الحج، وهو كذلك ركن في العمرة. (٣) قوله (وَوَاجِبَاتُهُ الإِحْرَامُ): إن كان المراد الإحرام من الميقات فهذا صحيح، وإن كان المراد الإحرام الذي هو بمعنى نية الدخول في النسك فهذا ركن من أركان العمرة، كما هو ركن من أركان الحج. والمراد من قول المؤلف هنا هو الأمر الأول؛ أي الإحرام من الميقات، فمن تركه فعليه دم جبراناً لتركه واجباً من واجبات الحج.

стр. 874

وَالسَّعْيُ (١)، وَالْحَلْقُ (٢)، فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلاَّ بِهِ (٣) وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا، جَبَرَهُ بِدَمٍ (٤)، وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ (٥)، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ (٦) ــ (١) قوله (وَالسَّعْيُ): هذا في إحدى الروايتين في المذهب، والصحيح الرواية الأخرى أنه ركن من أركان العمرة لا تتم العمرة إلا به، وهو قول الشيخين (١). (٢) قوله (وَالْحَلْقُ): أي ومن واجبات العمرة الحلق، وفي رواية ليس بواجب. والصحيح: أنه واجب في العمرة كالحج، وأنه نسك من نُسكها. (٣) قوله (فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلاَّ بِهِ): وهذا ظاهر وقد تكلمنا عليه كثيراً، فلا يتم حج أو عمرة من ترك ركناً سهواً أو جهلاً أو عمداً، فلا يسقط الركن بأي حال من الأحوال. (٤) قوله (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا، جَبَرَهُ بِدَمٍ): هذا هو قول أكثر أهل العلم لقول ابن عباس ﵄ (مَنْ نَسِىَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا) (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يلزم أحد بدم ما لم يأت بدليل على وجوبه لأن أموال المسلمين معصومة بعصمة دمائهم. والراجح عندي: ما ذهب إليه الجمهور. (٥) قوله (وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ): أي من ترك سنةً قولية أو فعلية فلا شيء عليه لأنها ليست واجبة، فلم يجب جبرها. (٦) قوله (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ): لأن الوقوف بعرفة ركن كما سبق، وينتهي وقت الوقوف بطلوع فجر يوم =

стр. 875

فَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ (١)، وَيَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ (٢)، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ (٣)، وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوْا فِيْ غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ ذلِكَ (٤) وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُمُ الْحَجُّ (٥)، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ (٦)، ــ = النحر فمن فاته لعذر كمرض أو ضل الطريق، أو فاته بغير عذر كالتشاغل، والتواني، ونحوه فقد فاته الحج. (١) قوله (فَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ): أي يقلب نية الحج إلى عمرة ليتحلل بذلك، هذا إذا لم يكن اشترط عند إحرامه، فإن لم يكن قد اشترط في إحرامه فإنه يطوف بالبيت، ويسعى، ويحلق أو يقصر فيكون بمنزلة الذي يفسخ الحج إلى العمرة. (٢) قوله (وَيَنْحَرُ هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَهُ): أي لا دم عليه إن لم يكن معه. (٣) قوله (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ): ذكرنا الخلاف في المسألة، والراجح فيها. فقلنا الراجح أنه إذا كان إحصاره عن فرض أو نذر لزمه القضاء اشترط أم لم يشترط، وإن كان عن نفل فإن اشترط فلا يلزمه القضاء، وإن لم يشترط لزمه القضاء. (٤) قوله (وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوْا فِيْ غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ ، أَجْزَأَهُمْ ذلِكَ): لأن هذا غاية ما يستطيعونه. (٥) قوله (وَإِنْ فَعَلَ ذلِكَ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُمُ الْحَجُّ): أي إذا وقف بعض الناس في غير يوم عرفة ظناً منهم أنه يوم عرفة فقد فاتهم وذلك لتفريطهم. (٦) قوله (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ : الدليل الوارد في استحباب زيارة قبره ﷺ هو حديث موضوع، ولذا نقل عن بعض أهل العلم الإجماع على عدم استحباب السفر من أجل زيارة قبره ﷺ .

стр. 876

وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ﵄ (٧) ــ فالصواب في هذه المسألة: أن شد الرحال من أجل مسجد النبي ﷺ والصلاة فيه فهذا يستحب، ثم يزور قبر النبي ﷺ ، وقبر صاحبيه لقول النبي ﷺ (إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الآخِرَةَ) (١)، أما قصد زيارة قبره استقلالاً فهذا لا يشرع لقول النبي ﷺ (لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ .. ) (٢). (٧) قوله (وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ﵄: يعني أبا بكر وعمر ﵄.

стр. 877

بَابُ الْهَدْيِ وَالأُضْحِيَّة (١) وَالْهَدْيُ وَالأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ (٢) ــ (١) قوله (بَابُ الْهَدْيِ وَالأُضْحِيَّةِ): الهدي: هو كل ما يهدى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، وحكمه أنه سُنَّة، ولا يجب إلا بالنذر، أو التمتع والقران كما سبق. أما الأضحية: فهو ما يذبح في أيام النحر تقرباً إلى الله تعالى، وسميت بذلك لأنها تذبح ضُحىً بعد صلاة العيد. (٢) قوله (وَالْهَدْيُ وَالأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ): وقد اختلف الفقهاء (١) في حكم الأضحية بعد إجماعهم على مشروعيتها: فذهب جمهور الفقهاء إلى أنها سُنَّة مؤكدة، واستدلوا لذلك بقوله ﷺ (إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا) (٢)، وجه الدلالة منه قوله ﷺ (وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ) فجعل الأضحية مفوضة إلى إرادة المضحي. ومن ذلك أيضاً ما جاء عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما كانا لا يضحيان السنة والسنتين مخافة أن يرى الناس أن ذلك واجب، وهذا الصنيع منهما يدل على أنهما علما من النبي ﷺ عدم الوجوب، ولم يرو عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. وذهب الحنفية (٣)، وهو رواية في مذهب مالك (٤) اختارها شيخ الإسلام (٥) =

стр. 878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ =إلى أن الأضحية واجبة واستدلوا لذلك بأدلة منها: ١ - قوله تعالى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (١)، وقد قيل في تفسيرها: صلي صلاة العيد وانحر البدن، ومطلق الأمر للوجوب. ٢ - واستدلوا أيضاً بما رواه ابن ماجه والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن النبي ﷺ قال (مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا) (٢)، قالوا فهذا وعيدٌ على ترك الأضحية والوعيد لا يكون إلا على ترك واجب. ٣ - وأيضاً احتجوا بما رواه مسلم عن النبي ﷺ قال (مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ) (٣)، وجه الدلالة أنه ﷺ أمر بذبح الأضحية وإعادتها إذا ذكيت قبل الصلاة وذلك دليل على وجوبها. قال شيخنا ﵀ (٤): فالقول بالوجوب أظهر من القول بعدم الوجوب، لكن بشرط القدرة. قلت: والذي يترجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فهي سُنَّة يُكره تركها مع القدرة لصراحة الأدلة، وهذا هو ما ذهب إليه سماحة شيخنا ابن باز ﵀ (٥)، واللجنة الدائمة (٦).

стр. 879

لا تَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ (١) وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا (٢) ــ - فائدة: هل تصح الأضحية عن الأموات ؟ الصحيح: أن الأضحية سُنَّة للأحياء لا للأموات لعدم ورود النص عن النبي ﷺ في ذلك مع كونه له أموات، فلم يضح عن خديجة زوجته ﵂، ولا عن عمه حمزة ﵁، ولا عن بناته اللاتي توفين قبله، لكن إن ضحى الإنسان عن نفسه لأهل بيته وأشرك الأموات في أضحيته فلا بأس بذلك، أما جعل أضحيته عن الأموات فقط فهذا لا يشرع لعدم ورود دليل على ذلك. (١) قوله (لا تَجِبُ إِلاَّ بِالنَّذْرِ): لقوله ﷺ (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) (١)، وهذا باتفاق الفقهاء. والناذر للأضحية إما أن يكون نذر لمعينة نحو: (لله عليّ أن أضحي بهذه الشاة)، وإما أن يكون نذراً في الذمة لغير معينة كأن يقول لله علي نذر أن أضحي أو يقول: (لله علي أن أضحي بشاة) فإن نذر التضحية بمعينة لزمته، وكذا إن نذر التضحية بغير معينة ثم عين شاة مثلاً عما في ذمته فهنا يلزمه الأضحية بما عينه في الحالتين. وإن نذر شاة معينة ثم أصيبت بشيء يؤثر على الإجزاء هل يصح نذره؟ نعم يصح نذره، لكن إن أبدل المعينة بخير منها كان أفضل لأن هذا أنفع للفقراء، أما إن نذر معينة ويعلم عيبها المخل بالإجزاء، فهنا لا يصح نذره وعليه أن يبدلها بغيرها. (٢) قوله (وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا): هذا هو قول جمهور أهل العلم لأنها سنة مؤكدة وشعيرة من شعائر الإسلام، ولأن النبي ﷺ ضحى =

стр. 880

وَالأَفْضَلُ فِيْهِمَا الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ (١)، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا (٢) وَلا يُجْزِئُ إِلاَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَهُوَ: مَا كَمَلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ (٣) ــ =والخلفاء من بعده كذلك، ولو علموا أن الصدقة أفضل لعدلوا إليها، ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترك سنة سنَّها رسول الله ﷺ . - فائدة: الميت الصدقة عنه بثمنها أفضل ، وأما الوصايا فيجب تنفيذها بكل حال. (١) قوله (وَالأَفْضَلُ فِيْهِمَا الإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ): لأن ذلك أنفع للفقراء، لكن مراده ﵀ إذا أخرج بعيراً كاملاً أو بقرة كاملة، أما لو أخرج بعيراً عن سبع شياه، فسبع الشياه أفضل من البعير. - فائدة: العقيقة الشاة فيها أفضل من غيرها لورود النص بتعينها. (٢) قوله (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِحْسَانُهَا وَاسْتِسْمَانُهَا): دليل ذلك قوله تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: (تعظيمها استسمانها استعظامها واستحسانها) (٢) ولأن ذلك أعظم لأجرها وأعظم لنفعها. (٣) قوله (وَلا يُجْزِئُ إِلاَّ الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ ، وَهُوَ: مَا كَمَلَ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ): هذا أحد الشروط المعتبرة في الأضحية، فالشرط الأول أنه لابد أن تكون قد بلغت السن المعتبرة شرعاً، فإن كانت دونه فلا تجزئ دليل ما ذكره المؤلف (لا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّةً إِلا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ) (٣) وهذا الشرط متفق عليه عند الفقهاء.
следующие страницы →