Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وأما من السنة:
فما رواه البيهقي في سننه الكبرى بسنده عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، قال: فسمعته يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). قال: قلت: يا رسول الله! إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: ((أجل، ولكن يحلون ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم)).
وروى البيهقي أيضاً عن أبي البختري قال: سئل حذيفة بن اليمان ﵁ عن هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). أكانوا يصلون لهم؟ قال: ((لا، ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لم فيحرمونه، فصاروا بذلك أرباباً)).
أقوال سلف هذه الأمة وخلفها في المسألة:
لقد ذكر المفسرون والمحدثون والعلماء المحققون حكم من اتبع وأطاع غير شرع الله في التحليل والتحريم ـ سأذكر نماذج من هذه الأقوال فيما يلي:
стр. 1087
قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ر حمه الله ـ: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ـ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله ـ يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، مشركًا مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ...
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع؛ فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول، فهذا له نصيبه من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول؛ فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه).
فهذا الكلام من شيخ الإسلام فيه نور، لقد فصل فيه شيخ الإسلام الحكم
стр. 1088
في المسألة، حيث ذكر أن طاعة المحلين للحرام والمحرمين للحلال يكون شركًا أكبر إذا كان هو عالمًا بأن هؤلاء قد غيروا شرع الله ثم اتبعه. وأما من كان اعتقاده وإيمانه بالتحريم والتحليل ثابتًا، ولكن مع هذا تبعهم في ذلك فهذا حكمه حكم المعاصي، وأما إذا كان اتباعه لهؤلاء المشرعين والمحلين والمحرمين لمجرد الهوى فإنه حينئذ يكون مرتكبًا الشرك الأصغر، ولهذا قال بعد هذا: ( ... وأما إن قلد شخصاً دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أنه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيباً، لم يكن عمله صالحاً. وإن كان متبوعه مخطئًا، كان آثمًا. كمن قال في القرآن برأيه؛ فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال حبًا منعه من عبادة الله وطاعته، صار عبدًا له. وكذلك هؤلاء؛ فيكون فيه شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك).
وقال ﵀ ملزمًا كل من علم حكم الله، التمسك به وإن أوذي في ذلك ـ: (ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقاً لعذاب الله، بل عليه أن يصبر، وإن أوذي في الله فهذه سنة الله، في الأنبياء وأتباعهم).
وقال في موضع آخر: (ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله؛ كان مرتدًا كافرًا، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (المص (١) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا
стр. 1089
يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ).
ويقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: (وهذا مثل ما ابتلي به الدين درسوا القوانين الأوروبية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها أيضًا، الذين أشربوا في قلوبهم حبها، والشغف بها، والذب عنها، وحكموا بها، وأذاعوها، بما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإسلام. ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، ويكادون يكونون سواء، فإنا لله وإنا إليه راجعون).
قول الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀:
بيّن ﵀ أنواع التوحيد، وبين أن الشرك مضاد للتوحيد، ثم قسم الشرك إلى ثلاثة أقسام: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.
وبيّن ﵀ أن الشرك الأكبر لا يغفر لصاحبه في يوم القيامة، ثم قسمه إلى أربعة أنواع: وجعل أحد هذه الأنواع الأربعة: شرك الطاعة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ثم قال: (وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله
стр. 1090
فقال: لسنا نعبدهم، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية.
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: بعد أن أورد عدة آيات من القرآن الكريم، قال: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور، أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان في ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم، إلا من طمس الله على بصيرته).
وقال: (ويفهم من هذه الآيات كقوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) أن متبعي غير ما شرعه الله تعالى أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). فصرح أنهم مشركون بطاعته، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرع الله ـ تعالى ـ هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). وقوله عن إبراهيم: (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا). وقوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً
стр. 1091
وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً). أي ما يعبدون إلا الشيطان، أي وذلك باتباع شريعته، ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ).
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين ـ حفظه الله ـ عند بيانه معنى قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ): (وسمى المتبعين عبادًا حيث إنهم ذلوا لهم، وأطاعوهم في مخالفة حكم الله ).
ويقول الشيخ صالح الفوزان ـ حفظه الله ـ: (اعلم ـ وفقني الله وإياكم ـ أن من الشرك طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ... وقد فسر النبي ﷺ فيه اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله بأنه ليس معناه الركوع والسجود لهم، وإنما معناه: طاعتهم في تغيير أحكام الله وتبديل شريعته بتحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال، وأن ذلك يعتبر عبادة لهم من دون الله، حيث نصبوا أنفسهم شركاء لله في التشريع، فمن أطاعهم في ذلك فقد اتخذهم في تحكيم القوانين الوضعية المخالفة للأحكام الشرعية في تحليل الحرام؛ كإباحة الربا والزنا وشرب الخمر، ومساواة المرأة للرجل في الميراث، وإباحة السفوروالاختلاط، أو تحريم الحلال؛ كمنع تعدد الزوجات، وما أشبه ذلك من تغيير أحكام الله واستبدالها بالقوانين الشيطانية، فمن وافقهم
стр. 1092
على ذلك ورضي به واستحسنه فهو مشرك كافر ـ والعياذ بالله ـ).
فهذه أقوال العلماء على أن طاعة المشرعين في التحليل والتحريم شرك بالله على التفصيل الذي سبق معنا.
الفرع الثاني: في بيان شرك الطاعة في قبول التشريع والتحليل والتحريم عن العلماء ـ الأئمة ـ:
لا شك أن من أطاع عالمًا من العلماء في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله مع علمه به فإنه أشرك بالله في الطاعة. وقد سبق معنا بعض الأدلة الدالة عليه؛ فإن آية التوبة إنما نزلت في شأن العلماء منصوصًا، وإن كان يشمل الأمراء ظاهرًا. ومن الأدلة عليه:
قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه أنه مخالف للرسول فهذا شرك يستحق العقوبة عليه. ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ تعليقًا على قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ): (وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد، وهو من هذا الشرك ـ أي
стр. 1093
الأكبر ـ، ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره أو يحرم، فعظمت الفتنة، ويقول: هم أعلم منا بالأدلة ... ).
ويقول الشيخ صالح الفوزان: (ومن ذلك ـ الشرك في الطاعة ـ تقليد الفقهاء باتباع أقوالهم المخالفة للأدلة إذا كانت توافق أهواء بعض الناس وما يشتهونه، كما يفعل بعض أنصاف المتعلمين من تلمس الرخص، والواجب أن يؤخذ من قول الفقهاء ما وافق الدليل ويطرح ما خالفه ... ).
الفرع الثالث: في بيان شرك الطاعة في اتخاذ تشريعات المتصوفة دينًا ملزمًا:
من ألوان شرك الطاعة لدى المتصوفة وأتباعهم من الجهلة: (طاعة علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياء الموالد والطرق الصوفية، والتوسل بالأموات ودعائهم من دون الله، حتى إن هؤلاء العلماء الضالين شرعوا ما لم يأذن به الله، وقلدهم فيه الجهال السذج واعتبروه هو الدين، ومن أنكره ودعا إلى اتباع ما جاء به الرسول ﷺ اعتبروه خارجًا من الدين، أو أنه يبغض العلماء والصالحين، فعاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، حتى شب على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وهذا من غربة الدين وقلة الدعاء الصالحين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وإذا كان لا يجوز اتباع أئمة الفقه المجتهدين فيما أخطأوا فيه من الاجتهاد مع أنهم معذورون ومأجورون فيما أخطأوا فيه من غير قصد ـ إلا أنه يحرم اتباعهم على الخطأ ـ فكيف لا يحرم تقليد هؤلاء المضللين والدجالين الذين أخطأوا
стр. 1094
فيما لا يجوز الاجتهاد فيه وهو أمر العقيدة). وقد سبق معنا بيان بعض التشريعات عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة الحكم والتشريع لله جل شأنه.
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (المسألة الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين).
على كل: إن هذا اللون من الشرك يعم وجه الأرض اليوم؛ فأما الأرض غير الإسلامية فقد حوت كل صنوف الكفر والشرك، ومن أبرزها: شرك الطاعة في التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله، واتخاذ الأنداد والأرباب المختلفة من دون الله يطيعونهم في أعمالهم. وأما الأرض الإسلامية فقد وقع أهلها في هذا النوع من الشرك، كل من رضي بشريعة غير شريعة الله، مجلوبة من الشرق أو الغرب، أو من المتصوفة أو من العلماء الكبار، وكل من رفع راية التحزب وليست تحت راية الإسلام، من قومية أو وطنية أو علمانية أو غيرها من الرايات التي لم يأذن بها الله. فهؤلاء يطيعونهم في التحليل والتحريم، وإن كانت الأرباب التي أخذوها إنما هي أفكار، وليست بمحسوسة.
فالذي ينادي بالقومية أو الوطنية ويتخذ ذلك وسيلة وذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله، هو في الواقع يتخذ القومية أو الوطنية ربًا يعبده من دون الله، سواء في ذلك من يقيم هذه الراية ومن يرضى بها، لأن الأول يصدر باسمها تشريعات تحل وتحرم بغير ما أنزلا لله، والآخر يتلقى منها ويطيعها ولا يتوجه
стр. 1095
بالتلقي والطاعة إلى الله.
والذي ينادي بوجوب الإفطار في نهار رمضان للعمال، معللاً أن الصيام يضر بالإنتاج المادي، يتخذ الإنتاج المادي في الحقيقة ربًا يعبده من دون الله، لأنه يطيعه مخالفًا أمر الله.
والذي ينادي بخروج المرأة سافرة متبرجة مخالطة للرجال باسم التقدم والرقي وباسم التحرر، يتخذ التقدم والرقي والتحرر في الحقيقة أربابًا معبودة من دون الله، لأنه يحل باسمها ما حرم الله، ويطيعها من دون الله.
والذي يدعو إلى إبطال شريعة الله أو تبديل الأحكام الإسلامية التي تصون الأخلاق والأعراض لكي نبدو في نظر الغرب متحضرين غير متخلفين، يتخذ الغرب وتقاليده أرباباً من دون الله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم.
والذي اتبع هواه في التحليل والتحريم فيأخذ ما يحلو له من الدين ويترك ما يخالف هواه فهو أخذ هواه ربًا يعبده بطاعته. وما أكثر هذا الشرك بالهوى في العصر الحاضر.
والذي اتبع عقله في دين الله من غير مبالاة بالكتاب والسنة، وغير محرم لما حرم الله، وغير محلل لما حلل الله بحجة مخالفة العقل، فهو يأخذ العقل ربًا يطيعه في التحليل والتحريم.
وهكذا نرى صورًا متعددة من صور شرك الطاعة والاتباع تعم حياة الناس اليوم دون أن يتبينوا ما هم واقعون فيه من الشرك.
فهؤلاء المتبعون والمطيعون لغير الله في الشرع والتحليل والتحريم حكمهم على التفصيل الذي سبق معنا من كلام شيخ الإسلام ﵀.
стр. 1096
المطلب السادس: الشرك بالنية والإرادة والقصد
النية في اللغة: القصد والعزم والإرادة.
وفي الشرع: تستعمل على معنيين:
الأول: تمييز العبادات بعضها عن بعض؛ كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر مثلاً، وتمييز صيام رمضان عن صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات؛ كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم. وهذا غير مقصود عندنا هاهنا.
الثاني: تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله ولغيره؟ ، وهذه النية هي المقصودة عندنا هاهنا. وهي التي حث الشرع في العبادة أن تكون لله جل شأنه.
أما الشرك في النية والإرادة والقصد: فالمقصود به: أن ينوي ويقصد العبد بعمله جملة وتفصيلاً غير الله. وهو الشرك في الاعتقاد. ودليل ذلك قوله سبحانه: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فبين سبحانه أن من كان غرضه الدنيا لا غير لا يريد إلا إياها ولا يحب إلا
стр. 1097
من أجلها، فليس له من الدنيا إلا ما قدر له، وهو في الآخرة من أهل النار، وما كان من الأعمال الحسنة التي أراد بها تحصيل الدنيا باطلة لا قيمة لها؛ لأنه كما قال ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات))، فلما كانت أعماله كلها للدنيا لم تنفعه في الآخرة، إذ كل عمل لا يكون لله لا خير فيه ألبتة، ولذا فإن المؤمن دومًا يلحظ في أعماله ابتغاء رضا ربه وثوابه وجنته والنجاة من النار. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).
فهذا الشرك في مقابل الإخلاص، فمن لا يكون مخلصاً يكون مشركًا، وهذا الشرك يكون من وجهين:
١ - أن يراد بعمله غير وجه الله.
وذلك بأن يعمل العمل لا يريد به وجه الله، بل يريد به غيره من صنم أو وثن أو قبر أو ميت أو قائد أو راية ونحو ذلك. وهو أعظم أنواع الشرك.
٢ - نوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه.
يقول الإمام ابن القيم: (وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئًا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله، وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
стр. 1098
الْخَاسِرِينَ). وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء).
قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)؛ أي كما أنه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة، وكان عمر ﵁ من دعائه: (اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا).
لكن الشرك في النية والإرادة له درجات: قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون دون ذلك. ويكاد يكون محصورًا في شيئين:
الأول: الرياء. فالرياء كله شرك، فإن كان يسيرًا فهو شرك أصغر، كما سبق معنا في التمهيد. وإن كان كثيرًا فهو من الشرك الأكبر. قال تعالى في بيان خصال الكفار والمشركين والمنافقين: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلاً)، وقال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ).
وفي السنة: قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا: ((أنا أغنى الشركاء
стр. 1099
عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)).
قال ابن رجب ﵀ موضحًا ذلك: (اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضًا، بحيث لا يراد سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي؛ كحال المنافقين في صلاتهم ... وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت والعقوبة ... ).
الثاني: إرادة الإنسان بعمله الدنيا (هذا أعم من الرياء): قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). قال قتادة: (من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء).
ويدل عليه حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار قبل كل واحد يوم القيامة.
وجود هذا النوع من الشرك في العصر الحديث:
هذا النوع من الشرك ـ كما قال ابن القيم ـ (بحر لا ساحل له)، وله وجود بصفة عامة في جميع الديار، وقلّ من ينجو منه، فكم من الناس تراه يعمل أعمالاً صالحة من صلاة وصوم وصدقة وإحسان إلى الناس وترك ظلمهم ونحو ذلك لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أشياء دنيوية بحتة.
стр. 1100
وكم من الناس يعمل أعمالاً كثيرة ولا يريدون إلا حطام الدنيا، كالمال يأخذه، أو امرأة يتزوجها.
وكم من الناس يقوم بالتدريس أو يقوم بالإمامة وليس من نيته إلا الحفاظ على الوظيفة.
وكم من الناس يقوم بتهمة القتال، وليس من نيته إلا الدفاع عن اللغة أو الدولة أو الجنس مثلاً.
ولكن لا يعرف هذه الأمور لكونها مخفية في قرارة نفسه، فليحذر الإنسان ربه وليخلص نيته.
* * *
стр. 1101
المبحث الثاني: في بيان مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأعمال القلبية مع الجوارح (شرك التقرب والنسك)
وهذا النوع من الشرك أفراده كثيرة، لأن ما من عبادة ظاهرة إلا وله مدخل فيها، ولعل الضابط فيه: (التعظيم لغير الله بأعمال العبادات الظاهرة على وجه الذل والخضوع والحب لغير الله). فكل من الركوع والسجود والقيام والطواف والذبح والنحر والنذر والتوبة وحلق الرأس تذللاً وخضوعًا وتعبدًا وغيرها من العبادات الظاهرة، صرفها لغير الله يكون من الشرك الأكبر في العبادة.
وسأذكر فيما يلي بعض هذه الأفراد التي يكثر وقوعها في العصر الحديث في المطالب الآتية:
المطلب الأول: في بيان شرك التقرب والنسك بالركوع والسجود والقيام وغيرها لغير الله
الركوع والسجود والقيام والطواف وغيرها من العبادات الظاهرة لله، ففي السجود والركوع أبلغ معاني الخضوع والتذلل والانقياد، مما لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، وقد أخبر الله تعالى بانقياد هذا الكون كله لله وحده لا شريك له، وسجوده له تعالى، فقال سبحانه: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ
стр. 1102
وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ). وأمر الله سبحانه بالسجود والركوع له وحده في مواضع كثيرة من كتابه، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وبالجملة: فالقيام والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض، وما كان حقاً خالصاً لله لم يكن لغيره نصيب ... فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له).
وقد منع الشرع توجيهها لغير الله، يقول تعالى: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)؛ أي: لا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به.
قال بعض أهل العلم في تفسير هذه الآية: (إن من أراد أن يكون عبدًا لله خالصاً، فلا يسجد إلا له سبحانه، ولا يسجد للشمس والقمر، نبه بهما على غيرهما من المخلوق العادي، فالسفلي من الأحجار والأشجار والضرائح نحوها بالأولى. وقد دلت هذه الآية على أن ديننا هو أن السجود حق للخالق، فلا يسجد لمخلوق أصلاً كائنًا من كان، فإن المخلوقية يتساوى فيها الشمس والقمر، والولي والنبي، والحجر والمدر والشجر، ونحوها).
стр. 1103
وأيضًا: فإن الله تعالى قال ـ بعد الآية السابقة ـ: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ).
فمن سجد لله وحده، فقد خضع وانقاد لله وحده، وحقق كمال الذل والمحبة لله تعالى وحده. وضده من استكبر عن إفراد الله بالعبادة ـ ومنها السجود والركوع ـ، وقد توعد الله سبحانه هؤلاء المستكبرين بالعذاب المهين. فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
ويقول القرطبي: (وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال الصوفية عادة في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال ـ بزعمه ـ يسجد للأقدام لجهله، سواء كان للقبلة أو غيرها جهالة منه، ضل سعيهم وخاب أملهم).
ويقول ابن القيم في بيان هذا الشرك: (ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجو له، والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود، وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احتراماً وتواضعًا، فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه، فحقيقة السجود: وضع الرأس لمن يسجد له، وكذلك السجود للصنم، وللشمس، وللنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه.
ومن أنواعه: ركوع المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة، وهذا سجود في اللغة، به فسر قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً) أي: منحنين، وإلا
стр. 1104
فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض، ومنه قول العرب: سجدت الأشجار إذا أمالتها الريح).
ويقول أيضاً: جاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية فزينوا لمريديهم حلق رؤوسهم لهم، كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه، وقالوا: هو وضع الرأس بين أيدي الشيخ، ولعمر الله إن السجود لله تعالى هو وضع الرأس بين يديه سبحانه، وزينوا لهم أن ينذروا لهم، ويتوبوا لهم، ويحلفوا بأسمائهم، وهذا هو اتخاذهم أرباباً وآلهة من دون الله، قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
وأشرف العبودية عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها، وهو السجود، وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع، فإذا لقي بعضهم بعضاً ركع له كما يركع المصلي لربه سواء، وأخذ الجبابرة منهم القيام، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم، وهم جلوس، وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها مخالفة صريحة له؛ فنهى عن السجود لغير الله وقال: ((لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد)). وتحريم هذا معلوم من دينه
стр. 1105
بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله، وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوزا لعبودية لغير الله، وأيضًا فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً) أي منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه.
والمقصود: أن النفوس الجاهلية الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه، وأشركت فيها من تعظمه من الخلق، فسجدت لغير الله، وركعت له، وقامت بين يديه قيام الصلاة، وحلفت لغيره، ونذرت لغيره، وحلقت، وذبحت لغيره، وطافت لغير بيته ... ، وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، وهم الذين بربهم يعدلون، قال تعالى: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
وإذا تقرر كون السجود لغير الله تعالى شركًا بالله تعالى، فينبغي أن نفرق بين سجود العبادة، وسجود التحية، فأما سجود العبادة فقد سبق الحديث عنه، وأما سجود التحية فقد كان سائغاً في الشرائع السابقة، ثم صار محرمًا على هذه الأمة، فهو معصية لله تعالى، فمن المعلوم أن سجود العبادة القائم على الخضوع والذل والتسليم والإجلال لله وحده هو من التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل، وإن صرف لغيره فهو شرك وتنديد، ولكن لو سجد أحدهم لأب أو عالم ونحوهما وقصد التحية والإكرام فهذه من المحرمات التي دون الشرك، أما
стр. 1106
إن قصد الخضوع والقرابة والذل له فهذا من الشرك، ولكن لو سجد لشمس أو قمر أو قبر، فمثل هذا السجود لا يتأتى إلا عن عبادة وخضوع وتقرب، فهو سجود شركي، وإليك توضيح ذلك من خلال النصوص التالية:
يقول الله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا).
يقول ابن عطية ـ في معنى السجود ـ: (واختلف في هذا السجود، فقيل: كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه، مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود ـ على أي هيئة كان ـ فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم).
ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وقد كان سائغاً في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصًا بجناب الرب ، هذا مضمون قول قتادة وغيره ـ إلى أن قال ـ: والغرض أن هذا كان جائزًا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدًا).
ويقول محمد رشيد رضا عند تفسيره لقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ): (وهو سجد لا نعرف صفته، ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة؛ إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان، ووضع الجبهة على التراب، وكان عند القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء،
стр. 1107
ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف ﵇.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها)).
وعن قيس بن سعد ﵁ قال: (أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله ﷺ أحق أن يسجد له، قال: فأتيت إلى النبي ﷺ ، فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: ((أرأيت لو مررت على قبري أكنت تسجد له؟ )) قال: قلت: لا، قال: ((فلا تفعلوا، لو كنت آمراً أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق))).
قال الطيبي: (أي اسجدوا للحي الذي لا يموت، ولمن ملكه لا يزول،
стр. 1108
فإنك إنما تسجد لي الآن مهابة وإجلالاً).
ويبين ابن تيمية هذه المسألة فيقول:
(أما تقبيل الأرض، ووضع الرأس، ونحو ذلك مما فيه السجود، مما يفعل قدام بعض الشيوخ، وبعض الملوك، فلا يجوز بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضًا، كما قالوا للنبي ﷺ : (الرجل منا يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: لا ... ).
وأما من فعل ذلك تدينًا وتقربًا فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينًا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل).
ويقول أيضاً: (وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله منهي عنه).
ويقول في موضع ثالث: (وحجرة نبينا ﷺ وحجرة الخليل، وغيرهما من المدافن التي فيها نبي أو رجل صالح، لا يستحب تقبيلها، ولا التمسح بها باتفاق الأئمة، بل منهي عن ذلك، وأما السجود لذلك فكفر).
وإذا انتقلنا إلى الطواف: فإن المراد بالطواف الذي يكون شركًا هو الطواف بغير الكعبة مع قصد التقرب لغير الله تعالى، كالطواف بالقبور والمشاهد
стр. 1109
ونحوها، فالطواف عبادة لقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وصرف العبادة أو شيء منها لغير الله تعالى شرك، وأما لو طاف بتلك القبور بقصد التقرب إلى الله تعالى فهو محرم، وبدعة منكرة، ووسيلة لعبادة تلك القبور.
يقول ابن تيمية في هذه المسألة:
(وأما الرجل الذي طلب من والده الحج، فأمره أن يطوف بنفس الأب، فقال: طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط، فهذا كفر بإجماع المسلمين، فإن الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين، ومن اعتقد ذلك دينًا فهو كافر، سواء طاف ببدنه أو بقبره).
ويقول أيضًا: (ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة ... فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانًا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال ... ).
وإذا تقرر حكم هذه الأعمال، فإنه يمكن بإيجاز أن نقول: إن هذا شرك يناقض توحيد العبادة.
وقد غلط مرجئة المتكلمين ومن تبعهم قديمًا وحديثاً عندما زعموا أن شرك التقرب والنسك ليس شركًا بإطلاق، ما لم يتضمن عندهم الشرك في التوحيد العلمي الخبري؛ لأنهم حصروا التوحيد في الربوبية، ومن ثم فالشرك عندهم هو الشرك في هذا التوحيد.
стр. 1110
ومثال ذلك ما توهمه بعضهم بأن السجود لغير الله لا يكون كفرًا إلا إذا اعتقد الربوبية فيمن سجد له. والصحيح أن السجود لغير الله شرك يناقض توحيد العبادة، وإذا انضم إلى ذلك اعتقاد الربوبية فيمن سجد له، فهذا شرك في الربوبية، وليس الشرك محضور في اعتقاد الربوبية بالمسجود له.
ومنهم من قال: إن السجود للصنم أو الشمس ونحوهما علامة الكفر وإن لم يكن في نفسه كفر. وهذا ليس بصحيح، بل السجود للصنم أو الشمس في حد ذاته كفر وشرك بالله تعالى في العبادة، فهو خضوع ورجاء وتذلل لغير الله تعالى، ولا تقوم عبودية الله تعالى إلا بتحقيق السجود له سبحانه، كما قال تعالى: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
ثم إن هذه الأعمال ـ السجود والركوع والطواف بغير بيت الله والذبح والنحر والنذر ـ فيها تشبيه المخلوق الضغيف العاجز بالخالق القدير القوي سبحانه. وقد سبق معنا: أن أصل الشرك هو التشبيه والتشبه كما ذكره ابن القيم ﵀ في عدة من كتبه، وذكره المقريزي في تجريد التوحيد المفيد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يكن يشرع لأمته السجود لميت، ولا لغير ميت ونحو ذلك،
стр. 1111
بل نهى عن كل هذه الأمور، وإن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله).
وكما يقول أيضًا: (كان من أتباع هؤلاء المشركين من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها كما يدعو الله تعالى، ويصوم لها وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدتُ أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك).
فالخلاصة: أن الركع والسجود والقيام إذا كان المقصود منها التعظيم لغير الله فإنها حينئذ تكون من الشرك بالله جل شأنه بالتقرب والنسك، وأما إذا كان المقصود منها التحية أو الاحترام ـ كما يسمونه ـ فهذه شرك بالله في الطاعة؛ لأنها منهية محرمة في الشرع، ومن عرف نهي الشرع ومع ذلك عمل به فهو أطاع الشيطان، ومن أطاع الشيطان في التحليل والتحريم فقد عبده، وبهذا يكون هو مرتكبًا الشرك بالله شركاً أكبر في الطاعة، وقد سبق بيانه فيما سبق.
وأما إن كان المسجود أو المركوع له من الحجر أو الشجر أو القبر أو مثل هذه الأشياء فهذه السجدة والركو ليسا من التحية، بل هذه السجدة سجدة عبادة، فليسميها المفترون بما شاءوا.
وإذا علم هذا، فكم من الناس تراهم يركعون ويسجدون ويقومون ـ بالذل والخضوع مع الحب القلبي ـ لمن يعظمونهم ويعتقدون فيهم القداسة أو الولاية. وإذا أردت معرفتها فلتنظر إلى عباد القبور، وعباد الرؤساء، وعباد الكبار من أصحاب المناصب.
ومن أمثلة هذه العبادة في العصر الحاضر:
القيام في البرلمان مطأطئًا الرؤوس لمدة خمس دقائق ـ كما هو منصوص
стр. 1112
في أغلب دساتير برلمان العالم الإسلامي ـ لموتى الدولة في أول جلسة البرلمان. وكما سبق أن هذا النوع من الركوع والسجود لا يمكن أن يكون فيه شبهة التحية، بل هي سجدة العبادة لا محالة.
والدخول راكعًا في البرلمان، احتراماً للبرلمان الذي مكنه من الكلام أمام الناس.
كما أن من أفراده في العصر الحاضر الركوع من قبل بعض المغنيين وأصحاب البرامج للمستمعين للأغنية أو للمشاهدين للمسرحية أو التمثيلية مثلاً.
وهكذا إعطاء الزهور في اليوم الوطني لقبور شهداء الدولة والوقوف أمام قبورهم شبه ساجد بضع دقائق احترامًا لهؤلاء الذين ماتوا في استقلال الدولة، ووصل الأمر إلى حد أن بعض الدول تستضيف الضيوف الدولية أول ما تستضيف في هذه القبور وبإعطاء باقة من الزهور إلى هذه القبور، وصار الأمر هينًا عندهم لكونه منصوصًا في الدساتير بأنه من احترام المضيف والضيف، فالله المستعان.
ومن مظاهره أيضًا: تعظيم التماثيل والنصب التذكارية سواء كان بالسجود لها أو الركوع أو القيام لها بالصفة التي تقدمت معنا.
ومن مظاهره أيضًا: الوقوف في الأصنام التذكارية لكبار الدولة عند ما يسمونه باليمين الدستوري ـ مع أنه شرك في نفسه، فإن اليمين لا يكون إلا بالله أو بأسمائه أو صفاته وهؤلاء يحلفون بالدستور حلفاً يقصدون به تعظيم المحلوف عليه، وهذا معلوم كونه من الشرك الأكبر، وليس من الشرك الأصغر الذي هو مجر إرادة التأكيد ـ.
стр. 1113
المطلب الثاني: في بيان شرك التقرب والنسك بالذبح والنذر لغير الله
أ- أما الذبح: فلا شك أن الذبح والنحر إن قصد بهما التوجه والتقرب إلى الله وحده فهو من العبادات، ويسمى نسكًا؛ لأن النسك هو العبادة والقربة. وقد فرض الله ذلك بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، والنسك ـ هاهنا ـ الذبيحة.
يقول ابن عطية في تفسير الآيات: (قوله: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي ... ) الآية، أمر من الله عزوجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته، وطاعته من ذبيحة وغيرها، وتصرفه مدة حياته، وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله عزوجل، وإرادة وجهه وطلب رضاه، وفي إعلان النبي ﷺ بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به، حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عزوجل).
ويقول ابن كثير في تفسيره: (يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه
стр. 1114
على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى).
ومما قاله محمد رشيد رضا في تفسيره لهذه الآيات: (هذا بيان إجمالي لتوحيد الإلهية بالعمل، والمراد بالصلاة جنسها الشامل للمفروض والمستحب، والنسك في الأصل العبادة أو غايتها، والناسك العابد، ويكثر استعماله في القرآن والحديث في عبادة الحج، وعبادة الذبائح والقرابين فيه، ـ إلى أن قال ـ والعبادات إنما تمتاز على العادات بالتوجه فيها إلى المعبود تقربًا إليه، وتعظيمًا له، وطلبًا لمثوبته ومرضاته، وكل من يتوجه إليه المصلي أو الذابح بذلك، ويقصد به تعظيمه فهو معبود له، سواء عبر فاعله عن ذلك بقول يدل عليه أم لا. فالعبادة لا تنبغي إلا لله رب العباد وخالقهم ... وكون الصلاة والنسك لا يكونان في الدين الحق إلا خالصين لله وحده أمر ظاهر يعد من ضروريات الدين).
ويقول سبحانه: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ).
يقول ابن تيمية عن هذه الآية الكريمة: (أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما: الصلاة، والنسك الدالتين على القرب والتوضع والافتقار وحسن الظن، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عدته
стр. 1115
وأمره وفضله، عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر، وتركًا لإعانة الفقراء وإعطائهم، وسوء الظن منهم بربهم، ولهذا جمع الله بينهما في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، والنسك هي الذبيحة ابتغاء وجهه، وهو أجل العبادات المالية، وما يجتمع للعبد في نحره من إيثار الله، وحسن الظن به، وقوة اليقين، والوثوق بما في يد الله أمر عجيب، إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص، وقد امتثل النبي ﷺ أمر ربه، فكان كثير الصلاة لربه، كثير النحر، حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثاً وثلاثين بدنة، وكان ينحر في الأعياد وغيرها).
وبهذا يتقرر أن الذبح من أجل العبادات، وأعظم الطاعات.
ب- وأما النذر: فهو عبادة، لا يكون إلا لله وحده لا شريك له (باعتبار الوفاء به، وأما باعتبار ابتداء النذر فقد صح النهي عنه، فالمقصود هنا في كونه عبادة: باعتبار الوفاء به) حيث إن الله مدح الموفين بالنذر، فقال سبحانه: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا).
يقول الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذه الآية: (يؤخذ منه أن الوفاء بالنذر قربة، للثناء على فاعله، لكن ذلك مخصوص بنذر الطاعة). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان معنى الآية: (إن الله مدح الموفين بالنذر، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو
стр. 1116
مستحب، أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة).
وقال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). والمعروف أن الإنفاق عبادة، والوفاء بالنذر كذلك.
وقد أمر النبي ﷺ بالوفاء بنذر الطاعة، فقال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)).
وقال أيضًا في ذم الذين ينذرون ولا يوفون: ((خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن)). فسوى بين من يخون أمانته، ومن لا يفي بنذره، والخيانة مذمومة، فيكون ترك الوفاء بالنذر مذمومًا.
ومن خلال ما سبق إيراده، ندرك أن النذر عبادة مدح الله الموفين به، فلا ينبغي أن يكون إلا لله وحده.
الشرك بالله بالذبح والنذر لغير الله ووجوده في العصر الحاضر:
إن الذبح أو النذر لغير الله تعالى شرك بالله تعالى، لأنهما عبادتان يجب
стр. 1117
صرفهما لله تعالى وحده، فمن صرفهما لغيره فقد أشرك، كما أن هؤلاء الذين ينحرون لغير الله تعالى سواء كان للأموات، أو للجن، أو للملائكة ﵈، أو لطلعة سلطان ونحوها، إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد باطل، فيعتقدون أنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ومنهم من يقدم تلك النحائر والنذور إلى هذه المعبودات من أجل أن تقربهم عند الله زلفى.
يقول تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ).
ومعنى قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ): (ما ذبح لغير الله تعالى، وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل، وكذلك النصارى، وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به، فذلك إهلاله).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى، مثل أن يقال: هذه ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن، متقربين إلى الله سبحانه، كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له، والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة أو قصد به ذلك أولى، وهذا يبين لك
стр. 1118
ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس كان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا به إليه لحوم، وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب، بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان).
يقول ابن كثير: (فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع ـ يقصد أكل ما ذبح على النصب ـ، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب، فهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما كان النبي ﷺ يسر إلى شيئًا يكتمه الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، فقيل: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: ((لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض)).
ومما يبين لك أن هؤلاء الذين ينذرون أو يذبحون لغير الله تعالى إنما هو عن اعتقاد بأنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ما يرى من أحوالهم وأوضاعهم، وقد بين العلماء ذلك في كتبهم، فهذا الصنعاني ﵀ يوضح هذا الأمر فيقول ـ مناقشًا شبهات من يذبح لغير الله ـ: (فإن قال: إنما نحرت لله، وذكرت
стр. 1119
اسم الله عليه، فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال: نعم، فقل له: هذا النحر لغير الله تعالى، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم يقينًا أنك ما أردت ذلك أصلاً، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا قصدًا له).
ويقول ـ أيضاً ـ مبيناً حكم هذه النذور والنحائر ـ: (فإن قلت: هذه النذور والنحائر ما حكمها؟ قلت: قد علم كل عاقل أن الأموال عزيزة عند أهلها، يسعون في جمعها ولو بارتكاب كل معصية، ويقطعون الفيافي من أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذل أحد من ماله شيئًا إلا معتقدًا لجلب نفع أكثر منه، أو دفع ضرر، فالناذر للقبر ما أخرج ماله إلا لذلك، وهذا اعتقاد باطل، ولو عرف الناذر بطلان ما أراده، ما أخرج درهماً).
وكذلك الشوكاني ﵀ يقرر أن هذه الأعمال الشركية صادرة عن الباطن، وأن أصحابها يعتقدون فيها النفع والضر، فيقول: (وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال، والخضوع والاستكانة عبادة الله بلا خلاف، ومن زعم أن ثمة فرق بين الأمرين فليهده إلينا، ومن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر لهم عبادتهم، فقل له: فلأي مقتضى صنعت هذا الصنع؟ فإن دعاءك للميت عند نزول أمر بك ألا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عرض
стр. 1120
الحاجات من دون اعتقاد منك لهم، فأنت مصاب بعقلك، وهكذا إن كنت تنحر لله، وتنذر لله، فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره، فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض، وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته، أو أمر قد أردته).
ويعلل صاحب كتاب (التوضيح عن توحيد الخلاق) كون النذر لغير الله تعالى من الشرك قائلاً: (لأن الناذر لم ينذر هذا النذر لغير الله إلا لاعتقاده في المنذور له أنه يضر وينفع، ويعطي ويمنع، إما بطبعه، وإما بقوة سببية فيه، ويجلب الخير والبركة، ويدفع الشر والعسرة، والدليل على اعتقاد هؤلاء الناذرين وشركهم: حكيهم وقولهم: إنهم قد وقعوا في شدائد عظيمة، فنذروا لفلان وفلان ... فانكشفت شدائدهم واستراحت خواطرهم، فقد قام في نفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، ومن تأمل القرآن وسنة المبعوث به ﷺ ، ونظر أحوال السلف الصالح، علم أن هذا النذر نظير ما جعلته المشركون لآلهتهم في قوله تعالى: (هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا).
ويتحدث الشيخ مبارك الميلي عن واقع أولئك الناس الذين يذبحون لغير الله تعالى، ويبين أنهم إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد وطلب للقربى من تلك
стр. 1121
المعبودات، فكان مما قاله ﵀: (إن كل من خالط العامة، يجزم بأن قصدهم بذبائح الزردة التقرب من صاحب المزار، ويكشف عن ذلك أشياء:
أحدها: أنهم يضيفون الزردة إلى صاحب المزار، فيقولون: زردة سيدي فلان، أو طعام سيدي عبد القادر مثلاً:
ثانيها: أنهم يفعلونها عند قبره، وفي جواره، ولا يرضون لها مكاناً آخر.
ثالثها: أنهم إن نزل المطر إثرها، نسبوه إلى سر المذبوح له، وقوي اعتقادهم فيه، وتعويلهم عليه.
رابعها: أنهم لو تركوها فأصيبوا بمصيبة، نكسوا على رؤوسهم، وقالوا: إن وليهم غضب عليهم، لتقصيرهم في جانبه).
وفي ختام مسألة الذبح أو النذر لغير الله تعالى، يحسن بنا أن ننبه على عدم الخلط بين ما يذبح لغير الله تعالى تقربًا أو تعظيمًا، فهذا من باب العبادات والقربان، وبين ما يذبح عادة بقصد الأكل أو إكرام ضيف ونحوهما. فالأول: شرك في العبادة والألوهية، وأما الثاني: فليس بشرك ويختلف حكمه حسب النية.
كما يجب التفريق بين النذر الشركي المخرج من الملة وبين نذر المعصية
стр. 1122
فيما دون ذلك، وذلك؛ أن (النذر الغير جائز قسمان:
أحدهما: نذر فعل المعصية، كشرب الخمر، وقتل المعصوم، فيحرم الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ : ((من نذر أن يعصي الله فلا يعصه))، ولأن معصية الله تعالى لا تباح في حال من الأحوال ...
الثاني: النذر لغير الله تعالى؛ كالنذر لإبراهيم الخليل، أو محمد النبي الأمين ﷺ ، أو ابن عباس، أو عبد القادر، أو الخضر ... فلا خلاف بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي). إذا اعتقد فيهم النفع أو الضر، ومن جانب الوفاء به من الشرك في العبادة والألوهية.
شبهة في باب الذبح والنذر والجواب عنها:
قد لبس خصوم عقيدة التوحيد في هذه المسألة، فزعموا: أن الذبح لغير الله، وكذا النذر لغيره، إنما هي من المحرمات التي دون الشرك ... وذلك بسبب سوء فهمهم للنصوص الشرعية، وكلام أهل العلم، بل ربما نسبوا هذا التلبيس لبعض أئمة السلف أيضاً.
وقد قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بكشف هذا التلبيس، وبيان
стр. 1123
الحق في هذه القضية، فكتب جواباً في الرد على أحد الخصوم له، حين زعم الأخير أن النذر لغير الله حرام ليس بشرك، فقال الشيخ في الرد عليه:
(فدليلك قولهم: إن النذر لغير الله حرام بالإجماع، فاستدللت بقولهم: حرام على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك، فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك! ما تصنع بقول الله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر؟ يا هذا الجاهل الجهل المركب، ما تصنع بقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) ـ إلى قوله ـ (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا). هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ ! يا ويلك في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام، أنه ليس بكفر، فقولك: أن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم، بل يقال: ذكر أنه حرام، وأما كونه كفر فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه أنه مصرح في الإقناع: أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها: لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره، كيف لا يكون شركًا؟ ).
وأيضاً يورد الشيخ قاعدة مهمة أثناء جوابه على من ادعى أن الذبح للجن منهي عنه فهو معصية وليس بردة، حيث قال ﵀: (قوله: الذبح للجن منهي عنه، فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي أن لفظ (التحريم والكراهة)، و ... (لا ينبغي) ألفاظ عامة تستعمل في المكفرات،
стр. 1124
والمحرمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام، مثل استعمالها في المكفرات قول: (لا إله إلا الذي لا تنبغي العبادة إلا له)، وقوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا). ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا). وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: (يحرم كذا)، لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم: (يكره) كقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ـ إلى قوله ـ (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا). وأما كلام الإمام أحمد في قوله: (أكره كذا) فهو عند أصحابه على التحريم، إذا فهمت هذا فهم صرحوا أن الذبح للجن ردة تخرج، وقالوا: الذبيحة حرام، ولو سمي عليها، قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أهل لغير الله، والثاني: أنها ذبيحة مرتد، والمرتد لا تحل ذبيحته، وإن ذبحها للأكل وسمى عليها).
стр. 1125
المبحث الثالث مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأقوال القلبية (شرك الدعوة)
الأقوال القلبية التي تعد عبادة كثيرة، من أفرادها: الدعاء والاستغاثة، والاستعانة، والاستمداد، والاستشفاع، والاستنصار، والنداء، والسؤال، والطلب، وغيرها. ويجمعها كلها لفظ الدعاء، فإن كل هذه الأشياء لا تؤدى إلا بالدعاء، ولهذا أقصر الكلام هنا فقط في شرك الدعاء على أن أحكام البقية تابعة له في الحقيقة.
معنى الدعاء:
الدعاء مصدر دعا يدعو، وهو لغة: يأتي لمعان، منها:
١ - النداء: يقال: دعوت فلاناً وبفلان: ناديته وصحت به.
٢ - السؤال: دعوت فلاناً: سألته.
٣ - الاستغاثة: دعوت فلاناً: استغثته، والدعاء الغوث، فالدعاء النداء والاستغاثة.
٤ - والطلب: دعوت فلاناً: استدعيته، وطلب جلب النفع ودفع الضر.
٥ - الحث على فعل الشيء والدعوة إليه: دعا إليه: طلبه إليه.
٦ - السوق: يقال: دعاه: ساقه إلى الأمير.
٧ - التسمية: يقال دعوت الولد زيداً، أو بزيد: إذا سميته بهذا الاسم.
٨ - الجعل: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)، أي جعلوا.
следующие страницы →