← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

المعبودات، فكان مما قاله ﵀: (إن كل من خالط العامة، يجزم بأن قصدهم بذبائح الزردة التقرب من صاحب المزار، ويكشف عن ذلك أشياء: أحدها: أنهم يضيفون الزردة إلى صاحب المزار، فيقولون: زردة سيدي فلان، أو طعام سيدي عبد القادر مثلاً: ثانيها: أنهم يفعلونها عند قبره، وفي جواره، ولا يرضون لها مكاناً آخر. ثالثها: أنهم إن نزل المطر إثرها، نسبوه إلى سر المذبوح له، وقوي اعتقادهم فيه، وتعويلهم عليه. رابعها: أنهم لو تركوها فأصيبوا بمصيبة، نكسوا على رؤوسهم، وقالوا: إن وليهم غضب عليهم، لتقصيرهم في جانبه). وفي ختام مسألة الذبح أو النذر لغير الله تعالى، يحسن بنا أن ننبه على عدم الخلط بين ما يذبح لغير الله تعالى تقربًا أو تعظيمًا، فهذا من باب العبادات والقربان، وبين ما يذبح عادة بقصد الأكل أو إكرام ضيف ونحوهما. فالأول: شرك في العبادة والألوهية، وأما الثاني: فليس بشرك ويختلف حكمه حسب النية. كما يجب التفريق بين النذر الشركي المخرج من الملة وبين نذر المعصية

стр. 1122

فيما دون ذلك، وذلك؛ أن (النذر الغير جائز قسمان: أحدهما: نذر فعل المعصية، كشرب الخمر، وقتل المعصوم، فيحرم الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ : ((من نذر أن يعصي الله فلا يعصه))، ولأن معصية الله تعالى لا تباح في حال من الأحوال ... الثاني: النذر لغير الله تعالى؛ كالنذر لإبراهيم الخليل، أو محمد النبي الأمين ﷺ ، أو ابن عباس، أو عبد القادر، أو الخضر ... فلا خلاف بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي). إذا اعتقد فيهم النفع أو الضر، ومن جانب الوفاء به من الشرك في العبادة والألوهية. شبهة في باب الذبح والنذر والجواب عنها: قد لبس خصوم عقيدة التوحيد في هذه المسألة، فزعموا: أن الذبح لغير الله، وكذا النذر لغيره، إنما هي من المحرمات التي دون الشرك ... وذلك بسبب سوء فهمهم للنصوص الشرعية، وكلام أهل العلم، بل ربما نسبوا هذا التلبيس لبعض أئمة السلف أيضاً. وقد قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بكشف هذا التلبيس، وبيان

стр. 1123

الحق في هذه القضية، فكتب جواباً في الرد على أحد الخصوم له، حين زعم الأخير أن النذر لغير الله حرام ليس بشرك، فقال الشيخ في الرد عليه: (فدليلك قولهم: إن النذر لغير الله حرام بالإجماع، فاستدللت بقولهم: حرام على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك، فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك! ما تصنع بقول الله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر؟ يا هذا الجاهل الجهل المركب، ما تصنع بقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) ـ إلى قوله ـ (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا). هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ ! يا ويلك في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام، أنه ليس بكفر، فقولك: أن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم، بل يقال: ذكر أنه حرام، وأما كونه كفر فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه أنه مصرح في الإقناع: أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها: لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره، كيف لا يكون شركًا؟ ). وأيضاً يورد الشيخ قاعدة مهمة أثناء جوابه على من ادعى أن الذبح للجن منهي عنه فهو معصية وليس بردة، حيث قال ﵀: (قوله: الذبح للجن منهي عنه، فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي أن لفظ (التحريم والكراهة)، و ... (لا ينبغي) ألفاظ عامة تستعمل في المكفرات،

стр. 1124

والمحرمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام، مثل استعمالها في المكفرات قول: (لا إله إلا الذي لا تنبغي العبادة إلا له)، وقوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا). ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا). وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: (يحرم كذا)، لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم: (يكره) كقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ـ إلى قوله ـ (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا). وأما كلام الإمام أحمد في قوله: (أكره كذا) فهو عند أصحابه على التحريم، إذا فهمت هذا فهم صرحوا أن الذبح للجن ردة تخرج، وقالوا: الذبيحة حرام، ولو سمي عليها، قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أهل لغير الله، والثاني: أنها ذبيحة مرتد، والمرتد لا تحل ذبيحته، وإن ذبحها للأكل وسمى عليها).

стр. 1125

المبحث الثالث مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأقوال القلبية (شرك الدعوة) الأقوال القلبية التي تعد عبادة كثيرة، من أفرادها: الدعاء والاستغاثة، والاستعانة، والاستمداد، والاستشفاع، والاستنصار، والنداء، والسؤال، والطلب، وغيرها. ويجمعها كلها لفظ الدعاء، فإن كل هذه الأشياء لا تؤدى إلا بالدعاء، ولهذا أقصر الكلام هنا فقط في شرك الدعاء على أن أحكام البقية تابعة له في الحقيقة. معنى الدعاء: الدعاء مصدر دعا يدعو، وهو لغة: يأتي لمعان، منها: ١ - النداء: يقال: دعوت فلاناً وبفلان: ناديته وصحت به. ٢ - السؤال: دعوت فلاناً: سألته. ٣ - الاستغاثة: دعوت فلاناً: استغثته، والدعاء الغوث، فالدعاء النداء والاستغاثة. ٤ - والطلب: دعوت فلاناً: استدعيته، وطلب جلب النفع ودفع الضر. ٥ - الحث على فعل الشيء والدعوة إليه: دعا إليه: طلبه إليه. ٦ - السوق: يقال: دعاه: ساقه إلى الأمير. ٧ - التسمية: يقال دعوت الولد زيداً، أو بزيد: إذا سميته بهذا الاسم. ٨ - الجعل: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)، أي جعلوا.

стр. 1126

٩ - العبادة: يطلق (الدعاء)، ويراد به (العبادة). ١٠ - رفعة القدر، ورفع الذكر. الدعاء في الشرع: تنوعت عبارات العلماء في تعريف الدعاء، وتعددت كلماتهم، وكلها تهدف إلى الكشف عن حقيقة معناه الشرعي وإليك بعض تلك العبارات: * قال أبو سليمان الخطابي: (ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة). * وقال أبو عبد الله الحليمي: (الدعاء: قول القائل: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، وما أشبه ذلك). * وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن دعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره، ودَفْعِهِ). * وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة أو بأحد أخواتها).

стр. 1127

* وعرفه الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني: (فالمعنى الذي هو راجع وضعًا لا قصدًا إلى القوي القادر، بحيث لا يصلح إلا له، ولا يتحصل إلا به أو عنه، اسم طلبه والتماسه، واللفظ الذي يكون له هو الدعاء وضعاً وشرعًا، والدعاء في لسان أنبياء الله ورسله وكتابه ـ اسم لطلب ذلك المعنى ـ). وقال في موضع آخر: إن الدعاء عند المتشرعة والإسلاميين طبع وهيئة لازمة طلب العاجز للقادر وسؤاله منه). * وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بقوله: (هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهما). هذه بعض تعريفات العلماء للدعاء، وهي كما نرى خاصة ببعض جوانب الدعاء، ولا تشمل جميع جوانب الدعاء ـ كما سيتضح ذلك لاحقاً ـ. ولعل التعريف الشامل أن يقال: الدعاء هو الرغبة إلى الله تعالى والتوجه إليه في تحقيق المطلوب، أو دفع المكروه، والابتهال إليه في ذلك إما بالسؤال، أو بالخضوع والتذلل، والرجاء والخوف والطمع. ووجه كونه شاملاً ما سيأتي توضيحه فيما يلي ببيان مدلولات الدعاء في الشرع، وبيان أنواعه، وأن هذا التعريف شامل لجميع جوانب الدعاء ومدلولاته كله. أنواع الدعاء: تنوعت عبارات العلماء المحققين في بيان أنواع الدعاء، فمنهم من قسمه

стр. 1128

إلى ثلاثة أنواع، ومنهم من قسمه إلى نوعين: * يقول ابن القيم: الدعاء ثلاثة أنواع: ١ - دعاء مسألة. ٢ - دعاء ثناء. ٣ - دعاء تعبد. * ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الدعاء نوعان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. وهو قول ابن القيم أيضًا في زاد المعاد، وفي مواضع من بدائع الفوائد، وفي جلاء الأفهام. وليس هناك تناقض بين قول الإمام ابن القيم الأول وبين قوله الثاني: وقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن دعاء الثناء والتعبد هما في الحقيقة: دعاء العبادة، وإنما أفرد بالذكر، اهتماماً به، وهذين النوعين ـ دعاء العبادة ودعاء المسألة ـ من الدعاء يشمل جميع أنواع الأدعية في الحقيقة، وهو مؤدى كلام كثير من العلماء الذين سبقوهما أيضاً: كالطبري في تفسيره، والبغوي في تفسيره، وغيرهما.

стр. 1129

وجه انقسام الدعاء إلى نوعين، وبيان تلازمهما وكونهما من العبادة، والدليل عليهما: قد ذكرنا في تعريف الدعاء أن معناه هو الرغبة والقصد والتوجه إلى المدعو، وهذا القصد والتوجه إلى المدعو تارة يكون لذاته، وتارة لمسألته أمراً منه، وهذا كالشخص يدعو غيره، ويطلبه، ويقصده، تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه. فالقصد إلى المدعو لذاته هو المسمى بدعاء العبادة والثناء، وتمتلئ القلوب فيه بعظمة الله وجلاله، والقصد إلى المدعو لمسألته هو المسمى بدعاء المسألة، وتمتلئ القلوب فيه بالرغبة والانطراح بين يدي الله تعالى، وهذا هو وجه انحصار وانقسام الدعاء إلى نوعين فقط. تلازم نوعي الدعاء: ذكرنا فيما سبق أن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهذا التقسيم معناه أن الدعاء يراد به تارة دعاء المسألة وتارة دعاء العبادة، وليس معناه أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه: أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي يكون فيه أظهر بدلالة المطابقة. فإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن. لأن

стр. 1130

الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة ومخها وروحها وحقيقتها. فالآيات التي ورد فيها الدعاء مراداً به دعاء المسألة تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة. وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام. وذلك؛ لأن العابد لله تعالى ـ كالذي يذكر الله مثلاً ـ فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال، كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس، يكون سائلاً وإن حذف لفظ السؤال. والخلاصة: أن معنى دعاء العبادة بعبارة أخرى: هو العبادة نفسها، فيكون الدعاء والعبادة اسمين مترادفين لمسمى واحد. وأما دعاء المسألة: فمعناه: النداء والاستمداد والاستنصار والاستغاثة لدفع الضر وجلب النفع، قولاً، وسؤالاً، وطلبًا باللسان، ثم دعاء المسألة ـ فوق الأسباب ـ مخ العبادة، فإذا أردنا من الدعاء: دعاء العبادة يكون الدعاء بعينه العبادة، وهما شيء واحد؛ كالأسد والغضنفر، وغيرهما من المترادفات. وأما إذا أردنا من الدعاء: دعاء المسألة ـ فإن كان فيما فوق الأسباب ـ

стр. 1131

يكون الدعاء نوعًا من أنواع العبادة، وفردًا من أفرادها، وجزئيًا من جزئياتها، فيكون دعاء غير الله شركًا في العبادة، بل أمًّا للشرك؛ لأن العبادة أمر كلي شامل لعدة من الجزئيات التي تندرج تحتها، ومن تلك الجزئيات (دعاء المسألة)، فيكون دعاء المسألة خاصًا وأخص من (العبادة)، التي هي أمر عام وأعم، فتكون النسبة بينهما عموم وخصوص مطلقاً، بأن يكون الدعاء أخص مطلقاً، والعبادة أعم مطلقاً، وأن كل دعاء عبادة ولا عكس. فنوعا الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ما ذكر أحدهما دخل معه الآخر إما تضمنا وإما التزاماً. وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله ـ تعالى ـ المراد بها العبادة فقط، وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة، هكذا زعموا، وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله ـ تعالى ـ بالعبادة، ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث زعموا أن مفهومها لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، بل زيادة على ذلك بعضهم زادوا على ذلك أن يكون الركوع والسجود على اعتقاد الربوبية في المسجود والمركوع له، وأما الدعاء، والاستغاثة والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة. وقد ذكرنا مناقشة بعض هذه الأقوال فيما قبل. وسيأتي مناقشة بعض هذه الأقوال فيما بعد. فعلمنا بذلك: أن الدعاء عبادة، وسأسوق جملة من النصوص المتضمنة

стр. 1132

على نوعي الدعاء، الدالة على أنهما في القرآن والسنة على معنى العبادة. الأدلة من القرآن والسنة على أن الدعاء بنوعيهما عبادة: الأدلة من القرآن: قد ورد إطلاق الدعاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه: ١ - أن يراد منه دعاء المسألة. ٢ - أن يراد منه دعاء العبادة. ٣ - أن يراد منه مجموعهما. فهذه الأوجه الثلاثة هي التي تدور عليها إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم، إما أن يراد منه أحدهما، أو يراد منه ما يشمل النوعين. وهذه الاستعمالات الثلاثة كثيرة في القرآن الكريم، قد ورد بكل منها عدة آيات: فمما ورد في دعاء المسألة على الأظهر ما يلي: * الآيات التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في وقت الشدائد والمصائب والاضطرار، وعن كشف الله لتلك الشدائد: فمن ذلك: ١ - قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ). فالآية ظاهرة في أنها في دعاء المسألة. فإنها سيقت في بيان الطلب من الله.

стр. 1133

٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). فإن الآية لا شك في كونها دالة على دعاء المسألة، وليس المراد منها دعاء العبادة. ٣ - قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ). وغيرها من الآيات. * الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم من أنبيائهم دعاء الله تعالى لهم والتوسل لهم: فمن ذلك: ٤ - وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا). ٥ - وقوله تعالى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ). * الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وسؤالهم له: ومن ذلك: ٦ - قوله تعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ). ٧ - وقوله تعالى: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) ـ إلى قوله ـ (وَلَمْ

стр. 1134

أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا). فهذا في دعاء المسألة أظهر، والمعنى: إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه. * الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله دعاء من دعاهم، ومن ذلك: ٨ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ). والآية صريحة في دعاء المسألة. ٩ - قوله تعالى: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ). ١٠ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ). والآية دالة على دعاء المسألة. وأما الآيات التي تدل على دعاء العبادة على الأظهر فقد ورد في القرآن

стр. 1135

الكريم استعمال الدعاء بمعنى العبادة وكثر ذلك، منها ما يلي: ١ - قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ). فالدعاء هنا أظهر في العبادة؛ بدليل قوله: (أن أعبد). ٢ - وقوله تعالى: (أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ). ٣ - وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) ـ إلى قوله تعالى ـ (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا). ٤ - وقوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). فهذا في دعاء العبادة: (والمعنى: اعبدوه ووحّدوه وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره). ٥ - وقوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ). وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطًا للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر، فقال: (وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء

стр. 1136

المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر، لوجوه ثلاثة: أحدها: أنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم. الثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر، كقوله تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ). وقوله تعالى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها. الثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرجاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة). وهناك آيات يراد بالدعاء فيها مجموع الأمرين ـ دعاء العبادة ودعاء المسألة ـ منها: قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، فهذه الآية

стр. 1137

فسرت بنوعي الدعاء، فقيل في المعنى: أعطيه إذا سألني، وقيل: أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني. ومثله قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). فقد فسرت الآية بالمعنيين. وقوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). فالدعاء بالأسماء الحسنى يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة. المقصود: أن الدعاء في القرآن الكريم ـ سواء كان دعاء عبادة أو مسألة ـ جاء بمعنى العبادة، وهو دليل واضح وصريح على أن الدعاء عبادة. ومن أوجه دلالة القرآن أيضاً على أن الدعاء عبادة، أن الله صرح بالعبادة بعد ذكر الدعاء، فمن هذه الآيات ما يلي: * قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). حيث صرح ببيان سبب الوعيد

стр. 1138

الذي أوعده بأن من لم يدعه لم يعبده، ومن لم يعبده يدخل ناره جزاء لاستكباره. * قوله تعالى في شأن إبراهيم ﷺ : (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ). حيث بين الله سبب إعطاء إبراهيم الجائزة، بأنه ترك عبادة غير الله، وإبراهيم ﷺ إنما قال: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ) فلم يذكر إبراهيم ﵇ لفظ الدعاء ومع ذلك ذكر الله بأنه لم يعبد غيره، مما يدل على أن الدعاء المذكور في قول إبراهيم ﷺ إنما هو العبادة. * وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). ففي هذه الآية نرى أن الله ينعى على عقول الكفار والمشركين الذين يدعون لغير الله، ثم أردف قوله بأن هؤلاء يوم القيامة يكفرون بعبادة عابديهم، فسمي دعاء الداعين لأوليائهم الميتين، ولأصنامهم بالعبادة. فهذه الآيات الثلاث فيها تصريح من الله بأن الدعاء عبادة، فهل أحد أعلم من الله؟ . الدليل من السنة على أن الدعاء عبادة: جاءت السنة النبوية مبينة ومستقلة تدل على أن الدعاء عبادة، فمن هذه الأحاديث التي جاءت مبينة قوله ﷺ : ((إن الدعاء هو العبادة)). يقول الراوي: ثم قرأ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ

стр. 1139

دَاخِرِينَ). ومما جاء في السنة مستقلاً قوله ﷺ : ((من مات وهو يدع لله ندًا دخل النار)). فالحديث فيه دلالة واضحة على كون دعاء الند موجب لدخول النار، وليس شيء أوجب في دخول النار من عبادة غير الله، فالدعاء هنا بمعنى العبادة. فثبت بهذه النصوص أن الدعاء عبادة. الدعاء لغير الله شرك بالله جل شأنه في العبادة: بعدما أثبتنا بنصوص القرآن والسنة كون الدعاء عبادة، يثبت لنا تلقائياً أن الدعاء بجميع أنواعه من الاستعاذة، والاستجارة، والاستغاثة كلها ـ التي هي من نوع الدعاء والطلب ـ عبادة لله جل شأنه، لا يجوز صرفه إلا لله وحده، فمن صرف أي فرد من أفراده لغير الله فهو مشرك بالله جل شأنه، لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأعظم الاعتداء والعدوان والذل

стр. 1140

والهوان، أن يدعى غير الله، فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم، (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). ويبين ابن القيم شناعة هذ الشرك فيقول: ومن أنواعه (الشرك الأكبر) طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعاً، فضلاً عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده. ويجب أن يعلم أن من قصد غير الله بدعاء أو استعاذة أو استعانة فهو كافر، وإن لم يعتقد فيمن قصده تدبيراً، أو تأثيراً، أو خلقاً، فمشركو العرب الذين قاتلهم رسول الله ﷺ لم يكونوا يقولون عن معبوداتهم إنها تخلق، وترزق، وتدبر أمر من قصدها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم في غير موضع من كتابه، بل كانوا يدعونها، ويستغيثون بها مع إقرارهم بأن الله هو المدبر الخالق الرازق ... . يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: ومن أنواع العبادة الدعاء، كلما كان المؤمنون يدعون الله وحده ليلاً ونهاراً

стр. 1141

في الشدة والرخاء، ولا يشك أحدًا أن هذا من أنواع العبادة، فتفكر رحمك الله فيما حدث في الناس اليوم من دعاء غير الله، في الشدة والرخاء، فهذا تلحقه الشدة في البر أو البحر، فيستغيث بعبد القادر أوشمسان أو نبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء أن ينجيه من هذه الشدة، فيقال لهذا الجاهل: إن كنت تعرف أن الإله هو المعبود، وتعرف أن الدعاء من العبادة، فكيف تدعو مخلوقاً ميتاً، وتترك الحي القيوم الحاضر الرؤوف الرحيم القدير؟ . ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن موضحًا أن الطلب من الأموات شرك: (إن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله). ومع وضوح هذه القضية فقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من المتصوفة والجهلة من الناس، بل هذا النوع من الشرك هو الذي يغلب على العالم الإسلامي، وقد بدأ هذا النوع من الشرك من الشيعة، وانتشر بين المتصوفة، ثم عمت العباد والبلاد على حين غفلة من العلماء والدعاء، حتى أصبح الإنكار عليه منكراً، والأمر به معروفاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد ذكرنا نماذج من وقوع الناس قديمًا وحديثًا في هذا النوع من الشرك عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في إثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله لدى المتصوفة، فإن كل من أثبت لغير الله التصرف في الكون إنما يثبت ذلك كي يجوِّز النداء والدعاء لغير الله، وقد ذكرنا مجمل النصوص من المتصوفة التي تدل على جواز النداء والطلب والاستغاثة والاستعانة بغير الله ـ في اعتقادهم ـ

стр. 1142

لارتباط الكلام بعضه مع بعض بين اعتقاد التصرف في الكون لغير الله وبين دعاء غير الله والنداء والاستغاثة بغيره سبحانه، فلا نعيده هاهنا. ولكن هل هناك شبهة في اعتقادهم جواز دعاء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه؟ . لقد وجد هناك شبهات ـ بل هذا المكان بالذات محل أغلب شبهاتهم ـ سأذكر هذه الشبهات مع الردود عليها في المبحث التالي بمشيئة الله. * * *

стр. 1143

المبحث الرابع أهم شبهات القبوريين وردها الشبهة الأولى: تغييرهم لبعض الحقائق الشرعية، منها: أ- عدم التفريق بين التوسل والاستغاثة، وعدم التفريق بين الجائز منها والممنوع: نتج هذا من سوء فَهم المتصوفة للأحاديث الواردة في التوسل وعدم تفريقهم بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين دعائه والاستغاثة به من دون الله، حيث إننا إذا نظرنا في كتب المتصوفة نرى أنهم دائمًا يوردون الأحاديث الواردة في التوسل المشروع ليحتجوا بها على جواز التوجه إلى النبي ﷺ بالدعاء والاستغاثة، وعلى جواز التوسل بذاته، مع أننا إذا نظرنا في الأحاديث التي تتكلم عن توسل الصحابة بالنبي ﷺ ، فإننا نراها لا تخرج عن شيء واحد؛ ألا وهو: التوسل بدعاء النبي ﷺ ، حيث إن الصحابة كانوا يأتون إلى النبي ويطلبون منه الدعاء فيدعو لهم الرسول، وهنا لا نزاع بيننا وبين المتصوفة في هذا التوسل، ولكن هذا الآن غير ممكن لأن الرسول قد مات. ثم إن الاستدلال بأحاديث التوسل المشروع على جواز التوسل الممنوع ـ ألا وهو التوسل بذات النبي ـ استدلال بنص ليس نصاً في محل النزاع بل هو خارج عنه، ولذا فلن أناقش المتصوفة في الأحاديث التي وردت في توسلات الصحابة بدعائه في حياته؛ لأن هذا ليس محل النزاع بيننا وبينهم. واستدلالهم بهذه الأحاديث على جواز التوسل بذات النبي وجاهه ومكانته

стр. 1144

عند الله والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة كما يفعل المتصوفة، هذا يعتبر استدلالاً باطلاً؛ لأنه ليس هناك ولو نصاً واحدًا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله يجيز التوجه إلى النبي بالدعاء والاستغاثة، بل العكس كل النصوص تحذر من صرف العبادات لغير الله كائنًا من كان. وفيما يلي بعض النصوص التي تثبت لنا أن المتصوفة يخلطون بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين دعائه والاستغاثة به، وأنهم يرون الكل بمعنى واحد. فقال قال النبهاني: (وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل والتوجه به ﷺ ، فجدير به من استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه، فإن كلاً من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه للنبي واقع في كل حال قبل خلقه وبعده، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة). مما تقدم يتضح لنا أن النبهاني لا يرى فرقاً مطلقاً بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين التوجه إليه بالدعاء والاستغاثة حيًا وميتًا، ومما يدل على هذا قول النبهاني في مكان آخر من نفس الكتاب وهو يصف الرسول ﷺ بأوصاف لا تليق إلا بالله، حيث قال: (فهو الوسيلة إلى نيل المعالي واقتناص المرام، والمفزع يوم الجزع والهلع لكافة الرسل الكرام، واجعله أمامك فيما نزل بك من النوازل، وأمامك فيما تجادل من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد بأقصاه، وتدرك رضا من أحاط بكل شيء علماً وأحصاه).

стр. 1145

وقال النبهاني أيضاً: (لقد اتفق العلماء العارفون على جواز التوسل به ﵇ إلى الله لقضاء الحاجات في حياته وبعد الممات، وقد صار المجريات أن من استغاث به ﷺ إلى الله بإخلاص وصدق التجاء تقضي حاجته مهما كانت، ولم يحصل التخلف لأحد إلا من ضعف اليقين وحصول التردد وعدم صدق الالتجاء). ومن المتصوفة الذين خلصوا بين التوسل بالنبي ﷺ والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة أحمد زيني دحلان، حيث قال: (فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أولياء الله تعالى؛ لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا). ويقول أيضاً: (ولا فرق في التوسل بين أن يكون بلفظ التوسل أو التشفع أو الاستغاثة أو التوجه؛ لأن التوجه من الجاه وهو علو المنزلة، وقد يتوسل بذي الجاه إلى من هو أعلى منه جاهاً، والاستغاثة معناها: طلب الغوث والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره وإن كان أعلى منه، فالتوجه والاستغاثة به ﷺ وبغيره ليس لها معنى في قلوب المسلمين إلا طلب

стр. 1146

الغوث حقيقة من الله تعالى ومجازًا بالتسبب العادي من غيره، ولا يقصد أحد من المسلمين غير ذلك المعنى، فالمستغاث به حقيقة هو الله، وأما النبي ﷺ فهو واسطة بينه وبين المستغيث). المناقشة: إن التوسل المشروع هو التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وبطاعته ومحبته، كذلك التوسل بدعائه في حين حياته، كما كان الصحابة يأتون إليه ويطلبون منه الدعاء. وأما التوسل الممنوع فهو التوسل بذات النبي ﷺ كما يفعله كثير من المتصوفة. وإليك التفصيل في هذا: أما التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وبطاعته ومحبته فهو من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة من الوسائل المشروعة التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطنًا وظاهرًا في حياة الرسول ﷺ وبعد موته؛ في مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل به بالإيمان به وبطاعته عند أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه إلا بعذر من الأعذار. ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته، وهو ﷺ شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرًا

стр. 1147

وأعلاهم جاهًا عند الله، وقد قال تعالى عن موسى: (وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً). ومحمد ﷺ أعظم جاهًا من جميع الأنيباء والمرسلين لكنَّ شفاعتَه ودعاءَه إنما ينتفع بهما من شفع له رسول الله ﷺ ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان الصحابة يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته ﷺ . ولفظ التوسل في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى، والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به: فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة). ومعلوم أن الاستغاثة شرك بالله في الربوبية بالأنداد في قدرة الله الكاملة إذا كان يعتقد أن الرسول عنده مقدرة على الإغاثة والنفع والضر ـ كما سبق معنا ـ، وشرك الألوهية لازم له في هذا الاعتقاد، وإذا كان مجرد النداء والدعاء للمسألة أو العبادة؛ فهذا شرك في العبادة. أما التوسل الذي يتشبث به المتصوفة ويستدل به على جواز الاستغاثة بغير الله وطلب النفع والضر من غيره تعالى، فهو توسلهم بالذوات. وقد احتج المتصوفة لتجويز هذا التوسل بأحاديث كثيرة، يمكن تصنيفها إلى ما يلي: أ- الأحاديث الصحيحة، ولكنها لا تدل على مقصودهم.

стр. 1148

ب- الأحاديث الضعيفة والموضوعة والواهية والآثار الإسرائيلية، وقد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني ـ حفظه الله ـ أغلبها في كتابه ((التوسل أنواعه وأحكامه))، وفندها وبين بطلانها واحدة تلو الأخرى، فلا أذكرها هاهنا، وإنما أذكر مما استدلوا به من الأحاديث الصحيحة، وأشهر ما يستدلون به هما الحديثان الآتيان، وهما: أولاً: حديث الضرير الذي رواه عثمان بن حنيف: أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني، قال: ((إن شئت أخرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت))، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد ني الرحمة، يا محمد، إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في)). قال: ففعل الرجل فبرئ. وقد استدل المتصوفة كالنبهاني وزيني دحلان والعلوي المالكي بهذا الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ ، وبنوا على ذلك أن التوسل به باق ولو بعد موته، ولم يقفوا عند الرسول بل قالوا: يجوزا لتوسل بذوات الأولياء أحياءً وأمواتًا؛ وذلك لأن النبي ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه وفعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.

стр. 1149

هذا وجه استدلالهم المتصوفة بهذا الحديث ويا ليتهم وقفوا عند الاستدلال به على جواز التوسل بذات النبي وذلك حتى يهون الشر ـ وإن كان التوسل بالذوات هوا لباب الذي وقع عن طريقه كثير من أفراد الأمة الإسلامية في الإشراك بالله ـ بل تجاوزوا ذلك فأجازوا التوجه إلى الرسول وغيره من الصالحين بالدعاء والاستغاثة وطلب النفع والضر وقضاء الحوائج منهم. ولو نظرنا إلى هذا الحديث وفهمنا معناه الفهم الصحيح سنرى أنه لا حجة فيه للمتصوفة وغيرهم الذين استدلوا به على جواز التوسل بذات النبي وغيره من الأولياء والصالحين، بل الحديث دليل على التوسل المشروع بالنبي ﷺ وهو التوسل بدعائه؛ وذلك لأنه لو كان التوسل بذات النبي كاف بدون التوسل بدعائه ﷺ لما جاء ذلك الصحابي الجليل إلى النبي ﷺ وطلب منه الدعاء، بل كان من اللائق به أن يكتفي بتوسله بذات النبي ﷺ والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة كما يفعل المتصوفة اليوم، ولكن لم كان التوسل المشروع إلى الله هو التوسل بدعاء النبي ﷺ أتى إلى الرسول ﷺ وطلب منه أن يدعو الله له، وعلى هذا فالحديث دليل عليهم لا لهم كما وهم المتصوفة والقبوريين عامة. وإليك أقوال العلماء في تحليل ألفاظ هذا الحديث والأحكام التي تستفاد منه: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مرجحًا أن الأعمى توسل بدعاء النبي ﷺ ليرد إليه بصره، ولم يتوسل بذاته كما يزعم الكثيرون من المتصوفة وغيرهم: (دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم

стр. 1150

بإحسان، ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين. وحديث الأعمى ... هو من القسم الثاني من التوسل بالدعاء، فإن الأعمى قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: ((إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك)). فقال: (بل ادع)، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: (اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة. يا محمد، يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم فشفعه في). فهذا توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، وقد دعا له النبي ﷺ ، ولهذا قال: (وشفعه في)، فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه. وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات؛ فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره). ومن العلماء الذين حللوا ألفاظ هذا الحديث تحليلاً دقيقاً الشيخ محمد نسيب الرفاعي، فقد قال رادًا على الذين يستدلون بهذا الحديث على مشروعية التوسل بذات النبي ﷺ : (إن قول الأعمى: (ادع الله أن يعافيني) فيه بيان واضح جلي لقصد الأعمى من المجيء؛ وهو أنه ما جاء إلا من أجل أن يدعو له رسول الله ﷺ بالشفاء من ضره، وإن قوله ﷺ مجيباً الأعمى: ((إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خير)) لدليل آخر على أن الأعمى ما جاء إلا من أجل الدعاء، وفيه تخيير من رسول الله ﷺ بالدعاء أو الصبر، حتى إذا شاء الأعمى الدعاء ودعا له، وفي تخييره هذا وعد بالدعاء إن شاءه.

стр. 1151

وإن إصرار الأعمى على الدعاء بقوله: (فادعه) لدليل ثالث على أن مجيئه لم يكن إلا من أجل الدعاء، ومن إصراره يفهم أن رسول الله ﷺ دعا له لأنه وعده بذلك إذا شاء الدعاء، وقد شاء بقوله: (فادعه)، على أن رسول الله ﷺ أحب أن يكون للأعمى كذلك مشاركة في الدعاء ولكنه لم يترك الأعمى أن يدعو ربه بما شاء، بل علمه دعاء خاصًا وأمره أن يدعو الله به بالإضافة إلى دعائه ﷺ . وإن قول الأعمى في آخر الدعاء الذي علمه إياه رسول الله ﷺ : (اللهم فشفعه في) لدليل رابع على الدعاء. والشفاعة من رسول الله ﷺ لا تسمى شفاعة ولا تكون إلا بدعاء الشافع للمشفوع له، فدعاء الأعمى أن يقبل الله شفاعة رسوله فيه ما يدل على أن رسول الله ﷺ قد دعا له فعلاً، والأعمى يطلب من الله قبول دعاء رسول الله ﷺ . ثم قال الشيخ محمد نسيب الرفاعي: (فإذا استجمعنا هذه الأدلة على ثبوت دعاء الرسول ﷺ للأعمى توحى لنا أمراً هاماً يدور عليه مآل الحديث ويكشف معناه بشكل واضح؛ وهو أن معنى (اللهم إني أسألك بنبيك) أي بدعاء نبيك. ولا يفهم منه التوسل بذاته ﷺ وما كان هذا مراد الأعمى من مجيئه إلى الرسول ﷺ حتى. وإن معنى التوسل المتبادر إلى أذهان الصحابة ﵃ في ذلك الوقت كان محصورًا فيها في طلب الدعاء من المتوسل به، وليس له المعنى المتعارف عليه عند البعض في زمننا الحاضر أي التوسل بذات المتوسل به، فقد كان مثل هذا التوسل بنفر منه الصحابة؛ لأنه من مفاهيم الجاهلية التي من أجل وجودها بعث الله رسوله إلى الناس كافة). ويقول الشيخ ناصر الدين الألباني بعد أن رد على الذين يحتجون بهذا

стр. 1152

الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ وغيره من الصالحين. (إذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ﷺ وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذوات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ إنما المراد به: (أتوسل إليك بدعاء نبيك)؛ أي حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) أي أهل القرية وأصحاب العير، ونحن ومخالفونا متفقون على ذلك؛ أي على تقدير مضاف محذوف ... ). ثم قال الشيخ الألباني: (وثمة أمر آخر جدير بالذكر؛ وهو أنه لما حمل حديث الضرير على ظاهره وهو التوسل بالذات لكان معطلاً لقوله فيما بعد: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه). وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات المحمدية والحمد لله). والخلاصة: أن حديث الضرير ليس فيه أي دليل للذين يقولون بجواز التوسل بذات النبي ﷺ حيًا وميتًا، وإنما هو دليل عليهم؛ لأنه لا يدل إلا على جواز التوسل بدعاء الرسول ﷺ كما كان يفعل كثير من الصحابة في حياته، حيث كانوا يأتون إلى النبي ويطلبون منه الدعاء، ومن جملة الصحابة هذا الصحابي الجليل الذي عمي بصره فأتى إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو الله له فدعا له، فبرئ، وعلى هذا فلا حجة للمتصوفة في هذا الحديث. وبالإضافة إلى ذلك فإن المتصوفة يستدلون بهذا الحديث على جواز

стр. 1153

التوجه بالدعاء والاستغاثة إلى النبي ﷺ والأولياء كما اتضح لنا ذلك في الأناشيد الشعرية التي قالها المتصوفة، والتي من أولها إلى آخرها شرك صريح بالله وتأليه للرسول ﷺ . ولو نظرنا إلى حديث الأعمى فإننا لا نجد فيه لفظًا واحدًا من قريب أو بعيد فيه إشارة إلى جواز التوجه إلى النبي ﷺ رأساً بالدعاء والاستغاثة كما رأينا في الأبيات السابقة التي توجه فيها المتصوفة إلى الرسول ﷺ ، وعلى هذا فإنني أقول: إن حديث الأعمى في الحقيقة ليس نصاً في محل النزاع، وإنما هو شيء خارج عنه، فإن نزاعنا مع المتصوفة الذين يدعون الأنيباء ليس في التوسل فحسب بنوعيه المشروع والممنوع، وإنما نزاعنا معهم هو في التوجه بالدعاء والاستغاثة إلى الرسول والأولياء الذي يفعلونه يوميًا ويسمونه توسلاً بالأنبياء والأولياء، مع أنه ليس كذلك بل هو دعاء واستغاثة بالرسول ﷺ والأولياء. وتسمية المتصوفة له بالتوسل لا يخرجه عن حقيقته وهو كونه دعاء واستغاثة بالرسول ﷺ وليس توسلاً به ولا بالأنبياء والأولياء، وهو يعتبر من باب تسمية الشيء بغير اسمه، وتسمية الشيء بغير اسمه لا يغير من حقيقة الشيء، فكون الخمر إذا سماه أحد من الناس عسلاً لا يغير ذلك من حقيقة الخمر بل هو باق على حقيقة الخمرية، وكون المتصوفة يسمون دعاء الرسول والاستغاثة به وكذلك الأولياء بأنه توسل بهم لا يغير ذلك من الحقيقة شيئًا بل هو باق على حقيقته وهو كون هذا الذي يفعله المتصوفة مع الرسول والأولياء دعاء واستغاثة بهم من دون الله، وهو عين الشرك بالله تعالى.

стр. 1154

ثانياً: ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون)). ولقد فهم المتصوفة وغيرهم من القائلين بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين إلى الله من هذا الأثر بأن توسل عمر ﵁ إنما كان بجاه العباس ﵁ ومكانته عند الله ، وأن توسله كان مجرد ذكر العباس في دعائه وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله. وأما سبب عدول عمر ﵁ عن التوسل بالرسول ﷺ بزعمهم وتوسلاً بدلاً منه بالعباس ﵁ فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير. المناقشة: إن فهم المتصوفة هذا فهم خاطئ، وتفسيرهم للحديث بهذا التفسير السابق مردود عليهم من وجوه كثيرة: فإن من القواعد المهمة في الشرعية الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا ولا يفهم شيء منها في موضع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه؛ وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل، والجميع متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئًا محذوفًا لابد له

стр. 1155

من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون كنا نتوسل بجاه نبينا، وإنا نتوسل بجاه عم نبينا على رأي المخالفين، أو أن يكون؛ كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا وإنّا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا على رأينا نحن، ولابد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء. وإذا أردنا أن نعرف أي التقديرين أصح لابد من الرجوع إلى السنة لتبين لنا طريق توسل الصحابة الكرام بالنبي محمد ﷺ . فإذا نظرنا إلى الصحابة الكرام هل كانوا إذا أجدبت بلادهم يبقى كل واحد منهم في بلده، أو كانوا يجتمعون في بلد، أو كانوا يجتمعون دون أن يكون معهم رسول الله ﷺ وهو في الحياة؛ فيدعون متوسلين بجاه محمد وذاته قائلين: اللهم بنبيك محمد وحرمته عندك ومكانته لديك اسقنا الغيث مثلاً، أم كانوا يأتون النبي ذاته فعلاً ويطلبون منه الدعاء فيحقق ﷺ طلبهم ويدعو لهم ويسقون؟ . أما الأمر الأول: وهو التوسل بذات الرسول وحرمته عند الله ومكانته دون الإتيان إلى الرسول ﷺ وطلب الدعاء منه فلا وجود له في السنة النبوية الصحيحة ألبتة، ولا عمله الصحابة الكرام. وما ورد في ذلك من آثار فهي كلها موضوعة وضعها المغرضون لإيقاع الناس في الشرك في الدعاء. وأما الأمر الثاني: وهو التوسل إلى الله بطلب الدعاء من الرسول ﷺ فقد ورد كثير منه في السنة النبوية وقد كان الصحابة الكرام يفعلونه، حيث أتى كثير من الصحابة يطلب الدعاء من الرسول ﷺ حينما أجدبت بلادهم. وإليك حديثًا واحدًا يدل على أن الصحابة الكرام كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ لا بذاته وجاهه وحرمته ومكانته عند الله. فقد روى أنس بن مالك ﵁ حديثًا عن رسول الله ﷺ فقال: ((بينما

стр. 1156

رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، قحط المطر فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة. قال: فقام ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يصرفه عنا، فقال رسول الله ﷺ : ((اللهم حوالينا ولا علينا))، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينًا وشمالاً يمطرون ولا يمطر أهل المدينة)). ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يتوسلون إلى الله بدعاء النبي ﷺ لأنهم كانوا يأتون إليه يطلبون منه الدعاء، ولو كانوا يتوسلون بذاته ومكانته عند الله لما احتاجوا إلى الإتيان إلى المدينة وطلب الدعاء منه، بل لكانوا يتوسلون إلى الله وهم في أهليهم فيقولون: (اللهم بنبيك محمد ومكانته وجاهه وحرمته عندك اسقنا الغيث) فيسقون. ولكن هذا لم يفعله الصحابة الكرام لأنهم يعلمون أنه توسل غير مشروع. ولذا: نقول إن المحذوف في توسل عمر بالعباس هو (أنّا كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا فتسقينا وأنّا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا فاسقنا). وعلى هذا فتقدير المجيزين للتوسل الممنوع وهو قولهم: إن المحذوف في توسل عمر بالعباس هو كلمة الجاه في الموضعين غير صحيح؛ لأنه ليس لهم دليل يستندون إليه. وإلى جانب ذلك هناك قرائن كثيرة تدل على أن التوسل من عمر ﵁ كان بدعاء العباس لا بذاته ولا بجاهه ولا بمكانته، وهذه القرائن هي: ١ - عدول عمر عن التوسل بالرسول ﷺ وهو أشرف خلق الله وأن التوسل به أولى من التوسل بغيره؛ وذلك لأن الرسول ﷺ قد مات ولا يمكن طلب الدعاء منه بعد موته؛ ولذلك عدل عمر عن التوسل به إلى التوسل بالعباس بن عبد المطلب، لأنه عم رسول الله ﷺ فطلب منه الدعاء، ولو كان عمر توجه بجاه العباس إلى الله

стр. 1157

لتوسل بجاه النبي لأنه أكبر جاهاً عند الله من العباس بن عبد المطلب. ولكن لما كان التوسل المشروع هو التوسل بدعاء الرسول ﷺ عدل عن التوسل بالنبي ﷺ لأنه لا يمكن طلب الدعاء منه بعد موته فتوسل بدعاء العباس ابن عبد المطلب لطلب السقيا، وعلى هذا نقول: إن استدلال المجيزين للتوسل بذات الشخص وجاهه ومكانته عند الله بهذا الحديث استدلال باطل؛ لأن الحديث ليس دليلاً بل عليهم، ولكن أوقعهم في الاستدلال به سوء مقصدهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رادًا على الذين يقولون بجواز التوسل بذات النبي وذات غيره من الأولياء ومؤكدًا بأن هذا لم يفعله الصحابة ولا التابعون بل هو من البدع المحدثة التي ابتدعها أهل الأهواء: (فأما التوسل بذاته في حضوه أو مغيبه أو بعد موته ـ مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء، أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم ـ فليس هذا مشهورًا عند الصحابة والتابعين، بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفوا بمن كان حيًا كالعباس ويزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، بل كانوا يصلون عليه في دعائهم، وقد قال عمر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا).

стр. 1158

فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه، وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله أو السؤال به فيقولون: نسأله أو عليك بنبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس ... ). ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته أو التوسل بدعائه وشفاعته، فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا، فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئًا من ذلك ولا دعوا بمثل هذه الأدعية ـ وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة منا بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبي ﷺ دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكناً). ويقول الشيخ محمود شكري الآلوسي رادًا على المتصوفة الذين يستدلون بتوسل عمر بالعباس على جواز التوسل بالذوات مبينًا أن هذا الحديث دليل على عدم جواز التوسل بالذوات، وأن التوسل المشروع هو التوسل بطلب الدعاء من الرجل الصالح إن وجد، قال: (بل هو أقوى الأدلة وأرجحها وأعلاها وأوثقها وأصحها وأصدقها لما ندعيه، فإن قول عمر: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا ... إلخ) يدل دلالة ظاهرة على انقطاع ذلك الذي هو الدعاء، بدليل قوله: (إنا كنا)، ولما كان العباس حيًا فطلبوه منه فلما مات فات، فقصرهم له على الموجودين ولو كانوا مفضولين دليل ساطع وبرهان لامع على هذا

стр. 1159

المراد. ولو كان المقصود الذوات كما يقولون لبقيت هذه التوسلات على حالها لم تتغير ولم تتبدل إلى المفضولين بعد وجود الفاضلين سيما الأنبياء والمرسلين. فتأمل في هذا فإنه أحسن ما في الأوراق، حقيق بأن يضرب عليه رواق الاتفاق، والله يهديك السبيل، فهو نعم المولى ونعم الوكيل). وقال الشيخ نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي البغدادي مبينًا أن توسل عمر بالعباس ﵁ دليل على جواز التوسل بدعاء الرجل الصالح وعلى منع التوسل بالذوات: (وأما ما ذكروه من الاستدلال بتوسل عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب ﵄ فالمراد بذلك أن يدعو لهم. يدل عليه ثبوت دعائه لهم بطلب السقيا كما جاءت به بقية الروايات، ومثله استسقاء معاوية في الشام بيزيد بن الأسود فإنه قال: يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا، وهذا المعنى هو الذي عناه الفقهاء في باب الاستسقاء ومرادهم التوجه إلى الله تعالى بدعاء الصالحين؛ فإن دعاءهم أرجى الإجابة. ولو كان التوسل بالذوات هو المطلوب، والمدلول الذي أقاموا عليه الدليل ـ وهم بمقتضى دليلهم لا يخصون الأحياء بهذا التوسل، ويستحبون التوسل بالذوات الشريفة ولو بندائهم ودعائهم وأنه على معنى أن الشفعاء يدعون لهم وقالوا: لا مانع من ذلك عقلاً وشرعًا فإنهم أحياء في قبورهم ـ لكان التوسل بالنبي ﷺ في ذلك الأمر المهم وهم عنده بالمدينة أولى). ثم

стр. 1160

أورد توسل عمر بالعباس وقال: (بل هذا الدليل الذي تمسكوا به من أقوى الأدلة وأرجحها وأظهرها على ما ندعيه من عدم الجواز، فهو عليهم لا لهم عند من له أدنى فهم وإنصاف). والخلاصة: أن توسل عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس ﵁ دليل قاطع على أن التوسل المشروع بالنبي ﷺ إلى الله تعالى هو التوسل بمحبته وطاعته والإيمان به؛ لأن هذه الأمور من الأعمال الصالحة والأعمال الصالحة من أهم الأشياء التي يتقرب بها الإنسان إلى الله ، ولأنه هو التوسل الباقي بعد موت الرسول؛ حيث إن الصحابة كانوا يأتون إلى النبي ﷺ في حياته ويطلبون منه الدعاء فكان يدعو لهم، ولكن لما علم الصحابة رضوان الله عليهم أن التوسل بدعاء النبي ﷺ غير ممكن بعد موته توسلوا إلى الله بدعاء العباس بن عبد المطلب حيث طلب منه عمر أن يدعو فدعا. ولم يكن التوسل بالعباس بن عبد المطلب بجاهه كما يزعم المخالفون من المتصوفة وغيرهم، وإنما كان التوسل بدعائه، ولو كان التوسل بالذوات والجاه جائزًا لما عدل عمر ﵁ عن التوسل بجاه النبي ﷺ وذاته ومكانته عند الله؛ لأن النبي ﷺ يتفوق على الجميع في هذا، ولكن لما كان التوسل بذاته وجاهه ومكانته غير جائز عدل عن التوسل به إلى التوسل بالعباس بن عبد المطلب. وبهذا نخلص إلى أن الأحاديث الصحيحة التي استدل بها المتصوفة على جواز التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وبالأنبياء والصالحين ليس لهم أي دليل فيها، بل هي ضدهم، ومشايخ الصوفية لم يقعوا في هذا لعدم فهمهم
следующие страницы →