Полный текст (1 489 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بكتب السلف الصالح؛ إذ هي مليئة بالتصريح تارة وبالإشارة تارة إلى هذه الأقسام، ولو ذهبت أنقل كل ما في ذلك لطال المقام، ولكن حسبي ما أوردت بعض النقول من النصوص المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة لبعض الأئمة الذين كانوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ليظهر كذب من يتهم شيخ الإسلام بهذه التهمة حيث أوردت قول كل من الإمام ابن بطة، وابن منده، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وابن جرير الطبري وغيرهم، ﵏.
إشكال:
فإن قيل: إن كثيرًا من العلماء ـ الذين صنفوا في علم الكلام (من المتكلمين) قد أعرضوا عن بيان هذه الأقسام للتوحيد، بل أغلبهم بذلوا جهودهم في إثبات الجزء الأول من التوحيد، ولم يتعرضوا للأجزاء الأخرى، فهل هناك سبب معين في إعراضهم عن ذكر توحيد الألوهية؟ وهل هذا ناتج عن عدم فهمهم للآيات القرآنية والسنة الصحيحة، وهل كان الجميع ـ متقدموهم ومتأخروهم ـ بمعزل تام عن معرفة هذا الجزء من التوحيد؟
دفع الإشكال: لا، بالتأكيد، بل لعل المتقدمين كانوا يعرفون هذا الجزء ـ وإنما لم يصنفوا تصانيف مستقلة بالبحث عن حقيقة توحيد الألوهية وما يضاده من الشرك ومظاهره وذرائعه ووسائله؛ لأنه لم يظهر ما ظهر عن المتأخرين من جماهير الطوائف.
والذي يؤكد هذه الحقيقة ـ أن علماء أهل السنة والجماعة الذين تصدوا للرد على الأشعرية وغيرهم لم يذكروا ـ فيما أعلم ـ مسائل توحيد الألوهية فيما خالف فيه أولئك، فلو كان عندهم شيء مخالف لذكروه ولردوا عليه.
стр. 107
وبالجملة: فهذا يؤكد أن المتقدمين من الطوائف وقدماء الأشاعرة والماتريدية لم يكونوا ينازعون في أن الاستعاذة بغير الله لا تجوز، وكذلك الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله والحلف وغير ذلك. كما ينازع المتأخرون منهم والمتصوفة المنبثقة من المتكلمين، ويفهم هذا من وجهين:
الأول: تنصيص بعض المتقدمين من الأشاعرة على توحيد الألوهية، ومن ذلك:
أ- ما قاله الباقلاني: والتوحيد له هو (الإقرار بأنه ثابت موجود وإله واحد فرد معبود ليس كمثله شيء)، وقال أيضاً: (إنه ليس معه إله سواه ولا من يستحق العبادة إلا إياه).
وممن صرح به من المتأخرين: الباجوري حيث قال معرفًا للتوحيد: (هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتًا، وصفاتًا، وأفعالاً)، فهذا التعريف ـ مع ملاحظة الإجمال فيه في الأسماء والصفات ـ شامل لجميع مدلولات التوحيد.
ب- وأيضًا مما يؤكد أن المتقدمين منهم كانوا يعرفون ما يجهله كثير من
стр. 108
متأخريهم في هذا الزمان من أن الدعاء والرغبة والرهبة والخوف لا يكون إلا الله ومن الله ما ورد من أقوالهم في ذلك وتحذيرهم عن بعض صور الشرك وذرائعه، منها:
١ - ما قال الحليمي: (والدعاء [في] الجملة من جملة التخشع والتذلل؛ لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز اسمه، ولذلك قال الله : (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، فأبان [أن] الدعاء عبادة، والخائف فيما وصفنا كالراجي؛ لأنه إذا خاف خشع وذل لمن يخافه وتضرع إليه في طلب التجاوز عنه].
وقال أيضًا: (إنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله ﷻ إذ كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعًا ولا ضرًا).
٢ - قال الرازي: (قال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم
стр. 109
مقامات العبودية، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل ... ) فذكرها.
وقال أيضًا: (إنه ﵇ قال: ((الدعاء هو العبادة)) ... فقوله: ((الدعاء هو العبادة)) معناه: معظم العبادة وأفضل العبادة).
وقال أيضًا: (كل من اتخذ لله شريكًا فإنه لابد وأن يكون مقدمًا على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه إما طلبًا لنفعه أو هربًا من ضرره، وأما الذين أصروا على التوحيد وأبطلوا القول بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا الله ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان رجاؤهم من الله وخوفهم ورغبتهم في الله ورهبتهم في الله، فلا جرم لم يعبدوا إلا الله ولم يستعينوا إلا بالله، فلهذا قالوا: (إياك نعبد وإياك نستعين) فكان قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) قائماً مقام: لا إله إلا الله).
فهذه الأقوال فيها رد على زعم كثير من المتأخرين الذين يجيزون دعاء غير الله مطلقًا، وعلى قولهم: إن ذلك لا يكون شركًا إلا إذا اعتقد الداعي التأثير في المدعو من غير الله.
الوجه الثاني: الذي يدل أيضًا على أن أمر توحيد الألوهية كان معروفًا لدى بعض منهم، أنه لما حدثت بعض ذرائع الشرك ومظاهره في توحيد الألوهية عند بعض المسلمين أنكر بعض أئمة المتكلمين ذلك، ومن هؤلاء:
١ - الرازي: في تفسير قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا
стр. 110
يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ) نقل في بيان كيفية اتخاذ المشركين آلهتهم شفعاء اختلاف العلماء في ذلك: ستة أقوال، فذكر بعد الثلاثة الأولى قوله: (ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء عند الله).
٢ - قول أبي شامة: (قد عم الابتلاء ـ أي النبذ للشريعة من تزيين الشيطان العامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكى لهم حاك: أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمون بها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر ... فما أشبهها بذات أنواط الوارد في الحديث.
стр. 111
المسألة الثانية
معنى الشرك وأنواعه
معناه اللغوي:
جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: مادة (الشرك) المكونة من حرف الشين والراء والكاف أصلان:
أحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد.
والآخر: يدل على امتداد واستقامة.
أما الأول: فهو (الشرك) بالتخفيف أي بإسكان الراء، أغلب في الاستعمال، يكون مصدرًا واسمًا، تقول: شاركته في الأمر وشركته فيه أشركه شركًا، بكسر الأول وسكون الثاني، ويأتي: شركة، بفتح الأول وكسر الثاني فيها. ويقال: أشركته: أي جعلته شريكًا.
فهذه اشتقاقات لفظ الشرك في اللغة على الأصل الأول.
ويطلق حينئذ على المعاني الآتية:
١ - المخالطة، والمصاحبة، والمشاركة.
стр. 112
قال ابن منظور: الشَّرْكة والشَّرِكة سواء؛ مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك: المشارك، والشِّرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء.
قال ابن فارس: الشركة هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا، فإذا جعلته شريكًا لك، قال تعالى حكاية عن موسى ﵊: (وأشركه في أمري)، ويقال في الدعاء: (اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين) معنى الآية: اجعله شريكي فيه، ومعنى الدعاء: اجعلنا شركاء في دعائهم.
قال الراغب: الشركة والمشاركة: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية.
٢ - ويطلق أيضاً على النصيب والحظ والحصة.
قال الأزهري: يقال: شريك وأشراك، كما قالوا: يتيم وأيتام، ونصير
стр. 113
وأنصار، والأشراك أيضًا جمع الشرك وهو النصيب، كما يقال: قسم وأقسام، وقد ذكر هذا المعنى كل من الزبيدي وابن منظور، ومنه الحديث: ((من أعتق شركًا له في عبد)) أي حصة ونصيبًا.
٣ - ويطلق أيضًا على التسوية: قال ابن منظور: يقال: طريق مشترك: أي يستوي فيه الناس، واسم مشترك: تستوي فيه معاني كثيرة.
٤ - ويطلق على الكفر أيضاً، قال الزبيدي: والشرك أيضاً: الكفر.
وأما الأصل الثاني: وهو الذي يدل على الامتداد والاستقامة، فأيضًا يطلق على معان:
١ - الشراك ككتاب، سير النعل على ظهر القدم، يقال: أشركت نعلي وشركتها تشريكًا: إذا جعلت لها الشراك.
стр. 114
٢ - الشرك (بفتحتين) حبالة الصائد، الواحدة منها: شركة، ومنه قيل: (وأعوذ بك من الشيطان وشركه) بفتح الراء.
٣ - الشركة (بسكون الراء): بمعنى معظم الطريق ووسطه ... جمعها: شرك (بفتحتين).
فهذه هي المعاني لكلمة (الشرك): والكلمات ذات المادة الواحدة غالبًا يكون فيما بينها ترابط في المعنى، فإذا تأملنا مدلولات المادة السابقة نجد الترابط واضحًا بينها، فالمشرك يجعل غير الله مشاركًا له في حقه، فله نصيب مما هو مستحق لله تعالى، فهو سوى بين الله وبين من أشركه في حق الله، بمعنى أنه جعل من تألهه من دون الله مقصودًا بشيء من العبادة، ولا يلزم أن يساوي بين الرب جل وعلا، وبين من أشركه معه في القصد والتعبد من كل وجه، بل يكفي أن يكون في وجه من الوجوه. وهو (الشرك) حبائل الشيطان؛ به يصيد أهله، وهو شبكة إبليس، أدخل أهله فيها، والذي يوجد فيه هذا الشرك لا يعتبر مسلمًا.
وقد جاء في كتاب الشيخ مبارك الميلي (الشرك ومظاهره) ذكر مثل هذا الترابط؛ بأن مرجع مادة الشرك إلى الخلط والضم، فإذا كان بمعنى الحصة من
стр. 115
الشيء يكون لواحد وباقيه لآخر أو آخرين، كما في قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)، فالشريك مخالط لشريكه وحصته منضمة لنصيب الآخر.
وإذا كان بمعنى الحبالة، فإنه ما يقع فيها من الحيوان يختلط بها وينضم إلى ملك الصائد.
وإذا كان بمعنى معظم الطريق، فإن أرجل السائرين تختلط آثارها هنالك وينضم بعضها إلى بعض.
وإذا كان بمعنى سير النعل، فإن النعل تنضم به إلى الرجل فيخلط بينهما.
وإذا كان بمعنى الكفر فهو التغطية، والتغطية نوع من الخلط.
ثم إن اجتماع الشركاء في شيء لا يقتضي تساوي أنصبائهم منه، ولا يمنع زيادة قسط للآخر، فموسى ﵇ سأل ربه إشراك أخيه في الرسالة، وقد أجيب سؤاله، لقوله تعالى: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)، ومعلوم أن حظ هارون من الرسالة دون حظ موسى، ولهذا تقول: فلان شريك لفلان في دار أو بضاعة، ولو لم يكن له إلا معشار العشر، هذا في الحسيات، ومثله في المعنويات: تقول: الأبوان شريكان في طاعة ابنهما لهما، وإن كان حق الأم في الطاعة أقوى، وتقول: أبنائي شركائي في محبتي، وأنت تحب بعضهم أشد من بعض، فهذا تقرير معنى الشرك في اللغة.
معنى الشرك في الشرع:
لقد اختلفت عبارات العلماء في بيان معنى الشرك في الدين، وإن كانت
стр. 116
هذه العبارات تكمل بعضها الأخرى، وفيما يلي بيان لبعض أقوالهم.
أ- بعض العلماء بدأ بالتقسيم قبل التعريف، ثم عرفه من خلال التعريف بأقسامه، منهم الراغب في المفردات، والذهبي في كتابه الكبائر ـ المنسوب إليه ـ، والإمام ابن القيم في مدارج السالكين.
ب- ومنهم من عرف الشرك في ثنايا كلامه ـ وإن كان التعريف لم يكن مقصودًا بذاته في ذلك الكلام ـ ولهم في ذلك عبارات مختلفة، منها:
١ - يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: هو (تشبيه للمخلوق بالخالق ـ تعالى وتقدس ـ في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده).
٢ - وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: (هو صرف نوع من العبادة إلى غير الله، أو: هو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها).
стр. 117
٣ - وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: (هو أن يجعل لله ندًا يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه، أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة).
٤ - وقال أيضاً: (حقيقة الشرك بالله: أن يُعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية). قلت: هذا التعريف شامل لجميع مدلولات الشرك.
٥ - وقيل: (هو كل ما ناقض التوحيد أو قدح فيه، مما ورد في الكتاب والسنة تسميته شركًا).
٦ - وقيل: هو (أن يثبت لغير الله شيئًا من صفاته المختصة به؛ كالتصرف في العالم بالإرادة الذي يعبر عنه بكن فيكون، أو العلم الذي هو من غير اكتساب بالحواس ... أو الإيجاد لشفاء المريض واللعنة لشخص والسخط عليه حتى يقدر عليه الرزق أو يمرض أو يشفى لذلك السخط، أو الرحمة لشخص حتى يبسط له الرزق أو يصح بدنه ويسعد ... ).
٧ - وقيل: (الشرك هو أن يعتقد المرء في غير الله صفة من صفات الله؛ كأن يقول: إن فلانًا يعلم كل شيء، أو يعتقد أن فلانًا يفعل ما يشاء، أو يدعي أن
стр. 118
فلانًا بيده خيري وشري، أو يصرف لغير الله من التعظيم ما لا يليق إلا بالله ـ تعالى ـ، كأن يسجد للشخص أو يطلب منه حاجة أو يعتقد التصرف في غير الله).
٨ - وقال الشيخ محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي ﵀: (إن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدًا بالله، ويساوي بينهما بلا فرق، بل إن حقيقة الشرك: أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال خصها الله ـ تعالى ـ بذاته العلية وجعلها شعارًا للعبودية ـ لأحد من الناس؛ كالسجود لأحد، والذبح باسمه والنذر له، والاستعانة به في الشدة والاعتقاد أنه ناظر في كل مكان، وإثبات التصرف له، كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح به الإنسان مشركًا). قلت: هذا التعريف فيه تصور كامل لحقيقة الشرك، ولكنه غير منضبط.
٩ - وقيل: هو (إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية، وفي العبادة). وهذا تعريف مختصر جامع.
١٠ - وقال الشوكاني: (إن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه).
стр. 119
١١ - وقيل: (الشرك: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ليس معه أمره).
قلت: هذا التعريف غير مانع، فإنه ليس كل إسناد مختص بواحد إلى من ليس معه أمره يعد شركًا، بل ربما يكون ظلمًا أو فسقًا.
فهذه ـ كما ترى ـ أقوال العلماء في تصور حقيقة الشرك، بعض منها جامع وليس بمانع، وبعضها ناقص، وبعضها كمثابة التمثيل على بعض ما وقع فيه الناس من أفراد الشرك في العبادة أو في الاعتقاد، وليس المراد: أنهم ما كانوا عارفين بالشرك، ولكن لما كان من دأبهم ذكر النماذج دون إرادة الاستقصاء، ذكروا بعض الجوانب من الشرك، والجوانب الأخرى أشاروا إليها من خلال مصنفاتهم، ومؤلفاتهم، ومن فاته شيء منها ذكره الآخرون منهم، كما هو واضح في كتابتهم ومناظرتهم مع الذين وقعوا في الشرك في زمانهم.
والذي يظهر من هذه الأقوال: أن الشرك حقيقته في اتخاذ الند مع الله، سواء كان هذا الند في الربوبية أو الألوهية.
وبهذا يتفق قول العلماء المحققين في حقيقة الشرك مع قول أصحاب المعاجم بأن أصل الشرك اتخاذ الأنداد مع الله.
فأصل الشرك ـ كما علمنا من البيان السابق ـ ما هو إلا اتخاذ الند مع الله، وهذا ما سيتضح لنا أكثر عند بيان حقيقة الشرك في نصوص القرآن والسنة.
إذا نظرنا إلى حقيقة الشرك في القرآن الكريم نرى: أن الله بينها في كتابه بيانًا شافيًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض. فقال تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
стр. 120
معنى الآية: النهي عن اتخاذ الأنداد مع الله بأي وجه من الوجوه، وقد نقل عن السلف في تفسير الآية مثل هذا القول، فمثلاً:
١ - قال ابن عباس: الأنداد: الأشباه، والند: الشبه، يقال: فلان ند فلان، ونديده: أي مثله وشبهه، ومنه قول النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئت: ((أجعلتني لله ندًا))، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند.
٢ - قال ابن مسعود: الأنداد: الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، فهذا المعنى بمعنى الشرك بالله باتباعهم الناس في معصية الله جل وعلا، فقد بين القرآن ذلك فقال: (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ).
قال الطبري: فإن اتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله، وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ
стр. 121
ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا).
وقال الطبري: قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: ((يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك)) فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أرباباً من دون الله). قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال: ((أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ )). قلت: بلى، قال: ((فتلك عبادتهم)). ففي هذا القول أيضاً: إثبات كون الشرك هو اتخاذ الند، فإن من أثبت حق التشريع والتحليل والتحريم لغيره ـ سبحانه ـ فقد أثبت له الند.
٣ - قال عكرمة: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً) (أي تقولوا: لولا كلبنا لدخل علينا اللص الدار، لولا كلبنا صاحٍ في الدار، ونحو ذلك، فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئاً، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندًا وعدلاً في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا وندًا من خلقي، فإنكم تعلمون: أن كل نعمة عليكم
стр. 122
مني).
٤ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. فمعنى الأنداد على هذا المعنى هي الآلهة، والآلهة عند الكفار بمعنى الشفعاء لهم عند الله، وقد سماهم الله شركاء، فقال ـ في الرد على اتخاذهم آلهة ـ: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ).
٥ - قال مجاهد: الأنداد: العدلاء.
والعدلاء هنا أيضًا بمعنى الشركاء لله في عبادته، قال الله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي يشركون، ويقال: من مساواة الشيء بالشيء: عدلت هذا بهذا، إذا ساويته به عدلاً.
قال الطبري: يجعلون شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شاركه في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره.
٦ - قال الطبري: الأنداد جمع ند، والند: العدل، والمثل.
والمقصود: أن اتخاذ الشبيه والكفؤ لله يسمى شركًا بالله، ولهذا أخبر
стр. 123
سبحانه وتعالى أنه لم يكن له كفؤ ولا شبيه ولا نظير، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، قال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ). قال أبو العالية في معنى الآية: لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، أي كيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه، وهو الواحد الأحد، لا نظير له ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه ولا عديل.
هكذا بيَّن الله في كتابه حقيقة الشرك بالله بيانًا واضحًا، وهو: اتخاذ الند مع الله، وكل ما ذكر في معاني الند من الكفؤ، والشبيه، والمثل، والعدل، والآلهة، كلها معاني متقاربة تدل على معنى الشرك بالله، والتي تدل صراحة أن الشرك في الحقيقة: اتخاذ الند بمعنى الشبيه لله كما سيأتي.
كما أن هذا المعنى هو المستفاد من أحاديث الرسول ﷺ التي فيها بيان حقيقة الشرك، والدليل عليه:
١ - ما روى الشيخان عن ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله ندًا وهو خلقك)) ... الحديث.
стр. 124
٢ - ما رواه مسلم أيضاً عنه: قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: ((أن تدعو لله ندًا وهو خلقك)) ... الحديث ـ وفي آخره ـ فأنزل الله تصديقها: (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما).
٣ - وروى الشيخان عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: ـ ثلاثاً ـ الإشراك بالله ... )) الحديث.
ففي هذا الحديث ذكر أكبر الكبائر بأنه الشرك، فهو بمثابة التفسير للند المذكور في الحديثين السابقين.
وبهذا يحصل لنا حقيقة الشرك بلسان الرسول ﵊؛ حيث فسر اتخاذ الند بالشرك، بأن الشرك أكبر المعاصي وأكبر الكبائر، وهو أن تجعل لله ندًا ومثلاً وشبيهًا وعديلاً في العبادة وكفؤًا في الطاعة، فمن جعل لله ندًا وشبيهًا فقد أشرك.
وأيضاً اتضح لنا من خلال ما ذكرنا: أن الشرك إنما هو اتخاذ الند والشبيه لله من
стр. 125
خلقه فيما يستحقه من الإلهية والربوبية، فمن صرف شيئًا من هذه الخصائص لغيره فهو مشرك، فأصل الشرك وحقيقته إنما هو في التشبيه والتشبه.
قال ابن القيم: (حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، ... ). فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.
فإن من خصائص الإلهية:
١ - التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، ومن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات.
٢ - ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلاً وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا مثيل له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
٣ - ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبه به في خالص حقه.
стр. 126
٤ - ومن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، وهكذا:
٥ - التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
٦ - والتوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
٧ - والحلف باسمه تعظيمًا وإجلالاً له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به.
٨ - والذبح له، فمن ذبح لغيره فقد شبهه به.
٩ - وحلق الرأس (تعبدًا ... )، إلى غير ذلك.
كل هذا في جانب التشبيه.
وأما في جانب التشبه به: (تشبه المخلوق بالخالق) فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفاً ورجاءً والتجاءً واستعانةً، فقد تشبه الله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابًا يوم القيامة كما قال النبي ﷺ : ((أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)) وذلك لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن
стр. 127
بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ !
وفي الصحيحين عنه صىلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة))، فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر.
والمقصود: أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته، مثلاً:
١ - العظمة والكبرياء، ولهذا جاء في الصحيح أنه ﵇ قال: ((يقول الله عزوجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته)).
٢ - وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام ونحوه، وقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن أخنع الأسماء عند الله رجل يُسمى بشاهنشاه ـ أي ملك الملوك ـ لا ملك إلا الله))، وفي لفظ: ((أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك)).
стр. 128
فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فإنه سبحانه ملك الملوك وحده، لا غيره.
(وبالجملة: فالتشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك، ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما، يقربه ذلك إليه تعالى، فإنه يخطئ لكونه شبهه به، وأخذ ما لا بنيغي أن يكون إلا له، فالشرك منعه حقه، فهذا قبيح عقلاً وشرعًا، ولذلك لم يشرع ولم يغفر لفاعله).
فعلمنا من هذا البيان الطويل أن حقيقة الشرك في الدين بنصوص القرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة: اتخاذ الند والشبيه والمثل والعديل مع الله سبحانه، وذلك إما:
باتخاذ الند في الربوبية بالتعطيل أو بالأنداد والتمثيل، أو باتخاذ الند في العبادة.
فهذا مجمل البيان في أنواع الشرك في ضوء نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
مفهوم ضال في معرفة حقيقة الشرك:
لقد تغير هذا المفهوم عند بعض المتكلمين، والمتصوفة، فإنه لما كان التوحيد عندهم أمر اعتقادي بحت، فإن الشرك في الإرادة (إرادة غير الله
стр. 129
بالعبادة أو بطلب النفع أو دفع الضرر) إذا لم يتضمن الشرك في الاعتقاد لا يكون شركًا عندهم.
فاتخاذ الوسائط بالسؤال والطلب ليس شركًا عندهم بمجرد طلب غير اله ما لا يقدر عليه إلا الله ـ مثلاً ـ بل لابد أن يتضمن ذلك اعتقاد استقلالية المطلوب منه وقدرته على الاختراع (الذي هو حقيقة الألوهية عندهم).
وهكذا: صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ليس شركًا لذاته ـ عندهم ـ إلا إذا تضمن استحقاق العبادة لمن صرفت له.
ولهذا يقولون في تعريف الشرك:
١ - (الذي يقدح في التوحيد هو اعتقاد التأثير لغير الله، أو اعتقاد الألوهية واستحقاق العبادة لغير الله، وأما مجرد النداء من غير اعتقاد شيء من ذلك فلا ضرر فيه).
٢ - (الشرك والعبادة لا يتحققان إلا باعتقاد الربوبية لغيره تعالى، والاستقلال بالنفع والضر والإيجاد والخلق ونفوذ المشيئة لا محالة، والتأثيرات بالذات دون الحاجة إلى الغير، فليس من المسلمين الموحدين المستغيثين بالصالحين شرك، وهم برآء من الشرك).
стр. 130
٣ - (الذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد الألوهية غير الله سبحانه، أو اعتقاد التأثير لغير الله ولا يعتقد أحد من المسلمين ألوهية غير الله، ولا تأثير أحد سوى الله).
وعلى هذا: فكل من انتسب إلى الإسلام لا يتصور ـ عندهم ـ وقوع الشرك منه، فالشرك ينحصر عندهم في الأمور التالية:
١ - أن يشرك في الربوبية والخلق والتدبير والإيجاد والإحياء والإماتة ونحوها، أو:
ب- اعتقاد التأثير لغير الله بالاستقلال فيه بالنفع والضر بنفسه وبذاته، ونفوذ المشيئة له لا محالة، وتأثيره في الكائنات من تلقاء نفسه بدون حاجته إلى الله تعالى، أو:
ج - إذا صاحب الشرك اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله.
ولهذا قال بعضهم: (المستغيث لا يعتقد أن المستغاث به من الخلق مستقل في أمر من الأمور غير مستمد من الله تعالى أو راجع إليه، وذلك مفروغ منه، ولا فرق في ذلك بين الأحياء والأموات، فإن الله خالق كل شيء).
وقال آخر: (وأنت إذا نظرت إلى كل فرد من المسلمين ـ عامتهم وخاصتهم ـ لا تجد في نفس أحد منهم غير مجرد التقرب إلى الله لقضاء حاجتهم الدنيوية والأخروية بالاستغاثات، مع علمهم بأن الله هو الفعال المطلق المستحق للتعظيم بالأصالة وحده لا شريك له).
الرد: تعريفهم لحقيقة الشرك بما ذكر، باطل عقلاً ونقلاً.
стр. 131
وقد سبق بيان حقيقة الشرك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية مما فيه كفاية، ولنا عود ـ إن شاء الله ـ إلى هذا الموضوع في الباب الرابع عند بيان شبهات القبورية وردها.
بقي أن أقول: إن الحقيقة التي يجب التأكيد عليها هنا: أنه لم يقع في تاريخ البشرية الشرك باعتقاد استقلال أحد غير الله بالخلق والإيجاد، إلا ما يذكر عن الفلاسفة الذين يرون: أن الموجودات قد وجدت بطريق السببية الضرورية الحتمية من ذات الموجودات لا من خلق الله وتدبيره، الذي ليس له عندهم أي علاقة بالعالم لا علمًا ولا إرادة ولا قدرة.
أما الشرك الذي وقع فيه الجماهير من الناس قديمًا وحديثًا فهو شرك الطلب من غير الله تعالى ما لا يطلب إلا من الله، لا على سبيل أن من يطلب منه العطاء والرزق مالك له على سبيل الاستقلال والخلق، بل على سبيل أن من يطلب منه ذلك قريب من الله جاهًا ومنزلة، وأنه لذلك يعطي من يشاء ما يشاء بمجرد إرادته هو.
وهكذا لم يقع عن أحد من المشركين قديمًا ـ الذين أرسل إليهم الرسل ـ اعتقاد أن غير اله يستحق العبادة لذاته، وذلك: أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية؛ لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله.
ولهذا ذكر الله عن المشركين أنهم يعتقدون أن الله هو المتفرد بتدبير الأمور، لكنهم أشركوا بالله من جهة التوسط في الطلب أو في العبادة، والآيات
стр. 132
الدالة على هذا المعنى كثيرة، من أبرزها قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)، وقوله تعالى: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)، وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)).
فكما أن اعتقاد كون الله متفردًا بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله لا يكفي لتحقيق التوحيد بل لابد من إرادة الله وحده بالقصد والعمل، فكذلك ليس الشرك محصورًا في الاعتقاد، بل هو شامل للشرك في الإرادة المستلزمة للعمل، بل إن الشرك في الإرادة هو حقيقة الشرك الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب من أجل إخراج الناس منه إلى توحيده وعبادته وحده، فالعبادة ليست مجرد اعتقاد.
وغالب ما يكون من الذبح وتقريب القرابين والنذور لغير الله، فالغاية منه استجلاب الخير واستدفاع الضر عمن عبد بذلك.
وهذا الشرك مع أنه استعاثة بغير الله تعالى ففيه عبادة غير الله بالتقرب والنسك الذي لا ينبغي صرفه إلا لله وحده، فهو ضلال وشرك في الطلب والعبادة معًا، ولهذا ترى أن الله نفى أن ينفع المعبودون عابديهم، بل نفى الضر أيضًا، وأن ذلك كله لله وحده، لا يملكه سواه، فلا يطلب غيره ولا يعبد
стр. 133
غيره.
وبهذا يتبين: أن شرك العبادة ليس شركًا اعتقاديًا يستلزم أن يكون المعبود عند من عبده مستحقًا للعبادة من دون الله، وإنما شرك في إرادة غير الله بالعبادة، ولو كان من تحقق منه ذلك معتقداً أن الله هو الذي يستحق العبادة، وإنما يصرفها لغيره على جهة التوسط إلى الله لكان بذلك مشركًا به، سواءً كان ذلك التوسط بالشفاعة عنده في قبول العبادة، أو في قبول الشفاعة مطلقًا، أو رجاء نفع المعبود مع اعتقاد أنه ليس له التدبير والتصريف، وأن ذلك كله لله، لكن لجاه المعبود في ذلك ـ بحسب ظن المشرك ـ صرف له العبادة التي هي حق الله الخالص.
فعلى هذا: (كما يكون الشرك بالاعتقاد، كذلك يكون بالإرادة والعمل، ولا فرق). فلا يحتاج إلى اشتراط مصاحبة اعتقاد الألوهية أو استحقاق العبودية لمن يعبده لكونه شركًا.
الآثار المترتبة على الخطأ في معرفة حقيقة الشرك عند المتأخرين:
لقد نتج عن سوء فهمهم لحقيقة الشرك مفاسد عظيمة، منها:
١ - كل ما لا يؤدي إلى الشرك في الربوبية، والخلق والتدبير، والإحياء والإماتة، وكل ما لا يؤدي إلى اعتقاد التأثير لغير الله بالاستقلال فيه بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة، وكل ما لا يصاحبه اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله لا يكون شركًا ـ عندهم ـ ولو كان سجودًا أو استغاثة أو نذرًا أو ذبحًا، أو غيرها.
٢ - محاولة تغيير بعض الحقائق الشرعية لما رأوا أنها تسمى شركًا في
стр. 134
النصوص، فمنها: قولهم في تبرير اشتراط تاثير الله بالاستقلال، لما رأوا النصوص الشرعية تخالفهم في ذلك ـ بل وصفت النصوص اعتقاد التأثير لغير الله بدون الاستقلال بالنفع والضر أيضًا بالشرك ـ قالوا: إن المشركين لم يكونوا صادقين في قولهم: إن الله هو الخالق وهو مدبر الأمر! ! ، ولم يكونوا جادين في أنهم يعبدون غير الله من أجل التقرب والشفاعة، لا على جهة استحقاق العبادة من دون الله.
ومنها قولهم: إذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفيرهم، فإذا قال العامي من المسلمين: نفعني النبي أو الصحابي أو الولي، فإنما يريد الإسناد المجازي، والقرينة عليه أنه مسلم.
ومنها: أنهم لما قالوا في التوحيد بأنه مجرد اعتقاد تفرد الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن الإله هو القادر على الاختراع، وبالتالي: إن مجرد الطلب، والتقرب إلى غير الله بالعبادة لا يكون شركًا لذاته ـ عندهم ـ ما لم يتضمن شرك الاعتقاد، عارضتهم النصوص التي فيها إطلاق الشرك على الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، وإطلاق الشرك أيضًا على عبادة غير الله، قالوا في الجواب عن هذا الإشكال: إن لنا فيه تخريجين:
الأول: أن ذلك مقيد بالشرك في الاعتقاد، لا بمجرد الإرادة والعمل.
الثاني: أن ذلك شرك ولكنه شرك أصغر، فهو من المعاصي التي لا يخرج
стр. 135
فاعلها عن الملة.
ومنهم قولهم: إن الاستغاثة بغير الله هو التوسل به، وجعلهما مترادفين، والاستدلال بجواز أحدهما في بعض الصور على جواز الآخر من غير تفريق.
ومنها: قولهم: إن الدعاء الوارد في الآيات (التي فيها ذكر الشرك بالدعاء) إنما هو عبادة لا طلب ومسألة، وفرق بين العبادة والمسألة.
ومنها: جعلهم توحيد الربوبية هو الغاية، وقد تمت الإجابة عليه فيما سبق.
ومنها: عدم التفريق بين توحيد الربوبية والألوهية، نتيجة عدم التفريق بين الرب والإله.
ومنها: اتهامهم أهل السنة بإنزال الآية التي نزلت في الكفار على المسلمين.
وستأتي الردود على هذه الأقوال مفصلة في الباب الرابع ـ إن شاء الله ـ عند ذكر شبهات القبوريين وردها.
стр. 136
أنواع الشرك
تنوعت عبارات أهل العلم في بيان أنواع الشرك، ولكنها لا تخرج عن المدلول الشرعي للشرك الذي سبق معنا، فمن عباراتهم في بيان أنواع الشرك ما يلي:
أ- أن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر.
ب- ويقول بعضهم: إنه على ثلاثة أقسام: أكبر، وأصغر، وخفي.
ج- والبعض يقسمه حسب أجزاء التوحيد الثلاثة.
د- وبعضهم يقسمه إلى نوعين: الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، ويدخل الشرك في الأسماء والصفات ضمن النوع الأول.
هذه الأقوال ليست متباينة، بل بعضها يوافق بعضًا، فمن قسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر، نظر إلى حقيقة الشرك وأحكامه من حيث خروجه من الإسلام وعدم خروجه. والذي قسم الشرك إلى ثلاثة أنواع: الأكبر والأصغر والخفي، فإنه لم يخالف القول السابق؛ لأنه إنما أراد إظهار أهمية الشرك الخفي، وإلا فالشرك الخفي داخل تحت النوعين السابقين، فإن الشرك الخفي
стр. 137
بعضه من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وبعضه من الشرك الأصغر الذي هو أكبر من المعاصي (الكبائر) ولكنها لا تخرج من الملة، وإنما أراد من أبرزها كنوع ثالث بيان خفائها على كثير من الناس وكثرة وقوعها، كما سيأتي بيانه فيما بعد.
أما الذي قسمه حسب أنواع التوحيد الثلاثة والذي قسمه إلى نوعي الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية فليس بينهما إلا إجمال وتفصيل.
فهذه الأقوال صحيحة وشاملة. وهناك أقوال أخرى للعلماء في بيان أنواع الشرك، وهي غير شاملة، منها:
هـ - أن أقسام الشرك أربعة:
الأول: شرك الاحتياز: وهو أن يكون غير الله مالكًا لشيء يستقل به، ولو كان في الحقارة مثقال ذرة.
الثاني: شرك الشياع: أن يكون لغيره نصيب يشاركه فيه، كيفما كان هذا النصيب في المكان والمكانة.
الثالث: شرك الإعانة: وهو أن يكون له ظهير ومعين من غير أن يملك معه، كما يعين أحدنا مالك متاع على حمله مثلاً.
الرابع: شرك الشفاعة: وهو أن يوجد من يتقدم بين يديه يدل بجاهه، ليخلص أحدًا بشفاعته.
ويبدو ممن قال بهذا القول: أنه قسم الشرك حسب متعلقه وحسب باعث الناس على الشرك، وهذه الأنواع كلها داخلة تحت الشرك الأكبر، وهذه من
стр. 138
أفراده، وكان قد أخذه من قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)
و- وقال بعضهم: إنه على ستة أنواع:
١ - شرك الاستقلال: وهو إثبات شريكين مستقلين، كشرك المجوس.
٢ - شرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهه كشرك النصارى.
٣ - شرك التقريب: وهو عبادة غير الله إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية.
٤ - شرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعًا للغير، كشرك متأخري الجاهلية.
٥ - شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة، والطبائعيين، ومن تبعهم في ذلك.
٦ - شرك الأغراض: وهو العمل لغير الله.
يلاحظ أن أقسام الشرك التي ذكرها هي مجرد صور للأعمال الشركية التي تقع في بعض المجتمعات الإسلامية لعموم الجهل، وهناك صور أخرى للشرك لم يتعرض لها، ولا يمكن حصر جميع الصور بهذه الطريقة.
ز- وهناك تقسيم للإمام ابن القيم ﵀ ذكره في كتابه: ((الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي))، يمكن أن يوصف بأنه أكثر دقة في استقصاء أنواع الشرك؛ حيث قال: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات
стр. 139
المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ـ سبحانه ـ لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله). ثم بدأ الإمام في بيان التفريعات فيهما.
التقسيم المختار:
ولعل التقسيم الذي يجمع بين هذه التقسيمات هو أن يقال:
الشرك على نوعين: أكبر، وأصغر.
أما الأكبر:
فهو أن يتخذ شريكًا أو ندًا مع الله ـ تعالى ـ في ذاته أو في أسمائه وصفاته، أو أن يعدل بالله ـ تعالى ـ مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده.
أو يقال: هو أن يجعل الإنسان لله ندًا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
وهو من حيث تعلقه بالتوحيد ينقسم قسمين:
القسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله (الشرك في الربوبية والأسماء والصفات).
تعريف الشرك في الربوبية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار
стр. 140
النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته).
وقال في موضع آخر: (فأما الأول ـ الشرك في الربوبية ـ فهو إثبات فاعل مستقل غير الله، كمن يجعل الحيوان مستقلاً بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلاً بشيء من الأحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم: تعطيل الحوادث عن الفاعل ... ).
أو بعبارة مختصرة يقال: من أشرك مع الله غيره في خصائص الربوبية أو أنكر شيئًا منها، أو شبهه بغيره، أو شبه غيره به، يعد مشركًا بالله، سواء كان في ذاته أو أفعاله أو أوصافه.
وهذا الشرك ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا.
وهو على نوعين:
النوع الأول: شرك التعطيل؛ وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)، وقال تعالى مخبرًا عنه ما قال لهامان: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً).
وإنما قلنا لهذا التعطيل بأنه شرك؛ لأن الشرك والتعطيل متلازمان، فكل
стр. 141
معطل مشرك، وكل مشرك معطل، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو على ثلاثة أقسام:
١ - تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلاً، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، ومنه الإلحاد بإنكار الخالق للكون.
٢ - تعطيل الصانع ـ سبحانه ـ عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية، والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائه وصفاته.
ويدخل في ذلك شرك منكري الرسالة للرسل، وشرك منكري القدر، وشرك التشريع والتحليل والتحريم من غير الله.
٣ - تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثمَّ خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه.
النوع الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل: وهو من جعل مع الله إلهًا آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، ومن ذلك:
стр. 142
١ - شرك النصارى الذين جعلوا ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.
٢ - شرك المجوس: القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.
٣ - شرك القدرية: القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته، ولهذا كانوا أشباه المجوس.
٤ - شرك الذي حاج إبراهيم في ربه (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيي ويميت بزعمه، كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالاً كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًا.
٥ - شرك فرعون حينما قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وقوله تعالى حكاية عن قول قومه له: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، كما هو في
стр. 143
بعض القراءات.
٦ - وأيضاً من هذا النوع شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.
٧ - ومن هذا النوع: شرك من أسند النعمة إلى غير الله، قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً).
٨ - ومن هذا شرك عباد الشمس، وعباد النار، وغيرهم، فمن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله ! ! فتارة تكثر الآلهة والوسائط وتارة تقل.
فيستنتج مما سبق أن هذا القسم من الشرك ينقسم قسمين:
١ - نوع في توحيد الربوبية، ويكون من وجهين:
أ- بالتعطيل، وذلك:
إما بالإلحاد، كقول فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)، ويدخل فيه الشيوعية والاشتراكية والقومية وغيرها من الاتجاهات الهدامة التي تجددت.
стр. 144
وإما بتعطيل المصنوع عن صانعه: كالقول بقِدَم العالم.
وإما بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: كالقول بوحدة الوجود.
وإما تعطيل الصانع عن أفعاله: كمنكري إرسال الرسل، ومنكري القدر، ومنكري البعث والنشور، وغيرها.
ب- بالأنداد، وذلك:
إما بدعوى التصرف في الكون من الغير كمشركي قوم إبراهيم الصابئة، والمتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد، والأبدال وتصرفهم كما يدّعون.
وإما بإعطاء السلطة لأحد غير الله في التحليل والتحريم، كما كان في النصارى، وفي بعض حكام هذه الأمة، والقوانين الوضعية وغيرها.
وإما بدعوى التأثير في الكون من النجوم والهياكل، كالصابئة من قوم إبراهيم، أو الأولياء، أو التمائم والأحجبة.
٢ - نوع في توحيد الأسماء والصفات، وذلك من وجهين أيضًا:
أ- بالتعطيل: وذلك بتعطيل الصانع عن كماله المقدس: كالجهمية الغلاة، والقرامطة الذين أنكروا أسماء الله وصفاته.
ب- بالأنداد:
١ - إثبات صفات الصانع للمخلوقين: وذلك؛ بالتمثيل في أسمائه أو صفاته، كالشرك في علم الباري المحيط، ويدخل في ذلك: التنجيم، والعرافة والكهانة، وادعاء علم المغيبات لأحد غير الله، وكالشرك في قدرة الله الكاملة، وذلك بادعاء التصرف للغير في ملكوت الله، وخوف الضرر أو
стр. 145
التماس النفع من الغير، أو بالاستغاثة من الغير، أو تسمية غيره غوثًا، أو بالسحر والتسحر وغيرها.
٢ - أو بإثبات صفات المخلوق للصانع جل وعلا: كاليهود المغضوب عليهم الذين شبهوا اله بصفات المخلوقين، وهكذا النصارى في قولهم بالبنوة والأبوة وما إلى ذلك من صفات المخلوقات لله جل وعلا، ويدخل في هذا النوع كل من شبه الله بخلقه ومثلّه بهم من هذه الأمة.
وكل هذه الأنواع السالفة الذكر يعتبر من الشرك الأكبر، وينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا باتفاق العلماء.
وأما القسم الثاني: فهو الشرك بمعناه الخاص (الشرك في الألوهية والعبادة):
وهو شرك في عبادة الله، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ـ سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو الذي يسمى بالشرك في العبادة، وهو أكثر وأوسع انتشارًا ووقوعًا من الذي قبله، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة أخرى، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب.
وهذا حال أكثر الناس، ومعلوم أن من لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير الذي أمر به، فلا يصح، ولا يقبل منه، قال الله
следующие страницы →