← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في آلهتهم وشركائهم التي عبدوها من دونه أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت وتنزل من السماء ماء، وتخرج الحي من الميت والميت من الحي.، بل إذا ضاق عليهم الأمر واشتدت بهم الكرب فزعوا إلى الله وحده، فإذا سئلوا عن حقيقة دينهم: هل هو شرك في الربوبية؟ دانوا وأذعنوا للرب وحده بالاختصاص بكل ذلك والانفراد، وهذا واضح لمن ألقى السمع للقرآن فيما حكى عنهم بقوله: (قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) ... هل ترى في جميع هذا الذي حكاه الله عنهم: أنهم زعموا منه قليلاً أو كثيرًا، حقيرًا أو خطيرًا لآلهتهم التي هم لها يعبدون، وحولها يعكفون؟ بل صيروا هذه الصفات عطلاً عما تستتبع وتستلزم وتقتضي أن يكون لاحقًا لها ومتعلقًا بها ومنضمًا إليها من التوحيد والتفريد وعدم التشريك والتنديد، بالدعاء والعكوف والقرابين وغيرها. فهذا شرك القوم واتخاذهم الآلهة الذي كان سببًا أن سجل عليهم ربهم القاهر فوق عباده بالشرك والبغي والضلال والكفر والظلم والجهالة ... ). فصرح النعمي ﵀ بأن من تتبع كتاب الله يجد فيه نوعين من التوحيد ويجد أن الشرك كان في العبادة دون الربوبية. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: (وقد دل استقراء

стр. 72

القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) الآية. الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى (لا إله إلا الله) وهي مركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات ... ومعنى الإثبات: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ). النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته). فقه نبه فيه ﵀ إلى أن أقسام التوحيد الثلاثة مأخوذة بالاستقراء

стр. 73

لنصوص القرآن الكريم، فهو إذن من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله، وليس أمرًا اصطلاحيًا أنشأه بعض العلماء. وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ـ حفظه الله ـ: (هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن جرير وابن منده وغيرهما ... وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء). وقال الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة: (وأما تقسيم التوحيد إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمهم الله تعالى ـ إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فهذا تقسيم اصطلاحي استقاه العلماء مما جاء في الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى، مما رد الله تعالى به على المشركين الذين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، وفي سورة الفاتحة التي يقرؤها المسلم في صلاته مرات كل يوم: دليل على ذلك).

стр. 74

فما آمن بالتوحيد من لم يؤمن بهذه الأنواع المستمدة من نصوص الشرع، إذ التوحيد المطلوب شرعًا هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، ومن لم يأت بهذا جميعه فليس موحدًا، وهذا ثابت بالاستقراء، والاستقراء دليل يفيد القطع إذا كان تامًا، فهاهنا نحن استقرينا النصوص الشرعية كلها فلم نجد إلا هذه الأقسام الثلاثة وما يتعلق بها، مما يدل على أن هذه الأقسام قطعية، وهذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد. فلا يصح لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متلازمة يلزم بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها خلل في التوحيد كله، فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفته تعالى، فهما متلازمان. الشبهات حول الاستقراء والردود عليها: الشبهة الأولى: قولهم: إن للعلماء عبارات مختلفة في تقسيم التوحيد، فمنهم من قال: التوحيد قسمان:

стр. 75

١ - توحيد في المعرفة والإثبات. ٢ - توحيد في المطلب والقصد. ومنهم من قال: التوحيد قسمان: ١ - التوحيد العلمي الخبري. ٢ - التوحيد الإرادي الطلبي. ومنهم من قال: التوحيد قسمان: ١ - التوحيد القولي. ٢ - التوحيد العملي. ويقول بعضهم: التوحيد قسمان: ١ - توحيد السيادة. ٢ - توحيد العبادة. وبعض العلماء يذكرون له ثلاثة أنواع ـ كما أسلفنا ـ فلو كان الاستقراء والتتبع صحيحًا لما حصل هذا التناقض. يقال في الرد عليها: إن تنوع العبارات في التعبير عن أنواع التوحيد لا يدل على التناقض، فإنها متفقة في المضمون، فمثلاً: التوحيد العلمي والخبري، وتوحيد المعرفة والإثبات، والتوحيد القولي، وهكذا توحيد السيادة كلها بمعنى: توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية. وتوحيد القصد والطلب، والتوحيد الإرادي الطلبي، والتوحيد العملي، وتوحيد العبادة كلها بمعنى توحيد الألوهية.

стр. 76

الشبهة الثانية: إن بعض العلماء لا يذكرون إلا تقسيمًا ثنائيًا. ١ - توحيد الألوهية. ٢ - توحيد الربوبية. وبعض العلماء ـ يزيدون عليه تقسيمًا، فيجعلونه ثلاثيًا، بقولهم: ٣ - توحيد الأسماء والصفات. أفلا يدل هذا على عدم الاستقراء التام؟ الرد عليها: ((تقسيم التوحيد إلى قسمين هذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين؛ لأنهم يجمعون توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنها يشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ، فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يشكل جانب العمل لله. وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار متعلق بالتوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على الموحد)). الشبهة الثالثة: هذا الاستقراء ليس بتام، فإنه يذكر عن البعض قسمًا رابعًا وهو: ٤ - توحيد الاتباع أو توحيد الحاكمية (أي التحاكم إلى الكتاب والسنة). الرد عليها: الملاحظة من الذي ذكر هذا القسم: أن هذا القسم في الحقيقة داخل ضمن توحيد الألوهية؛ لأن العبادة لا تقبل شرعًا إلا بشرطين وهما: أ - الإخلاص.

стр. 77

ب - الاتباع. كما قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). وهذا إذا كان العمل مقصورًا في جانب الاتباع فقط، وأما إذا اعتقد حق التشريع لغير الله كمن أحل القوانين الوضعية مكان الشريعة المطهرة ودان لها وقضى بها فإنه حينئذ يكون منافيًا لتوحيد الربوبية، فإن التشريع من أمور الربوبية، فالقضاء بغير الكتاب والسنة والعمل بغيرهما مناف لتوحيد الألوهية واعتقاد جواز إحلالها محل شرع الله أو أنها مثل القوانين الأخرى فيسوغ إحلالها محل تشريع الله مناف لتوحيد الربوبية. ويقول بعض العلماء مبررًا لزيادة هذا الجزء: (لعل مقصود من أفرد (الاتباع) أو (الحاكمية) بقسم مستقل هو إبراز أهمية وتعظيم شأنه نظرًا لانصراف الناس عنه، والله أعلم). ولكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن زيادة توحيد الحاكمية ـ وإن كان لمجرد إظهار أهمية هذا الجانب ـ فإن فيه بعض المفاسد؛ لأنه يفتح أبوابًا من البدع في العقيدة وفي المنهج السلفي النقي، فمثلاً يأتي أحدهم فيزيد توحيد الخالقية وتوحيد الرازقية وتوحيد الاتباع وغيرها من أفراد توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.

стр. 78

وأما إذا كان المراد بزيادة ما سموه بتوحيد الحاكمية؛ أن السلف حين ذكروا أجزاء التوحيد نسوا بعض جوانب التوحيد فقد أخطئوا خطأً فاحشًا بيِّنًا، بل نتج هذا عن فقد حقيقة المعرفة والتصور لأقوال السلف وآرائهم. هكذا لو أرادوا بذلك أن مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هي توحيد الحاكمية فقط، يلزم منه نسبة القصور إلى دعوة الرسل الذين لم يقيموا الدولة ولا الحكم الشرعي فيها، وحينئذ يكون هذا القول مردودًا بنصوص القرآن والسنة. وأما إن كان المراد ـ كما يظهر من مؤلفات بعض الكتاب المعاصرين ـ أنه لو قامت الحكومة الإسلامية وحكَّمت الدولة الشريعة الإسلامية فالبدع والخرافات والأعمال الشركية كلها تزول تلقائياً بعدها، حينئذ يكون هذا القول ناتجًا عن فساد في الفكر وعدم معرفة منهج الأنبياء والمرسلين ومنهج سلفنا الصالح في الدعوة إلى الله. فالحكومة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإلهية فيها لها دورها في القضاء على الفساد والأعمال الشركية ـ كما هو مشاهد في هذه الدولة السعودية المباركة التي أُسست على التوحيد ومخالفة الشرك ـ ولكن مجرد قيام الحكومة الإسلامية لا تصحح عقيدة الناس، والواقع خير شاهد على ذلك، فهناك بعض الدول في العصر الحاضر يفتخر بأنها أقامت دولة إسلامية، وعقائد أهل تلك الديار عقائد وثنية مليئة بالخرافات والأساطير، وذلك لمخالفتهم هدي الأنبياء والرسل في الدعوة إلى الله.

стр. 79

فالأنبياء إنما بدءوا بالدعوة إلى إخلاص العبادة لله ونبذ الشرك به ـ كما هو معروف لدى كل من له أدنى مسكة من معرفة في منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ـ وبعد ما صححت عقيدة الناس قاموا بتطبيق شرع الله والقضاء على ما يخالفه. وليس المراد به أنني أقلل من أهمية قيام الدولة الإسلامية أو تطبيق الشريعة فيها، فإن أهميته ظاهرة إذ لا يمكن القضاء على كثير من أنواع البدع والشركيات الظاهرة إلا بالسلطة، وهذا ظاهر والحمد لله، ولكن القضاء على الشركيات الموجودة في قلوب الناس لا يمكن إلا بالدعوة إلى توحيد الربوبية والألوهية أولاً وبنبذ ما يخالفهما. الوجه الثاني من أوجه إثبات تقسيم التوحيد: وجود هذا التقسيم في عبارات السلف إما صراحة وإما إشارة وتلميحًا، وفيما يلي نُقول لبعض أقوالهم الدالة على إثبات نوعي التوحيد: ١ - ابن عباس: ﵄. حيث قال في تفسير قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ). قال: (من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون). وقال أيضاً في تفسير الآية: (ولئن سألتهم من خلق السماء والأرض ليقولن الله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، وهم مع ذلك يشركون به، ويعبدون غيره ويسجدون للأنداد دونه).

стр. 80

٢ - مجاهد: قال في تفسير الآية المذكورة: (إيمانهم قولهم: الله خالقنا يرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره). وقال أيضًا: (ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السموات والأرض، فهذا إيمانهم ويكفرون بما سوى ذلك). ٣ - قتادة: حيث قال في تفسير هذه الآية: (وهم مشركون في إيمانهم هذا، إنك لست تلقى أحداً منهم إلا أنبأك أن الله ربه وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته). ٤ - عطاء: يقول في تفسير الآية: (يعلمون أن الله ربهم وهم يشركون به بعد). وفي رواية عنه: (يعلمون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به).

стр. 81

٥ - سعيد بن جبير: قال في تفسير الآية: (من إيمانهم: إذا قيل لهم: من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون). ٦ - عكرمة: قال في تفسير الآية: (تسألهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره). وفي رواية عنه: (من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السموات؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله، وهم يشركون به بعد). ٧ - عامر الشعبي قال: (يعلمون أنه ربهم وأنه خلقهم وهم مشركون به).

стр. 82

وفي رواية: (ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السموات والأرض، فهذا إيمانهم، ويكفرون بما سوى ذلك). ٨ - قال ابن زيد: معناه: (ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ) قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال: فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: (لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك) المشركون كانوا يقولون هذا). يفهم من هذه الأقوال: أن هؤلاء العلماء من أئمة السلف كانوا عارفين بنوعي التوحيد؛ حيث ذكروا في تفسير الآية أن المشركين كانوا مقرين بنوع من التوحيد، وهو توحيد الربوبية أو توحيد الله في أنه هو الرب وهو الخالق وهو الرازق وهو المحيي والمميت، ولكن الإقرار بهذا النوع لم يدخلهم في التوحيد ولم يدخلهم في زمرة المؤمنين، بل وسمهم الله بسمة المشركين، وقاتلهم رسول الله ﷺ على ذلك، فدل على أنهم لم يأتوا بما أمرهم الله عز

стр. 83

وجل به، فهذا التفريق كان موطن الإجماع بين السلف. فهذه الأنواع من التوحيد كانت معروفة لدى السلف، حتى إن العرب كانوا يعرفونها بسليقتهم، فلم يحتاجوا أن يبينوا هذه الأقسام على حده، بل كان من عرف التوحيد عرف بأقسامه وأبعاده ومقتضياته ومكملاته، فلهذا كانوا يخالفون الرسول ﵊ ويحاربونه أشد المحاربة. ولو كان التوحيد هو مجرد معرفة أن الله ربنا وخالقنا، لم يكن بين الأمم ورسلهم اختلاف فإنهم كانوا مقرين بهذا النوع. ولكن الخلاف كان بينهم بين الرسل في الجزء الآخر الذي هو من مستلزمات هذا التوحيد وهو عبادته وحده لا شريك له، فلهذا كانت العرب تقول مستنكرين: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) أي أجعل المعبودات معبودًا واحدًا؟ فالنضال الذي وقع بينهم وبين الرسل وأتباعهم إنما كان لأجل التوحيد العبادة لله وحده؛ وكان العرب يعرفون ذلك بلسانهم لفصاحتهم وملكتهم وسليقتهم في اللغة، فلهذا كانوا يأبون أن ينطقوا كلمة (لا إله إلا الله) فإنهم يعرفون: أن معناها إخلاص العبادة للخالق الذي نعترف به جميعًا، فترى السلف ـ من الصحابة ـ لم يوضحوا تقسيم هذا التوحيد، لا لأنهم لا يعرفونه، بل لأن هذا الشيء مسلم لدى الجميع، حتى دخل العجم في الإسلام، وأفسدوا ما لدى العرب من ملكتهم، فلم يعرفوا لغتهم ولا مقتضاها اللفظي والبلاغي. فلما رأى بعض السلف تدهور المفاهيم الشرعية للألفاظ والنصوص الشرعية أرادوا أن يحافظوا على هذه المفاهيم حسب ما كان يعرفه العرب في

стр. 84

زمن الرسول ﵊ وقبل دخول العجمة في لغتهم، فحرروها في كتبهم وسجلوها في مصنفاتهم حتى تبقى المصطلحات الشرعية على الجادة، فمن هذا المنطلق قسموا ـ أو بتعبير أدق: أظهروا ـ جاء التوحيد للعامة كي لا يغتروا ولا ينسوا بمرور الزمان مدلولاته الشرعية. فترى ذلك واضحًا في أقوال الأئمة والمصنفين في العقيدة والشريعة، كما سيأتي. ٩ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في كتابه (المنسوب إليه) الفقه الأبسط: (والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء). فقوله: (يُدعى من أعلى لا من أسفل) فيه إثبات العلو لله، وهو من توحيد الصفات. وقوله: (من وصف الربوبية) فيه إثبات توحيد الربوبية. وقوله: (والألوهية) فيه إثبات توحيد الألوهية. ١٠ - قال الإمام أبو يوسف ﵀: (ليس التوحيد بالقياس، ألم تسمع إلى قول الله في الآيات التي يصف بها نفسه أنه عالم قادر قوي

стр. 85

مالك، ولم يقل: إني قادر عالم، لعله كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه ولا يوصف إلا بصفاته، ... ولم يقل الله: انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت، ثم قال: (والله خلقكم ثم يتوفكم)، وقال: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). أي تعلم أن هذه الأشياء لها رب يقلبه ويبدئها ويعيدها وأنك مكون ولك من كونك، وإنما دل الله خلقه بخلقه ليعرفوا: أن لهم ربًا يعبدوه ويطيعوه ويوحدوه، ليعلموا أنه مكونهم لا هم كانوا، ... يعرف الله بآياته وبخلقه ويوصف بصفاته ويسمى الله بأسماء كما وصف في كتابه وبما أدى إلى الخلق رسوله ... إلى أن قال: إن الله خلقك وجعل فيك آلات وجوارح، عجز بعض جوارحك عن بعض، وهو ينقلك من حال إلى حال لتعرف أن لك ربًا وجعل فيك عليك حجة بمعرفته تتعرف بخلقه، ثم وصف نفسه فقال: أنا الرب وأنا الرحمن، وأنا الله وأنا القادر وأنا الملك، فهو يوصف بصفاته ويسمى بأسمائه ... فقد أمرنا الله أن نوحده، وليس التوحيد بالقياس؛ لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبيه له ولا مثل له ... فقد أمرك الله أن تكون تابعًا سامعًا مطيعًا ولو يوسع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذًا لضلوا، ألم تسمع إلى قول الله

стр. 86

عز وجل: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) فافهم ما فسر به ذلك). فهذا كلام نفيس لأبي يوسف في باب التوحيد وهو ظاهر في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. ١١ - الإمام ابن جرير الطبري قال في تفسير الآية (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ): (ويقول تعالى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء ـ الذين وصف الله صفتهم بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) ـ بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دون الله أربابًا، وزعمهم: أن له ولدًا، تعالى الله عما يقولون). يظهر من قول ابن جرير: أنه يرى في تحقيق الإيمان والتوحيد أن يكون موحدًا في العبادة والألوهية كما يعترف بربوبيته وخالقيته ورازقيته، وإلا يبقى مشركًا ويعد فعله مشركًا الذي هو ضد التوحيد، وليس هذا إلا إثبات تقسيم التوحيد إلى توحيد المعرفة والإثبات بنوعيه؛ الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الطلب والقصد.

стр. 87

١٢ - الإمام أبو جعفر الطحاوي في مقدمة متنه في العقيدة المشهورة بالطحاوية: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له ولا شيء يعجزه ولا إله غيره) ولا شك أن فيه بيان أجزاء التوحيد الثلاثة. ١٣ - الإمام ابن بطة العكبري: قال: (وذلك؛ أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء: أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا. والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين

стр. 88

أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره. والثالث: أن يعتقده موصوفاً بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفاً بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه. إذ قد علمنا أن كثيرًا ممن يقر به، ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحاً في توحيده. ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها). فهل ثمة أصرح من هذا الكلام في تقسيم التوحيد وابن بطة من علماء السلف المشهورين المتقدمين. ١٤ - الحافظ ابن منده: فإنه صنف كتابًا وسماه بـ (كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله وصفاته على الاتفاق والتفرد) وذكر فيه أقسام التوحيد واستعرض كثيرًا من أدلتها في هذا الكتاب واستدل لها من الكتاب والسنة بشرح وبسط وتفصيل بما لا مزيد عليه. ١٥ - شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني: تنوعت عبارات شيخ الإسلام في هذا الموضوع مع أن المؤدى منها واحد، فتراه مثلاً يقول: أ- (التوحيد الذي بعث الله به رسوله إما قول وإما عمل، فالتوحيد القولي: مثل سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، والتوحيد العملي: (قُلْ يَا أَيُّهَا

стр. 89

الْكَافِرُونَ) ولهذا كان ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك. ب - وقال في تفسير قوله ﷺ : ((ولا ينفع ذا الجد منك الجد))، (والمعنى: أن صاحب الجد لا ينفعه منك جده أي لا ينجيه و (لا) يخلصه منك جده، وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح، والجد هو الغنى، وهو العظمة وهو المال ... فبين في هذا أصلين عظيمين: أحدهما: توحيد الربوبية، وهو أن لا معطي لما منع الله، ولا مانع لما أعطاه ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا إياه. الثاني: توحيد الإلهية: وهو بيان ما ينفع، وما لا ينفع، وأن ليس كل من أعطي مالاً أو دينًا أو رئاسة كان ذلك نافعًا له عند الله منجيًا له من عذابه، ... وتوحيد الألوهية: أن يعبد الله، ولا يشرك به شيئاً، فيطيعه، ويطيع رسله، يفعل ما يحبه ويرضاه. وأما توحيد الربوبية، فيدخل ما قدره وقضاه، وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه وأرضاه، والعبد مأمور بأن يعبد الله ويفعل ما أمر به وهو توحيد الألوهية ويستعين الله على ذلك، وهو توحيد له، فيقول: إياك نعبد وإياك نستعين).

стр. 90

ج - وقال في موضع (في سياق الكلام عن توحيد المتكلمين): (إنهم أخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية، وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء، وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ... وإنما التوحيد الذي أمر الله العباد هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية ... فيكون الدين كله لله). د - وقال في موضع آخر: (وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم كما يظن ذلك من يظن من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، ويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد ... وذلك؛ أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويستلزم بعبادة الله وحده لا شريك

стр. 91

له ... )، فـ (شهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة؛ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها، وشهدت بها العقول والفطرة). ١٦ - الإمام ابن القيم ﵀ وقد ذكره في أماكن، منها: أ- ما قال في شرح المنازل: (فصل في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ. التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد. ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي والإرادي، لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني أيضًا نوعان: توحيد في الربوبية وتوحيد في الإلهية. فهذه ثلاثة أنواع. فأما توحيد العلم فمداره على إثبات صفات الكمال وعلى نفي التشبيه والمثال والتنزيه عن العيوب والنقائص). ب- وقال أيضًا: (وأما التوحيد الذي دعت إليه رسول الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.

стр. 92

فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوه فوق سمواته على عرشه، وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن يشاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وأفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح، كما في أول سورة الحديد وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك. والنوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه ... ). وبالجملة: فابن القيم له عبارات كلها تدور حول تقسيم التوحيد إلى الإلهية والربوبية والأسماء والصفات. فمثلاً أنه قال: التوحيد نوعان: ١ - التوحيد في العلم والاعتقاد، والمراد به: توحيد الأسماء والصفات. ٢ - التوحيد في الإرادة والقصد. والمراد به: توحيد الألوهية والربوبية. وقال أيضاً: التوحيد نوعان: ١ - توحيد في المعرفة والإثبات، والتوحيد القولي. والمراد به: توحيد الربوبية والأسماء والصفات.

стр. 93

٢ - توحيد في المطلب والقصد، والتوحيد العملي. والمراد به: توحيد الألوهية. وربما قال: التوحيد نوعان: أ- عام، ب- خاص. وأراد بالعام: ١ - توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. وأراد بالخاص: ٢ - توحيد الألوهية. ١٧ - العلامة المقريزي: قال في كتابه (تجريد التوحيد المفيد) ما نصه: (اعلم أن الله سبحانه هو رب كل شيء ومالكه وإلهه، فالرب مصدر رب يرب ربًا فهو راب: فمعنى قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) راب العالمين، فإن الرب هو الخالق الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا. والإلهية: كون العباد يتخذونه سبحانه محبوبًا مألوهًا ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل ونحو هذه الأشياء ... ـ إلى أن قال ـ: وهذا التوحيد مقام الصديقين، ولا ريب: أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم وخالق السموات والأرض والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الألوهية والمحبة ... إلخ). ١٨ - العلامة ابن أبي العز الحنفي: قال في شرح العقيدة الطحاوية:

стр. 94

(فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع: أحدها: الكلام في الصفات. والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء. والثالث: توحيد الألوهية، وهو استحقاقه أن يُعبد وحده لا شريك له ... ). وقد قال ملا علي القاري مثل هذا الكلام في ((شرح الفقه الأكبر)) للإمام أبي حنيفة كما ذكره الشيخ ولي الله الدهلوي: في ((الفوز الكبير في أصول التفسير)).

стр. 95

١٩ - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث إنه قل ما كتب في التوحيد والعقيدة إلا واعتنى بهذا التقسيم، بل دعوته في إبراز هذين النوعين من التوحيد ظاهرة. فهذه بعض أقوال العلماء من السابقين واللاحقين كلهم على إثبات جزئي التوحيد ـ الربوبية والألوهية ـ وهم سادات هذه الأمة، وليس المراد هنا الحصر، وإنما المقصود بيان نماذج مَن ذكره من العلماء، وليس هناك قضية مثله في الوضوح، فالمنكر له ليس عنده أي مستند شرعي ولا نقل سلفي، وإنما هو مكابر ومعاند، والله أعلم. العلاقة بين أقسام التوحيد: هذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه (التوحيد) فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة فهي متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله. وقد أوضح بعض أهل العلم هذه العلاقة بقوله: (هي علاقة تلازم وتضمن وشمول، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية)، وتوحيد الألوهية

стр. 96

متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا. بيان ذلك: أن من أقر بتوحيد الربوبية وعلم أن الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته، لزمه من ذلك الإقرار بأن يفرد الله بالعبادة وحده ؛ لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده. ولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات ربوبيته مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأن من عبد الله ولم يشرك به شيئاً فإنه يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره. وهذا أمر يشاهده الموحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية وأنه لا رب ولا مالك ولا متصرف إلا الله وحده. وأما توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا

стр. 97

تنبغي إلا له ، والتي من جملتها: الرب، الخالق، الرازق، الملك، وهذا هو توحيد الربوبية. ومن جملتها: الله، الغفور، الرحيم، التواب، وهذا هو توحيد الألوهية. وبعبارة أخرى: أن التوحيد علمي اعتقادي وعملي طلبي، والعملي متضمن للعلمي، فإذا علم العبد أن ربه لا شريك له في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومن عبد إلهه ووحده يكون قد اعترف أولاً بأن لا رب غيره يشركه في خلقه وأمره، ولا يجوز العكس؛ لأن القلب يتعلق أولاً بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية. قال ابن القيم: (الإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أُمر به المشركون فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الألوهية). وبناء على ما مضى: فهمنا أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات وحده لا يكفي لإدخال صاحبه في الإسلام ولا ينقذه من النار ولا يعصم ماله ودمه ـ كما مر بيانه سابقاً ـ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكلمة الشهادة التي دعا إليها الرسل ـ لا إله إلا الله ـ تشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فقد دلت على توحيد العبادة؛ لأن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ففيها إثبات العبادة لله ونفيها عما سواه، ودلت على توحيد الربوبية؛ لأن العاجز لا يكون إلهًا، فإن المعبود لابد

стр. 98

وأن يكون خالقاً مدبرًا، ودلت على توحيد الأسماء والصفات؛ لأن فاقد الأسماء الحسنى وصفات الكمال غير كامل ولا يصلح مَنْ هذا حاله، أن يكون إلهًا خالقًا. ولمزيد من التفصيل في هذا الباب أذكر هنا فروقًا بين نوعي التوحيد فأقول: إن بينهما فروقاً من عدة اعتبارات: ١ - الاختلاف في الاشتقاق: فالربوبية مشتقة من اسم الله (رب) والألوهية مشتقة من لفظ (الإله). ٢ - أن متعلق الربوبية الأمور الكونية: كالخلق والرزق، والإحياء والإماتة ونحوها، ومتعلق توحيد الألوهية: الأوامر والنواهي: من الواجب، والمحرم، والمكروه. ٣ - أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون غالباً، وأما توحيد الألوهية فقد رفضوه وذكر الله ذلك في كتابه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقال : (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ). ٤ - أن توحيد الربوبية مدلوله علمي، وأما توحيد الألوهية فمدلوله عملي. ٥ - أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، بمعنى أن توحيد الألوهية خارج عن مدلول توحيد الربوبية، لكن لا يتحقق توحيد الربوبية إلا بتوحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية جزء من معنى توحيد الألوهية.

стр. 99

٦ - أن توحيد الربوبية لا يُدخِلُ من آمن به في الإسلام بعكس توحيد الألوهية، فإن الإيمان به يدخل في الإسلام. ٧ - يقال لتوحيد الربوبية: توحيد المعرفة والإثبات، ولتوحيد الألوهية: توحيد الإرادة والقصد. الشبهات حول تقسيم التوحيد والردود عليها: رغم ظهور هذه القضية فقد خالف فيه من خالف، وتشبثوا بشبه عديدة يحاولون بها إنكار تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وقالوا بترادف الألوهية والربوبية، وهم فئتان: أ - المتكلمون من الماتريدية والأشعرية، فقد زعموا: أن الألوهية بعينها هي الربوبية. ب - القبورية المتصوفة: حيث قالوا: إن الألوهية بعينها هي الربوبية بدون فرق وتمييز بينهما، فهما متحدان لا متغايران. وسأذكر فيما يلي مجمل شبهاتهم مع الردود عليها: الشبهة الأولى: الإله هو الرب، والرب هو الإله، فيكون توحيد

стр. 100

الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود والاعتقاد. الرد: سبق أن ذكرنا معنى الإله والرب في اللغة والشرع، واتضح لنا أن لفظ الإله ومعناه غير الرب ومعناه في اللغة والشرع وهو المعروف عند سلف هذه الأمة. بقي أن نشير هنا إلى قاعدة مهمة لإزالة لبسٍ قد يقع، وهي: أن أسماء الله أعلام وأوصاف، فهي باعتبار دلالتها على الذات أعلام، وباعتبار دلالتها على المعنى أوصاف، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله ، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمن قال بترادفها بالاعتبار الثاني فهو جاهل؛ إذ لم يميز بين معنى الإله ومعنى الرب، ولم يعن نفسه بمطالعة كتب اللغة وكلام أهل العلم ليظهر له الفرق. الشبهة الثانية: إذا كان كفار مكة مقرين بتوحيد الربوبية فهل يكون توحيدهم هذا صحيحًا؟ وهل للكفار توحيد صحيح؟ وإذا لم يكن توحيدهم صحيحًا معناه أنهم ما كانوا مقرين بالتوحيد، فلا عبرة بهذا التقسيم. الرد: لم يصف أحد من أهل العلم من جاء بتوحيد الربوبية بأنه موحد هكذا على الإطلاق، وإنما يوصف الموحد عندهم من جاء بالتوحيد بأقسامه (أجزائه) الثلاثة، وإنما يأتي في كلام أهل العلم عمن أثبت ربوبية الله وأنه

стр. 101

وحده هو الخالق الرازق المالك المدبر لا شريك له، ثم لم يفرده بالعبادة بأنه مقر بتوحيد الربوبية أو معترف بتوحيد الربوبية أو نحو ذلك، ولا يرون أن هذا ينجيه من عذاب الله أو يخرجه من وصف الكفر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأما توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق وقرره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم). وقال ابن القيم: (وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم كما بيَّن ذلك سبحانه في كتابه في عدة مواضع). وقال الصنعاني: (الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد ... ). ثم إن إطلاق أهل العلم لمن أثبت ربوبية الله وأنه الخالق الرازق ... إلخ، بأنه مقر بتوحيد الربوبية وإن كان مشركًا في العبادة قول مطابق لما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون). قال ابن عباس: (أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر

стр. 102

وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من توحيده هو الحق). وقال قتادة: (أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السموات والأرض ثم تجعلون له أندادًا). وقال ابن جرير: ( ... ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها (أي عن العرب) أنها كانت تقر بالوحدانية غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جل ثناؤه ... (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) ... ) وقد سبق إيراد أقوال السلف في تفسير هذه الآية التي تدل على أنهم كانوا يطلقون على من اعترف بالله خالقًا وعبد معه غيره بأنه اعترف بتوحيد الربوبية إلا وهو مشرك في عبادته غيره، ولهذا قال الصنعاني: (ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى). ثم هنا أمر لابد من تقريره وإيضاحه وهو أن قول أهل العلم عن المشركين بأنهم يعترفون بتوحيد الربوبية ليس المراد به أنهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنما مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم ببعض صفات الربوبية وخصائصها. ثم إن هذا ليس حكمًا عامًا مطردًا على جميع المشركين، بل وهم كما قال شيخ الإسلام: (إن كثيرًا من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض

стр. 103

الممكنات أو حدوث بعض الحوادث إلى غير الله، وكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب، وهم مع شركهم وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية لا يثبتون مع الله شريكًا مساويًا له في أفعاله ولا في صفاته). فعلمنا بذلك أنه لم يقل أحد من أهل السنة أن من أشرك في الألوهية وأقر بالربوبية يكون توحيده صحيحًا، ويوجب له دخول الجنة، كيف وقد قال الله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)، فالآية فيها الإطلاق، أي من يشرك بالله شركًا أكبر في الألوهية أو الربوبية يدخل النار. وأما فهم أن من أقر الله بالربوبية يكون توحيده صحيحًا، فهذا على أصل الأشاعرة والماتريدية وزملائهم الصوفية، فإن توحيد الربوبية هي الغاية العظمى عندهم، وليس عندنا. الشبهة الثالثة: هل سمع المسلمون في الأحاديث والسير: أن رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه أجلاف العرب: ليسلموا على يده يفصل لهم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟ ويخبرهم أن توحيد الألوهية هو الذي يدخلهم الإسلام؟ . الرد على هذه الشبهة: من وجهين: الأول: يقال من باب المعارضة: وهل قال الرسول ﵊: إن الوحدانية تكون في الذات والصفات والأفعال كما نص عليه الأشاعرة على أن هذه هي أنواع التوحيد؟ وكما نص عليه أئمة القبورية؟

стр. 104

الثاني: إن الشبهة ـ كما يفهم من السؤال الاستنكاري ـ بأن الرسول ﷺ ما كان يفصل لأجلاف العرب نوعي التوحيد؛ لا تخلو من أحد احتمالين: الاحتمال الأول: إما أن يريد أن الرسول ﷺ لم يبين لهم معنى التوحيد فهذا باطل ـ يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، ويمكن أن يعلم بيان الرسول ﷺ للتوحيد بنهيه عن الشرك وتحذيره منه، وبيان خطره وقبحه ـ كما سيأتي بيانه في مبحث آخر ـ وبإقامة البراهين والحجج على وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة بأنواع من الأدلة كبيان ربوبية الله وإنعامة وتقرير المشركين بذلك، وبيان ضعف وعجز من يعبد من دون الله، وبيان وسائل الشرك وذرائعه ونهيه وتحذيره منها، فكيف يقال بعد هذا كله: إن الرسول ﷺ لم يبين نوعي التوحيد معنى؟ ! الاحتمال الثاني: أو يريد أن الرسول ﷺ لم ينص لفظًا على أن التوحيد ينقسم إلى الربوبية والألوهية، فهذا حق، ولكن لا يلزم منه ألا يكون قد بين معنى التوحيد، فهذه أمور لو كانت أمورًا اصطلاحية فقط كما اصطلح الأشاعرة على تقسيمهم القاصر للتوحيد لما كان هناك أي حجة لهم في إنكارها، فضلاً عن كون هذه الأمور (التقسيم) من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله تعالى، وليس أمرًا اصطلاحيًا أنشأه بعض العلماء، والأدلة دالة على شمول تقسيم أهل السنة للتوحيد. الشبهة الرابعة: أن القول بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات شر بدعة أحدثها السلفية، بل أي دين سوى دين النصرانية ذلك الدين الذي يثبت لله تعالى أقانيم ثلاثة، فتثليثهم أشبه بتثليث

стр. 105

النصارى. الرد: ١ - أن التثليث عقيدة نصرانية تقوم على أساس جعل الآلهة ثلاثة، وهم: الأب والابن وروح القدس، وقد كفرهم الله بها في محكم تنزيله، أما تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات، توحيد إرادة وطلب، فهذه عقيدة المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ سوى المبتدعة الضلال، وقد سبق أن أوردنا أدلة القرآن والسنة على إثبات هذه الأنواع بما لا مزيد عليه. ٢ - ثم يقال لهم: ألستم تقولون: (هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له)، فقد أثبتم ثلاثة أقانيم ما فررتم منها ورميتمونها بها، فما جوابكم فهو عين جوابنا. ٣ - هذه الأقسام الثلاثة هي أقسام حقوق الله تعالى، وليست أقسام الآلهة كما في عقيدة النصارى. الشبهة الخامسة: إن هذا التقسيم غير معروف لأحد قبل ابن تيمية، بل هو الذي اخترعه. الرد عليها: هذه الشبهة تدل على قصور علمهم وقلة خبرتهم ومعرفتهم

стр. 106

بكتب السلف الصالح؛ إذ هي مليئة بالتصريح تارة وبالإشارة تارة إلى هذه الأقسام، ولو ذهبت أنقل كل ما في ذلك لطال المقام، ولكن حسبي ما أوردت بعض النقول من النصوص المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة لبعض الأئمة الذين كانوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ليظهر كذب من يتهم شيخ الإسلام بهذه التهمة حيث أوردت قول كل من الإمام ابن بطة، وابن منده، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وابن جرير الطبري وغيرهم، ﵏. إشكال: فإن قيل: إن كثيرًا من العلماء ـ الذين صنفوا في علم الكلام (من المتكلمين) قد أعرضوا عن بيان هذه الأقسام للتوحيد، بل أغلبهم بذلوا جهودهم في إثبات الجزء الأول من التوحيد، ولم يتعرضوا للأجزاء الأخرى، فهل هناك سبب معين في إعراضهم عن ذكر توحيد الألوهية؟ وهل هذا ناتج عن عدم فهمهم للآيات القرآنية والسنة الصحيحة، وهل كان الجميع ـ متقدموهم ومتأخروهم ـ بمعزل تام عن معرفة هذا الجزء من التوحيد؟ دفع الإشكال: لا، بالتأكيد، بل لعل المتقدمين كانوا يعرفون هذا الجزء ـ وإنما لم يصنفوا تصانيف مستقلة بالبحث عن حقيقة توحيد الألوهية وما يضاده من الشرك ومظاهره وذرائعه ووسائله؛ لأنه لم يظهر ما ظهر عن المتأخرين من جماهير الطوائف. والذي يؤكد هذه الحقيقة ـ أن علماء أهل السنة والجماعة الذين تصدوا للرد على الأشعرية وغيرهم لم يذكروا ـ فيما أعلم ـ مسائل توحيد الألوهية فيما خالف فيه أولئك، فلو كان عندهم شيء مخالف لذكروه ولردوا عليه.

стр. 107

وبالجملة: فهذا يؤكد أن المتقدمين من الطوائف وقدماء الأشاعرة والماتريدية لم يكونوا ينازعون في أن الاستعاذة بغير الله لا تجوز، وكذلك الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله والحلف وغير ذلك. كما ينازع المتأخرون منهم والمتصوفة المنبثقة من المتكلمين، ويفهم هذا من وجهين: الأول: تنصيص بعض المتقدمين من الأشاعرة على توحيد الألوهية، ومن ذلك: أ- ما قاله الباقلاني: والتوحيد له هو (الإقرار بأنه ثابت موجود وإله واحد فرد معبود ليس كمثله شيء)، وقال أيضاً: (إنه ليس معه إله سواه ولا من يستحق العبادة إلا إياه). وممن صرح به من المتأخرين: الباجوري حيث قال معرفًا للتوحيد: (هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتًا، وصفاتًا، وأفعالاً)، فهذا التعريف ـ مع ملاحظة الإجمال فيه في الأسماء والصفات ـ شامل لجميع مدلولات التوحيد. ب- وأيضًا مما يؤكد أن المتقدمين منهم كانوا يعرفون ما يجهله كثير من

стр. 108

متأخريهم في هذا الزمان من أن الدعاء والرغبة والرهبة والخوف لا يكون إلا الله ومن الله ما ورد من أقوالهم في ذلك وتحذيرهم عن بعض صور الشرك وذرائعه، منها: ١ - ما قال الحليمي: (والدعاء [في] الجملة من جملة التخشع والتذلل؛ لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز اسمه، ولذلك قال الله : (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، فأبان [أن] الدعاء عبادة، والخائف فيما وصفنا كالراجي؛ لأنه إذا خاف خشع وذل لمن يخافه وتضرع إليه في طلب التجاوز عنه]. وقال أيضًا: (إنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله ﷻ إذ كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعًا ولا ضرًا). ٢ - قال الرازي: (قال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم

стр. 109

مقامات العبودية، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل ... ) فذكرها. وقال أيضًا: (إنه ﵇ قال: ((الدعاء هو العبادة)) ... فقوله: ((الدعاء هو العبادة)) معناه: معظم العبادة وأفضل العبادة). وقال أيضًا: (كل من اتخذ لله شريكًا فإنه لابد وأن يكون مقدمًا على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه إما طلبًا لنفعه أو هربًا من ضرره، وأما الذين أصروا على التوحيد وأبطلوا القول بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا الله ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان رجاؤهم من الله وخوفهم ورغبتهم في الله ورهبتهم في الله، فلا جرم لم يعبدوا إلا الله ولم يستعينوا إلا بالله، فلهذا قالوا: (إياك نعبد وإياك نستعين) فكان قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) قائماً مقام: لا إله إلا الله). فهذه الأقوال فيها رد على زعم كثير من المتأخرين الذين يجيزون دعاء غير الله مطلقًا، وعلى قولهم: إن ذلك لا يكون شركًا إلا إذا اعتقد الداعي التأثير في المدعو من غير الله. الوجه الثاني: الذي يدل أيضًا على أن أمر توحيد الألوهية كان معروفًا لدى بعض منهم، أنه لما حدثت بعض ذرائع الشرك ومظاهره في توحيد الألوهية عند بعض المسلمين أنكر بعض أئمة المتكلمين ذلك، ومن هؤلاء: ١ - الرازي: في تفسير قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا

стр. 110

يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ) نقل في بيان كيفية اتخاذ المشركين آلهتهم شفعاء اختلاف العلماء في ذلك: ستة أقوال، فذكر بعد الثلاثة الأولى قوله: (ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء عند الله). ٢ - قول أبي شامة: (قد عم الابتلاء ـ أي النبذ للشريعة من تزيين الشيطان العامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكى لهم حاك: أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمون بها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر ... فما أشبهها بذات أنواط الوارد في الحديث.
следующие страницы →