← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

معطل مشرك، وكل مشرك معطل، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو على ثلاثة أقسام: ١ - تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلاً، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، ومنه الإلحاد بإنكار الخالق للكون. ٢ - تعطيل الصانع ـ سبحانه ـ عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية، والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائه وصفاته. ويدخل في ذلك شرك منكري الرسالة للرسل، وشرك منكري القدر، وشرك التشريع والتحليل والتحريم من غير الله. ٣ - تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثمَّ خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه. النوع الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل: وهو من جعل مع الله إلهًا آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، ومن ذلك:

стр. 142

١ - شرك النصارى الذين جعلوا ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا. ٢ - شرك المجوس: القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة. ٣ - شرك القدرية: القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته، ولهذا كانوا أشباه المجوس. ٤ - شرك الذي حاج إبراهيم في ربه (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيي ويميت بزعمه، كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالاً كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًا. ٥ - شرك فرعون حينما قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وقوله تعالى حكاية عن قول قومه له: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، كما هو في

стр. 143

بعض القراءات. ٦ - وأيضاً من هذا النوع شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ٧ - ومن هذا النوع: شرك من أسند النعمة إلى غير الله، قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً). ٨ - ومن هذا شرك عباد الشمس، وعباد النار، وغيرهم، فمن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله ! ! فتارة تكثر الآلهة والوسائط وتارة تقل. فيستنتج مما سبق أن هذا القسم من الشرك ينقسم قسمين: ١ - نوع في توحيد الربوبية، ويكون من وجهين: أ- بالتعطيل، وذلك: إما بالإلحاد، كقول فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)، ويدخل فيه الشيوعية والاشتراكية والقومية وغيرها من الاتجاهات الهدامة التي تجددت.

стр. 144

وإما بتعطيل المصنوع عن صانعه: كالقول بقِدَم العالم. وإما بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: كالقول بوحدة الوجود. وإما تعطيل الصانع عن أفعاله: كمنكري إرسال الرسل، ومنكري القدر، ومنكري البعث والنشور، وغيرها. ب- بالأنداد، وذلك: إما بدعوى التصرف في الكون من الغير كمشركي قوم إبراهيم الصابئة، والمتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد، والأبدال وتصرفهم كما يدّعون. وإما بإعطاء السلطة لأحد غير الله في التحليل والتحريم، كما كان في النصارى، وفي بعض حكام هذه الأمة، والقوانين الوضعية وغيرها. وإما بدعوى التأثير في الكون من النجوم والهياكل، كالصابئة من قوم إبراهيم، أو الأولياء، أو التمائم والأحجبة. ٢ - نوع في توحيد الأسماء والصفات، وذلك من وجهين أيضًا: أ- بالتعطيل: وذلك بتعطيل الصانع عن كماله المقدس: كالجهمية الغلاة، والقرامطة الذين أنكروا أسماء الله وصفاته. ب- بالأنداد: ١ - إثبات صفات الصانع للمخلوقين: وذلك؛ بالتمثيل في أسمائه أو صفاته، كالشرك في علم الباري المحيط، ويدخل في ذلك: التنجيم، والعرافة والكهانة، وادعاء علم المغيبات لأحد غير الله، وكالشرك في قدرة الله الكاملة، وذلك بادعاء التصرف للغير في ملكوت الله، وخوف الضرر أو

стр. 145

التماس النفع من الغير، أو بالاستغاثة من الغير، أو تسمية غيره غوثًا، أو بالسحر والتسحر وغيرها. ٢ - أو بإثبات صفات المخلوق للصانع جل وعلا: كاليهود المغضوب عليهم الذين شبهوا اله بصفات المخلوقين، وهكذا النصارى في قولهم بالبنوة والأبوة وما إلى ذلك من صفات المخلوقات لله جل وعلا، ويدخل في هذا النوع كل من شبه الله بخلقه ومثلّه بهم من هذه الأمة. وكل هذه الأنواع السالفة الذكر يعتبر من الشرك الأكبر، وينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا باتفاق العلماء. وأما القسم الثاني: فهو الشرك بمعناه الخاص (الشرك في الألوهية والعبادة): وهو شرك في عبادة الله، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ـ سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو الذي يسمى بالشرك في العبادة، وهو أكثر وأوسع انتشارًا ووقوعًا من الذي قبله، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة أخرى، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. وهذا حال أكثر الناس، ومعلوم أن من لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير الذي أمر به، فلا يصح، ولا يقبل منه، قال الله

стр. 146

عز وجل ـ كما في الحديث القدسي: ـ ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء))، ويقول أصحاب هذا الشرك مخاطبين لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨))، ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والرزق والإماتة والإحياء، والملك والقدرة، وإنما سووهم في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل والتعظيم. وقبل أن ندخل في بيان أنواع الشرك في الألوهية أو العبادة يحسن بنا أن نتعرف على معنى العبادة في مفهوم الشرع. فالعبادة في الشرع: أصلها مأخوذة من معناها اللغوي الذي هو الذل والخضوع. قال الأزهري: معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، يقال: طريق معبد إذا كان مذللاً بكثرة الوطء، ويعبر معبد إذا كان مطليًا بالقطران. وقال الجوهري: أصل العبودية: الخضوع والذلة، والتعبيد: التذليل، والعبادة: الطاعة، والتعبد: النسك.

стр. 147

وأما الإطلاق الشرعي للعبادة: فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف العبادة الشرعية بأن: (العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة). وقيل: (هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف)، لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له. وقيل: (هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور). وقال ابن حبان: (عبادة الله: إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح). ولعل الأصل في اختلاف العبارات بين السلف في تعريف العبادة يرجع

стр. 148

إلى شيئين اثنين، هما: أن العبادة تطلق مصدرًا وتعنى بها التعبد بمعنى فعل العابد. وتطلق اسمًا وتعني بها: المتعبد به. فالعبادة تعريفها على المعنى الأول: (التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه)، وعليه يحمل قول شيخ الإسلام في تعريفها بأنها: (تجمع كمال الحب مع كمال الذل). وقول الإمام ابن القيم: (التعبد هو غاية الحب وغاية الذل)، وقوله: (عبادة الله وحده هي كمال محبته والخضوع والذل له)، وقوله: (العبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل وذل تام)، وقوله: (التعبد: الحب مع الخضوع والذل). وقول ابن كثير: (هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف).

стр. 149

وقول الحافظ ابن رجب: (من أحب شيئًا وأطاعه وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه). والمقصود: إذا كانت العبارة بمعنى فعل العابد فإنها حينئذ بمعنى (غاية الحب مع غاية الذل والخضوع)، قال ابن القيم: (فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًا خاضعًا، ومن هاهنا كن المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية، والمنكرون لكونه محبوبًا لهم ... منكرين لكونه إلهًا ... ). وقال شيخ الإسلام: (المقصود: هو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهم أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط، لا محبة معه، أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إدلال لا تحتمله الربوبية). فإذا كانت العبادة (بمعنى التعبد أي فعل العباد) هي الطاعة المصحوبة بأقصى الخضوع الممزوج بغاية الحب، ففي أي شيء تكون هذه الطاعة؟ هذا ما يذهب بنا إلى أن نتعرف على معنى العبادة على الاسمية، أعني حسب المتعبد به، فأقول: أما العبادة باعتبارها اسمًا فتعني: المتعبد به، وتعريفها حينئذٍ: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة).

стр. 150

قال شيخ الإسلام: (فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله ... )، وقال في موضع آخر: (ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... والجهاد في سبيل الله ... ). وقال في موضع آخر: (ويدخل في العبادة: الخشية والإنابة، والإسلام والتوبة). وقال: (وأصناف العبادات: الصلاة بأجزائها مجتمعة؛ وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده ... وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة، لا يتصدق إلا لله ... وكذلك الحج، لا يحج إلا إلى بيت الله، فلا يطاف إلا به ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، ... وكذلك الصيام، لا يصام عبادة إلا لله ... ). والمقصود: إن العبادة بمعنى المتعبد به هي ما قال شيخ الإسلام في

стр. 151

موضع آخر: (طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل)، وقال أيضًا: (فكل ما أمر الله عباده من الأسباب فهو عبادة). وهو المقصود بقول الإمام ابن القيم: (فهي ـ العبادة ـ تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه). وقول ابن حبان: (عبادة الله: إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح). وقول الحافظ ابن كثير: (هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور) ومثله عن الحافظ ابن حجر في الفتح. قال ابن القيم في توضيح هذا المعنى: (وبني (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ـ أي العبادة ـ على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه، من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) حقًا هم أصحابها. فقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين

стр. 152

بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره. وعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها ـ أفرض من أعمال الجوارح ... وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك). ثم قال: (ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة: من كملها كمل مراتب العبودية، وبيانها: أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح ... وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح). فعلمنا أن جميع أمور الديانة من الاعتقاد والإرادات والأقوال والأعمال داخلة في مسمى العبادة، فالعبادة في الإسلام مفهومها شامل وواسع جدًا. فهي تشمل الدين كله كما تشمل الحياة كلها، وكيان الإنسان كله. يظهر هذا من إجابة شيخ الإسلام ـ السابق ذكرها ـ لما سئل عن قول الله : (يأيها الناس اعبدوا ربكم) ما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع

стр. 153

الدين داخل فيها أم لا؟ فأجاب ﵀ بالجواب السابق ذكره، وهو: (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ... )، واستدل على هذا القول بحديث جبريل الذي فيه تسمية الإسلام والإيمان والإحسان بالدين، حيث جاء في آخره: ((هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم))، فجعل هذا كله من الدين. أركان العبادة: والمقصود هنا بيان أركان العبادة من حيث التعبد (فعل العابد): يتضح مما سبق من تعريف العبادة من حيث فعل العابد: أن لها ركنين وهما: كمال الخضوع والذل، وكمال المحبة. أما الركن الأول: فهو: كمال الخضوع والذل، والمراد به: أن يستكين العبد لله تعالى ويخضع له ويذل، وله أربع مراتب كما ذكر ابن القيم: (المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق، وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله، فأهل السموات والأرض جميعًا محتاجون إليه فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم، وكل أهل السموات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدًا. المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية: وهو ذل الاختيار، وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبودية. المرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات، وعلى قدر محبته له يكون ذله. المرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية.

стр. 154

فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع: كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم؛ إذ يذل له خوفًا وخشية ومحبة وإنابة، وطاعة وفقرًا وفاقة). وأما الركن الثاني ـ الذي هو كمال المحبة ـ فإن الذي يدل على اعتبار كمال الحب مع كمال الذل هو أصل التأله: التعبد، وهو كما قال ابن القيم: (التعبد آخر مراتب الحب، يقال: عبده الحب وتيمه إذا ذلل لمحبوبه)، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (العابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلاً من هذين ليس عبادة محضة)، فتبين من هذا: أن إفراد الله بالمحبة أصل العبادة، وهذا يستلزم أن يكون الحب كله لله ولأجله وفيه. وشرط صحة المحبة: المتابعة التي لابد فيها من الصدق والإخلاص. فإن لم تتحقق المتابعة يكون مدعي المحبة كاذبًا في دعواه. أي هذه الأنواع من العبادات يدخلها الشرك؟ العبادة مفهومها واسع جدًا في الإسلام ـ كما سبق بيانه ـ، فهي تشتمل بمفهومها الواسع على الدين كله وعلى الحياة كلها، كما تشمل كيان الإنسان

стр. 155

كله، فهو صرف شيء منها لغير الله يكون شركًا بالله في العبادة؟ الأمر فيه تفصيل، والذي يظهر من خلال استقراء أقوال السلف أنهم إنما يدخلون في الشرك من هذه الأمور ما يخالف توحيد العبادة، ولم يريدوا إلا ما هي عبادة بنفسها. ومعلوم أن العبادة متعلقة باللسان والقلب والجوارح، فالشرك في العبادة أيضًا يكون في هذه الأشياء الثلاثة، فقد يكون الشرك في الأعمال القلبية، وقد يكون بالأعمال والجوارح، وقد يكون بالألفاظ والأقوال، وقد يجتمع بعضها مع بعض، ولهذا قسم ابن القيم هذا النوع من الشرك ثلاثة أقسام، فقال: (ويتبع هذا الشرك [الشرك في العبادة] الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات. فالشرك في الأفعال: كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعًا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود ... وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها ... والشرك به في الألفاظ: كالحلف بغيره، وقول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، أما متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي

стр. 156

في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذر الله وفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا، ونحو ذلك. وأما الشرك في الإرادات والنيات: فهو أن يريد بعمله غير وجه الله، أو نوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه، وهذا هو الشرك الذي له تعلق بأفعال القلوب. وبهذا عرفنا أقسام شرك العبادة باعتبار أقسام العبادة، فالعبادة تكون بالقلب، وتكون بالقلب والجوارح معًا، وربما تكون باللسان كما تكون بالجوارح، فيكون الشرك أيضًا بالقلب واللسان والجوارح. أما شرك القلوب: فمنه ما هو اعتقادي فقط: وهو الشرك في الربوبية، كما أسلفنا، وربما يتعلق به بعض أنواع الشرك في العبادة، إذا رأى أحد أن بعض الخلق له شركة في استحقاق أنواع العبادة، أو أن هناك من له منزلة كريمة إذا رضي عليه يحصل له مطلبه، كمن يرى الشفاعة مثلاً حقًا لأحد مستقلاً عن الله، وبغير إذنه ورضاه. ومنه ما يتعلق بالأعمال القلبية، وهي على أوجه: ١ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب فقط، ومن ذلك: المحبة (محبة العبودية) لغير الله، والتوكل، والخشية، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوبة، والنية والإرادة والقصد، والطاعة، وغيرها. ٢ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب والجوارح معًا (شرك التقرب

стр. 157

والنسك)؛ كالصلاة، والركوع والسجود، والطواف بالبيت، وسائر أنواع العبادات البدنية كالصوم والحج، والجهاد في سبيل الله، ومن ذلك أيضًا: النذر والذبح، والزكاة التي هي من العبادات المالية. ٣ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب واللسان، وهي كثيرة، فمنها: الدعاء؛ سواء كان طلبًا للشفاعة أو غيرها من المطالب، وسواء كان دعاء ثناء وعبادة أو دعاء مسألة وطلب، فالدعاء كله وجله عبادة، ولهذا جاء ((الدعاء هو العبادة)). ومنها الاستغاثة، فيما لا يقدر عليه إلا الله. ومنها الاستعانة، والاستعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله، وغيرها. وأما شرك اللسان: فهو كالذكر لغير الله على وجه العبادة، وكالنطق بكلمة التوحيد مع الإشراك فيه، فمن نطق بهذه الكلمة وأدخل معه غيره فقد أشرك فقه، كما كان يفعله مشركو العرب في التلبية بقولهم: ( ... لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)، ويدخل في شرك اللسان شتى أنواع الأذكار المخصوصة لله إذا أريد بها غير الله، كالتحميد والاستغفار والاستجارة والشهادة ونحو ذلك.

стр. 158

فهذه أقسام الشرك في العبادة، وهي كما ترى إما قولية وإما عملية، وسنأتي إلى بعض التفصيلات لبعض هذه الأقسام التي يكثر وقوعها قديمًا وحديثًا في الباب الرابع بمشيئة الله. حكم الشرك الأكبر: من المعلوم أن هذا الشرك أعظم ما نهى الله عنه، قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)، فقرن النهي عنه بأعظم أمر أمر به وهو عبادته، التي من أجلها خلق الخلق كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهو أول المحرمات كما يدل عليه قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). فهذا الشرك الأكبر مخرج عن الملة وصاحبه حلال الدم والمال، وفي الآخرة خالد مخلد في النار، قال تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد). وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).

стр. 159

كما أن هذا الشرك يحبط العمل، قال تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). كما أنه تحرم ذبيحة مرتكبه، لقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ). وصاحب هذا الشرك لا يرث ولا يورث، بل ماله لبيت المال، ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وذلك أن المشرك قد ارتكب أعظم جريمة، وأفظع ظلم، قال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً). وقد جاء في الحديث الذي رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار))، وفي رواية عنه: ((من مات يجعل لله ندًا أُدخل النار ... )). وكما جاء عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((من لقي الله لا يُشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار)).

стр. 160

وكما جاء عن ابن مسعود أيضًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار ... )) الحديث. وفي حديث أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: ((استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي)). وفي حديث ابن عمر قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، وكان ... ، فأين هو؟ قال: ((في النار))، قال: فكأنه وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله! فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ : ((حيثما مررت بقبر مشرك، فبشره بالنار)). قال: فأسلم الأعرابي بعدُ، وقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. وفي حديث سلمة بن يزيد الجعفي ﵁ قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ ، قال: قلنا: يا رسول الله، إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: ((لا)).

стр. 161

وفي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله : (مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) ... )). ومثله ما روت عائشة عن النبي ﷺ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: ((لا يا عائشة، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)). والأحاديث في هذا الباب كثيرة، نكتفي منها بهذا القدر. وأما الإجماع: فقد نقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة على أن المشرك يخلد في النار. وأما أقوال السلف في ذلك: فهي كثيرة، منها: أ- قال الإمام أحمد بن حنبل: (ويخرج الرجل من الإيمان إلى

стр. 162

الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله جاحدًا بها ... ). ب- قد عقد الإمام البخاري لذلك بابًا في صحيحه، فقال: (باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك). ج- وقال العلامة ابن جرير ﵀ حول قوله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ): (ومعنى الكلام: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وإلى الذين من قبلك، بمعنى وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك، مثل الذي أوحي إليك منه، فاحذر أن تشرك بالله شيئًا فتهلك، ومعنى قوله: لتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئًا). د- قال القرطبي: تعليقًا على حديث: ((من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار)): إن مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة ويخلد في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب، ولا تصرم آماد.

стр. 163

هـ - قال النووي: (أما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي ـ اليهودي والنصراني ـ، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده ما يكفر بجحده وغير ذلك). و- ويقول شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية: (ومن أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان أن يدعى غير الله، فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم ... ). ز- قال ابن كثير: (أخبر ـ تعالى ـ أنه لا يغفر أن يُشرك به، أي: لا يغفر من لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك أي: من الذنوب لمن يشاء من عباده). ح- قال ابن القيم: (ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله حرم الجنة على أهله فلا تدخل الجنة نفس مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد ... ). ط- وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (أن من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار، ولو كان من أعبد

стр. 164

الناس). ي- وقال أحمد بن حجر آل بوطامي الشافعي ﵀: (الشرك نوعان: أكبر وأصغر، فمن خلص منهما وجبت له الجنة، ومن مات على الأكبر وجبت له النار). أما الشرك الأصغر: فقد جاء في تعريفه عبارات عدة، منها: ١ - (أنه كل وسيلة وذريعة يتطرق بها إلى الأكبر). وينتقض هذا التعريف بأنه غير مانع؛ إذ أن هذا التعريف يصدق على الكبائر من الذنوب. ٢ - (هو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة؛ كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك). وهذا التعريف أيضاً غير جامع ولا مانع؛ إذ إنه يصدق على كبائر الذنوب، ثم ليس كل ما يتوسل به إلى الشرك يُعد من الشرك الأصغر، كالتوسل إلى الله بذوات الصالحين ونحو ذلك. ٣ - (هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركًا).

стр. 165

فيه ما سبق من الاعتراضات، ثم ليس كل شرك أصغر جاء في النصوص تسميته شركًا، فهناك أفراد من الشرك الأصغر لم يأت تسميتها في النصوص شركًا. ٤ - (هو تسوية غير الله بالله في هيئة العمل، أو أقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان: هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، ... وقوله: عبد الحارث ونحو ذلك). ٥ - (هو مراعاة غير الله تعالى معه في بعض الأمور). ٦ - لا يعرّف، وإنما يذكر بالأمثلة. وهذا الأخير هو ما أرتضيه؛ لأن تعريف مثل هذا النوع من الشرك غير منضبط لكثرة أفراده وتنوعه. مصدر تسمية هذا النوع من الشرك بالشرك الأصغر: جاءت نصوص الشرع بتسميته شركًا أصغر، ومما يدل عليه الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة، إذا جازى الناس بأعمالهم:

стр. 166

اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)). فثبتت هذه التسمية بنص الحديث. وهكذا تثبت هذه التسمية في لسان الصحابة، ومن ذلك ما رواه شداد بن أوس، قال: (كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر). أنواع الشرك الأصغر: تنوعت الأقوال في بيان أنواع الشرك الأصغر. فمنهم من قال: (هو نوعان: ظاهر، وخفي. فالظاهر: يكون بعمل رياء، كالتصنع لغير الله بعمل في ظاهره أنه لله، وفي باطنه عدم الإخلاص لله به، ويكون باللفظ كالحلف بغير الله ... والخفي: ما بنتابه الإنسان في أقواله وأعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك). ويدل عليه قوله ﷺ : ((الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا)).

стр. 167

ولكن هذا القول فيه نظر، فإن ما ينتابه الإنسان في أقواله أو أعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك ليس بشرك أصغر فقط، بل قد يدخل في الشرك الأكبر أيضًا، كما سيأتي في بيان المراد بالشرك الخفي. ومنهم من قال: إنه على نوعين: أ- الشرك في النيات والمقاصد؛ ويدخل فيه: ١ - الرياء. ٢ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا. ب- الشرك في الألفاظ؛ ويدخل فيه: ١ - الحلف بغير الله. ٢ - قول القائل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ونحوهما. ٣ - إسناد بعض الحوادث إلى غير الله واعتقاد تأثيره فيها، مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص. ٤ - قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان جرى على لسانه من غير قصد. ولعل من أحسن ما يقال في بيان أنواع الشرك الأصغر ما يلي: إن له أنواعًا كثيرة، ويمكن حصرها بما يأتي: أولاً: قولي: وهو ما كان باللسان، ويدخل فيه ما يأتي: ١ - الحلف بغير الله، على تفصيل في ذلك. ٢ - قول: (ما شئت الله وشئت)، أو: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله

стр. 168

وحياة فلان، أو يقول: نذر الله ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا ونحو ذلك. ولعل الضابط في هذا أن يكون الشيء مما يختص بالله جل وعلا، فيعطف عليه غيره سبحانه لا على سبيل المشاركة وإنما بمجرد التسوية في اللفظ، وأما إن كان يعتقد المشاركة فهذا يدخل تحت الشرك الأكبر. ٣ - وقوله: (قاضي القضاة). ٤ - وهكذا: التعبيد لغير الله، كعبد النبي وعبد الرسول (إذا لم يقصد به حقيقة العبودية). ٥ - وإسناد بعض الحوادث إلى غير الله ، مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص، وقول الرجل: لولا الله وفلان، ولولا تجعل فيها فلانًا، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص ... ، وأعوذ بالله وبك. ٦ - قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، (على طريق غير الحقيقة). ولعل الضابط في هذا: (الاعتماد على سبب لم يجعله الشرع سببًا). ثانيًا: فعلي: وهو ما كان بأعمال الجوارح، ويدخل فيه ما يأتي:

стр. 169

١ - التطير، (إذا لم يعتقد القدرة في المتطيَّر به). ٢ - إتيان الكهان وتصديقهم، (إذا لم يعتقد وجود علم الغيب لديهم). ٣ - والاستعانة على كشف السارق ونحوه بالعرافين، (إذا لم تصاحبه اعتقاد علمهم الغيب). ٤ - تصديق المنجمين والرمالين وغيرهم من المشعوذين، (إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم بالغيب). ٥ - ولبس الحلقة والتطير ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، (إذا لم يعتقد تأثيرها بذاتها). ثالثاً: قلبي: ويدخل فيه ما يلي: ١ - الرياء، (إذا كان يسيرًا)، ولا يخلو من: أ- أن يكون الرياء بالأعمال: كمن يصلي فيطيل القيام ويطيل الركوع والسجود ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيظهر للناس أنه صائم، فيقول مثلاً مخاطباً غيره: اليوم يوم الاثنين والخميس ألا تعلم؟ ألست بصائم؟ أو يقول له: أدعوك اليوم لتفطر معي، وكذلك في الحج والجهاد فيذهب إليهما ومقصده المراءاة بهما، وكالمراءاة بالصدقة ونحوها. ب- أو يكون الرياء من جهة القول: كالرياء بالوعظ والتذكير وحفظ الأخبار والآثار لأجل المحاورة وإظهار غزارة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن ونحو ذلك، إذا فعل ذلك بقصد الرياء، ومن ذلك أيضًا: تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس ويتغافل عنه في منزله.

стр. 170

ج- أو يكون الرياء من جهة الزي: كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب وخشنها مع تشميرها كثيرًا ليقال: عابد زاهد، أو ارتداء نوع معين من الزي ترتديه طائفة يعدهم الناس علماء ليقال: عالم. د- أو يكون الرياء بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أن يستزير عالمًا أو عابدًا ليقال: إن فلانًا قد زار فلانًا، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الخير يترددون عليه، وكذلك من يرائي بكثرة الشيوخ ليقال: لقي فلان شيوخًا كثيرين واستفاد منهم فيباهي بذلك. هـ - أو يكون الرياء لأهل الدنيا: كمن يتبختر ويختال في مشيه، وتحريك يديه وتقريب خطاه، أو يأخذ بطرف ثوبه، أو يصعر خده، أو يلف عباءته، أو يحرك سيارته حركة خاصة. و- أن يكون الرياء من جهة البدن: كأن يرائي بإظهار النحول والصفار ليوهم الناس أنه جاد في العبادة كثير الخوف والحزن، أو يرائي بتشعيث الشعر ليظهر أنه مستغرق في هم الدين لا يتفرغ لتسريح شعره، أو يرائي بحلق الشارب واستئصال الشعر ليظهر بذلك تتبع زي العباد والنساك، أو يرائي بخفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليدلك على أنه مواظب للصوم. هذه مجامع ما يرائي به المراؤون ـ غالباً ـ يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد. ٢ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا:

стр. 171

المراد به: أن يعمل الإنسان أعمالاً صالحة يريد بها الدنيا، إما لقصد المال أو الجاه، كالذي يجاهد أو يتعلم ليأخذ مالاً، أو ليحتل منصبًا، أو يتعلم القرآن، أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة، لكن نيته الحصول على مصالح دنيوية لا طلب مرضاة الله. والفرق بينه وبين الرياء: أن المرائي إنما يعمل لأجل المدح والثناء، والمريد بعمله الدنيا يعمل لدنيا يصيبها كالمال أو المنصب. فهذه أنواع الشرك الأصغر قد تكون هذه الأنواع في خصائص الربوبية، وقد يكون في خصائص الألوهية، كما أن كل قسم من أنواع الشرك الأصغر يحتمل أن ينقلب إلى شرك أكبر، وذلك من وجهين: ١ - إذا صحبه اعتقاد قلبي، وهو تعظيم غير الله كتعظيمه. كالحلف بغير الله معظِّمًا له كتعظيم الله. ٢ - أو كان في أصل الإيمان، أو كثر حتى يغلب على العبد؛ كالمراءاة بأصل الإيمان، أو يغلب الرياء على أعماله، أو يغلب عليها إرادة الدنيا بحيث لا يريد بها وجه الله. فهذه أنواع الشرك الأصغر على الإجمال. حكم الشرك الأصغر: أنه محرم، بل هو أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، لكنه لا يخرج من ارتكبه عن ملة الإسلام.

стр. 172

ولذا ورد التحذير منه في الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). فإن عموم الآية تشمل الشرك الأكبر والأصغر. وقوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). الآية في الشرك الأكبر، إلا أن بعض السلف كابن عباس ﵄ كانوا يحتجون بها في الأصغر؛ لأن الكل شرك. وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ). قال مجاهد: هم أهل الرياء. ومعلوم أن الرياء هو رأس الشرك الأصغر. ومن السنة: قوله تعالى في الحديث القدسي: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه))، وقوله ﵇: ((أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)) الحديث. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 173

ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال: فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: ((الشرك الخفي ... )) الحديث. أما كونه أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، فلما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا). ووجه الاستدلال: أن الحلف بالله كاذبًا كبيرة من الكبائر، لكن الشرك أكبر من الكبائر وإن كان أصغر، وإلا لما أقدم عبد الله بن مسعود ﵁ لأن يقول مثل هذا القول الذي فيه إقدام على ارتكاب الكبائر، والله أعلم. ولأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، ففيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. ثم (إن هذا النوع من الشرك ـ الشرك الأصغر ـ يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه ينزِّله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك امتثال الأمر). ثم إنه قد يكون وسيلة تؤدي بصاحبه إلى الشرك الأكبر.

стр. 174

أما حكم مرتكبه: فقد اتفقوا على أن مرتكب الشرك الأصغر غير خارج من الملة، وأنه لا يُخَلَّد في النار، ولكن هل يكون تحت المشيئة إن لم يتب كما هو حال أصحاب الكبائر الآخرين لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، أو يكون تحت الوعيد بأن لا يُغفر له إذا لم يتب، لأنه قد أطلق عليه بأنه أشرك؟ اختلفوا فيه على قولين: القول الأول: أنه تحت المشيئة، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما يظهر ميل الإمام ابن القيم إليه في الجواب الكافي. القول الثاني: أنه تحت الوعيد، وهو الذي مال إليه بعض أهل العلم. الفروق بين نوعي الشرك الأكبر والأصغر: هناك فروق بين الشرك الأكبر والأصغر، منها: ١ - أن الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فقد اختلفت فيه فقيل: إنه تحت المشيئة. وقيل: إن صاحبه إذا مات فلابد أن يعذبه الله عليه، لكن لا يخلد في النار. ٢ - الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي

стр. 175

قارنه (على القول الراجح). ٣ - أن الأكبر مخرج عن الملة الإسلامية، وأما الأصغر فلا يخرج منها، ولذا فمن أحكامه: أن يعامل معاملة المسلمين؛ فيناكح، وتؤكل ذبيحته ويرث ويورث، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. ٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في النار وإن دخلها كسائر مرتكبي الكبائر. ٥ - أن الشرك الأكبر يحل الأنفس والأموال، بعكس الشرك الأصغر، فإن صاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان، فاسق من حيث الحكم الديني. ويجتمعان في: استحقاق صاحبهما الوعيد، وأنهما من أكبر الكبائر من الذنوب. ما هو الشرك الخفي؟ وهل هو من الشرك الأكبر أو من الأصغر؟ تعريف الشرك الخفي: سبق معنا في تعريف الشرك الأصغر بأن الشرك الخفي أحد نوعي الشرك الأصغر عند بعض العلماء، وبناء على ذلك عرفوه بقولهم: ما ينتابه الإنسان في أقواله أو أعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك. وقيل: هو ما خفي من حقائق إرادة القلوب، وأقوال اللسان مما فيه تسوية

стр. 176

بين الله وخلقه. هذا النوع من الشرك مما ذكره الرسول ﷺ وخافه علينا، وحذرنا منه. يدل عليه ما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((الشرك في أُمَّتي أخفى من دبيب النمل)). وفي رواية لأبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ لما قال: ((الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)) قال: قلنا: يا رسول الله! وهل الشرك إلا ما عُبد من دون الله أو دعي مع الله؟ قال: ((ثكلتك أمك يا صديق، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أخبرك بقول يذهب صغاره وكباره ـ أو صغيره وكبيره؟ ـ)) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((تقول كل يوم ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك شيئًا وأنا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلم، والشرك أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان)). وفي رواية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: ((ألا أخبركم بما هو

стр. 177

أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ )) قال: قلنا: بلى، قال: ((الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل)). فهذه نصوص الشرع تدل على أنه هناك نوعًا آخر من الشرك يسمى بالخفي، فهل هذا يدخل تحت أحد نوعي الشرك أم هو نوع مستقل بذاته؟ اختلفوا فيه. فقيل: يمكن أن يجعل الشرك الخفي نوعًا من الشرك الأصغر، فيكون الشرك حينئذ نوعين: شرك أكبر، ويكون في عقائد القلوب، وشرك أصغر: ويكون في هيئة الأفعال وأقوال اللسان، والإرادات الخفية، وإلى هذا القول مال بعض المعاصرين. ولكن الظاهر من النصوص المذكورة: أن الشرك الخفي قد يكون من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، وليس له وصف منضبط، بل دائماً يتردد بين أن يكون من الشرك الأكبر، أو الشرك الأصغر، بل هو كل ما خفي من أنواع الشرك. وهذا هو الراجح عندي. وعليه: فيجب الحذر منه لكثر الاشتباه فيه، فربما يظن في أمر من الأمور أنه من الشرك الأصغر وهو في واقع الأمر من الشرك الأكبر وهكذا العكس، وذلك لخفاء مأخذه، ودقة أمره، وصعوبة معرفته، فيكون مجالة الأمر

стр. 178

المشتبه الذي لا يعرفه إلا الحذاق من أهل العلم، وإن كان قد يخفى على غيرهم ممن لم يكمل نظره، وضعف فهمه في أدلة الكتاب والسنة.

стр. 179

المسألة الثالثة هل الأصل في الإنسان التوحيد أو الشرك ؟ هذا السؤال يتطلب جوابه أن نرجع إلى أصل الإنسان، فالذين يقولون: إن أصل الإنسان أنهم خلقوا من نفس واحدة، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، قالوا: إنهم خلقوا من آدم، وعليه اتفاق جميع الأديان السماوية، وعليه اتفقت كلمة أصحاب الملل ـ اليهود والنصارى والمسلمون ـ إلا من شذ منهم واتبع الملاحدة في أقوالهم، وآرائهم، فجميع أصحاب الأديان السماوية يقولون: إن الأصل في الإنسان هو التوحيد، والشرك طارئ عليهم. ويستدل عليه من وجوه: أولاً: أن الإنسان الأول هو آدم ﵇ كان نبيًا يعبد الله وحده لا شريك له، وعلم أبناءه التوحيد؛ حيث سئل النبي ﷺ عن آدم: أنبي هو؟ قال: ((نعم، نبي مكلم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه روحه ... )). ثم وقع بنو آدم في الشرك بعده بأزمان ـ وهذا يقر ويقول به كل من يؤمن بأن الله هو الخالق، وكل من يؤمن بالأديان السماوية الثلاث؛ الإسلامية والنصرانية واليهودية،

стр. 180

إلا من تابع قول الملحدين منهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ولم يكن الشرك أصلاً في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله، لاتباعهم النبوة ... فإن آدم أمرهم بما أمره الله به، حيث قال له: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا باياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ... ، فهذا الكلام الذي خاطب الله به آدم وغيره لما أهبطهم قد تضمن أنه أوجب عليهم اتباع هداه المنزَّل). ثانياً: بيَّن الله سبحانه أن البشرية كانت في أول أمرها على التوحيد، ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة، لقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ). وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: (وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة، وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح ﵉ كما روى عكرمة عن ابن عباس، وكما قاله قتادة).
следующие страницы →