Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، قحط المطر فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة. قال: فقام ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يصرفه عنا، فقال رسول الله ﷺ : ((اللهم حوالينا ولا علينا))، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينًا وشمالاً يمطرون ولا يمطر أهل المدينة)).
ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يتوسلون إلى الله بدعاء النبي ﷺ لأنهم كانوا يأتون إليه يطلبون منه الدعاء، ولو كانوا يتوسلون بذاته ومكانته عند الله لما احتاجوا إلى الإتيان إلى المدينة وطلب الدعاء منه، بل لكانوا يتوسلون إلى الله وهم في أهليهم فيقولون: (اللهم بنبيك محمد ومكانته وجاهه وحرمته عندك اسقنا الغيث) فيسقون. ولكن هذا لم يفعله الصحابة الكرام لأنهم يعلمون أنه توسل غير مشروع. ولذا: نقول إن المحذوف في توسل عمر بالعباس هو (أنّا كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا فتسقينا وأنّا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا فاسقنا). وعلى هذا فتقدير المجيزين للتوسل الممنوع وهو قولهم: إن المحذوف في توسل عمر بالعباس هو كلمة الجاه في الموضعين غير صحيح؛ لأنه ليس لهم دليل يستندون إليه.
وإلى جانب ذلك هناك قرائن كثيرة تدل على أن التوسل من عمر ﵁ كان بدعاء العباس لا بذاته ولا بجاهه ولا بمكانته، وهذه القرائن هي:
١ - عدول عمر عن التوسل بالرسول ﷺ وهو أشرف خلق الله وأن التوسل به أولى من التوسل بغيره؛ وذلك لأن الرسول ﷺ قد مات ولا يمكن طلب الدعاء منه بعد موته؛ ولذلك عدل عمر عن التوسل به إلى التوسل بالعباس بن عبد المطلب، لأنه عم رسول الله ﷺ فطلب منه الدعاء، ولو كان عمر توجه بجاه العباس إلى الله
стр. 1157
لتوسل بجاه النبي لأنه أكبر جاهاً عند الله من العباس بن عبد المطلب.
ولكن لما كان التوسل المشروع هو التوسل بدعاء الرسول ﷺ عدل عن التوسل بالنبي ﷺ لأنه لا يمكن طلب الدعاء منه بعد موته فتوسل بدعاء العباس ابن عبد المطلب لطلب السقيا، وعلى هذا نقول: إن استدلال المجيزين للتوسل بذات الشخص وجاهه ومكانته عند الله بهذا الحديث استدلال باطل؛ لأن الحديث ليس دليلاً بل عليهم، ولكن أوقعهم في الاستدلال به سوء مقصدهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رادًا على الذين يقولون بجواز التوسل بذات النبي وذات غيره من الأولياء ومؤكدًا بأن هذا لم يفعله الصحابة ولا التابعون بل هو من البدع المحدثة التي ابتدعها أهل الأهواء:
(فأما التوسل بذاته في حضوه أو مغيبه أو بعد موته ـ مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء، أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم ـ فليس هذا مشهورًا عند الصحابة والتابعين، بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفوا بمن كان حيًا كالعباس ويزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، بل كانوا يصلون عليه في دعائهم، وقد قال عمر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا).
стр. 1158
فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه، وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله أو السؤال به فيقولون: نسأله أو عليك بنبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس ... ).
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته أو التوسل بدعائه وشفاعته، فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا، فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئًا من ذلك ولا دعوا بمثل هذه الأدعية ـ وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة منا بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبي ﷺ دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكناً).
ويقول الشيخ محمود شكري الآلوسي رادًا على المتصوفة الذين يستدلون بتوسل عمر بالعباس على جواز التوسل بالذوات مبينًا أن هذا الحديث دليل على عدم جواز التوسل بالذوات، وأن التوسل المشروع هو التوسل بطلب الدعاء من الرجل الصالح إن وجد، قال: (بل هو أقوى الأدلة وأرجحها وأعلاها وأوثقها وأصحها وأصدقها لما ندعيه، فإن قول عمر: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا ... إلخ) يدل دلالة ظاهرة على انقطاع ذلك الذي هو الدعاء، بدليل قوله: (إنا كنا)، ولما كان العباس حيًا فطلبوه منه فلما مات فات، فقصرهم له على الموجودين ولو كانوا مفضولين دليل ساطع وبرهان لامع على هذا
стр. 1159
المراد. ولو كان المقصود الذوات كما يقولون لبقيت هذه التوسلات على حالها لم تتغير ولم تتبدل إلى المفضولين بعد وجود الفاضلين سيما الأنبياء والمرسلين. فتأمل في هذا فإنه أحسن ما في الأوراق، حقيق بأن يضرب عليه رواق الاتفاق، والله يهديك السبيل، فهو نعم المولى ونعم الوكيل).
وقال الشيخ نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي البغدادي مبينًا أن توسل عمر بالعباس ﵁ دليل على جواز التوسل بدعاء الرجل الصالح وعلى منع التوسل بالذوات:
(وأما ما ذكروه من الاستدلال بتوسل عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب ﵄ فالمراد بذلك أن يدعو لهم. يدل عليه ثبوت دعائه لهم بطلب السقيا كما جاءت به بقية الروايات، ومثله استسقاء معاوية في الشام بيزيد بن الأسود فإنه قال: يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا، وهذا المعنى هو الذي عناه الفقهاء في باب الاستسقاء ومرادهم التوجه إلى الله تعالى بدعاء الصالحين؛ فإن دعاءهم أرجى الإجابة.
ولو كان التوسل بالذوات هو المطلوب، والمدلول الذي أقاموا عليه الدليل ـ وهم بمقتضى دليلهم لا يخصون الأحياء بهذا التوسل، ويستحبون التوسل بالذوات الشريفة ولو بندائهم ودعائهم وأنه على معنى أن الشفعاء يدعون لهم وقالوا: لا مانع من ذلك عقلاً وشرعًا فإنهم أحياء في قبورهم ـ لكان التوسل بالنبي ﷺ في ذلك الأمر المهم وهم عنده بالمدينة أولى). ثم
стр. 1160
أورد توسل عمر بالعباس وقال: (بل هذا الدليل الذي تمسكوا به من أقوى الأدلة وأرجحها وأظهرها على ما ندعيه من عدم الجواز، فهو عليهم لا لهم عند من له أدنى فهم وإنصاف).
والخلاصة: أن توسل عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس ﵁ دليل قاطع على أن التوسل المشروع بالنبي ﷺ إلى الله تعالى هو التوسل بمحبته وطاعته والإيمان به؛ لأن هذه الأمور من الأعمال الصالحة والأعمال الصالحة من أهم الأشياء التي يتقرب بها الإنسان إلى الله ، ولأنه هو التوسل الباقي بعد موت الرسول؛ حيث إن الصحابة كانوا يأتون إلى النبي ﷺ في حياته ويطلبون منه الدعاء فكان يدعو لهم، ولكن لما علم الصحابة رضوان الله عليهم أن التوسل بدعاء النبي ﷺ غير ممكن بعد موته توسلوا إلى الله بدعاء العباس بن عبد المطلب حيث طلب منه عمر أن يدعو فدعا.
ولم يكن التوسل بالعباس بن عبد المطلب بجاهه كما يزعم المخالفون من المتصوفة وغيرهم، وإنما كان التوسل بدعائه، ولو كان التوسل بالذوات والجاه جائزًا لما عدل عمر ﵁ عن التوسل بجاه النبي ﷺ وذاته ومكانته عند الله؛ لأن النبي ﷺ يتفوق على الجميع في هذا، ولكن لما كان التوسل بذاته وجاهه ومكانته غير جائز عدل عن التوسل به إلى التوسل بالعباس بن عبد المطلب.
وبهذا نخلص إلى أن الأحاديث الصحيحة التي استدل بها المتصوفة على جواز التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وبالأنبياء والصالحين ليس لهم أي دليل فيها، بل هي ضدهم، ومشايخ الصوفية لم يقعوا في هذا لعدم فهمهم
стр. 1161
لها، وإنما يستدلون بها لسوء مقصدهم، وفساد معتقدهم من أجل أن يبرروا للناس العوام الأعمال الشركية، وقد فعلوها، فما من بلد إسلامي في هذا العالم الإسلامي ـ إلاّ ما شاء الله ـ إلاّ ويمارس الشرك باسم التوسل رغم أن التوسل بالشخص ودعاءه والاستغاثة به بينهما فرق كبير جدًا، ومع هذا فالصوفية يخلطون بينهما عن عمد ويسمون دعاء الرسول والاستغاثة به وكذلك الأولياء بأنه توسل، وهذا جهل عظيم، وخطأ فادح وقع فيه المتصوفة عن عمد أو خطأ، وعن علم أو جهل، الله أعلم بحالهم.
وللشيخ محمود شكري الآلوسي كلام نفيس في هذا المجال، وهذا نصه:
فقد قال ﵀ في كتابه غاية الأماني في الرد على النبهاني في معرض رده على النبهاني: (أقول وبالله التوفيق: إن الكلام على ما حواه كلامه من الكذب والزور والبطلان يطول جدًا، فضلاً عما اشتملت عليه عباراته من الغلط وفساد التركيب وسوء التعبير؛ فكلامه كله ظلمات بعضها فوق بعض، فلو تكلمنا على ذلك كله لطال الكلام وكلت عن رقمه الأقلام، فإن النبهاني هذا من أعظم الغلاة المحادين لله ورسوله وكلامه كله باطل وجهل مركب وبهت لأهل الحق، وليس فيه جملة واحدة توافق الحق أصلاً، فالحمد لله الذي خذل أعداء دينه وجعلهم عبرة لأوليائه وعباده المؤمنين).
ثم دخل الشيخ في التفريق بين دعاء الشخص والاستغاثة به من دون الله وبين التوسل به إلى الله، فقال:
(أما مشروعية الاستغاثة ففيها تفصيل؛ إذ الاستغاثة بالشيء على ما ذكره بعض المحققين: طلب الإغاثة والغوث منه، كما أن الاستغاثة طلب الإعانة منه فإذا كان بنداء المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالاً منه، وظاهر أن ذلك
стр. 1162
ليس توسلاً به إلى غيره إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد غيره أن يقول لمستغاثة: أستغيثك على هذا الأمر بفلان. فيوجه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له: أرجو منك أو أريد منك وأستغيث بك. ويقول: إنه وسيلتي إلى ربي.
وإن كان كما يقول فما قدر المتوسل إليه حق قدره وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره، كيف واستعمال العرب يأبى عنه؛ فإن من يقول: صار لي ضيق فاستغثت بصاحب القبر فحصل الفرج، يدل دلالة جلية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو استغثت إليك بفلان. فيكون حينئذٍ مدخول الباء متوسلاً به، ولا يصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: استغثت بفلان، وتريد المتوسل به، سيما إذا كنت داعية وسائله.
بل قولك هذا نص على أن مدخول الباب مستغاث وليس مستغاثًا به، والقرائن التي تكتنفه من الدعاء وقصر الرجاء والالتجاء شهود عدل، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول، فهذه الاستغاثة وتوجه القلب إلى المسئول بالسؤال والإبانة محظورة على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.
وهل سمعتم أن أحدًا في زمانه ﷺ أو ممن بعده في القرون المشهود لأهلها بالنجاة والصدق ـ وهم أعلم منا بهذه المطالب وأحرص على نيل مثل تلك الرغائب ـ استغاث بمن يزيل كربته التي لا يقدر على إزالتها إلا الله، أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك الأمور ولم يعبدوا إلا إياه، ولقد جرت عليهم أمور وشدائد مدلهمة في حياته ﷺ وبعد وفاته، فهل سمعت عن أحد منهم أنه استغاث بالنبي ﷺ أو قالوا: إنا مستغيثون بك يا رسول الله؟ أم بلغك أنهم لاذوا بقبره الشريف وهو
стр. 1163
سيد القبور حين ضاقت منهم الصدور؟ كلا، لا يمكن لهم ذلك، وأن الذي كان بعكس ما هنالك، فلقد أثنى الله عليهم ورضي عنهم فقال عز من قائل: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)؛ مبيناً لنا أن هذه الاستغاثة أخص الدعاء وأجلى أحوال النجاة وهي من لوازم السائل المضطر الذي يضطر إلى طلب الغوث من غيره، فيخص نداءه لدى استغاثته بمزيد الإحسان في سره وجهره، ففي استغاثته بغيره تعالى عند كربته تعطيل لتوحيد معاملته).
ثم قال: (فلا يقال لأحد حي أو ميت قريب أو بعيد: ارزقني، أو أمتني، أو أحي ميتي أو اشف مريضي. إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الأحد الفرد الصمد).
ثم قال: (والقرآن ناطق بخطر الدعاء عن كل أحد لا من الأحياء ولا من الأموات سواء أكانوا أنيباء أو صالحين أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بفظ الاستغاثة أو بغيرها؛ فإن الأمور الغير مقدورة للعباد لا تطلب إلا من خالق القدر ومنشئ البشر، كيف والدعاء عبادة، وهي مختصة به سبحانه).
والمقصود: بيان كون هذه الشبهة التي تعلقوا بها في الشرك بالله في قدرته الكاملة من إثبات التصرف في الكون لغير الله وإثبات جواز نداء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه من الشبه الواهية، وليس لهم أي مستند من الشرع، وليس هذا من باب التوسل الذي يذكرونه، فإنه شتان بين التوسل وبين الاستغاثة والاستنجاد وطلب النفع والضر ودفع الكربة من الله، ثم ليس كل ما يرون من التوسل جائزًا، بل التوسل الجائز يمنع وقوع مثل هذه الأنواع
стр. 1164
من الشركيات بغير الله، فاستدلال المتصوفة بشبهة التوسل على جواز هذه الأمور استدلال في غير محله.
ب- عدم التفريق بين الربوبية والألوهية في المعنى، وفي الحكم، والقول بترادفهما:
وذلك، أنهم لما قالوا بترادفهما نتج عن ذلك اعتبار كل من اعتقد بالله ربًا: مسلماً، عبد بعد هذا من دونه ما شاء، لا يخرجه عن الإسلام.
مع وضوح الدلائل والبينات في ما سبق معنا على أن الرب والإله كلمتان متغايرتان في مفهوميهما في لغة العرب وفي لغة القرآن وفي مفهوم سلف هذه الأمة، فإن هناك من المتأخرين من يتشبث ببعض الشبه على قولهم بترادف الإله والرب، حتى قالوا: من أيقن بالله ربًا فقد جاء بالتوحيد المطلوب، ولهم شبهات كثيرة معظمها ناتجة عن سوء الفهم للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، لبعدهم عن الفهم الصحيح لهذه النصوص. فمن الشبه التي يتمسكون بها ما يلي:
الشبهة الأولى: قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا).
وجه الاستدلال: ـ كما يقولون ـ هذه الآية فيها دلالة على أن الإله هو الرب؛ فإن الله تعالى علم المؤمنين ورد على الكافرين المشركين، والمعنى لو كان في السموات والأرض أرباب غير الله لفسدتا؛ لأن كل رب يريد ما لا يريد الآخر؛ فيلزم فساد هذا النظام الموجود؛ فلما لم تفسدا دل على أن الرب لهذا الوجود واحد في ربوبيته.
стр. 1165
ويجاب عن هذه الشبهة: بأن الإله في هذه الآية ليس المراد منه هو الرب الخالق الصانع؛ لأن هذه الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين أو أكثر للعالم؛ بل اتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله؛ ولم يعتقدوا فيها أنها خالقة؛ أرباب، صانعة، بل اعتقدوا فيها أنها عباد مقربون عند الله ويشفعون لهم عند الله، إذن حمل الآية على برهان التمانع (التفسير المذكور) صار باطلاً أيضاً، فإنه سبحانه أخبر: أنه لو كان فيهما آلهة غيره؛ ولم يقل: (أرباب).
وأيضاً فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا، وأيضاً فإنه قال: (لفسدتا)، وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم توجدا. فالمراد من الفساد ليس التخريب والهدم الظاهر؛ لأنه لو كان الأمر هكذا لقال الله تعالى: (لم تخلقا) ولم يقل: (لفسدتا) لأن برهان التمانع يقتضي ألاّ توجد السموات والأرض إن فرض وجود صانعين فأكثر لا أن تفسدا بعد خلقهما، وإنما المراد من الفساد في الآية: الفساد بمعنى الظلم والعدوان؛ لأن التوحيد أعدل العدل، والشرك أظلم الظلم.
وأما المراد من الفساد المنفي في هذه الآية فهو الفساد الناشئ عن عبادة غير الله تعالى وفساد نظام صلاح الحق، قال شيخ الإسلام: (فالمقصود هنا: أن في هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ من عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته ... فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة).
стр. 1166
الشبهة الثانية: تشبثهم بقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
قالوا: (لم يقل: ألست بإلهكم، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ومن المعلوم: أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر الله بالألوهية، إذ ليس الرب غير الإله، بل هو بعينه).
الشبهة الثالثة: تشبثهم بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا).
قالوا: (لم يقل: (إلهنا)، فهذا يدل على أن توحيد الربوبية كافٍ في النجاة والفوز، لاسلتزامه توحيد الألوهية، فهذا دليل على أن القول بأحد التوحيدين قول بالآخر).
الشبهة الرابعة: استدلالهم بحديث سؤال الملكين في القبر: بـ (من ربك؟ ).
قالوا: (لم يقولا له: (من إلهك)، فدل على أن توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية).
стр. 1167
الشبهة الخامسة: استدلالهم بحديث: ((قل ربي الله ثم استقم)).
وجه الاستدلال ـ كما سبق ـ حيث لم يقل: قل: (إلهي الله).
ويجاب عن هذه الشبهات الأربعة الأخيرة:
بأنه لا شك في أننا مأمورون باعتقاد أن الله ربنا وحده، ليس لنا رب غيره، وباعتقاد أن الله وحده هو معبودنا، ليس لنا معبود غيره، ولا نعبد إلا إياه. فإذا اتفقنا عليه نستطيع أن نقول: بأن الرب هو الله وليس لنا رب سواه، وإذا قلنا: إنه هو الرب لنا يجب علينا أن نؤلهه أي نعبده، فإن الرب هو الذي يرب الناس ـ كما سبق ـ والذي يرب هو الذي يعبد. فقولهم: (ليس الرب غير الإله) لا يخلو من إحدى ثلاث حالات:
الأولى: أن الإله هو الرب نفسه في واقع الأمر. فهذه القضية صحيحة لا شك فيها.
الثانية: أن الإله هو الرب نفسه في اعتقاد الموحدين المؤمنين ـ كما عليه في نفس الأمر ـ فهذا أيضاً صحيح.
الثالثة: أن الإله هو الرب نفسه في اعتقاد المشركين، فهذا هو محل النزاع، فإن الإله الحق في نفس الأمر واعتقاد الموحدين هو الرب نفسه، إلا أن المشركين كانوا يتخذون غير الله آلهة مع اعترافهم بأن الله هو رب الخالق المدبر، فلا يصح قولهم ـ الذي سبق ـ إرا أرادوا هذا المعنى.
أما استدلالهم بالآية القرآنية والأحاديث النبوية على أن الرب هو الإله
стр. 1168
بعينه، فأقول: إن هذا الاستدلال فاسد من وجوه:
الأول: غاية ما تفيد هذه الآيات والأحاديث أنه عند إفراد الربوبية يدخل فيها توحيد الألوهية، ولا تفيد حصر التوحيد في الربوبية فقط، فإن هناك أدلة صريحة تدل على توحيد الألوهية أيضاً.
الثاني: أنها تحتمل أن تكون كنظائرها التي فيها تقرير المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية وليفردوه بالعبادة، فإن الإقرار بتوحيد الربوبية ـ مع ملاحظة قضية بديهية وهي أن غير الرب لا يستحق العبادة ـ يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية عند من له عقل سليم، وفهم مستقيم، فيكون الإقرار المذكور حجة عليهم، كما احتج الله تعالى على المشركين بتوحيد الرازق ومالك السمع والأبصار ... على وحدانية الألوهية.
فقال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ).
وقال: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
الثالث: أن يكون المراد بالرب فيها ـ المعبود ـ كما في قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). ومن المعلوم:
стр. 1169
أن أهل الكتابين ما كانوا يقولون: إن أحبارهم ورهبانهم يخلقون ويرزقون ونحو ذلك، وإنما كان شركهم في طاعتهم المطلقة، وذلك شرك في التشريع والرب يأتي بمعنى المعبود، كما قاله القرطبي.
الوجه الرابع: خاص بقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ).
إن في الآية اختصاراً، والمقصود: ألست بربكم وإلهكم، يدل عليه أثر ابن عباس ﵄: ((إن الله لما مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منه الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وتكفل لهم بالأرزاق)) الحديث.
وفي أثر أبي بن كعب ﵁: ((اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئًا، فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نسهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذ بالطاعة)).
الوجه الخامس: إن الرب والإله يجتمعان ويفترقان؛ كما في قوله تعالى:
стр. 1170
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ). وكما يقال: رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل: من ربك؟
ومثاله: الفقير والمسكين نوعان في قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ). ونوع واحد في قوله ﷺ : ((افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) وهذا أيضاً مثل مسألة الإسلام والإيمان، وإذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: (من ربك) معناه: من إلهك، لأن الربوبية أقر بها المشركون، ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ). وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا). فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها، كما تكون قسيمة لها عند الاقتران، فينبغي التفطن لهذه المسألة. لأن كثيرًا من الكلمات مع اختلاف معانيها قد تأتي إحداها بمعنى الأخرى في بعض السياق، ومع ذلك لا يدل على أنهما شيء واحد؛ لأن الاتحاد في الصدق لا يستلزم الاتحاد في المفهوم فضلاً عن التساوي؛ كما صرح به العلماء.
стр. 1171
الشبهة السادسة: استدلالهم بقوله تعالى: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً). قالوا: إنه يدل على اتحاد الرب والإله. فإن المشركين لم يأخذوهم ربًا ـ كما تدعون ـ.
يجاب عن هذه الشبهة:
بأنه ليس في شيء من هذه الآية أن مشركًا قال في حق غير الله: إنه رب، أي إنه خالق مدبر الكون ونحوه ... ، وإنما في بعضها: اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصاً على أنهم مقرون بربوبيتهم وخالقيتهم ونحوها، بل يحتمل أن يكون اتخاذهم الأرباب بمعنى:
١ - صرف شيء من العبادة إليهم.
٢ - بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام.
٣ - كما ذكره أحد العلماء ـ إن بعض البشر اتخذوا أربابًا من دون الله، ومن اتخذ ربًا سماه ربًا إن كانت هذه التسمية لغة قومه، وقريش ما كانت تتخذ آلهتها أرباباً، والنصارى يسمون المسيح ربهم، ولا يطلقون اسم الرب على من عبدوهم من دونه وإن اتخذوهم أرباباً وآلهة.
حاصل الجواب: أنه ليس المراد من لفظة (الرب) في مثل هذا السياق (الخالق
стр. 1172
الرازق مدبر الكون) حتى يلزم ما زعمه هؤلاء، بل المراد من الرب في مثل هذا السياق هو المعبود، فإنه قد يأتي بهذا المعنى ـ كما سبق ـ فلفظة (الرب) في هذه الآية بمعنى المعبود، ويدل عليه أيضاً ما ذكره المفسرون في بيان سبب نزول الآية: أن بعض اليهود والنصارى قالوا للنبي ﷺ : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ : ((معاذ الله أن نعبد غيره، أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني))، فأنزل الله هذه الآية.
الشبهة السابعة: أن المشركين من العرب ما كانوا يعترفون بالربوبية لله جل شأنه، بل كانوا مشركين بالله بعدم إيمانهم بالله رباً، والدليل عليه: قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ). والمعنى: لو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترءوا أن يسبوه انتقاماً ممن يسبون آلهتهم، فإن ذلك واضح جدًا في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
أولاً: أن سبهم الذي يخشى أن يقع عند سب آلهتهم هو مقابلتهم لمن سب معبودهم بمثل سبه يريدون محض المجاراة فيتجاوزون الحد فيها، كما يقع كثيرًا من المختلفين في الدين والمذهب. وهذا كله من حب الذات والجهل
стр. 1173
الحامل على المعاقبة على الجريمة بارتكابها عينها، يهين والده المعظم عنده.
الثاني: ليس المراد أنهم يسبونه صريحاً، ولكن يخوضون في ذكره فيذكرونه بما لا يليق به، ويتمادون في ذلك بالمجادلة فيزدادون في ذكره بما لا يليق بالله تعالى.
الثالث: أن معنى سبهم لله تعالى: عيبهم لأمر المسلمين فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به.
الرابع: أنهم ربما كان في جهالهم من كان يعتقد بأن إله محمد شيطان يحمله على ادعاء الرسالة، وليس خالق السموات والأرض، فكان يشتم إله محمد على هذا التأويل.
الخامس: أن هؤلاء يعلمون أن الله أجل وأعظم من أصنامهم، ولكن تهوى أنفسهم هذه الأصنام أكثر وتحبها حبًا أفضل من حب الله تعالى في أشياء مخصوصة باعتبارات مخصوصة، وليس تفضيلاً مطلقاً.
السادس: معنى السب لله تعالى هو تماديهم في الشرك به، فالشرك مسبة لله، وأي مسبة أعظم من عبادة غيره معه أو ادعاء الولد والصاحبة له؟ .
стр. 1174
وهناك وجوه أخرى في توجيه هذه الآية، منها: أن المراد بسب الله: سب رسوله، أو أن الآية في القائلين بالدهر، ونفاة الصانع، وهذه الوجوه ضعيفة لا تناسب سياق الآية.
الشبهة الثامنة: تشبثهم بقوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
وجه الاستدلال: لو كان الله هو الرب المعترف به لديهم لما كان حرمته أقل في نفوسهم من الحجارة والأوثان.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن الآية ـ بحمد الله ـ تدل على عكس فهم هذا الزاعم، وذلك أن معناها كما ذكره ابن عباس ومجاهد: أنهم يسمون لله جزءًا من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم جزءًا، فما ذهبت به الريح أو سقط من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه وقالوا: الله غني عن هذا، وأما ما ذهب من جزء الله إلى جزء أوثانهم لم يردوه وقالوا: إنها فقيرة ومحتاجة.
وقال السدي: (إذا هلك الذي يصنعون لشركائهم وأوثانهم وكثر الذي لله قالوا: ليس بد لآلهتنا من نفقة، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا: لو شاء أزكى الذي له، فلا يردون عليه شيئًا مما للآلهة).
стр. 1175
فهذان التفسيران يدلان على أن الله تعالى أعظم في نفوسهم من آلهتهم، لوصفهم الله تعالى بالغني على التفسير الأول، وبالمشيئة المطلقة على الثاني، ولوصفهم أوثانهم بالفقر والحاجة، وعدم المشيئة.
الشبهة التاسعة: إن قول أبي سفيان يوم أحد (اعل هبل) أن يعلو في تلك الشدة يدل صراحة على أنهم كانوا يعبدون الله كعبادة الأصنام الأخرى وليس لكونه رباً حتى باعترافهم.
يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن معنى (اعل هبل): ظهر دينك، أو أظهر دينك، وعلى هذا فهو يخبر بظهور دين هبل على دين المسلمين وليس على خالق السموات والأرض، أو يدعوه بأن يظهر دينه على دين المسلمين.
ولو سلمنا أن معناه: أن هبل أعلى من إله المسلمين فهو على قصد أن إله المسلمين غير خالق السموات والأرض، فإن المشركين لا يعترفون بأن الله هو الذي أرسل محمدًا ﷺ ، بل يقولون: إنه ساحر، وكاذ وشاعر إلى آخر ذلك. ويدل عليه قصة الحديبية صراحة.
وإذا كان هناك احتجاج بكلام الكفار في الحرب فيقال لهذا القائل: ماذا تقول في كلام أبي جهل يوم بدر: (اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه
стр. 1176
الغداة فكان ذلك استفتاحًا منه فنزلت: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ).
والمقصود: أن القول بترادف الرب والإله غير صحيح، وبالتالي لا يقال: إن من أقر الله رباً، يكون مسلماً خالصاً فليدع ما شاء من دون الله، لا يخرج ذلك عن إسلامه ـ كما يقول به بعض المتصوفة وبعض الأشاعرة والماتريدية ـ.
الشبهة الثانية: ومن الشبه التي يستدل بها المتصوفة على جواز دعاء غير الله في الشدائد والاستغاثة به هو زعمهم بأنهم يدعون الأنبياء والصالحين ليتوسطوا لهم إلى الله:
ولها صورتان عند المتصوفة قديمًا وحديثًا.
الأولى: صورة فلسفية منطقية كلامية.
والثانية: صورة أمية عامية عادية.
أما الصورة الأولى فتقريرها: أن النفوس التي فارقت أبدانها أقوى من النفوس المتعلقة بالأبدان من بعض الوجوه؛ لأنها لما فارقت أبدانها زال عنها الغطاء والوطاء، وانكشف لها عالم الغيب، فالإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل الجوهر شديد التأثير، ووقف عند قبره ساعة، وتأثرت نفسه من تلك التربة، حصل لنفس هذا الزائر تعلق بتلك التربة، وقد عرفت أن لنفس ذلك الميت تعلقاً بتلك التربة أيضاً، فحينئذ يحصل لنفس الحس ولنفس الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة، فصارت هاتان النفسان شبهتين
стр. 1177
بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى.
وبهذا السبب ينعكس النور من نفس الميت المزور إلى نفس هذا الحي الزائر، وبهذا الطريق تصير تلك الزيارة سببًا لحصول المنفعة الكبرى، فهذا هو السبب الأصلي في شرعية الزيارة، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات. فهذه فلسفة المتفلسفة منهم.
وبطلان هذا القول أظهر من الشمس في رابعة النهار، فلا يشتغل بالرد عليه.
وأما الصورة الثانية: فتقريرها عند العامة على جواز الاستعاثة بالأموات عند الكربات بل على وجوبها ـ عندهم ـ أن الأنبياء ﵈ والأولياء ـ كما يزعمون ـ واسطة في العون والمدد والإغاثة بين الله وبين المكروبين المضطرين، لعلو شأنهم ورفيع درجاتهم عند الله، وأن المكروب المستغيث يرى نفسه ملطخًا بالذنوب، فهو بعيد عن الله تعالى لا يصل إليه بواسطة أحبابه من الأولياء الذين يشفعون لهم عند الله تعالى. فكما أنه لا يمكن للرعايا الوصول إلى الملوك إلا بواسطة الوزراء والأمراء، كذلك لا يمكن الوصول إلى الله لإنجاح الحوائج بواسطة الأنبياء والأولياء.
стр. 1178
يجاب عن هذه الشبهة في تشبثهم بكلمة الواسطة بما يلي:
١ - إن المتصوفة في تشبثهم بكلمة الواسطة ملبسون ومدلسون، حيث إنهم خلطوا الباطل بالحق، فإن كون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين سائر الناس، يحتمل معنى حقاً ومعنى باطلاً؛ فمن أراد أنهم واسطة في تبليغ أوامر الله ونواهيه، وبيان دينه وشرعه، وتوضيح ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه، فهذا معنى حق وصواب. وإن أراد بالواسطة أن الأنبياء والأولياء واسطة بين العباد وبين رب العباد في جلب المنافع ودفع المضار، والرزق، والنصر، والإغاثة، وكشف الكربات؛ فهذا من أعظم الشرك بالله الذي كفّر الله به المشركين.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في هذا المجال أريد أن أنقل منه مقتطفات. قال ﵀ بعد أن أثبت بأن الأنبياء والرسل واسطة بين الله وبين الخلق في تبليغ الرسالة بكل ما تحمله هذه العبارة من العقائد والعبادات والأحكام الشرعية بشتى أنواعها، قال رادًا على الذين يزعمون بأن الأنبياء والأولياء والصالحين وسائط بين الله وبين خلقه في دفع المضار وجلب المنافع: (وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار. لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حق، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
стр. 1179
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ).
وقال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).
وقالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزير والملائكة، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلاً، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كفر بإجماع المسلمين ... ـ إلى أن قال ـ والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي
стр. 1180
أنكره الله على النصارى، حيث قال: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ويقول الشيخ عبد اللطيف في رده على ابن جرجيس الحنفي البغدادي الذي استدل على جواز دعاء غير الله والاستغاثة به بكونهم وسائط بين الله وبين عباده، قال: (فالقول بجواز الاستغاثة بغير الله ودعاء الأنبياء والصالحين وجعلهم وسائط بين العبد وبين الله والتقرب إليهم والنذر والنحر والتعظيم بالحلف وما أشبهه مناقضة ومنافاة لهذه الحكمة التي هي المقصودة بخلق السموات والأرض وإنزال الكتب، وإرسال الرسل وفتح لباب الشرك في المحبة والخضوع والتعظيم، ومشاقة ظاهرة لله ورسوله، ولكل نبي كريم، والنفوس مجبولة على صرف ذلك المذكور من العبادات إلى من أهل لكشف الشدائد وسد الفاقات وقضاء الحاجات من الأمور العامة التي لا يقدر عليها إلا فاطر الأرض والسموات) ـ إلى أن قال ـ (الوجه الثاني: أن هذا بعينه قول عباد الأنبياء والصالحين من عهد قوم نوح إلى أن بعث إليهم خاتم النبيين، ولم يزيدوا على ما ذكره هؤلاء الغلاة فيما انتحلوه من الشرك الوخيم، والقول الذميم، كما حكى الله عنهم ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ).
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا
стр. 1181
إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
وقال تعالى: (فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
فهذه النصوص المحكمة صريحة في أن المشركين لم يقصدوا إلا الجاه والشفاعة والتوسل بمعنى جعلهم وسائط تقربهم إلى الله، وتقضي حوائجهم منه تعالى، وقد أنكر القرآن هذا أشد الإنكار، وأخبر أن أهله هم أصحاب النار، وأن الله تعالى حرم عليهم الجنة دار أوليائه الأبرار. وجمهور هؤلاء المشركين لم يدّعوا الاستقلال ولا الشركة في توحيد الربوبية، بل أقروا واعترفوا بأن ذلك لله وحده، كما حكى سبحانه وإقرارهم واعترافهم بذلك في غير موضع من كتابه.
فحاصل ما ذكر من جواز الاستغاثة والدعاء والتعظيم بالنذر والحلف مع نفي الاستقلال وأن الله يفعل لأجله هو عين دعوى المشركين وتعليلهم وشبههم لم يزيدوا عليه حرفاً واحدًا، إلا أنهم قالوا: قربان وشفعاء، والغلاة سموا ذلك: توسلاً، فالعلة واحدة، والحقيقة متحدة ... ).
ثم قال الشيخ بعد أن ذكر الوجه الثالث الذي أثبت فيه بأن الله أمر عباده بإفراده بالدعاء والاستغاثة وإنزال الحاجات به دون غيره، حيث أورد آيات وأحاديث كثيرة في هذا المجال، وأخيراً قال: (وعلى القول بجعل الوسائط بين العباد وبين الله تقلع أصول هذا الأصل العظيم الذي هو قطب رحى الإيمان، وينهدم أساسه الذي ركب عليه البيان، فأي فرح وأي نعيم،
стр. 1182
وأي فاقة سدت، وأي ضرورة دفعت، وأي سعادة حصلت، وأي أنس واطمئنان، إذا كان التوجه والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر لغير الملك الحنان المنان ...
فصلاح السموات والأرض بأن يكون الله سبحانه هو إلهها دون ما سواه، ومستغاثها الذي تفزع إليه وتلجأ إليه في مطالبها وحاجاتها ... وأن الشرع الذي جاء به محمد ﷺ والسنة التي سنها في قبور الأنبياء والصالحين وعامة المؤمنين تنافي هذا القول الشنيع ... وتبطله وتعارضه؛ فإنه ﷺ سن عند القبور ما صحت به الأحاديث النبوية وجرى عليه عمل علماء الأمة من السلام عند زيارتها، والدعاء لأصحابها وسؤال الله العافية لهم، من جنس ما شرعه من الصلاة على جنائزهم، ونهى عن عبادة الله عند القبور والصلاة فيها وإليها، وخص قبور الأنبياء والصالحين بلعن من اتخذها مساجد يعبد فيها الله تعالى، ويدعى، وتواترت بذلك الأحاديث خرجها أصحاب الصحيحين وأهل السنن، ومالك في موطئه، فمنها قوله ﷺ : ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)).
وحديث أبي هريرة ﵁: ((قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ... ) ثم قال الشيخ عبد اللطيف: (ومن شم رائحة العلم وعرف شيئًا مما جاءت به الرسل عرف أن هذا الذي قاله الغلاة من جنس عبادة الأصنام والأوثان، مناقض لما دلت عليه السنة والقرآن، ولا يستريب في ذلك عاقل من نوع الإنسان ... وأن من أعرض عن الله وقصد غيره، وأعد ذلك الغير لحاجته
стр. 1183
وفاقته، واستغاث به ونذر له ولاذ به؛ فقد أساء الظن بربه، وأعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن خلاف كماله المقدس؛ فظن به ما يناقض أسمائه وصفاته، ولهذا توعد الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم كما ذكره تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وقال تعالى ـ لمن أنكر صفة من صفاته ـ: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وقال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
قال الشيخ عبد اللطيف: (أي فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه قد عبدتم غيره، وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره، فو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه غني عن كل ما سواه فقير إليه كل من عداه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشرك فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمة إلى من يستعطفه.
وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم
стр. 1184
أحوال الرعية وحوائجهم من الوسطاء الذين يعينونهم على قضاء حوائجهم وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم. فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء؛ فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح).
والخلاصة: أن شبهة الوساطة التي يحتج بها المتصوفة لدعاء غير الله من الأنبياء والأولياء هي نفس الشبهة التي وقع بسببها أمام كثيرة في الإشراك بالله حيث دعوا الأنبياء والأولياء بحجة أنهم يتوسطون لهم إلى الله، وقد وصفهم الله تعالى بالمشركين لوقوعهم في دعاء غير الله من الأنبياء والصالحين، فكل من فعل مثل فعلهم فهو مثلهم، ويتناوله الحكم الذي حكم الله به على أسلافهم من عبدة القبور.
ثم إن الله أقرب إلينا من حبل الوريد، كما ذكره تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، فلا حاجة إلى الوسطاء بين الله وبين عباده، ولذا فقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يدعوه ويطلبوا منه ما يريدونه رأساً بلا وسائط، فقال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
стр. 1185
وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
وعلى هذا فحجة المتصوفة بأنهم يدعون الأنبياء والأولياء لأنهم وسطاء بينهم وبين الله حجة باطلة أتوا بها من عند أنفسهم، وليس لهم أي دليل يستندون عليه من الكتاب والسنة لإثبات شرعية استدلالهم بهذه الحجة، بل إن دعاء الأنبياء والأولياء بهذه الحجة هو عين الإشراك بالله ـ كما سبق لنا ـ.
٢ - إن المتصوفة القبورية في جعلهم الصالحين واسطة بين الخلق وبين الحق تعالى لدفع المضرات وجلب الخيرات مشبهة مرتين بتشبيهين من جهتين اثنتين، فمرة شبهوا المخلوق بالخالق في صفات الكمال فصاروا مشبهة حيث رفعوا المخلوقين فوق منزلتهم ووصفوهم بصفات الله من العلم والقدرة والسمع والإغاثة ونحوها، فعبدوهم من دون الله تعالى.
ومرة شبهوا الخالق بالمخلوق في صفات النقص، وذلك؛ حيث إنهم قد قاسوا رب العالمين، خالق السموات بالملوك والسلاطين الذين لا يتوصل إليهم إلا بالأمراء والوزراء، ومن المعلوم ـ كما سبق معنا ـ: أن أصل الشرك هو التشبيه والتشبه.
٣ - إن هذه الواسطة باطلة من أصلها؛ إذ فيها قياس الله على الملوك، وهذا من أفسد القياس في العالم، وهو قياس مع الفارق من عدة أوجه:
стр. 1186
الأول: أن الملوك لأجل جهلهم بحقائق الأمور وعدم جهلهم بأحوال الرعية ـ يحتاجون إلى وسائط من الأمراء والوزراء والندماء والوجهاء والعرفاء ليبلغوهم أحوال الرعية، ويرفعوا إليهم حوائجهم، بخلاف عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية، فمن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فهو كافر.
الثاني: أن الملوك عاجزين عن تدبير أمورهم والقيام على حقوق رعاياهم ودفع أعدائهم، فهم في حاجة إلى أعوان وأنصار من الوزراء ليعينوهم في تدبير مملكتهم وسياسة رعاياهم وحفظ بلدانهم وأوطانهم؛ بخلاف رب الكائنات، الخالق، الحي، القيوم، القادر، المالك، الغني، القاهر، القوي، العزيز، فمن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فهو كافر.
الثالث: أن الملوك ليسوا مريدين لنفع الرعية والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركهم من خارج، فاحتاجوا في ذلك إلى الشفعاء والنصحاء ينصحون ويشفعون عندهم للمضطرين والمكروبين من رعاياهم، ليقوموا بقضاءحوائجهم بهذا الترغيب والنصيحة والشفاعة.
بخلاف الله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الرؤوف، الذي هو أرحم الراحمين، وأرحم بخلقه من أية والدة بولدها، ومن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فقد كفر كفرًا مبينًا.
الرابع: أن الملوك مضطرون إلى قبول شفاعة أمرائهم ووزرائهم لحاجتهم إليهم في حفظ البلاد وسياسة العباد؛ فالملوك يقبلون شفاعتهم بإذنهم وبدون إذنهم لمن يرضون عنه ولمن يسخطون عليه، بخلاف رب الأرباب فإنه غني، حي، قيوم، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وهو مالك الأكوان، ليس له لأحد فيها من شرك، ولا له
стр. 1187
من خلقه من ظهير، فهو لا يقبل الشفاعة إلا لمن أذن له، ورضي له قولاً، ون ظن أن الله تعالى مثل الملوك فقد كفر كفرًا صريحًا.
فتبين أن قياس الخالق على المخلوق قياس مع الفارق.
٤ - إن شبهة الواسطة باطلة من أساسها، بل تصور وجود الواسطة ها هنا غير وارد أصلاً، وذلك لوجوه:
الأول: أن الأموات لا يعلمون بحال المضطرين المكروبين المستغيثين بهم، فكيف يشفعون لهم؟ وكيف يكونون واسطة بينهم وبين الله؟
الثاني: أن الأموات لا تصرف لهم في الكون ـ كما سبق أن استدللنا لهذا القول من القرآن والسنة ـ فكيف يتصرفون تصرف الشفعاء والوزراء؟
الثالث: أن الأموات لا يسمعون دعاء المستغيثين بهم، فكيف يمكن لهم الشفاعة والتوسط بدون أن يسمعوا نداءهم؟
الرابع: أنه لم يثبت في الشرع أن الميت يشفع لمن يسغيث به.
٥ - أن ما زعموا من أن المعاصي ـ نظراً لكثرة ذنوبه ـ ليس له اللجوء إلى الله مباشرة، وأنه أولى به أن يستصحب أحد المقربين قبل مناجاة رب العالمين، أن ذلك كلام لا أصل له في الإسلام قط، لأن إبليس ـ رمز العصاة ورأس الملعونين ـ لما دعا ربه مباشرة أجيبت دعوته: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ).
٦ - إن كون هذا الرجل صالحاً، أو ولياً من أولياء الله هذا ليس إلا عمله
стр. 1188
الخاص، لا دخل فيه للمستغيث أبدًا، فكيف يتدخل أحدنا في عمل الغير؟ أليس يعد من الحمق إذا قلنا: يا رب، أعطنا هذا الشيء لأن فلان الولي عبدك كثيرًا؟ هذا شيء بدهي في العقل ومعلوم بطلانه عند العقلاء.
الشبهة الثالثة: اعتقادهم أن الأنبياء والأولياء أحياء في قبورهم فلا مانع من التوسل بهم:
ويستدلون على ذلك بما يلي:
أ- أن النبي ﷺ حي في قبره حياة دنيوية، بدليل قوله تعالى: (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً). قالوا: فالنبي ﷺ حي في قبره حياة دنيوية، ولذلك لا تجوز مناكحة أزواجه ﷺ ، لأن الحي لا يجوز نكاح زوجته.
الرد على هذه الشبهة باختصار ما يلي:
إن هذا القول الذي قالوه في النبي ﷺ لم يقله أحد من المفسرين السابقين، وإنما هو قول مبتدع، وتفسير ـ بل تأويل ـ باطل من قبل هؤلاء المتأخرين، وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.
ثم إن الصحيح الذي لا مرية فيه: أن حياة الأنبياء برزخية لا نعرف كنهها، وليس ما ذكروه فيه أي دليل على كون تحريم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 1189
لأجل حياته ﷺ ، وإنما لكونهن كالأمهات، فكما أن الأمهات لا تنكحهن الأولاد بعد موت الآباء فهنا أيضاً هكذا، وأدل دليل على هذا ذهاب بعض العلماء إلى أن مطلقة رسول الله أيضاً لا تحل لأحد.
أو لأنهن زوجاته في الآخرة.
أو لإكرام النبي ﷺ أن يطأهن أحد بعده.
أو لإكرامهن أيضاً: حيث قصرهن على رسول الله ﷺ ، وقصره عليهن خير لهن.
أو أن الله أعطاهن هذا الفضل لما صبرن على الرسول في حياته بدون التفات إلى متاع الحياة الدنيا. قال ابن القيم:
لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النسوان
خيرن بين رسوله وسواه فاختـ ... رن الرسول لصحة الإيمان
شكر الإله لهن ذاك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكران
قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكرذي الإحسان
وكذلك أيضًا قصرهن عليه معـ ... ـلوم بلا شك ولا حسبان
٥ - لا تلازم بين الحياة وبين طلب شيء منهم، فمثلاً: هؤلاء شهداء أحد معروف مكانهم وفضلهم، معروفة قبورهم، لم يذهب إليهم أحد من المسلمين من صحابة الرسول ﷺ في حياته ولا بعد مماته يسألونهم الدعاء والشفاعة ولا توسلوا بهم.
стр. 1190
وهم أحياء حياة برزخية بنص القرآن: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).
فلماذا ترك أولئك طلب الدعاء من هؤلاء الشهداء؟ بل الثابت عنهم أنهم كانوا يدعون لهم، لا أنهم يسألونهم الدعاء. وهم أحياء بنص كريم، لكن حياتهم ليست كحياتنا على الأرض. نعلم منه أنهم وإن كانوا أحياء حياة برزخية لا نعلم حقيقتها فهي مختلفة في ما يقدرون عليه عن حياتهم في الدنيا.
٦ - أخرج مسلم في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم)). وفقه هذا الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ أرشد عمر أن يطلب الدعاء من أويس وهو تابعي، وأين منزلته من منزلة رسول الله ﷺ ؟ فأرشده الرسول ﷺ إلى أن يدعو له المفضول ويترك طلب الدعاء من خير الخلق في قبره، وهذا دليل واضح في أن الفرق هو تغير نوع الحياة، وقدرة الحي على الدعاء للمعين، بخلاف من حياته
стр. 1191
برزخية.
فإذا كان هذا في حق الرسول ﷺ وهو أحسن حالاً في القبر على الإطلاق، فكيف بمن يطلب الدعاء من الآخرين؟
ثم إن الأولياء ـ الذين يذهبون إلى قبورهم ويتوجهون إلى مشاهدهم طالبين لهم الدعاء ـ ليس لهم أي دليل على وجود حياتهم مثل حياة الأنبياء والشهداء، وإنما قاسوا على حياة الأنبياء والشهداء، ومعلوم أن هذا قياس مع الفارق؛ إذ لا دليل على وجود الحياة لأوليائهم في قبورهم.
ب- زعمهم أن النبي ﷺ حي في قبره بدليل عدم قسمة تركته، كما جاء في الحديث النبوي أنه ﷺ قال: ((لا نورث ما تركناه فهو صدقة)). قالوا: إن علة النهي عن قسمة التركة كونه حياً في قبره حياة دنيوية، فإن الحي لا يورث.
ويرد على هذا القول: بأن العلة ليس كونه حياً كما زعمته المتصوفة، بل قد ذكر الرسول الحكمة فيه في نفس الحديث بأن ما تركه صدقة. وقد جاء في رواية أخري أنه ﷺ قال: ((لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة)).
стр. 1192
جـ- استدلال القبورية المتصوفة بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا).
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حي في قبره، وإلا لما جاز طلب الاستغفار منه. وما دام أنه حي في قبره وقد أمر في الآية بطلب الاستغفار منه، فإنه يكون مرغوباً فيه وليس منهياً عنه.
يجاب عن هذا الاستدلال بما يلي:
إن الآية وردت في قوم معينين، وليس هناك لفظ عام حتى يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص المورد، بل الألفاظ الدالة الواقعة في هذه الآية كلها ضمائر. وقد ثبت في مقره أن الضمائر لا عموم لها.
إن المقصود بهذه الآية المجيء إلى الرسول ﷺ في حياته فقط، فإن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين دعوا الله وحكم رسوله ﷺ فصدوا واحتكموا إلى الطاغوت، فظلموا أنفسهم، ولم يجيئوا إلى رسول الله ﷺ تائبين منيبين ليستغفر لهم.
إن اللفظ العام لا يتناول إلا ما كان من أفراده، والمجيء إلى قبر الرجل ليس من أفراد المجيء إلى عين الرجل لا لغة ولا شرعًا ولا عرفاً، فإن المجيء إلى الرجل ليس معناه إلا المجيء إلى عين الرجل، ولا يفهم منه أصلاً أمر زائد
стр. 1193
على هذا.
(إن أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه هم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، فلم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته، ليستغفر لهم، ... فلما استأثر الله بنبيه ﷺ ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.
أفترى عطّل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا توبة له من الناس، ولا يعد من أهل العلم؟ ! وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم ألبتة، بل المنقول الثابت عنه ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية ...
ومما يدل على بطلانه قطعًا: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذمومًا غاية الذم مغموصًا بالنفاق، ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه على الحق.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: (وَمَا
стр. 1194
أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ)، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم إن من الواجب على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها، ووفق لها هؤلاء الغلاة والعصاة. وهذا بخلاف قوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)؛ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم بما جاء به حيًا وميتًا، ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه.
يوضح ذلك أنه ﷺ قال: ((لا تجعلوا قبري عيدًا)). ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به).
ثم على هذا التفسير الذي ذكروه في الآية بأن المراد منها حث الناس على طلب الاستغفار منه، (على هذا التفسير أن الآية حكمها مستمر، فكما أن مجيء من ظلم نفسه إليه ﷺ في حياته واستغفاره عنده شرط لقبول توبته فهو
стр. 1195
شرط أيضًا في قبول توبة من ظلم نفسه بعد وفاته ﷺ فلابد من مجيئه إلى قبره ﷺ واستغفاره عنده، واستغفار الرسول له، ولا يخفى ما في هذا من المناقضة لكتاب الله تعالى وسنة نبيه وما عليه المسلمون ... ).
الشبهة الرابعة: هي الحكايات التي تناقلوها كابراً عن كابر، وشحنت بها المتصوفة كتبهم من أن فلانًا استغاث بالولي الفلاني فأغاثه، وفلان ذهب إلى قبر فلان فتعافى وقضى حاجته:
وهذه الشبهة من أقوى الشبه لدى المتصوفة، ويمكن أن تسمى بشبهة التجربة.
الردود على هذه الشبهة بما يلي:
١ - أن العلماء قد صرحوا بأن هذه الحكايات التي تناقلتها المتصوفة لدعوة المضطرين إلى الاستغاثة بالأموات بحجة أن هذه الحكايات كرامة لهؤلاء الأولياء، هي محض أساطير، وعين الأكاذيب، وليست هي من الكرامات، بل هي أباطيل الحكايات؛ لأن رواتها هم هؤلاء القبورية السفهاء. ومعروف أنهم أكذب الناس ومعادن الكذب، وبيوت الكذب، وبيوت الإفك، فلا اعتبار لرواياتهم، فهم في نقل هذه الحكايات كذبة فسقة.
٢ - أن قضاء الحوائج عند الاستغاثة بالموتى ليس لأجل الاستغاثة بالموتى، بل ذلك بمحض قدرة الله تعالى وتقديره المقدر بوقته، فيصادف
следующие страницы →