← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

برزخية. فإذا كان هذا في حق الرسول ﷺ وهو أحسن حالاً في القبر على الإطلاق، فكيف بمن يطلب الدعاء من الآخرين؟ ثم إن الأولياء ـ الذين يذهبون إلى قبورهم ويتوجهون إلى مشاهدهم طالبين لهم الدعاء ـ ليس لهم أي دليل على وجود حياتهم مثل حياة الأنبياء والشهداء، وإنما قاسوا على حياة الأنبياء والشهداء، ومعلوم أن هذا قياس مع الفارق؛ إذ لا دليل على وجود الحياة لأوليائهم في قبورهم. ب- زعمهم أن النبي ﷺ حي في قبره بدليل عدم قسمة تركته، كما جاء في الحديث النبوي أنه ﷺ قال: ((لا نورث ما تركناه فهو صدقة)). قالوا: إن علة النهي عن قسمة التركة كونه حياً في قبره حياة دنيوية، فإن الحي لا يورث. ويرد على هذا القول: بأن العلة ليس كونه حياً كما زعمته المتصوفة، بل قد ذكر الرسول الحكمة فيه في نفس الحديث بأن ما تركه صدقة. وقد جاء في رواية أخري أنه ﷺ قال: ((لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة)).

стр. 1192

جـ- استدلال القبورية المتصوفة بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حي في قبره، وإلا لما جاز طلب الاستغفار منه. وما دام أنه حي في قبره وقد أمر في الآية بطلب الاستغفار منه، فإنه يكون مرغوباً فيه وليس منهياً عنه. يجاب عن هذا الاستدلال بما يلي: إن الآية وردت في قوم معينين، وليس هناك لفظ عام حتى يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص المورد، بل الألفاظ الدالة الواقعة في هذه الآية كلها ضمائر. وقد ثبت في مقره أن الضمائر لا عموم لها. إن المقصود بهذه الآية المجيء إلى الرسول ﷺ في حياته فقط، فإن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين دعوا الله وحكم رسوله ﷺ فصدوا واحتكموا إلى الطاغوت، فظلموا أنفسهم، ولم يجيئوا إلى رسول الله ﷺ تائبين منيبين ليستغفر لهم. إن اللفظ العام لا يتناول إلا ما كان من أفراده، والمجيء إلى قبر الرجل ليس من أفراد المجيء إلى عين الرجل لا لغة ولا شرعًا ولا عرفاً، فإن المجيء إلى الرجل ليس معناه إلا المجيء إلى عين الرجل، ولا يفهم منه أصلاً أمر زائد

стр. 1193

على هذا. (إن أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه هم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، فلم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته، ليستغفر لهم، ... فلما استأثر الله بنبيه ﷺ ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت. أفترى عطّل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا توبة له من الناس، ولا يعد من أهل العلم؟ ! وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم ألبتة، بل المنقول الثابت عنه ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية ... ومما يدل على بطلانه قطعًا: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذمومًا غاية الذم مغموصًا بالنفاق، ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه على الحق. وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: (وَمَا

стр. 1194

أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ)، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم إن من الواجب على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها، ووفق لها هؤلاء الغلاة والعصاة. وهذا بخلاف قوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)؛ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم بما جاء به حيًا وميتًا، ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه. يوضح ذلك أنه ﷺ قال: ((لا تجعلوا قبري عيدًا)). ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به). ثم على هذا التفسير الذي ذكروه في الآية بأن المراد منها حث الناس على طلب الاستغفار منه، (على هذا التفسير أن الآية حكمها مستمر، فكما أن مجيء من ظلم نفسه إليه ﷺ في حياته واستغفاره عنده شرط لقبول توبته فهو

стр. 1195

شرط أيضًا في قبول توبة من ظلم نفسه بعد وفاته ﷺ فلابد من مجيئه إلى قبره ﷺ واستغفاره عنده، واستغفار الرسول له، ولا يخفى ما في هذا من المناقضة لكتاب الله تعالى وسنة نبيه وما عليه المسلمون ... ). الشبهة الرابعة: هي الحكايات التي تناقلوها كابراً عن كابر، وشحنت بها المتصوفة كتبهم من أن فلانًا استغاث بالولي الفلاني فأغاثه، وفلان ذهب إلى قبر فلان فتعافى وقضى حاجته: وهذه الشبهة من أقوى الشبه لدى المتصوفة، ويمكن أن تسمى بشبهة التجربة. الردود على هذه الشبهة بما يلي: ١ - أن العلماء قد صرحوا بأن هذه الحكايات التي تناقلتها المتصوفة لدعوة المضطرين إلى الاستغاثة بالأموات بحجة أن هذه الحكايات كرامة لهؤلاء الأولياء، هي محض أساطير، وعين الأكاذيب، وليست هي من الكرامات، بل هي أباطيل الحكايات؛ لأن رواتها هم هؤلاء القبورية السفهاء. ومعروف أنهم أكذب الناس ومعادن الكذب، وبيوت الكذب، وبيوت الإفك، فلا اعتبار لرواياتهم، فهم في نقل هذه الحكايات كذبة فسقة. ٢ - أن قضاء الحوائج عند الاستغاثة بالموتى ليس لأجل الاستغاثة بالموتى، بل ذلك بمحض قدرة الله تعالى وتقديره المقدر بوقته، فيصادف

стр. 1196

ذلك الاستغاثة بالموتى، فيظن المستغيث أن المستغاث به هو الذي قضى حاجته، فيعد ذلك من كرامته ويجعله دليلاً على كونه وليًا متصرفًا في الكون. ٣ - أن العلماء صرحوا في الجواب عن تلك الحكايات الشركية بأن كثيرًا ما تقضى حاجات المستغيثين بالأموات، لا لأجل أنه استغاث بالمقبور، بل لأجل أن هذا المستغيث يكون مضطرًا مكروبًا فيدعو بحرقة وانكسار وذلة، فيستجيب الله تعالى له، ويقضي حاجته، لصدق توجهه وتضرعه، واضطراره، وانكساره، وذلته، ولكن الجاهل يظن أن للمقبور تأثيرًا في إجابة تلك الدعوة وقضاء تلك الحاجة. ٤ - أن العلماء قد صرحوا في الجواب عن حكايات القبورية بأن الله تعالى كثيرًا ما يستجيب دعاء الكفار والمشركين عند أصنامهم لاضطرارهم، وإظهار انكسارهم، لموافقته أوقات الإجابة، ولما قام من العبودية بقلبه، فيجيب الله تعالى دعاء المضطر، ولو دعا في الخانة، والخمارة، والحمام، والسوق، بل قد يستجيب لمن يدعو عند الأوثان، فيظن الجاهل أن للمقبور تأثيرًا في قضاء الحوائج واستجابة الدعاء. ٥ - أن العلماء قد صرحوا بأنه كثيرًا ما تقضي حوائج القبورية عند التجائهم إلى القبور وأهلها، ولكن لا لأجل أن للمقبور تأثيرًا في ذلك، بل يحدث ذلك

стр. 1197

استدراجًا من الشياطين لهذا القبوري المشرك الذي يستغيث بالأموات فتأتي الشياطين وتساعده في بعض حاجاته استدراجًا له، وازديادًا له في الإضلال والإغواء، بل قد تطيعه الشياطين فيقضون بعض حوائجه لما بينه وبينهم من الصلة والأخوة بسبب الشرك وعبادة غير الله تعالى من الاستغاثة بالأموات. وكثيرًا ما تتثمل له الشياطين في صورة صاحب القبر وتكلمه، فيرى أن القبر قد انشق وخرج منه المقبور وهو يظن أن ذلك الولي فيعانقه ويكلمه، فيعد ذلك من كراماته، وهكذا تلعب الشياطين بالقبورية والمتصوفة كما كانت تلعب بالكفار عبدة الأصنام. ٦ - قد يكون سبب كوني معقول لقضاء بعض حوائج المتصوفة عند بعض القبور، فقد يكون لأحد فرس مريض بمرض الإمساك الشديد، والقبض المؤلم بحيث لا يستطيع أن يتروث، فيذهب به صاحبه إلى بعض القبور التي يكون المقبور فيه كافرًا، أو فاجرًا، يعذب عذابًا شديدًا، ويصيح صيحات مرتفعة مخيفة مهولة، فيسمعها ذلك الفرس، فيخاف خوفًا شديدًا بحيث يسهل ويتروث من شدة الخوف، فيزول منه الإمساك فيتعافى، فيظن ذلك الرجل ـ صاحب الفرس ـ أن المقبور قد قضى حاجته، وشفى فرسه، مع أن الفرس قد تعافى بسبب الإسهال الذي حدث له لأجل خوف شديد لما سمع من صراخ ذلك المقبور الذي كان يعذب في قبره. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مثل هذه القصة في بعض كتبه.

стр. 1198

٧ - أن العلماء قد صرحوا بأنه لو سُلِّم صحة بعض تلك الحكايات فغاية ما فيها أن ذلك قد يكون سببًا لقضاء الحاجة، ولكن لا يلزم من ذلك جواز الاستغاثة بالأموات، والتضرع عند القبور، والالتجاء إلى أهلها لدفع الكربات وجلب المنافع؛ لأنه لا يجوز تناول كل سبب من الأسباب إلا ما هو مباح شرعًا منها؛ لأن الأسباب منها ما هو حرام، ومنها ما هو مباح، ولا ريب أن الاستغاثة بالأموات والالتجاء إلى القبور وأهلها لدفع البليات، وجلب المنافع من الأسباب المحرمة في دين الله تعالى، فلا يجوز تناول هذا السبب أبدًا؛ لأن الاستغاثة عبادة، بل مخ العبادة، فصرفها لغير الله شرك قطعًا. وكم من عبد دعا بدعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان ذلك سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، وكثير من الكفار والمشركين يدعون عند الأوثان فيستجاب لهم، وكثير من المقاصد تحصل بأسباب محرمة قطعًا كالسحر، والتكهن، وشهادة الزور، والفاحشة، والظلم، والسرقة، والخمر، بل الشرك، والكفر قد يحصل بهما بعض المقاصد، فليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون مشروعًا؛ فلا يجوز تعاطي الأسباب المحرمة لإنجاح المقاصد. فهذا الجواب يعرفنا أيضًا: أن الغاية لا تبرر الوسيلة كما هو لدى بعض الحركيين. ٨ - لا يمكن إثبات شرع الله تعالى بمثل هذه الحكايات من العوام والجهلة والمتصوفة، فإن هذه الحكايات إنما نسمعها عمن ليس قوله حجة من الحجج

стр. 1199

الشرعية؛ فلا يجوز إثبات الشرع بمثله ولا إثبات العبادات أيضاً بمثله. وإنما المتبع في إثبات الأحكام والعبادات إنما هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة، وهو سبيل السابقين الأولين من هذه الأمة؛ فلا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصًا، أو استنباطًا بحال أصلاً عند المسلمين. وإثبات الشرع بمثل هذه الحكايات إنما هو دأب اليهود والنصارى وأمثالهم ممن ينقلون عن غير الأنبياء؛ فإن لديهم مثل هذه الحكايات شيء كثير. ٩ - أن العلماء قد أجابوا عن تلك الأقوال التي يذكرها المتصوفة في كتبهم عن كثير ممن ينتسبون إلى العلم والفقه والفضل والزهد بأن بعض هذه الاقوال المنقولة عن هؤلاء ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب، أو قاله بقيود أو شروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه. وبعضهم قد لا يريدون بلفظة التوسل الاستغاثة بالأموات، ولكن المتصوفة حرفوا عباراتهم وجعلوا التوسل هو الاستغاثة بالأموات. ١٠ - أن كثيرًا ممن ينتمون إلى العلم والفضل والصلاح والزهد وقعوا في الشرك بالله، والاستغاثة بالأموات، وبأفعالهم، وأقوالهم الشركية، لأجل عادة العوام التي جروا عليها، لا لأجل أن لهم دليلاً شرعياً على ذلك، ولكن لما كان خطؤهم عن حسن قصد ونية صالحة، ونبهوا على خطئهم انتبهوا ورجعوا عن تلك الشركيات دون عناد أو إصرار.

стр. 1200

الشبهة الخامسة: شبهة الكرامة: وذلك؛ أن هؤلاء المتصوفة في اعتقادهم التصرف في الكون تجاه الأولياء والصلحاء يرون حصول هذه الأشياء لهم عن طريق الكرامة، إذ كرامات الأولياء مسألة ثابتة عند أهل السنة والجماعة (على شروط معينة ـ كما ستأتي ـ). لقد تشبثت المتصوفة لاعتقادهم التصرف في الكون، وتفريج الكربات تجاه أوليائهم الذين يستغيثون بهم عند الشدائد بقولهم: إنه يجوز الاستغاثة بهم عند الملمات، بحجة أن الله تعالى أكرمهم بالكرامات التي بها يقتدون على كشف كرب المكروبين، وإجابة دعاة المضطرين، وبها يتصرفون في الكون، وبها يعلمون حال الداعين، وبها يسمعون نداءهم. وهذه الشبهة من أهم الشبهات التي يذكرها عامة القبورية في كتبهم. ويقولون: إن الكرامة تظهر من الولي بقصده وبغير قصده. وقصدهم بذلك أن الأولياء لهم قدرة على التصرف في الكون، وأن ذلك منهم كرامة، وأن الكرامة لا تنقطع بعد الموت، وجازف بعض أئمتهم فقال: (الولي في الدنيا كالسيف في غمده فإذا مات تجرد منه، فيكون أقوى في

стр. 1201

التصرف). وهكذا نرى أئمة المتصوفة يصرحون بأن الأولياء أقوى تصرفًا وقدرة بعد الموت منهم في حياتهم. فينفع بعد مماته أكثر مما ينفع في حياته. يرد على هذه الشبهة بما يلي: إنه لا ملازمة بين الكرامات وبين الاستغاثة بصاحبها، لأن الكرامة لا تقتضي جواز الاستغاثة بصاحبها ولا تبيحها، بل الاستغاثة بأصحاب الكرامات ليست إلا طريقة أهل الأوثان، وأما أهل الإيمان فليس لهم غير الله دافع. فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وملك وولي أو غيره على وجه الإمداد إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره. إن الكرامة أمر خارق للعادة يظهرها الله تعالى على يد ولي من أوليائه بدون اختياره، وهي من فعل الله ولا يدللولي فيها، بل ليس للولي كسب في الكرامة.

стр. 1202

إن العلماء صرحوا بأن الكرامة بمعنى صدور أمر خارق للعادة تسلب بعد موت الولي. فإن الحكمة في صدور الكرامة ـ كما يقول العلماء ـ هو التثبت على الحق واليقين والاجتهاد في العبادة والاحتراز عن السيئات، وهذا لا يحتاج إليه بعد موت الولي، لأن عين اليقين يحصل بعد الموت، وما بعد الموت ليس وقت التكليف، ولأجل هذا صرح العلماء بأن الكرامة ليست مقصودة، وإنما المقصود هو الاستقامة. أن الكرامة لو ثبتت لشخص من الأولياء فإنه يجتهد في إخفائها ولا يركن إليها، ويخاف أن تكون من قبيل الاستدراج، ويسعى في أن لا يطلع عليه أحد، ويحاول كتمانه، خوفاً من الاغترار والاشتهار. وليس كل أمر خارق للعادة تعد من الكرامة، ولا دليلاً على الولاية، بل قد يكون الأمر الخارق للعادة من قبيل الاستدراج الشيطاني، والأحوال الشيطانية التي تصدر من الفسقة والفجرة، بل من الكفرة والمشركين، حتى أمثال فرعون، والسامري، والدجال، فلا يدل الأمر الخارق للعادة على أنه كرامة، فلا يقطع المتصوفة أن حصول شيء معين من كرامة ذلك الولي، بل ربما يكون استدراجًا، وهو لا يدري.

стр. 1203

إن كثيرًا مما يظنه المتصوفة كرامات ـ هي في الحقيقة ليست بكرامات لأولياء الرحمن، بل الحقيقة أن الشياطين قد تظهر لهم بصورة شيوخهم وأوليائهم، وأتوا بغرائب من الخوارق إضلالاً لهم واستدراجًا لهم، فيظنون أن هذه من كرامات الأولياء، وتتمثل لهم الشياطين فيظنون أن الولي الفلاني قد حضر للإغاثة، وأن فلانًا قد خرج من القبر، وأن الولي الفلاني قد كلمه أو عانقه، والشيطان ربما يقضي بعض حاجته، فيظن أن هذه من كرامات الولي مع أن هذه أحوال شيطانية تصدر من هؤلاء الشياطين. إن هؤلاء المستغيثين بغير الله كثيرًا ما ينادون الفسقة والفجرة، وتارة يطلبون المدد من الزنادقة والملاحدة، وأخرى يستغيثون بأعداء الله الكفرة، فهل هم من أولياء الله؟ وهل ما صدر منهم يعد من الكرامات؟ كلا بل هم من أولياء الشيطان وخوارقهم ليس إلا من الاستدراجات الشيطانية، ولكن المستغيثين بغير الله وصلوا من الحمق درجة لا ينتبهون لهذا مطلقاً.

стр. 1204

إن هؤلاء المتصوفة أكذب الناس على الإطلاق في نقل الكرامات، فكم من الكرامات نقلوا لأوليائهم وهي في الحقيقة من الكذب والافتراء على صاحب القبر. ثم إن للكرامة حدودًا وضوابط، فليس كل شيء يستطيع أن يفعله الولي مثلاً، ومن هذه الضوابط ما يلي: أ- أن يكون صاحبها مؤمنًا متقيًا. ب- ألاّ يدعي صاحبها الولاية. جـ - ألاّ تكون الكرامات فوق ما كان النبي ﷺ من المعجزات، إذ الكرامات لا تسبق المعجزات. فالكرامة التي يكرم بها أحد من هذه الأمة لابد أن يكون لها أصل من معجزات النبي ﷺ كما نص عليه العلماء. الشبهة السادسة: شبهة المجاز العقلي: لقد تشبثت هؤلاء المتصوفة لتبرير شركهم، وتجويز استغاثتهم بالأموات عند نزول النوازل وإلمام الملمات، لجلب الخيرات ودفع المضرات بشبهة

стр. 1205

أخرى، وهي: أن تصرف الأولياء في الكون وشفاءهم للأمراض، وكونهم يدمرون الأعداء وينصرون الأولياء، ويغيثون المستغيثين إنما نقصد بذلك المجاز العقلي! فالمتصرف في الكون هو الله في الحقيقة، والشافي للأمراض هو الله في الحقيقة، والناصر والمغيث هو الله في الحقيقة، وهو النافع الضار في الحقيقة، وهو الفاعل في الحقيقة، ولكن نسبة ذلك كله إلى الولي نسبة المجاز العقلي، لا على وجه الحقيقة. وهذه هي شبهة المجاز العقلي، وهي من أعظم شبهات المتصوفة المشركين بالله قديمًا وحديثاً. يجاب عن هذه الشبهة بما يلي: إن وجود المجاز في اللغة ثم وجود المجاز العقلي مسألة مختلف فيها حتى عند البلاغيين فضلاً عن عدم وجود من قال به من السلف قبل الجهمية والمعتزلة. لو فتح هذا الباب من التأويل لما وجد الشرك، ولما حكم بالكفر على أحد

стр. 1206

أبدًا، وإن سب الله تعالى، وسب الأنبياء ﵈، ولو أنكر البعث والحشر والنشر، وأباح الفواحش، وادعى الألوهية، مثلاً يكون معنى قول القائل: (الرسول خالق السموات والأرض): رب الرسول ـ بحذف المضاف ـ، ومعنى قول فرعون فيما حكاه الله عنه بقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى): (أنا أقول لكم: ربكم الأعلى) ـ بتقدير القول ـ، وكذلك يكون معنى من قصد الأصنام وتضرع إليها: أنه يدعو الله الذي هو مالك الأصنام، ويتضرع إليه تعالى ـ بحذف المضاف ـ، فما ذكره أحد من المسلمين بهذه التأويلات الفاسدة أبدًا. إن هؤلاء المستغيثين بغيرا لله وأصحاب اعتقاد التصرف في الكون لغير الله أكثرهم عوام جهال لا يدرون المجاز العقلي الذي اصطلح عليه المجازيون والبلاغيون، ولا يعرفون هذه المسألة. ومعلوم أن إرادة الشيء فرع من تصوره. إنهم يعتقدون في أهل القبور التصرف والإعطاء ولا يفهمون إلا أنهم أهل للإعطاء والإيجاد، ويسمونهم أقطاباً وأغواثاً. إنهم إذا نذروا للأموات وتأخروا في إيفاء نذرهم للأموات فيصابوا بسبب ذلك بمصيبة وبلية، يقولون: إن الشيخ الفلاني أصابني بالمصيبة؛ لأني لم أوف بنذره، وهكذا يحذرون من شرورهم. وهذا دليل صريح على أن هؤلاء لا يقصدون المجاز في أقوالهم وعقائدهم، بل يريدون الحقيقة ونسبة الفعل

стр. 1207

إلى هؤلاء الأولياء والصلحاء ـ كما يزعمون ـ الأموات على الحقيقة، فلا شائبة في كلامهم للمجاز العقلي ألبتة. إن المشركين الذي أنزل الله فيهم القرآن إنما كانوا يدعونهم شفعاء لهم عند الله، وكانوا يقولون: إنما ندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى، أي منزلة ودرجة، ويشفعوا لنا في حاجاتنا، إذن أنهم لا يعتقدون في أصنامهم إلا بمثل اعتقاد المتصوفة في أوليائهم بأنهم لا يعطون شيئًا ولا يدفعون شيئًا، وإنما المعطي والدافع هوا لله، ولكن هؤلاء الأصنام والمعبودات من دون الله ما هم إلا للمنزلة والدرجة، ومع ذلك وسمهم الله بسمة المشركين، وحاربهم الرسول الأمين في حياته كلها، فما الفرق بين القول بالمجاز وبين القول بالزلفى والقربة والمنزلة؟ ، وإذا ثبت هذا تبين أن هؤلاء المتصوفة أشد شركًا منهم؛ لأنهم اعتقدوا فيهم القدرة والملك، والتصرف في الكون، بل الإحياء والإماتة وغيرها من الكفريات. إن النسبة المجازية ـ على فرض وجود المجاز ـ هي نسبة الفعل إلى غير الفاعل الذي صدر منه ذلك الفعل، لا يخلو من أمرين: أحدهما: لكونه ظرفاً للفعل، كقول القائل: (أنبت الربيع البقل)؛ أي: (أنبت الله البقل في وقت الربيع). ثانيهما: لكونه سببًا في صدور ذلك الفعل، كقول القائل: (بنى الأمير المدينة)؛ أي: (بنى المعماري المدينة بأمر الأمير ونفقته). وإذا عرف هذا، فإن الذي ينادي ميتًا، أو حيًا غائبًا، ويستغيث به، ويقول: يا فلان! أغثني، أو اشفني أو أنجني مثلاً لا ينطبق عليه أنه ناداه واستغاث به مجازًا من ناحية كونه ظرفًا للفعل؛ لأن الميت والغائب ليسا بظرف للفعل، فلا

стр. 1208

يقال: إن الميت أو الغائب ظرف للنداء أو الإغاثة أو الشفاء أو الإنجاء، حتى يقال: إن هذه النسبة مجازية، والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، فهذا المجاز لا يتصوره أحد، ولا يصح في مثل هذه الصورة ألبتة. وأما الصورة الثانية من المجاز التي هي: أن هذا المنادي المستغيث يقصد: أن الشافي والناصر والمنجي والمغيث هو الله تعالى في الحقيقة، ولكن يرى أن الولي الفلاني الذي يستغيث به ويناديه هو مجرد سبب لذلك. فيقال لهم: إن هذا الاحتمال أيضاً غير وارد، ولا يصح المجاز في هذه الصورة أيضاً، لأن هذا المنادي المستغيث بهذا الولي الميت، أو الحي الغائب، لابد له من أن يعتقد فيه عقائد ثلاثاً: الأولى: أن هذا الولي الميت أو الحي الغائب يسمع صوته ونداءه فوق الأسباب العادية. الثانية: أنه يعلم بحاله ويطلع على مصيبته. الثالثة: أن يعتقد فيه أنه يقضي حاجته بأن يشفع له عند الله. فلابد من هذه العقائد الثلاث، وإلا لا يمكن جعله سببًا. وإذا تحقق أنه لابد من أن يعتقد هذا المنادي المستغيث في ذلك المنادى المستغاث ـ الميت أو الحي الغائب ـ السمع المطلق، والعلم المطلق، والقدرة المطلقة، ومعلوم أن هذه كلها من صفات الله الخاصة به سبحانه، فالميت أو الحي الغائب لا يسمع نداء المستغيث، ولا يعلم بحاله ولا يطلع على مصيبته، فقد قال تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، وقال تعالى: (وَهُمْ

стр. 1209

عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ). ثم إننا لو أولنا إسنادهم الأمور إلى غير الله واستغاثتهم بغير الله وطلب النفع ودفع الضر من غير الله باحتمال المجاز العقلي فماذا نفعل بأعمالهم الشركية فهل يمكن تأويلها أيضاً بالمجاز؟ وإذا قلنا نؤول، فبأي شيء نؤول سجودهم على أعتاب الأضرحة وطوافهم بالقباب، وذبحهم للقرابين وبذلهم النذور؟ فهل هذه الأعمال الشركية والأفعال الكفرية أيضاً: من باب المجاز؟ إن من المعروف أن التأويل والمجاز ـ حتى عند القائلين بهما ـ لا يذهب إليهما إذا إذا كان غير منصوص، وأما إذا كان منصوصاً مثل الأبيات الشعرية التي أوردناها والحكايات التي ذكرناها عن المتصوفة فلم يقل أحد بأن في المنصوص أي مجاز، وإنما المجاز ـ على رأي القائلين به ـ يكون على الظاهر المحتمل له. الأهم من هذا كله هو أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم، وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذا هو حجة من يرى المجاز العقلي، ويبيح إسناد الأمور الخاصة بالله في ربوبيته وألوهيته لغير الله، فلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله تعالى على المجاز العقلي، ويمنع من الحكم عليه بالشرك؛ لكان الله تعالى أعذر المشركين الذين يعتقدون التسبب والوساطة، ولحكم بالكفر على من يعتقد الاستقلال فقط. ولكن الله حكم بالكفر على هؤلاء المشركين القائلين بالتسبب والتوسط، كما سيأتي ذكرهما في الشبهة التالية.

стр. 1210

وبهذا بطل دعوى المجاز الذي يتشبثون به قديمًا وحديثًا. الشبهة السابعة: شبهة الكسب والسبب: تشبثت المتصوفة بهذه الشبهة لتبرير شركهم بالله، واستغاثتهم بالأموات، عند إلمام الملمات ونزول النوازل والكربات لدفع المضرات وجلب الخيرات، وتبرير أكاذيبهم وكفرياتهم وعقائدهم الباطلة من التصرف في الكون، والإحياء والإماتة، والقدرة، والعلم بالغيوب، وتسخير الأمور وغير ذلك. فقالوا: إن الاستغاثة بالأنبياء والأولياء من أعظم الأسباب لاجتلاب البركات، واستنزال الرحمات والخيرات، واستجابة الدعوات وسرعة قضاء الحاجات، والتوسل بهم من قبيل الأخذ بالأسباب. وليس ذلك من باب الشرك بالله ولا من قبيل عبادة غير الله، وإن طلب الغوث منهم على سبيل الكسب والتسبب، ومن الله تعالى على سبيل الخلق والإيجاد. وغاية ما يعتقد الناس في الأموات أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء، لا أنهم خالقون موجدون، والتسبب والتكسب مقدوران للميت، وفي إمكانه كالحي، فمن يستطيع أن يقول: إن ذلك شرك؟ . هذه كانت شبهة الكسب والسبب التي يتشبث بها المتصوفة قديمًا وحديثًا. يجاب عن هذه الشبهة بما يلي: إن احتمال التكسب والتسبب في الاستغاثة بالأموات المقبورين،

стр. 1211

والأحياء الغائبين لا يمكن صحته ولا يتصور وقوعه، لعدم قدرتهم على ذلك، فاحتمال الكسب والسبب هنا باطل من أساسه، يقول الآلوسي: (فإن قلت: إن للمستغاث بهم قدرة كسبية وتسببية، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى ... قلنا له: إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلا الله، أو السؤال بما لا يعطيه ولا يمنعه إلا الله، وأما فيما عدا ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس واستغاثة بعضهم ببعض ـ فهذا شيء نقول به ولا نمنعه ولا ننكره، ونعد منعه جنونًا، كما نعد إباحة ما قبله ـ وهو ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ـ شركًا. والعراقي ـ عامله الله بعدله ـ أورد نصوص المباح في الممنوع، واستدل بدلائل المشروع على غير المشروع ... وكون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، فتحقق أنه لا يستغاث به ـ أي بالعبد ـ، ولا يتوكل عليه، ولا يلتجأ في ذلك إليه إلا بالله وعليه وإليه. فلا يقال لأحد ـ حي، أو ميت، قريب، أو بعيد ـ: ارزقني أو أمتني، أو أحي ميتي، أو اشف مريضي ... ). أن الاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات على أن هؤلاء الأموات سبب في دفع المضرات وأنهم من الأسباب لجلب المنافع والخيرات هي بعينها عقيدة المشركين السابقين، فإن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم وآلهتهم التي عبدوها مع الله إلا التسبب والتوسل والتشفع، ليس إلا، ولم يدعوا الاستقلال، والتصرف لأحد دون الله، ولا قاله أحد منهم سوى

стр. 1212

فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربه؛ وقد قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا). فهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده، قال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم بدعاء غيره: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ)، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). فأخبر أنهم تعلقوا على آلهتهم، ودعوهم مع الله للشفاعة، والتقريب إلى الله بالجاه والمنزلة، ولم يريدوا منهم تدبيرًا، ولا تاثيرًا، ولا شركة، ولا استقلالاً. إن الأموات ليسوا من أسباب قضاء حوائج المستغيثين بهم في شرع الله ، فأين في شرع الله تعالى: أن الله جعل الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك سببًا لقضاء حوائج المستغيثين بهم؟ بل شرع الله تعالى كله على نقيض ذلك. يقول السهسواني في صيانة الإنسان: (ونحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، ولكن نقول: من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببًا في الأمور التي لا يقدر عليه إلا الله؟ ! ومن ذا الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب ـ من البشر كان أو غيره ـ كان ذلك سببًا في حصول الرزق، والنصر، والهدى، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن ذا الذي

стр. 1213

شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعله من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ ! فإن هذا المقام يحتاج إلى إثبات مقدمتين: إحداهما: أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله. والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها ... ). ولو سلمنا ـ جدلاً ـ أن الأموات والاستغاثة بهم سبب لقضاء الحاجات فإن قضاء هذه الحاجات لا يكون إلا سببًا كونياً فحسب، لا سببًا شرعيًا، وكم من الأشياء هي أسباب كونية للمنافع، ولكنها لما كانت محرمة في شرع الله، لم يصح كونها أسباباً شرعية، فلا يجوزت عاطي أي سبب إلا إذا علم أنه سبب شرعي وأمر مباح. الشبهة الثامنة: شبهة الشفاعة أو شبهة الاستقلال: وهي: أن الصالحين أحياءً وأمواتًا يشفون للمستغيثين بهم عند الله ، والله يقبل شفاعتهم فيهم فتقضى حوائجهم. هذا حاصل تقرير المتصوفة لشبهة الشفاعة وهي في الحقيقة شبهة الواسطة. ولكن غيروا العبارة موهمين أنها من الأدلة لهم على ما يزاولونه، وقد سبق الرد على جوانب هذه الشبهة في الرد على الشبهة الثانية، وإنما يكتفي هنا ببيان معنى الشفاعة وهل يصح الاستدلال بها أم لا؟ .

стр. 1214

فيقال في الرد عليهم: الشفاعة في اللغة: شفع، يشفع، شفاعة، وتشفع: طلب. والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيرها، وشفع إليه: في معنى طلب إليه، والشافع: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب. فمعنى الشفاعة: الدعاء. وعلى هذا يفسر موارد اللفظ في القرآن والسنة، في لفظ الشفاعة. وأصله في الجمع والضم، ومنه يقال: الشفع بمقابل الوتر، ويطلق على الشفيع لأنه يكون إلى جانب من يشفع له. فهذه الشفاعة لها حكمها في الإسلام، حيث جاءت آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، فبعضها تنفي الشفاعة مطلقاً عن أحد غير الله يوم القيامة، مثل قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)، وقوله تعالى: (لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ)، وقوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وهناك آيات أخرى ذكر الله فيها أن الشفاعة موجودة يوم القيامة، مثل قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ)، وقوله تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ)، وقوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا

стр. 1215

تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى). وغير ذلك من الآيات في الذكر الحكيم. وهناك آيات أخرى ذكرت الانتفاع بالشفاعة يرضى الله، واتخاذ الشافع والمشفوع له عهدًا عند الله. مثل قوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)، وقوله تعالى: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)، وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا). وآيات أخر لا تخفى على من تتبع ما في الباب من آيات. فإذا تبين أن الله ﵎ قد نفى في كتابه شفاعة، وأثبت شفاعة، وجب على طالب الحق أن ينظر في هذه الشفاعة المنفية، والشفاعة المثبتة، ومعنى هذه وهذه، حتى لا يضل في هذا الأمر الذي ضل فيه فئام من أمة محمد ﷺ ، وإنما كان سبب ضلالهم أن كل فرقة أخذت بآية وبنت عليها أحكام ولم تتتبع آيات الشفاعة في القرآن، فضربوا كتاب الله بعضه ببعض. والقرآن حق كله، والحق لا يناقض حقاً أبدًا. فالآيات الأولى دلت على أن هناك شفاعة منفية ليست لأحد من الخلق، وهذه الشفاعة هي ذلك النوع الذي يظنه المشركون في الجاهلية. وأولئك المشركون ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره، وهذا

стр. 1216

أصل ضلال النصارى أيضاً. فمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق ينفع عند الله مثل أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه، أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم ويرجوهم، فيجيب سؤاله، لأجل رجائه أو خوفه منهم، أو أن لهم حقاً عنده يوجب عليه الإجابة فيمن يشفعون فيه عنده، وإن كان يكره شفاعتهم، ويشفعون بغير إذنه. فهذه الشفاعة هي التي نفاها الله جل وعلا في الآيات الأول، وهي أن يكون للشافع حق عند الله كما للشفعاء حق عند الملوك ونحوهم. وهذا النوع الشركي هو الذي أشرك به من أشرك بالله، واتخذ وسائط يسألهم الشفاعة. كما كان يفعله النصارى، وأشباههم في ذلك من هذه الأمة، ويعتقدون أن لهم أن يسألوا المقبورين من الأنبياء والصالحين شفاعتهم، وهم يعتقدون أن لهم حقاً عند الله به يجيب شفاعتهم ولا يرد شفاعتهم. وحقيقة هذه الشفاعة عند المتصوفة والضلال من هذه الأمة: طلب الشفاعة من غير الله على جهة أن المطلوب يملك الشفاعة ويستحق الإجابة على الله، وذلك لا شك تنقص لربوبية الله تعالى وتقييد لمشيئته وإرادته ، فالكلام في استحقاق الله للشفاعة وكونها حق خالص له وحده فرع عن الكلام في إرادة الله وعمومها وشمولها وكونها نافذة في جميع مخلوقاته. فمن أثبت لغير الله حق الشفاعة عند الله فقد قيد إرادة الله بإرادة المخلوق وجعل إرادة المخلوق نافذة وحاكمة على إرادة الله سبحانه. بينما المخلوق هو الذي لا يكون له فعل إلا بإرادة الله تعالى، فمشيئة المخلوق محكومة بمشيئة الله،

стр. 1217

وقد قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). فالعبد هو الذي تقيد مشيئه بمشيئة الله، وليس الله هو الذي تقيد مشيئته بمشيئة العبد، ولأن مشيئة الله نافذة على كل مخلوق، وهو سبحانه لا مكره له ولا استحقاق لأحد عليه، فمقتضى ذلك أن لا يكون لأحد حق الشفاعة عنده، بل الشفاعة لله وحده يأذن فيها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء. ولهذا نفى الله سبحانه أن يكون غيره يملك الشفاعة من دونه في آيات كثيرة، وقد سبق إيراد بعض هذه الآيات فيما قبل. فهناك شفاعة منفية وشفاعة مثبتة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التفريق بين الشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة: (الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته. فأما إذا أذن له أن يشفع فشفع، لم يكن مستقلاً بالشفاعة، بل يكون مطيعًا له؛ أي تابعًا له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولاً، ويكون الأمر كله للآمر المسؤول). والله مع أنه مالك الشفاعة فإنه قد يأذن فيها لمن يشاء من عباده، ولا يلزم من ذلك أن يكون المأذون له في الشفاعة قد ملكها مع الله، بل هي لله وحده قبل الإذن وبعده. وإنما يكرم بها الله بعض عباده، ويشرفهم فيقبل شفاعتهم إذا كانت شفاعتهم عنده مرضية شرعًا. فحقيقة الشفاعة: إظهار كرامة الشافع وإرادة رحمة الله للمشفوع، وإلا فالأمر كله بيد الله، ليس فيه أي حق لنبي مرسل ولا لملك مقرب، ولا لأحد من خلقه مطلقاً.

стр. 1218

كما أنه لا يلزم أن من أذن الله له في الشفاعة وأكرمه بذلك أن يكون الإذن له مطلقاً؛ لأنه لا فرق في الحقيقة بين ملكية الشفاعة والإذن المطلق فيها، وإنما يكون الإذن مقيدًا في كل شفاعة على الخصوص. ولهذا لم يقبل شفاعة بينا محمد ﷺ في أمه، ولا في أن يستغفر لبعض المنافقين، كما لم يؤذن لإبراهيم ﵇ في أبيه، ولا لنوح ﵇ في ابنه، مع أنهم أعظم الناس جاهًا ومنزلة عند الله، وإنما منع قبول الشفاعة منهم عدم رضى الله عن عمل المشفوع لهم لكونهم على الكفر، وسيأتي الكلام عن هذا قريباً. ومن كل ما تقدم يتبين لنا أن من جعل المرجح والأصل في قبول الشفاعة مجرد إرادة الشافع، وأنه يشفع عند الله كما يشفع خواص الملوك ومن لهم منزلة عندهم، فإنه يكون بذلك مشركًا؛ لأ، هـ قد جعل على الله ضرورة من غيره، وقيد إرادة الله ومشيئته بإرادة المخلوق مهما كان جاهه ومنزلته عند الله، فإنه بهذا الاعتقاد وقع في الشرك في قدرة الله الكاملة، حيث تدخل فيه بعنصر خارجي. وحقيقة الإذن للشافع في الشفاعة أن يقبل منه شفاعته فتكون نافعة، كما ذكره تعالى: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا). والمقصود من الآيتين: أن الشفاعة عنده لا تنفع إلا من أذن له فقبل شفاعته التي تتضمن الشفاعة بما يحبه الله.

стр. 1219

فالشفاعة لا تقبل عند الله إلا بشرطين اثنين: الرضا عن الشافع، والإذن له، ولابد أن تكون الشفاعة موافقة لشرع الله، فهذا هما شرطا الشفاعة المقبولة. ١ - أما اشتراط الرضا عن الشافع فقد ورد في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). يقول ابن كثير: (هذا استثناء منقطع؛ أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له). فهذه القاعدة التي ذكرها ابن كثير ﵀ هنا عامة في كل آية تنفى فيها الشفاعة، أو ينفى ملكها، ثم يستثنى فيها الإذن للشافع الذي ﵁. وليس المقصود نفي الشفاعة مطلقاً؛ لوجود الاستثناء فيها، وليس الاستثناء متصلاً؛ لأن المأذون له في الشفاعة لا يؤذن له فيها إذنًا مطلقاً، ولا يملكها بمجرد الإذن فيها. ومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)، وقوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى)، وقوله تعالى: (لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى). فرضا الله عن الشافع شرط في الإذن له في الشفاعة. هذا عن شرط الرضى عن الشافع لكي يأذن له. فهذا الشرط يتضمن شرطين في الحقيقة، هما: الرضا عن الشافع، وإذنه

стр. 1220

للشافع بالشفاعة. ٢ - أما شرط كون الشفاعة مرضية لله أيضاً فقد جاءت آيات تنص على ذلك كمثل قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا). وقد تقدم أن الإذن للشافع لا يكون إلا إذا ﵁، ولا يرضى عنه إلا إذا كان على التوحيد. وأما رضى الله لقوله فالمقصود رضاه لشفاعته، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت حقاً وصواباً. وقوله تعالى: (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا). موافق لقوله تعالى في الآية الأخرى: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا). فإذا لم تكن الشفاعة بالحق والصواب لم تقبل ولو تحقق الشرط الأول الذي هو الرضى عن الشافع. ولهذا لم يقبل الله شفاعة نبيه محمد ﷺ في أن يستغفر لأمه، بل قال ﷺ : ((استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي)). ولم يأذن الله له ﷺ ولم يقبل شفاعته في بعض المنافقين مع استغفاره لهم، بل قال تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ).

стр. 1221

والسبب في ذلك: أنهم ماتوا على الكفر، والكافر لا يغفر الله له. ومثل ذلك شفاعة إبراهيم ﷺ في أبيه أن يدخله الله الجنة فلم تقبل شفاعته، وقد جاء في الصحيح مصرحًا هذا بأن الرسول ﷺ قال: ((يلقى إبراهيم أباه فيقول: يارب، إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين)). فالسبب في عدم قبول شفاعة إبراهيم ﵇ مع عظيم منزلته عند الله هو كفر أبيه وأن الله لا يدخل من كان كافرًا الجنة. ومثل ذلك أيضاً: شفاعة نوح ﷺ في ابنه أن ينجيه الله من العذاب العام الذي حل بالقوم الكافرين الذين كذبوه وكان منهم ابنه، ولكن ما قبل منه، بل قال تعالى: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهاً). ولا يناقض ما سبق كونه ﷺ يشفع في عمه أبي طالب، لأن شفاعته فيه ليست في إخراجه من النار ولو شفع في ذلك لعمه أبي طالب لم تقبل منه؛ لأنه مات على الكفر، كما لم يقبل شفاعته ودعاءه ﷺ في أبويه. وإنما شفاعته لأبي طالب لتخفيف العذاب عنه.

стр. 1222

وخلاصة الكلام: الشفاعة تنقسم إلى قسمين: الأول: الشفاعة في الدنيا إلى الأحياء: وهي مشروطة بشرطين: أ- ألاّ يكون في حد من حدود الله. ب- ألاّ يترتب عليه تحليل حرام أو تحريم حلال. الثاني: الشفاعة في الآخرة: وهي مشروطة أيضًا بشرطين هما: أ- الرضا من الله على الشافع. ب- كون الشفاعة مرضية لله أيضًا، وبالتالي: الإذن ـ أو الأمر ـ له تفضلاً منه وكرمًا. فهذا هو معنى الشفاعة وأسباب حصولها، ولكنه في مفهوم الناس غير هذا، كما سبقت الإشارة إليه ويتمثل ذلك في قولهم: (فالقائل: يا نبي الله اشفني، واقض ديني، لو فرض أن أحدًا قال هذا، فإنما يريد: اشفع لي في الشفاء، وادع لي بقضاء ديني، وتوجه إلى الله في شأني، فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه، وملكهم إياه من الدعاء والتشفع). ففي هذا النص نرى شيئين واضحين: أ- اعتقاد المتصوفة: أن الرسول ﷺ يشفع لهم الآن إذا سئل منه، وأن شفاعته مقبولة مطلقاً. ب- اعتقادهم أن الرسول قد ملك هذا الأمر فلا يحتاج إلى الإذن ـ الذي هو

стр. 1223

الأمر من الله سبحانه بخصوص الشفاعة ـ. وقبل أن نرد على هاتين الشبهتين يحسن بنا أن نذكر الأدلة التي يتشبثون بها على هذا المعتقد، فأقول: إن للمتصوفة تجاه هذا المعتقد ثلاثة أنواع من الاستدلالات. منها: استدلالهم ببعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة ولكنها لا تدل على المدّعي بأي شكل من الأشكال، بل تدل على ضد مقصدهم. فمثلاً تراهم كثيرًا ما يستدلون بحديث الشفاعة العظمى في ميدان المحشر بأن الرسول ﷺ له حق الشفاعة مطلقاً، ولكنهم لا ينظرون إلى آخر الحديث الذي فيه: ((ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع)). حيث هذا الجزء من الحديث دل دلالة صريحة على أن الرسول ما بدأ بالشفاعة حتى أذن له بها، وأمر بها. ومنها: استدلالهم ببعض الأحاديث الموضوعة والواهية: مثل ما روي: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)). ومعلوم أن هذا من الأحاديث الواهية المكذوبة على الرسول ﷺ عند المحققين. ومنها: قياسهم الخالق على المخلوق، حيث إن المخلوق غالباً يتوسط في الوصول إلى الكبار للحصول على مقاصدهم فيقيسون الخالق عليه للوصول إليه. وقد سبق معنا أن هذه هي الشبهة الرئيسة للمشركين الأولين والآخرين وقد أطلنا الكلام في الرد عليها في شبهة الواسطة فلينظر ها هنا.

стр. 1224

أما الرد على معتقداتهم في باب الشفاعة التي تم إيرادها آنفاً: فيرد عليهم بما يلي: الرد على شبهة جواز طلب الشفاعة من الرسول أو الأولياء وأنه يشفع لمن يطلب منهم الشفاعة، وأن شفاعتهم مقبولة مطلقاً فلا عبرة باشتراط الإذن: هذه العقيدة مشتملة على ثلاثة أشياء كلها باطلة: الأول: جواز طلب الشفاعة من الرسول بعد موته. الثاني: أنه يشفع لهم. الثالث: أن شفاعة الرسول مقبولة مطلقاً. أما الأول: فنقول في الرد عليه: ليس هناك دليل يدل على جواز طلب الشفاعة من الرسول ﷺ بعد موته، بل الأدلة صريحة في المنع من وجوه عدة. منها: ما مر معنا أن الشفاعة بمعنى الدعاء، والدعاء هو العبادة، ولا يجوز العبادة لغير الله مطلقاً، سواء كان نيباً مرسلاً أو ملكًا مقرباً. ومنها: أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ كان شأنهم أن يأتوا إلى النبي ﷺ في حياته، وأما بعد موته فما كانوا يأتون إليه، بل أجمع أهل القرون الثلاثة المفضلة على أمرين: الأول: عدم مشروعية طلب الشفاعة منه في قبره، وإنما ظهر خلاف من خالف من شذاذ الناس بعد نشاط الدعوات الباطنية كالإسماعيلية والفاطمية، ومن تأثر بها كالموسوية الجعفرية وشبهها، فروجوا هذا في الناس، فأشكل على بعضهم. فقد كان المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة لا يعرفون طلب

стр. 1225

الشفاعة منه بسؤاله إياها، بل مضى الخلفاء الراشدون ولم يسأل أحد منهم نبي الله الشفاعة بعد موته، ولوكانت مشروعة لكانوا أحرص عليها، ولم يتركوا طلبها منه بعد موته، فلو لم يكن تغير نوع الحياة له أثر عندهم لما تركوا ذلك. وكذلك مضى التابعون وتابعوهم بإحسان وتابعوهم. حتى نشطت الدعوات الباطنية التي تسترت بالتشيع لأهل بيت النبي ﷺ ، بل إنهم ألفوا الكتب باسمهم، وهذا ظاهر لمن درس حركة إخوان الصفا والعبيديين. فالمقصود من هذا: أن الاستشفاع بالنبي ﷺ بسؤاله الشفاعة بعد موته محدث أحدثه الباطنيون. الثاني: ـ وهو الأهم ـ أن أهل السنة مجمعون على أن للنبي ﷺ أنواعاً من الشفاعة يشفع بها، ولم يذكروا منها طلبها منه في قبره، بل كلها يوم القيامة. وأما الرد على الدعوى الثانية: بأن الرسول ﷺ يشفع الآن في قبره، فيقال: أولاً: شفاعة الرسول ﷺ في قبره لأمته ليس عليه دليل صحيح لا من الكتاب والسنة ولا من العقل، إذ انتقل الرسول إلى دار غير هذه الدار وهي دار الآخرة، وحياة الرسول في قبره حياة برزخية، لا يدري كنهها إلا الله، ولم يخبرنا الرسول عن حقيقة هذه الحياة، فقياس الحياة البرزخية على الحياة الدنيا قياس مع الفارق. ثانياً: لم يأت نص صحيح دال على شفاعة النبي ﷺ لمن يتشفع به، بل النصوص كلها متضافرة على أن الرسول ﷺ إنما يشفع يوم القيامة، فإنه قد جاء في حديث الشفاعة، ((أول شافع أول مشفع))، وهذه الشفاعة هي الشفاعة

стр. 1226

العظمى لأهل الموقف بالنص والإجماع. فهذا قوله ﷺ نحكمه على من ادعى محبته وتصديقه، فقوله: ((أنا أول شافع وأول مشفع)) يقتضي أولوية مطلقة لا استثناء فيها، على كل من قامت قيامته. ومن زعم أنه بعد موته في قبره يشفع وأن الصالحين يشفعون بعد موتهم في قبورهم فلا معنى لقوله: ((أنا أول شافع)) عند ذلك الزاعم، إذ لو كان النبي ﷺ يشفع في قبره لكان يشفع من حين موته إلى أن ينفخ في الصور، وحينئذ فلا معنى لقوله: ((أنا أول)) إذ لو كان يشفع في قبره لانتفى تخصيصه ﷺ بهذه الفضيلة يوم القيامة. فإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع وبعد قيام قيامة الناس يشفع، فأي معنى لقوله ﷺ : ((أنا أول شافع))؟ ! فإذا كان هذا في حق النبي ﷺ فما ظنك الآخرين؟ ! الرد على الدعوى الثالثة التي فيها: إن شفاعته ﷺ مقبولة مطلقاً، يقال في الرد عليها: هذا غلط: فإن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يرد، وليس كل ما دعوا به أجيب، بل ربما امتنعت الإجابة لحكمة يعلمها الله عزوجل، إما أنه قد سبق في القضاء ما يخالف ما دعوا به، وإما لأنهم دعوا وشفعوا فيمن لمن يرض الله قوله، أو نحو ذلك من الموانع. ومن المتقرر في الكتاب والسنة أن الأنبياء ليس لهم حق في أن يجاب جميع ما دعوا به، ودعاؤهم حري بالإجابة وهم أرفع من غيرهم من أممهم، فإجابة سؤالهم إما إعطاؤهم عين ما سألوا، أو تأخير ذلك بالأجر الجزيل لهم. وقد سبق معنا بيان نماذج من أدعية الأنبياء التي ما قبلت، منها دعوة محمد ﷺ في أمه، ودعوة نوح ﵇ في ابنه، ودعوة إبراهيم ﵇ في

стр. 1227

أبيه، فإذا كان هذا حال من هو مقرب إلى الله بلا شك، مع من هم أقرب لديهم، فكيف إجابة الدعاء لمن ليسوا بأقرباء لهم؟ وكيف بمن هو أبعد الناس لهم في سيرهم وهديهم وسننهم؟ وكيف حال غير الأنبياء كالصالحين الذين هم صالحين لدينا وربما يكونون من أخبث الخلق عند الله؟ قال الحافظ في الفتح: (دعواتهم على رجاء الإجابة). وقال آخر: (إن لكي نبي دعوة مجابة ألبتة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهو على رجاء إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب). الشبهة التاسعة: شبهة التبرك: سبق معنا بيان معنى التبرك، وقد جاء فيه أنه بمعنى طلب الخير واستدامته، ومعلوم أن جلب الخير ودفعه ليس في قدرة البشر، وإنما التبرك من الله، وقد جعل الله في الدنيا أشياء مباركة، ولكن ليس منها طلب الخير ودفع الشر من غير الله كالأنبياء والرسل بعد موتهم بذواتهم، كما أنه ليس منها طلب الخير ودفع الشر بالأولياء والصالحين. فالمتصوفة الذين يرون أن الاستغاثة والدعاء والتوجه إلى غير الله ما هي إلا تبرك بهؤلاء الكرام على حصول المقصود غير مشروع أصلاً، فلا يجوز التبرك في غير ما ورد عن الله ورسوله ﷺ ، وهؤلاء المتصوفة الذين يتبركون بالقبر، إن كان قصدهم طلب الخير والنماء من المتبرك به فلا شك أنه كفر وشرك أكبر، وإن كان مقصدهم: طلب الخير والبركة من الله ولكن بواسطتهم فلا شك أنه بدعة مذمومة، بل ربما

стр. 1228

يكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد ذلك سببًا، فإن اعتقاد ما ليس بسبب مشروع سببًا شرك أصغر. الشبهة العاشرة: تشبثهم بسوء فهمهم لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: ومن هذه الآيات والأحاديث ما يلي: فمن الآيات: أ- قوله تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ). ب- قوله تعالى: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ). جـ - قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ). د- قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ). هـ - قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى). و- قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). ز- قوله تعالى: (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ).

стр. 1229

فهذه بعض الآيات الكريمات التي استدل بها بعض المشركين بالله جل وعلاه على تبرير عملهم الشركي؛ من الدعاء والاستغاثة والنداء والاستعانة والتشفع والالتجاه إلى غير الله. أما الأحاديث النبوية التي استدلوا بها على تبرير شركهم في كثيرة، أبرزها ما يلي: أ- حديث الشفاعة العظمى. ب- أحاديث ترغيب المسلم في قضاء حاجة أخيه. الجواب عن الاستدلال بهذه الآيات والأحاديث: إن الذين استدلوا بهذه الآيات والأحاديث هم في الحقيقة ملبسون، ومحرفون الكلم عن مواضعه، ويتلاعبون بنصوص الكتاب والسنة، ويضعون النصوص الشرعية في غير موضعها؛ لأن هذه النصوص إنما تدل على جواز مناصرة بعض الناس بعضاً، واستغاثة بعضهم ببعض فيما يقدرون عليه، وهو المعنيّ بما تحت الأسباب. ولا تدل إطلاقاً بحال من الأحوال على جواز استغاثة الناس بعضهم ببعض فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو المعنيّ بما فوق الأسباب. ولكن هؤلاء الملبسين تراهم يستدلون بنصوص الاستغاثة المباحة على

стр. 1230

الاستغاثة المحرمة الشركية، كدأب أهل التحريف من اليهود والمتفلسفة المتكلمة الجهمية، ولعل بعضهم لجهله لم يتصور محل النزاع، ولا عرف منار البحث والدفاع، فإن طلب الدعاء من الأحياء مسألة. ونداء غير الله تعالى أمواتًا وأحياءً بما هو من خصائص الألوهية مسألة أخرى. وبين المسألتين بون بعيد، وفرق ما عليه من مزيد. فهذان النوعان من الاستغاثة والاستعانة، والاستنصار والاستمداد، أمران متضادان، ومسألتان متباينتان، وهما حقيقتان مختلفتان، ومفهومان متغايران، لكل واحد حكم مغاير لحكم الآخر، فلا يجوز الخلط بين الحكمين حتى لا يكون تلبيسًا. فالنوع الأول جائز بلا ظنون، لابد منه، ولا ينكره إلا مجنون، لكنه خارج عن محل النزاع. وأما النوع الثاني فهو محل النزاع، وهو لا يجوز؛ لأنه إشراك بالله ، ومتضمن لعبادة غير الله . الشبهة الحادية عشرة: استدلال القبوريين ببعض الآيات القرآنية التي هي ليست في محل النزاع: مثل قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ). قالوا: أمرنا الله بالاستعانة
следующие страницы →