← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بين الله وخلقه. هذا النوع من الشرك مما ذكره الرسول ﷺ وخافه علينا، وحذرنا منه. يدل عليه ما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((الشرك في أُمَّتي أخفى من دبيب النمل)). وفي رواية لأبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ لما قال: ((الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)) قال: قلنا: يا رسول الله! وهل الشرك إلا ما عُبد من دون الله أو دعي مع الله؟ قال: ((ثكلتك أمك يا صديق، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أخبرك بقول يذهب صغاره وكباره ـ أو صغيره وكبيره؟ ـ)) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((تقول كل يوم ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك شيئًا وأنا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلم، والشرك أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان)). وفي رواية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: ((ألا أخبركم بما هو

стр. 177

أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ )) قال: قلنا: بلى، قال: ((الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل)). فهذه نصوص الشرع تدل على أنه هناك نوعًا آخر من الشرك يسمى بالخفي، فهل هذا يدخل تحت أحد نوعي الشرك أم هو نوع مستقل بذاته؟ اختلفوا فيه. فقيل: يمكن أن يجعل الشرك الخفي نوعًا من الشرك الأصغر، فيكون الشرك حينئذ نوعين: شرك أكبر، ويكون في عقائد القلوب، وشرك أصغر: ويكون في هيئة الأفعال وأقوال اللسان، والإرادات الخفية، وإلى هذا القول مال بعض المعاصرين. ولكن الظاهر من النصوص المذكورة: أن الشرك الخفي قد يكون من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، وليس له وصف منضبط، بل دائماً يتردد بين أن يكون من الشرك الأكبر، أو الشرك الأصغر، بل هو كل ما خفي من أنواع الشرك. وهذا هو الراجح عندي. وعليه: فيجب الحذر منه لكثر الاشتباه فيه، فربما يظن في أمر من الأمور أنه من الشرك الأصغر وهو في واقع الأمر من الشرك الأكبر وهكذا العكس، وذلك لخفاء مأخذه، ودقة أمره، وصعوبة معرفته، فيكون مجالة الأمر

стр. 178

المشتبه الذي لا يعرفه إلا الحذاق من أهل العلم، وإن كان قد يخفى على غيرهم ممن لم يكمل نظره، وضعف فهمه في أدلة الكتاب والسنة.

стр. 179

المسألة الثالثة هل الأصل في الإنسان التوحيد أو الشرك ؟ هذا السؤال يتطلب جوابه أن نرجع إلى أصل الإنسان، فالذين يقولون: إن أصل الإنسان أنهم خلقوا من نفس واحدة، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، قالوا: إنهم خلقوا من آدم، وعليه اتفاق جميع الأديان السماوية، وعليه اتفقت كلمة أصحاب الملل ـ اليهود والنصارى والمسلمون ـ إلا من شذ منهم واتبع الملاحدة في أقوالهم، وآرائهم، فجميع أصحاب الأديان السماوية يقولون: إن الأصل في الإنسان هو التوحيد، والشرك طارئ عليهم. ويستدل عليه من وجوه: أولاً: أن الإنسان الأول هو آدم ﵇ كان نبيًا يعبد الله وحده لا شريك له، وعلم أبناءه التوحيد؛ حيث سئل النبي ﷺ عن آدم: أنبي هو؟ قال: ((نعم، نبي مكلم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه روحه ... )). ثم وقع بنو آدم في الشرك بعده بأزمان ـ وهذا يقر ويقول به كل من يؤمن بأن الله هو الخالق، وكل من يؤمن بالأديان السماوية الثلاث؛ الإسلامية والنصرانية واليهودية،

стр. 180

إلا من تابع قول الملحدين منهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ولم يكن الشرك أصلاً في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله، لاتباعهم النبوة ... فإن آدم أمرهم بما أمره الله به، حيث قال له: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا باياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ... ، فهذا الكلام الذي خاطب الله به آدم وغيره لما أهبطهم قد تضمن أنه أوجب عليهم اتباع هداه المنزَّل). ثانياً: بيَّن الله سبحانه أن البشرية كانت في أول أمرها على التوحيد، ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة، لقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ). وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: (وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة، وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح ﵉ كما روى عكرمة عن ابن عباس، وكما قاله قتادة).

стр. 181

ويؤيده ما جاء في قراءة أبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود ﵄ (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ ... ) الآية. كما يؤيده قوله تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا). وهو الذي رجحه ابن كثير معللاً بقوله: (لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام ـ فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)، ويقول: (ثم أخبر الله أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام). ثالثاً: أخبر الله في كتابه أن الفطرة التي فطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا

стр. 182

غَافِلِينَ). فهاتان الآيتان تبينان أن العباد كلهم مفطورون على التوحيد وأنه الأصل في بني آدم، وقد فسر مجاهد الفطرة بأنها الإسلام. رابعًا: بيَّن الله في كتابه: أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وقال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ). وكل رسول افتتح دعوته لأمته بالدعوة إلى عبادة الله، فقال: (اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن الناس كانوا بعد آدم ﵇ وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص كما كان أبوهم آدم أبو البشر ﵇، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتاباً ولا أرسل به رسولاً، بشبهات زينها الشيطان من جهة

стр. 183

المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين، وقوم على مذاهب أخرى، فابتعث الله نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه ... وجاءت الرسل بعده تترى، إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين كما كانت النماردة والفراعنة، فبعث الله تعالى إليهم إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام))، ... فجعل الأنبياء والمرسلين من أهل بيته، وبعث الله بعده أنبياء من بني إسرائيل ... ثم بعث الله عيسى المسيح بن مريم ... ). خامسًا: ويدل عليه ما روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: ((كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين)). وقد قال قتادة: ((ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون

стр. 184

كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)). سادسًا: ما رواه عياض بن حمار: أن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: ((إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا)). سابعاً: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيما من جدعاء؟ ))، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).

стр. 185

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديث: (فالصواب أنها فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: (ألست بربكم قالوا بلى)، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة ... وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: ((كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ )) بيَّن أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حدث طارئ). وقال ابن القيم: (فجمع ﵊ بين الأمرين؛ تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لابد أن يغيرهما، فغيَّر فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة). ويقول كذلك: (فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة). ومن هذا يتبين لنا أن الشرك لم يكن أصلاً في بني آدم، بل كان آدم ومن جاء بعده من ذريته على التوحيد إلى أن وقع الشرك. فإن هذه الأدلة تنص على أن بني آدم عبدوا الله فترة من الزمن، وهي عشرة

стр. 186

قرون كما يذكره ابن عباس ﵄، ثم انحرف من انحرف عن هذا المنهج القويم، فبعث الله إليهم الرسل ليردوهم إلى التوحيد. وهناك رواية أخرى تبين لنا كيف بدأ وقوع بني آدم في الشرك، فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال في معنى قول الله : (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً)، قال: ((هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسوا إليها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت)). فهذا كان مبدأ وقوع بني آدم في الشرك وانحرافهم عن توحيد الله . أما الذين يقولون: إن أصل الإنسان ليس هو نفسًا واحدة بل الإنسان على هذه الصورة الموجودة نتيجة التطور والارتقاء، اختلفوا في ذلك اختلافاً شديدًا، وصدق فيهم قول الله : (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).

стр. 187

فقالوا: إن أصل الإنسان هو الشرك ثم حدث فيهم التوحيد، بل قال بعضهم: إن الإنسان ما كان يعرف عن الديانة شيئًا، وإنما الدين وجد بعد مرور الزمان والأيام، وحصول الوحشة لدى بعضهم. واختلفوا في بيان هذه الأشياء التي اضطرتهم إلى التدين، فمن أقوالهم ومذاهبهم في هذا الباب ما يلي: ١ - ما يسمى بالمذهب الطبيعي: وقد نادى إليه (ماكس مولر) سنة: ١٨٥٦ م، و (كوهن) سنة: ١٨٥٩ م، و (شغارتز) سنة: ١٨٦٣ م، وملخصه: أن الإنسان البدائي عندما نشأ وجد نفسه ضعيفًا بين المظاهر الكونية المختلفة، كالشمس والقمر والنجوم والرياح والصواعق والأنهار وغيرها، فاعتقد أن باستطاعتها أن تنفعه أو تضره، فأخذ يتقرب إليها ويقدم لها سائر أنواع العبادات دفعًا لشرها. ورد (جيفونس) و (دركايم) على هذا المذهب بأن الخوف لا يصلح سببًا لنشوء العقيدة؛ لأن مع مرور الزمان يألف الإنسان هذه الأشياء بتكررها على نسق واحد، ويذهب خوفه منها ويترك التقرب إليها. وأصحاب هذا القول يرون: أن الإنسان إنما هونتيجة الطبيعة؛ حيث كان (أميبا) ثم تطور بفعل الرطوبة، حتى وصل بعد أزمان عديدة إلى صورة القرد، ثم تطور حتى أصبح ما يسمى إنسانًا، فزعموا: أن هذا الإنسان ـ وكان في ذلك الوقت في طور الطفولة البشرية ـ أخذ يبحث عن إله يعبده، فتوجه إلى عبادة الآباء والأجداد والأشجار والحيوانات الضخمة والشمس القمر، إلى غير

стр. 188

ذلك من الأشياء التي يستعظمها في نفسه، ثم بدأ هذا الإنسان يتطور في عقله وأحاسيسه، فبدأ يتخلى عن كثير من الآلهة التي كان يعبدها، حتى توصل في عهد الفراعنة إلى التوحيد، ولا يعني ذلك عندهم عبادة الله وحده لا شريك له، وإنما المراد: عبادة إله واحد وهو (رع) الذي يرمز له بقرص الشمس. ولهذا قال داروين: إن الإنسان إنما هو نتيجة التغير في الناموس الوراثي، فتوصل في بحثه إلى أن الإنسان ترقى من حشرات إلى فقاريات، إلى القردة، فالإنسان. ٢ - ما يعرف بمذهب النمو: قالوا: إن الديانة نمت كما تنمو كل مصلحة إنسانية، ويقينًا أنه لم يكن في مقدور الإنسان البدائي ـ بله أسلافه القردة وأسلافه من الثدييات ـ فكرة عن الرب والدين، فلم يستطع ذهنه وقوى فهمه أن تصبح قادرة على تصور هذه الأفكار العامة إلاّ ببطء شديد، فالدين شيء نمى مع الترابط الإنساني. وقال بعضهم: إن الدين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، والإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج نحو الكمال في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم: أن عقيدة (الإله الأحد) عقيدة حديثة، وأنها عقلية خاصة بالجنس السامي. ٣ - ما يسمى بالمذهب الإغريقي: ـ وهي من فكرة السوفسطائيين ـ:

стр. 189

قالوا: إن الإنسان كان في أول نشأته يعيش بغير رادع من قانون ولا وازع من خلق، وأنه كان لا يخضع إلا إلى القوة الباطشة، ثم لما وضعت القوانين اختفت المظاهر العلنية من هذه الفوضى البدائية، ولكن الجرائم السرية ما برحت سائدة منتشرة، فهنالك فكر بعض العباقرة في إقناع الجماهير بأن في السماء قوة أزلية أبدية ترى كل شيء، تسمع كل شيء، وتهيمن على كل شيء! . ٤ - المذهب الروحي: وقد نادى إليه (سبنسر وتيلور). وملخصه: أن الإنسان البدائي عندما كان يرى الأحلام فيرى أشخاصًا كانوا قد ماتوا، اعتقد ببقاء أرواح الموتى وأن لها القدرة على الإيذاء أو النفع، وكان يعلل كل ما يصيبه من أمراض بغضب هذه الأرواح عليه وخاصة أنها تمثل أرواح أسلافه، فأخذ يتقرب لها بالعبادة خوفًا من شرها وتقديسًا لآبائه وأجداده. وقال بعضهم: إن أول ما عرفت العبادة كان بسبب أحلام منامية يراها الإنسان؛ كأن يرى قريبه الميت يأتيه في نومه ويقول له: اذهب إلى المكان الفلاني ستجد فيه كذا وكذا، فيذهب بعد يقظته إلى هذا المكان، فيجد ما أخبره به في منامه، فإذا تحقق لواحد من هؤلاء مثل هذه الرؤية أخذ يعظم قبر الميت، وصارت تعظمه جماعته كذلك، إلى أن صاروا يعبدونه، فيسألونه حوائجهم ويتضرعون إليه ويستعينون به، ويعكفون عليه.

стр. 190

ورد (دور كايم) على هذا المذهب بأن اعتقاد الإنسان الأولى ببقاء الأرواح لا يكفي لنشوء عقيدة دينية؛ لأن عبادة الأسلاف وجدت عند الأمم المتحضرة كما وجدت عند الأمم البدائية، بجانب عبادة أشياء أخرى، بل بعض الأمم لم تعبد الأسلاف، فلا يكفي هذا لتفسير نشأة العقيدة. ٥ - المذهب الطوطمي: قالوا في الإنسان: إنه كان في الأصل من الحيوانات المائية، التي يقدرون لها آلاف السنين الغابرة، ويطلقون عليه في هذه الفترة (الإنسان المائي)، وبعد مرور آلاف السنين أخذ هذا الحيوان المائي يخرج إلى شاطئ البحر، ويأكل الحشائش النابتة عليها ثم يرجع إلى البحر يعيش فيه كالتمساح، ويطلقون عليه هذه الفترة (الحيوان البرمائي)، ثم بعد آلاف السنين استطاع هذا الحيوان أن ينطبع بطباع البر وأن يعيش فيه طول حياته وأن يترك حياة البحر، ويطلقون عليه هذه الفترة (الإنسان البري)، إلا أنه لم يتميز عن كثير من الحيوانات البرية المعروفة، منذ ذلك الوقت صار يستعمل أنواعًا من الآلات كالحجارة ونحوها، فارتفع وارتقى عن باقي الحيوانات التي تتميز ... . فهذا الإنسان الذي أصله من الحيوان ـ كما زعموا ـ عرف الدين بطريقة يسمونها (طوطمية) ـ أو توتمية ـ، وهي شعار تتخذه العشيرة شعارًا لوحدتها وقوتها، وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة هذا

стр. 191

التوتم ولا تسمح للنساء والغرباء بلمس هذا التوتم، وتحمله معها في الحروب للنصر، وقد يكون التوتم جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، وعندها يحرم أكله وقتله. وقد رد كل من (لانج وتيلور وفوكارت وفريزر وشميث) على هذا المذهب بأن هذا التوتم لا يصلح كمبدأ للعقيدة؛ لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أممًا بدائية كانت تعبد مع التوتم آلهة أخرى، وربما لم تعبد التوتم إطلاقًا، وإن كان رمزًا لها. ٦ - ما يسمى بالفرويدية: قالوا: إن سبب العبادة الأولى هو جريمة الولد بقتل الأب حسدًا وبغضًا؛ لأن الأب منع الابن أن يستمتع معه بأمه، فقتله، فندم على ذلك، وأنكر على نفسه فعلته وحرم عليها الاقتراب من نساء أبيه تنفيذًا لأوامر الميت، وعكف على قبره فأكرمه وعظمه، فلما ظهرت له شناعة جريمته تعاهد مع الآخرين على صيانة حياتهم، وحرم الواحد على نفسه قتل أخيه، وأبيه، فأصبح هذا عامة للقبائل عمومًا، وبهذا تعارف الناس على التقاليد والأديان والعبادة تدريجيًا. ولا يخفى أن هذا من الهراء الذي لا قيمة له في العقل البشري. هذا هو ملخص أقوال أصحاب النحل، ولكنهم جميعاً متفقون على: أن الأديان من صنع البشر، وليست من قبل الله ، وأن الأصل هو الشرك.

стр. 192

والعجيب أن يوافقهم على هذه الخزعبلات بعض من يسمى بالمفكرين في الإسلام كعباس محمود العقاد في كتابه (الله ﷻ ، وعبد الكريم الخطيب في كتابه (قضية الألوهية بين الفلسفة والدين)، وثريا منقوش في كتابها (التوحيد في تطوره التاريخي). وقد زعم أصحاب هذا القول أن لهم عليه دليلين: أولاً: القياس على الصناعة، فكما أن الإنسان قد تطور في صناعته فهو كذلك تطور في ديانته. ثانياً: أن الحفريات دلتهم على أن الناس وقعوا في الشرك وتعدد الآلهة، وأن الإنسان عرف التوحيد متأخرًا. مناقشة أقوال هؤلاء الملحدين: أ- هذه الأقوال ـ كما يتضح لدى القارئ ـ إنما هي سخافات وأحاجي فارغة ينطبق عليها المثل القائل: (إن الغريق بكل حبل يمسك)، فمن أين لهم أنهم هم أنفسهم كانوا حشرات وجراثيم فأصبحوا بشرًا؟ من جاءهم بهذا القول؟ ومن أي مصدر أخذوه؟ ومتى تم ذلك؟ وكيف اكتشفوا؟ ولماذا لا تتطور النملة فتصبح فيلاً أو الحنظل عنبًا أو تمرًا؟ ! وأيضاً: لماذا لا تتطور تلك الحيوانات التي كانت في البر قبل وصول الإنسان إليها من البحار والمياه الآسنة؟ ما الذي حال بينها وبين التطور والارتقاء ما دامت قد سكنت البر قبله؟

стр. 193

وأيضاً: ما الذي حال بين الإنسان وبين التطور إلى صفة أخرى أعظم من البشرية؟ لابد أن قدرة خارجة عن نطاق قوته جعلته إنسانًا لا يختلف شكله على طورا لدهور، ولا يلتبس شكله وقوامه بشكل الذرة أو البعوضة، أو الفيل، فجعلت تلك القوة الإنسان إنسانًا والحيوان الغير ناطق حيوانًا، والنخلة نخلة والذرة ذرة ... إلى آخر هذه المخلوقات التي تملأ الأرض. إنها سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً. فجعلت تلك السنة الإلهية القمر في مكانه والشمس في مكانها، والنجوم في مكانها، والأرض والجبال والبحال كلاً في مكانه، وفي فلك يسبح فيه، فالشمس التي كانت قبل ملايين السنين هي نفسها شمس اليوم، وكذلك القمر والنجوم والأرض وهيئة الكون، إنها قوة إلهية، يعجز أولئك الملاحدة أن يأتوا بدليل يقنع أحدًا سليم العقل والفطرة، وصدق الله العظيم رب الأولين والآخرين حين قال: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا). ب- يرد عليهم كذلك: بأن المنهج الذي سلكه العلماء القائلون بنظرية التطور حتى توصلوا لما توصلوا إليه من نتائج تطورية، هو منهج خاطئ؛ لأن مقارنتهم كانت لا تفرق بين الدين الصحيح والخرافات الأسطورية الهمجية التي كانت منتشرة عند الشعوب القديمة عن الأرواح والأحلام وما إلى ذلك، فجعلوا عقيدة التوحيد على قدم المساواة بالعقائد الأخرى الباطلة، فهم لا يفرقون بين اليهودية والنصرانية والصابئية، والمجوسية والبوذية والهندوكية، وسائر أنواع الشرك من جهة، وبين الإسلام من جهة أخرى. ج- ونرد عليهم كذلك: بأن بحوثهم قامت على افتراضات وتخمينات

стр. 194

بسبب أنهم بحثوا في أمم مر عليها آلاف السنين، وهي تعتبر في عالم الغيب الذي لا مصدر صحيح لمعرفته إلا بالوحي، ولذلك جاءت أبحاثهم مناقضة للبحث العلمي والمنهج العلمي الصحيح؛ لأنهم بحثوا فيما لا يستطيع العقل أن يبحث فيه، وكانت أقوالهم رجمًا بالغيب؛ ليأتوا بما يوافق أهواءهم من النتائج. د- وأما ردنا على هذه النظرية من أبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور، فنقول: انقسم علماء الأجناس ومقارنة الأديان إلى فريقين: ١ - فريق قال بنظرية التطور، وقد سبق ذكرها. ٢ - وفريق آخر من العلماء قال بنظرية معاكسة تمامًا للنظرية الأولى، ومن أمثال هؤلاء العلماء: لانج، وشريدر، وفريزر شميدث، وبتاتزوني، وفوكارت، فقد توصل هؤلاء العلماء من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم: (نظرية فطرية التوحيد وأصالته)، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القوم لم تكن تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد. وبنوا عليه أن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد.

стр. 195

وأما ما تمسك به أولئك الخارجون عن الحق بتقدم الصناعات على تقدم الديانات فلا شك أن هذا في الواقع قياس فاسد واستدلال باطل، وقياس مع الفارق؛ لعدة أمور: أولاً: أن الصناعات من الأشياء المادية، والأديان من الأشياء المعنوية، فكيف يقاس معنوي غير محسوس على شيء مادي محسوس؟ ! فهو كمن يقيس الهواء على الماء. ثانياً: أن الصناعات تقوم على التجربة والملاحظة، وتظهر النتائج بعد استكمال مقوماتها، بخلاف الدين الذي لا يقوم على ذلك ولا تظهر نتائجه في هذه الحياة الدنيا. ثالثاً: يلزم من هذا القياس شيئان: ١ - أن يكون الإنسان في هذا الزمن صادق التدين خالص التوحيد، لأن الصناعة قد بلغت مبلغًا عاليًا من التطور، والواقع خلاف ذلك، فإن الإنسان في العصر الحاضر أحط ما يكون من الناحية الدينية؛ إذ الإلحاد متفش في أكثر بقاع العالم. ٢ - كما يلزم منه ألاّ يوجد شرك في هذا الزمن، والواقع خلاف ذلك؛ حيث إن الشرك متفش في الشرق والغرب. وأما ما تمسكوا به ـ على قولهم الباطل ـ بالحفريات ومخلقات الأمم السابقة، فيقال عنه: أولاً: إن هذه الحفريات ناقصة، فلا دلالة فيها على ما ذكروا سوى التخمين ومحاولة الربط بين أمور متباعدة، وغاية ما تدل عليه الحفريات والآثار: إن الأمم السابقة وقعت في الشرك، وهذا لا ننكره نحن، بل القرآن

стр. 196

والسنة نصا على ذلك وبيناه، وأما عبادة الإنسان الأول وعقيدته فلا يمكن معرفتها من خلال الآثار حتى يعثروا على الإنسان الأول ويجدوا آثارًا تدل على عقيدته وعبادته. ثانياً: من المؤكد أن الأمم تتقلب في عبادتها فتنتقل من التوحيد إلى الشرك، ومن الشرك إلى التوحيد، فمعرفة عبادة أمة من الأمم لا يعني أنها لم تعرف سوى هذه العبادة، بل يعني ذلك أنها كانت على هذه العبادة في تلك الفترة فقط. ثالثًا: أن الحفريات ومخلفات الأمم السابقة كما استدل به بعضهم على القول بالشرك في الأمم هكذا استدل به فريق آخر على توحيد بعض الأمم، فقد قال به فريق من العلماء أمثال (لانج وشريدر، وفريزر، وشميدث، وبتاتزوني، وفوكارت)، وغيرهم، فقد توصلوا من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هوالتوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم (نظرية فطرية التوحيد وأصالته)، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء، وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القدم لم تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا على هذه الحفريات والكتابات المكتشفة نظريتهم القائلة بأن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد. وبهذا يظهر جليًا واضحًا فساد هذه الأقوال المنحرفة عن الحق، وأن ما استدلوا به ليس إلا تخرصات وتوهمات لا تقوم على وجه الحق الواضح البين

стр. 197

الذي سبق أن ذكرناه؛ وهو أن الإنسان أصله التوحيد، والتوحيد هو أول ما عرفه الإنسان، ثم بدأ بالانحراف فتدرج أمره حتى وقع في الشرك، وذلك هو الحق الذي لا ريب فيه. ثم إن هذا القول الموافق للقرآن والسنة والفطرة والعقل الصريح الموافق للنقل الصحيح قد اهتدى إليه بعض علماء الآثار والباحثون في الأديان من الغربيين وغيرهم، نذكر هنا نماذج من أقوالهم: ١ - يقول الباحث (أدمسون هيوبل) المتخصص في دراسة الملل البدائية: (لقد مضى ذلك العهد الذي كان يتهم الرجل القديم بأنه غير قادر على التفكير فيما يتعلق بالذات المقدسة أو في الله العظيم، ولقد أخطأ (تيلور) حيث جعل التفكير الديني الموحد نتيجة للتقدم الحضاري والسمو المعرفي، وجعل ذلك نتيجة لتطور بدأ من عبادة الأرواح والأشباح، ثم التعدد، ثم أخيرًا العثور على فكرة التوحيد). ٢ - ويقول الباحث (أندري لانج) من علماء القرن الماضي: إن الناس في استراليا وأفريقيا والهند لم ينشأ اعتقادهم في الله العظيم على أساس من الاعتقاد المسيحي، وقد أكد هذا الرأي العالم الأسترالي (وليم سميث) حيث ذكر في كتابه (أسس فكرة التوحيد) مجموعة من البراهين والأدلة جمعها من عدة مناطق واتجاهات تؤكد أن أول عبادة مارسها الإنسان كانت تجاه الله الواحد العظيم. ويقول الدكتور (الحاج أورانج كاي) من علماء الملايو في إندونيسيا: (عندنا في بلاد (أرخبيل) الملايو دليل أكيد على أن أهل ديارنا هذه كانوا يعبدون الله الواحد، وذلك قبل أن يدخل الإسلام إلى هذه الديار، وقبل أن

стр. 198

تدخل النصرانية. وفي عقيدة جزيرة (كلمنتان) بأندونيسيا لوثة من الهندوسية ورائحة من الإسلام، مع أن التوحيد كعبادة لأهل هذه الديار كان هو الأصل قبل وصول الهندوسية أو الإسلام إليها. وإذا رجعنا إلى اللغة الدارجة لأهل هذه الديار قبل استخدام اللغة السنسكريتية أو قبل الهجرة الهندوسية أو دخول الإسلام تأكدنا من أن التصور الاعتقادي لأجدادنا ـ حسب النطق والتعبيرات الموروثة ـ هو: أن الله في عقيدتهم واحد لا شريك له).

стр. 199

الباب الأول في شرك الأمم السابقة ويشتمل على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه. الفصل الثاني: في بيان الصراع بين الشرك والتوحيد في الأمم السابقة. الفصل الثالث: في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها.

стр. 200

الفصل الأول في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه

стр. 201

الفصل الأول في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه إن مما لا خلاف فيه أن أول شرك وقع من العباد هو شرك الشيطان. قال الحافظ ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ): قال ابن جريج: من يقل من الملائكة إني إله من دونه، فلم يقله إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية في إبليس. وقال قتادة: (إنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس، لما قال ما قال لعنه الله، وجعله رجيمًا). وقال الضحاك في قوله تعالى: (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ): (يعني من الملائكة إني إله من دونه، قال: ولم يقل أحد من الملائكة إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر). فهذا أول شرك وقع على الإطلاق ـ فيما أعلم ـ، ولكن متى وقع أول شرك في بني آدم؟ اختلفوا فيه على أقوال: القول الأول: إن أول شرك في بني آدم كان من قابيل ، وقد حكى الطبري في تاريخه رواية تدل عليه؛ وهي (ذكر أن قابيل لما قتل هابيل، وهرب

стр. 202

من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكن لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها). فهذا القول نرى الإمام الطبري نقله بدون سند، بل صدره بقوله: (ذكر) بصيغة التمريض، مما يدل على ضعفه عنده، وهو في نفسه ضعيف، كما سيأتي بيان ما يخالفه من القول الصحيح. القول الثاني: إن بداية الشرك كان في زمن يرد بن مهلائيل ، وهو أبو إدريس ﵇، وقد حكاه أيضًا ابن جرير في تاريخه، فقال: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: في زمان يرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام. ففي هذا السند نرى هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وهما ضعيفان بل متهمان، ولا يقبل منهما، خصوصًا أن هذه الرواية خالفت

стр. 203

الرواية الصحيحة ـ كما سيأتي ـ، ثم إن الكلبي هنا يروي التفسير عن أبي صالح عن ابن عباس، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع منه شيئًا، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فما رواه الكلبي لا يحل ذكره في الكتاب، فكيف الاحتجاج به؟ . والمقصود: أن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج. القول الثالث: إن أول شرك وقع في بني آدم إنما هو من قبل أبناء قابيل . وتدل عليه رواية ابن الكلبي في كتاب الأصنام، قال فيها: أخبرني أبي قال: (أول ما عبدت الأصنام أن آدم ﵊ لما مات، جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند). ثم روى عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (وكان بنو شيث يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل! إن لبني شيث دوارًا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء. فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها). فهذه الرواية أيضًا من قبل هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وهو عن أبي صالح عن ابن عباس. وقد تطرقت لهذا السند بالنقد في ما قبل، فلا أعيده هاهنا، وإنما المقصود بيان كونه قولاً ضعيفاً للغاية. القول الرابع: إن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح .

стр. 204

ويستدل لهذا القول بما يلي: ١ - قوله تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً)، والدليل على أن هؤلاء المذكورين كانوا في قوم نوح؛ الروايات الحديثية التي وردت في تفسير الآية. من أشهرها: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت). وما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: (كانوا قومًا صالحين ـ يغوث ويعوق ... ـ بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدرون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم). قال ابن القيم: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم). ٢ - قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ). ويتضح وجه الاستدلال من الآية لمن اطلع على تفسيرها، وقد سبق معنا

стр. 205

بيانه في ما قبل. ٣ - ويدل عليه أيضاً: ما رواه ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ... ). ٤ - وقد قال قتادة: (ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض). ٥ - وعن عكرمة قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام). فهذه أقوال صحيحة عن سلف هذه الأمة في بيان بداية الشرك في بني آدم، وهي ترجح هذا القول الرابع؛ بأن بداية الشرك كان في قوم نوح، وقبل هذا كانوا على الإسلام. ومن غرائب ما في هذا الباب نسبة وجود الشرك في آدم ﵇ استدلالاً بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ).

стр. 206

فإنه جاء في تفسير هذه الآيات آثار عن بعض السلف توهم وجود الشرك في زمن آدم ﵇، وهي ما يلي: أولاً: ما روى الإمام أحمد بسنده عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: ((لما ولدت حواء طاف بها إبليس ـ وكان لا يعيش لها ولد ـ، فقال: سمية عبد الحارث؛ فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره)) هذا هو الحديث المرفوع الوحيد إلى النبي ﷺ . قال الحافظ ابن كثير: (وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد به ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعًا، ثم قال: هذا

стр. 207

حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعًا؛ قلت ـ القائل هو الحافظ ابن كثير ـ: وشاذ هو هلال وشاذ لقبه). ثانيًا: الآثار عن الصحابة: أ- روي عن ابن عباس روايات بنحو ما ذكر: ١ - من طريق محمد بن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن عكرمة عنه، وهذا السند غير مقبول عند المحدثين، فإن كل ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة فهو منكر، بل ضعفه بعضهم. ٢ - من طريق عبد الله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عنه، ففي هذا السند خصيف، وهو ضعيف، وشريك أيضًا مختلط،

стр. 208

فلا اعتبار بهذه الرواية. ٣ - ما رواه ابن جرير الطبري، قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس (بنحوه). فهذه هي السلسلة العوفية المعروفة بالضعف من رواة التفسير عن ابن عباس. ٤ - ما رواه الطبري من طريق القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس. وذكر نحوه. فهذا أثر منقطع، ضعيف؛ فإن حجاج بن أرطأة ضعيف، وابن جريج لم يدرك ابن عباس. ب- وفي الباب رواية عن أبيّ بن كعب نحوه، وقد رواه ابن عباس عنه. قال ابن كثير: (وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه؛ كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة. وكأنه ـ والله أعلم ـ أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبيّ بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم) ... وهذه الآثار يظهر عليها ـ والله أعلم ـ أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن النبي ﷺ في عدم تصديق أهل الكتاب وفي عدم تكذيبهم أيضًا، ثم إن أخبارهم على

стр. 209

ثلاثة أقسام؛ فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في الحديث. وهذا الأثر ـ المروي عن ابن عباس ـ ننظر إليه بهذه الاعتبارات الثلاثة، فهل يدل عليه من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ شيء؟ . في الحقيقة: أن هذا فرع عن صحة الحديث الذي رواه سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أو ضعفه. أعني حديث: ((لما ولدت حواء طاف بها إبليس ... )) إلخ. فالمحدثون في هذا الحديث فريقان: فريق: أخذوا الحديث بالتصحيح، ثم بدأوا يؤولون في معنى الحديث كي لا يؤدي إلى نسبة الشرك إلى آدم. وفريق آخر يضعفون الحديث، ويفسرون الآية بما يوافق طبيعة اللغة العربية، وبما روي من آثار في ذلك. فأما الذين قالوا بصحة الحديث أجابوا بأجوبة، منها: أ- أن النفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، والشرك الواقع منهما ليس شركًا في العبادة، وإنما هو شرك في التسمية، حيث سميا ولدهما (عبد الحارث) والحارث هو اسم إبليس، وآدم وحواء لم يعتقدا بتسمية ولدهما عبد الحارث أن الحارث ربهما، وقد ذكر هذا القول بعض المفسرين، كابن جرير الذي صوبه، ورجحه على غيره، وروى في تأييده آثارًا عن السلف.

стр. 210

فروى عن ابن عباس أنه قال: (أشركه في طاعته في غير عبادة، ولم يشرك بالله، ولكن أطاعه). وعن قتادة قال: (وكان شركًا في طاعته، ولم يكن شركًا في عبادته). وعن سعيد بن جبير قال: (قيل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا؟ من أنفك أو من عينك أو من فيك؟ فقنطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويًا ... أتطيعيني؟ قالت: نعم، قال: فسميه عبد الحارث، ففعلت ... فإنما كان شركه في الاسم). وعن السدي قال: ( ... فذلك حين يقول الله: (جعلا له شركاء فيما ءاتاهما) يعني في التسمية). وأيضاً يدل عليه قراءة من قرأ (جعلا له شركًا) بمعنى الشركة يعني بالاسم، وحتى يتفادى أصحاب هذا القول الاعتراض عليهم بأن قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) يفيد أن الذين أتوا بالشرك جماعة؛ إذ لو كان آدم وحواء لقال: فتعالى الله عما يشركان. فقد ذهبوا إلى أن في الآيتين قصتين: قصة آدم وحواء، والخبر قد انقضى عند قوله: (جعلا له شركاء فيما ءاتاهما).

стр. 211

وقصة مشركي العرب، والخبر عنها في قوله: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والمعنى: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان، واستأنسوا في ذلك بما روي من آثار، منها: ما روي عن السدي في قوله تعالى: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب. ويروى عنه أيضًا أنه قال: (هذا من الموصول والمفصول، قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) في شأن آدم وحواء، ثم قال الله ﵎: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) قال: عما يشرك المشركون، ولم يعنهما). وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا في تفسيره. وأجابوا عما يقال: إن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحارث والحارث واحد، وقوله (شركاء) جماعة، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنما أشركا واحدً؟ قالوا في الجواب عن هذا السؤال: إن العرب تخرج الخبر الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمه، كقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، وإنما كان القائل واحدًا، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة؛ إذ لم يقصد

стр. 212

قصده، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها. وممن استحسن هذا القول ودافع عنه، ورأى صحة الحديث الألوسي الذي قال: (لا يعد هذا شركًا في الحقيقة؛ لأن أسماء الأعلام لا تفيد مفهوماتها اللغوية، لكن أطلق عليها الشرك تغليظًا). كما يُفهم من سياق كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أنه يرجع هذا التفسير؛ حيث أتى به في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، مستدلاً به على منع التعبيد لغير الله. كما أن الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ يرى رجحان هذا التفسير في تيسير العزيز الحميد؛ حيث قال: (وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف، تبين قطعًا أن ذلك في آدم وحواء ﵉، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك، والعجب ممن يكذب بهذه القصة، وقوله تعالى: (عَمَّا يُشْرِكُونَ) هذا ـ والله أعلم ـ عائد إلى المشركين من القدرية، فاستطرد من ذكر الشخص إلى الجنس، وله نظائر في القرآن). وقال أيضًا: (قوله: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته: أي

стр. 213

لكونهما أطاعاه في التسمية بعبد الحارث، لا أنهما عبداه، فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (قال العماد ابن كثير: ((وكان أصله ـ والله أعلم ـ مأخوذ من أهل الكتاب)). قلت ـ القائل هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وهذا بعيد جدًا). وقال الشيخ محمد خليل هراس بعد أن استعرض كلام ابن كثير: (هكذا ترى ابن كثير ... يحاول الخروج على ظاهر الآية وينكر الأحاديث والآثار الموافقة لها وينسبها إلى أخبار أهل الكتاب ... ـ ثم قال: ـ محاولة الدفاع عن آدم وحواء بأن شركهما إنما كان في التسمية لا في العبادة، وكان على سبيل الخطأ غير المتعمد وقد عوتبا عليه). ب- وهناك من يجيب بأنه ليس فيه دليل على الشرك في الألوهية، بل فعله هو الميل إلى طاعة الشيطان وقبول وسوسته مع الرجوع عنه إلى الله، وذلك غير داخل تحت الاختيار، أو لعله قبل النبوة. واستدرك على القول بأنه كان (قبل النبوة): أن الكفر ممتنع حتى قبل النبوة، وأجيب عنه بأن إشراكهما بالله؛ أنهما أطاعا إبليس في تسمية

стр. 214

ولدهما بعبد الحارث ـ كما مر في القصة ـ وليس ذلك كفرًا، بل ذنبٌ يجوز صدوره قبل النبوة. وسيأتي مناقشة هذا القول قريبًا، عندما نأتي إلى بيان متى تكون الطاعة لغير الله شركًا، ومتى تكون ذنبًا؟ . ج- وهناك من يجيب: (بأنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا عن أن الضيف ربه، كما قال حاتم: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا ... وما فيَّ إلا تيك من شيمة العبد) ولكن السؤال هنا في شيئين: ١ - هل التعبيد لغير الله ـ وإن كان بمجرد التسمية ـ يعتبر ذنبًا أم شركًا أصغر؟ ٢ - وإذا كان من الشرك، فهل يمكن صدوره عن الأنبياء؟ أما حكم التعبيد لغير الله: فقال الإمام ابن حزم ﵀: (اتفقوا

стр. 215

على تحريم كل اسم معبد لغير الله؛ كعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك. حاشا عبد المطلب). فهذا الحكم من حيث الأحكام التكليفية، وأما من حيث ذنبه هل يعتبر شركًا أم كبيرة من الكبائر؟ ففيه خلاف؛ قال بعض العلماء: إن علة التحريم في النهي عن التعبيد لغير الله هي كونه شركًا في الربوبية والإلهية؛ لأن الخلق كلهم ملك لله وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحده، وتوحيده في ربوبيته وإلاهيته، فالتعبيد لغير الله يكون شركًا، فإن كان عابدًا حقيقة بأن تعلق به في الخوف أو الرجاء أو المحبة، كما كان الواجب تجاه الرب، أو شارك الرب في هذه الأشياء فقد أشرك بالله شركًا أكبر، وإن انحصر التعبيد في مجرد إسداد النعمة إلى غير الله فهو شرك أصغر. ولهذا تطرق العلماء لهذا الشيء عندما تكلموا في أنواع الشرك الأصغر، فذكروا في أمثلة الشرك الأصغر باللسان: التعبيد لغير الله؛ كعبد النبي وعبد الرسول. فأدرجوا ضمن الشرك الأصغر القولي مثل الحلف بغير الله، وقول: (ما شاء الله وشئت)، وقول: (قاضي القضاة، أو ملك الأملاك) سواء بسواء. قال ابن القيم: (لا تحل التسمية بعبد علي، وعبد الحسين، ولا عبد
следующие страницы →