Полный текст (1 489 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقصة مشركي العرب، والخبر عنها في قوله: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والمعنى: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان، واستأنسوا في ذلك بما روي من آثار، منها: ما روي عن السدي في قوله تعالى: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب.
ويروى عنه أيضًا أنه قال: (هذا من الموصول والمفصول، قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) في شأن آدم وحواء، ثم قال الله ﵎: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) قال: عما يشرك المشركون، ولم يعنهما). وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا في تفسيره.
وأجابوا عما يقال: إن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحارث والحارث واحد، وقوله (شركاء) جماعة، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنما أشركا واحدً؟ قالوا في الجواب عن هذا السؤال: إن العرب تخرج الخبر الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمه، كقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، وإنما كان القائل واحدًا، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة؛ إذ لم يقصد
стр. 212
قصده، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها.
وممن استحسن هذا القول ودافع عنه، ورأى صحة الحديث الألوسي الذي قال: (لا يعد هذا شركًا في الحقيقة؛ لأن أسماء الأعلام لا تفيد مفهوماتها اللغوية، لكن أطلق عليها الشرك تغليظًا).
كما يُفهم من سياق كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أنه يرجع هذا التفسير؛ حيث أتى به في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، مستدلاً به على منع التعبيد لغير الله.
كما أن الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ يرى رجحان هذا التفسير في تيسير العزيز الحميد؛ حيث قال: (وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف، تبين قطعًا أن ذلك في آدم وحواء ﵉، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك، والعجب ممن يكذب بهذه القصة، وقوله تعالى: (عَمَّا يُشْرِكُونَ) هذا ـ والله أعلم ـ عائد إلى المشركين من القدرية، فاستطرد من ذكر الشخص إلى الجنس، وله نظائر في القرآن). وقال أيضًا: (قوله: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته: أي
стр. 213
لكونهما أطاعاه في التسمية بعبد الحارث، لا أنهما عبداه، فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (قال العماد ابن كثير: ((وكان أصله ـ والله أعلم ـ مأخوذ من أهل الكتاب)). قلت ـ القائل هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وهذا بعيد جدًا).
وقال الشيخ محمد خليل هراس بعد أن استعرض كلام ابن كثير: (هكذا ترى ابن كثير ... يحاول الخروج على ظاهر الآية وينكر الأحاديث والآثار الموافقة لها وينسبها إلى أخبار أهل الكتاب ... ـ ثم قال: ـ محاولة الدفاع عن آدم وحواء بأن شركهما إنما كان في التسمية لا في العبادة، وكان على سبيل الخطأ غير المتعمد وقد عوتبا عليه).
ب- وهناك من يجيب بأنه ليس فيه دليل على الشرك في الألوهية، بل فعله هو الميل إلى طاعة الشيطان وقبول وسوسته مع الرجوع عنه إلى الله، وذلك غير داخل تحت الاختيار، أو لعله قبل النبوة.
واستدرك على القول بأنه كان (قبل النبوة): أن الكفر ممتنع حتى قبل النبوة، وأجيب عنه بأن إشراكهما بالله؛ أنهما أطاعا إبليس في تسمية
стр. 214
ولدهما بعبد الحارث ـ كما مر في القصة ـ وليس ذلك كفرًا، بل ذنبٌ يجوز صدوره قبل النبوة.
وسيأتي مناقشة هذا القول قريبًا، عندما نأتي إلى بيان متى تكون الطاعة لغير الله شركًا، ومتى تكون ذنبًا؟ .
ج- وهناك من يجيب: (بأنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا عن أن الضيف ربه، كما قال حاتم:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا ... وما فيَّ إلا تيك من شيمة العبد)
ولكن السؤال هنا في شيئين:
١ - هل التعبيد لغير الله ـ وإن كان بمجرد التسمية ـ يعتبر ذنبًا أم شركًا أصغر؟
٢ - وإذا كان من الشرك، فهل يمكن صدوره عن الأنبياء؟
أما حكم التعبيد لغير الله: فقال الإمام ابن حزم ﵀: (اتفقوا
стр. 215
على تحريم كل اسم معبد لغير الله؛ كعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك. حاشا عبد المطلب).
فهذا الحكم من حيث الأحكام التكليفية، وأما من حيث ذنبه هل يعتبر شركًا أم كبيرة من الكبائر؟ ففيه خلاف؛ قال بعض العلماء: إن علة التحريم في النهي عن التعبيد لغير الله هي كونه شركًا في الربوبية والإلهية؛ لأن الخلق كلهم ملك لله وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحده، وتوحيده في ربوبيته وإلاهيته، فالتعبيد لغير الله يكون شركًا، فإن كان عابدًا حقيقة بأن تعلق به في الخوف أو الرجاء أو المحبة، كما كان الواجب تجاه الرب، أو شارك الرب في هذه الأشياء فقد أشرك بالله شركًا أكبر، وإن انحصر التعبيد في مجرد إسداد النعمة إلى غير الله فهو شرك أصغر.
ولهذا تطرق العلماء لهذا الشيء عندما تكلموا في أنواع الشرك الأصغر، فذكروا في أمثلة الشرك الأصغر باللسان: التعبيد لغير الله؛ كعبد النبي وعبد الرسول. فأدرجوا ضمن الشرك الأصغر القولي مثل الحلف بغير الله، وقول: (ما شاء الله وشئت)، وقول: (قاضي القضاة، أو ملك الأملاك) سواء بسواء.
قال ابن القيم: (لا تحل التسمية بعبد علي، وعبد الحسين، ولا عبد
стр. 216
الكعبة، وقد روى ابن أبي شيبة عن هانئ بن شريح قال: وفد على النبي ﷺ قوم فسمعهم يسمون رجلاً عبد الحجر، فقال له: ((ما اسمك؟ )) قال: عبد الحجر، فقال له رسول الله ﷺ : ((إنما أنت عبد الله)).
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في بيان حكم التعبيد لغير الله؛ بأن المشركين كانوا (يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله؛ فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة، وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله؛ من شمس، أو وثن، أو بشر، أو غير ذلك مما قد يشرك بالله،
стр. 217
ونظير تسمية النصارى عبد المسيح، فغيَّر النبي ﷺ ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعة من أصحابه: عبد الله وعبد الرحمن، كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا، وكذا سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزى فسماه عبد الرحمن، وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبد القيوم، ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابههم الغالين في المشايخ، فيقال: هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس، أو غلام ابن الرفاعي أو الحريري، ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله، كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح، وفي نفوس المشركين من آلهتهم؛ رجاء وخشية، وقد يتوبون لهم، كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة، والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين ... وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق لربهم كما سنه رسول الله ﷺ ، وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية ... ).
قال ابن القيم: فإن قيل: كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبد لغير الله، وقد صح عنه ﷺ : ((تعس عبد الدينار)) الحديث، وصح عنه أنه قال: ((أنا النبي لاكذب، أنا ابن عبد المطلب)).
فالجواب: أما قوله: ((تعس عبد الدينار)) فلم يرد به الاسم، وإنما أراد به الوصف، والدعاء على من يعبد قلبه للدينار والدرهم فرضي بعبوديتهما عن
стр. 218
عبودية الله ﵎.
أما قوله: ((أنا ابن عبد المطلب)) فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي عرف به المسمى دون غيره، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم. ولا وجه لتخصيص أبي محمد ذلك بعبد المطلب خاصة، فقد كان أصحابه يسمون عبد شمس، وبني عبد الدار بأسمائهم، ولا ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، فباب الأخبار أوسع من الإنشاء، فيجوز فيه ما لا يجوز في الإنشاء.
فعلى هذا لا تجوز التسمية بعد المطلب ولا غيره مما عبد لغير الله، وكيف تجوز التسمية، وقد أجمع العلماء على تحريم التسمية بـ عبد النبي، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي، وعبد الحسين، وعبد الكعبة؟ وكل هذه أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به، وأيضًا فقد نصّ النبي ﷺ على أن التسمية بعبد الحارث من وحي الشيطان (على فرض صحة الحديث).
وأما ما قيل: من أن المراد: (شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته) بمعنى أنهما أطاعاه في التسمية بعبد الحارث، لا أنهما عبداه، فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة، ولكن يستشكل عليه بأنه تفسير للعبادة بالطاعة، فيلزم من قول قتادة أن يكون الشرك في العبادة هو الشرك بالطاعة أيضًا.
ويجاب عن هذا بأن تفسير العبادة بالطاعة من التفسير اللازم؛ فإن لازم العبادة أن يكون العابد مطيعًا لمن عبده بها، فلذا فسرت بالطاعة، أو يقال: هو
стр. 219
من التفسير بالملزوم وإرادة اللازم؛ أي لما كانت الطاعة ملزومًا للعبادة والعبادة لازمة لها، فلا تحصل إلا بالطاعة: جاز تفسيرها بذلك.
أو يقال: ليس كل طاعة تسمى شركًا، بل المقصود بالطاعة التي تدخل بها إلى العبودية هي الطاعة الخاصة، مثلاً في تحليل الحرام أو عكسه، وأما في بعض الذنوب، فحكمهم كحكم سائر أصحاب المعاصي، فهذا ضابط الطاعة التي تكون شركًا والتي لا تكون، وكما قال شيخ الإسلام: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيقلدون في تحليل ما حرم الله أوتحريم ما أحل الله، اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، كان مشركًا مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ... ).
فلعل المراد من الذين قالوا: (شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته) هو هذا الثاني، فلا يكون شركًا، والله أعلم.
стр. 220
فهذا هو الحكم على القول بأن التعبيد لغير الله يكون شركًا أكبر إذا أراد الحقيقة من معناه، وأما إن أراد مجرد الالتفات إلى السبب، وجعله سببًا في حصول النعم فلا يكون شركًا أكبر، بل يكون من الشرك الأصغر، وهذا هو القول الراجح لديّ.
وقد سماه بعضهم بـ (الشرك في التسمية)، ومثلوا له بأن ينسب الأولاد إلى الأولياء بمعنى أنهم من عطاء غير الله وهبة غير الله؛ كنحو عبد النبي، وهبة علي، هبة حسين، هبة المرشد، هبة المدار، هبة سالار، وذلك طمعًا في رد البلاء عنهم ... كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح الإنسان به مشركًا.
وقال بعضهم: (ومن المشاهد اليوم أن كثيرًا من الناس يستعينون بالمشايخ والأنبياء ... وقد ينسبون إليها أبناءهم طمعًا في رد البلاء، فيسمي بعضهم ابنه بعد النبي، وبعضهم بعلي بخش، وحشين بخش، وبير بخش، ومدار بخشر، وسالار بخش ... كان ذلك شركًا لا شك فيه، ... كل ذلك يتحقق منه الشرك، ويسمى (الإشراك في العبادة)؛ يعني أن يعظم غير الله في الأعمال التي اعتادها تعظيمًا لا يليق إلا بالله ... ).
وهناك فئة من الناس ترى: أن التسمية بالتعبيد لغير الله لا تكون شركًا، فقال بعض من ابتلى منهم: (إن إضافة العبد إذا كان إلى غير الله، فلا يخلو إما أن يكون العبد معبودًا من دون الله أو لا، وعلى الثاني إما أن يكون موهمًا لها أو
стр. 221
لا، فالأول حرام، والثاني إن كان موهمًا كره، كعبد النبي، وإلا فلا، فعبد العزى حرام، وعبد النبي مكروه، وعبد المطلب جائز). ونسي هذا المستدل قوله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ ... ).
فهذا القول باطل عاطل، وفاسد كاسد، ولا مبرر لقائله، ولا دليل على هذا التقسيم الذي اخترعه من عند نفسه.
وعلم بهذا كله: أنه على القول بصحة هذه القصة عن آدم، فيه نسبة الشرك الأصغر إليه، أو على الأقل نسبة الذنوب إليه، فهل الأنبياء عندهم ذنوب؟ هذا السؤال يقودنا إلى مسألة أخرى وهي:
هل الأنبياء معصومون عن الذنوب؟
المسألة خلافية، والخلاف فيها من عدة أوجه، وضبط القول فيه أن يقال: الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة:
أ- ما يقع في باب الاعتقاد.
ب- ما يقع في باب التبليغ.
ج- ما يقع في باب الأحكام والفتيا.
د- ما يقع في أفعالهم وسيرتهم.
ثم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم من مولدهم، وهو قول الرافضة.
стр. 222
ثانيها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم، ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكبيرة والكفر قبل النبوة، وهو قول كثير من المعتزلة.
ثالثها: قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة، أما قبل النبوة فجائز.
والحديث في المسألة ذو شجون، ولكنني سأقتصر الكلام على ما يتعلق بالمتفق عليه من هذه الأقسام، وهل تصدر المعاصي والذنوب من الأنبياء؟ ، دون أن أتطرق إلى بيان حكم الأقسام الأخرى؛ لكونها لا تتعلق برسالتي.
المتفق عليه: اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة، فلا ينسون شيئًا مما أوحي إليهم إلا شيئًا قد نسخ، فهم معصومون في التبليغ، قال الرازي: (قد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدًا كما لا يجوز أيضًا سهوًا، ومن الناس من جوز ذلك سهوًا، قالوا: لأن الاحتراز عنه غير ممكن). أما ما يتعلق بباب الاعتقاد فالخطأ فيه غير جائز، فعلى المنع لا يمكن صدور التعبد لغير الله عن آدم ﵊ ألبتة.
стр. 223
والخلاف الذي سبق معنا كله إنما هو على فرض ثبوت الحديث.
وأما الذين قالوا بتضعيف الحديث فهم كنز ـ وهو الصحيح إن شاء الله كما سيأتي ـ، قالوا: إن الحديث ضعيف، فبعض منهم ضعف رواية، وبعضهم ضعفه دراية.
أما الذين ضعفوا من جهة الرواية فهم الجهابذة من المحدثين، منهم الحافظ ابن عدي؛ حيث إنه أعله بتفرد عمر بن إبراهيم، وقال: (وحديثه عن قتادة مضطرب).
وأما الحافظ ابن كثير فقال: إن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث
стр. 224
المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعًا، فالله أعلم.
الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير ...
الثالث: أن الحسن ـ نفسه ـ فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه إلى الذي أورده ابن جرير بسنده عن الحسن (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)، قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم.
وبسنده عن الحسن قال: عني به ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده.
وبسنده عن الحسن قال: هم اليهود والنصارى؛ رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا.
ثم قال ابن كثير: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁ أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث محفوظًا عنده من رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب، ووهب بن منبه، وغيرهما.
стр. 225
وزاد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ـ حفظه الله ـ علة أخرى؛ وهي الآتي ذكرها في الوجه الرابع.
الرابع: أن الحسن في سماعه من سمرة خلاف مشهور، ثم هو مدلس، ولم يصرح بسماعه عن سمرة، وقال الذهبي في ترجمته في الميزان: (كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: (عن فلان) ضعف احتجاجه).
ولكن يفهم من صنيع الحافظ العلائي أن رواياته عن سمرة تحمل على السماع، وقد ذكر لذلك شاهدًا، فلم يبق من العلل إلا ما ذكره ابن كثير.
أما من حيث الدراية: فأيضًا لا يصح؛ فإنه لم يثبت لدينا أن إبليس كان اسمه حارث، ثم ليس لدينا ما يدل على أن آدم كان يموت له الأولاد في حياته غير هابيل، ثم إن هذا خلاف مقتضى إرساله إلى الأرض من الله جل وعلا، فإنه أرسل لعمران الأرض، فلو مات له الأولاد لا يحصل هذا المقصود ألبته، فهذا مما يضعف الحديث دراية، ولهذا قال ابن حزم ﵀: (وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇ من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة موضوعة
стр. 226
مكذوبة، من تأليف من لا دين له ولا حياء، لم يصح سندها قط، وإنما نزلت في المشركين على ظاهرها).
وقال ابن القيم: (فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل: إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد ... ).
من وجوه ضعف هذا القول ما يلي:
١ - أن آدم ﵇ كان أعرف بإبليس وعداوته الشديدة له، وأن اسم إبليس هو الحارث ـ لوصح ـ فكيف مع هذا يسمى ولده عبد الحارث؟
٢ - جمع الشركاء في قوله تعالى: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) يدل على أن المتخذ شريكاً لله جماعة، في حين أن المتخذ شريكًا لله على هذا القول واحد وهو إبليس، فالتعبير بالجمع يدل على ضعف هذا القول.
٣ - أنه لم يجر لإبليس في الآية ذكر، فلو كان هو المتسبب في تسمية ـ التي أطلق عليها شرك ـ على حد هذا القول ـ لجرى له ذكر، فالمقام مقام التحذير من الانخداع بوسوسة إبليس يقتضي ذكر اسم إبليس؛ لئلا ينخدع أحد بعده.
٤ - أنه تعالى قال بعده: (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.
стр. 227
٥ - لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئًا). ولم يقل: (ما لا يخلق شيئاً)؛ لأن العاقل إنما يذكر بصيغة (من) لا بصيغة (ما).
وأما تفسير الآية على القول بتضعيف هذه الرواية فكما يلي:
١ - أن الآيتين في حق آدم وحواء، ويدفع الإشكال في قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) بأن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: (جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما)، والتثنية على أن ولده قسمان: ذكر وأنثى؛ أي صنفين ونوعين، فزال الإشكال عن (جعلا) و (آتاهما). وفي قوله تعالى: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) بلفظ الجمع باعتبار الأولاد.
٢ - أن الخطاب لجميع الناس، والضمير في (جعلا) و (آتاهما) يعود على النفس وزوجها، لا إلى آدم وحواء، وعلى هذا: النفس، غير ما ذكروه في تأويله، وهذا أقرب وأبعد من التأويل المتكلف.
٣ - أن الخطاب في (خلقكم) لقريش، وهم آل قصي، فإنهم خلقوا من نفس قصي، وكان له زوج من جنسه عربية قرشية، وطلبا من الله أن يعطيهما الولد، فأعطاهما أربعة بنين فسماهم بـ عبد مناف، عبد شمس، عبد العزى، عبد الدار.
٤ - أن المراد بالنفس الواحدة آدم، وزوجها المجعول منها حواء، والذي
стр. 228
طلبه آدم وحواء من الله صالحًا هو النسل السوي بصنفيه الذكور والإناث، ولكن أولاده جعلوا لله شركاء من الأصنام والأوثان فيما أتاهم، فتعالى الله عن إشراك المشركين من هذا النسل.
فقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً) جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنًا، وقوة، وعقلاً، فكثروا صفة للولد وهو الجنس، فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: (فلما أتاهما أولاداً صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان (له شركاء) بعضهم أصنامًا، وبعضهم نارًا، وبعضهم شمسًا، وبعضهم غير ذلك.
والمقصود: أنه لم يثبت أن آدم ﵇ وقع في الشرك، بل الصحيح الثابت ما سبق أن ذكرناه أن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح.
قال شيخ الإسلام: (إن الناس كانوا بعد آدم ﵇، وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص، كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر ﵇ حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان، بدعة من تلقاء أنفسهم، لم ينزل الله بها كتاباً ولا أرسل بها رسولاً، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة؛ قوم منهم زعموا: أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية.
وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين.
وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين.
وقوم على مذاهب آخر.
стр. 229
وأكثرهم لرؤسائهم مقلدون، وعن سبيل الهدى ناكبون، فاتبعث الله نبيه نوحًا ﵇، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء).
стр. 230
الفصل الثاني
وقوع الشرك في الأمم السابقة
стр. 231
الفصل الثاني وقوع الشرك في الأمم السابقة
سبق أن ذكرنا أن أول البشر آدم ﵇، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢).
فأول ما قص الله علينا من قصص الأنبياء في القرآن الكريم هي قصة آدم ﵇، بأنه أبو البشر، وكان في الجنة، أكرمه ربه فأسجد له ملائكته المقربين لديه؛ اعترافاً لشرفه وفضله، إلا إبليس فإنه كاد له فأخرجه من الجنة، فأُهبط إلى الأرض، فكان أول بشر في الأرض، ولكن هل كان على التوحيد؟ نعم، كان على التوحيد وكان نبيًا، ويدل عليه ما يلي:
١ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ) الآية.
٢ - قوله ﵇ فيما رواه ابن حبان في صحيحه قال: إن رجلاً قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: ((نعم، مكلم ... )) الحديث.
стр. 232
٣ - ولقوله ﷺ : ((ما من نبي ـ آدم فمن سواه ـ إلا تحت لوائي)).
فدلت هذه النصوص على أن آدم ﵇ كان نبيًا، وكان على التوحيد لا محالة، وقد اتفق عليه جميع من يعتد بأقوالهم، ولم يوجد فيه أيّ خلاف: بأن آدم ﵇ كان على التوحيد، وقد جاء في حديث الشفاعة ـ الطويل ـ ((يا آدم أنت أبو البشر ... )) الحديث، فوصفوه بأنه أبو البشر، وجاء في الأحاديث: أنه نبي، والنبي إنما يبعث بالتوحيد، فقد بعث آدم ﵇ إلى ذريته وهم على الفطرة، ولم يصدر منهم كفر، فأطاعوه.
وقد سبق تفنيد قول القائلين بوقوع الشرك في الألفاظ من آدم ﵇ فيما نسب إليه في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا).
стр. 233
المبحث الأول في بيان الشرك في قوم نوح
لما مات آدم ﵇ قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث ﵇ ولم يكن هناك وجود للشرك على الصحيح.
فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالأمر بعده، ثم بعده ولده قينن، ثم بعده ولده مهلائيل، فلما مات قام بالأمر ولده يرد.
ومما يذكره المؤرخون من الأحداث في هذه الفترة ما يلي:
قالوا: إن قابيل لما قتل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قُبل قربانه وأكلته النار؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها.
وقالوا: فيما يرونه عن ابن عباس بسند فيه ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح: بأن ابن عباس قال: في زمان يَرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام.
فلما حضرت يرد الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ ـ وهو إدريس ﵇ على المشهور ـ قال ابن كثير: (وكان أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث
стр. 234
عليهما السلام)، قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا)، فإدريس ﵇ قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية، وهو خنوخ هذا، وهو في عمود نسب رسول الله ﷺ على ما ذكره غير واحد من علماء النسب، وكما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء: أن رسول الله ﷺ مر به وهو في السماء الرابعة ـ وفيه التصريح بالنبوة ـ.
ثم أرسل الله نوحًا ﵇، وهو النبي الثالث الذي ذكره الله في القرآن بعد آدم ﵇، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ ـ الذي هو إدريس ـ ابن يرد بن مهلائيل بن قينن بن آنوش بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇.
وهو أول الرسل كما في حديث الشفاعة المشهور؛ حيث ورد فيه ((يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض)). وكما جاءت الآية التي تكلمت عن الرسل بتصديره؛ مثل قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
وهكذا جاء ذكره في مواضع مدحه جل وعلا النبيين والمرسلين، كما قال
стр. 235
تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).
وبالجملة: فنوح ﵇ إنما بعثه الله تعالى لما عُبدت الأصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلال والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد، فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض ـ كما يقوله أهل الموقف يوم القيامة ـ وقد ذكرت قصة نوح في عدة سور من القرآن، منها الأعراف، ويونس، وهود، والمؤمنون، والشعراء، وسورة نوح.
شرك قوم نوح:
ذكر الإمام ابن جرير الطبري فيه ثلاثة أقوال:
١ - كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله؛ من ركوب الفواحش، وشرب الخمور، والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله عزوجل.
٢ - كانوا أهل طاعة بيوراسب، وكان بيوراسب أول من أظهر القول بقول الصابئين.
٣ - أما كتاب الله فإنه ينبئ عنهم أنهم كانوا أهل أوثان، وهو الصحيح من هذه الأقوال، وبقية الأقوال إنما هي مجرد ظن وتخمين من المؤرخين؛ فإن قوم نوح في الواقع كانوا قد أحدثوا الشرك وعبادة الأصنام، وكانوا يدعون ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وذلك أن الله عزوجل يقول مخبرًا عن نوح: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا
стр. 236
مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا).
وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية قال: هذه (أسماء قوم صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسوا إليها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت)).
قوله: (فلم تعبد) أي الأصنام. (حتى إذا هلك وتنسخ العلم عُبدت) و (تنسخ) من نسخ أي زال. وللكشميهني [نسخ العلم] أي درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله، حيث اندرس العلم الذي من أجله صوروهم في معابدهم؛ وهو كثرة العبادة والحث عليها اقتداء بهم.
قال ابن القيم ﵀: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم).
فثبت أن أصل الشرك في بني آدم ـ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ـ
стр. 237
(كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظَّمِين؛ فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عَبَدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم وكان في قوم نوح).
ولهذا جاء في كتاب (مجموعة التوحيد): (إن العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها هو أصل الشرك وعبادة الأوثان).
كما جاء في كتاب صيحة الحق: (إن أصل عبادة الأوثان والأصنام عند جميع الأمم هو نُصُبْ وتماثيل أقاموا على قبور صالحيهم، فالعرب واليونان والرومان والمصريون والفرس والهنود والصينيون هؤلاء كانت الآلهة التي أخذوها وأوثانهم التي عكفوا على عبادتها أصلها نصب وتماثيل أقاموا على قبور صالحيهم؛ لتذكرهم بما كانوا يوصونهم به من الفضائل والخلق الكريم، فلما بعد العهد بهم خلف من بعدهم خلق نسوا ذلك الغرض، واتخذوها آلهة تعبد وتقرب إلى الله وتشفع عنده).
هكذا نسي الناس عهد الله، وخرجوا عن ملة التوحيد التي هي فطرة الله، ولم يبق في الأرض يومئذ من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، فأرسل الله إليهم نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى الله عزوجل، وينذرهم عقابه إن استمروا على عبادتهم لتلك الآلهة المزعومة والباطلة، وطالت دعوته لهم ومقامه بينهم، وهو لا يفتأ يدعوهم ويذكرهم بالليل والنهار، سرًا وعلانية، ولكن لم يستجب لنوح ﵇ في ذلك المدى الطويل إلا نفر قليل من قومه، مع
стр. 238
وضوح دعوته وظهور حجته وطول مثابرته، وأوحى الله عزوجل إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يعملون، وأمره أن يصنع الفلك بأعين الله ووحيه، وأن يحمل فيها من كل نوع من الدواب والحيوانات زوجين اثنين ـ الذكر والأنثى ـ، وأن يركبها هو والمؤمنون معه وأهله إلا من سبق عليه القول منهم. قال تعالى في بيان نتائجهم: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ).
стр. 239
المبحث الثاني في بيان الشرك في قوم هود
الشرك بعد قوم نوح:
لا يعرف متى حدث الشرك بعد نوح ﵇، وكل الذي نعلمه من القرآن الكريم أن الله استخلف عادًا في الأرض بعد قوم نوح، قال تعالى على لسان هود ﵇: (وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، كما أننا لا ندري أيضًا كم مر من القرون بين نوح وهود ﵉، ولكن الآية تفيد أنه لم يكن بينهما رسول.
ويجيء دائماً في القرآن الكريم قصة عاد بعد قصة قوم نوح مما يدل على ما ذكرناه من أن عادًا خلفت قوم نوح في الأرض، وأنه لم يكن بينهما أمم، ولا يمكن أن يقال هنا أكثر من هذا، فإن هذه أمور موغلة في القدم وعصور ما قبل التاريخ، فلا يجوز الكلام فيها بأزيد مما جاء به النص والسكوت عما وراء ذلك مما لا يضر الجهل به؛ إذ لو كان فيه فائدة لذكره الله لنا. ولنأخذ الآن في بيان حال قوم هود ﵇ من الشرك والفساد.
أما هود ﵇ فهو: (هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح)، وقيل: هو هود بن عوص بن إرم بن سام بن
стр. 240
نوح، وعلى هذا يكون عاد أخا هود.
وقيل: هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان يقال لهود: عابر، ورجح الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري القول الأول، ولعل هذا القول هو الصحيح، كما حققه الدكتور عبد الوهاب النجار في قصص الأنبياء، وأما القول الثاني فهو أبعد الأقوال.
أما عاد: فهو المعروف بعاد الأولى، قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى)، وسماها الأولى؛ لأنهم كانوا قبل ثمود، وقيل: لأنهم أول أمة هلكت بعد نوح، لقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ)، فعند الترتيب التاريخي جاء بذكر ثمود بعد عاد الأولى.
مساكن عاد:
كانوا عربًا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل، وجمعه حقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، والجمع حقاف، وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها: الشحر، واسم واديهم:
стр. 241
مغيث، وكانوا يسكنون كثيرًا في الخيام ذوات الأعمدة الضخام، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ)، أي عاد إرم وهو عاد الأولى.
شرك عاد:
يفهم من قوله تعالى: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) أنهم أشركوا بالله في بعض أمور الربوبية، ولكن ما كانوا ينكرون ربوبية الله، والدليل عليه قوله تعالى حكاية عنهم: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ)، فيفهم منه أنهم كانوا يقرون بالله عزوجل، ولكنهم نسوا الرب جل وعلا، فاعتزوا بسلطانهم وقوتهم واغتروا بأبهتهم وعظمتهم، كما قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ).
إذن، ما هو حقيقة الشرك في قوم عاد؟ يقول المؤرخون: كانوا أهل أوثان.
اختلفوا في بيان أوثانهم، فقال بعضهم: كانت أصنامهم ثلاثة: صدا، وصمودا، وهرا.
стр. 242
وقيل: كانت أوثانهم: صداء، وصمود، والهباء.
وقيل: كانت أوثانهم: ضرا، وضمور، والهباء.
وعلى كلٍ: ثبت بهذه الروايات أنهم وقعوا في شرك العبادة والألوهية، وقد حباهم الله نعمًا وافرة، وخيرات لا تُحصى؛ ففجروا العيون وزرعوا الأرض، وشادوا القصور، وزادهم الله فوق ذلك بسطة في أجسامهم، وقوة في أبدانهم، ولكنهم لم يشكروا الله على آلائه، بل اتخذوا هذه الأصنام؛ يعبدونها ويستنصرون بها في الشدائد.
وأيضًا: كان من شرك القوم: ادعاء الضر والنفع في أصنامهم؛ حيث قالوا: (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ)، وهذا من الشرك بالله في أمور الربوبية.
فبعث الله فيهم أخاهم هودًا ﵇، فكان من أوسطهم نسبًا، وأحسنهم خلقًا، وأرجحهم عقلاً، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما يعبدون من حجارة لا تجلب لهم نفعًا، ولا تدفع عنهم ضرًا.
فردَّ عليه الملأ من قومه أسوأ رد، واتهموه بشتى التهم، كما قال تعالى: (الَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، و (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ).
стр. 243
ولما طغت عاد، ولم ينفع التذكر ولا الإنذار فيهم، أرسل الله عليهم ريحًا صرصرًا فأهلكتهم، وجعلتهم عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ).
وبلغ بهم الحمقى منتهاه؛ حيث إنهم عندما رأوا السحاب فرحوا، وظنوا أنه مطر غزير جاء بعد أن حبسه الله عنهم بضع سنين، فلما أظلتهم سبحابة سوداء فزعوا، وزاد فزعهم عندما هبت ريح عقيم، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ).
ونجى الله هودًا والذين آمنوا معه، وما آمن معه إلا قليل، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ)، واستحق قوم عاد لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأنهم أشركوا بالله وجحدوا بآياته، وعصوا رسله، واتبعوا وانقادوا لكل جبار ظالم، قال تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ).
стр. 244
المبحث الثالث في بيان الشرك في قوم صالح ﵇
قوم صالح ﵇:
يجيء قوم صالح في الترتيب القرآني عقيب قصة هود في جميع المواضع التي ذكرت القصتان، ففي سورة الأعراف جاءت القصص على هذا الترتيب: نوح، ثم هود، ثم صالح. بل جاء على لسان صالح ﵇ في تلك السورة أنه قال لقومه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا).
وفي سورة (براءة) يقول سبحانه في صدد تذكير المنافقين بما حصل للمكذبين قبلهم: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
وكذلك الشأن في سورة هود والحجر والشعراء والقمر وغيرها، مما يدل على أن الأمتين (عاد وثمود) كانتا متقارنتين ومتقاربتين في الزمان، وأن ثمودًا كانت على علم بما جرى لأسلافهم ـ عاد ـ من العذاب والنكال، ولعل من المناسب أن نلمح بشيء من التعريف عن ثمود، من حيث نسبهم وديارهم، ومعتقدهم قبل بعثة صالح ﵇، فنقول:
стр. 245
١ - نسبهم ومساكنهم:
ثمود: قبيلة نسبت إلى جدها (ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح).
وقيل: (ثمود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح).
وقيل: (ثمود بن جاثر بن إرم بن بسام بن نوح).
وعلى كلٍ: هم أول الأقوام بعد عاد، كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)، قال ابن كثير: هم (ثمود؛ لقوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ).
٢ - منازلهم:
الحجر، كما أخبر الله في القرآن في قوله: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ).
قال ابن كثير: (وأصحاب الحجر: هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم ﵇. جاء في كتاب معجم معالم الحجاز: (والحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، وتسمى اليوم بـ (مدائن صالح)، وتقع شمال المدينة النبوية، وتبعد عن المدينة بحوالي ٣٤٧ كم، وبالقرب منها تقع مدينة (العلا)، وتبعد شمال (العلا) بـ ٢٥ كم).
стр. 246
شرك قوم ثمود:
كانت قبيلة ثمود تدين بعبادة الأصنام، يشركونها مع الله في العبادة، كما هو شأن أهل الكفر والوثنية، لقد كانت أرضهم جنات وعيون، ومنازلهم بيوتًا فارهة وقصورًا شامخة، وكانوا سادة الناس وملوك الأرض، لكنهم لم يشكروا الله على نعمه، بل زادوا فسادًا وبعدًا عن الحق؛ أشرًا وبطرًا، وعبدوا الأصنام من دون الله جلت قدرته، وزيادة على ذلك كان هناك لون آخر من ألوان الشرك ورد ذكره عن قوم صالح وهو التطير، وأصله مأخوذ من التطير بالسوانح، والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم.
وقد دل كونه شركًا حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: ((الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك ـ ثلاثًاـ)) الحديث.
والطيرة تعد من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أنها تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا، إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوا بالله .
стр. 247
وحديث القرآن عن تطير قوم صالح ورد في قوله تعالى: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ)، فهذا كان شركهم بالله بالتطير من غيره سبحانه، مع شركهم بالله بعبادة غيره.
فبعث الله فيهم أخاهم صالحًا (وهو صالح بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن نوح) أو (هو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشخ بن عبيد بن حاذر بن ثمود)، فنهاهم نبي الله صالح ﵇ عن عبادة الأوثان، ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ).
والملأ من قوم ثمود كعادة الملأ في كل عصر ومصر، كذبوا نبيهم، واستغربوا كيف ينهاهم صالح ﵇ عن آلهتهم التي ورثوا عبادتها عن آبائهم وأجدادهم، قال تعالى: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)، وقال: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ
стр. 248
الصَّادِقِينَ)، فأعطى الله الناقة لثمود آية مبصرة؛ قال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا)، وقال: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).
وقد كان الله لثمود بالمرصاد، لقد أخذهم بالصيحة أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ).
هكذا أضافت ثمود إلى سجل المشركين من بني آدم صفحة ملطخة بالظلم والوثنية والطغيان الكبير.
стр. 249
المبحث الرابع في بيان الشرك في قوم إبراهيم ﵇
قوم إبراهيم ﵇:
ثم بعد أن تطاولت الأزمان أرسل الله رسوله إبراهيم ﵇ خليل الرحمن، وقد جاءت قصة هذا النبي الكريم في الترتيب القصصي للقرآن بعد قصة صالح ﵇، فقد جاء في سورة براءة قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)، وفي سورة فاطر: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).
ويعتبر إبراهيم ﵇ ابتداء عهد جديد للتوحيد؛ فكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته، وابن أخيه لوط ﵈، فلنتعرف على إبراهيم من هو؟ وإلى من بُعث؟ وكيف كان شرك قومه؟ وكيف عالجه إبراهيم ﵇؟ وفيما يلي بيان ذلك باختصار:
١ - التعريف بإبراهيم ﵇:
هو إبراهيم بن آزر ـ أو تارخ ـ بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.
стр. 250
وقيل: هو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.
واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والمكان الذي ولد فيه.
فقال بعضهم: كان مولده بالسوس من أرض الأهواز، وقيل: أنه ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها: برزة في جبال قاسيون، وهو مروي عن ابن عباس. وقال بعضهم: كان مولده بالوركاء من ناحية الزوابي وحدود كسكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثى. وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كوثى. وقال بعضهم: كان مولده بحران، ولكن أباه نقله إلى أرض بابل. وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السواد وهو الذي صححه ابن كثير، ورواه عن ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة، بأنه ولد إلى أرض الكلدانيين ـ يعنون أرض بابل ـ.
واختلف المؤرخون في اسم أبي إبراهيم هل هو آزر أم تارح؟
والصحيح أن اسمه آزر، لقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٧٤)، وقول الرسول ﷺ : ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة ... )) الحديث.
следующие страницы →