← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شرك قوم ثمود: كانت قبيلة ثمود تدين بعبادة الأصنام، يشركونها مع الله في العبادة، كما هو شأن أهل الكفر والوثنية، لقد كانت أرضهم جنات وعيون، ومنازلهم بيوتًا فارهة وقصورًا شامخة، وكانوا سادة الناس وملوك الأرض، لكنهم لم يشكروا الله على نعمه، بل زادوا فسادًا وبعدًا عن الحق؛ أشرًا وبطرًا، وعبدوا الأصنام من دون الله جلت قدرته، وزيادة على ذلك كان هناك لون آخر من ألوان الشرك ورد ذكره عن قوم صالح وهو التطير، وأصله مأخوذ من التطير بالسوانح، والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم. وقد دل كونه شركًا حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: ((الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك ـ ثلاثًاـ)) الحديث. والطيرة تعد من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أنها تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا، إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوا بالله .

стр. 247

وحديث القرآن عن تطير قوم صالح ورد في قوله تعالى: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ)، فهذا كان شركهم بالله بالتطير من غيره سبحانه، مع شركهم بالله بعبادة غيره. فبعث الله فيهم أخاهم صالحًا (وهو صالح بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن نوح) أو (هو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشخ بن عبيد بن حاذر بن ثمود)، فنهاهم نبي الله صالح ﵇ عن عبادة الأوثان، ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ). والملأ من قوم ثمود كعادة الملأ في كل عصر ومصر، كذبوا نبيهم، واستغربوا كيف ينهاهم صالح ﵇ عن آلهتهم التي ورثوا عبادتها عن آبائهم وأجدادهم، قال تعالى: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)، وقال: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ

стр. 248

الصَّادِقِينَ)، فأعطى الله الناقة لثمود آية مبصرة؛ قال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا)، وقال: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ). وقد كان الله لثمود بالمرصاد، لقد أخذهم بالصيحة أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ). هكذا أضافت ثمود إلى سجل المشركين من بني آدم صفحة ملطخة بالظلم والوثنية والطغيان الكبير.

стр. 249

المبحث الرابع في بيان الشرك في قوم إبراهيم ﵇ قوم إبراهيم ﵇: ثم بعد أن تطاولت الأزمان أرسل الله رسوله إبراهيم ﵇ خليل الرحمن، وقد جاءت قصة هذا النبي الكريم في الترتيب القصصي للقرآن بعد قصة صالح ﵇، فقد جاء في سورة براءة قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)، وفي سورة فاطر: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ). ويعتبر إبراهيم ﵇ ابتداء عهد جديد للتوحيد؛ فكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته، وابن أخيه لوط ﵈، فلنتعرف على إبراهيم من هو؟ وإلى من بُعث؟ وكيف كان شرك قومه؟ وكيف عالجه إبراهيم ﵇؟ وفيما يلي بيان ذلك باختصار: ١ - التعريف بإبراهيم ﵇: هو إبراهيم بن آزر ـ أو تارخ ـ بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.

стр. 250

وقيل: هو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇. واختلفوا في الموضع الذي كان منه، والمكان الذي ولد فيه. فقال بعضهم: كان مولده بالسوس من أرض الأهواز، وقيل: أنه ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها: برزة في جبال قاسيون، وهو مروي عن ابن عباس. وقال بعضهم: كان مولده بالوركاء من ناحية الزوابي وحدود كسكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثى. وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كوثى. وقال بعضهم: كان مولده بحران، ولكن أباه نقله إلى أرض بابل. وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السواد وهو الذي صححه ابن كثير، ورواه عن ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة، بأنه ولد إلى أرض الكلدانيين ـ يعنون أرض بابل ـ. واختلف المؤرخون في اسم أبي إبراهيم هل هو آزر أم تارح؟ والصحيح أن اسمه آزر، لقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٧٤)، وقول الرسول ﷺ : ((يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة ... )) الحديث.

стр. 251

وقال ابن جرير ﵀: والصواب أن اسمه آزر، ولعل له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم، وقال ابن كثير: (هذا الذي قاله ـ ابن جرير ـ جيد قوي. والله أعلم). ٢ - بيان من أُرسل إليهم إبراهيم ﵇: سبق ذكر اختلاف المؤرخين في مكان ولادته، ولعل منشأ هذا الخلاف: وجود الروايات على أن إبراهيم ﵇ قام بدعوته في أرض الكلدانيين، كما أنه قام بدوره في أرض الكنعانيين، وكما يدل بعض الروايات على أنه بلّغ رسالته في أهل حران، وكان النبي يُبعث إلى قومه، فاختلف المؤرخون في مكان ولادته لما رأوا تعدد أماكن دعوته، ولكن الصحيح: أنه ولد بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والها، ثم ارتحل إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فأقام بحران، وهي أرض الكشدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضًا. شرك قوم إبراهيم ﵇: قوم إبراهيم ﵇: هم الصابئة. لقد وجد في هؤلاء القوم نوعان من الشرك؛ وهما الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، أما الشرك في الربوبية: فقد ادعى الربوبية ملكهم ـ

стр. 252

نمرود بن كوش ـ وهو أحد العبيد الضعفاء ـ، قال تعالى في حكاية مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾. وأيضاً: كان من شركهم في الربوبية: اعتقاد تأثير بعض الأشياء بخفاء مما لا يعلم له سبب ظاهر، فإن هذا النوع من الشرك إنما حدث أول مرة في الكلدانيين ـ الذي كانوا يعتقدون تأثير الكواكب في السفليات ـ كما سيأتي: وأما أصل شركهم فكان بعبادة الكواكب والشمس والقمر، وكان في بابل مع هذا: عبادة الأصنام، فكانوا يعبدون الحجارة الصماء والثماثيل البكماء، وكان أهل حران يعبدون الكواكب السبعة في عهده ﵇، فدعا أهل بابل إلى عبادة الله وحده، ثم انتقل إلى حران. قال ابن كثير: (ثم ارتحل إبراهيم وأهله قاصدين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة، والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين؛ يستقبلون القطب الشمالي، ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال، ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون له أعيادًا وقرابين، ولهذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام. وكل من كان على وجه

стр. 253

الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط، وكان الخليل هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذلك الضلال). وكان قوم إبراهيم ـ أهل بابل ـ ينحتون من الخشب والحجارة، ويصورونها ويجعلونها أصنامًا، كما بيَّن الله في كتابه حكاية عن إبراهيم: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)، وقوله تعالى: (إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)، وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً)، وقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لابِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (٤٢). والمقصود: أن في زمان إبراهيم كان الناس يعبدون الكواكب كما كان الناس في زمن نوح يعبدون تماثيل الصالحين، لكن الناس في عهد إبراهيم عبدوا الأصنام والكواكب. وذكر الرازي السبب الذي دعا الناس إلى عبادة هذه الأجرام السماوية، فقال: (إن الناس رأو تغييرات أحوال هذا العالم مربوط بتغييرات الكواكب، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا أن ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من قال: إنها أشياء واجبة الوجود لذاتها، وهي التي خلقت

стр. 254

هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر، ولكنها خالقة لهذا العالم، فالأولون اعتقدوا أنها هي الوسائط بين الله تعالى وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصنامًا وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العلوية ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب، وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب). وذكر الله تعالى مناظرة إبراهيم ﵇ لقومه من عباد الكواكب، وبيَّن إبراهيم ﵇ لهم أن هذه الأجرام السماوية المشاهدة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله ؛ لأنها مخلوقة مدبَّرة تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عنه خافية، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧). وقد كانت مواقف إبراهيم ﵇ مع قومه متعددة، فتارة يحاج والده، وتارة يحاج الجمهور، وتارة يحاج الملك، وتارة يفعل ما يستفزهم به إلى محاجته، كتكسير الأصنام ليكلموه في شأنها، إلى أن أوقدوا النار لتحريقه، فنجاته منها بعد أن ألقي فيها، فهجرته. فإنه بعد أن جهد الجهد كله في سبيل هداية قومه، وبعد أن حاول أن

стр. 255

يقنعهم بكل وسائل الإقناع، لم يحل من قومه بطائل، وجفاء قومه، وألقوه في النار، فجعلها الله تعالى بردًا وسلامًا عليه، وهدده أبوه بأن يرجمه إذا استمر على جحد الأصنام، ولم يؤمن له من قومه سوى زوجته سارة ولوط بن هاران ابن أخيه، فتبرأ إبراهيم من أبيه، ولم يطلب له المقام بين أهله وقومه، فذهب إلى ديار الكلدانيين، ثم حران، ثم رحل إبراهيم بعد ذلك إلى فلسطين غريباً ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط، كما قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وسكن إبراهيم ﵇ ولوط ﵇ في تلك الأنحاء وكانت أرض الكنعانيين، ولكنه لم يطل المقام، بل انتقل إلى مصر، وذلك في عهد جبار من الفراعنة، فأظهر أن التي معه أخته، وأراد الملك أخذها زوجة ولكنه فشل ـ بفضل الله وبعونه ـ، بل زيادة عليه أخدمها هاجر، فأعطتها لإبراهيم، فلما دخل بها أتت منه بغلام هو إسماعيل ﵇، فأسكنه إبراهيم ﵇ عند بيت الله المحرم، ثم عاد يسكن بالشام. بيان مذهب الصابئة: فيما يلي بيان مذاهب الصابئة؛ حتى يتضح موقف إبراهيم ﵇ وبيان ما كان عندهم من أنواع الشرك. هذه المذاهب كانت في القديم من أعظم الأديان انتشارًا في العالم، وكان منشؤها العراق وكعبتها حران، وهي في الأصل دين الكواكب السبعة والاثني عشر، ولتلك الكواكب هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار يصورون

стр. 256

فيها تلك الكواكب، ولهم زيادة على ذلك هيكل ثامن يسمونه هيكل العلة الأولى، وهم خمس فرق: ١ - ما يسمى بالصابئة المعتدلة: وهم الذين يسوون بين الأديان، ويقتبسون الفضائل ويلتزمون الحدود، ويحرمون المحرمات، ويؤمنون ببعض بشارات الأنبياء، ويتشددون كثيرًا في الطهارات، وهي طهارة البدن والثياب. ٢ - الصابئة المنكرون: وهم الذين لا يدينون بشيء في هذا الكون، وإنما يؤمنون بوجود الصانع الحكيم. ٣ - الصابئة المشركة: وهي أقدم فرق الصابئة، يقولون: إن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا مقدسًا عن سمات الحدثان، والبشر مفتقر إلى معرفته افتقارهم إلى طاعته وأوامره، ومحتاج في ذلك إلى متوسط يتقرب به إلى غير جسماني، لأن الوسائط الجسمانية بشرية تنتابها الأعراض، خاضعة لأحكام المادة. أما الوسائط الروحانية المقربة لديه فيجب أن تكون مقدسة .. وتسمى الوسائط أربابًا، وآلهة، ووسائل، وشفعاء عند الله رب الأرباب وإله الآلهة. ويقولون: إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية جرمًا سماويًا، وهو هيكله، فهو مدبره والمتصرف فيه، وقالوا: لا سبيل إلى الروحاني بعينه، فأوجبوا التقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان، وقالوا عن الكواكب السبعة: زحل، والمشترى، والمريخ، والشمس، والقمر، والزهرة، وعطارد: هي

стр. 257

قوة مدبرة لهذا العالم تصدر أوامرها إلى الملأ الأعلى. فنصبوا لها الأصنام على صورها، وأقاموا لها الهياكل وعكفوا على عبادتها. قال ابن القيم: (والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشرة، ويصورونها في هياكلهم، ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار، كالكنائس للنصارى والبيع لليهود، فلهم هيكل كبير للشمس، وهيكل للقمر، وهيكل للزهرة، وهيكل للمشتري، وهيكل للمريخ، وهيكل لعطارد، وهيكل لزحل، وهيكل للعلة الأولى. ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة، ويصورونها في تلك الهياكل، ويتخذون لها أصنامًا تخصها، ويقربون لها القرابين، ولها صلوات خمس في اليوم والليلة نحو صلوات المسلمين). وقالوا: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم، ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الغضبية؛ حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الرواحنيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبوا في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا، وإلههم.

стр. 258

وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات، وذلك بالتضرع والابتهال بالدعوات، من الصلوات والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات والعزائم، فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المعدن الذي أخذت منه الرسل، فيكون حكمنا وحكمهم واحدًا، ونحن وإياهم بمنزلة واحدة. قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع وشركاؤنا في المادة، وأشكالنا في الصورة، يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا علينا. والمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم؛ أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه من إله. الثاني: الإيمان برسله، وما جاؤوا به من عند الله، تصديقًا وإقرارًا وانقيادًا وامتثالاً. وليس هذا مختصًا بمشركي الصابئة ـ كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات ـ بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم، لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات ... . وهم قوم إبراهيم ﵇، الذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريفه. وهو مذهب قديم في العالم وأهله طوائف شتى، فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم والسجود

стр. 259

والدعاء. ومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنمًا بيده جوهرة على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع، وله سدنة وقوام وحجبة، يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلون، ويدعون، ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت وإذا توسطت الفلك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحري الصلاة في هذه الأوقات؛ قطعًا لمشابهة الكفار ظاهرًا، وسدًا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام. وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنعًا، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، ومن شريعة عبّاده: أنهم اتخذوا له صنمًا على شكل عجل يجره أربعة، وبيد الصنم جوهرة، ويعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه. ومنهم من يعبد أصنامًا اتخذوها على صورة الكواكب، وروحانيتها بزعمهم؛ وبنوا لها هياكل ومتعبدات، لكل كوكب منها هيكل يخصه، وصنم يخصه، وعبادة تخصه. ٤ - أما الصابئة الحنفاء: فهؤلاء يرجعون في الدين إلى الاعتقاد بأن البشر محتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في

стр. 260

الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانيات، يماثلنا من حيث البشرية، ويمتاز عنا من حيث الروحانية، فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقن الإنسان بطرف البشرية. ولهم عبادات من الصلوات والصيام مثل ما يفعله المسلمون، ولهم أعياد عند نزول الكواكب الخمسة المتحيرة بيوت أشرافها؛ وهي: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، ويعظمون بيت مكة، ويفرضون الحج إليها، ويعتقدون أنها من بناء هرمس أو إدريس ﵇، وأنها بيت زحل أعلى الكواكب السيارة، وينقل عنهم عارفوهم أنهم قرأوا صفة محمد ﷺ في كتبهم، ويسمونه عندهم: ملك العرب. فهؤلاء هم الحنفاء منهم، فقيل: انقرض دورهم، وإنما الذين بقوا من الصابئة غير هذه الطائفة، خصوصًا منهم: الصابئة المشركة. قال أبو محمد ابن حزم: (وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه، فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله ﷺ من عند الله تعالى، وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون: الحنفاء). وعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، وأصل دين هؤلاء ـ فيما زعموا ـ أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم،

стр. 261

ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولاً وعملاً، ولهذا سموا صابئة؛ أي خارجين، فقد خرجوا عن تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله، إلا ما رأوه فيه من الحق، وكانت كفار قريش تسمي النبي ﷺ الصابئ، وأصحابه: الصبأة. والمقصود: أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية، والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام ورأوا أنهم على صواب. وقد ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه في بطلان ما يعبدون من دون الله بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام أحسن مناظرة وأبينها، ظهرت فيها حجته ودحضت، فقال بعد أن بيّن بطلان إلهية الكواكب والقمر والشمس بأفوالها، وأن الإله لا يليق به أن يغيب أو يأفل، بل لا يكون إلا شاهدًا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبًا قاهرًا، غير مغلوب ولا مقهور، نافعًا لعابده، يملك لعابده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه ويرشده، ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه، وذلك ليس إلا لله وحده، فكل معبود سواه باطل. فلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها، قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).

стр. 262

٥ - أما الصابئة الفلاسفة: فهم طائفة كانوا لا يعتقدون بشريعة معينة، ولا يلتزمون مذهبًا خاصًا، بل يؤمنون بروحانية الكواكب فقط، ويأخذون بمحاسن ما دلت عليه العقول ـ بزعمهم ـ سواء وافق الأديان أم لم يوافقها، وهي تعرف الدين بأثره، فإن أورث السلامة والرحمة والكف عن الأذى فهو الحق، وإن أورث الفساد والظلم فهو باطل. قال ابن القيم: (وأكثر هذه الأمة فلاسفة، والفلاسفة يأخذون من كل دين ـ بزعمهم ـ محاسن ما دلت عليه العقول، وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم، وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه، وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك). وهم ـ الدهرية ـ الذين يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما يهلكنا إلا الدهر، ففشت هذه العقيدة عن طريق هؤلاء الفلاسفة، وهو تعطيل المصنوع عن الصانع. قال ابن القيم: (والمقصود: أن الصابئة فرق؛ صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل، من غير تقيد بملة ولا نحلة، ثم منهم من يقر بالنبوات جملة، ويتوقف في التفصيل، ومنهم من يقر بها جملة وتفصيلاً، ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلاً) فهذا هو حقيقة الشرك في قوم إبراهيم ﵇.

стр. 263

المبحث الخامس في بيان الشرك في قوم لوط ﵇ قوم لوط ﵇: ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل ﵇ من الأمور العظيمة قصة لوط ﵇ وما حل بقومه من النقمة الغميمة؛ وذلك أنه لما آمن لوط بن هاران بن آزر بدعوة عمه إبراهيم ﵇، وهاجر معه إلى بابل، كما قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وصاحبه في جميع رحلاته، استقر أخيرًا في سدوم من أرض غور زغر بعد عودتهم من مصر، وفيما يلي بيان حال لوط ﵇ وقومه: نسبه ﵇ ومكانه: هو نبي الله تعالى لوط بن هاران بن آزر ـ وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇ آمن بإبراهيم ﵇ واهتدى بهديه، وقد بعثه الله إلى أرض سدوم، وكانت قرية من الأردن. يذكر المؤرخون أن قوم لوط أمة عظيمة

стр. 264

عاشت في حياة إبراهيم ﵇، وكانوا يسكنون سدوم، وهي أكبر قرى قوم لوط الأربعة، وهي: (صنعة، وصعوة، وعثرة، ودوما). ويذكر ابن كثير في تفسيره: بأن (مكان هذه القرى قد تحول بفعل العذاب إلى بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلد الغور، متاخمة لجبال بيت المقدس بينها وبين بلاد الكرك والشوبك). ومن المؤرخين من يحدد مكانها حاليًا بالبحر الميت، أو بحيرة لوط. ويرى بعض العلماء أن البحر الميت لم يكن موجودًا قبل هذا الحادث، وإنما حدث بالزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وفي هذا العصر اكتشف أن آثار مدن قوم لوط تقع على حافة البحر الميت. معتقد قومه ومعصيتهم (الشرك في هؤلاء القوم): كانوا أفجر الناس، وأخبثهم سيرة وسريرة، وأسوأهم طوية، فقد أضافوا إلى ما كان منهم من الشرك رذائل أخرى هي من أشنع الرذائل، فكانوا يحاربون الله وأنبياءه ويسعون في الأرض فسادًا، ويقطعون الطريق، ويخونون الصديق، وكان من أخطرها ابتداع فاحشة اللواط في المجتمع الإنساني بإتيانهم الذكران من العالمين، وترك ما أحله الله تعالى لهم، وما خلق لهم من أزواجهم، استعاضة منهم بالحرام عن الحلال، واستبدال الخبيث بالطيب، ورغبة في الرذالة عن الطهارة، ومع هذا تعروا من كل فضيلة،

стр. 265

وتلبسوا بكل رذيلة، فنزعوا عنهم جلابيب الحياء، واتفق في حقهم أنهم كانوا من أشر أهل الأرض طوية وأفسدهم سريرة، وأرداهم خلاقًا، لا يستحيون من منكر، بل يأتون في ناديهم المنكر جهارًا وعلنًا دون حياء أو خجل، ولا يتعففون عن معصية، بل ويأتونها على رؤوس الأشهاد دون وازع من دين أو تأنيب ضمير؛ يسفاد هذا مما قصه الله تعالى علينا من أخبارهم، وكفى باستيائه ﵇ من مجيء أضيافه خوفًا من انتهاك كرامتهم من قبل المكذبين من قومه شاهدًا على جرمهم، كما قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ). وكان من خصالهم ما يلي: تصفيف الشعر، وحل الإزار، ورمي البندق، والخذف بالحصى، واللعب بالحمام والطيارة، والنرد، والشطرنج، والصفير بالأصابع، وفرقة العلك، وإسبال الإزار، (أي إذا لبسوه)، وحل أزار الأقبية، وإدمان شرب الخمر، وإتيان الذكور، والتضارط في مجالسهم. وهذه الخصال كلها أو بعضها معنية بالآية التي ذكرت في سورة العنكبوت: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)، وقد قال الإمام ابن

стр. 266

جرير الطبري: (إن الصواب من القول من ذلك عندي قول من قال: عني بالمنكر ... خذوفهم من مر بهم وسخريتهم منه). وعلى كلٍ: قد أتوا من الفواحش التي ما سبقهم بها أحد من العالمين، فدعاهم أخوهم لوط إلى الله ، ونهاهم عن فعل الفاحشة، وإتيان المنكر في ناديهم، فما كان جواب قومه على هذه الدعوة الخالصة والنصيحة المشفقة إلا الصدود والإعراض عن دعوته، بل هددوه بالإخراج من قريتهم، وقالوا له: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، وبينوا السبب بقولهم: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)؛ أي أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى توحيد الله وعدم الإشراك به، وينكرون علينا إتيان الذكران من العالمين، ويجتنبون الفواحش والبغي والإثم. فأعلن لوط البراءة منهم، وقال: (إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ)، وقال لما نفذ صبره: (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)، ودعا الله أن ينجيه وأهله مما يعملون، فنجاه الله وأهله أجمعين، إلا امرأته فإنها كانت على دين قومها، وكانت تخونه وتدلهم على أضيافه، فكانت من الغابرين؛ أي الباقين في العذاب، فلما أراد الله إهلاكهم أرسل الله إليهم جندًا من الملائكة ليرسلوا عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين. قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا

стр. 267

حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ). هذا ما ذكره الله من حال قوم لوط، فهل كان فيهم الإشراك بالله؟ اختلفوا فيه على قولين: القول الأول: وقف بعض العلماء على ظاهر ما قصه الله علينا من خبر نبيه لوط ﵇؛ حيث اقتصر ظاهر الآيات على النهي من ارتكاب الفاحشة والتحذير من عاقبتها، فيستنبط من خلالها أن القوم ليس فيهم شرك وإلا لنهوا عنه، وأمروا بعبادة الله تعالى وحده، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض مصنفاته؛ إذ يقول بعد أن ذكر هلاك قوم صالح وأهل مدين: (وقوم لوط ذكر عنهم استحلال الفاحشة، ولم يُذَكَّرُوا بالتوحيد بخلاف سائر الأمم، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مشركين). القول الثاني: نظر بعض المفسرين إلى الأصول العامة لدعوة الرسل ﵈، وأهمها الدعوة إلى توحيد الله تعالى، كما جاء في سورة الأنعام في قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ـ إلى قوله تعالى ـ: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وكما جاء في سورة الأنبياء في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ). فبناء على هذا نصوا على أنه ﵇ نهى قومه عن الشرك، ومن ذلك: ما ذكره ابن كثير في قوله: (دعاهم إلى الله تعالى أن يعبدوه وحده لا شريك له،

стр. 268

وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوا في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله من إتيان الذكور دون الإناث). وهكذا جاء في تاريخه قوله: (فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والأفاعيل المستقبحات). وأورد القرطبي في تفسيره عن ابن عباس ﵁ في ذكر معاصي قوم لوط، فقال بعد تعدادها: (ومع هذا كله كانوا يشركون بالله تعالى، وهم أول من ظهر على أيديهم اللوطية والسحاق). ثم هو ﵇ بدأهم بالأمر بتقوى الله، وأعلمهم بأنه رسول الله، وأن من حق الرسول أن يطاع فيما يخبرهم به من مناهج العبادة لله وحده، ثم أتبع ذلك أن بيَّن لهم بعض مناهجهم المخالفة لأمر الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ). فهو ﵇ جعل معاني العقيدة في المقام الأول، وربط المفاسد

стр. 269

الخطيرة في المجتمع بمعاني العقيدة. واستدل محمد رشيد رضا في المنار على أن لوطًا ﵇ قد دعا قومه إلى توحيد الله تعالى، وأنه لم يترك تحذيرهم من الشرك، بدلالة سياق الآيات؛ إذ يقول عند تفسيره لقوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ): (النسق الذي قبل هذا يقتضي أن يكون المعنى: وأرسلنا لوطًا، ولكن حذف هنا متعلق الإرسال وركنه الأول وهو توحيد العبادة للعلم له بما قبله، ومما ذكر في غير هذه السورة، أي: أرسلناه في الوقت الذي أنكر على قومه بفعل الفاحشة فيما بلغهم من دعوى الرسالة). ونظر بعض المفسرين إلى التوافق الزمني بين لوط والخليل إبراهيم ﵉، وإيمان لوط بإبراهيم كما جاء في قوله تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فقال: إن النسب في عدم التصريح بدعوة لوط ﵇ قومه إلى التوحيد؛ لأن لوطًا ﵇ كان له قوم، وكان قومه على قرب من قوم إبراهيم وفي زمانه، وقد سبقه إبراهيم ﵇ بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، واجتهد فيه حتى اشتهر

стр. 270

إبراهيم ﵇ بالدعوة إليه تعالى عند الخلق قاطبة، فلم يذكر على لسان لوط ﵇ التصريح بالدعوة إلى توحيده استغناءً بما قام به إبراهيم ﵇، وإنما ذكر ما اختص به لوط ﵇ من المنع عن الفاحشة وغيرها، وأما غيره من الرسل الذي جاء الخبر عنهم صريحًا بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، فلأنهم جاؤوا بعد انقراض من كان يعبد الله ويدعو إليه سبحانه، فلذلك دعا كل منهم إلى عبادة الله تعالى. والذي أميل إليه: أن لوطًا ﵇ أمر قومه بعبادة الله تعالى، ونهاهم عن الشرك؛ بدلالة سياق الآيات، وبالنظر أيضًا إلى الأصول المشتركة بين الأنبياء ﵈ في الدعوة إلى الله تعالى، ثم إن الحق ﵎ نفى الإيمان عمن أهلك من قوم لوط حال إهلاكهم، فقال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، ومعلوم أن المعاصي لا تخرج الناس من الإيمان؛ فلم يبق إلا أن نقول أنهم كانوا مشركين بالله، أو كانوا كافرين. وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: إنهم ـ أي قوم لوط ـ كانوا مشركين إلى جانب إتيان الفاحشة؛ حيث قال: (فكان في قوم لوط مع الشرك إتيان الفواحش التي لم يسبقوا إليها). وقال أيضًا: (وقال ـ أي الله جل وعلا ـ في قوم لوط: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)، وكانوا كفارًا، من جهات: من جهة استحلال

стр. 271

الفاحشة، ومن جهة الشرك، ومن جهة تكذيب الرسل، ففعلوا هذا وهذا، ولكن الشرك والتكذيب مشترك بينهم وبين غيرهم ... ). وقال الإمام ابن القيم: (إنهم كانوا مشركين). ثم (كونه ﷺ آمن بإبراهيم ﷺ لا يمنع استقلاله برسالة وقوم؛ لأن الرسل أمروا أن يؤمن بعضهم ببعض، وأن يؤمن المتأخر بالمتقدم، وجعل الله من كذب برسول واحدًا تكذيبًا لجميع الرسل، كما قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ). وما جدال إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) إلا بعد أن عرف أن الحجة قامت عليهم كاملة، من الأمر بعبادة الله تعالى، ونهيهم عن سائر الفواحش والآثام. وأما عدم قص الله تعالى علينا معبوداتهم وشركهم كما يذكره القائلون بأن هؤلاء ما كانوا مشركين، فنقول: حتى وإن لم يكونوا يعبدون غير الله من الأصنام والأوثان والكواكب وغيرها ـ على الافتراض ـ إلا أنهم كانوا يعبدون هواهم، ألا ترى إلى قولهم: (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ)، وقوله تعالى عنهم: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).

стр. 272

فمعلوم أنهم عبدوا هواهم، وقدموا أهواءهم النفسية على أمر الله ، وأحبوا معاصيهم بأعمال قلوبهم، فصار هذا الأمر من معبوداتهم، ينطبق عليهم قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ... )، ومعلوم أن أحدًا لا يقول: إن إلهه هواه، وإنما المراد: أنه يمشي وراء هواه فيعبده حيث تعلق به قلبه دائمًا بالحب والذل والخضوع. وهذه الحالة هي الظاهرة المسيطرة على قوم لوط في ارتكابهم الفاحشة، وبهذا ينطبق عليهم أنهم أشركوا بالله بعبادة هواهم، فأمرهم الله بعبادته وحده بترك عبادة هواهم الذي قادهم إلى ارتكاب الفواحش، والله أعلم.

стр. 273

المبحث السادس في بيان الشرك في قوم يوسف ﵇ يوسف ﵇ وقومه: ثم جاء دور أبناء إبراهيم ﵇ وهم على التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، فقد مضى عهد إسحاق وإسماعيل ويعقوب ﵇ وهم أنبياء ورسل من الله ، ولم يأت لدينا ما يدل على وجود أي نوع من أنواع الشرك في أقوامهم، حتى جاء الله في القرآن بقصة يوسف ﵇ عندما كان في مصر، وفيما يلي ذكر نبذة من تعريفه، وإلى من أُرسل؟ وما كان طبيعة الشرك فيمن أرسل إليهم. أما نسبه: فهو: يوسف الصديق ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم ﵈). وكما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: (( ... قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)). وهو الذي أنزل الله في شأنه سورة طويلة تقص علينا حياته الكريمة

стр. 274

ومراحلها من طفولته إلى موته، وكيف تقلبت به الأحوال، وما واجه من صعاب، فتلقاها بقوة النبوة وصبرها، وحكمتها، وحلمها، ولا يستغرب ذلك عنه؛ فإنه سليل هؤلاء الأنبياء الكبار، فلا عجب إن كان على غرارهم في الصدق والإخلاص وشدة الحماس في الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك، وانتهاز كل فرصة لبثِّ هذه الدعوة وتبليغها والوقوف ضد الشرك والوثنية. أما موضع إرساله: فبظهور يوسف ﵇ تبدأ مرحلة جديدة في الدعوة إلى عبادة الله الواحد، ونبذ الشرك والوثنية، يكون مركزها مصر بدلاً من فلسطين، فقد جاء يوسف ﵇ إلى مصر وهو غلام صغير حين كاد له إخوته وألقوه في غيابة الجب، وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ليستقي لهم من البئر، فتعلق يوسف برشاء الدلو وخرج، وما إن رآه الرجل حتى هتف: يا بشرى هذا غلام! ، وأسرّوه بضاعة وعرضوه للبيع في أسواق مصر، فبيع بثمن بخس؛ دراهم معدودة. وكان الذي اشتراه هو عزيز مصر الذي أوصى به امرأته خيرًا، وقد امتُحن الصديق في بيت هذا الرجل امتحانًا رهيبًا؛ حيث راودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلَّقت الأبواب، وقال: هيت لك، ولكن الصديق يجيبها بجواب حاسم يقطع طمعها فيه، ويرجع إليها ما عزب من ضميرها فيقول: (مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ). وكان بعد ذلك ما كان من إيداعه السجن بعد ظهور براءته ودخول فتيين

стр. 275

معه السجن، وطلبهما منه أن يعبر لهما عن رؤياهما، وتحدثه إليهما بما أنعم الله به عليه من علم تعبير الرؤيا، وهجر الملل الباطلة، والتمسك بدين الله آبائه وأجداده في التوحيد والإيمان، ووعظه لهم بأن يسلكا سبيله في ذلك تاركين عبادة هذه الأرباب المتفرقة التي لا حقيقة لها، وإنما هي أسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان. هذا ما حدث في حياة يؤسف ﵇، ولكن إذا كان مما لا شك فيه أنه كان نبياً ورسولاً فينبغي ألا يُشك أيضًا في أن مجال رسالته كان في مصر؛ فإنه لم يُعرف فيما نقل إلينا من أخباره أنه خرج منها، بل الثابت أنه ظل بها إلى أن مات ودفن بها. ولقد جاءت آية صريحة من سورة غافر تدل على أن رسالته كانت في أهل مصر، وهي قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون يخاطب قومه ويحضهم على الإيمان بموسى ﵇: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ). ولكن متى أرسل يوسف ﵇؟ ليس هناك في الواقع نص يحدد لنا بدء إرساله، والذي يُرجَّح أن يكون يوسف ﵇ قد أُرسل في الفترة التي قضاها في السجن؛ لأن كلامه مع صاحبي السجن اللذين دخلا معه؛ من تعبيره لرؤيا كل منهما، ودعوته إياهما إلى التوحيد، وقوله لهما: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ)، يكاد يكون صريحًا في الدلالة على

стр. 276

حصول النبوة له آنذاك. الشرك في قوم يوسف: لقد قصَّ الله شرك هؤلاء القوم من خلال دعوة يوسف ﵇ لصاحبي السجن؛ حيث قال عن يوسف بأنه قال للفتيان: (لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). يُفهم من هذا النص القرآني أن يوسف ﵊ رأى فساد قصور الفراعنة في مصر وظلمها، وعرف عقائد الأمة التي عاش فيها، عرف ما فيها من فساد ووثنية؛ تتخذ الأصنام والأبقار آلهة مع الله، ومما يفهم من هذا النص: ١ - أنهم كانوا يشركون بالله في عبادته، لقوله تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً).

стр. 277

٢ - أنهم كانوا يحكمون حسب أهوائهم، فذكَّرهم بأن الحكم لا يكون إلا من الله، وأن هذا يُعد من العبادة، لقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ). ٣ - أنهم كانوا يسمون معبوداتهم أربابًا، دون أن يشركوا بالله في الربوبية، كما قاله البعض في تفسير قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ). ٤ - قيل: وجد عند بعضهم الشرك في الربوبية أيضًا، بدليل قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، وقوله تعالى: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)، ولكن ما كانت هذه عقيدة الجماهير، بل الجماهير كانوا يعترفون بالإله الواحد الخالق لهذا الكون، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن هذه النسوة: (وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ). وسيأتي مزيد من البسط في عقيدة المصريين عندما تأتي قصة موسى وفرعون، ويكفي هنا أن يقال بأنهم كانوا أهل أوثان وقد اتخذوا آلهة معبودة، فقام نبي الله يوسف ﵇ بالدعوة فيهم، فآمن به فرعون ذلك

стр. 278

الزمان، ثم هلك وجاء ملك آخر الذي غير الدين الحنيف المسيطر على الناس.

стр. 279

المبحث السابع في بيان الشرك في قوم شعيب ﵇ شعيب ﵇ وقومه: ثم تأتي قصة مدين شعيب ﵇، وقد جاءت قصته قرينة قصة قوم لوط ﵇ في كتاب الله في مواضع متعددة، فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح، ولكني آثرت ذكر قصة يوسف ﵇ مع قومه من أهل مصر حفاظًا على التسلسل التاريخي؛ فإنه قد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس ﵁: أن شعيبًا ﵇ كان بعد يوسف ﵇، وسيأتي فيما يلي نسب هذا النبي الكريم الذي أرسله الله إلى أهل مدين، وما كان فيهم من الشرك بالله. أما نسبه ﵇: فهو: (شعيب بن مكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم ﵇ وقد ذكر المؤرخون أقوالاً أخرى في تحديد نسبه ﵇، بين اتفاق واختلاف في ألفاظ سياق النسب، وأكثر من ذكر نسبه يرجعون إلى سلالة إبراهيم الخليل ﵇. وأما قوله: فهم (مدين)، ورد ذكرهم في كتاب الله تعالى بلفظ (مدين)

стр. 280

إخبارًا عن الإرسال كما في قوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) وبلفظ (الأيكة) في معرض الذم والانتقام، كما في قوله تعالى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ). وكلا اللفظين: المراد بهما ما هية الأمة التي بلغها شعيب ﵇ دعوته، وبيان أنها أمة واحدة لا أمتان على المشهور من أقوال المفسرين، ولكل من التسميتين ما يؤيده، ومدين من ولد نبي الله إبراهيم الخليل ﵇، وعلى هذا فالمراد بنو مدين، كما يقال: مضر، والمراد بنو مضر، ويعرفون بها، فإن شئت قلت: بنو مدين، نسبة إلى القبيلة، وإن شئت قلت: أهل مدين؛ نسبة إلى المكان الذي أضحى محل سكناهم. وأما نسبتهم إلى (الأيكة) فيرجع إلى ما نبت في أرضهم من أشجار كثيرة ملتفة؛ إذ إنهم كانوا أهل غياض ورياض كثر عندهم اخضرار الشجر ونبات الشمر، حتى أصبح من كثرته ملتفًا بعضه على بعض. والأيكة: في لغة العرب: الغيضة وهي الشجر الكثير الملتف، الواحدة (أيكة)، وإنما سموا أصحاب الأيكة؛ لأنهم كانوا أصحاب غياض ورياض. وفي قراءة: (ليكة) على أنه اسم للقرية.

стр. 281

قال في الصحاح: (من قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ ليكة فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة). ومدين هذه بلدة عامرة في وادي عفال غرب تبوك على بعد (٣٢٠) كم تقريبًا، وشرق ساحل الخليج على سبعين كم، تربطها بالجهتين طريق معبدة تسمى الآن بالبدع، وهي حسنة الزرع آهله بالسكان، وبها آثار النبي شعيب المعروفة بمغائر شعيب. عقيدة قوم شعيب: انحرافات قوم شعيب نوجزها فيما يلي: ١ - عبادة غير الله من الأصنام والأوثان والأهواء وغيرها من الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم وأجدادهم. قال الحافظ ابن كثير: (وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك ـ وهو الدوم ـ حولها غيظة ملتفة بها)، وقال أيضًا: (أصحاب الأيكة هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفَسَهم، وإنما لم يقل: أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة ـ وقيل: شجر ملتف ـ كالغيضة كانوا يعبدونها ... ). فثبت أنهم قوم كفروا بالل ، واتجهوا بالعبادة إلى غيره سبحانه، ويدل عليه أيضًا دلالة الأمر والنهي في قوله تعالى: (اعْبُدُوا

стр. 282

اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). هذا إلى جانب بعض الكبائر السائدة بينهم، وهي ما يلي: ٢ - سوء المعاملة في البيع والشراء ... ، كانوا إذا اكتالوا من الناس يأخذون حقهم وزيادة، وإذا كالوهم ينقصون. قال تعالى: (وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ). ٣ - كانوا يبخسون الناس أشياءهم، وهذا أعم مما سبق، فإن البخس يشمل النقص والعيب في كل شيء، والأشياء أعم من المكيل والموزون، قال تعالى: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)؛ حيث نهاهم نبيهم بهذا القول عن البخس في الأموال. ٤ - الفساد في الأرض، بكل ما تعنيه كلمة فساد من ظلم وبغي وعدوان على الأنفس والأعراض والأموال، قال تعالى حكاية عن دعوة شعيب لقومه: (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ). ٥ - الصد عن سبيل الله، فكانوا يجلسون في الطرقات، ويحذرون المارة من شعيب، وكانوا يتوعدون المؤمنين ويتهددونهم. قال تعالى حكاية عن دعوة شعيب: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا).

стр. 283

٦ - ومما كان في معتقداتهم: إنكار التدخل من قبل شعيب في أمور دنياهم كما أنكروا عليه التدخل في أمور دينهم، فقالوا: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ). يروى عن ابن عباس أنه قال: كان شعيب نبياً ورسولاً من بعد يوسف، وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، فكانوا ـ مع ما كان فيهم من الشرك ـ أهل بخس في مكايلهم وموازينهم، مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم، وكانوا قومًا طغاة بغاة، يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه، وكان أول من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون: دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس، يعني بالنقصان، فذلك قوله: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا). وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب ويقولون: لا تسمعوا منه، فإنه كذاب يفتنكم، فذلك قوله: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ) الناس إن اتبعتم شعيباً فتنكم ـ ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، أي إلى دين آبائنا، فقال عند ذلك: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ). قال ابن عباس: كان حليمًا صادقًا وقورًا، وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر شعيبًا يقول: ((ذلك خطيب الأنبياء))؛ لحسن مراجعته قومه فيما

стр. 284

دعاهم إليه وفيما ردوا عليه. وكان ﵇ كثير الصلاة، مواظبًا على العبادة فرضها ونفلها، فلما نهاهم وأمرهم، عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزءوا به، فقالوا ما أخبر الله عنهم بقوله: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ). أي (قال قوم شعيب: يا شعيب، أصلاتك تأمرك أن نتركعبادة ما يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من كسر الدراهم وقطعها وبخس الناس في الكيل والوزن). وبذلك ردوا عليه في دعوته لنبذ الشرك، وعدم النقص في الكيل والوزن، أما الأول فردوا عليه بأنهم ساروا على منهج آبائهم وأسلافهم في التدين والإيمان، وردوا على الثاني بأنهم أحرار في أموالهم يتصرفون فيها بما يجلب لهم المصلحة فيها، فهؤلاء المستغلون الشرهون من قوم ش عيب لم يتمالكواأنفسهم من الغضب والاستعلاء، وأخذوا يتبجحون بأن المال الذي يكتسبونه من تجارتهم هو مالهم الخاص، ولذلك فهم فيه أحرار يفعلون به ما يشاؤون، ويتصرفون فيه كيف يريدون، ورفضوا تقييد حريتهم بأي قيد في معاملاتهم التجارية التي اعتادوها، فهم حريصون على اكتساب أكبر ربح

стр. 285

ممكن بأمثل عوض ممكن، ويعتبرون هذا الأسلوب في التجارة هو أسلوب التجار العقلاء الراشدين في معاملاتهم، ويرون التدخل فيه خطرًا على حريتهم ومعاشهم. والخلاصة: أنهم ردوا عليه الناحيتين الدينية والدنيوية بما رأوا من شبه مزيفة وحجج آسنة، فالاستفهام في قوله تعالى: (أَصَلَاتُكَ) للإنكار عليه والاستهزاء به، فإنه لما كان كثير الصلاة وكانوا من فرط سفههم يظنون أن هذه الصلاة من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين، قالوا لنبيهم: ما علاقة صلاتك بديننا وعقائدنا التي ورثناها عن آبائنا جيلاً بعد جيل؟ ! وما علاقة صلاتك بأموالنا وتجارتنا التي من حقنا أن نفعل فيها ما نشاء من تطفيف ومكوس؟ ! (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ): قالوا ذلك استهزاءً وسخرية به، وإنما قالوها لأنهم ما يفهمون معنى ما جاء به شعيب ﵇ كما قالوا (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ). فكانوا يظنون أن الدين هو ما يفعله شعيب من الصلاة والقراءة والأدعية وغيرها، فرأوا أن المنع عن عبادة غير الله والتصرف السيء في أموالهم ليس إلا مجرد الوسوسة التي نتجت عن أدائه للصلاة، فلم يفهموا التوحيد، ولا الدين بصورته الكاملة، ولهذا بدأوا يستهزؤون به بقولهم: (إِنَّكَ لَأَنْتَ
следующие страницы →