← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال في الصحاح: (من قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ ليكة فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة). ومدين هذه بلدة عامرة في وادي عفال غرب تبوك على بعد (٣٢٠) كم تقريبًا، وشرق ساحل الخليج على سبعين كم، تربطها بالجهتين طريق معبدة تسمى الآن بالبدع، وهي حسنة الزرع آهله بالسكان، وبها آثار النبي شعيب المعروفة بمغائر شعيب. عقيدة قوم شعيب: انحرافات قوم شعيب نوجزها فيما يلي: ١ - عبادة غير الله من الأصنام والأوثان والأهواء وغيرها من الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم وأجدادهم. قال الحافظ ابن كثير: (وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك ـ وهو الدوم ـ حولها غيظة ملتفة بها)، وقال أيضًا: (أصحاب الأيكة هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفَسَهم، وإنما لم يقل: أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة ـ وقيل: شجر ملتف ـ كالغيضة كانوا يعبدونها ... ). فثبت أنهم قوم كفروا بالل ، واتجهوا بالعبادة إلى غيره سبحانه، ويدل عليه أيضًا دلالة الأمر والنهي في قوله تعالى: (اعْبُدُوا

стр. 282

اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). هذا إلى جانب بعض الكبائر السائدة بينهم، وهي ما يلي: ٢ - سوء المعاملة في البيع والشراء ... ، كانوا إذا اكتالوا من الناس يأخذون حقهم وزيادة، وإذا كالوهم ينقصون. قال تعالى: (وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ). ٣ - كانوا يبخسون الناس أشياءهم، وهذا أعم مما سبق، فإن البخس يشمل النقص والعيب في كل شيء، والأشياء أعم من المكيل والموزون، قال تعالى: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)؛ حيث نهاهم نبيهم بهذا القول عن البخس في الأموال. ٤ - الفساد في الأرض، بكل ما تعنيه كلمة فساد من ظلم وبغي وعدوان على الأنفس والأعراض والأموال، قال تعالى حكاية عن دعوة شعيب لقومه: (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ). ٥ - الصد عن سبيل الله، فكانوا يجلسون في الطرقات، ويحذرون المارة من شعيب، وكانوا يتوعدون المؤمنين ويتهددونهم. قال تعالى حكاية عن دعوة شعيب: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا).

стр. 283

٦ - ومما كان في معتقداتهم: إنكار التدخل من قبل شعيب في أمور دنياهم كما أنكروا عليه التدخل في أمور دينهم، فقالوا: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ). يروى عن ابن عباس أنه قال: كان شعيب نبياً ورسولاً من بعد يوسف، وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، فكانوا ـ مع ما كان فيهم من الشرك ـ أهل بخس في مكايلهم وموازينهم، مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم، وكانوا قومًا طغاة بغاة، يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه، وكان أول من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون: دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس، يعني بالنقصان، فذلك قوله: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا). وكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب ويقولون: لا تسمعوا منه، فإنه كذاب يفتنكم، فذلك قوله: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ) الناس إن اتبعتم شعيباً فتنكم ـ ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، أي إلى دين آبائنا، فقال عند ذلك: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ). قال ابن عباس: كان حليمًا صادقًا وقورًا، وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر شعيبًا يقول: ((ذلك خطيب الأنبياء))؛ لحسن مراجعته قومه فيما

стр. 284

دعاهم إليه وفيما ردوا عليه. وكان ﵇ كثير الصلاة، مواظبًا على العبادة فرضها ونفلها، فلما نهاهم وأمرهم، عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزءوا به، فقالوا ما أخبر الله عنهم بقوله: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ). أي (قال قوم شعيب: يا شعيب، أصلاتك تأمرك أن نتركعبادة ما يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من كسر الدراهم وقطعها وبخس الناس في الكيل والوزن). وبذلك ردوا عليه في دعوته لنبذ الشرك، وعدم النقص في الكيل والوزن، أما الأول فردوا عليه بأنهم ساروا على منهج آبائهم وأسلافهم في التدين والإيمان، وردوا على الثاني بأنهم أحرار في أموالهم يتصرفون فيها بما يجلب لهم المصلحة فيها، فهؤلاء المستغلون الشرهون من قوم ش عيب لم يتمالكواأنفسهم من الغضب والاستعلاء، وأخذوا يتبجحون بأن المال الذي يكتسبونه من تجارتهم هو مالهم الخاص، ولذلك فهم فيه أحرار يفعلون به ما يشاؤون، ويتصرفون فيه كيف يريدون، ورفضوا تقييد حريتهم بأي قيد في معاملاتهم التجارية التي اعتادوها، فهم حريصون على اكتساب أكبر ربح

стр. 285

ممكن بأمثل عوض ممكن، ويعتبرون هذا الأسلوب في التجارة هو أسلوب التجار العقلاء الراشدين في معاملاتهم، ويرون التدخل فيه خطرًا على حريتهم ومعاشهم. والخلاصة: أنهم ردوا عليه الناحيتين الدينية والدنيوية بما رأوا من شبه مزيفة وحجج آسنة، فالاستفهام في قوله تعالى: (أَصَلَاتُكَ) للإنكار عليه والاستهزاء به، فإنه لما كان كثير الصلاة وكانوا من فرط سفههم يظنون أن هذه الصلاة من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين، قالوا لنبيهم: ما علاقة صلاتك بديننا وعقائدنا التي ورثناها عن آبائنا جيلاً بعد جيل؟ ! وما علاقة صلاتك بأموالنا وتجارتنا التي من حقنا أن نفعل فيها ما نشاء من تطفيف ومكوس؟ ! (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ): قالوا ذلك استهزاءً وسخرية به، وإنما قالوها لأنهم ما يفهمون معنى ما جاء به شعيب ﵇ كما قالوا (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ). فكانوا يظنون أن الدين هو ما يفعله شعيب من الصلاة والقراءة والأدعية وغيرها، فرأوا أن المنع عن عبادة غير الله والتصرف السيء في أموالهم ليس إلا مجرد الوسوسة التي نتجت عن أدائه للصلاة، فلم يفهموا التوحيد، ولا الدين بصورته الكاملة، ولهذا بدأوا يستهزؤون به بقولهم: (إِنَّكَ لَأَنْتَ

стр. 286

الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)، أي سفهوه وجهلوه بهذا الكلام. ولكن نبي الله وخطيب الأنبياء أجابهم على ذلك بأحسن جواب وألطفه؛ حيث قال: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ). فما كان من القوم الغلاظ الأكابر القساة القلوب إلا أن أصموا آذانهم عن النصح وهددوا نبيهم بالرجم، وقالوا: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ). مصرعهم ومصيرهم: ولم ينته شعيب ﵇ أن دعاهم، فلما عتوا على الله أخذتهم الرجفة، وذلك أن جبريلنزل فوقف عليهم فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض فخرجت أرواحهم من أبدانهم، فذلك قوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ). وذلك أنهم حين سمعوا الصيحة قاموا قيامًا وفزعوا لها، فرجفت بهم

стр. 287

الأرض فرمتهم ميتين، ويدل عليه قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)؛ أي أخذت الذين كفروا من قوم شعيب الرجفة وهي الزلزلة المحركة بعذاب الله. وكانت صفة العذاب: أنهم لما سألوا العذاب فتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم، فأهلكهم الحر منه، فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة بها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها، فتنادوا: الظلة عليكم بها، فلما اجتمعوا تحت السحابة ـ رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ـ انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو قوله: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). قال القرطبي: (قوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم)، قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

стр. 288

المبحث الثامن في بيان أمم أهلكوا بعامة في هذه الفترة، قبل موسى ﵇ وبيان شركهم بالله تأتي قصة أمم أهلكوا بعامة بعد هذا في الترتيب التاريخي، وذلك قبل نزول التوراة، بدليل قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ). وكما رواه الطبري وابن أبي حاتم والبزار، من حديث عوف الأعرابي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء أو من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مُسخت قردة، ألم تر أن الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ)، ورفعه البزار في رواية له، والأشبه ـ والله أعلم ـ وقفه.

стр. 289

فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة كانت قبل موسى ﵇، فمنها: ١ - أصحاب الرس: قال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)، وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ)، وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا. التعريف بالرس: واختلف المؤرخون في تعيينهم وبيان عقيدتهم، فقالوا في الرس: ١ - أنه في كلام العرب يطلق على البئر التي تكون غير مطوية، والجمع رئاس. ٢ - إنه كل حفرة في الأرض من بئر أو قبر. ٣ - إن الرس معدن. قاله أبو عبيدة. ٤ - إنه قرية من قرى اليمامة يقال لها: الفلج من ثمود. قاله قتادة. ٥ - وقيل غير ذلك ... أنه ما بين نجران واليمن إلى حضرموت، قاله بعض المفسرين.

стр. 290

وقيل: الرس ماء ونخل لبني أسد. وقيل: الثلج المتراكم في الجبال. ويطلق أيضًا على الإصلاح بين الناس والإفساد بينهم، فهو من الأضداد. من هم أصحاب الرس؟ اختلفوا فيه، على أقوال: ١ - قيل: هم قوم شعيب، حكاه بعض المفسرين. ٢ - إنهم قوم رسوا نبيهم في بئر، قاله عكرمة. ٣ - إنهم قوم كانوا نزولاً على بئر يعبدون الأوثان، وكانوا لا يظفرون بأحد يخالف دينهم إلا قتلوه ورسوه فيه. وكان الرس بالشام، قاله الضحاك. ٤ - إنهم قوم أرسل الله إليهم نبيًا فأكلوه، وهم أول من عمل نساؤهم السحر، قاله الكلبي. ٥ - إنهم قوم باليمامة كان لهم آبار، قاله قتادة، وعنه رواية عند ابن عساكر: بأنهم قوم شعيب. ٦ - إنهم بئر قتل فيها صاحب يس ورسوه، روي عن الضحاك، وهو قول

стр. 291

السدي، وقول مقاتل أيضًا. ٧ - روايات عن ابن عباس ﵁، وهي: أ- أنهم أهل بئر بأذريبجان، قتلوا أنبياءهم فخفت أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعًا وعطشًا. ب- وروى ابن جرير عنه أنه قال: الرس قرية من ثمود. ج- وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه سأل كعبًا عن أصحاب الرس قال: (صاحب البئر الذي قال: يا قوم اتبعوا المرسلين ... ). ٨ - أنهم أصحاب الأخدود. ٩ - وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان، وهو الذي ذكره ابن عساكر في

стр. 292

تاريخه ونصره. أما شرك هؤلاء القوم: فقيل: ١ - كانوا يعبدون الشجر. ٢ - كانوا يعبدون الأصنام. ٣ - أنهم أصحاب حنظلة بن صفوان، وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه عن قصة هؤلاء القوم بأنهم: (كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعًا، وكان لهم مالك عادل حسن السيرة، فلما مات وجدوا عليه وجدًا عظيمًا كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته، وقال: إني لم أمت، ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم، ففرحوا أشد الفرح، وأمر بضرب حجاب بينهم وربينه، وأخبرهم أنه لا يموت أبدًا، فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه، فبعث الله فيهم نبيًا وأخبرهم أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادته، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له. قال السهيلي: وكان يوحى إليه في النوم، وكان اسمه: حنظلة بن صفوان، فعدوا عليه فقتلوه وألقوه في البئر، فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم، وانقطعت ثمارهم، وخربت ديارهم، وتبدلوا بعد الأنس بالوحشة، وبعد الاجتماع بالفرقة، وهلكوا عن آخرهم ... ). هذا القول الأخير هو ما يترجح لديّ من جملة الأقوال المروية، ويفهم من

стр. 293

سياق القصة لابن كثير أنه أيضًا يرجح هذا القول، فقد كان شركهم بعبادة ما سوى الله من شجر أو صنم أو شخص افتتنوا به بعد موته، كماتدل عليه هذه القصة. ٢ - قصة قوم يس، وهم أصحاب القرية: قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ). سأذكر فيما يلي ما روي عن أصحاب القرية، وما كانوا عليه من الشرك: أما القرية وأصحابها: فاشتهر عند كثير من السلف والخلف أن هذه القرية: أنطاكية، رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن إسحاق وكعب الأخيار ووهب بن منبه، وكذا روي عن بريدة بن الحصيب، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وغيرهم. فهذا

стр. 294

القول عليه جميع المفسرين. أما أصحاب القرية وعبادتهم والمرسَل إليهم: ١ - فقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب بن منبه أنهم قالوا: كان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيحس، وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليهم ثلاثة من الرسل؛ وهم: صادق، وصدوق، وشلوم، فكذبهم. وقال ابن جرير: صادق ومصدوق وسلوم. فقدم إليه وإلى أهل المدينة منهم اثنان، فكذبوهما، ثم عزز اللهُ بثالث. قال ابن كثير: (وهذا ظاهر أنهم رسل من الله . وكان ملك أنطاكية أحد الفراعنة، يعبد الأصنام، صاحب شرك مع أهلها، وكانت لهم ثلاثة أصنام يعبدونها، وذكر النقاش: أن أسماءها رومس، وقيل: ارطميس، واختلف في اسم الملك على قولين، أحدهما: أن اسمه

стр. 295

انطيخس، الثاني: اسمه انطرا، وعند ابن جرير: (ابطيحس). ٢ - زعم قتادة: أنهم كانوا رسلاً من المسيح، ولم يكونوا رسلاً مستقلين من الله ، أرسلهم عيسى ﵇، وكان اسم المرسلين الأوليين: شمعون ويوحنا، واسم الثالث: بولس، والقرية: أنطاكية. قال ابن كثير: (وهذا القول ضعيف جدًا؛ لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا إحدى كانت المدن الأربع التي تكون فيها بتاركة النصارى؛ وهن: أنطاكية، والقدس، وإسكندرية، ورومية، ثم بعدها إلى القسطنطينية، ولم يهلكوا، وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا. كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)، ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذبوهم فأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا، والله أعلم). ثم قال ابن كثير: (فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة

стр. 296

أصحاب المسيح فضعيف؛ لما تقدم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله). ولما سبق في الحديث أن الله لم يهلك قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى. وعلى كلٍ: فقد ثبت بالآيات القرآنية أنهم كانوا يعبدون الأصنام، واتخذوا من دون الله آلهة، كما قال تعالى ـ حكاية عن صديق المرسلين ـ: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)، ثم قال مخاطبًا للرسل: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)، فعند ذلك قتلوه، قيل: رجمًا، وقيل: عضًّا، وقيل: وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه، وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال: وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبه. قال المفسرون: فبعث الله إليهم جبريل ﵇، فأخذ بعضادتي الباب الذي هو لبلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون، أي أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف، قال تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩).

стр. 297

ثم قال ابن كثير: (وهذا كله يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية). إلا أن يقال ـ كما سبق توجيهه من قبل ابن كثير نفسه ـ، بأن الرسل المذكورين في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذبوهم فأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح أرسل إليهم المسيح رسله فآمنوا، فلا يمنع، والله أعلم. ولكن مع ذلك فيه بعد وتعسف ظاهر؛ (فإن هذه ـ أنطاكية ـ لم يُعرف أنها أُهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله أعلم). ٣ - قصة يونس: قال تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ). وقال: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ). وقال: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى

стр. 298

حِينٍ)، وقال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ). فهذه هي الآيات التي تناولت قصة يونس ﵇، وما كان من قومه من التوبة، وقبولها من الله، ونجاتهم من العقاب المؤكد من قبل الله ، فلينظر عن هذا النبي الكريم، وما كان في قومه من الشرك، وكيف نجاهم الله من عقابه. أما يونس ﵇: فهو يونس بن متى ـ بفتح الميم وتشديد المثناة، مقصور ـ، ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث ابن عباس ﵁ (ونسبه إلى أبيه)، فهذا أصح وهو يعني أن متى اسم أبيه وليس اسم أمه. ولم أقف على نسبه في شيء من الأخبار، وقد قيل: إنه كان في زمان ملوك الطوائف من الفرس.

стр. 299

قال اهل التفسير: بعث الله يونس ﵇ إلى أرض نينوي من أرض الموصل، خرج من بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث. شرك هؤلا القوم: قال ابن الأثير في بيان شرك هؤلاء القوم ومصيرهم: (كان قومه يعبدون الأصنام، فبعثه الله اليهم بالنبي عن عبادتها، والأمر بالتوحيد، فأقم فيهم ثلاثا وثلاثين سنة يدعوهم، فلم يؤمن غير رجلين، فلما أيس من إيمانهم دعا عليهم، فقيل له: ما أسرع ما دعوت علي عبادي؟ ارجع اليهم فادعهم أربعين يوماّ، فدعاهم سبعة وثلاثين يومًا فلم يجيبوه، فقال لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاث أيام، وآيه ذلك أن ألوانكم تتغير، فلما أصبحوا تغيرت ألوانهم، فقالوا: قد نزل بكم ما قال يونس ولم نجرب عليه كذبا، فانظروا فإن يبت فيكم تأمنوا من العذاب، وإن لم يبت فاعلموا أن

стр. 300

العذاب يصحبكم ... ) قال السيوطي: (وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إن يونس ﵇ كان قد وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، فتفرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا الي الله واستغفروه، فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس ﵇ ينتظر العذاب فلم يرا شيئاً، وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل، فانطلق مغاضباً حتي أتي قوماً في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت_ والسفن تسير يميناً وشمالاً_ ... حتي أوقعوه في الماء، فوقع وقد وكل به الحوت، فلما وقع ابتُلع فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس ﵇ تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ... ). وعلى كلٍ، فقد ثبت أن قومه كانوا على الشرك والكفر، ولكنهم تابوا فتاب الله عليهم. هذا آخر ما جاءنا بالآثار المعتبرة من أخبار الأمم التي تشير إليها الآية في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ).

стр. 301

المبحث التاسع في بيان الشرك في قوم موسى ﵇ موسى ﵇ وقومه: يأتي بعد ذلك في التسلسل التاريخي الذي قصه الله علينا ورسوله: قصة موسى وفرعون، وقد سبق أن تحدثنا عن قصة يوسف ﵇؛ كيف مكن الله له في أرض مصر، وأنه استقدم إليه أبويه وإخوته وسائر أهله، فأقاموا بمصر قرونًا عدة، حتى كثروا وزاد عددهم، مما حمل فرعون مصر على التخوف منهم، فسامهم سوء العذاب، فكان يستحيي نساءهم للخدمة ويذبح أبناءهم، وكان يعاملهم بمنتهى الإذلال ويستخدمهم في الأعمال الشاقة وألوان السخرة، كما قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ). وبظهور موسى ﵇ تبدأ مرحلة جديدة وخطيرة في حياة نبي إسرائيل، كما تبدأ حلقة من حلقات النضال في سبيل الدعوة إلى الله وإلى التوحيد، بطلاها موسى وهارون ﵉، وليس من غرضنا الآن أن نخوض في قصة ولادة موسى وهارون ﵉، وما اشتملت عليه من مظاهر العناية الإلهية به، وكيف رباه سبحانه في بيت عدوه، ولا أن نخوض

стр. 302

فيما كان منه ﵇ في تلك الفترة من قتله المصري وخروجه من مصر، وليس غرضي أن أتحدث عن هذا الدور من حياة موسى ﵇؛ فإنه دور إعداد وتمهيد قصد به تهيئته لحمل تلك الرسالة الكبرى، كما قال تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، و (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي). وإنما الغرض أن أتعرف فيما يلي على موسى ﵇، وعلى طبيعة الشرك الذي كان في قوم موسى، وكيف واجهه ﵇. موسى ﵇: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. وقيل: هو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي. وقيل: هو موسى بن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي. قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الايْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا). وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة في القرآن، وذكر قصته في مواضع عديدة مبسوطة مطولة وغير مطولة، أظهر الله فيما ما وقع بينه

стр. 303

وبين عدو الله فرعون من المناقشات والمحاورات، وكيف ناداه إلى الله ، وكيف كانت استجابته له ﷺ . أما فرعون فيقال بأن اسمه: (قابوس بن يوسف الأول (مصعب)، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب قد مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر، وأمر بأن يأتيه هو وأخوه بالرسالة)، ويقال: إن للوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه. وكان اسم والد موسى: عمران، وكان عمر عمران مائة سنة وسبعًا وثلاثين سنة، وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة، والمقصود: بيان كون موسى مرسلاً إلى فرعون مع هارون. وقال ابن إسحاق: قبض الله يوسف، وهلك الملك الذي كان معه الريان ابن الوليد وتوارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسكين به. حتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولاً ولا أطول عمرًا في ملكه منه، وكان اسمه: الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة ولا أقسى قلبًا، ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه، يعذبهم فيجعلهم خدمًا وخولاً، وقد صنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في

стр. 304

أعماله. ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال تعالى: (سُوءَ الْعَذَابِ)، وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها: آسية بنت مزاحم، من خيار النساء المعدودات، فعمر فيهم وهم تحت يديه طويلاً يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشدُ أعطي الرسالة، فنودي (مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). فأتاه الوحي من قبلها أن (يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى). ثم أراد الله إيناسه بالخطاب وتسليحه بالآيات قبل أن يأمره بالذهاب إلى فرعون فسأله عما في يمينه فقال: (هِيَ عَصَايَ)، قال (أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، قال: (رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ

стр. 305

مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ). (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠). فلما جاء السحرة للمبارزة قالوا لموسى: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)، (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ

стр. 306

سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)، (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)، قال تعالى: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦). وبهذا كانت نهاية فرعون، ولكن بني إسرائيل ما زالوا في تمردهم (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ). ولم يقفوا بالقول، بل لما ذهب موسى ﵇ ليكلم ربه بدأوا عبادة العجل الذي صنعه لهم السامري، حتى غضب الله عليهم، فهم المغضوب عليهم، واستحقوا الذل والهوان من الله العظيم. شرك قوم موسى: لقد كان الشرك في قوم موسى على أشكال عدة؛ فإن هناك شركًا كان في بني إسرائيل كما يذكره القرآن، وهناك شرك في فرعون كما يصوره الله عزوجل في كلامه، وهناك أنواع أخرى من الشرك في قوم فرعون، كما يذكره المفسرون والمؤرخون على ضوء ما يستفاد من نصوص الآيات القرآنية، ولنذكر أولاً الشرك في قوم فرعون ـ أهل مصر ـ. عقيدة المصريين: لقد وجد هناك رأيان في بيان عقيدتهم، وهما: ١ - أن قدماء المصريين كانوا وثنيين يعبدون آلهة متعددة، ومن بينها

стр. 307

صنوف من الكواكب؛ كالشعرى اليمانية، والشمس، والجوزاء، وغيرها، بل وأكثر من هذا، قالوا: إنهم كانوا يعبدون الحيوانات؛ كالبقر، والعجول، والقردة، والقطط، والتماسيح. والذي يدل عليه أمور، منها: أ- قالوا في تفسير قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): كان يعبد ما يستحسن من البقر، ولذلك أخرج السامري عجلاً جسدًا له خوار، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، وكان معبودًا في قومه، قاله السدي. ب- أن الآلهة هي الشمس، فيكون تأويل الآية: (ويذرك الشمس حتى تعبد). ج- قيل: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصنامًا صغارًا وأمرهم بعبادتها. د- وقيل: إنه كان قد اتخذ أصنامًا على صور الكواكب، يعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب. هـ - قال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام. ٢ - يقول فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ في

стр. 308

كتابه (الدين) عند تعليقه على العصر الفرعوني ما ملخصه: إن الأوراق المحفوظة في برلين ولندن تدل على أن المصريين منذ القدم كانوا يعرفون الإله الأحد الغيبي الأزلي لا تصوره الرسوم ولا تحصره الحدود، غيرأن تلك العقيدة كانت مشوبة عند العامة بفكرة أن هذا الإله يتمثل أو يتجسد أو يحل سره في بعض الكائنات الممتازة؛ من إنسان، أوحيوان، أو جماد، فكانوا يعتقدون أن قوة التدبير في الملوك، وقوة الإخصاب النباتي في النيل، وقوة الإخصاب الحيواني في العجل (أبيس) مستمدة بتلقيح شعاع الشمس مثلاً، وأن هذه الكائنات الخاصة أهل للتقديس والعبادة بفضل تلك الصلة السرية بالإله الأعلى. وأصحاب هذا القول يردون على أصحاب القول الأول: بأنهم لم يكونوا وثنيين، بل كانت عقيدة التوحيد هي الأصل، وإنما كانوا يأخذون آلهة متعددة على أنها رموز فقط تدل على صفات الإله الواحد؛ أي أنها كانت رموزًا مجازية تدل على صفات وحقائق إلهية، فإن عوام المصريين القدماء لم يعبدوا هذه الأشياء لذواتها، وإنما جعلوها رمزًا لذلك الإله القادر الذي حلت ـ على زعمهم ـ روحه، وظهرت آثاره فيها، وهذا من فعل الكهنة في دور من أدوار

стр. 309

الديانة المصرية؛ وهو الدور الرمزي المعدد للآلهة، هكذا تطور الدين من عبادة الإله ... في أول أمره في شخص أتون ثم رع أو قرص الشمس وفي شخص آمون وبقية مظاهر الطبيعة ثم الملوك والعظماء، ولهذا نرى الملوك في المعابد الكبرى ماثلين في العبادة أمام أتون أو رع أوآمون، كما نرى في بعض حوائط المعابد الصغيرة صور الفراعنة ولها الصف الأول حتى قبل الآلهة، بل نراها تتقبل العبادة ولها اختصاصات الآلهة، ولم يلبث ذلك الدين الذي بدأ بالتوحيد أن انتهى بالشرك والوثنية التي خالطت العبادة على يد الكهنة أخيرًا من أحط الحيوانات وأحقر الحشرات والهوام. وإنما أطلتُ في نقل هذه النصوص توخيًا للكشف عن هذه الديانة المصرية التي كانت تسود مصر القديمة، وإن كنا لا نوافق على كل ما جاء في هذا الكلام من اعتبار هذه المظاهر المتعددة رموزًا لإله واحد، فالحق: أن المصريين في انحدارهم من التوحيد إلى الوثنية اتخذوا آلهة متعددة، كل منها إله قائم بذاته في أوصافه وخصائصه، وإن كان هذا لا يمنع من اعتقادهم بإله هو كبير هذه الآلهة؛ بدليل ما جاء في أناشيدهم من مناجاة وأدعية لهذا الإله، نعم لقد صدق فيما قاله المؤرخون بأن الملوك كان لها الصف الأول قبل الآلهة من حيث العبادة والتقديس، ولقد يشهد لهذا قوله تعالى حكاية عن فرعون

стр. 310

موسى: (فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، فجعل نفسه ربًا فوق الآلهة جميعًا، بل أحيانًا كان يتجاهلها ويجعل نفسه هو وحده الإله كما في قوله تعالى ناقلاً قوله في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، ولعل السبب في تعديد المصريين القدماء لآلهتهم ما قيل: إن الناس حين ارتبكت عقولهم وشلت أفكارهم وتساءلوا فيما بينهم: هل يمكن لواحد أن يدبر هذا الملك الشاسع الواسع بمفرده؟ فأجابهم الكهنة بأن ذلك الإله القادر خلق آلهة أخرى، لكل غرض إله. ولعل ما جرى من المقاولة بين موسى ﵇ وفرعون في سورة الشعراء يشهد بأن فكرة إله واحد مسيطر على كل شيء، وإليه ترجع الموجودات جميعًا كانت (هذه الفكرة) بعيدة عن الوعي الديني لذلك العهد. وإليك هذه الآيات: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ). قال الشيخ محمد خليل هراس: فتجاهُل فرعون لرب العالمين وسؤاله

стр. 311

موسى عن حقيقته وصفته، وقوله حين أخبر بها للملأ الذين معه: (أَلَا تَسْتَمِعُونَ)، وتهديده لموسى ﵇ بالسجن إن هو اعتقد إلهًا غيره، كل ذلك يشهد بما بلغه الملوك في مصر من درجة في العبادة غطت على ما كان للآلهة من ذلك، ويدل على استنكار القوم لوجود رب واحد مسيطر عل جميع الكائنات، ومثل هذه الآيات أيضًا قوله تعالى في سورة طه: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأوْلِي النُّهَى). هذا ما قاله الشيخ محمد خليل هراس، ويدل قوله هذا على أن قوم فرعون كانوا جاهلين بالرب جلا وعلا، فما كان يعرفون عن عقيدة الألوهية لله جل وعلا شيئًا، قال ابن كثير ﵀: (وكانوا يجحدون الصانع جل وعلا، ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون). ولهذا قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): معناه: ويذرك

стр. 312

وعبادتك، فإنه قد قرئ: (ويذرك وإلاهتك) أي يترك عبادتك. وقال عكرمة في قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): ليس يعنون به الأصنام، إنما يعنون تعظيمه. ويروى مثل هذا القول عن ابن عباس أيضًا. وقال السدي: كان معبودًا في قومه. وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ): إنهم صدقوه في قوله: (أنا ربكم الأعلى). وقال شيخ الإسلام: إن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل، فيكون المستكبر مشركًا، كما ذكر الله عن فرعون وقومه: أنهم كانوا مع استكبارهم وجحودهم مشركين، فقال عن مؤمن آل فرعون: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ)، وقال: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ

стр. 313

مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ) الآية، وقال يوسف الصديق لهم: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، وقد قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ). فإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين؟ وقد أخبر الله عن فرعون أنه جحد الخالق فقال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقال عن قومه: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً)، والإشراك لا يكون إلا من مُقر بالله، وإلا فالجاحد له لم يشرك به. قيل: لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى، وأما الذين كانوا في زمن يوسف فالقرآن يدل على أنهم كانوا مقرين بالله وهم مشركون به، ولهذا كان خطاب يوسف للملك وللعزيز ولهم: يتضمن وجود الصانع، كقوله: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، (ارْجِعْ إِلَى

стр. 314

رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) إلى قوله: (إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)، (وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) إلى قوله: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)، وقد قال مؤمن آل ـ حم ـ (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً). فهذا يقتضي أن أولئك الذين بُعث إليهم يوسف كانوا مقرين بالله ... ، وذلك أن فرعون الذي كان في زمن يوسف أكرم أبويه وأهل بيته لما قدموا إكرامًا عظيمًا مع علمه بدينهم، واستقراء أحواله يدل على ذلك. فإن جحود الصانع لم يكن دينًا غالبًا على أمة من الأمم قط، وإنما كان دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس، وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين، الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام، والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلهم تدل على ذلك، ولكن فرعون موسى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)، وهو الذي قال لهم ـ دون الفراعنة المتقدمين ـ: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، ثم قال لهم بعد ذلك: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى). وإذا كان أولئك كانوا مشركين كما وُصفوا بذلك، وفرعون وموسى هوا لذي جحد الصانع وكان يعبد الآلهة، ولم يصفه الله بالشرك ... فقوم فرعون

стр. 315

قد يكونوا أعرضوا عن الله بالكلية بعد أن كانوا مشركين به واستجابوا لفرعون في قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، و (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي). ولهذا لما خاطبهم المؤمن ذكر الأمرين فقال: (تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ)؛ فذكر الكفر به الذي قد يتناول جحوده، وذكر الإشراك به أيضًا، فكان كلامه متناولاً للمقالتين والحالين جميعًا. فقد تبين: أن المستكبر يصير مشركًا، إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله، لكن تسمية هذا شركًا نظير من امتنع من استكباره عن إخلاص الدين لله، كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ). فهؤلاء مستكبرون مشركون ... والمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر كفرعون أعظم كفرًا منهم). فهذا نص كلام شيخ الإسلام، سقته مع طوله ليدل على أن قوم فرعون كما أشركوا بالله في أمور الربوبية هكذا أشركوا في أمور الألوهية، وليدل على أن هناك فرقًا ظاهرًا بين فرعون يوسف وفرعون موسى؛ من حيث الاعتراف بوجود الله من الأول وقومه، وإنكار وجود الله في الظاهر من الثاني وقومه. ثانياً: شرك فرعون ـ لعنه الله ـ: هذا العبد من عبيد الله الضعفاء ادعى أنه إله يُعبد، ومالك يملك، وأجبر

стр. 316

قومه على أن يعبدوه ويطيعوه، وهو الذي علا في الأرض وطغى وتجبر واستكبر، و (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ). وقال لهم: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ). وقال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، وقال: (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى). اتضح من هذه النصوص أن فرعون كان يدّعي الألوهية والربوبية لنفسه، وينكر وجود الله، فكان يجحد الصانع؛ قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ﵀: (وأما فرعون فكان منكرًا للموصوف المسمى، فاستفهم بصيغة (ما) لأنه لم يكن مقرًا به، طالبًا لتعيينه، ولهذا كان الجواب في هذا الاستفهام بقول موسى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وبقوله: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)، فأجاب أيضًا بالصفة ... ). وقال أيضًا: (ومن الكفار من أظهر جحود الخالق، كفرعون حيث قال:

стр. 317

(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقال لموسى: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، وقال: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً). ثم إن فرعون كما كان ينكر وجود الصانع ظاهرًا، كان ينكر الرسالة أيضًا، وهذا شرك في أمور الربوبية من وجه آخر؛ قال شيخ الإسلام: (وموسى ﵇ خاصم فرعون الذي جحد الربوبية والرسالة ... ). وقال أيضًا: (ففرعون كان منكرًا للصانع، مستفهمًا عنه استفهام إنكار، سواء كان في الباطن مقرًا به أو لم يكن، ثم طلب من موسى آية، فأظهر آيته، ودل بها على إثبات إلهية ربه وإثبات نبوته جميعًا). وقال في موضع آخر: وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا في الباطن كما قال له موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ)، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً)، ولهذا قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) على

стр. 318

وجه الإنكار له ... ). ثبت بهذه النصوص: أن فرعون كان جاحدًا منكرًا لوجود الصانع، فهل يعتبر هذا الجحود والإنكار شركًا؟ وهل كان عنده أنواع أخرى من الشرك؟ سأبين ذلك فيما يلي: إن فرعون كان عنده أنواع من الشرك: الأول: شرك الجحود أو التعطيل: سبق معنا بيان أدلة جحوده للصانع، ولكن كيف يعد جحوده شركًا؟ قال شيخ الإسلام في الإجابة عليه: (فإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين وقد أخبر الله عن فرعون أنه جحد الخالق ... والإشراك لا يكون إلا من مقر بالله، وإلا فالجاحد له لم يشرك به، قيل: لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى ... وكان فرعون في الباطن عارفًا بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده ... والمستكبر يصير مشركًا، إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله، لكن تسمية هذا شركًا نظير من امتنع مع استكباره عن إخلاص الدين لله، كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)، فهؤلاء مستكبرون مشركون؛ وإنما استكبارهم عن إخلاص الدين لله، فالمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر ـ كفرعون ـ أعظم كفرًا منهم، وإبليس الذي يأمر بهذا كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ربه وطاعته أعظم كفرًا من هؤلاء، وإن كن عالمًا بوجود الله

стр. 319

وعظمته كما أن فرعون كان أيضًا عالمًا بوجود الله). وقال في موضع آخر: (فأعظم السيئات: جحود الخالق، والشرك به، وطلب النفس أن تكون شريكة وندًا له، أو أن تكون إلهًا من دونه، وكلا هذين وقع؛ فإن فرعون طلب أن يكون إلهًا معبودًا من دون الله تعالى ... وإبليس يطلب أن يُعبد ويطاع من دون الله، فيريد أن يعبد ويطاع هو، ولا يعبد الله ولا يطاع، وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل). وقال في موضع آخر: (بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود: مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك). وقال ابن القيم ﵀: (الشرك نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال تعالى مخبرًا عنه قوله لهامان: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً)، والشرك والتعطيل متلازمان؛ فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها:

стр. 320

هو التعطيل ... ). وقال الرازي: (الأقرب أن يقال: إنه كان دهريًا ينكر وجود الصانع). فثبت بهذا كله: أن فرعون كان مشركًا، وشركه يتمثل في التعطيل والاستكبار وادعاء الربوبية لنفسه، ويكون المعنى المراد من قوله تعالى: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ): طلبه صفة هذا الذي ادعى موسى أنه رب العالمين، فكأنه قال: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ قال الحافظ ابن كثير ﵀: (هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنه لم يكن مقرًا بالصانع حتى يسأله عن الماهية، بل كانت جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه ... ). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على من قال: إن السؤال من فرعون كان من الماهية وأن موسى ﵇ عدل عن الإجابة على سؤاله ـ كما قاله الرازي وغيره ـ: (وقد زعم طائفة من ان فرعون استفهم استفهام استعلام فسأله عن الماهية وان المسئول عنه لم يكن له ماهية عجز
следующие страницы →