Полный текст (1 489 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قومه على أن يعبدوه ويطيعوه، وهو الذي علا في الأرض وطغى وتجبر واستكبر، و (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ).
وقال لهم: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
وقال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، وقال: (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى).
اتضح من هذه النصوص أن فرعون كان يدّعي الألوهية والربوبية لنفسه، وينكر وجود الله، فكان يجحد الصانع؛ قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ﵀: (وأما فرعون فكان منكرًا للموصوف المسمى، فاستفهم بصيغة (ما) لأنه لم يكن مقرًا به، طالبًا لتعيينه، ولهذا كان الجواب في هذا الاستفهام بقول موسى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وبقوله: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)، فأجاب أيضًا بالصفة ... ).
وقال أيضًا: (ومن الكفار من أظهر جحود الخالق، كفرعون حيث قال:
стр. 317
(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقال لموسى: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، وقال: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً).
ثم إن فرعون كما كان ينكر وجود الصانع ظاهرًا، كان ينكر الرسالة أيضًا، وهذا شرك في أمور الربوبية من وجه آخر؛ قال شيخ الإسلام: (وموسى ﵇ خاصم فرعون الذي جحد الربوبية والرسالة ... ). وقال أيضًا: (ففرعون كان منكرًا للصانع، مستفهمًا عنه استفهام إنكار، سواء كان في الباطن مقرًا به أو لم يكن، ثم طلب من موسى آية، فأظهر آيته، ودل بها على إثبات إلهية ربه وإثبات نبوته جميعًا).
وقال في موضع آخر: وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا في الباطن كما قال له موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ)، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً)، ولهذا قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) على
стр. 318
وجه الإنكار له ... ).
ثبت بهذه النصوص: أن فرعون كان جاحدًا منكرًا لوجود الصانع، فهل يعتبر هذا الجحود والإنكار شركًا؟ وهل كان عنده أنواع أخرى من الشرك؟
سأبين ذلك فيما يلي:
إن فرعون كان عنده أنواع من الشرك:
الأول: شرك الجحود أو التعطيل:
سبق معنا بيان أدلة جحوده للصانع، ولكن كيف يعد جحوده شركًا؟ قال شيخ الإسلام في الإجابة عليه: (فإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين وقد أخبر الله عن فرعون أنه جحد الخالق ... والإشراك لا يكون إلا من مقر بالله، وإلا فالجاحد له لم يشرك به، قيل: لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى ... وكان فرعون في الباطن عارفًا بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده ... والمستكبر يصير مشركًا، إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله، لكن تسمية هذا شركًا نظير من امتنع مع استكباره عن إخلاص الدين لله، كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)، فهؤلاء مستكبرون مشركون؛ وإنما استكبارهم عن إخلاص الدين لله، فالمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر ـ كفرعون ـ أعظم كفرًا منهم، وإبليس الذي يأمر بهذا كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ربه وطاعته أعظم كفرًا من هؤلاء، وإن كن عالمًا بوجود الله
стр. 319
وعظمته كما أن فرعون كان أيضًا عالمًا بوجود الله).
وقال في موضع آخر: (فأعظم السيئات: جحود الخالق، والشرك به، وطلب النفس أن تكون شريكة وندًا له، أو أن تكون إلهًا من دونه، وكلا هذين وقع؛ فإن فرعون طلب أن يكون إلهًا معبودًا من دون الله تعالى ... وإبليس يطلب أن يُعبد ويطاع من دون الله، فيريد أن يعبد ويطاع هو، ولا يعبد الله ولا يطاع، وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل).
وقال في موضع آخر: (بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود: مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك).
وقال ابن القيم ﵀: (الشرك نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال تعالى مخبرًا عنه قوله لهامان: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً)، والشرك والتعطيل متلازمان؛ فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها:
стр. 320
هو التعطيل ... ).
وقال الرازي: (الأقرب أن يقال: إنه كان دهريًا ينكر وجود الصانع).
فثبت بهذا كله: أن فرعون كان مشركًا، وشركه يتمثل في التعطيل والاستكبار وادعاء الربوبية لنفسه، ويكون المعنى المراد من قوله تعالى: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ): طلبه صفة هذا الذي ادعى موسى أنه رب العالمين، فكأنه قال: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ قال الحافظ ابن كثير ﵀: (هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنه لم يكن مقرًا بالصانع حتى يسأله عن الماهية، بل كانت جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه ... ).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على من قال: إن السؤال من فرعون كان من الماهية وأن موسى ﵇ عدل عن الإجابة على سؤاله ـ كما قاله الرازي وغيره ـ: (وقد زعم طائفة من ان فرعون استفهم استفهام استعلام فسأله عن الماهية وان المسئول عنه لم يكن له ماهية عجز
стр. 321
موسى عن الجواب وهذا غلط وعلى هذا التقدير يكون استفهم استفهام انكار وجحد كما دل سائر آيات القران على ان فرعون كان جاحدا لله نافيا له لم يكن مثبتا له طالبا للعلم بماهيته
فلهذا بين لهم موسى أنه معروف وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسال عنه بما هو فإن هذا إنما هو سؤال عما يجهل وهو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل بل معرفته مستقرة في الفطرة اعظم من معرفة كل معروف).
وقال في موضع آخر: (وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سُؤَالَ فِرْعَوْنَ (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) هُوَ سُؤَالٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الرَّبِّ كَالَّذِي يَسْأَلُ عَنْ حُدُودِ الْأَشْيَاءِ فَيَقُولُ " مَا الْإِنْسَانُ؟ مَا الْمَلَكُ؟ مَا الْجِنِّيُّ؟ " وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالُوا: وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ مَاهِيَّةٌ عَدَلَ مُوسَى عَنْ الْجَوَابِ إلَى بَيَانِ مَا يُعْرَفُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وَهَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنَّ فِرْعَوْنَ إنَّمَا اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهَامَ إنْكَارٍ وَجَحْدٍ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ مَاهِيَّةِ رَبٍّ أَقَرَّ بِثُبُوتِهِ بَلْ كَانَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا. وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الْكَلَامِ (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) وَقَالَ (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا).
فَاسْتِفْهَامُهُ كَانَ إنْكَارًا وَجَحْدًا يَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَالِمِينَ رَبٌّ يُرْسِلُك فَمَنْ هُوَ هَذَا؟ إنْكَارًا لَهُ. فَبَيَّنَ مُوسَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْحَاضِرِينَ وَأَنَّ آيَاتِهِ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا جَحْدُهُ. وَأَنَّكُمْ إنَّمَا تَجْحَدُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ مَا تَعْرِفُونَهُ بِقُلُوبِكُمْ ... ، وَلَمْ يَقُلْ فِرْعَوْنُ " وَمَنْ رَبُّ الْعَالَمِينَ " فَإِنَّ " مَنْ " سُؤَالٌ عَنْ عَيْنِهِ يَسْأَلُ بِهَا مَنْ عَرَفَ جِنْسَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ شَكَّ فِي
стр. 322
عَيْنِهِ كَمَا يُقَالُ لِرَسُولِ عَرَفَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ إنْسَانٍ " مَنْ أَرْسَلَك؟ ".
وَأَمَّا " مَا؟ " فَهِيَ سُؤَالٌ عَنْ الْوَصْفِ. يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ هَذَا؟ وَمَا هُوَ هَذَا الَّذِي سَمَّيْته " رَبَّ الْعَالَمِينَ "؟ قَالَ ذَلِكَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا. فَلَمَّا سَأَلَ جَحْدًا أَجَابَهُ مُوسَى بِأَنَّهُ أَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُنْكَرَ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُشَكَّ فِيهِ وَيُرْتَابَ. فَقَالَ (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).
وقال في موضع آخر: (وأما فرعون فكان منكرًا للموصوف المسمى، فاستفهم بصيغة (ما)؛ لأنه لم يكن مقرًا به طالبًا لتعيينه).
والمقصود: أن فرعون كان من شركه الجحود والتكبر.
الثاني: من أنواع الشرك عنده: عبادته للأوثان: واختلفوا فيه على قولين:
القول الأول: أنه كان يُعبد ولا يَعبد، وعليه حملوا قراءة من قرأ (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، وقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى). وهذا القول روي عن بعض السلف، ولكن سنده ليس بذاك.
القول الثاني: أنه كان يعبد الأصنام والأوثان مع كونه ادعى لنفسه الربوبية، ومما ذكر فيه:
стр. 323
١ - أنه كان يعبد الأصنام، وكان قومه يعبدونه.
٢ - أنه كان يعبد ما يستحسن من البقر، قال ابن كثير: قال السدي في قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): (وآلهته ـ فيما زعم ابن عباس ـ: كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها ... ).
٣ - وقال الطبري في تفسيره: بلغني أن فرعون كان يعبد إلهًا في السر.
٤ - وروى الطبري عن الحسن قال: كان لفرعون جمانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد لها.
٥ - قال الرازي: (كان دهريًا ينكر وجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأما (المجدي) في هذا العالم للخلق ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه ... ، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصنامًا على صور الكواكب، ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب).
٦ - وقال أيضًا: (أو يقال: إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار، ثم إنه اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم).
стр. 324
٧ - (ويحتمل أن يقال: إنه كان على مذهب الحلولية، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهًا).
ولهذا قال شيخ الإسلام لما أراد أن يقارن بين مقالات أهل الوحدة والحلول وبين مذهب فرعون: ( ... والمنكر للصانع منهم مستكبر كثيرا ما يعبد آلهة؛ ولا يعبد الله قط؛ فإنه يقول: هذا العالم واجب الوجود بنفسه. وبعض أجزائه مؤثر في بعض ويقول إنما انتفع بعبادة الكواكب والأصنام ونحو ذلك ولهذا كان باطن قول هؤلاء الاتحادية المنتسبة إلى الإسلام هو قول فرعون، وكنت أبين أنه مذهبهم وأبين أنه حقيقة مذهب فرعون حتى حدثني الثقة: عن بعض طواغيتهم أنه قال: نحن على قول فرعون؛ ولهذا يعظمون فرعون في كتبهم تعظيما كثيرا. فإنهم لم يجعلوا ثم صانعا للعالم خلق العالم ولا أثبتوا ربًا مدبرًا للمخلوقات وإنما جعلوا نفس الطبيعة هي الصانع ولهذا جوزوا عبادة كل شيء وقالوا من عبده فقد عبد الله ... وهؤلاء يعبدون ما يعبده فرعون وغيره من المشركين لكن فرعون لا يقول: هي الله ولا تقربنا إلى الله والمشركون يقولون: هي شفعاؤنا وتقربنا إلى الله وهؤلاء يقولون هي الله كما تقدم وأولئك أكفر من حيث اعترفوا بأنهم عبدوا غير الله أو جحدوه؛ وهؤلاء أوسع ضلالا من حيث جوزوا عبادة كل شيء وزعموا أنه هو الله وأن العابد هو المعبود وإن كانوا إنما قصدوا عبادة الله).
وقال الإمام ابن القيم ـ بعدما ذكر افتراق الفلاسفة على فرق شتى ـ:
стр. 325
(وبالجملة: فملاحدتهم هم أهل التعطيل المحض فإنهم عطلوا الشرائع وعطلوا المصنوع عن الصانع وعطلوا الصانع عن صفات كماله وعطلوا العالم عن الحق الذي خلق له وبه فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته ثم سرى هذا الداء منهم في الأمم وفي فرق المعطلة فكان منهم إمام المعطلين فرعون فإنه أخرج التعطيل إلى العمل وصرح به وأذن به بين قومه ودعا إليه وأنكر أن يكون لقومه إله غيره وأنكر أن يكون الله تعالى فوق سمواته على عرشه وأن يكون كلم عبده موسى تكليما وكذب موسى في ذلك وطلب من وزيره هامان أن يبني له صرحا ليطلع بزعمه إلى إله موسى ﵇ وكذبه في ذلك فاقتدى به كل جهمي ... ).
فهذا آخر ما توصلت إليه من أخبار الشرك في فرعون وقومه، وكان مصير فرعون وقومه أن أغرقهم الله في البحر، وجعل ذلك آية للناس الذين أتوا بعدهم.
اليهود المغضوب عليهم:
أطلق هذا الاسم على أتباع التوراة وأتباع موسى ﵇ في الشريعة ـ حسب ما يدعيه هؤلاء ـ وهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، دخلوا مصر في عهد يوسف بن يعقوب ﵇ بدعوة منه، وكانوا بعد هذا على عقيدة التوحيد الذي ورثوه من آبائهم، حتى تأثروا بوثنية الأمم المجاورة لهم.
الشرك في اليهود:
فهل وجد الشرك فيهم قديمًا أم الشرك طرأ عليهم بعدما ذهب أنبياؤهم؟
стр. 326
إذا نظرنا إلى التاريخ نرى أنهم وقعوا في الشرك قديمًا.
مما يذكر لنا القرآن عن شركهم ما يلي
١ - لصوق الوثنية بقلوب فريق من بني إسرائيل على عهد موسى:
قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ).
ففي هذه الآيات يخبرنا الله أنه فلق البحر لبني إسرائيل حتى عبروه إلى الشاطئ الآخر، فمروا في سيرهم على قوم عكوف على أصنام لهم يعبدونها من دون الله ، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة مثل آلهة هؤلاء، وكان من أصنامهم كما يذكره ابن جرير عن ابن جريج قال: (تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أول شأن العجل)؛ لتكون لله عليهم حجة فينتقم منهم، فهي من الآيات
стр. 327
العظام، ثم سألوا الشرك صراحة، فهذا مما يدل على أن الوثنية المصرية كانت لا تزال عالقة بنفوسهم، وأن استعلاء المصريين عليهم وإذلالهم أثر فيهم حتى قلدوهم في دينهم، والمغلوب يميل دائمًا إلى تقليد الغالب.
فهذا الذي حدث في قوم موسى قد صدر مثل ذلك عن هذه الأمة، وما يزال يصدر مثل هذا التقليد والشرك في هذه الأمة. ولقد رأينا بعض هذا فيما روى أبو واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسولا لله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : ((الله أكبر! إنها السنن، قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)، لتركبن سنن من كان قبلكم))، وما أكثر الخلق لهؤلاء في اتخاذ إله مجعول، فكل من اتخذ إلهًا غير الله فقد اتخذ إلهًا مجعولاً، فأي جهل فوق هذا؟ طلبوا من موسى أن يجعل
стр. 328
لهم إلهًا، فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلهًا مخلوقًا، وكيف يكوف أن يكون الإله مجعولاً؟ بل الإله هو الجاعل لكل ما سواه، والمجعول مربوب مصنوع، فيستحيل أن يكون إلهًا.
٢ - اتخاذ بني إسرائيل العجل إلهًا يعبدونه:
قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وقال: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) إلى قوله: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).
هذه الآيات تصور تلك النكسة التي أصابت شعب إسرائيل بعودتهم إلى الشرك والوثنية التي ألفوها عند إقامتهم بمصر، فبمجرد أن خرج موسى ﵇ لميقات ربه وقد استخلف على قومه أخاه هارون ﵇، وكان هارون رجلاً لين الطبع حليمًا، فاهتبل القوم هذه الفرصة وأعطوا حليهم التي كانوا قد استعاروها من المصريين لموسى السامري، فصاغ لهم منها عجلاً جسداً، ويقال: إنه ألقي عليه حفنة من التراب الذي سار عليه جبريل عليه
стр. 329
السلام، فصار عجلاً حيًا له خوار، ثم قال لهم: هذه إلهكم وإله موسى، فنسي، فاستخف القوم فأطاعوه وعبدوا العجل، فقام هارون ﵇ ينصحهم ويحذرهم عاقبة شركهم ويقول لهم: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى).
فهذا الشرك وعبادة العجل من دون الله إنما هو من تلاعب الشيطان بهم، فإنهم قد شاهدوا ما حلَّ بالمشركين من العقوبة، وأخذ الرابية، ونبيهم حي لم يمت، هذا وقد شاهدوا صانعه يصنعه ويصوغه ويصليه النار، ويدقه بالمطرقة ويسطو عليه بالمبرد، ويقلبه بيديه ظهرًا لبطن.
قال ابن القيم: (ومن عجيب أمرهم: أنهم لم يكتفوا بكونه إلههم حتى جعلوه إله موسى فنسبوا موسى ﵇ إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى بل عبادة أبلد الحيوانات وأقلها دفعا عن نفسه بحيث يضرب به المثل في البلادة والذل فجعلوه إله كليم الرحمن، ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا موسى ﵇ ضالا مخطئا فقالوا: فنسي
قال ابن عباس: (أي ضل وأخطأ الطريق)، وفي رواية عنه أي إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه
وعنه أيضا نسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم وقال السدى: أي ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه وقال قتادة: أي إن موسى إنما يطلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر.
هذا هو القول
стр. 330
المشهور: أن قوله فنسى من كلام السامري وعباد العجل معه ... والسياق يل عليه ... وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم ... ).
٣ - اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، الذي هو شرك في الربوبية والألوهية معًا:
قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ).
قال ابن القيم: (ومن تلاعبه بهم أيضا: أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى يحرمون عليهم ويحلون لهم فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم ولا يلتفتون: هل ذلك التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا.
قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن قوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ) فقلت: يا رسول الله ما عبدوهم فقال: حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم رواه الترمذي وغيره، وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالانسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه ويحلل له ... ).
فما أشبه اليوم بالأمس، لقد وجد هذا الشرك بعينه في هذه الأمة، كما
стр. 331
سيأتي بيانه عند بيان الشرك في العصر الحديث.
٤ - شركهم بالله جل وعلا باتصافهم ببعض خصائص الربوبية؛ مثل الكِبر:
قال شيخ الإسلام: (قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، فإنه تعالى قال هذا القول بعد أن قال: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) الآية. ولما كان أصل دين اليهود الكبر، عاقبهم بالذلة. قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا). وقد وصف الله بعض اليهود بالشرك في قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، وفي قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)، ففي اليهود من عبد الأصنام، وعبد البشر؛ وذلك أن المستكبر عن الحق يُبتلى بالانقياد للباطل، فيكون المستكبر مشركًا ... ).
٥ - الشرك بالله في الربوبية؛ وذلك بتشبيهه بصفات المخلوقين: وهو ما ذكرنا سابقًا ـ في أنواع الشرك ـ من الشرك بالله بالأنداد المنهي عنه في قوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
стр. 332
واليهود قد شبهوا الله بصفات النقص من وجوه عدة، منها:
أ- إثبات الولد لله جل وعلا، قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، فإثبات الولد لله فيه تنقيص في حق ربوبية الله ، وما قدروه حق قدره، فشبهوه بمخلوقاته، وبصفاتهم.
ب- قولهم: إن الرب ـ تعالى ـ محجور عليه في نسخ الشرائع، فحجروا عليه أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ترسًا لهم في جحد نبوة محمد رسول الله ﷺ ، وقرروا ذلك بأن النسخ يستلزم البداء، وهو على الله محال.
ج- قولهم: إن الرب سبحانه نائم لا ينتبه من نومه، فإنهم في العشر الأول من العشر الأول من كل سنة يقولون في صلاتهم: (لم تقول الأمم: أين الهمم؟ انتبه كم تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك).
د- قولهم: إن الله يندم، ومن ذلك قولهم: (وندم الله سبحانه على خلق البشر الذين في الأرض، وشق عليه وعاد في رأيه)، وذلك عندهم في قصة قوم نوح.
وقولهم: (إن الله سبحانه لما رأى فساد قوم نوح، وأن شركهم وكفرهم قد عظم ندم على خلق البشر).
ويقول كثير منهم: (إنه بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وأنه عض على أنامله حتى جرى الدم منها).
стр. 333
وقالوا أيضًا: (إن الله ندم على تمليكه شاؤول على بني إسرائيل، وأنه قال ذلك لشمويل).
وقالوا: (فندم الرب على الشر الذي قال إنه سيفعله بشعبه).
هـ - وصفوا الله بالجهل؛ حيث زعموا أنه يجب أن توضع له علامة ليستدل بها عليهم حتى لا يهلكهم، فقالوا: (فإن الرب يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم).
و- المشي على الأرض؛ يذكر اليهود أن الله كان يسير أمامهم، ومن ذلك قولهم في سفر الخروج: (وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق).
ز- الرؤية بالعين في الدنيا؛ يزعم اليهود أنهم رأوا الله في الدنيا؛ حيث قالوا: (ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهوا وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ورأوا إله إسرائيل ... تحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف ... فرأوا الله، وأكلوا وشربوا).
ح- التعب لله؛ زعم اليهود ـ لعنهم الله ـ أن الله تعب من خلق السموات والأرض فاستراح في اليوم السابع؛ حيث قالوا: (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي
стр. 334
عمل).
ط- قولهم: (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ).
ي- قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ).
ك- وقولهم: (إن النهار اثنتا عشرة ساعة، في الثلاثة الأولى منها يجلس الله ويطالع الشريعة، وفي الثلاث الثانية: يحكم، وفي الثلاث الثالثة: يطعم العالم، وفي الثلاث الأخيرة يجلس ويلعب مع الحوت ملك الأسماك).
فهذه أنواع الشرك في القديم، وما زالت عندهم هذه العقيدة، بل ربما تطورت إلى ما هو أسوأ كما يظهر من خلال نصوص التلمود. والله أعلم.
أما كون هذه النقائص التي فيها تشبيه الخالق بالمخلوق من حيث اتصافه ببعض صفات النقص التي تعتري المخلوق شركًا؛ فلما سبق معنا في بيان حقيقة الشرك: أن حقيقة الشرك هو اتخاذ الند لله جل وعلا، ومن معاني الند: الكفؤ، والشبيه والمثل والعدل وغيرها كلها معاني متقاربةة تدل على أن الشرك في الحقيقة كما قال ابن القيم: (هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به ... ).
والتشبيه لفظ عام يطلق على تشبيه المخلوق بالخالق في ذاته، أو صفاته،
стр. 335
ويطلق هكذا على تشبيه الخالق بالمخلوق في ذاته أو صفاته. وإن كان الأمر الأول هو الذي وقع فيه أكثر الناس، كما قال ابن القيم، ولا يمنع ذلك وجود فئة من الناس الذين وقعوا في الأمر الثاني أيضًا.
ولهذا قال الإمام الطحاوي: (ولا يشبه الأنام)، قال الشارح: هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ، قال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر ـ المنسوب إليه ـ: (لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه ... وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا).
وقال نعيم بن حماد: (من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله
стр. 336
تشبيهًا).
وقال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: من وصف الله فشبه بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم.
وقال أيضًا: (إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد وسمع كسمع).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له المثل الأعلى، فكل كمال ثبت للمخلوق، فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردًا عن النقص، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب فالمخلوق أولى بتنزيهه عنه ... ). بل عظم الشرك في العالم على حسب انتقاصهم لله، قال شيخ الإسلام بعد الكلام السابق: (ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركًا، وعبادة لغير الله؛ إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئاً ... ).
ويدل على نفي النقائص عن الله آيات من القرآن الكريم. منها قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، بل سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كلها تدل
стр. 337
عليه، وهكذا آية الكرسي، وهكذا يدل عليه أمر الله سبحانه عباده بتسبيحه فإنه يقتضي تنزيهه عن كل عيب ونقص وإثبات ضدهما. فإن النقائص جنسها منفي عن الله تعالى، وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب سبحانه عنها، فمثلاً: التعب والفقر والجهل واللغوب هذه مما اختصت بها العباد، فالله منزه عنه.
وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: إن ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه، مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة ... ونحو ذلك، فإن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم؛ فإن هذا فيه من الأشياء والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام ... ؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلقًا، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه ﵎. والنقص ضد الكمال، وهو سبحانه منزه عن النقائص.
стр. 338
فالتشبيه يتضمن وصف الله بصفات النقص؛ لأن فيه تشبيه الله بالمخلوق الناقص. وتطلق المشبهه في عرف السلف ـ رحمة الله عليهم ـ على من قاس صفات الله ﵎ على صفات خلقه، فلم يفهم من صفاته جل وعلا إلا ما ألف الناس من صفاتهم، فمن قال: لله بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، أو وصفه بالنقائص، فهو مشبه؛ لأنهم يطلقون هذا اللقب ـ المشبه ـ على من مثل الله تعالى بخلقه، كأن جعل ذات الله تعالى كذات خلقه، أو جعل صفات الخلق مثل صفات المخلوق.
وقال ابن القيم: (كل مشرك مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبهه به من كل وجه، حتى إن الذين كفروا وصفوه بالنقائص والعيوب؛ كقولهم: (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ)، وإن (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، وإنه استراح لما فرغ من خلق العالم، والذي جعلوا له ولدًا وصاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ... ووصفه سبحانه بهذه الأمور من أبطل الباطل؛ لكونها في نفسها نقائص وعيوبًا ... وتنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجب لذاته، كما أن إثبات صفات الكمال والحمد واجب لذاته، وهو أظهر في العقول والفطر وجميع الكتب الإلهية وأقوال الرسل من كل شيء ... ، بل إثبات هذه العيوب والنقائص يضاد كماله المقدس، وهو سبحانه موصوف بما يضادها وينافيها من كل وجه).
стр. 339
والمقصود أن وصف الله بهذه النقائص يعتبر شركًا، فإنه من المعلوم أن التوحيد على ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة، ولا يتحقق توحيد الأسماء والصفات إلا بإثباتها بلا تمثيل، وتنزيهها بلا تعطيل، فقولهم في الصفات مبني على أصلين:
أحدها: أن الله منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسنة والنوم والعجز والجهل وغيره ذلك.
الثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات.
فإثبات صفات النقص لله جل وعلا شرك في توحيد الأسماء والصفات؛ لدخوله تحت الإلحاد في أسماء الله وصفاته، فإن من أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته: (وصفه سبحانه بما ينزه ويتقدس عنه؛ مثل قول اليهود (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) و (إنه فقير)، وقولهم: (إنه استراح يوم السبت). وما يتنزه الله ﵎ عنه قسمان: متصل ومنفصل، أما المتصل: فهو نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من كل ما يضاد الصفات الكاملة، وذلك كالنوم والإعياء والتعب واللغوب والموت والجهل والظلم والغفلة والنسيان والسنة.
أما المنفصل: فهو تنزيه الله عن أن يشاركه أحد من الخلق في شيء من خصائصه التي لا تكون لغيره، كالزوجة والولد والشريك، والكفو والظهير،
стр. 340
والشفيع بغير إذن الله، والولي من الذل ... ، فهذا التشبيه والتمثيل نوع من الإلحاد، والإلحاد شرك، والشرك حقيقته تشبيه المخلوق بالخالق وتشبيه الخالق بالمخلوق ـ كما سبق بيانه مراراً ـ، وهو المعنى الذي يرجع إليه تفسير اتخاذ الند المنهي عنه في القرآن والسنة.
وبهذا علمنا: أن من وصف الله بشيء من صفات النقص فهو مشبه، والمشبه مخالف لتوحيد الأسماء والصفات. قال ابن القيم: (ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده).
وعلمنا أيضًا أن وصف اليهود الرب سبحانه بالنقائص التي يختص بها المخلوق تشبيه للخالق بالمخلوق، وهو شرك بالله جل وعلا في توحيد الأسماء والصفات، وبمفهوم عام يدخل تحت الشرك في الربوبية الذي هو الجانب العلمي الاعتقادي.
ولكن لا يمنع أن يكون هناك لدى بعضهم نوع من الشرك العملي أيضًا ـ كما سيأتي من قول شيخ الإسلام ـ.
قال شيخ الإسلام: فَالْيَهُودُ وَصَفُوا اللَّهَ بِالنَّقَائِصِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْهَا فَشَبَّهُوهُ بِالْمَخْلُوقِ: كَمَا وَصَفُوهُ بِالْفَقْرِ وَالْبُخْلِ وَاللُّغُوبِ. وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يُمَاثِلَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ لَا فِي عِلْمِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا إرَادَتِهِ وَلَا رِضَاهُ وَلَا
стр. 341
غَضَبِهِ ... والسلف لا ينفون عنه ما أثبته لنفسه من الصفات، ولا يمثلون صفاته بصفات المخلوقين؛ فالنافي معطل، والمعطل يعبد عدمًا، والمشبه ممثل، والممثل يعبد صنمًا).
وقال في موضع آخر: (فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه أو بينه وبين المعدومات كما يسوي المعطلة بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال أو يسوون بينه وبين الناقص من الموجودات في صفات النقص وكما يسوون إذا أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادا ويسوون المخلوقات برب العالمين. واليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها وهي من صفات خلقه ... ).
فثبت بهذا كله أن قول اليهود بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق هذا أمر مشهور عنهم، حتى عده الشهرستاني من طبائعهم الملازمة، فالقوم أسرفوا في تشبيه الله بالمخلوقات، ووصفوه جل وعلا بالنقائص التي تختص بالمخلوق.
الشرك في الملة اليهودية بعد موسى ﵇:
اليهود ـ كما سبق بيانه ـ لم يكونوا موحدين قط حق التوحيد، إذا تمعنا
стр. 342
النظر في مصادرهم الدينية؛ لأن اليهودية تأثرت بما جاورها من الديانات الوثنية، كما أخذت من ديانة بابل، وتأثرت عنهم في عبادة العجل، ونقلت عن الكنعانيين مراسيم وطقوسًا، حتى قال بعض الباحثين: إن إلههم (يهوه) إنما هو إله كنعاني، أخذه اليهو وزادوا في صفاته ما يتفق مع حياتهم، وإذا صح هذا فإن كلمة (يهوه) تكون معروفة قبل ميلاد سيدنا إبراهيم ﵇، فهؤلاء اليهود لما أخذوا (يهوه) إلهًا، نظروا في صفات (يهوه) إلى الديانات الوثنية، فأخذوها، فمما أخذوا من الديانات الوثنية فكرة (خصوصية) الإله، فإنها منقولة عن الوثنيات التي سبقت ديانتهم أو عاصرتها.
والمخالفات التي تزدحم بها التوراة والتلمود وكتب اليهود المقدسة لحقيقة التوحيد تثبت لنا أن التوراة الأصلية الصحيحة التي فيها الهدى والنور قد تغيرت وحرفت على أيدي اليهود، ودخلت فيها الوثنيات من الشرك والتعدد والكفر والإلحاد، وما تذكر من التجسيد. وصفات (يهوه) من الحمق والرعونة والطيش والندم والتوحش والمحاباة لعباده إنما هو مذكور في صفات آلهة بلبل وآشور وغيرها، وفي الفترات التي كانت دعوة التوحيد الموسوية تعلوا على غيرها لم تخل اليهودية من اعتقاد التعدد، فقد كانوا يؤمنون بإلههم مع الاعتراف بآلهة الشعوب الأخرى.
وأخذوا بأخرة فكرة البنوة لله من المسيحية، ومن الهندوسية، والبوذية، فزعم اليهود أن عزيرًا (عزرا) هو ابن الله، وهذا القول معروف عن يهود المدينة.
стр. 343
وهم في جميع مراحلهم أشركوا مع الله غيره، بل كفروا بيهوه وأخلصوا لغيره، وانظر على سبيل المثال إلى الكتاب المقدس ـ كما سموه ـ ستى هذا الأمر واضحًا جليًا.
ذكر بعض الأنبياء بعد موسى ﵇:
لقد أرسل الله إلى بني إسرائيل رسلاً، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين، فقد جاء بعد موسى ﵇ أنبياء وملوك ليهديهم إلى الصراط المستقيم، ولم يذكر الله لنا كثيراً من أنبيائهم على التعيين، وإنما أخبر عن بعض منهم؛ مثل داود وسليمان، كما حكى عن طالوت وجهاده ضد جالوت، وكلهم كانوا داعين إلى التوحيد لا محالة.
ولم يذكر لنا القرآن شيئًا عن وجود أي خلل في هذه المسيرة الصحيحة، كما لم يأت في السنة المطهرة ما يدل على أن هؤلاء وقعوا في الشرك، إلا ما ذكر عن امرأة سبأ وقومها، حيث إنهم كانوا عباد الشمس، ولكن زال هذا الشرك بإسلام ملكة سبأ ـ كما هو ظاهر من سياق القرآن ـ.
стр. 344
المبحث العاشر في بيان الشرك في قوم إلياس
قوم إلياس ﵇:
قد ذكرا لله أمة في هذه الفترة وقعت في الشرك وفي عبادة الأصنام من دون الله؛ وهم قوم إلياس ﵇.
قال تعالى بعدما ذكر قصة هارون وموسى: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)، وقال في آية أخرى: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ).
وفيما يلي التعريف بإلياس وقومه، وبيان ما كانوا عليه من الشرك.
أما إلياس: فاختلفوا فيه على قولين:
أ- إنه إدريس: قال الإمام البخاري: يذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس. قال الحافظ: (أما قول ابن مسعود فوصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عنه، قال: إلياس هو إدريس، ويعقوب هو إسرائيل. وأما قول ابن عباس فوصله جويبر في تفسيره عن الضحاك عنه
стр. 345
وإسناده ضعيف، ولهذا لم يجزم به البخاري، وقد أخذ أبو بكر بن العربي من هذا، أن إدريس لم يكن جدًا لنوح، وإنما هو من بني إسرائيل؛ لأن إلياس قد ورد أنه من بني إسرائيل، واستدل على ذلك بقوله ﵇ للنبي ﷺ : (مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح)، ولو كان من أجداده لقال له كما قال آدم وإبراهيم: ((والابن الصالح))، وهو استدلال جيد، إلا أنه قد يُجاب عنه بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف، فليس ذلك نصًا فيما زعم ... ).
ولعل من قرأ قوله تعالى: (سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) بـ (إدراسين) يذهب أيضًا إلى هذا القول. وقال الإمام الشوكاني: قرأ ابن مسعود والأعمش، ويحيى بن وثاب: (وإن إدريس لمن المرسلين).
стр. 346
ب- أنه إلياس، وليس بإدريس، وعلى هذا فهو:
١ - إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران، والله أعلم.
٢ - وقيل: هو إلياس بن يس من سبط هارون أخي موسى.
٣ - وقيل: هو إلياس التشبي.
٤ - وقيل: هو إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران.
قوم إلياس:
كان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق، وبعلبك الآن داخل الحدود اللبنانية.
شرك قوم إلياس:
أرسل الله النبي الكريم إلى أهل بعلبك، فدعاهم إلى الله وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلاً. ونقل الحافظ ابن عساكر بسنده عن ابن عباس قال: إنما سمي بعلبك لعبادتهم البعل، وكان موضعهم البَدْء فسمي بعلبك.
стр. 347
واختلفوا في المعنى المراد بالبعل على أقوال:
١ - أنه اسم صنم لهم كانوا يعبونه. قال الحافظ ابن كثير: وهو الأصح.
٢ - كانت امرأة اسمها بعل، كانوا يعبدونها.
٣ - وقال مجاهد: (بعلاً) أي: ربًا، وهو قول الإمام البخاري أيضًا في صحيحه.
والصحيح هو القول الأول كما أشار إليه ابن كثير، فإنهم (كانوا قد عبدوا صنمًا يقال له: بعل، فدعاهم إلى توحيد الله تعالى ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد، واستمروا على ضلالهم ولم يؤمن به منهم أحد، فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه ... ). وقد ذكر الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره قصصًا أخرى أغلبها من الإسرائيليات، عن طريق محمد بن إسحاق ووهب بن منبه، ولا يعلم صحتها؛ فلذا تم صرف النظر عنها.
والمقصود: أن قوم إلياس ﵇ كانوا يعبدون الأصنام ـ من دون الله ـ،
стр. 348
فكانوا يشركون بالله في ألوهيته وعبادته، فأرسل الله إليهم نبيه إلياس ﵇ يدعوهم إلى التوحيد، فعلى رواية: أنهم آمنوا ثم كفروا، وعلى رواية أخرى: أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا لما شاهدوا صدق ما يقوله نبيهم.
стр. 349
المبحث الحادي عشر في بيان الشرك في قوم عيسى ﵇
قوم عيسى ﵇:
قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون).
وقال تعالى: (أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ).
وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)، وقال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ).
стр. 350
فهذا هو عيسى ابن مريم الذي حكاه الله لنا في كتابه الكريم، وفيه تعريف شامل لعيسى ابن مريم، الذي لا مجال للشك والخلاف فيه.
فهو ليس بإله ولا ابنه، بل هو عبد من عباده جعله مثلاً لبني إسرائيل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).
قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)، وقال تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وهو الذي حكاه الله عن عيسى ﵇ بأنه قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).
فهذا ما ذكر لنا القرآن من تعريف عيسى ﵇، ومما تعرفنا عليه من خلال هذه النصوص:
أن عيسى ابن مريم ﵇ هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو آخر أنبياء الله ورسله من بني إسرائيل؛ كما أن آخر الأنبياء والرسل من بني الإنسان جميعًا محمد ﷺ ، ذُكر اسمه في القرآن بلفظ
стр. 351
المسيح تارة، وبلفظ عيسى، وبكنيته ابن مريم تارة أخرى.
أما مريم ﵍ فقد ذكرت في القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وكان عمران أبو مريم رجلاً عظيمًا بين العلماء في بني إسرائيل، وقد حملت زوجته فنذرت أن تجعل ما في بطنها من الحمل محررًا لخدمة الدين، فلما وضعتها رأتها أنثى فسمتها مريم.
وعيسى ﵇ يمثل آخر طور من أطور الديانة الإسرائيلية، وقد جعله الله هو وأمه آية في ولادتهما ونشأتهما؛ حيث كان الشعب الإسرائيلي في ذلك الوقت قد فقد الروح الديني الصحيح، وجمد على الطقوس والمراسيم وأشكال العبادة، وأكبَّ على الدنيا والمادة، وارتكب الجرائم المروعة التي أشار إليها الله في القرآن الكريم في سورة النساء بقوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)، وقوله قبل ذلك: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً).
وكانت بنو إسرائيل أمة قاسية، عاصية؛ تارة يعبدون الأصنام والأوثان، وتارة يعبدون الله، وتارة يقتلون النبيين بغير حق، وتارة يستحلون ما حرم الله بأدنى الحيل، فلُعنوا أولاً على ليسان داود، وكان من خراب بيت المقدس ما
стр. 352
هو معروف عند أهل الملل كلهم.
وكان قد دخل فيهم داء التعطيل، فإنهم في زمن موسى ﵇ كانوا على التوحيد وإثبات الصفات، وتكليم الله لعبده موسى تكليمًا، إلى أن توفي موسى ﵇، ودخل الداخل على بني إسرائيل، ورفع التعطيل رأسه بينهم، وأقدموا على علوم المعطلة ـ أعداء موسى ﵇ وقدموها على نصوص التوراة، فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم. والمقصود أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال مملكتهم ... .
فأراد الله سبحانه أن يهز في هذا الشعب ما جمد من عواطفه ويحرك فيه المعاني الروحية التي نسيها، فأجرى له ثلاث آيات كبار جاءت متتابعة متقاربة؛ الأولى: في ولادة مريم ﵍، وكانت أمها حنة (أو حمنة) عقيمًا لا تلد، فنذرت إن رزقها الله بولد لتهبنه لخدمة بيت المقدس، فلما وضعتها أسفت لكونها أنثى لا تصلح للخدمة، وقالت ـ تعتذر إلى الله ـ: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، ولكن الله قبلها منها وأنبتها نباتاً حسنًا، فذهبت إلى العلماء في بيت المقدس وألقتها بين أيديهم وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا في كفالتها، ولكن الله كفّلها زكريا ﵇؛ لأن خالتها كانت تحته، وقد جعلها زكريا في محراب المسجد، فكان كلما
стр. 353
دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
فأطمع هذا زكريا ﵇ في أن يرزقه الله الولد ولو في غير أوانه، فدعا ربه بهذا الدعاء الضارع الذليل، متوسلاً إلى الله بأحب الوسائل إليه؛ وهو إظهار الضعف والافتقار إليه، والرغبة إليه وحده، فقال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).
فما فارق زكريا المحراب حتى نادته الملائكة مبشرة له بأن الله قد وهبه يحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين، وعجب زكريا من أن يكون له غلام على كبر سن منه وعقم من زوجه، فقيل له: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، وطلب آية تدل على حمل امرأته، فقيل له: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، وولد له يحيى وشب على الطهر والاستقامة، وكان آية في ورعه وزهده وطاعته لربه وبره بوالديه، وآتاه الله العلم والحكمة، ومنّ عليه بالرسالة، فهذه آية ثابتة في بني إسرائيل.
أما الثالثة: فكانت ولادة عيسى ﵇، قال تعالى في ذكر أروع وأصدق هذه القصة في سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ
стр. 354
أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)، إلى أن قال: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)، أرسله الله إلى بني إسرائيل رسولاً، وقد خلت من قبله الرسل، وجعله آية للناس؛ حيث خلقه من غير أب، إظهارًا لكمال قدرته، وشمول كلمته سبحانه؛ حيث قسم النوع الإنساني الأقسام الأربعة؛ فجعل آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق المسيح ابن مريم من أنثى بلا ذكر، وخلق سائرهم من الزوجين الذكر والأنثى. وأتى عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته؛ فأحيي الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وأنبأ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ودعا إلى الله وإلى عبادته متبعًا سنة إخوانه المرسلين، مصدقًا لمن كان قبله، ومبشرًا بمن يأتي بعده.
وقد ذكر الله في القرآن الكريم دعوته إلى التوحيد وكونه من الرسل في غير ما آية، فقال في معرض الرد على النصارى في ادعائهم بنوة عيسى ﵇، وفي قولهم: إن الآلهة ثلاثة، أنهم غيروا رسالة عيسى وخالفوا دعواته، فإنه ما دعاهم إلا بما كانت الرسل قبله تدعو إليه من توحيد الله وإفراده بالعبادة، قال تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ
стр. 355
وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
وقال أيضاً: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
وقال: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
ويحكي الله لنا في سورة المائدة صورة لما سيكون يوم القيامة حين يسأل عيسى ﵇ عما يقوله النصارى من أنه أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فيجيب على ذلك البهت بهذا الجواب المفحم الرصين: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
следующие страницы →