← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المسيح تارة، وبلفظ عيسى، وبكنيته ابن مريم تارة أخرى. أما مريم ﵍ فقد ذكرت في القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وكان عمران أبو مريم رجلاً عظيمًا بين العلماء في بني إسرائيل، وقد حملت زوجته فنذرت أن تجعل ما في بطنها من الحمل محررًا لخدمة الدين، فلما وضعتها رأتها أنثى فسمتها مريم. وعيسى ﵇ يمثل آخر طور من أطور الديانة الإسرائيلية، وقد جعله الله هو وأمه آية في ولادتهما ونشأتهما؛ حيث كان الشعب الإسرائيلي في ذلك الوقت قد فقد الروح الديني الصحيح، وجمد على الطقوس والمراسيم وأشكال العبادة، وأكبَّ على الدنيا والمادة، وارتكب الجرائم المروعة التي أشار إليها الله في القرآن الكريم في سورة النساء بقوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)، وقوله قبل ذلك: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلاً). وكانت بنو إسرائيل أمة قاسية، عاصية؛ تارة يعبدون الأصنام والأوثان، وتارة يعبدون الله، وتارة يقتلون النبيين بغير حق، وتارة يستحلون ما حرم الله بأدنى الحيل، فلُعنوا أولاً على ليسان داود، وكان من خراب بيت المقدس ما

стр. 352

هو معروف عند أهل الملل كلهم. وكان قد دخل فيهم داء التعطيل، فإنهم في زمن موسى ﵇ كانوا على التوحيد وإثبات الصفات، وتكليم الله لعبده موسى تكليمًا، إلى أن توفي موسى ﵇، ودخل الداخل على بني إسرائيل، ورفع التعطيل رأسه بينهم، وأقدموا على علوم المعطلة ـ أعداء موسى ﵇ وقدموها على نصوص التوراة، فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم. والمقصود أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال مملكتهم ... . فأراد الله سبحانه أن يهز في هذا الشعب ما جمد من عواطفه ويحرك فيه المعاني الروحية التي نسيها، فأجرى له ثلاث آيات كبار جاءت متتابعة متقاربة؛ الأولى: في ولادة مريم ﵍، وكانت أمها حنة (أو حمنة) عقيمًا لا تلد، فنذرت إن رزقها الله بولد لتهبنه لخدمة بيت المقدس، فلما وضعتها أسفت لكونها أنثى لا تصلح للخدمة، وقالت ـ تعتذر إلى الله ـ: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، ولكن الله قبلها منها وأنبتها نباتاً حسنًا، فذهبت إلى العلماء في بيت المقدس وألقتها بين أيديهم وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا في كفالتها، ولكن الله كفّلها زكريا ﵇؛ لأن خالتها كانت تحته، وقد جعلها زكريا في محراب المسجد، فكان كلما

стр. 353

دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). فأطمع هذا زكريا ﵇ في أن يرزقه الله الولد ولو في غير أوانه، فدعا ربه بهذا الدعاء الضارع الذليل، متوسلاً إلى الله بأحب الوسائل إليه؛ وهو إظهار الضعف والافتقار إليه، والرغبة إليه وحده، فقال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا). فما فارق زكريا المحراب حتى نادته الملائكة مبشرة له بأن الله قد وهبه يحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين، وعجب زكريا من أن يكون له غلام على كبر سن منه وعقم من زوجه، فقيل له: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، وطلب آية تدل على حمل امرأته، فقيل له: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، وولد له يحيى وشب على الطهر والاستقامة، وكان آية في ورعه وزهده وطاعته لربه وبره بوالديه، وآتاه الله العلم والحكمة، ومنّ عليه بالرسالة، فهذه آية ثابتة في بني إسرائيل. أما الثالثة: فكانت ولادة عيسى ﵇، قال تعالى في ذكر أروع وأصدق هذه القصة في سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ

стр. 354

أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)، إلى أن قال: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)، أرسله الله إلى بني إسرائيل رسولاً، وقد خلت من قبله الرسل، وجعله آية للناس؛ حيث خلقه من غير أب، إظهارًا لكمال قدرته، وشمول كلمته سبحانه؛ حيث قسم النوع الإنساني الأقسام الأربعة؛ فجعل آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق المسيح ابن مريم من أنثى بلا ذكر، وخلق سائرهم من الزوجين الذكر والأنثى. وأتى عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته؛ فأحيي الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وأنبأ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ودعا إلى الله وإلى عبادته متبعًا سنة إخوانه المرسلين، مصدقًا لمن كان قبله، ومبشرًا بمن يأتي بعده. وقد ذكر الله في القرآن الكريم دعوته إلى التوحيد وكونه من الرسل في غير ما آية، فقال في معرض الرد على النصارى في ادعائهم بنوة عيسى ﵇، وفي قولهم: إن الآلهة ثلاثة، أنهم غيروا رسالة عيسى وخالفوا دعواته، فإنه ما دعاهم إلا بما كانت الرسل قبله تدعو إليه من توحيد الله وإفراده بالعبادة، قال تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ

стр. 355

وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). وقال أيضاً: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). وقال: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). ويحكي الله لنا في سورة المائدة صورة لما سيكون يوم القيامة حين يسأل عيسى ﵇ عما يقوله النصارى من أنه أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فيجيب على ذلك البهت بهذا الجواب المفحم الرصين: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

стр. 356

هكذا في كل موضع من هذا المواضع يؤكد القرآن الكريم براءة عيسى ﵇ مما نُسب إليه، ويقرر أنه ما كان إلا واحدًا من هؤلاء الرسل الذين بُعثوا بالدعوة إلى التوحيد وإبطال عبادة الطاغوت. فالمسيح هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، بعث لإرشاد الضالين من بني إسرائيل، فجدد لهم الدين وبيَّن لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، والتبري من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه ورموه وأمه بالعظائم، وراموا قتله، فطهره الله تعالى منهم ورفعه إليه، فلم يصلوا إليه بسوء، وأقام الله تعالى للمسيح أنصارًا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة. بدء الانحراف والشرك في قوم عيسى ﵇: بعد وفاة المسيح بحوالي سبعين سنة، أسلم أحد الوثنيين اسمه بولس ـ نفاقًا على ما يظهر ـ وكان قبل ذلك يضطهد النصارى ويظلمهم ويقتلهم شر قتله، فما أن أظهر إسلامه إلا جاء بأقوال لم يسبقه إليها أحد، فمنها: ١ - الدعوة إلى التثليث. ٢ - الدعوة إلى ألوهية المسيح، وألوهية الروح المقدس. ٣ - اختراع قصة الفداء للتكفير عن خطيئة البشر. ٤ - جعل يوم الأحد مقدسًا عند المسيحيين؛ بحجة أنه قام فيه من القبر، بدلاً من السبت الذي كان مقدسًا عند اليهود.

стр. 357

٥ - جعل التشريع حقاً للرؤساء الروحانيين، بعد أن كان للأنبياء والرسل. ٦ - أعلن بنسخ التوراة؛ لما وجد مقاومة شديدة من اليهود والمسيحيين على السواء، وذلك تمهيدًا لإدخال الوثنية والوثنيين في المسيحية؛ لأن التوراة كانت حاجزًا قوياً في طريق بولس، وأعلن أمام الوثنيين بأن الإيمان بالمسيح يكفي للنجاة، وانطلاقًا من نسخه التوراة استطاع بولس أن يلغي كثيرًا من الأحكام كانت معروفة لدى اليهود والمسيح نفسه. منها حكم الختان، فألغى حكم الختان، كما أباح للمسيحيين الجدد الداخلين في دينه أكل لحم الخنزير، وكان محرمًا في الشريعة الموسوية، وكان قبل هذا عندهم بقايا من دين المسيح؛ كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمه التوارة إلا ما أحل لهم بنصها، ولكن لما أعلن نسخ التوراة استطاع بموجبه إدخال ما أراد من الوثنية في الديانة المسيحية. ولكن بولس فشل في إقناع المسيحيين الخُلَّص بهذه العقائد، وفشل في إقناع الشرقيين من اليهود والنصارى على السواء؛ وذلك لوجود بعض الحواريين وأتباعهم وشدة تمسكهم بما أرشدهم إليه المسيح عيسى ﵇. ولكن بولس لم يتغير عن موقفه، بل جاء بعقيدة أخرى؛ حيث توجه إلى الأقطار الأوروبية وأحدث فكرة جديدة في المسيحية، وهي: ٧ - عالمية المسيح، بينما كانت دعوة المسيح لليهود خاصة.

стр. 358

٨ - أن عيسى ﵇ إنما صُلب تكفيرًا لخطايا البشر. ٩ - قيامة عيسى ﵇ من الأموات، وأنه صعد وجلس عن يمين الله. وهذه المبادئ التي جاء بها بولس قد ردها النصارى أولاً ولم يقبلوها، فقد صرح هو في رسالته الثانية إلى تيموثاوس: (إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني)، وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين عرفوا الحق ورأوا المسيح ﵇. واستمر الحال على إنكار هذه المبادئ ـ إلا من شذ منهم من الرومان واليونان وخاصة في غرب أوروبا؛ حيث كانت الغلبة للوثنيين فناسبتهم في أفكارهم فأخذوا بها ـ أما الذين كانوا في آسيا وفي الموضع الذي أرسل فيه المسيح فكانوا على إنكار هذه المبادئ نحو ثلاثمائة سنة ـ كما سبق ـ. ولكن بعد هذا أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركّبوا دينًا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، ولما آل الأمر إلى هذا الحد اجتمعت النصارى في عدة مجامع تزيد على ثمانين مجمعًا، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن؛ يلعن بعضهم بعضًا، حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار، فجمع كل بترك وأسقف وعالم، فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر.

стр. 359

وذلك في سنة ٣٢٥ من الميلاد؛ حيث اجتمع لديه النصارى القائلين بالتثليث، والنصارى الذين كانوا على القول الصحيح في شأن المسيح مثل آريوس وأتباعه، ولكن الملك جنح إلى القائلين بالتثليث لما وافق ذلك وثنيته السابقة عنده، وقرروا فيه ألوهية المسيح ﵇، وأنه نزل ليصلب تكفيرًا لخطايا البشر ـ كما تقدم بيان ذلك فيما أحدثه بولس ـ. وبذلك أصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط. الشرك في قوم عيسى ﵇: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والنصارى يغلب عليهم الشرك ... ). وقال أيضاً: (فإن النصارى شر منهم ـ اليهود ـ فإنهم أعظم ضلالاً وأكثر شركًا ... ). وقال: (ولما كان أصل دين النصارى الإشراك لتعديد الطرق إلى الله، أضلهم عنه ... ). وقال الإمام ابن القيم: (أساس دين النصارى قائم على شتم الله، والشرك به). وقال أيضًا: (إن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه ... ). فما هي هذه الأمور الشركية في هذه الأمة؟

стр. 360

لقد وجد فيهم أنواع من الشرك، وهي ما يلي: ١ - القول بالتثليث، والمراد بالتثليث كما يقول قاموس الكتاب المقدس: (إله واحد، الأب والابن والروح المقدس إله واحد، جوهر (ذات) واحد، متساوين في القدرة والمجد). ويفسرون هذه العقيدة بقولهم: إن تعليم الثالوث يتضمن: أ- وحدانية الله. ب- لاهوت الأب والابن والروح المقدس. ج- إن الأب والابن والروح المقدس أقانيم يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الأبد. د- إنهم واحد في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد. هـ- إن بين أقانيم الثالوث تمييزًا أيضًا في الوظائف والأعمال. و- إن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العالم وحفظه. وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الاختيار والدعوة، وإن بعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الابن مثل الفداء، وبعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الروح القدس مثل التجديد والتقديس.

стр. 361

ويتضح منها أنهم يقولون: إن وحدانية الله وحدانية حقيقية، وكذلك تثليثه، أي أنه ثلاثة حقيقة؛ أي ثلاثة أشخاص وفي نفس الوقت يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، وهم في نفس الوقت متساوون في قدرتهم ومجدهم، ووجودهم، لم يسبق أحد منهم الآخر. يقال لهم: (هذا في الواقع جمع بين الضدين، فالوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفي الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية والشرك في مكان واحد، بل هما ضدان لا يجتمعان، كالسواد والبياض). قال شيخ الإسلام: (وقوم غلوا فيه ـ أي عيسى ـ وزعموا أنه الله أو ابن الله، وأن اللاهوت تدرع الناسوت ... جوهر واحد، ثلاثة أقانيم، وأن الواحد منها أقنوم الكلمة، وهي العلم، هي تدرعت الناسوت البشري، مع العلم بأن أحدهما لا يمكن انفصاله عن الآخرين، إلا إذا جعلوه ثلاثة إلهات متباينة، وذلك مما لا يقولونه). والنصارى يعتقدون اجتماعهما، مخالفين بذلك الحس والعقل والنقل، ويحاول النصارى أن يقربوا هذه العقيدة للناس بضرب الأمثلة لها. فمرة يشبهونها بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، ومرة بالشمس المكونة من جرم وأنها تنير الأرض وتدفئها، ومنهم من شبهها بالشجرة، فإن لها أصل وهي الجذور والساق والورق.

стр. 362

ومنهم من يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار توقدت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها. وهذه التشبيهات ليس فيها ما يمكن أن يكون مطابقًا لدعوى النصارى في التثليث؛ لأن جميع هذه الأشياء إما أن تكون ذاتًا واحدة لها أجزاء وأبعاض، أو صفات وآثار، بخلاف دعواهم في التثليث؛ فإنهم يقولون: هم ثلاثة حقيقيون ذوو أعمال مختلفة متباينة، وهم في نفس الوقت واحد حقيقي، بخلاف تشبيههم له بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، فهذه مكونات الجسم ولا يستقل واحد منها بذاته، كما أن الدم ليس الروح، والروح ليس الجسد، والجسد ليس هو الروح والدم، بخلاف دعوى التثليث، الذي يزعمون فيه أن كل واحد من الثلاثة هو الآخرين، ولهذا صرح كثير منهم بعدم معقولية التثليث. و (أنها قضية لا يفهمها العقل ولا يقبلها). والمقصود: أنهم وقعوا في الشرك بقولهم التثليث، وهو شرك في الربوبية؛ حيث جعلوا الرب مركبًا من هذه الأشياء، وحيث تنقصوا الخالق سبحانه وسبوه ورموه بالعظائم، وحيث زعموا أنه عن قولهم علوًا كبيرًا ـ نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو، وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعًا صغيرًا يمص الثدي، ولف في القمط، وأودع السرير يبكي ويجوع ويعطش ويبول ويتغوط ويحمل على

стр. 363

الأيدي والعواتق، ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوافي وجهه وصفعوا قفاه وصلبوه جهرًا بين لصين، وألبسوه إكليلاً من الشوك، وسمروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام، وهذا وهو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم، وهو المعبود المسجود له، ولهذا قال تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا). وقال الله تعالى: ((شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد ... )). قال ابن القيم: (وبالجملة: فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة، كما قال عمر ﵁: ((إنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر)). وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبًا أغمض عينيه عنه، وقال ((لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح سب))). ومن شركهم في الربوبية في هذا الباب: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلهًا آخر معه، وأنفوا أن يكون عبدًا له. ومن شركهم في الربوبية: تشبيه بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت وامتزاجه به باتحاد النار والحديد، وتمثيل غيرهم ذلك باختلاط الماء باللبن،

стр. 364

وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء حتى صارا حقيقة أخرى ـ تعالى الله عن إفكهم وكذبهم ـ. ومن شركهم في الربوبية: اتفاهم بأسرهم على أن اليهود أخذوه وضربوه وطعنوه بالحربة وصلبوه وقتلوه حتى مات، وتركوه مصلوباً حتى التصق شعره بجلده، ثم دفنوه وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهوتيته من قبره. كل هذه الأشياء شرك في الربوبية؛ حيث إنها تشبيه المخلوق بالخالق والخالق بالمخلوق الذي هو أصل الشرك ـ كما مر معنا مراراً ـ. ومن أنواع الشرك فيهم: ٢ - قولهم بالصلب والفداء، وفيه أيضًا شرك في الربوبية؛ فإن فيه التكذيب على الله في كونه تاب على آدم ﵇ وغفر له خطيئته، ونسبته إلى أقبح الظلم؛ حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في الجحيم، بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية السفه؛ حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه، حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز؛ حيث عجّزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة، ونسبوه إلى غاية النقص؛ حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه، ففعلوا به ما فعلوا. ٣ - من أنواع الشرك فيهم: قولهم بمحاسبة المسيح للناس، ففيه شرك في الربوبية؛ فإن محاسبة الناس إنما هي من شأن الخالق شبحانه ﷻ ، لا لأحد من البشر.

стр. 365

فهذه كلها أنواع الشرك في الربوبية. ومن الشرك في الألوهية في هذه الأمة الضالة ما يلي: ٤ - عبادتهم المسيح، وذلك في صلواتهم: (حيث يقدمون الصلاة باسم المسيح لأنه الواسطة عندهم). ٥ - تعظيمهم للصليب الذي يؤدي إلى مستوى العبادة، فإن هذه الأمة اتخذته معبودًا يسجدون له، وإذا اجتهد أحدهم في اليمين بحيث لا يحنث ولا يكذب حلف بالصليب ويكذب إذا حلف بالله ولا يكذب إذا حلف بالصليب. ولقد قال بعض عقلائهم: إن تعظيمنا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء فإنه كان قبر المسيح وهو عليه ثم لما دفن صار قبره في الأرض وليس وراء هذا الحمق والجهل حمق فإن السجود لقبور الأنبياء وعبادتها شرك بل من أعظم الشرك وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء ﷺ اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأصل الشرك وعبادة الأوثان من العكوف على القبور واتخاذها مساجد. ٦ - تصوير الصور في الكنائس وعبادتها فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى حتى لقد كتب بطريق الاسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى ﵇ بالتصوير، وهذا كذب، ثم على فرض الصحة غايته: أن يكون بمثابة التذكر للخطيئة حتى لا ينساها كما ورد عن

стр. 366

بعضهم، وليس فيه دليل على السجود للصور، فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين يدي تلك الصور؟ . ٧ - من الشرك في هذه الأمة الضالة: اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، وذلك من وجوه: أ- إعطائهم سلطة التشريع؛ حيث أعطوا رهبانهم وقساوستهم سلطة التشريع، يشرعون لهم ما يشاءون، وهم يقرأون أن المسيح قال: (إنما جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي، وما جئت ناقضًا بل متممًا، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض شيئًا من شريعة موسى)، وما زال أصحاب المسيح على ذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم أخذ القوم في التغيير والتبديل والتقرب إلى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود ومناقضتهم بما فيه ترك دين المسيح والانسلاخ منه جملة ... وانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم: أن قومًا من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها من الشام فدعوا الناس إلى دين المسيح الصحيح؛ فدعوهم إلى العمل بالتوراة، وتحريم ذبائح من ليس من أهلها، وإلى الختان وإقامة السبت، وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة. فشق ذلك على الأمم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليحببوهم إلى دين المسيح ويدخلوا فيه، فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم والترخيص لهم والاختلاط بهم، وأكل ذبائحهم، والانحطاط في أهوائهم، والتخلق بأخلاقهم، وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم، وأنشأوا في ذلك كتابًا، فهذا في أحد

стр. 367

مجامعهم الكبار، وكانوا كلما أرادوا إحداث شيء اجتمعوا مجمعًا وافترقوا فيه على ما يريدون إحداثه ... فالنصارى تلقوا أصول دينهم عن أصحاب المجامع. ب- تقليد هذه الأمة الضالة لأحبارهم ورهبانهم في امتثال ما يشرعون لهم، وبذلك دخلوا في الشرك في الألوهية، فإن التشريع من خصائص الرب؛ فالتشريع من الأحبار والرهبان فيه شرك في الربوبية، وامتثال بني إسرائيل لهذا التشريع عبادة لهم لهؤلاء القساوسة والأحبار والرهبان. ج- شركهم في الربوبية من حيث إعطاء الراهب والقسيس حقوق الغفران والتوبة، فليس عند النصارى على من زنا أو لاط أو سكر حد في الدنيا أبدًا ولا عذاب في الآخرة؛ لأن القس والراهب يغفره لهم. قال ابن القيم: (فكلما أذنب أحدهم ذنباً أهدى للقس هدية أو أعطاه درهماً أو غيره ليغفر له ربه! ! ، وإذا زنت امرأته أحدهم بيّتها عند القس ليطيبها له، فإذا انصرفت من عنده وأخبرت زوجها أن القس طيبها قبل ذلك منها وتبرك به)! ! ! . آثار شرك قوم عيسى في هذه الأمة المرحومة: سيأتي بيان هذه الآثار مفصلاً عند استعراض الشرك في هذه الأمة في العصر الحديث. وإنما يكتفي هنا بذكر بعض هذه العقائد التي وجدت بعينها أو متطورة منها في بعض من ينتسب إلى الإسلام، فمثلاً: ١ - وجدت عقيدة الحلول ووباؤه لدى بعض مبتدعة المتصوفة وعباد

стр. 368

الجهمية، فقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام، واشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه، فظنوا أن ذلك نفس ذات الرب. ٢ - وجدت عقيدة الغلو في الصالحين في هذه الأمة عند بعض المتصوفة، حيث غلوا في الرسول ﷺ ورفعوه من منزلة العبد إلى منزلة المعبود. ٣ - وجدت عقيدة السجود للقبور واتخاذها مساجد في بعض من ينتسب إلى الإسلام. ٤ - النصارى ادعوا في المسيح بأنه نور، وهكذا ادعى بعض المتصوفة الجهلة في نبي الله ﷺ بأنه نور من نور الله، والغلو في هذا الأمر. ٥ - النصارى أعطت سلطة التشريع إلى قساوستهم، وهكذا ترى بعض المقلدة، وبعض الشعوب أعطت حق التشريع لحكامهم وعلمائهم واتبعتهم في ذلك دون إمعان أو نظر هل يوافق نصوص الشرع أم يخالفه. وبهذا ترى تحقق قول الرسول ﷺ : ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه)) قالوا: يا رسول الله، من اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن إذن؟ )).

стр. 369

الفصل الثالث في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها وتحته مبحثان: المبحث الأول: هل أشركوا في الربوبية؟ المبحث الثاني: شرك العبادة في الأمم السابقة.

стр. 370

المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية ؟ فَطَر الله جميع الخلائق على الإقرار بهذا التوحيد لا يمنع أن يكون الأمم قد وقع في شرك الربوبية، كالدهرية قديمًا، والشيوعية حديثًا ـ كما سيأتي في الباب الرابع ـ، فمن شذ من هؤلاء وأمثالهم، فادعاء إنكارهم له جل وعلا إنما هو عن استكبار وعناد، لا عن شك وارتياب. وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الخالق جل وعلا وادعاؤه بأنه إله من دون الله (فرعون) عندما قصه الله علينا في قوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، والذي قال لنبي الله موسى ﷺ على وجه الإنكار عندما أبلغه رسالة ربه: (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى). ومع هذا فإنكاره لربوبية الله جل وعلا ما كان إلا عن مكابرة. قال تعالى بعد الآية الأولى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، وأقام تعالى الحجة بعد الآية الثانية على لسان نبيه موسى ﷺ بقوله: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ

стр. 371

كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ). وقد وجد إنكار الربوبية على وجه التكبر والعناد في أمم قبل فرعون، منهم: عاد حينما قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، وكما وجد في ملك قوم إبراهيم ﵇ عندما قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، لما قال له إبراهيم ﵇: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ). ولكن مع هذا لم يكن التعطيل والجحود لربوبية الله جل وعلا غالباً في أمة من الأمم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جحود الصانع لم يكن غالباً على أمة من الأمم قط، وإنما كان على دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس، وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام، والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلها تدل على ذلك، ولكن فرعون موسى ... كان في الباطن عارفاً بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده ... ). وقال في موضع آخر: (فأما الإيمان بالله فهو في الجملة قد أقر به جمهور الخلائق، إلا شواذ الفرق من الفلاسفة الدهرية، والإسماعيلية ونحوهم، أو من نافق فيه من المظهرين للتمسك بالملل، وإنما يقع اختلاف أهل الملل في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعباداته، ونحو ذلك ... ). وسيأتي

стр. 372

بيان حقيقة مذهب الدهرية المعطلة فيما بعد. وإنما قلنا إنما جحود الصانع لم يكن غالباً في أمة من الأمم، فإن الآيات دالة على منزلها، والمخلوق دال على الخالق سبحانه، كدلالة الأثر على المؤثر، فالفطرة هدت الأعرابي إلى أن يقول: ((البعرة تدل على البعير، والأثر على المسير، ليل داج ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ ! )). وأما ما نسب إلى بعض الطوائف من اعتقادهم (وجود إلهين كالثنوية من المجوس والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، فإنهم متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة هل هي قديمة أم محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين). وسيأتي بيان مذهب الثنوية فيما بعد.

стр. 373

وأما النصارى القائلين بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطريين في فهمه وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد؛ فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! . والأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص، وقد فطر الله العباد على إدراك فساد هذه الأقوال بعد التصور التام، وفي الجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين. والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين في الصفات والأفعال. ولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثمَّ خالقًا خلق العالم، كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفة الدهرية في حركة الأفلاك، أو حركات النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أمورًا محدثة بدون

стр. 374

إحداث الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي الأمم قد يظن في آلهته شيئًا من نفع أو ضر، بدون أن يخلق الله ذلك. فلما كان هذا النوع من الشرك في الربوبية موجودًا بين الناس ـ حتى في مشركي العرب كما سيأتي بيانه فيما بعد ـ بيَّن القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ). قال ابن القيم: (فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين؛ فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقًا فاعلاً، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى شركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره وتفرده بالإلهية دون فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلابد من أحد أمور ثلاثة: إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه؛ فيكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون. وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره، كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب غيره، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في الغاية والألوهية، فكما

стр. 375

يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، يستحيل أن يكون لها إلهان معبودان). والمقصود: أن الأمم السابقة قد وقع منهم الشرك في الربوبية، ولكن التعطيل المطلق لم يكن صفة عامة لأمم من الأمم، وإنما كان في شواذ من الناس، وهكذا ما وجد ي الأمم من أثبت صانعين وخالقين متماثلين في الذات والصفات، وإنما كان شركهم إما بالأنداد، أو بالتعطيل الذي يتمثل في تعطيل الصانع عن المصنوع مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلاً، وفي تعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه أو صفاته، أو بإثباتها للغير، أو بتشبيهها بأسماء أو صفات أو أفعال غير الله . أو التعطيل الذي يتمثل في تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وقد سبق معنا بيان أمثلة كل من وقع في هذه الأنواع من الشرك في الربوبية، وفيما يلي إشارة موجزة إلى كل من وقع في هذه الأنواع من مشركي الأمم السابقة: إن المشركين في الربوبية من الأمم السابقة يمكن تصنيفهم بما يلي: الصنف الأول: المعطلون: وهم على ثلاث فرق: أ- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه: وهو إنكار الربوبية مطلقًا، مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلاً، ويدخل تحت هذا شرك فرعون؛ إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ). ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته،

стр. 376

وأنه لم يكن معدومًا أصلاً، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، وهم الفلاسفة الصابئة الملاحدة الدهريون. قال ابن القيم: (وهؤلاء فرقتان؛ فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها. وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء: مركباتها وبسائطها، من ذاتها، لا من شيء آخر، وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، ولا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلاً يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه، وهؤلاء هم المعطلة حقًا، وهم فحول المعطلة، وقد سرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة ... ). وقد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم العالم أرسطو، والرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد، لا مبدأ عنه ولا معاد ولا رسول ولا كتاب، وبالجملة: ملاحدة الفلاسفة هم أهل التعطيل المحض، فإنهم عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع.

стр. 377

ب- تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وهذا القسم لا أعلم أن أحدًا من مشركي الأمم السابقة وقع فيه، فإن القول بوحدة الوجود ما عرف سابقًا، اللهم إلا أن يقال: إن قولهم هذا مستمد من قول فرعون، وأن حقيقة فرعون لا يختلف عن قولهم كثيرًا، كما أشار إليه شيخ الإسلام في بعض فتاويه. وأما بعد فرعون فمن الأمم التي وقعت في هذا النوع من الشرك: اليهود في دعواهم حلول الله في عزرا، والنصارى في دعواهم حلول الرب جل وعلا في المسيح عيسى. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. ج- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله. وقد وقع فيه جملة من الأقوام من الأمم الماضية: فمن ذلك شرك عاد حينما قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)؛ بإنكارهم وتعطيلهم صفتي القدرة والقوة لله جل وعلا. ومن ذلك: شرك اليهود والنصارى عندما عطلوا صفات الكمال لله جل وعلا ووصفوه بنقيض صفاته، بل بصفات مخلوقاته، وقد وصفوا بعض المخلوقات بصفات الله. ومن ذلك: شرك منكري الرسالة، وهذا كثير في الأمم، فإنهم استبعدوا أن يأتيهم منذر من الله، وهم بهذا عطلوا أفعال الله وحكمته في خلقه. ومن ذلك: شرك منكري القدر؛ ولا أدري هل أنكرته الأمم السابقة أم لا؟

стр. 378

ولكن يفهم من قوله تعالى رادًا على المحتجين بالقدر: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم) أنهم وقعوا فيه. ومن ذلك أيضًا: شرك إثبات التشريع والتحليل والتحريم لغير الله، فهم وقعوا في هذا النوع من الشرك كالنصارى في رهبانهم، واليهود في أحبارهم، ويدل عليه ما مضى معنا من حديث عدي بن حاتم، وقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ). ولعل منكري البعث من الأمم يدخلون تحت هذا النوع من التعطيل، فإن البعث من فعل الله وحكمته، فمن عطله فقد أشرك فيه غير الله، فإنه ـ كما سبق ـ إن كل معطل مشرك. الصنف الثاني: أصحاب الأنداد الذين كانوا يشركون بالله من غير تعطيل: وهم الذين اتخذوا مع الله آلهة أو إلهًا آخر، ولم يعطلوا أسماءه وصفاته وربوبيته، فهؤلاء أقروا بالربوبية لله جل وعلا، ولكن جحدوا ما يترتب عليه، وهؤلاء آمنوا بالله ربًا وخالقًا، ولكنهم لم يفردوه بالعبادة، ولم يتحمل عقلهم المريض أن يكون الله وحده هو المعبود دون من سواه، وهؤلاء هم المشركون الذين قال الله فيهم ـ وفيمن كانوا في زمن النبي ﷺ ، كما سيأتي

стр. 379

في الباب الثاني بمشيئة الله ـ. (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ). وقد نعى الله عليهم هذا المسلك في آيات كثيرة تناقشهم وتوضح لهم أن الإيمان بربوبية الله تعالى مستلزم للإيمان بألوهيته وحده دون من سواه. وهؤلاء في الأمم السابقة هم الأكثرون، فمن هذا النوع: ١ - شرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا آخر. ٢ - شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة. ٣ - شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيي ويميت ـ بزعمه ـ كما يحيي الله ويميت. ٤ - شرك قوم فرعون حينما قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، وقوله تعالى حكاية عن قول الملأ له: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتِكَ) كما هو في بعض القراءات.

стр. 380

٥ - وأيضًا من هذا النوع شرك كثير ممن كان يشرك بالله بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما كان شرك قوم نوح على قول، وشرك مشركي الصابئة من قوم إبراهيم باتفاق العلماء. ٦ - وأيضًا يدخل في هذا النوع شرك عباد الشمس وعباد الناس وغيرهم؛ الذين عبدوا غير الله معه، وزعموا في الله أنه إله من جملة الآلهة، أو أنه أكبر الآلهة. ٧ - ومن هذا الصنف: الثنوية من المجوس الذين قالوا: الصانع اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان، لم يزالا، ولن يزالا قويين حساسين، مدركين، سميعين، بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير، فالنور فاضل حسن نقي، طيب الريح، حسن المنظر، ونفسه خيره كريمة، حكيمة نفاعة، منها الخيرات والمسرات والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر. والظلمة ضد ذلك؛ من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر، ونفسها نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة مضرة، منها الشر والفساد. ثم اختلفوا: فقالت طائفة: إن النور لم يزل فوق الظلمة. وقالت فرقة: بل كل واحد منهما إلى جانب الآخر. وقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعًا في ناحية الشمال، والظلمة منحطة في الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينًا لصاحبه.

стр. 381

وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين، والنور يتولد ملائكة، والنور لا يقدر على الشر، ولا يجيء منه، والظلمة لا تقدر على الخير ولا يجيء منها، ولهم مذاهب سخيفة جدًا. واختلفوا هل الظلمة قديمة أو حادثة؟ فقالت فرقة منهم: هي قديمة لم تزل مع النور، وقالت فرقة: بل النور هو القديم، ولكنه فكر فكرة خبيثة رديئة حدثت منها الظلمة، فدار مذهبهم على أصلين هما من أبطل الباطل. أحدهما: أن شر الموجودات وأخبثها وأردأها: كفو لخير الموجودات، وضد له، ومناوئ له، ويعارضه ويضاده، ويناقضه دائمًا، ولا يستطيع دفعه، وهذا أعظم من شرك عباد الأصنام، فإنهم جعلوها مملوكة له، مربوبة مخلوقة، بخلاف هؤلاء. والأصل الثاني: أنهم نزهوا النور أن يصدره شر، ثم جعلوه منبع الشر كله وأصله ومولده ـ بزعمهم أنه فكرة خبيثة حدثت منها الظلمة ـ فأثبتوا ربين وإلهين ـ وإن لم يكونا متماثلين ـ وأثبتوا خالقين، فجمعوا بين الكفر بالله تعالى وأسمائه وصفاته، ورسله وأنبيائه وملائكته وشرائعه، وأشركوا به أعظم الشرك. قال ابن القيم: (ولولا أن الله سبحانه يحكي عن المشركين والكفار أقوالاً أسخف من هذا وأبطل لاستحى العاقل من حكاية هذا). فهذا مذهب الثنوية، وقد أطلت فيه؛ لأني أراهم من شرك الأمم السابقة الذي نحن بصدد ذكره.

стр. 382

المبحث الثاني شرك العبادة في الأمم السابقة من المعلوم: أن العبد لا يتخلى عن العبادة؛ لأن العبودية ـ من العباد ـ صفة لازمة لهم، وذلك لسببين رئيسين هما: الفقر الذاتي، وكونه حارثًا همامًا، فلا يستطيع أحد أن يخلوا من العبادة، سواء كان للمعبود الحق أم للمعبود الباطل، بل العبادة عنصر أساسي في كيانه شاء أم أبى، فالأمم السابقة لابد أن كانوا عبادًا، إما عبادًا لله جل وعلا، حتى يدخلوا في زمرة الموحدين، وإما أنهم كانوا عبادًا لغير الله؛ فيعتبرون من المشركين. والذي اتضح من خلال استعراض شرك الأمم السابقة أن أغلب شرك الأمم كان في العبادة، وإن اختلفت طبيعة المعبودات من أمة إلى أخرى، وأما الذين كان فيهم شرك في بعض خصائص الربوبية فهم لا محالة كانوا من المشركين مع الله في العبادة، فإن الشرك في الربوبية يستلزم الشرك في العبادة، كما أن توحيد الربوبية يستلزم التوحيد في العبادة. وبهذا يتضح حقيقة الشرك في الأمم بأنها كانت في العبادة، وإن اختلفت المعبودات من أمة إلى أخرى؛ فبعضهم أشركوا بعبادة الله عبادة الصالحين من

стр. 383

الناس، وبعضهم بعبادة الأصنام، وبعضهم بعبادة الكواكب والأجرام السماوية، وبعضهم كانوا مشركين بالله بعبادة أهوائهم، وبعضهم بعبادة أحبارهم ورهبانهم. والمقصود: بيان طبيعة الشرك في الأمم السابقة بأن أغلب الشرك كان فيهم من جهة العبادة، والذين أشركوا بالله في ربوبيته من الأمم السابقة أدى بهم شركهم في الربوبية في نهاية المطاف إلى الشرك بالله في العبادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أصل الشرك في بني آدم كان الشرك بالبشر الصالحين المعظَّمين، فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح). وقال أيضًا: (الشرك في قوم نوح كان أصله عبادة الصالحين ... ثم قوم إبراهيم انتقلوا إلى الشرك بالسماويات، بالكواكب، وصنعوا لها الأصنام بحسب ما رأوه من طبائعها ... ). وقال في موضع آخر: (والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان: قوم نوح وقوم إبراهيم؛ فقوم نوح، كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم، وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر ... ). يظهر من كلام شيخ الإسلام أنه يرى: أن أصل شرك الأمم إنما كان في

стр. 384

العبادة والألوهية، وإن كان هناك بعض أنواع الشرك في بعض خصائص الربوبية، ولكنها قليلة إذا قورنت بالشرك في العبادة، بل إنما أرسل الرسل لتقرير توحيد العبادة، والإنكار على شرك العبادة غالبًا. فليس الشرك محصورًا في اعتقاد وجود رب آخر لهذا العالم مساوٍ لله في الصفات والأفعال، بل هذا النوع لم يكن معروفاً في بني آدم أصلاً، وإنما وجد الشرك في الربوبية في بعض خصائصها، ولكن غالب شرك الأمم كان في في العبادة. وبهذا يظهر جهل كثير من الناس في هذه الأزمنة المتأخرة بحقيقة الشرك، فالله المستعان. وقد سبق استعراض شرك الأمم مفصلاً، ويمكن من خلال ما ذكر أن يصنف شرك الأمم في العبادة بما يلي: ١ - الشرك بعبادة الصور والصالحين، وكان هذا مبدأ الشرك في البشرية، حيث كان في قوم نوح. ٢ - الشرك بالعكوف على القبور، وأيضًا كان في قوم نوح، كما كان هذا في قوم إلياس ﵉. ٣ - الشرك بعبادة الأصنام، فهذا أيضًا كان في قوم نوح ﵇،

стр. 385

وقوم هود ﵇، وقوم صالح ﵇، ولدى بعض قوم إبراهيم ﵇، وفي قوم يوسف ﵇، وقوم شعيب ﵇، وقوم إلياس ﵇، وقوم موسى ﵇ بعد موته. ٤ - الشرك بعبادة الكواكب، وكان في قوم إبراهيم ﵇. ٥ - الشرك بعبادة الهوى، وكان ذلك في قوم لوط ﵇. ٦ - الشرك بعبادة الرؤساء والحيوانات، مثل ما وقع في قوم موسى ﵇ في حياته وبعد مماته، وما حكى الله عن الملأ في جميع الأمم. ٧ - الشرك بعبادة الأحبار والرهبان؛ ومظاهره في قوم موسى ﵇ وقوم عيسى ﵇. ٨ - الشرك بعبادة الأنبياء والرسل: ومثال ذلك ما وقع في قوم موسى عليه

стр. 386

السلام بعبادة عزير، وفي قوم عيسى بعبادة المسيح ﵇. والمقصود: أن أغلب شرك الأمم كان في العبادة، وذلك: إما بإعطاء خصائص الألوهية لغير الله، وإما بمشاركة غير الله فيما هو محض حق الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المقصود: أن أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين، وعبادة تماثيلهم ... ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب؛ إما الشمس وإما القمر وإما غيرهم، وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب، وشرك قوم إبراهيم ـ والله أعلم ـ كان من هذا، أو كان بعضه من هذا ... ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن، وضعت الأصنام لأجلهم، وإلا فنفس الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، بل لأسباب اقتضت ذلك ... ). وبهذا انتهينا من الكلام في شرك الأمم السابقة، والأن نبدأ في بيان شرك العرب في الجاهلية.

стр. 387

الباب الثاني: في بيان الشرك في العرب في الجاهلية وأسباب ذلك . وتحته فصلان: الفصل الأول: أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇ قبل الوثنية. الفصل الثاني: متى كان ظهور الشرك فيهم وبيان سببه.

стр. 388

التمهيد وفيه فرعان: الفرع الأول: في التعريف بالعرب وبيان المقصود بهم. الفرع الثاني: في التعريف بالجاهلية وبيان المقصود منها.

стр. 389

الفرع الأول: في التعريف بالعرب وبيان المقصود بهم: قال ابن منظور: العُرُب والعَرَب: جيل من الناس معروف خلاف العجم، وهما واحد، والعرب لغة: الصحاري والقفار، والأرض المجدية التي لا ماء فيها ولا نبات، وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على شيئين: ١ - على جزيرة العرب. ٢ - وعلى قوم قطنوا تلك الأرض واتخذوها موطنًا لهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اسم العرب في الأصل كان اسمًا لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف: أحدها: أن لسانهم كان باللغة العربية. الثاني: أنهم كانوا من أولاد العرب. الثالث: أن مساكنهم كانت أرض العرب، وهي جزيرة العرب). وأما المراد بجزيرة العرب: فهو ما يحدها غربًا: البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، وشرقًا: الخليج العربي وجزء كبير من بلاد العراق الجنوبية، وجنوبًا: بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند، وشمالاً: بلاد الشام وجزء من بلاد العراق، على اختلاف في بعض الحدود، حتى شط العرب ونهر الفرات، ولا يوجد إلا جزء من شمالها لا تحيط به المياه. سمى الجغرافيون العرب موطنهم الأول جزيرة العرب، مع أن المياه لا تحيط بها من جميع

стр. 390

جهاتها، وقد أطلق هذا الاسم على هذه القطعة من الأرض على لسان ابن عباس ﵁ كما نقله ياقوت الحموي في معجم البلدان نقلاً عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي؛ وقيل في تسمية بلاد العرب جزيرة إحاطتها بالأنهار والبحار من جميع أقطارها وأطرافها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر، وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع إلى مليون وثلاثمائة ألف ميل مربع. سبب تسمية العرب بها: اختلفوا فيه على أقوال: الأول: ما قال الآلوسي: بأن العرب هم المعروفون بين الأمم البيان في الكلام والفصاحة في المنطق، والذلاقة والبلاغة في اللسان، ولذلك سموا بهذا الاسم؛ فإنه من الإبانة، لقولهم: أعرب الرجل عما في ضميره: إذا أبان
следующие страницы →