Полный текст (1 489 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
السلام بعبادة عزير، وفي قوم عيسى بعبادة المسيح ﵇.
والمقصود: أن أغلب شرك الأمم كان في العبادة، وذلك: إما بإعطاء خصائص الألوهية لغير الله، وإما بمشاركة غير الله فيما هو محض حق الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المقصود: أن أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين، وعبادة تماثيلهم ... ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب؛ إما الشمس وإما القمر وإما غيرهم، وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب، وشرك قوم إبراهيم ـ والله أعلم ـ كان من هذا، أو كان بعضه من هذا ... ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن، وضعت الأصنام لأجلهم، وإلا فنفس الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، بل لأسباب اقتضت ذلك ... ).
وبهذا انتهينا من الكلام في شرك الأمم السابقة، والأن نبدأ في بيان شرك العرب في الجاهلية.
стр. 387
الباب الثاني: في بيان الشرك في العرب في الجاهلية وأسباب ذلك .
وتحته فصلان:
الفصل الأول: أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇ قبل الوثنية.
الفصل الثاني: متى كان ظهور الشرك فيهم وبيان سببه.
стр. 388
التمهيد
وفيه فرعان:
الفرع الأول: في التعريف بالعرب وبيان المقصود بهم.
الفرع الثاني: في التعريف بالجاهلية وبيان المقصود منها.
стр. 389
الفرع الأول: في التعريف بالعرب وبيان المقصود بهم:
قال ابن منظور: العُرُب والعَرَب: جيل من الناس معروف خلاف العجم، وهما واحد، والعرب لغة: الصحاري والقفار، والأرض المجدية التي لا ماء فيها ولا نبات، وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على شيئين:
١ - على جزيرة العرب.
٢ - وعلى قوم قطنوا تلك الأرض واتخذوها موطنًا لهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اسم العرب في الأصل كان اسمًا لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف:
أحدها: أن لسانهم كان باللغة العربية.
الثاني: أنهم كانوا من أولاد العرب.
الثالث: أن مساكنهم كانت أرض العرب، وهي جزيرة العرب).
وأما المراد بجزيرة العرب: فهو ما يحدها غربًا: البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، وشرقًا: الخليج العربي وجزء كبير من بلاد العراق الجنوبية، وجنوبًا: بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند، وشمالاً: بلاد الشام وجزء من بلاد العراق، على اختلاف في بعض الحدود، حتى شط العرب ونهر الفرات، ولا يوجد إلا جزء من شمالها لا تحيط به المياه. سمى الجغرافيون العرب موطنهم الأول جزيرة العرب، مع أن المياه لا تحيط بها من جميع
стр. 390
جهاتها، وقد أطلق هذا الاسم على هذه القطعة من الأرض على لسان ابن عباس ﵁ كما نقله ياقوت الحموي في معجم البلدان نقلاً عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي؛ وقيل في تسمية بلاد العرب جزيرة إحاطتها بالأنهار والبحار من جميع أقطارها وأطرافها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر، وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع إلى مليون وثلاثمائة ألف ميل مربع.
سبب تسمية العرب بها:
اختلفوا فيه على أقوال:
الأول: ما قال الآلوسي: بأن العرب هم المعروفون بين الأمم البيان في الكلام والفصاحة في المنطق، والذلاقة والبلاغة في اللسان، ولذلك سموا بهذا الاسم؛ فإنه من الإبانة، لقولهم: أعرب الرجل عما في ضميره: إذا أبان
стр. 391
عنه.
الثاني: ما قاله ابن منظور: إن أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان، وهو أبو اليمن كلهم، وهم العرب العاربة، ونشأ إسماعيل ﵇ معهم، فتكلم بلسانهم، فهو وأولاده: العرب المستعربة.
الثالث: إن أولاد إسماعيل نشئوا بعَرَبَةَ وهي من تهامة، فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها، ونطق بلسان أهلها فهم عرب، يمنهم ومعدهم.
قال الأزهري: (الأقرب عندي: أنهم سموا عربًا باسم بلدهم: العربات).
وأما المراد بالعرب على أنه اسم قوم: فهم أهم فرع من فروع الساميين، أي الأقوام الذين ينسبون إلى سام بن نوح ﵇. وقد اعتاد المؤرخون تقسيم العرب إلى بائدة وباقية، والباقية إلى العاربة والمستعربة، أو ما يقال: بعرب الجنوب وعرب الشمال.
وأما أصل العرب: فقد اتفق النسابون على أن العرب كلهم من ولد إسماعيل وقحطان. فالمراد بالعرب عندنا في هذا البحث: العدنانيون ـ أولاد إسماعيل ـ، والقحطانيون.
стр. 392
الفرع الثاني: في التعريف بالجاهلية وبيان المقصود منها:
الجاهلية لغة:
مصدر صناعي مشتق من صيغة الاسم الفاعل (جاهل) بزيادة ياء النسب مضافًا إليها تاء التأنيث، ولفظ (جاهل) هي لفظة اسم الفاعل المشتق من الجهل.
والجهل تأتي لمعان:
قال ابن منظور: (الجهل نقيض العلم، وقد جهله فلان جهلاً، وجهالة، وجهل عليه وتجاهل: أظهر الجهل ... والجهالة أن تفعل فعلاً بغير العلم).
قال الآلوسي: (والجهل أيضًا: عدم اتباع العلم، فمن قال خلاف الحق، عالمًا به أو غير عالم فهو جاهل).
وهكذا من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق.
ومن هنا علمنا عدم صحة قول القائلين من أصحاب المعاجم: بأن الجاهلية تفيد الأمية والجهل بالشيء وعدم العلم به فحسب، ذلك؛ أن العرب ـ وكما نعلم ـ كانوا على جانب من المعارف والعلوم، يشهد على ذلك لغتهم وفصاحتهم وبيانهم، ونظمهم للأشعار، وتأليفهم للخطب، كماكان لهم معرفة بالنجوم والفلك والكواكب مطالعها ومغاربها، والأنواء والأمطار والرياح، عرفوا ذلك بالتجربة والملاحظة والبداهة، لا عن طريق التعلم والفلسفة.
стр. 393
أما الجاهلية في الاصطلاح:
فهي تطلق على الحقبة الزمنية السابقة للإسلام، وهذا ما أكده ابن خالويه فقال: (إن هذا الاسم حديث في الإسلام، وهو يطلق على الزمن الذي كان قبل بعثة النبي ﷺ ، وعلى هذا سار أكثر الدارسين والباحثين والمؤرخين.
وقال الحافظ ابن حجر: (هذا هو الغالب، ومنه (يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)، ثم قال: (وأما جزم النووي في عدة مواضع في شرح مسلم: أن هذا هو المراد حيث أتى ـ ففيه نظر، فإن هذا اللفظ ـ وهو الجاهلية ـ يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضبط آخره غالبًا: فتح مكة).
أقسام الجاهلية وأنواعها:
الجاهلية قسمان:
الجاهلية العامة: وهي الجاهلية التي كانت قبل مبعث النبي ﷺ ، وهي الجاهلية المنسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جهال، وإنما يعمل به الجاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون من يهودية ونصرانية، فهي جاهلية عامة.
أما الجاهلية الخاصة: فهي بعد مبعث النبي ﷺ . مثال ذلك قوله ﷺ :
стр. 394
((ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية))، فإن المراد به كل جاهلية مطلقة كانت أو مقيدة، وسواء كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئة أو وثنية أو شركية، من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها: مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ ، وإن كانت لفظة الجاهلية لا تقال غالبًا إلا على حال العرب التي كانوا عليها قبل الإسلام. فإن المعنى واحد.
ولكن هذه الجاهلية الخاصة نوعان:
أ- الجاهلية المطلقة: وهي التي قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم؛ فإنه يكون في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.
فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ (على هذا الوجه)؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.
ب- الجاهلية المقيدة: وهي التي قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من المسلمين، وهي المقصودة من قول النبي ﷺ : ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية))، وقوله لآخر: ((إنك امرؤ فيك جاهلية))، ونحو ذلك ولعل جاهلية القرن العشرين ـ كما يسمون ـ أيضًا من هذا النوع، مع توسعها، وتوغلها في أعماق هذه الأمة، والله أعلم.
стр. 395
الحقبة الزمنية للجاهلية، وبيان المقصود منها عندنا في هذا الباب:
الزمن الذي استغرقته الجاهلية غير واضح ألبتة، ولا هو محدد تحديدًا دقيقًا بحال من الأحوال، وهو بالتالي: موضع خلاف، ومدار نقاش، ولا سيما تلك الحقبة التي أطلق القرآن عليها لفظة (الجاهلية الأولى)، وقد اختلفوا في تحديدها اختلافاً كثيرًا.
ومهما يكن من أمر، فإنه مما لا شك فيه أنه يكاد يكون من المتفق عليه أن ثمة جاهليتين اثنتين سبقتا بعثة الرسول ﷺ ، هما:
الجاهلية الأولى: وهي الجاهلية القديمة الضاربة في أعماق التاريخ، والتي عرف من أصحابها: العرب البائدة، أو العرب الهالكة، من عاد وثمود، وطسم وجديس، والعمالقة ومدين، وأيم، وحضرموت، وجرهم الأولى.
والجاهلية الثانية: هي الجاهلية القريبة التي سبقت مباشرة ظهور الإسلام فامتدت إلى ما يقرب من أربعة أو خمسة من القرون، والتي تنسب إليها وإلى ما قبلها بقليل العرب العاربة والأخرى المستعربة، سواء أكانوا من القحطانيين سكان اليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية أم كانوا من عرب العدنانية، بتهامة والحجاز ونجد، وما كان على مشارف بلاد فارس والعراق والشام، هؤلاء العرب الذين عنهم أخذنا اللغة العربية شعرًا ونثرًا، والذين فيهم تنزل القرآن الكريم، ومن بين ظهرانيهم خرج الرسول العربي الصادق الأمين. وهم المقصودون عندنا في هذا الباب.
стр. 396
الفصل الأول
ديانة العرب قبل دخول الوثنية
стр. 397
الفصل الأول ديانة العرب قبل دخول الوثنية
العرب ـ عدنانيهم وقحطانيهم ـ لهم اتصال مباشر بالكعبة المشرفة، بل يمكن أن يقال: بأنها مركز اتصالهم، وذلك نظرًا لما يتصل معها تاريخهم الحضاري والثقافي والديني؛ فإنهم أمة قديمة، فقد كانوا بعد الطوفان وعصر نوح ﵇ في عاد الأولى وثمود والعمالقة وطسم وجديس وأميم وجرهم وحضرموت، ومن ينتمي إليهم من العرب العاربة من أبناء سام بن نوح، وكانت الكعبة المشرفة لها اتصال وثيق بأخبارهم، وأسباب هلاكهم كما تحدثنا عنهم كتبالتاريخ.
ثم لما انقرضت تلك العصور وذهب أولئك الأمم وأبادهم الله بما شاء من قدرته، وصار هذا الجيل من آخرين ممن قرب نسبهم من حمير وكهلان وأعقابهم من التبابعة ومن إليهم من العرب الباقية من أبناء عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام أَعَالِمَ من بين ولده.
واختص الله تعالى بالنبوة منهم إبراهيم بن تارخ ـ وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ ـ، وكان من شأنه مع نمرود ما قصه القرآن ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور، وتخلف ابنه إسماعيل مع أمه هاجر بالحجر قربانًا لله تعالى، ومرت بها رفقة من جرهم في تلك المفازة فخالطوها ونشأ إسماعيل بينهم، وربي في أحيائهم، وتعلم لغتهم العربية.
стр. 398
ثم كان بناء البيت كما قصه القرآن، ثم بعثه الله تعالى إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بالحجاز، فآمن كثير منهم واتبعوه، ثم عظم نسله وكثر وصار أبًا لجيل آخر من ربيعة ومضر، ومن إليهم من أياد وعك وشعوب نزر وعدنان وسائر ولد إسماعيل، وهم العرب المستعربة التابعة للعرب.
فيفهم من هذا: أن إسماعيل ﵇ كما كان مرسلاً إلى أبنائه هكذا كان مرسلاً إلى العرب العاربة المتبقية، ومعنى ذلك: أن العرب كانت ديانتهم الأصلية هي ديانة إسماعيل ﵇، سواء أطاعوه أم كفروا به، فالعرب جميعهم كانوا أمة سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم. وبهذا نصل إلى نتيجة حتمية هي:
أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇، ومما يدل على ذلك أمور:
١ - تكاد تجمع كتب السيرة على أن العرب كانوا قبل أن تتسرب إليهم الوثنية على دين إبراهيم وإسماعيل، وظلوا على ذلك حتى زمن بعيد.
٢ - كما يدل على هذا القول بعض الآثار عن الصحابة، ومن أشهرها:
ما رواه البزار بسند صحيح عن أنس قال: كان الناس بعد إسماعيل ﵇ على الإسلام، فكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن
стр. 399
الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. قال: فما زال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك.
٣ - تكاد تجمع كتب التاريخ والسيرة على أن هناك رجلاً يسمى بعمرو بن لحي ـ أبو خزاعة الذي هيمن على الكعبة ـ هو الذي غير دين إبراهيم وإسماعيل بمكة، فلو لم يكن دين العرب قبله دين إبراهيم لا يمكن أن يغير كما هو ظاهر، وسيأتي مزيد من البيان في الفصل الثاني.
فهذه الأدلة كلها تدل على أن العرب كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل قبل أن تدخل فيهم الوثنية.
стр. 400
الفصل الثاني متى كان ظهور الشرك في العرب؟ وبيان سببه .
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: في بيان شرك العرب في الجاهلية.
المبحث الثاني: أسباب الشرك قديمًا.
стр. 401
المبحث الأول في بيان شرك العرب في الجاهلية
وتحته مطالب:
المطلب الأول: من أول من روج الشرك في العرب؟ وبيان أحواله
هناك آراء لدى العلماء في بيان كيفية حدوث الشرك في العرب، وفي بيان أول من روج الشرك في العرب، سأبين فيما يلي جميع هذه الآراء، مع الأدلة والترجيح.
القول الأول: إن حدوث الشرك هو نتيجة تقديس أحجار الحرم وتعظيمها، وذلك حين ظعن آل إسماعيل من مكة بعد أن كثروا في ديارهم، ولا يخفى أن ذلك كان في ولاية جرهم أو في أواخر ولاية العماليق، كما يتضح لمن تصفح التاريخ.
ويدل لهذا القول ما يلي:
١ - قال ابن الكلبي في كتابه الأصنام: (إن إسماعيل بن إبراهيم ﷺ لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثير حتى ملئوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد لالتماس المعاش، وكان الذي سلخهم إلى عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم، تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا، وضعوا وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنًا منهم بها وصبابة بالحرم وحبًا له، وهم بعد يعظمون
стр. 402
الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵇، ثم سلخ ذلك بهم إلى عبادة ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل وغيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم ... ).
فهذه الرواية تفيد: أن سبب عبادة العرب للأصنام هو تعظيمهم للحرم، وللبيت الحرام، فلما اضطرتهم ضرورة المعاش إلى النزوح عنه اتخذوا منه حجارة تذكرهم به، ويطوفون حولها، كما كانوا يطوفون حوله، ثم نسوا ذلك بعد أمد، واتخذوا هذه الأحجار آلهة يعبدونها من دون الله.
٢ - وقد روى ابن إسحاق رواية مماثلة فيها أيضًا بيان أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل؛ بأنه حين ضاقت عليهم مكة والتمسوا التفسح في البلاد حملوا معهم أحجارًا من أحجار الحرم تعظيمًا للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه، فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه.
القول الثاني: إن ثمة رجل من العرب اسمه عمرو بن لحي، وكان كاهنًا، غلب على مكة وأخرج منها جرهمًا، ثم تولى سدانتها، وهو أول من دعا العرب إلى عبادة الأصنام.
وهذا القول تكاد تجمع كتب التاريخ والرواية والسيرة أيضًا بذكرها.
ولهذا القول أدلة، وهي كثيرة، منها:
ما جاء في الأحاديث النبوية الصريحة الصحيحة من نسبة إحداث الشرك
стр. 403
إلى هذا الرجل. من أبرز هذه الأحاديث:
١ - ما رواه عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: ((إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار))، والحديث صحيح لغيره، مع أن السند ضعيف لضعف عمرو بن مجمع السكوني، ولين إبراهيم الهجري، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه أحمد وفيه إبراهيم الهجري، وهو ضعيف، ولم يذكر ضعف عمرو بن مجمع السكوني. وللحديث ـ عدا قوله: ((وعبد الأصنام)) ـ شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد والبخاري ومسلم بلفظ: ((رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب)).
وهناك شاهد آخر أيضًا عند البخاري من حديث عائشة ﵂.
أما قوله: ((عبد الأصنام)) فله شواهد ـ كما سيأتي ـ.
٢ - ما رواه ابن إسحاق في السيرة الكبرى فيما ذكره الحافظ في الفتح، قال: أورده ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح ـ (يعني عن
стр. 404
أبي هريرة) ـ أتم من هذا، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: ((رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، لأنه أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، وبحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي)) هكذا رواه الحافظ ابن حجر عن السيرة الكبرى لابن إسحاق، وهو يختلف اختلافاً يسيرًا عما هو في السيرة لابن هشام، وابن كثير، وعبارتهما كالتالي:
(قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: ((يا أكثم! رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا بك منه))، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: ((لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل؛ فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي)).
وتابع أبو إسحاق السبيعي ابن إسحاق عند ابن جرير الطبري في هذه الرواية، ثم قال الحافظ: ووقع لنا بعلو في المعرفة، وعند ابن مردويه من طريق سهيل بن أبي صالح ونحوه.
стр. 405
٣ - ما رواه ابن جرير بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عرضت على النار، فرأيت فيها عمرو بن فلان بن فلان بن فلان بن خندف يجر قصبه في النار، وهو أول من غير دين إبراهيم وسيب السائبة، وأشبه من رأيت به أكثم بن الجون ... )) الحديث، ورواه الحاكم في المستدرك أيضًا بهذا السند ـ أعني من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ وفيه ((وهو أول من سيب السوائب وغير عهد إبراهيم ﷺ ، أشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون ... ))، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح على شرط مسلم، والحديث حسن بهذا السند.
٤ - وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه مرفوعًا به نحوه، في حديث فيه: ((ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، أشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي))، فقال معبد: يا رسول الله، أتخشى عليّ من شبهه، فإنه والدي؟ فقال: ((لا، أنت مؤمن وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام)).
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
ولكن الحديث حسن، فإن عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، وهو حسن الحديث إن شاء الله.
٥ - وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط عن بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ((أول من غير دين إبراهيم
стр. 406
عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة)).
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه صالح مولى التوأمة، وضعف بسبب اختلاطه، وابن أبي ذئب سمع منه قبل الاختلاط، وهذا من رواية ابن أبي ذئب عنه.
فهذا الإسناد حسن على الأقل كما هو ظاهر.
٦ - وروى الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير عهد إبراهيم))، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: ((عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي ريحه أهل النار)) ... الحديث.
والحديث هذا من طريق عبد الرازق عن معمر عن زيد بن أسلم، وهو مرسل.
٧ - وروى الفاكهي من طريق عكرمة مرسلاً، مثل حديث ابن عباس السابق، وفيه: (فقال المقداد: يا رسول الله! من عمرو بن لحي؟ قال: ((أبو هؤلاء الحي من خزاعة))).
٨ - أخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ... ـ إلى أن قال ـ ((ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وهو الذي
стр. 407
سيب السوائب وبحر البحيرة، ونصب الأوثان وغير دين إسماعيل ... )) الحديث.
المقصود: أن هذه الروايات كلها تدل على أن عمرو بن لحي ـ لعنه الله ـ كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غيّر بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك، فضلوا بذلك ضلالاً بعيداً، بينًا، فظيعًا شنيعًا، هذا من ناحية الروايات الحديثية.
ثم إن هذا القول الذي ثبت بالحديث الصحيح هو الذي ذكره كثير من المفسرين والمحدثين والمؤرخين، وهو قول ابن إسحاق، وابن الكلبي، وابن هشام، والإمام الطبري، والمسعودي، والسهيلي، والعسكري، والشهرستاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والسيوطي، والصالحي، والشيخ
стр. 408
الإمام محمد بن عبد الوهاب، والآلوسي، وغيرهم.
كما يدل عليه بعض أشعار العرب، فمن ذلك:
١ - ما أنشده شاعر جرهمي كان يتمسك بدين الحنيفية:
يا عمر ولا تظلم بمـ ... كة إنك بلد حرام
سائل بعاد أين هم ... وكذلك تخترم الأنام
٢ - ما أنشده أيضًا بعض الجراهمة لما أسرف عمرو بن لحي في نصب الأصنام حول الكعبة، وأجبر العرب على عبادتها، مما هدد دين الحنيفية:
يا عمرو إنك أحدثت آلهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابًا
وكان للبيت رب واحد أبدًا ... فقد جعلت له في الناس أربابًا
لتعرفن بأن الله في مهل ... سيصطفي دونكم للبيت حجابًا
ومما يؤيد هذه الرواية ما جاء في الآثار الباقية: من أن العرب كانت تؤرخ ببناء إبراهيم للبيت، وظلوا كذلك حتى تفرقوا وخرجوا من تهامة، حتى طال الأمد، فأرخوا بعام رئاسة عمرو بن ربيعة المعروف بعمرو بن لحي (وهو الذي يقال له إنه بدل دين إبراهيم وحمل معه من مدينة البلقاء صنم هبل، وعمل إسافاً ونائلة زمن سابور ذي الأكتاف).
وبهذا ثبت لنا: إن أول من غير دين إسماعيل وإبراهيم في العرب هو عمرو بن لحي بن ربيعة، أبو خزاعة.
стр. 409
ويمكن الجمع بين هذا القول والذي سبق بما يأتي:
١ - إن خروج بني إسماعيل من أرض الحرم كان في ولاية جرهم، وكانت ولاية خزاعة بعدها مباشرة، فيكون خروج بني إسماعيل قبل ولاية خزاعة، وأما حمل الحجارة من الحرم تبركًا بها، والطواف بها، والذبح والنذر لها، وعبادتها، فلعلها لم تكن إلا في زمن متأخر جدًا، فيكون بعد ولاية عمرو بن لحي الخزاعي. والله أعلم.
٢ - أو إن عبادة الأحجار لم تكن صفة عامة في بني إسماعيل، قبل عبادة الأصنام بمكة، بل كانت أشياء فردية، ولكن عبادة الأصنام التي بدأت من ولاية عمرو بن لحي كانت بصفة عامة، فنسب بداية الأصنام إليه.
٣ - أو لما كان عمرو بن لحي عنده سلطة تنفيذ أمر ما لكونه ملك مكة في هذا الوقت، كان إفساده وتبديله لدين الله أكثر من إفساد حمل الحجارة من الحرم، صبابة بالحرم وتعلقًا به، والله أعلم.
وأما ما قيل من أن عدنان جد العرب هو أول من دعا العرب إلى عبادة الأصنام، فلا أظنه صحيحًا.
جملة ماذ كره المؤرخون من شأن عمرو بن لحي الخزاعي:
قال السهيلي: (وكان عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت، ونفت جرهم عن مكة، قد جعلته العرب ربًا، ما يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة).
стр. 410
ونحن نرى في تاريخ مكة أيضًا الكثير من أخبار هذا الرجل الذي يكاد يشبه الأسطورة، والذي استطاع أن يغير على مفاهيم ومعتقدات أقوام، فيقلبها رأسًا على عقب، جاعلاً منهم أمة وثنية بعد ما كانوا موحدين على ملة إبراهيم ﷺ ، وهم يذكرون أنه كان رجلاً من ألمع رجالات العرب في الجاهلية وأشهرها على الإطلاق، وينسبون إليه الكثير من علائم ومظاهر الرفعة والسؤدد والفخار، فمما يذكرون من شأنه ما يلي:
١ - إنه كان ذا مال جزيل جدًا؛ فقأ أعين عشرين بعيرًا، ذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير، وكان من عادة العرب؛ أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها؛ لأنه يدفع بذلك العين عنها ـ على زعمهم الكاذب ـ.
٢ - (أنه قسم بين العرب في حطمة حطموها ـ عشرة آلاف ناقة).
٣ - كما يروى عنه: أنه أول من أطعم الحجاج بمكة (سدايف الإبل ولحمانها بالثريد).
٤ - قال السهيلي: (أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة، وكسى عشرة آلاف حلة حتى ليقال: إنه اللات الذي: يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى صخر اللات).
٥ - ثم إنهم ليبالغون فيقولون: إنه كسا ذات عام من الأعوام جميع حجاج البيت الحرام، كل واحد بثلاثة برود يمانية.
стр. 411
٦ - إنه كان يطعم العرب في كل سنة ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق.
٧ - أنه هو الذي بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وسيب السائبة.
٨ - أنه هو الذي غير تلبية إبراهيم في الحج، قال السهيلي: (بينما هو ـ عمرو بن لحي ـ يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فقال عمرو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: قل: تملكه وما ملك، فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو فدانت بها العرب).
٩ - إنه أول من غير دين إسماعيل ﵇ الحنيف بعبادة الأصنام،
стр. 412
وأدخل الأصنام في الحرم. وذلك كما يروى: أنه لما رأى عمرو بن لحي أنه استطاع أن يغلب على الجراهمة، وبالتالي على مكة، وما جاورها من الأقوام أراد أن يدعم سلطته ونفوذه بأن يبتدع عقيدة جديدة، تحل محل الدين القويم وقد رأى تساهل قومه فيه، بعد تقادم الزمن ومرور السنوات العديدة، وكان عمرو كثيرًا ما رحل إلى الدول المجاورة في الشام والعراق، واطلع على أحوالها، وشاهد عقائدها الوثنية، ورأى فيها وسيلة لإيجاد سند دنيوي مادي يعتمد عليه في تدعيم نفوذه السياسي، والسبب في ذلك كما قال العسكري: (إن الملك يحتاج إلى الدين كحاجة المال والرجال؛ لأن الملك لا يثبت إلا بالبيعة، والبيعة لا تكون إلا بالأيمان، والأيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذ لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد دينًا لا يوثق بيمينه ... ).
فلذا تخلى عن الحنيفية، دين إسماعيل وإبراهيم، لأنه رأى أنه لا يستطيع أن يسيطير عليهم سيطرة كاملة، بل تكون السيطرة في الحنيفية لله فقط، فأقام الأوثان عند الكعبة ... وجملة الأصنام التي حملها إلى مكة ما يلي:
أ- أول هذه الأصنام على الإطلاق: هبل، قال ابن هشام: (حدثني بعض أهل العلم: أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق ... رآهم يعبدون
стр. 413
الأصنام؛ فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنمًا، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له: هبل، فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه).
وقال السهيلي: (وأما هبل: فإن عمرو بن لحي جاء به من هيت، وهي أرض الجزيرة حتى وضعه في الكعبة ... ). وأيًا كان مصدره؛ فقد ثبت أن الذي حمله إلى العرب هو عمرو بن لحي.
ولما جاء به عمرو بن لحي نصبه في جوف الكعبة، واتخذته قريش صنمًا يعبدونه، قال ابن الكلبي والآلوسي: (وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وكان أعظمها (هبل) عندهم، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدًا من الذهب، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة، وكان يقال لها هبل خزيمة). وكانوا يستقسمون لديه في أمورهم كما ذكره المؤرخون.
ب- أن عمرو بن لحي هو الذي سن لهم عبادة إساف ونائلة. قال ابن إسحاق: (واتخذوا إسافًا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما، وكان
стр. 414
إساف ونائلة رجلاً وامرأة من جرهم ... فوقع إساف على نائلة في الكعبة فمسخهما الله حجرين).
ثم روى ابن إسحاق بسنده المتصل الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما زلنا نسمع أن إسافًا ونائلة كانا رجلاً وامرأة من جرهم، أحدثا في الكعبة، فمسخهما الله تعالى حجرين، والله أعلم).
وقال السهيلي: (عن بعض السلف: ما أمهلهما الله إلى أن يفجرا فيها، ولكنه قبَّلها فمُسخا حجرين، فأُخرجا إلى الصفا والمروة، فنُصبا عليهما، ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي نقلهما إلى الكعبة، ونصبهما على زمزم، فطاف الناس بالكعبة وبهما، حتى عبدا من دون الله).
وأما إزالتهما: فقال السهيلي: (ذكر الواقدي: أن نائلة حين كسرها النبي ﷺ عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور).
ج- أنه هو الذين سَنَّ لهم عبادة اللات؛ وقد روي فيه عدة روايات، منها:
ما قال السهيلي: (بأنه ـ عمرو بن لحي ـ هو اللات الذي يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى صخر اللات).
ومنها ما قيل: (إن الذي يلت كان من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو: إنه لم يمت، ولكنه دخل في الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليه بيتًا،
стр. 415
يسمى: اللات ... فلما هلك سميت تلك الصخرة: اللات: مخففة التاء، واتخذ صنمًا يعبد ... ).
وقال ابن الكلبي ونقله الإمام ابن القيم: (ثم اتخذوا اللات بالطائف، وهي أحدث من مناة، وكانت صخرة مربعة، وكان سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات، وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم، فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها، وحرقها بالنار).
والمقصود: أن عمرو بن لحي هو الذي أمرهم بعبادة اللات ـ كما سبق بيانه ـ، وقد أزيل ـ بحمد الله ـ على يد الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة ﵁.
د- أن عمرو بن لحي هو الذي نصب (مناة) الطاغية أول مرة.
فقد جاء في أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي بسند حسن إلى ابن إسحاق قال: (إن عمرو بن لحي نصب (مناة على ساحل البحر مما يلي قديدًا، وهي
стр. 416
التي كانت للأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى لم يحلقوا إلا عند مناة، وكانوا يهلون لها، ومن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين عليهما: نهيك مجاود الريح، ومطعم الطير، فكان هذا الحي من الأنصار يهلون بمناة ... وكانت مناة للأوس والخزرج وغسان من الأزد ومن دان بدينهم من أهل يثرب وأهل الشام، وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد).
وبعث رسول الله ﷺ سعيد بن عبيد الأشهلي إلى مناة بالمشلل فهدمها.
هـ - إن عمرو بن لحي هو أول من دعا إلى عبادة العزى، قال الأزرقي: (وكانت العزى ثلاث شجرات سمرات بنخلة، وكان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب، وقال لهم عمرو: إن ربكم يتصيف
стр. 417
باللات لبرد الطائف ويشتو بالعزى لحر تهامة، وكان في كل واحدة شيطان يعبد، فلما بعث الله محمدًا ﷺ بعث بعد الفتح خالد بن الوليد إلى العزى ليقطعها فقطعها ... )، وذكر قصة طويلة في هذا، وهذه الرواية رواها الأزرقي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومعلوم أنه أوهى الطرق عن ابن عباس.
ولكن الأزرقي نفسه روى رواية أخرى عن ابن إسحاق بسند حسن فيه: (أن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة، فكانوا إذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها ويحلون عندها، ويعكفون عندها يومًا، وكانت لخزاعة، وكانت قريش وبنو كنانة كلها يعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر ... ).
و- إن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأصنام على الصفا والمروة.
قال أبو الوليد الأزرقي ومحمد بن إسحاق الفاكهي ـ واللفظ للثاني ـ: عن ابن إسحاق بسند حسن أنه قال: (إن عمرو بن لحي نصب على الصفا صنمًا يقال له: نهيك مجاود الريح، ونصب على المروة صنمًا يقال له: مطعم الطير).
ز- إن عمرو بن لحي هو الذي نصب (الخلصة) بأسفل مكة، فكانوا
стр. 418
يلبسونها القلايد، ويهدون إليها الشعير، والحنطة، ويصبون عليها اللبن، ويذبحون لها، ويعلقون عليها بيض النعام ... ). وذكر ابن الكلبي والآلوسي وياقوت الحموي موضع هذا الصنم بتبالة، وزاد السهيلي وياقوت: بأنه في العبلات أو العبلاء.
ح- إن مما استحدثه عمرو بن لحي من الأصنام بمكة ومنى: ما رواه الفاكهي والأزرقي في أخبار مكة ـ واللفظ للثاني ـ بإسناد حسن عن ابن إسحاق قال: (إن عمرو بن لحي نصب بمنى سبعة أصنام، نصب صنمًا على (القرين) الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى على بعض الطريق، ونصب على الجمرة الأولى صنمًا، وعلى (المدعى) صنمًا، وعلى الجمرة الوسطى صنمًا، ونصب على شفير الوادي صنمًا، وفوق الجمرة العظمى صنمًا، وعلى الجمرة العظمى صنمًا، وقسم عليهن حصى الجمرات إحدى وعشرين حصاة يرمي كل وثن بثلاث حصيات، ويقال للوثن حين يرمى: أنت أكبر من فلان ـ الصنم الذي يرمى قبله ـ).
ط- إن عمرو بن لحي هو الذي وزع أصنام قوم نوح على قبائل العرب والدليل عليه ما ذكره المؤرخون: فمن ذلك قولهم:
стр. 419
١ - أن عمرو بن لحي أتى شاطئ جدة، واستثار منها عدة أصنام حتى حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة.
قال ابن الكلبي ـ بعد أن أورد قصة إخراجه لهذه الأصنام من شاطئ جدة ـ قال: (فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور ... ابن قضاعة، فدفع إليه ودًا، فحمله إلى وادي القرى فأقره بدومة الجندل، وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمى به ... وجعل عوف ابنه عامرًا الذي يقال له: عامر الأجدار سادنًا له، فلم تزل بنوة يسدنونه حتى جاء الله بالإسلام ... ثم كسره خالد بن الوليد، فجعله جذاذًا، وكان رسول الله ﷺ بعث خالدًا من غزوة تبوك لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود، وبنو عامر الأجدار، فقاتلهم حتى قتلهم، فهدمه وكسره ﵁، وكان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد أخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل).
ثم قال: (وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار، فدفع إلى رجل من هذيل ـ يقال له: الحارث بن تميم سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر ـ سواعًا.
стр. 420
فكان بأرض يقال لها: رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر، ... فبعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص لهدمه، فهدمه.
وأجابته مَذْحجُ، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث، وكان بأكمة باليمن يقال لها مذحج، تعبده مذحج ـ أي قبيلة مذحج، وهم طيء وبنو مالك ـ ومن والاها.
وأجابته همدان، فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم ... : يعوق، فكان بقرية يقال لها خَيْوان، تعبده همدان ومن والاها من أرض اليمن.
стр. 421
وأجابته حمير: فدفع إلى رجل من ذي رُعين يقال له: معديكرب: نسرًا، فكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بَلخَع، تعبده حمير ومن والاها، فلم يزل يعبدونه حتى هودهم ذو نواس.
فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي ﷺ فأمر بهدمها).
٢ - قال ابن القيم ـ بعد أن ساق توزيع عمرو بن لحي الأصنام على قبائل العرب ـ: (قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كان قوم نوح في العرب تعبد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني عُطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع ... ).
٣ - قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الأثر: ( ... إن تلك الأسماء رفعت إلى الهند فسموا بها أصنامهم، ثم أدخلها إلى أرض العرب عمرو بن لحي ... ).
فثبت بهذه الروايات كلها: أن عمرو بن لحي ـ لعنه الله ـ هو الذي جاء بالأصنام إلى أرض العرب، ووزعها بين القبائل، فهو حامل لواء الكفار والمشركين إلى جهنم؛ لأنه أول من سن لهم عبادة الأصنام في أرض العرب،
стр. 422
كما جاء ذلك في أحاديث، وقد سلف ذكرها.
وأما الحامل لهذا اللعين على الشرك بالله؛ فالذي يذكره المؤرخون هنا سببان:
١ - أنه مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة.
٢ - قيل: إن عمرو بن لحي كان له رئي من الجن، يكنى أبا ثمامة، فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة، ثم ائت جدة، تجد بها أصنامًا معدة، ثم أوردها تهامة، ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، فاستثارها من تحت الأرض وخرج بها إلى تهامة، وحضر الموسم فدعا إلى عبادتها فأجيب.
وسواء صحت هذه الرواية أم تلك في الحامل لهذا اللعين على ترويج الشرك في العرب، فقد انتشرت فيهم عبادة الأصنام، حتى لم يبق حي ولا قبيلة في العرب إلا ولها صنم تعبده وجاء الإسلام والأصنام تملأ جوف الكعبة وتحيط بها، وكانت كل قبيلة من العرب تحج كل عام إلى صنمها؛ تذبح له، وتطوف به، وتستشيره في مهامها.
стр. 423
المطلب الثاني: في بيان طبيعة الشرك لدى العرب في الجاهلية
يبدو لمن تصفح تاريخ العرب في الجاهلية، أن الشرك فيهم كان على أشكال عدة؛ فإننا إذا تعدينا الحنفاء منهم ونظرنا إلى المشركين نجدهم على أنواع وألوان من الشرك، فبعضهم كانوا مشركين بالله في الربوبية، وبعضهم كانوا يشركون في الألوهية.
قال الشهرستاني: (اعلم أن العرب أصناف شتى؛ فمنهم معطلة، ومنهم محصلة نوع تحصيل، فمعطلة العرب؛ وهي أصناف، فصنف منهم: أنكروا الخالف والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني ... وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وحللوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب.
ومن العرب من يعتقد التناسخ، فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته فانتصب طيرًا هامة، فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة ... ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية ... ومنهم من يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات ... ومنهم من يصبو إلى الملائكة، فيعبدهم، بل كانوا عبدوا الجن، ويعتقدون فيهم أنهم بنات الله).
стр. 424
وجمع بعض العرب بين عبادة الله وعبادة الأوثان في وقت واحد، وآمنوا بأن المولى أعظم من أوثانهم، فقال شاعرهم:
وباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبر
والمقصود: أن العرب كانوا في شركهم على أصناف شتى، ويمكن تصنيف هؤلاء على صنفين:
الصنف الأول: المشركون في الربوبية.
الصنف الثاني: المشركون في الألوهية أو العبادة، وفيما يلي بيان هذين الصنفين:
الفرع الأول: في بيان شرك الربوبية لدى العرب:
سبق معنا في الباب الأول بيان المقصود بالشرك في الربوبية بأنه إذا كان المقصود منه إثبات صانعين متماثلين من كل الوجوه، فهذا لم يوجد في بني آدم قط. بل الفطرة مفورة بإقرار وإثبات رب واحد، وإنما المقصود من الشرك في الربوبية: الشرك في بعض خصائص الربوبية، ثم إن قولنا عن المشركين بأنهم يعترفون بتوحيد الربوبية: ليس المراد به أنهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنما مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشئون الخلق، فهذه من صفات الربوبية وخصائصها، وقد آمن واعترف به المشركون، ثم هذا أيضًا ليس حكمًا مطردًا على جميع المشركين،
стр. 425
إذ منهم من وُجد عنده حتى الشرك في الربوبية، ومنهم من آمن ببعض خصائص الربوبية دون بعض.
وعلى هذا تحمل النصوص السابقة المنقولة عن أصحاب الأخبار وأهل الملل والنحل بأن بعض العرب وقع في الشرك في الربوبية أيضًا، وهو واضح في بعض الآيات القرآنية في سياق الرد عليهم.
ولكن ليس هذا هو الصفة الغالبة لديهم، بل كان غالب شركهم في العبادة، كما سيتضح ذلك فيما يلي بمشيئة الله.
ولكن لما كان هناك من العرب من وقع في الشرك في الربوبية سأذكرهم على النحو التالي:
المشركون في الربوبية على صنفين:
الصنف الأول: المعطلون: وهم على ثلاث فرق.
أ- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه: وهو إنكار الربوبية مطلقًا، مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلاً، ويدخل تحت هذا من مشركي العرب:
الدهرية: حيث قالوا ـ ما حكاه الله عنهم ـ: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ).
قال الشهرستاني: (فمعطلة العرب، وهي أصناف: صنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني، وهم الذين
следующие страницы →