← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأجابته حمير: فدفع إلى رجل من ذي رُعين يقال له: معديكرب: نسرًا، فكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بَلخَع، تعبده حمير ومن والاها، فلم يزل يعبدونه حتى هودهم ذو نواس. فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي ﷺ فأمر بهدمها). ٢ - قال ابن القيم ـ بعد أن ساق توزيع عمرو بن لحي الأصنام على قبائل العرب ـ: (قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كان قوم نوح في العرب تعبد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني عُطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع ... ). ٣ - قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الأثر: ( ... إن تلك الأسماء رفعت إلى الهند فسموا بها أصنامهم، ثم أدخلها إلى أرض العرب عمرو بن لحي ... ). فثبت بهذه الروايات كلها: أن عمرو بن لحي ـ لعنه الله ـ هو الذي جاء بالأصنام إلى أرض العرب، ووزعها بين القبائل، فهو حامل لواء الكفار والمشركين إلى جهنم؛ لأنه أول من سن لهم عبادة الأصنام في أرض العرب،

стр. 422

كما جاء ذلك في أحاديث، وقد سلف ذكرها. وأما الحامل لهذا اللعين على الشرك بالله؛ فالذي يذكره المؤرخون هنا سببان: ١ - أنه مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة. ٢ - قيل: إن عمرو بن لحي كان له رئي من الجن، يكنى أبا ثمامة، فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة، ثم ائت جدة، تجد بها أصنامًا معدة، ثم أوردها تهامة، ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، فاستثارها من تحت الأرض وخرج بها إلى تهامة، وحضر الموسم فدعا إلى عبادتها فأجيب. وسواء صحت هذه الرواية أم تلك في الحامل لهذا اللعين على ترويج الشرك في العرب، فقد انتشرت فيهم عبادة الأصنام، حتى لم يبق حي ولا قبيلة في العرب إلا ولها صنم تعبده وجاء الإسلام والأصنام تملأ جوف الكعبة وتحيط بها، وكانت كل قبيلة من العرب تحج كل عام إلى صنمها؛ تذبح له، وتطوف به، وتستشيره في مهامها.

стр. 423

المطلب الثاني: في بيان طبيعة الشرك لدى العرب في الجاهلية يبدو لمن تصفح تاريخ العرب في الجاهلية، أن الشرك فيهم كان على أشكال عدة؛ فإننا إذا تعدينا الحنفاء منهم ونظرنا إلى المشركين نجدهم على أنواع وألوان من الشرك، فبعضهم كانوا مشركين بالله في الربوبية، وبعضهم كانوا يشركون في الألوهية. قال الشهرستاني: (اعلم أن العرب أصناف شتى؛ فمنهم معطلة، ومنهم محصلة نوع تحصيل، فمعطلة العرب؛ وهي أصناف، فصنف منهم: أنكروا الخالف والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني ... وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وحللوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب. ومن العرب من يعتقد التناسخ، فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته فانتصب طيرًا هامة، فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة ... ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية ... ومنهم من يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات ... ومنهم من يصبو إلى الملائكة، فيعبدهم، بل كانوا عبدوا الجن، ويعتقدون فيهم أنهم بنات الله).

стр. 424

وجمع بعض العرب بين عبادة الله وعبادة الأوثان في وقت واحد، وآمنوا بأن المولى أعظم من أوثانهم، فقال شاعرهم: وباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبر والمقصود: أن العرب كانوا في شركهم على أصناف شتى، ويمكن تصنيف هؤلاء على صنفين: الصنف الأول: المشركون في الربوبية. الصنف الثاني: المشركون في الألوهية أو العبادة، وفيما يلي بيان هذين الصنفين: الفرع الأول: في بيان شرك الربوبية لدى العرب: سبق معنا في الباب الأول بيان المقصود بالشرك في الربوبية بأنه إذا كان المقصود منه إثبات صانعين متماثلين من كل الوجوه، فهذا لم يوجد في بني آدم قط. بل الفطرة مفورة بإقرار وإثبات رب واحد، وإنما المقصود من الشرك في الربوبية: الشرك في بعض خصائص الربوبية، ثم إن قولنا عن المشركين بأنهم يعترفون بتوحيد الربوبية: ليس المراد به أنهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنما مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشئون الخلق، فهذه من صفات الربوبية وخصائصها، وقد آمن واعترف به المشركون، ثم هذا أيضًا ليس حكمًا مطردًا على جميع المشركين،

стр. 425

إذ منهم من وُجد عنده حتى الشرك في الربوبية، ومنهم من آمن ببعض خصائص الربوبية دون بعض. وعلى هذا تحمل النصوص السابقة المنقولة عن أصحاب الأخبار وأهل الملل والنحل بأن بعض العرب وقع في الشرك في الربوبية أيضًا، وهو واضح في بعض الآيات القرآنية في سياق الرد عليهم. ولكن ليس هذا هو الصفة الغالبة لديهم، بل كان غالب شركهم في العبادة، كما سيتضح ذلك فيما يلي بمشيئة الله. ولكن لما كان هناك من العرب من وقع في الشرك في الربوبية سأذكرهم على النحو التالي: المشركون في الربوبية على صنفين: الصنف الأول: المعطلون: وهم على ثلاث فرق. أ- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه: وهو إنكار الربوبية مطلقًا، مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلاً، ويدخل تحت هذا من مشركي العرب: الدهرية: حيث قالوا ـ ما حكاه الله عنهم ـ: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ). قال الشهرستاني: (فمعطلة العرب، وهي أصناف: صنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني، وهم الذين

стр. 426

أخبر الله عنهم في القرآن المجيد (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)؛ إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر، (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)، فاستدل عليهم بضروريات فكرية وآيات قرآنية فطرية في كم آية وكم سورة فقال: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)، (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقال: (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)، وقال: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ). فأثبت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق وابتداء الخلق والإبداع ... ). فهؤلاء الدهريون والقائلون بالطبيعة في العصر الحديث هم طائفة واحدة في الحقيقة، وقد رد عليهم العلماء في كتبهم مفصلاً. ب- تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ولم يوجد في عرب الجاهلية من يعتقد أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، حسب ما وصل إلينا من المصادر الموثوقة. اللهم إلا ما نقل البغدادي: بأن (منهم: الذين عبدوا كل ما استحسنوا من الصور على مذهب الحلولية في

стр. 427

دعواها حلول روح الإله بزعمهم في الصور الحسنة). ج- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وقد كان العرب في الجاهلية وقعوا في هذا التعطيل. ففي الأسماء مثلاً: اتخذوا أسماء الأصنام مشتقة من أسماء الله جل شأنه، وهذا إلحاد في أسماء الله جل شأنه وصفاته، والإلحاد شرك إذا كان بهذه الصفة. فمما كان في العرب في الجاهلية من هذا النوع من الإلحاد: اتخاذ أسماء الأصنام من أسماء الله ـ جل وعلا ـ؛ كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، والمناة من المنان، وغيرها. قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى). قال ابن عباس: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز. وقال ابن جرير: (وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء، على المعنى الذي وصفت لقارئه، كذلك لإجماع الحجة في قراء الأمصار عليه). وقال: (اللات هي من الله، ألحقت فيه التاء فأنثت كما قيل عمرو للذكر، وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة، فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست

стр. 428

أسماؤه، فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزى). قال ابن القيم: (والإلحاد في أسماء الله أنواع: أحدها: أن يسمى الأصنام بها، كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا عن أسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة ... ). وأما المناة: (فأصل اشتقاقه من اسم الله المنان). كما أن هناك من العرب من كان ينكر اسم الرحمن (عنادًا وتكبرًا، مع العلم بأنه من أسماء الله جل وعلا)، وقد ذكر الله هذا الإنكار فقال: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)، وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا). قال الحافظ ابن كثير: (أي لا نعرف الرحمن، وكان ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية ... ). وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً). قال الحافظ ابن كثير ﵀: (يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة

стр. 429

الرحمة لله ... ). ومن العرب من كان يعطل صفة العلم لله بكل شيء، ودليله قوله تعالى: (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ). والمقصود: أن هذا إلحاد وشرك. قال ابن القيم: وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالـ ... إشرك والتعطيل والنكران وهذا الإلحاد والشرك كان موجودًا لدى العرب في جاهليتهم. وأما في الأفعال: فقد كان العرب في جاهليتهم وقعوا في هذا التعطيل، والذي يمثل ذلك ما يلي: ١ - إنكارهم إرسال الرسل: فإنهم استبعدوا أن يأتيهم منذر من الله، وهم بهذا عطلوا أفعال الله وحكمته في خلقه. قال تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، وقال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ)، وقال: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، وقال تعالى

стр. 430

حكاية عن قولهم: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ)، وقال تعالى حكاية عنهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)، وقال تعالى حكاية عنهم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، وقال: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)، وقال: (مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)، وقال: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ)، وقال: (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ)، وقال حكاية عنهم: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ)، وغيرها من الآيات. والمقصود: أن الذين أنكروا الرسل هم عطلوا أفعال الله وحكمته في خلقه. قال الشهرستاني: (وأما ... الشبهة الثالثة فكان إنكارُهم لبعث الرسول ﷺ في الصورة البشرية أشد، وإصرارهم على ذلك أبلغ ... ).

стр. 431

٢ - إنكارهم القدر: والمعروف أنهم هم القدرية من المشركين والقدرية على ثلاثة أصناف: أولاً: المجوسية: وهم الذين كذَّبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته ... وهذا الصنف لم يكن لهم وجود في العرب في الجاهلية. ثانياً: القدرية الإبليسية: الذين أقروا بالقضاء والقدر كما أقروا بالأمر والنهي، ولكن جعلوا هذا متناقضًا من الرب ، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكر ذلك عن إبليس مقدمهم، وهذا الصنف أيضًا لم يكن لهم وجود في العرب في الجاهلية حسب ما جاءنا من النصوص منهم. ثالثًا: القدرية المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي؛ حيث زعموا: أن ذلك ـ القضاء والقدر ـ يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء هم المقصودون عندنا في هذا الباب، حيث وجد في العرب من كان يعتقد مثل هذا الاعتقاد، حيث قالوا: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ)، و (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ)، و (قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ). وقد رد الله عليهم ردًا وافيًا في القرآن العزيز، فقال في الآية الأولى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ

стр. 432

فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)، وقال في الآية الثانية: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، وقال في الآية الثالثة: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ). والمقصود: بيان كونهم وقعوا في شرك التعطيل في الربوبية بتعطيله عن أفعاله، وتمسكوا في تبرير شركهم بشبهة المشيئة العامة، وهي باطلة عاطلة. قال شيخ الإسلام: (فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق ... وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب، ثم إذا خولف هوى أحد منهم قام في دفع ذلك متعديًا للحدود غير واقف عند حد ... إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر، فهذا يريد أمرًا والآخر يريد ضده، وكل من الإرادتين مقدرة، فلابد من ترجيح إحداهما أو غيرهما، أو كل منهما على وجه، وإلا لزم الفساد ... ). وقال في موضع آخر: (ولو كان القدر حجة لأحد لم يعذب الله المتكلمين للرسل كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعًا لهواه بغير هدى من الله، ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب فعليه أن لا يذم أحدًا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه؛ بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما

стр. 433

يوجب الألم، فلا يفرق بين من يفعل خيرًا، وبين من يفعل شرًا، وهذا ممتنع طبعًا وعقلاً وشرعًا. وقال في موضع آخر: (وأما القدر: فإنه لا يحتج به أحد إلا عند اتباع هواه، فإذا فعل محرمًا بمجرد هواه وذوقه ووجده، من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى القدر، كما قال المشركون: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا) الآية، فبين أنهم ليس عندهم علم بما كانوا عليه من الدين، وإنما يتبعون الظن. والقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل واحد منهم الاحتجاج بالقدر، فإنه لو خرب الكعبة، أو شتم إبراهيم الخليل، أو طعن في دينهم لعادوه وآذوه، فكيف وقد عادوا النبي ﷺ على ما جاء به من الدين، وما فعله هو أيضًا من المقدور، فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان النبي ﷺ وأصحابه، فإن كان كل ما يحدث في الوجود فهو مقدر، فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج بالقدر ـ إن كان الاحتجاج به صحيحاً ـ، ولكن كانوا يتعمدون على ما يعتقدونه من جنس دينهم، وهم في ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم بل هم يخرصون). والمقصود: بيان كون هذا الأمر شركًا بالله جل شأنه، ولهذا جاء الوعيد من الله لمن يعتقد بمثل هذا الاعتقاد بقوله تعالى: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).

стр. 434

أخرج مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر، إنا كل شيء خلقناه بقدر). ٣ - إنكارهم البعث: وهذه الظاهرة كانت لأغلب المشركين، قال الله تعالى حكاية عن فعلهم: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا)، وقال: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً)، وقال: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ)، وقال: (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)، وقال: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)، وقال: (أَئِذَا

стр. 435

مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، وقال: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، وقال أيضًا: (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)، وقال: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)، وقال: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، إلى آخر هذه الآيات، كلها تدل على أن المشركين أو أغلبهم كانوا قد عطلوا فعل الله وحكمته الذي هو البعث والنشور، وبذلك وقعوا في شرك التعطيل. قال الشهرستاني: (وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين إحداهما: إنكار البعث ـ بعث الأجساد ـ، والثانية: جحد البعث ـ بعث الرسل ـ، فعلى الأولى قالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ). إلى أمثالها من الآيات، وعبروا عن ذلك في أشعارهم، فقال بعضهم: حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو

стр. 436

ولبعضهم في مرثية أهل بدر من المشركين: فماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام) وقد أثبت الله في القرآن الكريم عقيدة البعث أتم بيان، بحيث لم يبق فيه أي شك، ومن أهم ما ذكره الله في القرآن على إمكان المعاد الجسماني: قضية ابتداء الخلق، قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وقال: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)، وقال: (إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ)، وقال: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، وغيرها من الآيات. وأما كون إنكار البعث شركًا؛ فلأنه يتضمن تعطيلاً لفعل الله وحكمته، كما يتضمن تعطيلاً لأسماء الله وصفاته ومقتضاها، وإنكاراً لعلم الله وقدرته وحكمته. قال الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ). يقول ابن القيم عن هذه الآيات: (فجعل كمال ملكه، وكونه سبحانه

стр. 437

الحق، وكونه لا إله إلا هو، وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه، مبطلاً لذلك الظن الباطل، والحكم الكاذب ... فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وكذلك يستلزم إرسال رسله، وإنزال كتبه، وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه، ولم يثبت له الملك الحق، ولذلك كان منكراً لذلك كافرًا بربه، وإن زعم أنه يقر بصانع العالم، فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال، والمستحق لنعوت الكمال). وقال في موضع آخر: (وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته، وكمال حكمته، فإن شبه المنكرين له كلها تعود إلى ثلاثة أنواع: أحدها: اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص. الثاني: أن القدرة لا تتعلق بذلك. الثالث: أن ذلك أمر لا فائدة فيه. أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئًا بعد شيء، هكذا أبدًا، كلما مات جيل خلفه جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحييه بعد ذلك، فلا حكمة في ذلك، فجاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول: أحدها: تقرير كمال علم الرب ؛ كما قال في جواب من قال: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ): (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وقال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ).

стр. 438

الثاني: تقرير كمال قدرته، كقوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، وقوله: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). الثالث: كمال حكمته، كقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، وقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً)، وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ). ولهذا كان الصواب: أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه، وأنه منزه عما يقوله منكروه، كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص. وبهذا انتهينا من الكلام عن المشركين في الربوبية بالتعطيل: أما الصنف الثاني: فهم أصحاب الأنداد: قد وجد في الجاهلية لدى العرب أشكال من شرك الربوبية بالأنداد، سأذكر فيما يلي ملخص ما أمكن جمعه، منها: ١ - الزنادقة من العرب:

стр. 439

قال الآلوسي: (وهم طائفة من قريش)، وقال ابن قتيبة في المعارف: (وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة)، قال الآلوسي: (والذي يظهر لي أن مراد ابن قتيبة من الزندقة التي نسبها إلى بعض العرب اعتقاد الثنوية أو القائل بالنور والظلمة بمقتضى قوله: (أخذوها من الحيرة) ... ولو كان مراده: من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية لم يكن لأخذها من الحيرة وجه؛ فإن كثيرًا من قبائل العرب كانوا كذلك، فتعين أن مراده ما ذكرنا ... ). وبهذا يدخل الزنادقة من العرب في الشرك في الربوبية بالأنداد. ٢ - المجوس من العرب: قال ابن قتيبة: (وكانت المجوسية في تميم، منها: زرارة بن عدس التميمي، وابنه حاجب بن زرارة ... ومنهم أقرع بن حابس، كان

стр. 440

مجوسيًا، وأبو سود جد وكيع بن حسان كان مجوسيًا ... ). والمراد بالمجوسية: القائلون بالأصلين؛ أي: (أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما: النور، والثاني: الظلمة، والفارسية يزدان وأهرمن ... ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين، إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية: سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج أو الخلاص معادًا). والفرق بين المجوس والثنوية: (أن الثنوية يزعمون: أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه ... ). وهؤلاء المجوس هم عباد النار، ويقولون: (إنها أوسع العناصر خيرًا، وأعظمها جرمًا، وأوسعها مكانًا، وأشرفها جوهرًا، وألطفها جسمًا، ولا كون في العالم إلا بها، ولا نمو ولا انعقاد إلا بممازجتها ... ). فهؤلاء المشركون قد اتخذوا أندادًا؛ وهذا شرك في أمور الربوبية. ٣ - نصارى العرب ويهود العرب: وقد ذكر أصحاب الملل والنحل وأصحاب الأخبار: أن هناك طوائف

стр. 441

من العرب قد تهودوا وتنصروا، ومعلوم: أن اليهود والنصارى كان عندهم ألوان من الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية، وقد سبق إيرادها بالتفصيل، فلينظر هاهنا. وإنما أقتصر هنا على بيان بعض القبائل التي تأثرت باليهودية والنصرانية: فكانت اليهودية في حمير بعد أن كان الغالب فيهم من المجوس وعبدة الشمس ونحو ذلك، وقد كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، وكأنهم تلقوا ذلك عن الروم، وكان بنو تغلب أيضًا من نصارى العرب، كما كان أهل نجران أيضًا من نصارى العرب. ٤ - ومن ذلك: شرك كثير ممن كان يشرك بالله بالكواكب العلويات، ويجعلها أرباباً مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. وقد وقع فيه بعض العرب، قال الشهرستاني: (منهم ـ أي من العرب ـ من يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات، حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء ويقول: مطرنا بنوء كذا وكذا ... ). وقد سبق معنا بيان عقائد الصابئة بأنهم يقولون: لا سبيل لنا للوصول إلى جلاله (الرب) إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات

стр. 442

الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون والمقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ولذلك وضعوا هياكل السيارات السبع الكبرى، وبعد مرور الزمن بدأوا يتقربون إلى هذه السيارات السبع على أنها هي المدبرة للعالم. فهؤلاء عندهم شرك بالله في الربوبية مع شركهم في العبادة، فإنهم اعتقدوا أن في العالم تأثيرًا لغير الله، والمعروف أنه حق خالص لله جل شأنه. وقد ذكر النبي ﷺ هؤلاء المشركين من العرب في بعض الأحاديث: فمن ذلك قوله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)). وأخرج الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: ((أخاف على أمتي ثلاثاً: استسقاء بالنجوم، و ... )). وأخرج البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل،

стр. 443

فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب)). قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (إذا اعتقد أن للنوء تأثيرًا في إنزال المطر فهذا كفر؛ لأنه أشرك في الربوبية، والمشرك كافر، إن لم يعتقد ذلك فهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببًا لإنزال المطر فيه، وإنما هو فضل من الله ورحمته يحبسه إذا شاء وينزله إذا شاء ... ). وقال في موضع آخر: (فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا، فلا يخلو: إما أن يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر، فهذا شرك وكفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعًا، أو يدفع عنهم ضرًا، أو أنه يشفع بدعائهم إياه، فهذا الشرك الذي بعث الله رسول الله ﷺ بالنهي عنه وقتال من فعله ... وإما أن يقول: مطرنا بنوء كذا مثلاً، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكن أجري العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز ... ). ٥ - شرك عباد الشمس وعباد الناس وعباد القمر أو الأجرام الأخرى

стр. 444

السماوية أو الأرضية، إذا صاحب عبادتهم لها اعتقادهم أنها هي المعبودة، وأنها هي الآلهة على الحقيقة، أو أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به ... فهذا شرك بالله في الربوبية، قد وقع فيه بعض العرب في الجاهلية، خاصة عرب الجنوب. ٦ - الشرك في بعض صفات الله ، إما بإثبات صفات الله للمخلوقين؛ وإما بإثبات صفات المخلوقين لله جل شأنه. أما الأول فقد وقع فيه العرب كثيرًا، وسأذكر فيما يلي بعض الأمثلة على ما قلنا: أ- الشرك في صفته العلم المحيط بكل شيء. والمقصود بالعلم المحيط عندنا هو معرفة علم الغيب. وقبل الدخول في بيان المشركين بالله في هذه الصفة يحسن بنا أن نتعرف على معنى علم الغيب والذي اختص الله بعلمه من بين سائر خلقه، فأقول: إن لفظ الغيب يطلق على كل ما غاب عن العقول أو الأنظار. فيقال: غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن الأعين. وسمي الغيب غيبًا باعتباره

стр. 445

بالناس ونحوهم، لا بالله ، فإنه سبحانه لا يغيب عنه شيء، لكن لا يجوز أن يقال: إنه جل وعلا لا يعلم الغيب قصدًا إلى أنه لا غيب بالنسبة إليه، لأن ذلك من إساءة الأدب. وفي لسان الشرع: الغيب ينقسم باعتبار معلومه إلى نوعين: أحدهما: ما استأثر الله تعالى بعلمه، وهو ما يتعلق بذاته تعلى وبعض أسمائه وحقائق صفاته. ثانيهما: ما يجوز أن يطلع بعض خلقه على بعضه، وهو ما يتعلق بمخلوقاته. ثم إن هذا النوع باعتبار العلم به ينقسم إلى قسمين: الأول: العلم بالغيب علمًا حقيقيًّا مطلقًا، وهذا العلم غائب عن جميع الخلق حتى الملائكة، ولا يعلمه أحد سوى الله. وهذا النوع من علم الغيب هو المراد عند إطلاق لفظ (علم الغيب)؛ لاستغراقه الزمان والمكان. فالله هو العليم بكل شيء، فالماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء، وعلمه بذلك صفة ذاتية لازمة له ولا تنفك عنه بحال. الثاني: العلم بالغيب علمًا إضافيًا مقيدًا: وهو ما غاب عن بعض الخلائق دون بعض، كعلم الملائكة بأمور عالمهم التي لا يعلمها البشر مثلاً، وكذلك علم بعض البشر ببعض الأمور تغيب عن

стр. 446

بعض. وهذا القسم من العلم هو ما يتأتى للمخلوقات، وهم متفاوتون فيه من حيث الكم والنوع، كل بحسب استعداده وتعليم الله له. وعلوم الأنبياء تدخل في هذا القسم. وبعد أن عرفنا هذا، يحسن بنا أن نستعرض مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى العرب في جاهليتهم. من مظاهر الشرك في علم الباري المحيط: ١ - الكهانة، والعرافة؛ أما الكاهن: فهو الذي يأخذ عن مسترق السمع، وكانوا قبل المبعث كثيرين، وأما بعد المبعث فإنهم قليلون. وقيل: الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل؛ وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير. وأما العرافة؛ فمنه العراف، قال البغوي: (العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة)، ظاهره: أنه هو الذي يخبر عن الوقائع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم). وقال أيضًا: (والمنجم يدخل في اسم العراف، وعند بعضهم هو معناه).

стр. 447

وقال أيضًا: (والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن بعض العرب، وعند آخرين: هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالاً منه، فيلحق به من جهة المعنى). وسئل الإمام أحمد عن الساحر والكاهن هل هما شيء واحد؟ قال: (لا، الكاهن يدّعي الغيب، والساحر يعقد ويفعل كذا). وفي رواية عنه: (أنه سئل عن الكاهن فقال: هو نحو العراف، والساحر أخبث؛ لأن السحر شعبة من الكفر). وقال ﵀ في العراف: (العرافة: طرف من السحر، والساحر أخبث). وقال ابن الأثير: (العراف: المنجم، والحازي: الذي يدعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به). وقال ابن القيم ﵀: (من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفًا عرافًا). وقال أيضًا: (المنجم، والزاجر، وصاحب القرعة، التي هي شقيقة الأزلام، وضاربة الحصى، والعراف، والرمال، ونحوهم ممن تطلب منهم الإخبار عن المغيبات). إذن كل من ادعى أمرًا من أمور الغيب فهو يندرج ضمن هذه المسميات.

стр. 448

وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورئيًا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات، أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف. والمقصود من هذا: أن من يدعي معرفة شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به؛ وذلك: (أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية، ... وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنًا وعرافاً أو في معناهما ... ). وقد قال النبي ﷺ لما قال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: إن هؤلاء يحدثوننا أحيانًا بالأمر فيكون كما قالوا، فأخبرهم ـ: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا) للذي قال (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا،

стр. 449

فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء)). فذكر أن ذلك من جهة الشياطين يلقون إليهم الكلمة تكون حقاً فيزيدون هم معها مائة كذبة، فيصدقون من أجل تلك الكلمة. ولما كان هذا الأمر من الشرك بالله في بعض صفاته، وهو بهذا العمل إذا كان يصدق صحة العرافين والكهان يخرج من الملة، جاءت الأحاديث متضمنة الوعيد الشديد لهؤلاء ولمن أخذ عنهم، وفي بعض هذه الأحاديث تصريح بخروجهم عن الملة. من ذلك ما رواه عمران بن حصين ﵁ قال: قال ﷺ : ((ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ). وقوله ﷺ : ((من أتى عرافاً أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل

стр. 450

على محمد ﷺ ). ولمسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أمورًا كن نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان؟ قال: ((فلا تأتوا الكهان)). والمقصود: بيان كون إتيان الكهان وتصديقهم ومن على شاكلتهم من العرافين، والرمالين يكون شركًا بالله في الربوبية؛ حيث إنه يعد من الشرك بالله في صفته العلم المحيط بالمغيبات، كما أن المشركين كانوا يستسلمون لكل ما يقضي به الكهان على الغالب، وبهذا يكونون قد أشركوا بالله في الربوبية من جهة إعطائهم سلطة التشريع والتحكيم من دون الله. وروى البخاري في صحيحه قال: (كانت الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهم كهان كانت تنزل عليهم الشياطين).

стр. 451

فهذا نص صريح على أنهم كانوا يتحاكمون إلى الكهان، وأعطي لهم سلطة التشريع والحكم في القضايا، وهذا لا شك في كونه شركًا مع شرك ـ كما أسلفنا ـ. ومما يلحق بالكهانة: العيافة والطرق والطيرة، لقوله ﷺ : ((العيافة والطرق والطيرة من الجبت)). والمقصود بالعيافة: زجر الطير والحيوان، والاستدلال بأصواتها وحركاتها وسائر أحوالها على الحوادث، واستعلام ما غاب عنهم. وأما الطيرة: فسيأتي الكلام عليها مفصلاً فيما بعد. وأما الطرق. فهو الخط في الأرض، وقال بعضهم: الضرب بالحصى ويسمى علم الرمل، حيث يستدلون بأشكال الرمل على أحوال المسألة حين السؤال. وأما الجبت: فهو الكهانة والسحر، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان). وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي. والمقصود: أن هذه الأشياء كانت موجودة في العرب في

стр. 452

الجاهلية، وأن هذه الأشياء شرك بالله جل وعلا، ووجه كون العيافة والطرق والطيرة شركًا بالله، لما فيه من دعوى علم الغيب، ومنازعة الله في ربوبيته، فإن علم الغيب من صفات الربوبية التي استأثر الله تعالى بها دون من سواه، إضافة إلى أن بعضهم يعتقد أن تلك الأشياء تنفع أو تضر، فهذا شرك بالله في ربوبيته، وبالأخص في صفته القدرة الكاملة الشاملة، كما سيأتي. ومن مظاهر الشرك في علم الباري تعالى سبحانه المحيط أيضًا: ٢ - تصديق المنجمين فيما يقولونه من الكلام: جاءت النصوص الحديثية برد علم التنجيم الموجود في زمن النبي ﷺ : من ذلك قوله ﷺ : ((من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد))، وقوله ﷺ : ((أخاف على أمتي ثلاثاً: حيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر))، وقوله ﷺ : ((أخاف على أمتي بعدي خصلتين: تكذيبًا بالقدر، وإيمانًا بالنجوم)). كما جاءت آثار عن السلف في النهي عن هذا العمل الجاهلي: فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه قول قتادة ﵀ أنه قال: (خلق الله هذه النجوم لثلاث؛ زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن

стр. 453

تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وكلف ما لا علم له به). وفي رواية عنه أنه قال بعد هذا مباشرة: (إن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء). وقال شيخ الإسلام: (التنجيم: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية). وقال الخطابي: (علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، يدعون أن لها تأثيرًا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب،

стр. 454

وتعاط لعلم قد استأثر الله به، ولا يعلم الغيب سواه). وأما قوله تعالى: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)، فليس المراد: أنه يهتدى بها في علم الغيب ـ كما يعتقده المنجمون ـ بل المراد به: لتعرفوا بها جهة قصدكم. فإن قيل: المنجم قد يصدق؟ قيل: صدقه كصدق الكاهن، يصدق في كلمة ويكذب في مائة، وصدقه ليس عن علم، بل قد يوافق قدرًا، فيكون فتنة في حق من صدقه. ولهذا نهى ابن عباس ﵁ أحد تلاميذه عن النظر في النجوم فقال: (يا غلام، إياك والنظر في النجوم؛ فإنه يدعو إلى الكهانة). وجاء عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: (والله ما في النجم موت أحد ولا حياته، وإنما جعل الله النجوم زينة ورجومًا للشياطين)، وعنه أيضًا أنه قال: (والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء من نجم، ولكن يتبعون الكهنة، ويتخذون النجوم علة). والمقصود: أن التنجيم من الشرك بالله جل وعلا في الربوبية؛ حيث إنه شرك بالله جل وعلا في علمه المحيط، بل فيه شرك بالله جل وعلا في أموره الربوبية مثل التدبير في العالم، وذلك لمن يعتقد أن الحوادث السفلية إنما هي من الكواكب العلويات، وقد سبق بيانه.

стр. 455

وقد رد على المنجمين والمستدلين بالنجوم على وقوع الحوادث كثير من أهل السنة في مؤلفاتهم، فمن ذلك ما ذكره ابن القيم في مفتاح دار السعادة حيث توسع في الرد عليهم بذكر شبهاتهم، وتفنيدها واحدة تلو الأخرى. فهذا الشرك كان في العرب في جاهليتهم، فقد ذكر المؤرخون وأصحاب الملل والنحل: أن من العرب عرافين وأصحاب النجوم، وأصحاب الأنواء. قال الشهرستاني: (اعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم ... الثالث: علم الأنواء، وذلك مما يتولاه الكهنة). وقال الآلوسي: (وكانت لهم ـ عرب الجنوب ـ اليد الطولى في كثير من الصناعات، وكانت للتبابعة والجبابرة منهم مذاهب في أحكام النجوم وغيرها، كل ذلك من المسلمات التي لا يمكن لأحد التوقف في قبولها ولا التردد في الإذعان لها، وقد نطق متواتر الأخبار الصحيحة بها، وأما بنو عدنان ـ عرب الشمال ـ ... إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، أو ما احتاجوا إليه من دنياهم من الأنواء أو من الحروب ونحو ذلك). ومن أنواع هذا التنجيم: (ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد، ويجعل لكل حرف منها قدرًا من العدد معلومًا ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها، ويجمع جمعًا معروفًا عنده، ويطرح منه طرحًا خاصًا، ويثبت إثباتًا خاصًا، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل

стр. 456

الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان). قال ابن عباس ﵁ في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: (ما أدري من فعل ذلك له عند الله خلاق). وهذا النوع أيضًا يتضمن دعوى مشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به سبحانه. قال السعدي في هذا المقام: (إن الله تعالى انفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك، فقد جعل ذلك شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله). فهذه الأنواع من التنجيم وما شابهها شرك بالله جل شأنه، لما فيه من اعتقاد أن تلك النجوم تنفع أو تضر، ولما فيه من دعوى الغيب، ومنازعة الله تعالى فيما اختص به سبحانه من علم الغيب. ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم المحيط: ٣ - الشرك بتصديق الأنواء، وقد سبق معنا بيانه، فلا نعيده ها هنا، وإنما المقصود بيان أن العرب في إشراكهم بالله جل شأنه بتصديق الأنواء قد ارتكبوا عدة محذورات؛ فمن ذلك شرك بالله في تدبير المخلوقات بجعله للنجوم والكواكب العلويات، ومن ذلك شركهم بالله في العلو على أن القائلين

стр. 457

بالأنواء يعلمون متى تمطر، ومتى لا تمطر، وبهذا وقعوا في شرك الربوبية في صفة علم الباري تعالى ـ جل شأنه ـ المحيط بكل شيء، وقد كان العرب في جاهليتهم يصدقون الأنواء، كما هو مبين في الكتب التي تتحدث عن تاريخ العرب في الجاهلية. ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم المحيط: ٤ - استقسامهم بالأزلام عند الأصنام: إذا اعتقد أن الأصنام تعلم المغيبات، وكانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا سفرًا أو تجارةً أو نسبًا أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظيمة جاءوا إلى هبل ـ، وهو أعظم أصنام قريش ـ كما سبق ـ وكان بمكة وفي الكعبة ـ ومعهم مائة درهم، فأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، وكانت أزلامهم سبعة قداح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها، وهي مستوية في المقدار، عليها أعلام وكتابة؛ قد كتب على واحد منها (أمرني ربي)، وعلى واحد منها (نهاني ربي)، وعلى واحد (منكم)، وعلى واحد (من غيركم)، وعلى واحد (ملصق)، وعلى واحد (العقل)، وواحد (غفل) أي ليس عليه شيء، فإذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدوا له ومعرفة عاقبته أخير هو أم شر استقسم لهم أمين القداح بقدحي الأمر والنهي، إلى غير ذلك من أفاعيلهم. وكان بعض العرب يستقسم عند ذي الخلصة؛ وقد وقع مثل هذا الاستقسام للشاعر الجاهلي امرئ القيس لما أراد أن يأخذ بثأر أبيه.

стр. 458

ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في الربوبية بالشرك في علم الباري المحيط: ٥ - اعتقاد أن الجن يعلمون الغيب: قال تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا)، فالاستعاذة وإن كانت من العبادة ـ كما سيأتي في شرك العبادة ـ إلا أن العرب في الجاهلية كان عندهم اعتقاد معرفة الجن للغيب. قال قتادة: ( ... لو كان أحد يعلم الغيب لعلم الجن حيث مات سليمان بن داود ﵇، فلبثت تعمل حولاً في أشد العذاب، وأشد الهوان، وهم لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ـ أي تأكل عصاه ـ فلما خر تبينت الجن أن لو كانت الجن تعلم الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، وكانت الجن تقول مثل ذلك: أنها كانت تعلم الغيب، تعلم ما في غد، فابتلاهم الله بذلك). ومن الشرك بالله في بعض صفاته سبحانه بإثبات صفات الله الخاصة به للمخلوقين: ب- الشرك في قدرة الله الكاملة؛ ومن مظاهره الكثيرة ما يلي: ١ - لبيس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. وهذا شرك بالله في الربوبية، وخاصة في قدرة الله الكاملة الشاملة، قال ابن الأثير مبينًا سبب كونه شركًا: (كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، وإنما

стр. 459

جعلها شركًا؛ لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه). وقد جاء في الحديث ما يدل على أن العرب كان عندهم هذا النوع من الشرك؛ ومن ذلك ما يروى عنه ﷺ أنه: أبصر على عضد رجل حلقة ـ من صفر ـ فقال: ((ويحك ما هذه؟ )) قال: من الواهنة، قال: ((أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا)) ومثل هذا ما جاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه (دخل على مريض، فرأى في عضده سيرًا، فقطعه أو انتزعه، ثم قال: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون). وأصرح من هذا ما روت زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها

стр. 460

قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وأنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطًا، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)). فعلمنا بهذه الأدلة أن تعليق الخيط والحلقة وغيرها كانت من عادات العرب الجاهلية يقصدون بها دفع البلاء، ومعلوم أن هذا شرك في صفة القدرة الكاملة لله جل وعلا، وسيأتي مزيد من البيان له في الباب الرابع ـ إن شاء الله ـ عندما نبين متى يكون هذا شركًا أكبر، ومتى يكون شركًا أصغر؟ . ومن مظاهره أيضًا: ٢ - التمائم والرقى والتولة ونحوها لرفع البلاء أو جلب المنافع: أما التمائم: فهي جمع تميمة، والتميم: العوذ، والتميمة: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم يعقد في العنق. وقيل: هي قلادة يجعل فيها سيور وعوذ، وقيل: التميمة؛ خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم ينفون بها النفس والعين بزعمهم، فأبطله الإسلام. قال ابن الأثير: (هي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها يتقون بها العين ـ في زعمهم ـ فأبطلها الإسلام).
следующие страницы →