Полный текст (1 489 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان).
قال ابن عباس ﵁ في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: (ما أدري من فعل ذلك له عند الله خلاق).
وهذا النوع أيضًا يتضمن دعوى مشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به سبحانه.
قال السعدي في هذا المقام: (إن الله تعالى انفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك، فقد جعل ذلك شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله).
فهذه الأنواع من التنجيم وما شابهها شرك بالله جل شأنه، لما فيه من اعتقاد أن تلك النجوم تنفع أو تضر، ولما فيه من دعوى الغيب، ومنازعة الله تعالى فيما اختص به سبحانه من علم الغيب.
ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم المحيط:
٣ - الشرك بتصديق الأنواء، وقد سبق معنا بيانه، فلا نعيده ها هنا، وإنما المقصود بيان أن العرب في إشراكهم بالله جل شأنه بتصديق الأنواء قد ارتكبوا عدة محذورات؛ فمن ذلك شرك بالله في تدبير المخلوقات بجعله للنجوم والكواكب العلويات، ومن ذلك شركهم بالله في العلو على أن القائلين
стр. 457
بالأنواء يعلمون متى تمطر، ومتى لا تمطر، وبهذا وقعوا في شرك الربوبية في صفة علم الباري تعالى ـ جل شأنه ـ المحيط بكل شيء، وقد كان العرب في جاهليتهم يصدقون الأنواء، كما هو مبين في الكتب التي تتحدث عن تاريخ العرب في الجاهلية.
ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم المحيط:
٤ - استقسامهم بالأزلام عند الأصنام: إذا اعتقد أن الأصنام تعلم المغيبات، وكانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا سفرًا أو تجارةً أو نسبًا أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظيمة جاءوا إلى هبل ـ، وهو أعظم أصنام قريش ـ كما سبق ـ وكان بمكة وفي الكعبة ـ ومعهم مائة درهم، فأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، وكانت أزلامهم سبعة قداح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها، وهي مستوية في المقدار، عليها أعلام وكتابة؛ قد كتب على واحد منها (أمرني ربي)، وعلى واحد منها (نهاني ربي)، وعلى واحد (منكم)، وعلى واحد (من غيركم)، وعلى واحد (ملصق)، وعلى واحد (العقل)، وواحد (غفل) أي ليس عليه شيء، فإذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدوا له ومعرفة عاقبته أخير هو أم شر استقسم لهم أمين القداح بقدحي الأمر والنهي، إلى غير ذلك من أفاعيلهم.
وكان بعض العرب يستقسم عند ذي الخلصة؛ وقد وقع مثل هذا الاستقسام للشاعر الجاهلي امرئ القيس لما أراد أن يأخذ بثأر أبيه.
стр. 458
ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في الربوبية بالشرك في علم الباري المحيط:
٥ - اعتقاد أن الجن يعلمون الغيب: قال تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا)، فالاستعاذة وإن كانت من العبادة ـ كما سيأتي في شرك العبادة ـ إلا أن العرب في الجاهلية كان عندهم اعتقاد معرفة الجن للغيب.
قال قتادة: ( ... لو كان أحد يعلم الغيب لعلم الجن حيث مات سليمان بن داود ﵇، فلبثت تعمل حولاً في أشد العذاب، وأشد الهوان، وهم لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ـ أي تأكل عصاه ـ فلما خر تبينت الجن أن لو كانت الجن تعلم الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، وكانت الجن تقول مثل ذلك: أنها كانت تعلم الغيب، تعلم ما في غد، فابتلاهم الله بذلك).
ومن الشرك بالله في بعض صفاته سبحانه بإثبات صفات الله الخاصة به للمخلوقين:
ب- الشرك في قدرة الله الكاملة؛ ومن مظاهره الكثيرة ما يلي:
١ - لبيس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.
وهذا شرك بالله في الربوبية، وخاصة في قدرة الله الكاملة الشاملة، قال ابن الأثير مبينًا سبب كونه شركًا: (كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، وإنما
стр. 459
جعلها شركًا؛ لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه).
وقد جاء في الحديث ما يدل على أن العرب كان عندهم هذا النوع من الشرك؛ ومن ذلك ما يروى عنه ﷺ أنه: أبصر على عضد رجل حلقة ـ من صفر ـ فقال: ((ويحك ما هذه؟ )) قال: من الواهنة، قال: ((أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا))
ومثل هذا ما جاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه (دخل على مريض، فرأى في عضده سيرًا، فقطعه أو انتزعه، ثم قال: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون).
وأصرح من هذا ما روت زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها
стр. 460
قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وأنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطًا، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)).
فعلمنا بهذه الأدلة أن تعليق الخيط والحلقة وغيرها كانت من عادات العرب الجاهلية يقصدون بها دفع البلاء، ومعلوم أن هذا شرك في صفة القدرة الكاملة لله جل وعلا، وسيأتي مزيد من البيان له في الباب الرابع ـ إن شاء الله ـ عندما نبين متى يكون هذا شركًا أكبر، ومتى يكون شركًا أصغر؟ .
ومن مظاهره أيضًا:
٢ - التمائم والرقى والتولة ونحوها لرفع البلاء أو جلب المنافع:
أما التمائم: فهي جمع تميمة، والتميم: العوذ، والتميمة: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم يعقد في العنق. وقيل: هي قلادة يجعل فيها سيور وعوذ، وقيل: التميمة؛ خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم ينفون بها النفس والعين بزعمهم، فأبطله الإسلام. قال ابن الأثير: (هي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها يتقون بها العين ـ في زعمهم ـ فأبطلها الإسلام).
стр. 461
وقال الحافظ ابن حجر: (هي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات).
أما الرقي: فواحدتها الرقية؛ (وهي العوذة، يقال: رقي الراقي رقية ورقيًا: إذا عوذ ونفث في عوذته. قال ابن الأثير: الرقية: العوذة التي رقي بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات).
فالرقى: هي التي تسمى العزائم، ويخص من عموم النهي ما رخص فيه رسول الله ﷺ كالعين والحمى، بشرط أن تخلو الرقى أو العزائم من الشرك.
والمقصود هنا: بيان كون الرقى والتمائم وما في معناها كلها تدخل في الشرك في الربوبية، وخاصة في صفة القدرة الكاملة لله الشاملة لكل شيء، وأن العرب في جاهليتهم كانت عندهم هذه الأشياء، ولهذا جاء النهي عنها في الأحاديث النبوية، من هذه الأحاديث ما يلي:
١ - قوله ﷺ : ((من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له)).
٢ - أن رسول الله ﷺ أقبل على رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وتركت هذا، قال: ((إن عليه تميمة))، فأدخل يده فقطعها، وبايعه، وقال: ((من علق تميمة فقد أشرك)).
стр. 462
٣ - أن رسول الله ﷺ أرسل رسولاً: ((أن لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت)). قال ابن حجر: (إنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئًا).
٤ - قول النبي ﷺ : ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)).
٥ - وقوله ﷺ : ((من تعلق شيئًا وكل إليه)).
٦ - قوله ﷺ : ((من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا بريء منه)).
فهذه الأحاديث مجتمعة تدل على أن التمائم وما في معناها من الشرك، وإنما المقصود هنا بيان كونه موجودًا في العرب في الجاهلية.
ومن مظاهره أيضًا:
٣ - طلب التبرك من غير الله جل وعلا.
وذلك؛ أن التبرك هو طلب كثرة الخير ودوامه، (ولا أحد أحق بذلك
стр. 463
وصفاً وفعلاً منه ﵎، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان).
قال ابن القيم: (وهذا اللفظ قد ذكره الله سبحانه في المواضع التي أثنى فيها على نفسه بالجلال، والعظمة، والأفعال الدالة على ربوبيته وإلهيته وحكمته وسائر صفات كماله ... ).
فهذا التبرك من الشرك بالله في ربوبيته ـ خصوصًا في صفته القدرة الكاملة ـ إذا اعتقد حصول كثرة الخير ودوامه من غير الله؛ لأنه اعتقاد في غير الله ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، ففيه إنزال غير الله منزلة الربوبية.
وربما يكون هذا شركًا بالله في ألوهيته وعبادته إذا صرفوا لغير الله بعض أنواع العبادات؛ وهذا بسبب المبالغة في تعظيم من يتبركون بهم، والافتتان بهم والتعلق بهم.
وكان عند مشركي العرب هذا النوع من الشرك كما يدل عليه بعض الأحاديث والآثار المروية في ذلك، فمن ذلك:
١ - ما رواه أبو واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا
стр. 464
ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : ((الله أكبر! إنها السنن، قلتم ـ والذي نفسي بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، لتركبن سنن من كان قبلكم)).
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (وكان عكوف المشركين عند تلك السدرة تبركًا بها وتعظيمًا لها). فهذا يدل على أن المشركين كانوا في الجاهلية يطلبون الخير والبركة من هذه الأشجار، ومعلوم أن طلب الخير والبركة، وطلب دوامها من العبادة، وإيصال الخير والبركة وإدامتها إنما هي من خصائص الربوبية، فلهذا يكون عملهم هذا شركًا في الربوبية في قدرة الله الكاملة؛ لأنهم يعتقدون حصول الخير والبركة ودوامها من غير الله جل شأنه.
ولعل ما ذكر المؤرخون من أول ما حدث من الشرك: التبرك بأحجار الحرم أدل دليل على أن العرب في جاهليتهم كانوا يتبركون من بعض الأشياء، وقد سبق معنا بيان كيف حدثت عبادة الأحجار من قبل بني إسماعيل.
ثم هناك نصوص أخرى تدل على أن بعض العرب كانوا في جاهليتهم يتبركون ويستمدون من بعض القبور، فقد ذكر بعض من كتب في تاريخ العرب: أن قبر حاتم الطائي غدا مقر الضيفان وملاذ التائهين في الجاهلية ... وكانت طيء تزعم أنه لم ينزل بقبر حاتم أحد قط إلا قراه، فهذا هو أبو البختري كما ذكروا، مر في نفر من قومه بقبر حاتم الطائي، فنزلوا قريباً منه، فبات
стр. 465
أبو البختري يناديه، يا أبا الجعد، أقرنا ...
والمقصود: أن التبرك من غير الله جل وعلا، ومن غير ما جعله الله مباركًا بنصوص الكتاب والسنة، إذا كان قصد المتبرك بالتبرك أنه يحصل له من قبل المتبرك به نفسه، فهذا شرك بالله في الربوبية في صفة القدرة الكاملة الشاملة، وإذا كان يعتقد أن المتبرك به يشفع عند الله، فهذا شرك بالله في العبادة.
ومن مظاهره أيضًا:
٤ - السحر والتسحر، والنشرة لفك السحر؛ ومنه الصرف والعطف.
وقبل أن ندخل في تفاصيل كونه شركًا، ووجوده في العرب في الجاهلية، يحسن بنا أن نتعرف على السحر، فنقول:
السحر في لغة العرب: كل ما لطف مأخذه ودق، وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وسحره بمعنى: خدعه، وسحره بكلامه: استماله برقته وحسن تركيبه.
وأما في الاصطلاح: فأحسن ما قيل فيه قول الشافعي ﵀: (السحر: اسم جامع لمعان مختلفة)، ولقد قال العلماء في تعريفه عبارات، منها:
стр. 466
١ - (كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع).
٢ - وقيل: (هو كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه في المقادير والكائنات).
٣ - وقيل: (هو عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه، أو عقله).
٤ - وقيل: (هو عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه).
٥ - وقيل: (إن السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء العلم بوجوه تركيبها وأوقاته).
وعلى كلٍ: فإن التعاريف مختلفة، وسبب ذلك الاختلاف كثرة أنواع السحر، واختلاف صوره، حتى جعله الفخر الرازي ثمانية أقسام، وبعضهم جعله أكثر من ذلك، ولهذا قد جاء التنبيه من بعض الأئمة إلى
стр. 467
ضرورة تحديد معنى السحر وتمييزه عن غيره.
قال القرافي: (أطلق المالكية وجماعة الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، ولا شك أن هذا قريب من حيث الجملة، غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع منهم الغلط العظيم المؤدي إلى هلاك المفتي، والسبب في ذلك: أنه إذا قيل للفقيه: ما هو السحر؟ وما حقيقته حتى يقضي بوجوده على كفر فاعليه؟ يعسر عليه ذلك جدًا، فإنك إذا قلت له: السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفس شيء واحد، وكلها سحر، أو بعض هذه الأمور سحر، وبعضها ليس بسحر؟ فإن قال: الكل سحر، يلزمه أن سورة الفاتحة سحر؛ لأنها رقية إجماعًا، وإن قال: لكل واحد من هذه خاصية تختص بها، فيقال: بين لنا خصوص كل واحد منها، وما به تمتاز، وهذا لا يعرفه أحد من المتعرضين للفتيا ... إن الكتب الموضوعة في السحر وضع فيها هذا الاسم على ما هو كذلك كفر ومحرم، وعلى ما ليس كذلك، وكذلك السحرة، ويطلق لفظ السحر على القسمين، فلابد من التعرض لبيان ذلك).
ثم قال: (وللسحر فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرًا، كما أن لهم ما يقطع أنه كفر، فيجب حينئذ التفصيل، كما
стр. 468
قال الشافعي ﵁ أما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرًا كفر، فصعب جدًا).
وصدق ﵀؛ فالحكم على الشيء فرع من تصوره، فلابد للناظر في هذه المسألة أن يفصل ويميز ويفرق بين السحر الذي يعد كفرًا، وما ليس كذلك، ولعل هذا هو السبب الذي قال الشنقيطي ﵀ لأجله (كما قال الشافعي قبله): (إن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته).
فالتحقيق في هذه المسألة هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر، فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة، فإنه كفر بلا نزاع، كما دل عليه قوله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ)، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا).
وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر.
стр. 469
وللإمام النووي ﵀ عبارة جامعة في حكم السحر؛ حيث قال: (قد يكون ـ السحر ـ كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه فعل أو قول يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزز واستتيب ... ).
فالسحر الذي يعد كفرًا، قد يقع قولاً باللسان، أو اعتقادًا بالقلب، أو عملاً بالجوارح، ونورد أمثله على ذلك:
السحر الذي لا يتأتى إلا عن طريق الشياطين، كأن يستغيث بهم، ويدعوهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، وينطق بكلمة الكفر من أجل رضاهم والاستمتاع بهم.
أو يعتقد نفعهم أو ضرهم بغير إذن الله، فهذان هما المقصودان عندنا في هذا الباب؛ لأنهما داخلان في شرك الربوبية، وهما شرك في قدرة الله الكاملة. وسيأتي توضيح ذلك بالتفصيل.
أو يدعي لنفسه ولشياطينه علم الغيب أو مشاركة الله في ذلك، فهذا شرك بالله في صفته العلم المحيط، وقد سبق بيانه.
أو يذبح لتلك الشياطين ونحوهم ويتقرب إليهم، فهذا شرك بالله في الألوهية والعبادة.
أو يهين ما أوجب الله تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره، فهذا كفر بالله جل شأنه.
والمقصود هنا: بيان هل وجد هذا النوع من الشرك (شرك الربوبية في صفة الله
стр. 470
عز وجل القدرة الكاملة الشاملة لكل شيء) في العرب في الجاهلية؟ وهل هذا شرك بالله في الربوبية؟ وكيف؟ .
أما الجواب عن الشق الأول: فالذي يتضح من تدبر كلام الله : أن ظاهرة السحر بأنواعه المختلفة كانت موجودة في غالب الأمم، كما دل عليه قوله تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).
يقول ابن تيمية: (اسم الساحر معروف في جميع الأمم).
فهذا يدل على أن السحرة كانوا موجودين في زمن النبي ﷺ ، كما يدل عليه أن المشركين كانوا يقولون للنبي ﷺ بأنه ساحر، يدل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) و (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ)، و (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)، و (وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، و (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا)، و (وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَّسْحُورًا)، و (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)، (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ)، و (قَالَ الَّذِينَ
стр. 471
كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)، و (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ)، و (إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)، و (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)، و (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ).
وكما يدل عليه قصة سحر النبي ﷺ له من قبل بعض أعدائه من اليهود.
فهذه كلها تدل صراحة على أن العرب كانوا عارفين عن السحر، وكان منهم سحرة.
وأما الجواب عن الشق الثاني: ـ وهو هل السحر من الشرك في الربوبية؟ وكيف؟ ـ فيجاب عنه باختصار:
أن بعض الأنواع من السحر لا يمكن أن يتعاطاها إلا بالشرك بالله جل وعلا، وذلك؛ إما بالاستعانة بهم، أو يدعوهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، وينطق بكلمة الكفر من أجل رضاهم والاستمتاع بهم، أو يعتقد أن الكواكب مدبرة لأمر هذا العالم، وإما باعتقاد نفعهم أو ضرهم بغير إذن الله.
стр. 472
فهذان الأمران شركان بالله في قدرة الله الكاملة، وهما شرك في الربوبية.
وإما أن يدعي لنفسه أو لشياطينه علم الغيب أو مشاركة الله في ذلك. فهذا شرك بالله في علمه بالغيب، وهو شرك في الربوبية.
وإما أن يوجه بعض أنواع العبادات إلى هؤلاء الشياطين، كالذبح لهم، والتقرب إليهم بالنذور، فهذا شرك بالله في عبادته.
ثم إن النبي ﷺ قرن السحر بالشرك، وفي بعض الأحاديث سماه شركًا، وحكم ﷺ بالكفر على من أتى ساحراً فصدقه، فكيف بالساحر؟ كما تبرأ النبي ﷺ من الساحر والمسحور.
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قالوا: يا رسول الله، ما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر ... )).
وقال ﷺ : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر)).
وقال أيضًا: ((من عقد ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه)).
стр. 473
وقال أيضًا: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك))؛ والتولة ضرب من السحر، قال الأصمعي: (هو الذي يحبب المرأة إلى زوجها).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (من أتى عرافاً، أو ساحراً، أو كاهنًا، فسأله فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ .
وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له ... )).
فهذه الأحاديث بمجموعها تدل على أن السحر شرك.
ومما يلحق بالسحر: النشرة.
وقد كانت النشرة موجودة في الجاهلية. وهي كما قال ابن الأثير: (ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من يظن أن به مسًا من الجن، سميت نشرة
стр. 474
لأنه ينشر بها عند ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال، قال الحسن: النشرة من السحر).
وقال ابن القيم: (النشرة حل السحر عن المسحور، وهو نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي كان في الجاهلية، ويعد من عمل الشيطان، وقد قال الرسول ﷺ : ((هي من عمل الشيطان)).
والثاني: النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية المباحة، فهذا جائز).
ومقصودنا في هذا الباب هو النوع الأول، فإنه سحر، وهو الذي كان موجودًا في الجاهلية، ولعل هذا هو السبب الذي قال لأجله من قال: (لا يحل السحر إلا ساحرًا)، فحكمها حكم السحر بالإجمال والتفصيل.
ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته القدرة الكاملة:
٥ - الطِيَرَة والتطير وما في معناها.
الطيرة: بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: اسم مصدر من تطير طيرة، كما يقال: تخير خيرة، وأصله: (التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشارع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر).
стр. 475
فهذه الطيرة شرك بالله جل وعلا في الربوبية، وذلك: بالإشراك في قدرة الله الكاملة، وقد قال ﷺ : ((الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك)) ثلاثًا. وقال أيضًا: ((من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك)).
وإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعًا، أو تدفع عنهم ضرًا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا بالله تعالى.
فثبت بهذه الأدلة على أنها شرك، وقد كانت هذه الظاهرة موجودة في الجاهلية، كما كانت في الأمم السابقة، والدليل على كونها موجودة في الجاهلية ما في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال لرسول الله ﷺ : ومنا أنا يتطيرون، قال: ((ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم)).
وقال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال له ابن عباس: (لا خير ولا شر). قال ابن القيم: فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر.
وخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل:
стр. 476
خير، فقال طاوس: وأي خير عن هذا؟ لا تصحبني.
وقد ذكر أصحاب الأخبار أيضًا تشاؤم العرب وتطيرهم بالطيور، وأن هذه الظاهرة كانت معروفة لديهم. حتى إن بعضهم كان يتشاءم من العطاس أيضًا.
ولا شك: أن هذا شرك بالله في قدرته الكاملة إذا كان اعتقاد المتطير أنها تؤثر بذاتها في جلب نفع أو دفع ضر، وأما إذا كان اعتقاده مجرد الالتفات إلى الأسباب، فهذا من قبيل الشرك الأصغر.
ومن الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد بإثبات صفات الله لبعض مخلوقاته:
ج- الشرك بإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم والحكم لغير الله؛ فإن من المعلوم أن الحُكم أو الحَكَم من صفات الله ، وهكذا التشريع والتحليل والتحريم، فقد قال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)، وقال: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، وقال ﷺ : ((إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكم)).
стр. 477
ولقد وقع مشركو العرب في هذا النوع من الشرك؛ والدليل عليه رد الله عليهم في كتابه، فمن ذلك (مع ما ذكر) قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)، وقوله تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا)، وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، وقوله: (وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ)، وقوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ)، وقوله: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ)، وقوله: (لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ)، وقال: (وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ)، وقال: (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ)، وقال: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا
стр. 478
حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)، وقال: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)، وغير ذلك من الآيات التي تدل صراحة على أنهم وقعوا في شرك التحليل والتحريم والتشريع لغير الله عزوجل.
كما أن هناك آيات تدل على أنهم وقعوا في شرك إعطاء حق الحكم والتحاكم لغير الله، فمن ذلك قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقوله: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً)، وقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ)، وقوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
стр. 479
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، فهذه آيات من القرآن الكريم تدل على أن مشركي العرب كان عندهم نوع من التحاكم إلى الطاغوت وقد نهاهم الله عن ذلك، بل ذكر ما يدل على أن الإيمان لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، ومنذلك (مع ما ذكر) قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا)، وقوله: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى
اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى).
ومن أصرح الأدلة على أن العرب كان عندهم نوع من التحاكم إلى غير الله: استقسامهم بالأزلام. قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال تعالى: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ).
والمقصود: أن هذا النوع من الشرك قد كان في العرب، وهو شرك بالله في الربوبية بالأنداد، وذلك بإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم والحكم والتحاكم لغير الله، وقد ذكر المفسرون في تفسير هذه الآيات من الأسباب ما يدل على أن العرب قد وقعوا في هذا الشرك؛ فمن ذلك قول الحافظ ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)، حيث قال: (ثم نهى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما
стр. 480
وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم)، وقال أيضًا: (والمقصود: أن عمرو بن لحي ـ لعنه الله ـ كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل، فاتبعه العرب في ذلك).
وقال في موضع آخر: (وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع لشرفه فيهم ومحلته عندهم وكرمه عليهم)، وقال: (وابتدعوا من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي ـ قبحه الله ـ مصلحة ورحمة بالدواب والأنعام، وهو كاذب مفتر في ذلك ... ).
وقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه من قول ابن عباس أنه قال: (إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام)، وفي هذه الآيات من التحليل والتحريم والتشريع من عند غير الله ما الله به عليم، ومن أراد البسط في ذلك فليرجع إلى تفسير ابن كثير وغيره.
فهذه بعض مظاهر الشرك بالله جل شأنه في بعض صفاته من حيث إثبات صفات الله جل وعلا المختصة به لبعض مخلوقاته.
ومن الشرك بالله جل شأنه في بعض صفاته: إثبات صفات المخلوق الناقصة لله ، ومن مظاهر هذا الشرك لدى العرب في جاهليتهم ما يلي:
стр. 481
١ - خرق البنات والبنين لله جل شأنه.
قال تعالى: (وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
وقال: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا).
وقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ).
وقال: (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ).
وقال: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).
وقال: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ).
وقال: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى).
وقال: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ).
وقال: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ).
стр. 482
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى).
وغيرها من الآيات، كلها تدل على أن مشركي العرب في الجاهلية كانوا يعتقدون في الملائكة أنهم بنات الله، كما كان هذا اعتقادهم في بعض الأصنام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما قوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)، فقيل: هو قولهم الملائكة بنات الله، ... وهو قول مجاهد وقتادة، وقيل: قالوا لحي من الملائكة يقال لهم الجن ومنهم إبليس وهم بنات الله ... وقوله: (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، قال بعض المفسرين كالثعلبي: وهم كفار العرب، قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله ... ).
ومن مظاهره أيضًا:
٢ - إثبات المصاهرة بين الله وبين الجنات.
قال تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ).
وقال في معرض الرد عليهم على لسان الجنات: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا).
стр. 483
وقال: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ).
قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير الآية: (جعل هؤلاء المشركون بين الله وبين الجنة نسباً، واختلف أهل التأويل في معنى النسب الذي أخبر الله عنهم أنهم جعلوه لله تعالى؛ فقال بعضهم: هو أنهم قالوا: إن الله وإبليس أخوان).
وقال قتادة: قالت اليهود: إن الله ﵎ تزوج إلى الجن، فخرج منهما الملائكة.
وقال في موضع آخر في تفسير قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ): يقول تعالى ذكره: تنزه الله وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه في ادعائهم له شركاء من الجن واختراقهم له بنين وبنات، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته؛ لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد، والذين تضطرهم لضعفهم الشهوات إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات، وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة ... ).
стр. 484
وقال ابن كثير: (قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن، وكذا قال قتادة وابن زيد).
ويروى عن ابن عباس أنه قال: (أنزلت هذه الآية في ثلاثة أحياء من قريش؛ سليم وخزاعة وجهينة. (وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً)، قال: قالوا: صاهر إلى كرام الجن).
فهذه بعض الروايات التي تدل على أن بعض العرب وقع في هذا النوع من الشرك، وأغلب هذه الروايات ضعيفة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض هذه الروايات، ففي بعض المواضع نقل شيخ الإسلام نسبة المصاهرة من مشركي العرب بدون تعقيب، ولكنه عقبه في موضع آخر بأن في صحتها نظر، فقال:
(وقال الكلبي: قالوا ـ لعنهم الله ـ: بل تزوج من الجن فخرج بينهما الملائكة ... وأما الذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن، فولدت له الملائكة؛ فقد نفاه الله عنه بامتناع الصاحبة، بامتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد، وقوله: (ولم تكن له صاحبة)، وهذا ... من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء في ذلك تولد الأعيان التي
стр. 485
تسمى الجواهر، وتولد الأعراض والصفات، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد، فإذا امتنع أن يكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له من الملائكة، ولا من الجن، ولا من الإنس، ولم يقل أحد منهم أن له صاحبة، فلهذا احتج بذلك عليهم، وما حكي عن بعض كفار العرب أنه صاهر الجن، فهذا فيه نظر، وذلك إن كان قد قيل، فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة).
فإن كانت هذه الروايات ثابتة يكون إثباتهم مثل هذه المصاهرة من الشرك بالله في الربوبية بإثبات صفات المخلوق الناقصة لله جل وعلا.
والمقصود: بيان كون العرب ـ بعضهم على فرض ثبوت الروايات في ذلك ـ قد أشركوا بالله في بعض صفاته من حيث إثبات صفات المخلوق الناقصة لله جل شأنه الكامل، وهو إلحاد وتنقيص وشرك، وقد سبق معنا إثبات كونه شركًا فيما سبق.
فهذه بعض مظاهر الشرك بالله جل وعلا في بعض خصائص الربوبية التي كانت لدى العرب في جاهليتهم، ولكن ـ كما أسلفنا ـ أن هذه المظاهر ما كانت بصفة عامة لدى جميع العرب، بل العرب كان أغلبهم شركهم في الجاهلية في العبادة والألوهية وفي المعاملة ـ سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية ـ على أنها تقربهم إلى الله زلفى، وعلى أنها تشفع لهم إلى الله يوم القيامة، أو تشفع لهم في قضاء حوائجهم أو في جلب نفع أو دفع ضر، وهي الصفة الغالبة لديهم في الجاهلية كما تدل عليها الآيات القرآنية ـ كما سيأتي ـ.
стр. 486
الفرع الثاني: شرك العبادة لدى العرب:
وفيه تمهيد وعنصران
أما التمهيد فيتضمن نقطتان:
النقطة الأولى: في بيان كون أغلب شرك العرب في العبادة:
من أبرز حقائق الشرك الجاهلي: اعتقاد المشركين بتعدد الآلهة دون إنكاره سبحانه أو اعتقاد الخالقية والرازقية والإحياء والإماتة وغيرها من أمور الربوبية لغيره سبحانه، فأغلبهم كانوا يقولون بتعدد الآلهة دون التخلي عن فكرة الإله الخالق للكون، وإنما هم أشركوا بعباته عبادة الآلهة الأخرى المتمثلة في الأوثان والأصنام على اختلافها وتنوعها، كما هي تتمثل أيضًا في بعض الأشجار والأحجار والأجرام السماوية، معتقدين أن هذه الأشياء المميزة إنما هي مكمن للقوى الخفية، وللأرواح الشريرة، وللشياطين التي تدخل في شئون الإنسان، وتسد عليه طريق تفكيره وسلوكه.
وفي القرآن الكريم وفي السنة المطهرة النبوية وفي التراث الجاهلي بشعره ونثره الكثير من الأدلة والشواهد المثبتة لمبدأ تعدد الآلهة دون التنكر لفكرة الله خالق هذا الوجود، ودون إثبات الرازقية والخالقية والإماتة والإحياء وتدبير الأمور وغيرها لغيره ، وسأذكر فيما يلي الأدلة على أن أغلب شرك العرب إنما كان في العبادة فحسب.
لقد نوع الله في كتابه الكريم الدلائل على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وإشراكهم في الألوهية.
النوع الأول من الدلائل على ذلك: استدلال الله واحتجاجه على مشركي العرب بإقرارهم بالخالقية والرازقية والإحياء والإماتة وتدبير
стр. 487
الأمور على أن الألوهية والعبادة محض حق خالص له سبحانه.
فمن هذه الآيات:
١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) إلى قوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
قال الطبري وابن كثير: (أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره).
٢ - قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ).
قال ابن كثير في هذه الآية: (يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانية ربوبيته على وحدانية ألوهيته ... أي فكيف تُصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء؟ ).
٣ - قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ).
قال ابن كثير: (أي أنتم تعلمون أن شركاءكم لا يقدرون على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلاّل من الغي إلى الرشد الله الذي لا إله إلا هو).
стр. 488
فإذا كانت الهداية والضلالة بيد الله باعترافكم فلماذا تعبدون غيره؟ وما الذي منعكم من إخلاص العبادة لله جل شأنه إذا كان لديكم الاعتراف بربوبيته؟ .
٤ - قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ).
قال ابن كثير: (يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو؛ لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها).
٥ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).
قال ابن كثير: (يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: من خلق السموات والأرض؟ (ليقولن خلقهن العزيز العليم)؛ أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد).
٦ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ).
قال ابن كثير: (أي ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره، من خلقهم؟ ليقولن: الله، أي هم يعترفون أنه الخالق الأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك).
٧ - وقوله تعالى: (قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)
стр. 489
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ).
قال ابن كثير: (يقرر ـ تعالى ـ وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك؛ ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال للرسول محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية: أنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا ولا يملكون شيئًا ولا يستبدون بشيء ... فقال: (قل لمن الأرض ومن فيها)؛ أي مَن مالكها الذي خلقها ومَن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات؟ (إن كنتم تعلمون، سيقولون لله)؛ أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك (قل أفلا تذكرون) أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره؛ (قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم) ... (سيقولون لله قل أفلا تتقون) أي إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟ ...
قال: وقوله: (فأنى تسحرون) أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك).
стр. 490
٨ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).
قال ابن كثير تحت هذه الآيات: (يقول تعالى مقررًا أنه لا إله إلا هو؛ لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم واختلاف أرزاقهم، ففاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلاً منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل في خلق الأشياء، المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن هو الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك ... ).
٩ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
قال ابن كثير في تفسير الآية: (يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السموات وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى: (قل الحمد لله) أي
стр. 491
إذا قامت عليكم الحجة باعترافكم).
١٠ - قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
قال ابن كثير: (يقول تعالى مقررًا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضًا كما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض ... إلا الله. فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره).
١١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
قال ابن كثير: (ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان).
١٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ).
وجه الاستدلال: تقريرهم بأن شركاءهم ما خلقوا شيئًا، كما هو واضح من الآية.
١٣ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
قال ابن كثير: (يعني المشركين، كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق
стр. 492
للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا).
فهذه بعض الآيات القرآنية التي تدل على أن أغلب المشركين كانوا يعترفون بربوبية الله جل شأنه وخالقيته ورازقيته، وينسبون تدبير أمورهم وشئونهم إلى الله سبحانه وحده، وهم مع هذا كانوا مشركين، فشركهم ليس إلا في العبادة.
النوع الثاني من الأدلة على ذلك: احتجاج الله جل وعلا على أحقيته بتوحيد العبادة بإقرار المشركين عن معبوديهم بأنها لا تملك النفع والضر لأحد فضلاً عن أن تملك كشف الضر عن أحد. وقد ذكره الله في آيات كثيرة، منها:
١ - قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا).
قال ابن كثير في تفسير الآية: (يقول الله تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية وفقال تعالى ... قل يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله ... أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا، أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، والله هو السميع العليم .. فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًا ولا نفعاً لغيره ولا لنفسه).
والمقصود: أن السؤال كان سؤال إنكار وتقرير.
٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
стр. 493
قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي إذا أتاكم هذا وهذا أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: (إن كنتم صادقين) أي: في اتخاذكم آلهة معه).
٣ - قوله تعالى: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا).
قال ابن كثير: (يقرر تعالى: أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها ... وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعًا ولا ضرًا ... فهل يستوي من عبد هذه الآلهة ومن عبد اللهه وحده لا شريك له فهو على نور من ربه).
٤ - قوله تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
قال الشوكاني: (أي أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر ... (أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته) عني بحيث لا تصل إلي، ... قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي ﷺ فسكتوا، وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئًا من قدر الله ولكنها تشفع، فنزل (قل حسبي الله) في جميع أموري في جلب النفع ودفع الضر ... ).
٥ - قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ).
стр. 494
قال الشوكاني: إن الكفار يعتقدون في معبوداتهم وأصنامهم أنها تنفعهم في غير كشف الضر والمصائب، وأما في هذه الحالة ـ أي حالة مسهم الضر في البحر ـ فإن كل واحد منهم يعلم علمًا لا يقدر على مدافعته: أن الأصنام ونحوها لا فعل لها.
فهذه الآيات كلها تدل على أن أغلب مشركي العرب كانوا يعترفون بأن الضر والنفع من الله، وأنه ليس لهم أي كاشف عن مصائبهم غير الله سبحانه، ومعلوم أن هذا من أمور الربوبية، ولكن مع هذا هم يشركون بالله، ليس إلا بالعبادة، فاحتج الله عليهم بهذا الاعتراف على ضرورة تفرده سبحانه وحده بالعبادة.
النوع الثالث: آيات من القرآن الكريم تصرح بالشركة: ومعلوم أن الشركة لا تكون إلا بوجود الاعتراف بمن يشرك به، وهو الله جل شأنه، وهذه الآيات وإن كانت تدل على الشركة في الألوهية والربوبية معًا إلا أن الأدلة الأخرى توضح بأنهم ما كانوا يشركون في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات ـ إلا عند شرذمة منهم كما مر ـ، وإنما كانوا يشركون في الألوهية وبعض خصائص الربوبية، فالشركة هنا ظاهرة في الشرك في الألوهية. فمن هذه الآيات:
١ - قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ).
стр. 495
فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون: بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون: إن معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد إن، وأكدت باللام، (فلفظ (مع) في الآية تدل على أنهم مقرون بربوبية الله وكذا بألوهيته، ولكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم، وجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة).
٢ - قوله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
قال الحافظ ابن كثير: (وعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودًا آخر).
والمعروف: أن فيه اعترافهم بالله مع شركهم به، فشركهم إنما هو بالعبادة والألوهية لا في الربوبية؛ بدليل اعترافهم بالشركة، والشركة ليست في الربوبية باتخاذ الأنداد، وإنما هي في الألوهية، وفي بعض خصائص الربوبية.
٣ - قال تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). قال الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره، وعبد معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك بالله لا برهان له؛ أي لا دليل له على قوله).
следующие страницы →