Полный текст (1 489 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
إذا قامت عليكم الحجة باعترافكم).
١٠ - قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
قال ابن كثير: (يقول تعالى مقررًا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضًا كما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض ... إلا الله. فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره).
١١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
قال ابن كثير: (ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان).
١٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ).
وجه الاستدلال: تقريرهم بأن شركاءهم ما خلقوا شيئًا، كما هو واضح من الآية.
١٣ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
قال ابن كثير: (يعني المشركين، كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق
стр. 492
للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا).
فهذه بعض الآيات القرآنية التي تدل على أن أغلب المشركين كانوا يعترفون بربوبية الله جل شأنه وخالقيته ورازقيته، وينسبون تدبير أمورهم وشئونهم إلى الله سبحانه وحده، وهم مع هذا كانوا مشركين، فشركهم ليس إلا في العبادة.
النوع الثاني من الأدلة على ذلك: احتجاج الله جل وعلا على أحقيته بتوحيد العبادة بإقرار المشركين عن معبوديهم بأنها لا تملك النفع والضر لأحد فضلاً عن أن تملك كشف الضر عن أحد. وقد ذكره الله في آيات كثيرة، منها:
١ - قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا).
قال ابن كثير في تفسير الآية: (يقول الله تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية وفقال تعالى ... قل يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله ... أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا، أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، والله هو السميع العليم .. فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًا ولا نفعاً لغيره ولا لنفسه).
والمقصود: أن السؤال كان سؤال إنكار وتقرير.
٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
стр. 493
قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي إذا أتاكم هذا وهذا أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: (إن كنتم صادقين) أي: في اتخاذكم آلهة معه).
٣ - قوله تعالى: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا).
قال ابن كثير: (يقرر تعالى: أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها ... وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعًا ولا ضرًا ... فهل يستوي من عبد هذه الآلهة ومن عبد اللهه وحده لا شريك له فهو على نور من ربه).
٤ - قوله تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
قال الشوكاني: (أي أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر ... (أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته) عني بحيث لا تصل إلي، ... قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي ﷺ فسكتوا، وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئًا من قدر الله ولكنها تشفع، فنزل (قل حسبي الله) في جميع أموري في جلب النفع ودفع الضر ... ).
٥ - قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ).
стр. 494
قال الشوكاني: إن الكفار يعتقدون في معبوداتهم وأصنامهم أنها تنفعهم في غير كشف الضر والمصائب، وأما في هذه الحالة ـ أي حالة مسهم الضر في البحر ـ فإن كل واحد منهم يعلم علمًا لا يقدر على مدافعته: أن الأصنام ونحوها لا فعل لها.
فهذه الآيات كلها تدل على أن أغلب مشركي العرب كانوا يعترفون بأن الضر والنفع من الله، وأنه ليس لهم أي كاشف عن مصائبهم غير الله سبحانه، ومعلوم أن هذا من أمور الربوبية، ولكن مع هذا هم يشركون بالله، ليس إلا بالعبادة، فاحتج الله عليهم بهذا الاعتراف على ضرورة تفرده سبحانه وحده بالعبادة.
النوع الثالث: آيات من القرآن الكريم تصرح بالشركة: ومعلوم أن الشركة لا تكون إلا بوجود الاعتراف بمن يشرك به، وهو الله جل شأنه، وهذه الآيات وإن كانت تدل على الشركة في الألوهية والربوبية معًا إلا أن الأدلة الأخرى توضح بأنهم ما كانوا يشركون في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات ـ إلا عند شرذمة منهم كما مر ـ، وإنما كانوا يشركون في الألوهية وبعض خصائص الربوبية، فالشركة هنا ظاهرة في الشرك في الألوهية. فمن هذه الآيات:
١ - قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ).
стр. 495
فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون: بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون: إن معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد إن، وأكدت باللام، (فلفظ (مع) في الآية تدل على أنهم مقرون بربوبية الله وكذا بألوهيته، ولكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم، وجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة).
٢ - قوله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
قال الحافظ ابن كثير: (وعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودًا آخر).
والمعروف: أن فيه اعترافهم بالله مع شركهم به، فشركهم إنما هو بالعبادة والألوهية لا في الربوبية؛ بدليل اعترافهم بالشركة، والشركة ليست في الربوبية باتخاذ الأنداد، وإنما هي في الألوهية، وفي بعض خصائص الربوبية.
٣ - قال تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). قال الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره، وعبد معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك بالله لا برهان له؛ أي لا دليل له على قوله).
стр. 496
٤ - قوله تعالى: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)، بعد قوله: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا). ومثل هذا قوله تعالى: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
قال الحافظ ابن كثير: (استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع يبين أنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، أي لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق والرازق المستقل بذلك، المنفرد به دون هؤلاء الأصنام والأنداد كما يعترف به هؤلاء المشركون).
ومن هذا الباب أيضًا:
٥ - قوله تعالى: (فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ).
٦ - قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ).
والآيات كثيرة، يذكر الله في كتابه ما يعتقده المشركون أن مع الله آلهة، فهم
стр. 497
مقرون بربوبية الله وأحديته فيها، ولكن يتخذون معه آلهة في العبادة.
النوع الرابع: آيات تدل على أن المشركين كانوا يقرون على أنفسهم بالشرك في العبادة: بل القرآن كله في مخاطبته للمشركين مضمن لهذا، ولفظ الشرك لا يكون في لسان إلا ومعناه إشراك شيئين في حكم، فهم مع اعترافهم بشركهم مقرون بربوبية الله ولكنهم أشركوا به في الإلهية، ومن هذه الآيات:
قوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ). وجه الدلالة: اعترافهم بالمشيئة لله فهو إقرار بالربوبية واعترافهم بالشرك ما هو إلا في الألوهية والعبادة.
النوع الخامس: إخباره تعالى عن هؤلاء المشركين الذين كذَّبوا رسول الله ﷺ وحاربوه وقلوه، أنهم لا يشركون إلا في الرخاء واليسر، لا في الشدة والكرب والعسر، فهم حين ذلك مخلصون لله وحده، لا يدعون سواه، ولا يتخذون وسائط.
وهذا النوع متعدد في القرآن الكريم العزيز، من ذلك ما يلي:
١ - قوله تعالى: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ).
٢ - قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)
стр. 498
٣ - قوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).
٤ - قوله تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ).
فالحق الذي لا محيد عنه هو الذي دل عليه القرآن من إقرار المشركين بالربوبية لله جل شأنه، وكذا بألوهيته، لكنهم أشركوا مبررين صنيعهم بتأويلات وشبهات باطلة، فإذا كانوا في حالة الرخاء أشركوا بالله، ولكن إذا كانوا على الشدة والكرب أخلصوا دينهم لله، وتركوا طلب الدعاء من غير الله، وتركوا الاستغاثة بغير الله، بل أخلصوا ذلك كله لله، ونسوا غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام والأنداد.
النوع السادس: ذكر الله عن المشركين أن عندهم نوع من إيمان بالله سبحانه، وأردف ذلك ببيان كونهم مشركين به، ومعلوم أن إيمانهم كان في توحيد الربوبية، وشركهم كان في توحيد الألوهية والعبادة. ومن ذلك:
قوله تعالى في آخر سورة يوسف: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ). يقول المفسرون من السلف والخلف: إيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا، وإشراكهم به هو جعلهم لله شريكًا في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له بالطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل، منهم ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعامر الشعبي، وقتادة وغيرهم.
فهذه دلالات القرآن على أن أغلب مشركي العرب كان شركهم في العبادة دون
стр. 499
الربوبية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون وكانوا يعبدون مع الله غيره ويحبونهم كما يحبونه فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم ... ).
وقال الإمام ابن القيم: (والإلهية التي دعت إليه الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية ... ).
الأدلة من السنة النبوية المطهرة على أن المشركين في الجاهلية كانوا يقرون بالربوبية، وأن غالب شركهم كان في الألوهية والعبادة: وهي كثيرة، وسأضرب بعض الأمثلة على ذلك:
١ - ما سبق معنا من قول النبي ﷺ : ((قد قد))، لمن سمعه يقول في تلبيته: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك ... ).
٢ - قوله ﷺ لحصين: ((كم تعبد؟ )) قال: سبعًا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: ((فإذا أصابك الضر من تدعو؟ )) قال: الذي في السماء ... .
الأدلة من أشعار العرب على أن أغلب شرك العرب كان في العبادة دون
стр. 500
الربوبية:
لعل من أبرز ما يدل على أن شركهم كان في العبادة ذكرهم آلهتهم في أشعارهم بالعبادة، وأنشادهم الأشعار في شأنهم، وتتمثل هذه المظاهر فيما يلي:
أ- تلبياتهم لبعض الأصنام؛ وفيها التصريح بالعبادة لهذه الأصنام بالحج والعمرة والطواف وغيرها، فمثلاً أن نزارًا كانت تقول إذا ما أهلت:
لبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك
إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك
وجاء في الأخبار: أن العرب كانت تحج الأقيصر، فيحلقون عنده رؤوسهم، وكان يلقون مع كل شعرة من شعورهم قرة من دقيق، وهم يسبحون ويهللون، وفي ذلك قال قائلهم:
فإنني والذي نغم الأنام له ... حول الأقيصر تسبيح وتهليل
كما جاء في أشعار العرب ذكر ذي الخلصة، وطواف دوس بهذا الصنم. فقد قال قائلهم:
يطيف بنصبهم حجن صغار ... فقد كانت حواجبهم تشيب
стр. 501
وكانت للعرب أحجار منصوبة يطوفون بها ويعترون عندها يسمونها الأنصاب ويسمون الطواف بها الدوار، وفي ذلك يقول قائلهم:
ألا يا ليت أخوالي غنيًا ... عليهم كلما أمسوا دوار
وهذه بعض أشعارهم في الطواف حول الأصنام والمعبودات، وحول بيوت الآلهة.
ب- ومن مظاهره أيضًا: ذبحهم للأصنام، وذكر ذلك في أشعارهم، فمن ذلك قول بعضهم:
أسوق بدني محقبًا أنصابي ... هل لي من قومي من أرباب
وقول الآخر منهم:
كأن العزى الفرد أجسد رأسه ... عتائر مظلوم الهدي المذبح
والعزى هنا هو الحجر الذي كان يذبح عنده للأصنام.
وقول الآخر منهم:
وأنصاب الأقيصر حين أضحت ... تسيل على مناكبها الدماء
وقول الآخر منهم:
تراهم حول قيلهم عكوفًا ... كما عكفت هذيل على سواع
تظل جنابه صرعى لديه ... عتائر من ذخائر كل راع
стр. 502
فهذه بعض أشعار العرب الدالة على أنهم كانوا يذبحون لأصنامهم، ومعروف أن الذبح لغير الله من الشرك بالله في الألوهية.
ج- ومن مظاهره أيضًا: الحلف بالآلهة، ومن الأشعار الدالة عليه ما روي عن بعضهم:
حلفت بأنصاب الأقيصر جاهدًا ... وما سحقت فيه المقاديم والقمل
وقول الآخر منهم:
حلفت غطيف لا تنهنه سربها ... وحلفت بالأنصاب أن لا يرعدوا
ومثل هذا كثير في أشعارهم، ولعل من أبرزها ما كانت تقوله قريش:
وباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبر
د- ومن مظاهره أيضًا: ذكرهم بعض الأشعار التي تدل على أنهم إنما يطلبون من هذه الأصنام الشفاعة، فمن ذلك ما كانت قريش تقول عندما تطوف الكعبة:
واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيق العلى
وإن شفاعتهم لترتجى.
فهذه بعض أشعار العرب الدالة على أن شرك العرب في الغالب كان في العبادة، وهم في ذلك مقرون بالله جل شأنه ـ بالربوبية حتى وبالألوهية أيضًا ـ، ولكن الذي يفقدهم هو إفراده سبحانه بالعبادة.
ولكن ما الذي جرهم إلى عدم إفراد العبادة؟ وما الذي حملهم على عبادة غير الله تعالى إذا كانوا يقرون بالله ربًا وخالقًا ورازقًا ومعبودًا؟ هذا ما سيأتي بيانه فيما يلي:
стр. 503
النقطة الثانية: في بيان كون شرك العرب في الجاهلية في الحقيقة باتخاذ المعبودات زلفى:
كانت فلسفة العرب في عبادة غير الله وإيمانهم بهذه الآلهة وتكريمهم لها إنما هو من أجل التقرب إلى الله والتشفع بها عنده ليس إلا.
وقد ذكر الله أصل هذا الشرك والدافع إليه عند المشركين في الجاهلية بأن الذي تقرر في قلوب المشركين ـ المتقدمين والمتأخرين ـ أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله ـ تعالى ـ برفع حوائجهم إليه والشفاعة عندهم، فقال تعالى:
١ - (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).
قال الطبري: (يقول تعالى: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى ـ قربة ومنزلة ـ، وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا ...
قال مجاهد: قريش تقوله للأوثان، ومن قبلهم يقوله للملائكة، ولعيسى بن مريم ولعزير).
فعلم بهذا: أن قوله تعالى: (ما نعبدهم) الآية من قول المشركين لآلهتهم، وقد جاء هذا مصرحًا في قراءة عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ حيث إنه قرأ: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
стр. 504
زُلْفَى) والقراءة وإن كانت شاذة إلا أنها تصلح تفسيرًا للآية على أشهر أقوال المفسرين، كما أن هذه قراءة سعيد بن المسيب أيضًا من التابعين.
وقال ابن كثير في تفسير الآية: (ثم أخبر عن عباد الأصنام من المشركين: أنهم يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)؛ أي إنما يحملهم على عبادتهم لها أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين ـ في زعمهم ـ فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، ... قال قتادة والسدي وزيد بن أسلم وابن زيد: إلا ليقربونا إلى الله زلفى: أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة).
وقال الشوكاني: (والضمير في (نعبدهم) راجع إلى الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة وعيسى والأصنام، وهم المرادون بالأولياء، والمراد بقولهم (إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الشفاعة كما حكاه الواحدي عن المفسرين).
وقال الرازي في تفسير الآية: (وتقدير الكلام: والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وعلى هذا التقدير فخبر (والذين) محذوف وهو قوله: (يقولون)، واعلم أن الضمير في قوله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) عائد على الأشياء التي عُبدت من دون الله، وهي قسمان: العقلاء، وغير العقلاء.
أما العقلاء: فهو أن قومًا عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة، وكثير من
стр. 505
الناس يعبدون الشمي والقمر والنجوم، ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة.
وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول: الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، ... ويمكن أن يقال: إن العاقل لا يعبد الأصنام من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صورًا لها ... ).
وقال صاحب محاسن التأويل: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) أي بالمحبة والتقرب والتوسل بهم إلى الله ـ تعالى ـ (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) أي يقولون ذلك احتجاجًا على ضلالهم (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي عند حشر معبوداتهم معهم فيقرن كلاً منهم مع من يتولاه من عابد ومعبود، ويدخل المبطل النار مع المبطلين، كما يدخل المحق الجنة مع المحقين).
والمقصود: أن الله بين سبب عبادة المشركين لآلهتهم بيانًا شافيًا بأن شرك العرب كان بدافع التقرب والواسطة إلى الله جل وعلا، ولكن كان هذا
стр. 506
نتيجة الغلو في المخلوقات ورفعها فوق منزلتها، كما سيأتي في بيان أسباب الشرك. وإنما المقصود هنا بيان الآيات التي تدل على أن شرك العرب كان بدافع التقرب إلى الله جل وعلا بهؤلاء المعبودات، وقد نقلت في تفسير هذه الآية أقوال المفسرين من المأثور والرأي. وقد ذكر الله هذه الحقيقة في عدة أيات من القرآن الكريم غير ما ذكرت، وسأورد بعضًا منها فيما يلي دون الإشارة إلى تفسيرها اكتفاء بما ذكر في الآية الأولى، وبما هو مدون في كتب التفسير، فمن هذه الآيات:
٢ - قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
٣ - قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا).
٤ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ).
٥ - قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
٦ - قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ
стр. 507
ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جمع [في هذه الآية] بين الشرك والشفاعة).
إذن حقيقة الشرك في العرب: اتخاذ واسطة بين المخلوق والخالق. فعبادتهم لغير الله وإيمانهم بهذه الآلهة وتكريمهم لها إنما هو من أجل التقرب إلى الله والتشفع بها عنده.
قال الشهرستاني في الملل والنحل في بيان شرك العرب: (وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب، إلا شرذمة منهم ... ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السموات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب:
منهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين.
ومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر.
ومنهم من جعلها لأجل الجن.
ومنهم من جعلها لأجل الملائكة ... ).
стр. 508
وقال في موضع آخر: (فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها، ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة).
وقال أيضًا: (وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة آخرين مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه).
وقال ابن أبي العز: (ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم في الهند والترك والبربر وغيرهم؛ تارة يعتقدون: أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب ... ـ إلى أن قال: ـ ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب، واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها، وشرك قوم إبراهيم ﵇ كان ـ فيما يقال ـ من هذا الباب. وكذلك الشرك بالملائكة والجن، واتخاذ الأصنام لهم، وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع ... ولكن اتخذوا هذه الوسائط شفعاء ... ).
وقال الآلوسي: (وكانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله تعالى،
стр. 509
والتقرب إليه، ولكن بطرق مختلفة.
فرقة قالت: ليس لنا أهلية لعبادة الله تعالى بلا واسطة؛ لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه ...
وفرقة قالت: الملائكة ذوو جاه ومنزلة عند الله، فاتخذنا أصنامًا على هيئة الملائكة ليقربونا إلى الله.
وفرقة قالت: جعلنا الأصنام قبلة لنا في عبادة الله تعالى كما أن الكعبة قبلة في عبادته.
وفرقة اعتقدت: أن على كل صنم شيطانًا موكلاً بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلا أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله ... ).
والمقصود: بيان أن المشركين إنما أشركوا بالله تعالى شرك الشفاعة والتوسل إلى الله تعالى بعبادة الصالحين، حيث ظنوا أنهم لا يمكنهم الوصول إلى الله تعالى مباشرة إلا بواسطة الصالحين الذين لهم مكانة عند الله، وأن الله تعالى لا يرد شفاعتهم لمنزلتهم عنده، وكانوا يقيسون الله على ملوك الدنيا، فزعموا أنه كما لا يمكن الوصول إلى الملك إلا بواسطة حواشيه وندمائه، هكذا لا يمكن الوصول إلى الله تعالى مباشرة إلا بواسطة عباد الله المقربين عنده.
وعلى هذا الأساس صوروا لهم الصور ونحتوا لهم التماثيل تذكارًا لهم، وجعلوها قبلة للتوجه إلى هؤلاء الصالحين المقربين، فكانوا على هذا الأساس يدعونهم ويستغيثون بهم في المهمات، وينذرون لهم، ويعبدونهم بأنواع العبادات.
стр. 510
وهذه الوسائط لدى العرب لما كانت تنقسم إلى ما هو عاقل وما هو غير عاقل، وإلى ما هو سماوي وما هو أرضي، فإنني سأذكرها بالتفصيل في العنصرين الآتيين:
العنصر الأول: في بيان شرك العرب بعبادة الآلهة السماوية:
فهذه الأدلة بعضها تعقل وبعضها لا تعقل.
أما ما كانوا يعبدون من الآلهة السماوية من العقلاء فمثلاً: عبادة الملائكة.
فقد ثبت من النصوص الشرعية وروايات التاريخ: أن من العرب من كان يعبد الملائكة. قال الله : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ).
قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء الكفار بالله جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدونكم من دوننا؟ فتتبرأ منهم الملائكة، (قَالُوا سُبْحَانَكَ) ربنا تنزيهًا لك وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء من الشركاء والأنداد (أنت ولينا من دونهم) لا نتخذ ولياً من دونك (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) ... قال قتادة: ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم
стр. 511
كانوا يعبدون؟ استفهام كقوله لعيسى: (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ ... ).
وقال ابن كثير: (يخبر الله تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: (أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ... ).
وقال الماوردي في تفسير الآية: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) يعني المشركين ومن عبدوه من الملائكة (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) وهذا السؤال للملائكة تقرير وليس باستفهام، وإن خرج مخرج الاستفهام ... ).
وقال جل شأنه في آية أخرى في شأن عبادة المشركين للملائكة والأنبياء وغيرهم: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا).
قال الطبري في تفسير الآية: (يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة العابدين الأوثان وما يعبدون من دون الله من الملائكة
стр. 512
والإنس والجن. كما حدثني ... عن مجاهد في قول الله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فنقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء؟ قال: عيسى، وعزير والملائكة ... ).
وقال الماوردي: (قوله: (وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال مجاهد: هم عيسى وعزير والملائكة، وقوله: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ) هذا تقرير لإكذاب من ادعى ذلك عليهم وإن خرج مخرج الاستفهام، وفيمن يقال له ذلك قولان:
أحدهما: أنه يقال للملائكة، قاله الحسن.
الثاني: لعيسى وعزير والملائكة، قاله مجاهد).
وقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبراً عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم، فقال: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله). قال مجاهد: هم عيسى والعزير والملائكة ... ).
والمقصود: بيان أن من مشركي العرب من كان يعبد الملائكة وذلك بتصويرهم كما صور لهم الشياطين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمة الله عليه ـ: (وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن، فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ
стр. 513
أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)، والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات، ولا يرضون بذلك ... ).
وقال ابن القيم: (ومن تلاعبه ـ أي الشيطان ـ بهم: أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم، ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين، فعبدوا أقبح خلق الله وأحقهم باللعن والذم ... ).
أما المعبودات السماوية التي لا تعقل فهذه كثيرة، منها:
عبادة الكواكب، وهي على قسمين:
١ - عبادة الأجرام الكبرى؛ وهي الشمس والقمر والزهرة.
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
قد رأى بعض العلماء: (أن عبادة أهل الجاهلية هي عبادة الكواكب في الأصل، وأن أسماء الأصنام والآلهة وإن تعددت وكثرت، إلا أنها ترجع كلها إلى ثالوث سماوي، هو الشمس والقمر والزهرة، وهو رمز لعائلة صغيرة، تتألف من أب هو القمر، ومن أم هي الشمس، ومن ابن هو الزهرة، وذهبوا إلى أن أكثر أسماء الآلهة هي في الواقع نعوت لها، وهي من قبيل ما يقال له: الأسماء الحسنى لله في الإسلام).
стр. 514
ولسنا بصدد تحقيق هذا القول، ولكن الصحيح أنه قد لفت الجرمان السماوية: الشمس والقمر نظر الإنسان إليهما بصورة خاصة، لما أدرك فيهما من أثر في الإنسان وفي طباعه وعمله، وفي الجو الذي يعيش فيه، وفي حياة زرعه وحيوانه، وفي تكوين ليله ونهاره والفصول التي تمر عليه، فتوصل بعقله يوم ذاك إلى أنه نفسه، وكل ما يحيط به، من فعل هذين الجرمين ومن أثر أجرام أخرى أقل شأنًا منهما عليه، فنسب إليهما نموه وتكوينه وبرئه وسقمه، وحياة زرعه وماشيته، ورسخ في عقله أنه إن تقرب وتعبد لهما، ولبقية الأجرام، فإنه سيرضيها، وستغدق عليه بالنعم والسعادة والمال والبركة في البنين، فصار من ثم عابد كوكب.
وهذه الأجرام السماوية الثلاثة هي الأجرام البارزة الظاهرة التي بهرت نظر الإنسان ولاسيما الشمس والقمر، والزهرة وإن كانت غير بارزة بروز الشمس والقمر، غير أنها ظاهرة واضحة مؤثرة بالقياس على بقية الأجرام، ذات مظهر جذاب، ولون باهر خلاب، وقد يكون هذا المظهر الجميل الأخاذ هو الذي جعلها ابنًا للشمس والقمر في أساطير العرب الجنوبيين.
ولكن الصحيح الذي لا مرية فيه أن هذه الآلهة لا تحتل نفس المركز في ديانة العرب الشماليين، بل كان التأثر لها عند الشماليين أقل من الجنوبيين، كما هو ظاهر، ولكن ما زال هناك من العرب الشماليين الساميين من مال إلى الانبهار بها وإلى اعتبارها آلهة تستحق التقدير والعبادة والتقديس، وهذا الأمر
стр. 515
كان لدى العرب من أقدم العصور.
ويبدو أن عبادة الكواكب جاءت إلى العرب عن طريق الصابئة وبقايا الكلدان الذين تأثر العرب بهم مثلما تأثروا من قبلهم بالفرس والهند والترك والصين واليونان.
حتى الآلهة الأرضية ـ كما سيأتي ـ ونعني بها الأصنام، فإنها ما كانت ـ حسبما تذهب بعض المصادر ـ إلا تمثيلاً لما علاها وعلاهم من الجواهر العلوية والأجسام السماوية التي هي سبعة من الأشخاص الفلكية الرئيسة المؤلفة من الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، وأخر من ذوات التأثير في العالم الأرضي.
والمقصود: أن أصل عبادة الكواكب جاءت إلى العرب من الصابئة قوم إبراهيم، قال الإمام ابن القيم: (وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قوم إبراهيم ﵇ الذين ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه، وهو مذهب قديم في العالم، وأهله طوائف شتى، فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة لها نقس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك، فيستحق التعظيم، والسجود والدعاء ... ).
فعلم من هذه النصوص أن عرب الجنوب غالبًا وعرب الشمال ـ لدى
стр. 516
بعض منهم ـ كان لديهم الشرك بعبادة الكواكب من الأجرام السماوية الكبرى كالشمس والقمر، والزهرة، ولهذا نهى الله جل وعلا هؤلاء الجاهليين أن لا يوجهوا بعبادتهم ـ السجدة ـ إليها، فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
قال ابن جرير الطبري: (لا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم فإنما يجريان بها لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما، لا بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما، أو يستطيعان لكم نفعًا أو ضرًا، وإنما الله مسخرهم لكم لمنافعكم ومصالحكم، فله فاسجدوا، وإياه فاعبدوا دونهما، فإنه إن شاء طمس ضوءهما فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلاً ولا تبصرون شيئًا ... ).
فالآية بينت أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله كالليل والنهار التي يستدل بهما على عبادته وحده دون سواه، كذلك دلت على بطلان عبادتهما من دون الله، وقد بين الله ـ تعالى ـ بطلان عبادة جميع المخلوقات سوى الله ـ تعالى ـ قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ... ).
فأخبرنا تعالى بأن جميع الأشياء في هذا الكون ـ من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب وكثير من الناس ـ خاضعة لله مطيعة له، كلها عبد لديه، مفتقرة إليه، فلا يصح عبادة شيء منها ألبتة.
стр. 517
قال ابن كثير: (يخبر ـ تعالى ـ أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ فإنه يسجد له لعظمته كل شيء طوعًا وكرهًا).
٢ - عبادة الأجرام الأخرى:
عبد بعض أهل الجاهلية أجرامًا سماوية أخرى، وتقربوا إليها بالنذور والصلوات، ففي كتب الأخباريين:
أ- أن طائفة من تميم عبدت (الدبران)، وأن (العيوق) في زعمهم (عانق الدبران لما ساق إلى الثريا مهراً، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجمًا، فهو يتبعها أبدًا خاطباً لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص).
ب- وفي كتبهم أيضًا: أن بعض قبائل لخم وحمير وقريش عبدوا (الشعرى العبور)، وأن أول من سن ذلك لهم، وأدخل تلك العبادة إليهم (أبو كبشة). وهو (جزء بن غالب بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي)، أو (وجز بن غالب)، أحد أجداد النبي ﷺ من قبل أمهاته، خالف قريشًا في عبادة الأصنام وعبد الشعرى العبور، وكان (وجز) يقول: إن الشعرى تقطع السماء عرضًا، فلا أرى في السماء شيئًا، شمسًا ولا قمرًا ولا نجمًا، يقطع السماء عرضًا، والعرب تسمي الشعرى العبور؛ لأنها تعبر السماء عرضًا.
والعرب تظن أن أحدًا لا يعمل شيئًا إلا بعرق ينزعه شبهه، فلما خالف رسول الله ﷺ دين قريش، قالت قريش: نزعه أبو كبشة، لأن أبا كبشة خالف
стр. 518
الناس في عبادة الشعرى، وكانوا ينسبون رسول الله ﷺ إليه، وكان أبو كبشة سيدًا في خزاعة، ولم يعيروا رسول الله ﷺ به من تقصير كان فيه، ولكنهم أرادوا أن يشبهوه بخلاف أبي كبشة، فيقولون: (خالف كما خالف أبو كبشة).
وذكر القرطبي: (أن أول من عبد الشعرى (أبو كبشة أحد أجداد النبي ﷺ من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي ﷺ : ابن أبي كبشة، حين دعا إلى الله وخالف أديانهم، وقالوا: ما لقينا من ابن أبي كبشة! .
وقال أبو سفيان يوم الفتح، وقد وقف في بعض المضايق وعساكر رسول الله ﷺ تمر عليه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة)، وقال أيضًا أبو سفيان هذه المقالة عندما خرج من عند هرقل، لما سأل هرقل عير قريش عن أمر النبي ﷺ وظهوره.
وقد ذكر الله في سورة النجم هذا الكوكب بمعرض الرد على الكفار في كونه مربوبًا لا ربًا، فقال: (وأنه هو رب الشعرى).
قال الطبري في تفسير الآية: (يقول تعالى ذكره: وأن ربك يا محمد هو رب الشعرى؛ يعني بالشعرى النجم الذي يسمى هذا الاسم، وهو نجم كان بعض أهل الجاهلية يعبده من دون الله ... ).
стр. 519
عن ابن عباس ﵁ قال: هو الكوب الذي يدعى الشعرى، وعن مجاهد قال: الكوكب الذي خلق الجوزاء كانوا يعبدونه، وعنه: أنه كان يعبد في الجاهلية، وعن قتادة قال: كان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يقال له: الشعرى، وعن ابن زيد قال: كانت تعبد في الجاهلية، فقال: تعبدون هذه وتتركون ربها، اعبدوا ربها وقال: الشعرى: النجم الوقاد الذي يتبع الجوزاء يقال له المرزم.
وقال القرطبي: (الشعرى: الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، وهما الشعريان: العبور التي في الجوزاء، والشعرى الغميصاء التي في الذراع، وتزعم العرب أنهما أختا سهيل، وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان ربًا لغيره؛ لأن العرب كانت تعبده، فأعلمهم الله جل وعز أن الشعرى مربوب وليس برب ... ).
وقال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له مرزم الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه).
والمقصود: بيان أن طائفة من العرب كانت تعبد الشعرى، حتى قال القرطبي: (قد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم).
ج- ويذكرون أيضًا: (أن بعض طيئ عبدوا (الثريا)، وهي عدة كواكب مجتمعة)، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن (النجم) المذكور في سورة
стр. 520
النجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى): الثريا، والعرب كانت تسمى الثريا نجمًا. وقال بعض آخر: (إن النجم هاهنا هو الزهرة؛ لأن قومًا من العرب كانوا يعبدونها). (وقد سبق الإشارة إلى كونها معبودة).
د- ويذكرون أيضًا: (أن بعض قبائل ربيعة عبدوا (المرزم) كمِنْبَر. والمرزمان: نجمان مع الشعريين، والرزم بمعنى الجمع، ورزم الشتاء رزمة برد وبه سمي نوء المرزم، ويقال: إن أحد المرزمين يتبع الشعرى العبور، والآخر هو الكوكب الأخفى من كوكبي الذراع المبسوطة ... ).
هـ- ونسب إلى بني جرهم وجذام ولخم أنهم سجدوا للمشتري، وإلى أسد أنها عبدت عطارد، وإلى بعض طيئ أنها عبدت سهيلاً.
و- وعبد بعض الجاهليين (المريخ)، واتخذوه إلهًا، كما عبد غيرهم (زحل).
وأخيراً فإننا نكتفي بهذا القدر من بيان عبادة العرب الأجرام السماوية من الكواكب التي لا تعقل ولا تعلم عن عابيها شيئًا، والآن نبدأ في بيان المعبودات الأرضية سواء كانت مما تعقل أو كانت مما لا تعقل.
стр. 521
العنصر الثاني: في بيان شرك العرب بعبادة الآلهة الأرضية:
المراد بالعنوان: كل ما عبد من دون الله جل وعلا من الأشياء الموجودة على ظهر الأرض سواء كانت تعقل أو لا تعقل.
فمن المعبودات الأرضية التي تعقل ما يلي:
١ - عبادة الجن: جاء في الأخبار وفي التفاسير: أن جماعة من العرب أشركوا عبادة الجن والشياطين مع عبادة الله، ولقد جاء في كتاب الأصنام لابن الكلبي: أن (بني مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، وأن فيهم نزلت الآية: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)، وهؤلاء هم شرذمة قليلون من أهل البوادي، قد حكى الله عنهم بقوله: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً) أي كبرًا وعتوًا وغيًا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم؛ فإن الرجل كان إذا أمسى بقفر قال: (أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه).
وقال تعالى: (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ).
وقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) هؤلاء الشركاء لله، أي: جماعة الجن هم
стр. 522
الذين كانوا يزينون للمشركين قتل أولادهم ووأدهم أحياء خشية إملاق وتجنب العار، وهذا ما جاء في تفسير الآية الكريمة (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ).
وقال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
وقال أيضًا: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ)؛ يعني: قد أكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.
قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: أضللتهم منهم كثيرًا، فيجيبه ـ سبحانه ـ أولياؤهم من الإنس بقولهم: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)؛ يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر، فاستمتع الجن بالإنس طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به من الكفر والفسوق والعصيان، فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مناهم. واستمتاع الإنس بالجن: أنهم أعانوهم على معصية الله والشرك به بكل ما يقدرون عليه من التحسين والتزيين والدعاء وقضاء كثير من حوائجهم واستخدمهم بالسحر والعزائم وغيرها، فإطاعتهم الإنس فيما يرضيهم من الشرك والفواحش والفجور، وإطاعتهم
стр. 523
الجن فيما يرضيهم من التأثيرات والإخبار ببعض المغيبات، فتمتع كل من الفريقين بالآخر.
وقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).
قال الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: (ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا). وفي رواية: (كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم).
فهذه الآيات تدل على أن بعض المشركين كانوا يعبدون الجنات، وقبل أن نبين كيفية عبادتهم من قبل بني آدم يحسن بنا أن نعرف بأن جميع الجنات من أبناء إبليس؛ فالمردة منهم الشياطين، وهناك فئة تؤمن بالله جل وعلا، وبذلك يكونون من عباد الله الناجين من النار، بخلاف من هم من المردة فإنهم لا يؤمنون أبدًا، فهؤلاء هم الذين يرضون بعبادة الناس لهم.
وعبادة الناس لهؤلاء الشياطين تتمثل في شيئين اثنين، هما:
الأول: الاستعاذة بهم خوفًا من مكرهم، كما كان يفعل ذلك بعض الجاهليين، فإن الاستعاذة من العبادة، قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
стр. 524
الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ). وقد رأينا فيما سبق كيف كان بعض الجاهليين يستعيذون ببعض الجنات.
الثاني: طاعتهم في أوامرهم، حيث تعد هذه الطاعة من شرك الطاعة، قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).
قال الحافظ ابن كثير: (أي حيث عدلتم من أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك).
وقال أيضًا: (ويوم يحشرهم جميعًا يعني الجن وأولياؤهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم، ويطيعون ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ... قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعلمت الإنس، ... وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم ... ).
وقال في موضع آخر: (وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ). هذا رد على المشركين الذي عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته، أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة ... فإن قيل: فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك ... ).
стр. 525
والمقصود: بيان أن بعض الجاهليين كان يعبد الجنات من دون الله ويشركونها مع الله في العبادة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
٢ - عبادة الإنس من عباد الله الصالحين والأنبياء والمرسلين:
وقد سبق معنا في شرك الأمم السابقة أن أصل الشرك وبدايته كان من الغلو في الصالحين وتعظيمهم فوق ما ينبغي، ولكن هل وجد مثل هذا النمط من الشرك في الجاهلية لدى العرب؟ موضع يحتاج إلى نظر دقيق في بعض المعبودات لدى العرب، فمن هذه المعبودت مثلاً وجود أصنام قوم نوح في العرب، فإنها ما وجدت إلا لاعتقادهم فيها أنها تماثيل عباد الله الصالحين وصورهم، وإلا فمجرد حجارة أو خشب ليس هو المقصود بالذات ألبتة.
روى الإمام البخاري في صحيحه: عن ابن عباس ﵁ قال: (صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لهمذان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين من قوم نوح ... ). وقد سبق بيان كون هؤلاء من عباد الله الصالحين في بيان شرك الأمم.
ولعل من أصرح الأدلة على كون بعض هؤلاء المشركين يعبدون البشر المعظمين من عباد الله الصالحين قصة عبادة اللات على ما حكاه الأخباريون. فقد جاء في حقيقة اللات عدة أقوال، منها:
стр. 526
١ - (أنه كان إنسانًا من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها، وأن يبنوا عليها بنيانًا يسمى اللات).
٢ - إنه في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل، يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول.
٣ - إنها سميت باللات لأن عمرو بن لحي كان يلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة.
٤ - كانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق.
٥ - وذكر في بعض التفاسير: أن هناك رواية تزعم أن حجر اللات كان على صورة ذلك الرجل الذي قبر تحته، وهو الذي كان يلت السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
٦ - إن اللات كان يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق.
فنحن نرى: أن اللات إنسان في الأصل مات، وكان يخدم الأصنام فيتقدم إليها بلت السويق ويعطيه الناس، أو كان رجلاً صالحًا يلت السويق للحجاج القادمين للبيت الحرام، فلما توفي دفن في موضعه الذي كان يلت السويق
стр. 527
عنده، ثم اتخذ قبره مزارًا، كما اتخذت قبور أخرى مزارات ينحر عندها، ويتبرك بها الناس. وليس هذا إلا ما نقول له: عبادة الصالحين من البشر المعظمين.
ولعل ما هو أصرح من ذلك ما نجد في أخبار فتح مكة أن الرسول ﷺ حينما دخل الكعبة رأى فيها صور الأنبياء والملائكة، فأمر بها فمحيت.
والمقصود: بيان وجود هذا النوع من الشرك في العرب في الجاهلية.
وأما المعبودات الأرضية التي لا تعقل فهي كثيرة: وسأذكر أبرزها فيما يلي:
١ - عبادة الأشجار والنيران والقبور والأسلاف والحيوانات:
أما عبادة الأشجار: فقد وجد ثمة من المشركين من عبد الأشجار ولاسيما ما كان منها قديم العهد، نائبًا عن مواطن الشجر؛ حيث التفرد والوحشة وما يبعث على الخشية، فالعبادة على أنها مسكن للأرواح والأشباح، ومن هذه الأشجار ما يلي:
أ- شجرة نجران: فأهل نجران على ما ذكر ابن هشام: عبدوا نخلة طويلة كانت بين ظهرانيهم، وكانوا قد جعلوا لها في كل سنة عيدًا، إذ كانوا يأتون إليها معتكفين، فيعلقون عليها كل ثوب حسن وجدوه، وكل حلي من حلي النساء. ظلت هذه الشجرة يخصونها بالعبادة والتقديس إلى أن سخر عليها الله ريحًا
стр. 528
اجتثتها من فوق الأرض، وذلك تلبية لدعوة أحد العباد الصالحين من أتباع المسيح عيسى ﵇، ويقال: إن هذا هو سبب تنصر أهل نجران.
ب- ذات أنواط: وقد تحدثنا الكتب أيضًا عن ذات أنواط، وهي شجرة عظيمة ملتفة الأوراق، متشابكة الأغصان، كانت بالقرب من مكة، وكان يأتيها كفار قريش ومن جاورهم من الأعراب في كل سنة مرة فيعلقون عليها ويذبحون، ولقد نسب إلى ابن عباس قوله: (إن المشركين كانوا إذا ما فرغوا من حجهم البيت حجوا إليها أيضًا، فيضعون زادهم ويعلقون أسلحتهم عندها، ثم يدخلون إلى حرمها بغير زاد، تعظيمًا لهذه الشجرة).
ولقد ذكروا أن رسول الله ﷺ وهو في طريقه إلى حنين، مر بهذه الشجرة المسماة بذات أنواط، فطلب إليه رهط من أصحابه وفيهم أبو واقد الحارث بن عوف أن يجعل لهم ذات أنواط محاكاة لها، فقد روى أحمد والترمذي والطبري والطبراني وغيرهم عن أبي واقد الحارث بن عوف الليثي قال: خرجنا مع رسول الله إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة،
стр. 529
فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : ((الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتركبن سنن من كان قبلكم)).
فالرواية صريحة في أن المشركين كانوا يتعلقون بهذه الأشجار، فكانوا يعبدونها، إذ لا معنى للتعليق إلا عبادتها، ولكن ما هي ذات أنواط؟ قال ابن الأثير: (هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونها بها، ويعكفون حولها، وأنواط جمع نوط، وهي مصدر سمي به المنوط).
وأنواع العبادات التي كانوا يوجهونها لها هي: التعليق بها، وتعليق سيوفهم بها، والعكوف حولها، والذبح عندها، والتبرك بها والتعظيم لها.
وقد جاء في رواية أخرى: (كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله).
стр. 530
والمقصود: بيان كون هذه الشجرة مما كانت تعبد من دون الله.
ج- العزى: قال ابن حجر الطبري ـ رحمة الله عليه ـ: (كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة ـ بين مكة والطائف ـ كانت قريش يعظمونها). كما قال أبو سفيان يوم أحد: (لنا العزى ولا عزى لكم)، فقال رسول الله ﷺ : ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)).
وقد جاء في بعض الروايات أنه: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها ... ).
فهذه العزى أصلا شجرة ذات سمرات ثلاث، وقد عبدها المشركون.
أما عبادة النيران: فأصل هذه العبادة من المجوس، ولكنها تعود إلى عبادة الأفلاك والكواكب باعتبارها أقرب الأجسام المرئية إلى الله، وباعتبار أنها حية ناطقة، وأن ما يحدث في العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب بأمر الله، ولما كانت الكواكب تختفي نهارًا وفي بعض أوقات الليل، فإنهم جعلوا لها أصنامًا وبيوتًا وهياكل سموها بأسماء الكواكب السبعة بما فيها الشمس والقمر، ولما كانت النار تشبه بضوئها ضوء الشمس والكواكب،
следующие страницы →