← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

١ - (أنه كان إنسانًا من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها، وأن يبنوا عليها بنيانًا يسمى اللات). ٢ - إنه في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل، يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول. ٣ - إنها سميت باللات لأن عمرو بن لحي كان يلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة. ٤ - كانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق. ٥ - وذكر في بعض التفاسير: أن هناك رواية تزعم أن حجر اللات كان على صورة ذلك الرجل الذي قبر تحته، وهو الذي كان يلت السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. ٦ - إن اللات كان يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق. فنحن نرى: أن اللات إنسان في الأصل مات، وكان يخدم الأصنام فيتقدم إليها بلت السويق ويعطيه الناس، أو كان رجلاً صالحًا يلت السويق للحجاج القادمين للبيت الحرام، فلما توفي دفن في موضعه الذي كان يلت السويق

стр. 527

عنده، ثم اتخذ قبره مزارًا، كما اتخذت قبور أخرى مزارات ينحر عندها، ويتبرك بها الناس. وليس هذا إلا ما نقول له: عبادة الصالحين من البشر المعظمين. ولعل ما هو أصرح من ذلك ما نجد في أخبار فتح مكة أن الرسول ﷺ حينما دخل الكعبة رأى فيها صور الأنبياء والملائكة، فأمر بها فمحيت. والمقصود: بيان وجود هذا النوع من الشرك في العرب في الجاهلية. وأما المعبودات الأرضية التي لا تعقل فهي كثيرة: وسأذكر أبرزها فيما يلي: ١ - عبادة الأشجار والنيران والقبور والأسلاف والحيوانات: أما عبادة الأشجار: فقد وجد ثمة من المشركين من عبد الأشجار ولاسيما ما كان منها قديم العهد، نائبًا عن مواطن الشجر؛ حيث التفرد والوحشة وما يبعث على الخشية، فالعبادة على أنها مسكن للأرواح والأشباح، ومن هذه الأشجار ما يلي: أ- شجرة نجران: فأهل نجران على ما ذكر ابن هشام: عبدوا نخلة طويلة كانت بين ظهرانيهم، وكانوا قد جعلوا لها في كل سنة عيدًا، إذ كانوا يأتون إليها معتكفين، فيعلقون عليها كل ثوب حسن وجدوه، وكل حلي من حلي النساء. ظلت هذه الشجرة يخصونها بالعبادة والتقديس إلى أن سخر عليها الله ريحًا

стр. 528

اجتثتها من فوق الأرض، وذلك تلبية لدعوة أحد العباد الصالحين من أتباع المسيح عيسى ﵇، ويقال: إن هذا هو سبب تنصر أهل نجران. ب- ذات أنواط: وقد تحدثنا الكتب أيضًا عن ذات أنواط، وهي شجرة عظيمة ملتفة الأوراق، متشابكة الأغصان، كانت بالقرب من مكة، وكان يأتيها كفار قريش ومن جاورهم من الأعراب في كل سنة مرة فيعلقون عليها ويذبحون، ولقد نسب إلى ابن عباس قوله: (إن المشركين كانوا إذا ما فرغوا من حجهم البيت حجوا إليها أيضًا، فيضعون زادهم ويعلقون أسلحتهم عندها، ثم يدخلون إلى حرمها بغير زاد، تعظيمًا لهذه الشجرة). ولقد ذكروا أن رسول الله ﷺ وهو في طريقه إلى حنين، مر بهذه الشجرة المسماة بذات أنواط، فطلب إليه رهط من أصحابه وفيهم أبو واقد الحارث بن عوف أن يجعل لهم ذات أنواط محاكاة لها، فقد روى أحمد والترمذي والطبري والطبراني وغيرهم عن أبي واقد الحارث بن عوف الليثي قال: خرجنا مع رسول الله إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة،

стр. 529

فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : ((الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتركبن سنن من كان قبلكم)). فالرواية صريحة في أن المشركين كانوا يتعلقون بهذه الأشجار، فكانوا يعبدونها، إذ لا معنى للتعليق إلا عبادتها، ولكن ما هي ذات أنواط؟ قال ابن الأثير: (هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونها بها، ويعكفون حولها، وأنواط جمع نوط، وهي مصدر سمي به المنوط). وأنواع العبادات التي كانوا يوجهونها لها هي: التعليق بها، وتعليق سيوفهم بها، والعكوف حولها، والذبح عندها، والتبرك بها والتعظيم لها. وقد جاء في رواية أخرى: (كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله).

стр. 530

والمقصود: بيان كون هذه الشجرة مما كانت تعبد من دون الله. ج- العزى: قال ابن حجر الطبري ـ رحمة الله عليه ـ: (كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة ـ بين مكة والطائف ـ كانت قريش يعظمونها). كما قال أبو سفيان يوم أحد: (لنا العزى ولا عزى لكم)، فقال رسول الله ﷺ : ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)). وقد جاء في بعض الروايات أنه: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها ... ). فهذه العزى أصلا شجرة ذات سمرات ثلاث، وقد عبدها المشركون. أما عبادة النيران: فأصل هذه العبادة من المجوس، ولكنها تعود إلى عبادة الأفلاك والكواكب باعتبارها أقرب الأجسام المرئية إلى الله، وباعتبار أنها حية ناطقة، وأن ما يحدث في العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب بأمر الله، ولما كانت الكواكب تختفي نهارًا وفي بعض أوقات الليل، فإنهم جعلوا لها أصنامًا وبيوتًا وهياكل سموها بأسماء الكواكب السبعة بما فيها الشمس والقمر، ولما كانت النار تشبه بضوئها ضوء الشمس والكواكب،

стр. 531

فإنهم عظموها تعظيمهم للشمس والكواكب، ويقال: إن ذلك كان زمن جم ملك الفرس. وهذا هو أصل عبادة النيران، كما هو عند معظم الأمم الوثنية، وعند الصابئة الذين عرفت بعضهم جزيرة العرب، وهذا بدوره انتقل تأثيره إلى بعض القبائل العربية التي حدثتنا عنها كتب الرواية، بأنها عبدت النار وقدستها، من ذلك: ١ - قال ابن قتيبة في المعارف: (وكانت المجوسية في تميم، منهم زرارة بن عدس التميمي وابن حاجب بن زرارة ... ومنهم الأقرع بن حابس كان مجوسيًا، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان كان مجوسيًا). ٢ - قال الآلوسي: (وصنف منهم ـ من العرب ـ عبدوا النار، وهم أشتات من العرب، وكان ذلك سرى إليهم من الفرس والمجوس ... ). ٣ - قال ابن القيم: (ومن تلاعبه وكيده: ما تلاعب بعباد النار، حتى اتخذوها إلهًا معبودة). ثم إن لنا في النار التي تحدثنا عنها كتب الرواية أدل دليل على وقوع بعض العرب في عبادة النيران، فقد ذكر أهل الأخبار روايات عن نار عظيمة متنقلة كانت قد ظهرت في الجزيرة العربية فأضلت العرب وكادت تفتنهم وتؤدي بهم إلى المجوسية، لولا أن قيض الله لهم رجلاً منهم يدعى خالد بن سنان العبسي، فأخذ هراوة ثم شد على النار وهو يقول: (أبدًا أبدًا، كل هوى مود إلى الله

стр. 532

الأعلى، لأدخلنها وهي تتلظى). فانطفأت النار كأن لم تكن. وقد جاء في وصف هذه النار بأنها كانت تحكم بين النار، فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم، وهي النار التي تحاكم إليها تبع ملك اليمن وقوم حمير ... . ولكن مع خمود هذه النار فقد تأثر بها جماعة من العرب، حيث بقيت هذه العبادة في عرب تميم وما جاورها، وفي البحرين وعمان، ومن الأدلة على ذلك، وعلى تقديسهم النار: نار الحلف وحلفهم بالرماد والنار وفي نار الاستمطار أو الاستسقاء، ونار المهول وسواها من النيران، لنا فيها جميعًا ما يفيد أو يشير على الأقل إلى شيوع هذه العبادة الأرضية عند العرب في الجاهلية. أما عبادة القبور والأسلاف: فقد وجد من العرب من كان يعبدها ولا سيما قبر السيد المطاع في قومه، قد يتحول إلى حرم مقدس وإلى مقر للعبادة، تنال عنده البركة والشفاعة، فيقيمون عنده ويعكفون وينحرون، وللقبر مكانة سامية عند الجاهليين، هذا إذا كان صاحب القبر سيد القوم وأميرهم، أو كان من الصلحاء المعروفين لديهم، إذ كنت تجدهم يرفعون فوقه القبة فيحتمي إليه الخائفون والعائذون. ولعل من أبرز هذه المظاهر: ١ - قبر حاتم طيئ: الذي غدا مقر الضيفان وملاذ التائهين في الجاهلية، وقد وصفه بعضهم بقوله: (رأيت قبر حاتم الطائي ببقة أو ببيعة، وإذا قدر

стр. 533

عظيمة من بقايا قدور مكفأة في ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس، وعن يمين القبر أربع جوار من حجارة، وعلى يساره أربع جوار من حجارة، كلهن صاحبة شعر منشور، محتجرات على قبره كالنائحات عليه ... ). وجاء في الأخبار: أن طيئًا كانت تزعم أنه لم ينزل بقبر حاتم أحدًا قط إلا قراه، فها هو أبو البختري ـ كما ذكروا ـ (مر في نفر من قومه بقبر حاتم طيء، فنزلوا قريباً منه، فبات أبو البختري يناديه: يا أبا الجعد أقرنا). ٢ - على إحدى التفسيرات الماضية للات، كان أحد من يلت السويق للحاج، فلما مات صوروه وعكفوا على قبره فعبدوه. ٣ - وكالذي كان من أمر ضريح (تميم بن مر) جد (تميم)، فإنهم اتخذوا قبره مزارًا وملاذًا وحمى يحتمون به. ثم إن لنا أن نستنتج من أمر النبي ﷺ بتسوية القبور ونهيه عن اتخاذها مساجد ومواضع للصلاة أن الجاهليين كانوا يعبدون أرواح أصحاب هذه القبور ويتقربون إليها. وأما على القول الراجح في أصنام قوم نوح وأصنام الجاهلية بأنها ما كانت إلا عبادًا صالحين أو المقربين من عباد الله فليس عبادة هذه الأشياء إلا تصويرها

стр. 534

وإضافة التقديس لها، وليس هذا إلا نوع من عبادة القبور. أما عبادة الحيوانات: فقد عبدها بعض أهل الجاهلية، فمن ذلك: ١ - ما ورد من أن جماعة الشاعر (زيد الخيل) وهم من طيء كانوا يتعبدون لجمل أسود. ٢ - ورد أن قومًا من البحرين عرفوا بـ (الأسبذين) كانوا يعبدون الخيل. وذكر عنهم بأنهم قوم من المجوس، كمانوا مسلحة لحصن المشقر من أرض البحرين. ٣ - ورد أيضًا أن بعض القبائل مثل (إياد) كانت تتبرك بالناقة. ومهما يكن من أمر هذه العبادة التي تتخذ مظهرًا فلكيًا أو أرضيًا يتعلق بالأشجار والنيران والقبور والأسلاف والحيوانات وسواها، فإنه مما لا شك فيه، أن المظهر الأرضي المتعلق بالتماثيل والأصنام وسواها من الأوثان هو الأبرز على صعيد الشرك الجاهلي، فما هي هذه الآلهة الأرضية المعبودة؟ وما الفرق بين الصنم والوثن والتماثيل؟ هذا ما يأتي بيانه فيما يلي:

стр. 535

٢ - عبادة الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل المؤلهة من دون الله: قبل أن ندخل في بيان عبادتها وعبادها يحسن بنا أن نتعرف على معنى هذه الألفاظ ومدلولاتها، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. اختلفت عبارات المحققين في تحديد معاني هذه الكلمات. فأما الأنصاب والتماثيل فلفظان عامان: فقالوا في الأنصاب: (هو ما كان من حجارة منصوبة أمام الحرم وغير الحرم ثم طيف به). قال ابن الكلبي: (ومن العرب من لم يقدر على اتخاذ صنم، ولا اتخاذ بيت، فكان ينصب حجراً أمام الحرم، وأمام غيره مما استحسن، ثم يطوف به كطوافه بالبيت، وهذه الحجارة هي الأنصاب). فكانوا يطوفون به ويذبحون عنده فيحمر بالدم، قال تعالى: (وما ذبح على النصب). قال ابن كثير: (قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح يشرحون اللحم ويضعونه على النصب ... ). والآيات والأحاديث

стр. 536

تدل كلها على هذا المعنى. فعلمنا: أن الأنصاب عمومًا: هي الأحجار التي كان المشركون يعكفون عليها، ويذبحون عندها. وأما التماثيل: فجمع تمثال، قال ابن منظور: التمثال هو الصورة، وهو اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله تعالى، وهو مأخوذ من مثلث الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ومثل له الشيء وصوره حتى كأنه ينظر إليه. قال تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ). قال ابن كثير: (التماثيل: الصور). والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، كلها تدل على هذا المعنى. فعرفنا بهذه الأدلة: أن التماثيل هي التي كانت على صورة معينة لشيء ما. أما الأوثان والأصنام: فاختلفت عبارات أهل اللغة والمعاجم والمفسرين في تحديد معناهما على أقوال: ١ - لا فرق بينهما، فإن الصنم معرب شمن، أي الوثن نفسه، وقال الطبري: إن الصنم والوثن شيء واحد وإن اختلفت التسمية.

стр. 537

٢ - وقيل إن بينهما فرقًا، ثم اختلفوا في تحديد هذا الفرق على سبعة أقوال متباينة، ولا يمكن ترجيح بعض هذه الأقوال بالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، ولا بالنظر إلى استعمالات معاجم اللغة، ولكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أنهما إذا افترقا اتحدا، وإذا اجتمعا اختلفا، وتحديد الخلاف عند اجتماعهما يكون على اعتبارات. ومهما تكن من فرق بين الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل في المادة والهيئة، فغرض الوثنيين منها واحد وهو عبادتها من دون الله ـ تعالى ـ على أي كيفية كانت، وعلى أي صورة وجدت، ولقد انتشرت عبادة الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل بين الجاهليين من العرب انتشاراً هائلاً، ولقد اعتنى العلماء ببيان أوثانهم وأصنامهم اهتماماً بالغاً، ولعل أبرز من كتب في هذا الموضوع ابن إسحاق في سيرته، ولكنه لم يوف الموضوع حقه؛ إذ كان جل اهتمامه في بيان السيرة النبوية. وجاء بعده ابن الكلبي وكتب كتابًا جامعًا وسماه بكتاب الأصنام، اهتم بذكر أغلب هذه المعبودات الأرضية التي لا تعقل عن عابديها شيئًا، ثم ذيله بعض المتأخرين بتكملة، فجاء الكتاب حافلاً بأغلبها والتي فاتها ابن الكلبي.

стр. 538

ولعل من أحسن ما كتب فيه من المتأخرين كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي حيث توسع فيه أيما توسع، وذكر كل ما ذكر في كتب المعاجم وكتب أحوال العرب، فأجاد وأفاد. وفيما يلي سأشير إلى بعض هذه المعبودات وعابديها بإيجاز. سبق معنا ذكر بعض الأصنام وعابديها في ذكر أول من روج الشرك في العرب، فقد ذكرنا منها: ١ - اللات بالطائف: وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى. وهي التي ذكرها الله في القرآن فقال: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى). ٢ - العزى: وكان الذي اتخذه ظالم بن أسعد، وكانت بواد من نخلة الشامية، وكانت العرب وقريش تسمي بها (عبد العزى)، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح، وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وكانوا يقولون: بنات الله وهن يشفعن إليه ... وكانت قريش قد حمت لها شعبًا من وادي حراض يقال له سقام، يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر ينحرون فيه هداياها، يقال له الغبغب، فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها. وكانت قريش تخصها بالإعظام.

стр. 539

٣ - مناة: وهي أقدم الأصنام عند ابن الكلبي، وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية الشمال بقديد بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعًا تعظمه وتذبح حوله، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل بالمدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون به ويهدون له، ولم يكن أحد أشد إعظامًا له من الأوس والخزرج، فكانوا يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوه فحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده، لا يرون لحجهم تماماً إلا بذلك. ومناة هذا هي التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن فقال: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، وكانت لهذيل وخزاعة، وكانت قريش وجميع العرب تعظمه أيضًا. ٤ - سواع: وكان لهم برهاط من أرض ينبع. وقد سبق بيانه بأنه مما نشره عمرو بن لحي في أحياء العرب. وكانت سدنته بنو لحيان. ٥ - ود: وكان لكلب بدومة الجندل. ٦ - يغوث: وكان لمذحج وأهل حرش. ٧ - يعوق: وكان لخيوان، وبقرية يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين، مما يلي مكة. ٨ - نسر: وكان لحمير، فعبدوه بأرض يقال لها بلخع. فهذه أصنام قوم نوح وجدت في العرب في جاهليتهم. وقد بينا كيفية بدء

стр. 540

عبادتها في جزيرة العرب فيما سبق. ٩ - إساف ونائلة: صنمان من أصنام قريش، حيث يقال إنهما جاءا لطواف بيت الله، فهمّا أن يفجرا في الحرم فمسخا حجرين فوضعا عند الكعبة، ثم أخرجا منها فنصبا على الصفا والمروة مقابل البيت من أجل أن يتعظ بهما الناس، ويكونا عبرة لكل معتبر، فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، وصارا صنمين يعبدان فيما يعبد من أصنام. وقد ذكرنا أن الذي حولهما صنمين هو عمرو بن لحي حيث راح يدعو الناس إلى عبادتهما، وجاء بعده قصي بن كلاب فحول هذين الصنمين عن موضعهما، وصار يذبح عندهما في المكان الذي فيه بئر زمزم، وعلى أثر ذلك راح الناس يطوفون بإساف ونائلة بادئين بالأول ومنتهين بنائلة، ثم كانوا بعد ذلك يحلقون رؤوسهم عندهما، ويهدون إليهما النذور ويذبحون العتائر بإزائهما في المكان الذي يقال له الحطيم. وقيل: إن إسافًا ونائلة صنمان قديمان في البيت، عبدا منذ القدم، ولا يصح قول من قال: إن إسافًا فجر بنائلة أو هم بالفجور، كما قيل، ولكنه مخالف لما روته عائشة، وقد سبق بيانه. وقد وصف الأزرقي هذين الصنمين فقال: إنهما كانا يرتديان ثوبًا، فإذا ما

стр. 541

بليت هذه الثياب خلعوا عليهما ثياباً غيرها، وذكر أيضًا: أن الحائض والنفساء لم يكن بمقدورهن التمسح بهما ما داما هكذا. ١٠ - مجاود الريح ومطعم الطير: وهما من الأصنام التي نصبها عمرو بن لحي ـ كما سبق بيانه ـ، وكانا على الصفا والمروة مقابل الكعبة. ١١ - الأصنام السبعة التي كانت في منى، وقد سبق بيانه. ١٢ - هبل: وهو أعظم أصنام قريش، كان موضعه في جوف الكعبة، وقيل على ظهرها، وقيل على البئر المحاذية لها إذ كان يجمع عنده ما يهدى للكعبة. وهو من العقيق الأحمر المصنوع على هيئة الإنسان، ويحكى أنه كان مكسور اليد فجعلت قريش له يدًا من ذهب. ويقال: إن أول من نصبه في الكعبة رجل يقال له خزيمة، ويقال: إن عمرو بن لحي الذي حمل بقية الأصنام السابقة هو الذي حمله من مدينة البلقاء أو من هيت بأرض الجزيرة، فنصبه على البئر التي في بطن الكعبة، ثم أمر الناس بعبادته، فكان الرجل منهم إذا قدم من سفره بدأ به طوافه بالبيت، ثم حلق رأسه عنده. وكانوا يستقسمون عنده بالأزلام ويضربون عنده بالقداح للوصول إلى نتيجة؛ ما طلبًا واستفسارًا لحكم الغيب. وهذا التقدير لهبل من قريش خاصة إنما كان من أجل التقرب إليه والتبرك

стр. 542

به، ومن أجل التماس الشفاعة والدعاء. ١٣ - ذو الخلصة: قيل: إن أول من نصبه من العرب باسفل مكة عمرو بن لحي، وأن المشركين كانوا (يلبسونه القديد، ويهدون إليه الحنطة والشعير، ويصبون عليه اللبن ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام). وقال ابن الكلبي: (كان مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، وكان بتبالة، بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة، وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة وأزد السراة، ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن). فهذه بعض أسماء الأصنام والأوثان والتماثيل والأنصاب المعبودة لدى العرب من دون الله جل وعلا من الآلهة الأرضية، ولا شك أن هذه المعبودات الأرضية كانت أكثر بكثير مما ذكرته هاهنا، فقد ذكرها المعتنون بتاريخ العرب قبل الإسلام وأصحاب المعاجم كابن إسحاق وابن الكلبي وابن هشام، وأبو الفرج الأصفهاني، والأزرقي، وياقوت الحموي، وابن الأثير، وابن كثير، وابن منظور، والفيروز آبادي، والزبيدي، والنويري، والآلوسي، وجواد علي، وغيرهم. وإنما المقصود هنا ذكر بعض النماذج من هذه الأصنام الأرضية. ولكن مع استقصاء المعتنين بتأريخ العرب قبل الإسلام ذكر الأصنام والأوثان، والمعبودات الأرضية، لابد أن يفوتهم الكثير منها، فإن المعروف من تأريخ العرب أنه كان لكل قبيلة عربية تقريبًا، ولأهل كل دار، صنم عبدوه،

стр. 543

(فإذا أراد الرجل منهم سفرًا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله). هذا ما ذكره أصحاب السيرة. ويؤيده ما جاء في صحيح البخاري بأنه (لما فتح رسول الله ﷺ مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل يطعن بعود في يده ويقول: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). وهي تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت). ٣ - عبادة بيوت الأصنام من دون الله : والمقصود ببيوت الأصنام تلك الأماكن التي كانت تضم بعضًا من آلهة العرب المعبودة من أصنام وتماثيل، وسواها من الأوثان والأنصاب، بحيث إنها مهوى أفئدة المشركين ومحجتهم التي إليها ينظرون، وكانوا يوجهون إليها أنواعًا من العبادات كالطواف والعكوف والذبح والنذر والنحر وغيرها. وكان يشرف عليها حجبة وسدنة، وكانوا يهدون إليها أنواعًا من الهدايا الجميلة والتحف الثمينة. ولا شك أن توجيههم أنواعًا من العبادات لهذه البيوت سواء كان للأصنام الموجودة في داخلها أو كان للبيوت وحدها ـ كما كان هناك بعض البيوت تعظم لذاتها ـ كل هذا داخل في الشرك بالله جل وعلا؛

стр. 544

لأنه صرف أنواع من العبادة لغير الله جل شأنه، ولهذا سمى الرسول ﷺ بعض هذه البيوت بالطاغية. وهذه البيوت هي كالتالي: ١ - كعبة نجران: وهي الكعبة التي كانت لبني الحارث كعب بنجران في بلاد اليمن. قال ابن الكلبي: (وكان لبني الحارث بن كعب كعبة بنجران يعظمونها). ٢ - كعبة سنداد: قال ابن الكلبي: (وكان لإياد كعبة أخرى بسنداد، من أرض بين الكوفة والبصرة في الظَّهر). ثم استدرك ابن الكلبي فقال: (وقد سمعت أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة، وإنما كان منزلاً شريفاً). أي إنما هو مجرد قصر بين الحيرة والأبلة، كانت تحج إليه إياد. ٣ - القليس: الذي بناه أبرهة الأشرم باليمن ـ بصنعاء ـ بالرخام وجيد الخشب، وكتب إلى ملك الحبشة (إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن قبلها أحد قط، ولست تاركًا العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجون إليه). فهذا البيت وإن كان العرب ـ خصوصًا عرب الشمال ـ لم يعترفوا به إلا أن عرب اليمن ـ عرب الجنوب ـ قد لقي عند بعضهم القبول، فلذا ذكرته هاهنا. ٤ - رُضاء أو رُضى: وهو بيت لبني ربيعة بن كعب من تميم، وكان من البيوت المعظمة لدى بعض العرب.

стр. 545

٥ - رئام: وهو بيت لحمير بصنعاء، وكانوا ينحرون عنده ويكلمون منه. أما تسميته بهذا الاسم فقد تكون مشتقة من رأم الأنثى لولدها، إذ كانوا يأتونه ليلتمسوا منه الرحمة، ولينالوا البركة والشفاعة. ٦ - ذو الخلصة: وهو بيت من بيوت الشرك المعروفة عند البعض، وإن كان صنمًا عند البعض الآخر، ومنهم ابن الكلبي، وكان لدوس وخثعم وبجيلة ومن والهم من العرب بتبالة إلى الجنوب من مكة مسيرة سبع ليال. وقد رجح الأزرقي: أنه بيت كان يدعى الكعبة اليمانية، كما رجحه ياقوت الحموي في معجم البلدان. ٧ - بيت الربة: أو بيت الشمس: وكانوا وقفوا له الكثير من الضياع والما، وكانوا يأتونه كلما مالت الشمس إلى المغيب أو أخذت الزوال، وكانوا يحجون إليه صائمين، فيصلون عنده ويتشفعون، وكان سدنتها بني أوس من تميم. ٨ - بسّ: بيت لغطفان، بناه ظالم بن أسعد لما رأى قريشًا تطوف بالكعبة، وتسعى بين الصفا والمرة فذرع البيت، ثم أخذ حجرًا من الصفا وحجرًا آخر

стр. 546

من المروة، ورجع إلى قومه فبنى بيتًا على قدر البيت، ووضع الحجرين قائلاً: (هذين الصفا والمروة، فاجتزوا بهما عن الحج). ٩ - السعيدة: قيل: إنه بيت في أحد، كانت تحج إليه العرب في جاهليتها. ١٠ - بيت العزى: قيل أن بعض العرب كانوا قد حجوا إليها وطافوا بها وأهدوا لها، وخصّوها بالنذور والأموال لكونه من البيوت المعظمة. ١١ - بيت اللات: كما كانت ثقيف تعتبرها قبلة لهم، ويفهم هذا من مصالحتهم لأبرهة الأشرم لما جاء لهدم الكعبة. فتلك بعض معبودات المشركين التي تم جمعها تحت هذا المبحث. ونخلص مما تقدم ذكره: بأن أصل شرك العبادة إنما هو من قبيل طلب التقرب إلى الله جل شأنه بعبادة هذه المعبودات، وذلك نتيجة قياس الخالق سبحانه على المخلوق. فإن المشركين زعموا بعقولهم الفاسدة أن ملوك الدنيا لا يتوصل إليهم إلا بالوجهاء والشفعاء والوزراء الذين يرفعون إليهم حوائج رعاياهم ويطلبون لهم عطفهم، فيكون ذلك تمهيدًا للأمر المطلوب منهم، فظن المشركون أن الله ـ تعالى ـ كذلك، وهذا سوء ظن بالله ـ جل شأنه ـ، وهو من أفسد الأقيسة في العالم، كما سيأتي بيان ذلك في الباب الرابع بمشيئة الله جل وعلا عندما نورد شرك هذه الأمة في الأنداد والعبادة، وعند بيان الشبهات لمشركي زماننا، فإن نفس هذه الشبهة موجودة برمتها لدى القبوريين من هذه الأمة.

стр. 547

المطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم: العرب قبل الإسلام وجهوا جميع أنواع العبادات ـ التي عرفوها بأنها عبادة ـ إلى غير الله جل شأنه، فمن هذه العبادات: العبادات العملية، ومن مظاهرها الكثيرة ما يلي: ١ - الصلاة والصيام ـ حسب اعتقادهم وأهوائهم ـ لهؤلاء الأصنام، وقد سبق معنا ذكر بيت الربة، وكيف كانوا يأتون إليه عند مغيب الشمس، وكيف يأتون إليه وهم صائمون. ٢ - السجود: وهذه كانت ظاهرة عامة لدى مشركي العرب، فكانوا يسجدون لأصنامهم. ٣ - الحج: وقد سبق بيان حجهم لأصنامهم، ولبعض البيوت المعظمة. ٤ - الذبح: وقد بينا أيضًا أن أغلب هؤلاء المشركين كانوا يذبحون وينحرون عند هذه الأصنام والأوثان المعبودة من دون الله. ٥ - النذر: كما سبق أن بينا: أن المشركين كانوا ينذرون لأصنامهم كما كانوا ينذرون لله، ولكن سرعان ما يحتالون في وفاء نذر الله ـ تعالى ـ، وقد بين بعض هذه الحيل في كتب السير والتأريخ.

стр. 548

٦ - بذل الأموال للأصنام: سواء كانت من النقدية أو غير النقدية من عين أو متاع، وذلك على سبيل الهدية والهبة، أو على سبيل الوفاء بنذر ما، وقد زاد مشركو عرب الجنوب ضريبة معينة، هي العشر مما يكسبه تاجر الطيوب من فضل مال أو أرباح. ومن هذه العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم: العبادات القولية: ومن مظاهر هذه العبادات القولية: التلبية لهذه الأصنام، فكان لكل صنم تلبية معينة كما يحكيه المعتنون بتاريخ العرب قبل الإسلام. كما كان العرب يوجهون العبادات القلبية لغير الله سبحانه، بل هذا هو أصل شركهم، فكانوا يصرفون التعظيم والدعاء والاستغاثة والاستعاذة وغيرها إلى غير الله، كما كانوا يخافون ويرجون ويحبون معبوداتهم مثل حب الله أو أشد منه، ودلائل هذا القول مبسوطة في القرآن العظيم والأحاديث النبوية. المطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم إذا نظرنا إلى عبادة المشركين لهذه المعبودات ترى أنها تتصف بالآتي: أولاً: البساطة والسذاجة: وأبرز الأدلة على أن اعتقاداتهم تجاه هذه المعبودات كانت بسيطة

стр. 549

وساذجة عبادة أحجار لا تنفع ولا تضر، فعقيدتهم غير ثابتة الأركان ولا تقوم على أساس واضح من أسس الأيدلوجية الواعية، وإنما هي مجرد عقيدة بدائية تنسجم إلى حد بعيد مع حياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية البعيدة عن التخصص والتقدم والعمق والشمول. بل أغلب هذه الاعتقادات كانت نتيجة عاطفة شخص أو قبيلة تجاه فلسفة معينة في أشياء معينة، وفيما يلي بيان لما قلناه، فمثلاً: قضية عبادة الأحجار: فإن بدء عبادة الأحجار كانت نتيجة عاطفة بعض أولاد إسماعيل تجاه أراضي مكة وآثارها، قال ابن الكلبي: (إن إسماعيل ﵇ لما سكن مكة وولد بها أولادًا فكثروا، حتى ملئوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحينما حلوا وضعوه وطافوا به، كطوافهم للبيت؛ حبًا للبيت وصبابة به، ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وغيره، فعبدوا الأوثان ... ). وقال ابن الكلبي في موضع آخر: (واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت، نصب حجرًا أمام الحرم وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت ... فكان الرجل إذا سافر منزلاً، أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها

стр. 550

فاتخذه ربًا، وجعل ثلاث أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلاً آخر، فعل مثل ذلك، فكانوا ينحرون ويذبحون عندها ويتقربون إليها ... وكان الذي يفعلون من ذلك في أسفارهم إنما هو للاقتداء منهم بما يفعلون عندها لصبابة بها). وفي رواية أخرى قال أبو رجاء العطاردي: (لما بعث النبي ﷺ فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار، قال: وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به)، وقال أبو رجاء أيضًا: (كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانًا ثم نلقيه). وقال أبو عثمان النهدي: (كنا في الجاهلية نعبد حجرًا، فسمعنا مناديًا ينادي: يا أهل الرحال، إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربًا، قال: فخرجنا على كل صعب وذلول، فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمنادٍ ينادي: إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه، فإذا حجر، فنحرنا عليه الجزور).

стр. 551

وقال عمرو بن عبسة: (كنت امرأً ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلهًا يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره). فهذا مثال دل على سذاجة اعتقاداتتهم تجاه هذه المعبودات، من ضمن أمثلة عديدة. ثانياً: وهن العقيدة: كما سبق أن بينا أن اعتقادهم تجاه هذه المعبودات كان متصفًا بالبساطة والسذاجة، هكذا يمكن اتصافه بوهن الأساس وضعف البنيان؛ لأنه يصدر عن عاطفة عديمة الثبات، وقلما يتغلغل في الأعماق أو يرسخ في الأذهان، بل تراه عاطفة متقلبة تحركها الأهواء السانحة وتسيرها المصالح وتقتضيها الضرورة والحاجة، فليس ثمة عند الجاهلي رسوخ في العقيدة، ولا خلوص في النية، ولا تفكر بما وراء المظهر والمادة. وهو في عقيدته تلك إنما يصدر عن تمسك بالعادة وعن جري في التقليد، واقتفاء بأثر من سبقه إليه، فهو لا يتورع عن سب آلهته وشتمها وضربها، وهذا ما فعله امرؤ القيس مع صنمه، كما لا يتورع أيضًا عن أكلها ـ كما في حادثة بني حنيفة ـ خصوصًا إذا ما كانت هذه الأصنام مصنوعة من التمر والزبيب وقد أضر الجوع بعابدها، كما وإنه لا يحجم أبدًا عن سرقتها، وأخذ اللبن المخصص

стр. 552

لها، وهذا ما فعله مالك بن حارثة الأجداري يوم أن شرب اللبن المخصص لسقاية الصنم ود. وسأسوق هنا جملة من القصص تدل على ما قلناه، فمنها: ١ - حادثة (ذو الخلصة): وهي حينما جاءه امرؤ القيس ليستقسم عنده بالأزلام، كان ذلك لما قتلت بنو أسد أباه حجراً، وخرج السهم الذي ينهاه عن الأخذ بالثأر لأبيه، فما كان من الشاعر إلا أن كسر القداح وضرب بها وجه الصنم متهددًا متوعدًا، وقال: (عضضت بأير أبيك! لو كان أبوك قتل ما عوقتني)، ثم غزا بني أسد، فظفر بهم، قال ابن الكلبي: (فلم يستقسم عنده بشيء حتى جاء الله بالإسلام، فكان امرؤ القيس أول من أخفره). ٢ - حادثة (فلس): وهي؛ حينما جاءه مالك بن كلثوم حيث أقدم على حل عقال ناقة جارة له، تلك الناقة التي وقفت للصنم وأودعت بفنائه فلا يحل لأحد أخذها، ولا التصرف بها، لكن ابن كلثوم أقدم على حل الناقة وسوقها أمامه ذاهبًا بها، دون أن يحرك الصنم لإله ساكنًا، ولا أن يقدر على الانتقام ممن اجترأ على حرمته، ونال من قداسته، واستلب ما كان موقوفاً له، وهذه الحادثة ـ كما يقولون ـ حملت الشاعر الجاهلي عدي بن حاتم على تخليه عن عبادة فلس، لأن فلسًا بزعمه (أهين على يد مالك، فلم يثأر الإله لكرامته وقداسته). ٣ - حادثة (سعد): وهي؛ حينما قدم إليه رجل من المشركين لينال البركة ولينيخ إبله بفنائها، لكن سرعان ما نفرت هذه الناقة، لدى رؤيتها الدم

стр. 553

المهراق، فضربت في الأرض بعيدًا، الأمر الذي دفع بالرجل إلى القول متبرئًا من سعد وممن يعبد سعدًا: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد ٤ - حادثة صنم بني حنيفة: وهي؛ أن هذا الصنم كان مصنوعًا من الحيس، فعبدوه حينًا من الدهر، فأصابت بنو حنيفة سنة من الجوع، فلم يتورعوا عن أكله فيما أكلوه ذلك العام، فقال قائل: أكلت بنو حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعة لم يحذروا من ربهم ... سوء العقاب ولا البشاعة فهذه الحوادث كلها إن دلت على شيء فهو أن حرارة العقيدة ما كانت تتغلغل في أعماق هؤلاء الجاهليين، بل هي ظلت عقيدة واهية الأساس، خاضعة للأهواء، متقلبة سرعان، ما تضعف وتزول عندما تصادم بشيء يستطيع أن يزيلها. فهؤلاء العرب في جاهليتهم كانوا يتبعون هواهم، تجاه عبادة هذه المعبودات، وقد ورد الإنكار الشديد في كتاب الله تعالى لمن جعل إلهه هواه فيتبعه في كل ما يملي عليه. قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا). قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ). قال ابن عباس ﵁: (ذلك الكافر؛ اتخذ دينه بغير هدى من الله

стр. 554

ولا برهان) وقال قتادة: (هو الكافر؛ لا يهوى شيئًا إلا ركبه لا يخاف الله). وقال ابن كثير: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) أي إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه). والمقصود: بيان أن عبادة العرب لهؤلاء المعبودات ما كانت عن دليل ولا برهان، وما كان عندهم رسوخ في العقيدة، بل هي واهية البنيان والأساس، وذلك؛ نتيجة اتباعهم الهوى تجاه معبوداتهم، فإن هذا هو مصير كل من اتبع هواه بغير هدى من الله. ثالثاً: تعصبهم لمعبوداتهم: سبق أن قلنا: أن العرب كانت عقيدتهم واهية البنيان غير قائمة على أسس متينة، فهذا من جهة، ولكن من جهة ثانية فإننا لا نعدم وسيلة العثور على مواقف أخرى قد تبدو متناقضة مع ما شهدناه من مواقف دالة على ضعف العقيدة ووهنها، أعني بذلك تلك المواقف الدالة على شدة تمسك الجاهلي بعقيدته، والتعصب لآلهته تعصبًا يفدي بمقتضاه بنفسه وماله وبنيه، وكل ما يملكه في الدنيا، وإلا فكيف يمكننا أن نفسر موقف أبي سفيان (قبل إسلامه) المعادي جدًا، والمتشدد لأبعد حدود التشدد، وكذلك موقف أبي لهب وغيره من سادات قريش وصناديدها، من الإسلام ومن دعوة النبي ﷺ لهم؟ ألم يكونوا أشد الناس تعصبًا لآلهتهم المزعومة؟ ألم تقل حمنة بنت أبي سفيان

стр. 555

لابنها سعد بن أبي وقاص الزهري حين بلغها نبأ إسلامه: (أليس قد أمر الله بالبر، والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر)؟ . أليس هؤلاء هم الذين قاتلوا رسول الله ﷺ وحملوا معهم الأصنام في المعارك؟ أليس هم الذين قالوا: اعل هبل؟ أليس هم الذين قالوا: لنا العزى ولا عزى لكم؟ . إذن، وكما نرى فإن بعض مشركي الجاهلية ـ ولا سيما من كان منهم من صف السادة والمستكبرين ـ كانوا جد متعصبين لآلهتهم، وجد متمسكين بما أورثوا من عبادتها عن الآباء والأجداد، إنهم محكومون بالتعصب لها؛ ذودًا عن مصالحهم، وحفاظًا على مكاسبهم ـ بزعمهم ـ، كيف لا، وهم من الأسياد أو السدنة أو ممن أوكل بهم حفظ الآلهة، وأسند إليهم ما يزعمون من شرف الدفاع عنها، ولهذا قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ). رابعًا: تقليدهم لآبائهم في عبادة هذه المعبودات: سبق معنا: أن مشركي العرب ما كان اعتقادهم يستند إلى أسس قوية ولا عن قناعة نفسية تامة، كما هو واضح في الأمثلة التي تم إيرادها، ولكن ما الذي حملهم إذن على عبادتها؟ لقد أجاب القرآن على هذا السؤال فقال: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) فما هو إلا التقليد الأعمى لآبائهم وكبرائهم. ولهذا سيقولون يوم القيامة: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا

стр. 556

وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا).

стр. 557

المبحث الثاني أسباب الشرك قديمًا ذكرنا فيما سبق: أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق، وقد وجد هذا التشبيه والتشبه لسببين اثنين، هما: ١ - الغلو في المخلوق. ٢ - إساءة الظن برب العالمين نتيجة عدم معرفة قدر الله جل شأنه. فما قدروا الله حق قدره فأساءوا الظن به سبحانه. أما السبب الأول الذي هو الغلو: فإنه يكون بتنزيل المخلوق منزلة فوق منزلته، فيصرف له شيء من حقوق الله، وهذا الأمر جلي وواضح في جميع الأمم المشركة بالله تعالى، فإنه ـ كما قال شيخ الإسلام ـ إن أوائل المشركين (صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم، فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر). ومشركوا العرب شركهم لا يخلوا عن هذين الأمرين. ولكن كل هذا ناتج عن الغلو في المخلوقات. فمثلاً: إن قوم نوح إنما صوروا تماثيلهم للاقتداء

стр. 558

بهم في بداية الأمر، ثم لما رفع العلم وغلب الجهل ظن أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين فلابد من العكوف على قبورهم كي ينالوا مرضات الرب سبحانه، فعكفوا على قبورهم، ثم دب إليهم إبليس بأن الأولين كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم. فلم يحصل هذا الشرك في هؤلاء القوم إلا نتيجة الغلو في بعض المخلوقات. وشرك قوم إبراهيم ﵇ أيضًا ناتج عن الغلو في بعض المخلوقات؛ فإن (قومًا من الأوائل اعتقدوا أن الكواكب تفعل أفعالاً تجري في النفع والضر مجرى أفعال الإله على حسب ما يعتقده بعض أهل التنجيم، فاتخذوا عبادتها دينًا، وأراد ملوكهم ورؤساؤهم توكيده في أنفسهم، والزيادة فيه من عندهم، وذلك؛ أن الملك يحتاج إلى الدين كحاجة المال والرجال، لأن الملك لا يثبت إلا بالبيعة، والبيعة لا تكون إلا بالأيمان والأيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذ لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد دينًا لا يوثق بيمينه، ... إلى غير ذلك مما يتعلق من أمر الملك بالدين، فصنعوا لهم الأصنام على صور الكواكب التي يعبدونها). فهؤلاء غلوا في الأجرام السماوية، وظنوا أنها تنفع وتضر وأن شفاعتهن مقبولة عند الباري تعالى، ولهذا قالوا: (لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم ونتقرب بهم إليه،

стр. 559

فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ... ). قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في تيسير العزيز الحميد بعد أن ذكر قصة أصنام قوم نوح: (فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم، كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها، واعتقاد النحوس فيها والسعود، ونحو ذلك. وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم، كما أن ذلك هو الغالب على عباد القبور ونحوهم، وهو أصل عبادة الأصنام؛ فإنهم عظموا الأموات تعظيمًا مبتدعًا، فصوروا صورهم، وتبركوا بها، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور، ومن (هي) صورته، وهذا أول شرك حدث في الأرض، وهو الذي أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان؛ فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم، وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من الدعاء في المسجد الحرام والمساجد، فاعتادوها لذلك، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به). وهذا الغلو له عدة أوجه، منها: ١ - بغية التبرك من الأشياء والأماكن المقدسة كما هو حال عبادة الأحجار بمكة؛ حيث إ نهم لما ظعنوا من مكة أخذوا أحجارًا من الحرم تبركًا وحنانًا إلى مكة، ولكن بعد مرور الزمن نسوا القصد فعبدوا هذه الأحجار. ٢ - تلاعب الشيطان بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى

стр. 560

عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم. كما هو الحال في أصنام قوم نوح، وقد سبق بيانه مفصلاً. ٣ - النظر إلى بعض المعبودات بأنها تؤثر في السعود والنحوس، كما هو حال بعض المشركين الذين يشركون بعبادة الكواكب والأجرام السماوية، فكانوا يعتقدون أنها تستحق التعظيم والتقديس، فبدؤوا يعبدونها. ٤ - أن الشياطين تدخل في الأصنام والأوثان والهياكل، وتخاطبهم منها، وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين، فجعلتهم وسفهاء القوم منهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب. والمقصود: بيان كون الغلو هو أهم أسباب الشرك قديمًا، بل الغلو في المخلوق هو السبب الرئيس للوقوع في الشرك، حيث إنهم لما غلوا في المخلوق وأعطوه منزلة فوق منزلته جعلوا فيه حظًا من الألوهية، وحظًا من أمور الربوبية، وذلك بتشبيهه بالله سبحانه وبتشبيهه سبحانه الكامل من جميع الوجوه بهذا المخلوق الناقص. أما السبب الثاني: ـ الذي هو إساءة الظن بالله سبحانه ـ، فهذا السبب في الحقيقة مترتب غالبًا على السبب السابق، فإنه بعد غلو الشخص في المخلوق

стр. 561

وحصول الجهل بالدين يتخذه وسيطًا يقربه إلى الله فيعطفه عليه في قضاء حاجاته، فيكون قد أساء الظن بإفضال ربه وإنعامه وإحسانه إليه، وهذا يحدث وإن اعتقد أن الله يسمع ويرى ويملك كل شيء. وربما تكون إساءة الظن بالله سبحانه غير ناتجة عن الغلو في المخلوق؛ كمن وصف الله الكامل بجميع الوجوه بصفات المخلوق الناقص، قال الإمام ابن القيم: (فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، فقد ظن به ظن السوء). ولعل ما يحملهم على إساءة الظن بالله جل شأنه هو: أنهم ما قدروا الله حق قدره، قال ابن القيم: (هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب، وأنه ليس تحريمه وقبحه لمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله أن يشرع لعباده عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقص أوصاف كماله ونعوت جلاله، وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية

стр. 562

والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا). أما إساءة الظن بالله سبحانه الناتجة عن الغلو في المخلوق الذي يجر الناس إلى الشرك في العبادة غالبًا فهو واضح. قال ابن القيم: (ومن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا وأن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم كحبه، ويخافونهم ويرجونهم؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه). وقال في موضع آخر: قال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: (مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حتى عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم

стр. 563

بتفاصيل الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم ويعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة؛ لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور عملهم. فأما القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه ... إلى أن قال: فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره من لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، وإن سلبه الذباب شيئًا مما عليه لم يقدر على استنقاذه منه، وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له

стр. 564

شيء من ذلك ألبتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه، فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل). وقال في موضع آخر: (ومن ظن به أنه إذا غضبه وأسخطه، وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًا، ودعا من دونه ملكًا أو بشرًا ـ حياً، أو ميتًا ـ يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه، فقد ظن به ظن السوء، وذلك زيادة في بعده من الله، وفي عذابه). وقال أيضًا في بيان سوء الظن بالله الناجم عن عدم قدر الله حق قدره: (وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإحلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكًا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبًا على محض حقه، واستهانة به، وتشريكًا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه، فكيف وإنما أشرك بينه وبين أبغض الخلق إليه، وأهونهم عليه وأمقتهم عنده، وهو عدوه على الحقيقة؟ . فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ

стр. 565

أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)، فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمه أنه ملك. وكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم، وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان فيسجد لها الكافر، فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها. وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان، فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيها لهم وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم، لا عبد الله ورسوله، فنزل هذا كله في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائنًا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضى الشيطان ... ). فهذه كله إساءة الظن بالله جل وعلا في جانب شركهم بالعبادة معه غيره سبحانه، وأما إساءة الظن بالله سبحانه التي حملت الناس على الإشراك معه في أمور الربوبية والتي نجمت عن عدم معرفة قدر الله حق قدره فقد بينه الله في كتابه الكريم، حيث قال: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ
следующие страницы →