← Акыда

Акыда · id 145209

الشرك في القديم والحديث

أبو بكر محمد زكريا

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فاكشف الغماء عني عجلا ... يا مغيثًا يا عظيمًا بطلا إذا نظرنا في الأبيات السابقة يظهر بجلاء مدى توغل صاحبه في الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة، حيث إنه طلب منه النجاة والشفاء وفرج الكربات وغيرها. ففي هذه الأشعار والأبيات (ومثلها كثير عند المتصوفة) شرك في الربوبية بالله جل شأنه في صفته القدرة الكاملة، كما أن فيها شرك بالله بالأنداد بجملة من الصفات المندرجة تحت صفة القدرة الكاملة؛ من كشف الضر والخلاص من الكربات وشفاء السقام، واللجوء من الخوف والضرر والهول، كل هذه الصفات أثبتوها لغيره سبحانه. ١١ - ويقول البريلوي: إن النبي ﷺ يقضي كل قسم من الحاجات، إن جميع أمور الدنيا والآخرة في اختياره. ١٢ - ويقول آخر: ماذا في كفة الله تعالى سوى الوحدة؟ إن كنت تريد شيئًا فاطلبه من محمد ﷺ . ١٣ - وأيضًا يقول البريلوي: (إن مفاتيح الكون كلها في يد رسول الله ﷺ ، وهو مالك الكل، وأنه النائب الأكبر للقادر، وهو الذي يملك كلمة (كن)). ١٤ - ويقول أيضًا: (كل ما ظهر في العالم فإنما يعطيه سيدنا محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح، فلا يخرج من الخزائن الإلهية شيء إلا على يديه، وإنه ﷺ إذا أراد شيئًا لا يكون خلافه؛ لأنه ليس لأمره صارف في الكون).

стр. 877

١٥ - ويقول أيضًا في ديباجة كتابه: (الأمن والعلى لناعتي المصطفى): (وصلى ربنا وسلم على دافع البلاء والوباء والقحط والمرض والألم، سيدنا ومولانا ومالكنا ومأوانا محمد مالك الأرض ورقاب الأمم ... قال الفقير المستدفع البلاء، من فضل نبيه العلي الأعلى، صلى عليه الله تعالى، عبد المصطفى أحمد رضا، المحمدي الحنفي القادري البركاتي البريلوي، دفع بنبيه البلاء، ومنح قلبه النور والجلاء). ١٦ - وقال: إن الرسول ﷺ هو المبرئ من السقم والآلام والكاشف عن الأمة كل خطب، وهو المحيي، وهو الدافع للمعضلات والنافع للخلق، والرافع للراتب، وهو الحافظ الناصر، وهو دافع البلاء، وهو الذي برد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي وحكمه نافذ، وأمره جار في الكونين. ١٧ - وقال: (منه الرجاء منه العطاء منه المدد في الدين والدنيا والأخرى للأبد). ١٨ - وقال: إن رسول الله ﷺ خليفة الله الأعظم، وإنه متصرف في الأرض والسماء. ١٩ - وقالوا: المعاملة كلها بيد رسول الله ﷺ ، يعطي من شاء ما شاء؛ لأن الدنيا والآخرة من جوده، وعلم اللوح والقلم من علومه، فإن كنتم تريدون

стр. 878

خيري الدنيا والآخرة فأتوا إلى بابه، ثم اطلبوا ما شئتم. ٢٠ - وقالوا: إن الله تعالى قد مكن النبي ﷺ من إعطاء كل ما أراد من خزائن الحق، ومن خصائصه ﷺ أن يخص من شاء بما يشاء، ومن خصائصه ﷺ أن الله تعالى أقطعه أرض الجنة يعطي منها ما يشاء من يشاء. ٢١ - وقالوا: إن رسول الله ﷺ مالك الأرضين ومالك الناس، ومالك الأمم، ومالك الخلائق، بيده مفاتيح النصر والمدد، والجنة والنار، وهو يكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، ويكشف الكروب ويدفع البلاء، وهو حافظ للأمانة وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي للاستنجاد. ٢٢ - وقالوا: إن النبي ﷺ نائب مطلق عن الله تعالى، فالعالم كله تحت تصرفه، فهو يفعل ما يشاء، ويعطي ما يشاء من يشاء، ويسلب ما يشاء من يشاء؛ لا راد لقضائه في العالم كله، والعالم كله محكوم له، وهو مالك لجميع بني آدم، والأرض كلها والجنة كلها ملكه. وملكوت السموات والأرض تحت أمره، ومفاتيح الجنة والنار في يده، والرزق والخير وكل قسم من العطاء يوزع من عنده، إن الدنيا والآخرة حصة من عطائه. ٢٣ - وقالوا: قال الله تعالى: يا محمد، كلهم يطلبون رضاي، وأنا أطلب

стр. 879

رضاك، وجعلت ملكي كله من العرش إلى الفرش فداءً لك، حكمك جار على الشمس والقمر؛ لا يطلع الشمس حتى تسلم على ابنك الجيلاني غوث الثقلين وغيث الكونين. والخلاصة: بعد إيرادنا تلك المقالات عن المتصوفة ومن سار على نهجهم من القبوريين التي مدحوا فيها الرسول وتجاوزوا فيها الحد، حيث غلوا في الرسول ورفعوه إلى منزلة الألوهية والربوبية، نستطيع: إن نقول: إن المتصوفة قد وقعوا في انحراف عقدي خطير جدًا؛ حيث توجهوا إلى رسول بالدعاء والاستغاثة طالبين منه غفران الذنوب وتفريج الكروب، وغير ذلك من المطالب، تاركين الله وراء ظهورهم، معرضين عن دعائه الذي قال في كتابه: (ادعوني أستجب لكم). وقوله سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان). وبما أن الدعاء يعتبر عبادة من أجل العبادات، فإن صرفه للرسول ﷺ يعتبر شركًا بالله ؛ وذلك لأن الرسول عبد من عباد الله ولا يستحق شيئًا من حقوق الألوهية، بل هو ﷺ كان يعبد ربه صلى الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يستغفر الله كثيرًا ﷺ . ولأن غفران الذنوب وتفريج الكروب والإنجاء من المهالك في الدنيا والآخرة خاص بالله ، قال تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله)، والجواب: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله ؛ لا نبيًا

стр. 880

مرسلاً ولا ملكًا مقربًا ولا وليًا. وعلى هذا فالمتصوفة بتوجههم بالدعاء إلى الرسول والاستغاثة به وطلب غفران الذنوب منه يعتبرون قد وقعوا في الإشراك بالله غيره؛ لأن الدعاء عبادة فصرفه لغير الله يعتبر شركًا بالله . وسيأتي بيان هذا النوع من الشرك عند المتصوفة فيما بعد. إنما المقصود هنا: بيان شرك الربوبية بالأنداد لدى المتصوفة، وهذه النصوص فيها بيان صريح لوقوعهم في أنواع من الشرك في الربوبية بالأنداد، ومن أبرزها: الشرك في صفة القدرة الكاملة لله سبحانه، ولهذا فإننا سنرد عليهم فيما يلي: الردود على هذه الأقوال: يرد على هذه الأقوال بالقرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة: أما الكتاب، فمثل قوله تعالى: ١ - (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ). ٢ - (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ). ٣ - (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). ٤ - (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى

стр. 881

كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ). ٥ - (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ). ٦ - (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً). ٧ - (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ). ٨ - (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). ٩ - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا). ١٠ - (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).

стр. 882

١١ - (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ). ١٢ - (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ). ١٣ - (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ). ١٤ - (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ). ١٥ - (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). ١٦ - (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا). ١٧ - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَاناً مَرِيداً). ١٨ - (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ). ١٩ - (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ).

стр. 883

٢٠ - (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ). فهذه بعض الآيات القرآنية الدالة على أن هذه الأشياء التي أثبتوها للنبي ﷺ كلها من خصائص الربوبية، ومن الحقوق الخالصة لله جل شأنه، بل فيه إشراك في صفة القدرة الكاملة لله تعالى، فإثباتها لغير الله شرك بالله في الربوبية في صفة القدرة الكاملة. أما السنة: فقد دلت أحاديث كثيرة على إبطال هذه العقيدة ـ عقيدة التصوف في الكون لغير الله ـ والتي هي شرك بالله في صفته القدرة الكاملة، من أهمها ما يلي: الحديث الأول: حديث ابن عمر ﵁ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: ((يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم: أن الأمة إذا اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)).

стр. 884

فإن هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي تثبت التصرف في الكون لله وحده لا شريك له، وتنفي عن غيره تعالى، ويدل على أن الأنبياء والأولياء وغيرهم من المخلوقين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا؛ فضلاً عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأن غيره تعالى غير قادر على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع. الحديث الثاني: حديث عبد الله بن حوالة الأزدي: قال: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا، فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: ((اللهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم)). هذا الحديث أيضًا يدل على إبطال عقيدة المتصوفة في زعمهم التصرف في الكون لغير الله، فإنه صريح، ونص على أن النبي ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا، وأنه عاجز عن حفظ نفسه، فكيف يملك حفظ غيره؟ ! كما دل الحديث على أن حفظ الخلق صفة خاصة بالله تعالى. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا النبي ﷺ ،

стр. 885

فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: ((لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغتك. وعلى رقبته صامت. فيقول: يا رسول الله ... أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغتك. أو على رقبته رقاع تخفق. فيقول: يا رسول الله ... أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك)). فهذا الحديث أيضًا صريح في أن سيد البشر، وأفضل الأنبياء لا يملك نفعًا ولا ضرًا حتى لأصحابه، فما بالك بغيره؟ ! . الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ)، قال: ((يا معشر قريش ـ أو كلمة نحوها ـ اشتروا أنفسكم ... لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف!

стр. 886

لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ ، سليني ما شئت من مالي! لا أغني عنك من الله شيئًا). فهذا الحديث أيضًا يدل نصًا على أن النبي ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا لبنته وعمه وعمته وأقاربه، وأنه لا يستطيع أن يخلصهم من بطش الله وعذابه ... فما ظنك بغيره؟ ! فلو كان النبي ﷺ يملك القدرة والتصرف والنفع والضر لكان أقاربه أحق الناس بأن يدفع عنهم الضر ويجلب لهم الخير، ولم يقل له: (إني لا أملك لكم، ولا أغني عنكم من الله شيئًا). ووردت أحاديث كثيرة تؤكد بأن الرسول ﷺ لا يعلم ما سيفعل به في المستقبل، وأنه لا يستطيع دخول الجنة إلا إذا أدخله الله فيها برحمته، وإليك النصوص الدالة على هذا: الحديث الأول: قال رسول الله ﷺ : ((والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)). والحديث الثاني: قول الرسول ﷺ : ((لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)) قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: ((حتى أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل

стр. 887

ورحمة)). ففي هذين الحديثين صرح الرسول ﷺ بأنه لا يعرف ما يفعل به، وأنه لا يستطيع أن يدخل أحد بعمله الجنة إلا بفضل الله ـ حتى هو صلوات الله وسلامه عليه ـ وإذا كان الرسول كذلك لا يملك لنفسه دخول الجنة إلا برحمة الله، فتوجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة يعتبر عبثاً وهراء، وما أوقعهم في هذا الشرك إلا حبهم للخرافة والابتداع والوقوع في حبائل الشرك. وكيف يتوجه إليه المتصوفة بالدعاء والاستغاثة ويطلبوا منه أمورًا لا يجوز طلبها إلا من الله، وهو قد زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ثم قال رسول الله ﷺ : ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي؛ فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت)). وثبت أيضًا في صحيح مسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: ((في النار))، فلما قفى دعاه فقال له: ((إن أبي وأباك في النار)). فانظر كيف أن الرسول ﷺ لم يستطع أن ينفع والديه وهما أقرب الناس إليه، فكيف نتصور أن الرسول ﷺ يغفر ذنوب من جاءوا إليه بعد موته، ويفرج همومهم من أولئك المتصوفة المخرفة الذين يتوجهون إليه بالدعاء والاستغاثة ضاربين بتلك الآيات التي تصف الداعي لغير الله أضل إنسان مثل قوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ

стр. 888

غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). وناسين أيضًا تلك الآيات التي قررت بأن كل مدعو دون الله ما هو إلا عبد وأنه لا يستطيع نصر من يدعوه سواء كان هذا المدعو ملكًا أو نبيًا أو حجرًا أو شجرًا، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ). ففي هذه الآيات أخبرنا الله بأن المدعوين من دون الله لا يستطيعون نصر من يدعونهم؛ لأنهم عاجزون عن نصر أنفسهم فضلاً عن أن ينصروا غيرهم، ومن كان عاجزًا عن نصر نفسه لا ينبغي أن يتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة؛ لأنه لا يملك إجابة دعاء من دعاه ولا إغاثة من استغاث به؛ لأن هذه من خصوصية الله ، فلا ينبغي أن تصرف لغيره ومن صرفها لغيره، فدعا واستغاث بغيره، فقد وقع في الشرك الأكبر. وهناك نص قاطع من السنة النبوية بأن الرسول ﷺ قال للصحابة حينما قالوا: قوموا نستغيث برسول الله: ((إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله))، وهذا نص الحديث. روى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين،

стр. 889

فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي صل الله عليه وسلم: ((إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله)). وفي حديث آخر حينما قال الصحابي للرسول ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: ((بل ما شاء الله وحده، أجعلتني لله ندًا؟ ! )). فإذا نظرنا إلى الحديثين السابقين نجد أن الرسول ﷺ أنكر على الصحابة الذين قالوا: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ ، وأخبرهم بأن الذي يستغاث به هو الله ؛ لأنه هو الذي يستطيع أن يغيث من يستغاث به، أما هو فلا يستغاث به؛ لأنه عاجز عن إغاثة من استغاث به في الأمور التي لا يمكن أن يقدر عليها إلا الله ، وهذا في حالة حياته أما بعد موته فإنه لا يجوز أن يستغاث برسول الله ﷺ إطلاقًا؛ لأنه انتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، فكل من استغاث به بعد موته وطلب منه غفران الذنوب وتفريج الكروب وإزالة

стр. 890

الهموم، فقد صرف له شيئًا من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله ، وحينئذ يعتبر أنه وقع في الشرك. أما في الحديث الثاني، فقد أنكر الرسول ﷺ على الذي عطف مشيئته على مشيئة الله ، فقد له مبينًا له خطورة هذه الكلمة ـ وهو قوله: (ما شاء الله وشئت) ـ: (أجعلتني لله ندًا)، فالرسول كما نرى في هذا الحديث اعتبر عطف مشيئة الرسول على مشيئة الله بحرف الواو إشراكًا بالله ، وهذا رد كاف ومقنع في الحقيقة على المتصوفة الذين رفعوا الرسول ﷺ إلى منزلة الألوهية، فصرفوا له أنواعًا من العبادات رغم أن العبادات لا يجوز صرفها لغير الله ؛ لا لنبي ولا لولي ولا للملائكة ولا غيرهم من المخلوقات ـ كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني ـ. ولذا أقول: إن توجه المتصوفة إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة يعتبر شركًا بالله ؛ لأنه صرف شيء من العبادات لغير الله، وصرف شيء من العبادات لغير الله يعتبر عبادة لغيره وما الشرك إلا هذا بعينه. وقولهم: بأن الرسول عنده مقدرة على غفران الذنوب وكشف الكروب ودفع المضار وجلب المنافع، هذا شرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته القدرة الكاملة. فجمعوا بين الشركين. قلت: هذه بعض الأمثلة من الأحاديث النبوية على إبطال عقائد المتصوفة في النبي ﷺ بأنه يملك التصرف في الكون والذي هو شرك بالله في صفته القدرة الكاملة. وهي تدل صراحة ونصًا على أن النبي صلى الل عليه وسلم لا يملك نفعًا ولا ضرًا لأحد. فضلاً عن أن يملك الإحياء والإماتة، والإقطاع في الجنة، والإغناء، والشقاء، والسعادة، والهداية، والشفاء، والإعطاء.

стр. 891

فتلك المدائح الصوفية ومقالاتهم والتي غلوا فيها غلوًا شديدًا، حتى رفعوا منزلة الرسول إلى منزلة الألوهية والربوبية فتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة، وطلبوا منه أمورًا كلها تتعلق بصفة القدرة الكاملة لله جل شأنه، ولا يجوز طلبها إلا من الله ، كغفران الذنوب، وتفريج الكروب، وإذهاب الهموم، والغموم، والنجاة من النار، وصفوه بأنه ملاذهم الوحيد الذي لا ملاذ لهم سواه! ! ونسوا الله الذي قال في كتابه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ). ونحن نقول للمتصوفة: إن الرسول ﷺ ما هو إلا عبد من عباد الله الذين خلقهم لعبادته وحده، وفضله الله بالرسالة وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وفضله على العالمين، وخصه بخصائص كثيرة دون إخوته من الأنبياء والمرسلين جميعًا، ولكن مع ذلك كله لا يخرجه هذا عن طور العبودية لله ، وقد وصفه الله بالعبودية له في أكمل أحواله فقال في الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). وقال في الإيحاء: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى). وقال في الدعوة: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً).

стр. 892

وقال في التحدي: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). إذا نظرنا إلى الآيات السابقة نرى: أن الله وصف الرسول بالعبودية له حيث أضافه إليه، فقال: (إِلَى عَبْدِهِ) في الأماكن الأربعة، وهو وصف عظيم في الحقيقة لا يجده إلا من حقق العبودية الكاملة لله . ولذا أقول: الرسول عبد من عباد الله لا يستحق شيئًا من العبادات التي يُتَعَّبَدُ بها الله، وبما أن الدعاء عبادة والاستغاثة أيضًا فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة، فلا يجوز صرفهما للرسول ﷺ ؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وما دام لا يملك ذلك لنفسه فمن باب أولى لا يملكه لغيره، وقد أمره الله في كتابه العزيز أن يقول: إنه بشر، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، في كثير من الآيات. فالرسول ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا لنفسه فضلاً عن أن يملك جر النفع ودفع الضرر عن غيره، وأنه لو كان النفع والضر بيده لما أصيب بأمور يكرهها في هذه الدنيا، ولكن كان لا يملك ذلك؛ فقد أصيب الرسول ﷺ بأذى كثير من المعركة في غزواته ومنها الإصابات التي أصيب بها في غزوة أحد كما هو معروف في السير؛ ولذا يعتبر توجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة عبث وهراء وشرك بالله . وقد أمره الله في آية أخرى أيضًا أن يقول: إنه لا يعلم ما سيفعل به هو شخصيًا ولا يعلم ما سيفعل بأمته، وأنه ما هو إلا متبع لما يوحى من قبل الله عز

стр. 893

وجل. والذي لا يدري ما يفعل به ولا يدري ما سيفعل بأمته لا يستحق أن يصرف له شيء من العبادة التي لا يستحقها إلا الله ؛ لأن الذي يدعى لابد أن يكون عالمًا بالشيء قادرًا على دفعه، وهذا يبرأ منه الرسول ﷺ كما هو أمامنا في هذه الآية، قال تعالى: (مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ). وإذا كان الرسول ﷺ لا يعرف ما يفعل به في المستقبل ولا بأصحابه وهو في الحياة الدنيا قبل موته، فكيف يعرف مشاكل الصوفية بعد أن مات حتى يتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة من دون الله تعالى؟ ! إلا إذا قال المتصوفة: الشريعة ما هي إلا لأهل الظاهر فقط، أما أهل الحقيقة فإنهم لهم شريعة أخرى غير القرآن والسنة. والحاصل: أنه قد تبين لنا من خلال الآيات السابقة التي أوردتها ومن أقوال العلماء التي ذكرتها: أن الدعاء نوعان، وأن كلاً من النوعين مستلزم للنوع الآخر، وأن كلاً منهما عبادة لا يجوز صرفها لغير الله كائنًا من كان، وأن الرسول عبد من عباد الله الذين خلقهم لعبادته واصطفاه برسالته، وأن أفضل وصف وصف به هو وصفه بأنو عبد الله، وما دام الأمر كذلك فقد بينا بأن صرف الدعاء والاستغاثة به يعتبر شركًا بالله ، وبينا خطورة الشرك وأنه من أكبر المعاصي التي لا يغفرها إلا الله بالتوبة منها قبل الموت، وأن الرسول ﷺ قد تبرأ ممن يدعونه من دون الله، وأخبر بأنه لا يملك شيئًا من النفع والضر فضلاً عن أن يملكه لغيره. وعلى هذا نقول: إن كل من

стр. 894

يدعو الرسول ويستغيث به محاد لله ولرسوله، فهو داخل تحت هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). وقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). ولذا ينبغي على المتصوفة أن يتركوا هذه الأدعية الشركية التي توجهوا بها إلى الرسول ﷺ وطلبوا منه غفران الذنوب، وتفريج الكروب والغموم، والأخذ باليد يوم الميعاد، ويتوجهوا إلى خالقهم الذي بيده ملكوت كل شيء والذي لا يغفر الذنوب سواه، ولا يستطيع على إجابة المضطر سواه. قال تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). وقال تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ). وقال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ). والخلاصة التي نخرج بها: أن الرسول ﷺ بشر مثلنا، وأنه ما خلق إلا لعبادة الله كما خلق غيره من الإنس والجن، وأنه لا يستحق شيئًا من العبادة، وقد سبق معنا الحديث الذي فيه أنه قال: لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله ، وأنه لا يستطيع أن ينجي أحدًا من النار حتى ولو أقرب

стр. 895

الأقربين إليه إلا إذا مات مؤمناً بالله، ولذا أقول: إن توجه المتصوفة إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة يعتبر شركًا بالله من جهتين اثنتين: الشرك في الربوبية: من جهة اعتقادهم أن الرسول يقدر على هذه الأمور، فإنه إثبات الند في صفة القدرة لله جل شأنه. الشرك في الإلهية: من جهة توجههم إليه بأنواع من العبادات. ومع أن ما قلناه كاف ومقنع لمن يريد الوصول إلى الحق والهداية إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، فإننا نريد أن ندعم ما قلناه بآراء العلماء في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة، وذلك حتى لا يتهمنا أحد بأننا أول من أتينا بهذا الكلام، وأن هذا الأمر لم يتكلم فيه أحد في العصور السابقة من علماء الأة الإسلامية في عصورها المختلفة ـ كما يدعي عباد القبور من المتصوفة وغيرهم في أرجاء العالم الإسلامي ـ. أما نصوص السلف في إبطال التصرف في الكون لغير الله: فأذكر نماذج من أقوالهم فيما يلي: أولاً: أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة وطلب كشف الضر وجلب النفع منه: يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أكثر العلماء الذين أوتوا مقدرة فائقة في الرد على المبتدعة بشتى أصنافها؛ من صوفة وجهمية ومعتزلة وأشعرية وخوارج وشيعة وغيرها من الفرق الضالة. ولقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وطلب النفع والضر وتفريج الكرب شركًا بالله عز وعلا، وإليك طائفة من أقواله في هذا المجال:

стр. 896

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن أورد هاتين الآيتين، وهما: قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ). وقوله سبحانه: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلاً، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ). وقوله سبحانه: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين). وقال في التوسل والوسيلة: (فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم،

стр. 897

كما لا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لي واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا ونحو ذلك). وقال في موضع آخر من نفس الكتاب: (ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني وانصرني وادفع عني وأنا في حسبك ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأصنام ويغويهم؛ فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان). وقال أيضًا في نفس الكتاب: (وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته ... فإن كل هذا من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أقربه أحد من أئمة المسلمين). وقال أيضًا: (وإذا تكلمنا فيه يستحقه الله ﵎ من التوحيد بينّا أن

стр. 898

الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله ﵎ من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله، ولا يقسم على الله بهم، ولا يتوسل بهم بذواتهم، وإنما يتوسل بهم بالإيمان بهم وبمحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا وتصديقهم فيما أخبروا، وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه). وقال في موضع آخر: (إن كل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أجرني وأنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إلهًا آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ويقولون: (هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ). فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة) ... ـ إلى أن قال: ـ (وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب). ثانياً: أقوال ابن القيم ﵀ في حكم الاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله لكشف الكربات ودفع البليات:

стр. 899

فقد قال ﵀ في كتابه مدارج السالكين متحدثًا عن أنواع الشرك: (ومن أنواعه ـ أي الشرك ـ طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلاً لمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده إلا بإذنه، والله سبحانه لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له كما أمرنا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم وندعو لهم ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقص بالأموات. وهم قد تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذا ظنوا أنهم راضون منهم بذلك، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم ﵇ حيث قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وما نجح من أشرك بهذا الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله).

стр. 900

وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان: (ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملاً صالحًا ويصرف عنه أهل القرون الثلاثة المفصلة بنص رسول الله ﷺ ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعًا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلاً أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك بلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك بل فيها من خلاف ذلك كثير). ثالثًا: قول الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في حكم الاستغاثة برسول الله ﷺ والتوجه إليه بالدعاء:

стр. 901

قال ﵀: (وقوله: إن المبالغة في تعظيمه ـ أي تعظيم الرسول ﷺ واجبة إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء ـ فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين). رابعًا: أقوال الإمام الشوكاني في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة وبطلب النفع والضر: قال ﵀: (فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالاً أو مع الله تعالى، أو ناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه هو من أنواع العبادة، ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرًا أو شجرًا أو ملكًا أو شيطانًا كما كان يفعل ذلك الجاهلية، وبين أن يكون إنسانًا من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقربه؛ فإن العلة واحدة. وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد، وللحي كما يكون للميت، فمن زعم أن ثم فرقًا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر أو ينفع أو يقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فقد غلط

стр. 902

غلطًا بينًا وأقر على نفسه بجهل كثير، فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه. ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكًا بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن؛ إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئاً يختص به سبحانه سواه أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم فقط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم، وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار الأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور؛ فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبًا منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبًا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبًا ولم يحلف بالميت الذي يعتقده! ! وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا إشمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتًا أو حيًا عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضر قائلاً: يا فلان افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك).

стр. 903

وقال أيضًا في رسالته شرح الصدور بتحريم رفع القبور: (لقد أمر الله رسوله ﷺ أن (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)، فانظر كيف أمر سيد البشر وصفوة خلقه في أنه لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، وكذلك قال في الحديث: ((يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا)) الحديث، فإذا كان هذا قول رسول الله في نفسه وفي أخص قرابته به وأحبهم إليه، فما ظنك بسائر الأموات الذين لم يكونوا أنبياء معصومين ولا رسلاً مرسلين بل غاية ما عند أحدهم أنه فرد من أفراد هذه الأمة المحمدية؟ ). خامساً: قول الشيخ محمد صديق حسن خان في حكم التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة: قال ﵀ في تفسيره فتح البيان تحت قوله تعالى: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ): (وفي هذا أعظم وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله ، وكذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين ورزقهم أحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء

стр. 904

الخالق الرازق المعطي المانع؟ وحسبك بما في الآية من موعظة؛ فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: (لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)، فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره ممن رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلاً عن أن يملكه لغيره؟ ، فيا عجباً لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى ويطلبون منهم الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ، كيف لا يستفطنون لما وقعوا فيه من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى (لا إله إلا الله) ومدلول (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؟ . وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى وإلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما أصنامهم شفعاء لهم عند الله ويقربونهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم القدرة على الضر والنفع وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان ـ أخزاه الله ـ بهذه الذريعة إلى ما تقر عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون). اعتقاداتهم تجاه ما يزعمون أنهم من الأولياء والصالحين: لقد وجد عند المتصوفة نفس الاعتقاد الذين اعتقدوه في النبي ﷺ ، بل ربما زادوا عليه أشياء تجاه أوليائهم ومشائخهم، فإنهم يرون التصرف في الكون، والإحياء والإماتة والإرزاق والنصر على العدو وقضاء الحوائج،

стр. 905

وكشف الكربات وإغاثة الملهوف وغير هذه الاعتقادات تجاه أوليائهم ومشايخهم. ومن مظاهر هذا الاعتقاد ما يلي: اختراعهم مراتب للأولياء الذين لهم تصرف ونفوذ على الكون ـ على حد تعبيرهم ـ: لقد اخترع الصوفية وابتدعوا من عند أنفسهم مراتبَ وألقاباً من عند أنفسهم لمن يصفونهم بأنهم أولياء الله، بقطع النظر عن الشخص الذي يصفونه بهذا الوصف، وهل هو مستحق لهذا الوصف العظيم ـ وهو وصف ولي الله ـ أو غير مستحق ذلك، لأن إطلاق هذا اللفظ على شخص بعينه فيه شهادة له وتأكيد بأنه من المرضي عنهم دنيا وأخرى، وهذا فيه جرأة عظيمة على الله. ولو لاحظنا غالب من يعتبرهم المتصوفة بأنهم أولياء الله سنجد بأنهم أصحاب دجل وكهانة وشعوذة وبدع وخرافات، ويظهر هذا لكل من يقرأ في كتبهم ويلاحظ سلوكهم. ومن جملة البدع التي ابتدعها المتصوفة هي إحداث ألقاب لمن يطلقون عليهم أولياء الله، فقد ذكر الصوفية ألقابًا لأولياء الله لم ترد في الكتاب لا في السنة وإنما أتوا بها من عند أنفسهم، وإليك هذه المراتب والألقاب والوظائف التي ذكرها الصوفية في كتبهم. أولاً: مراتب الأولياء عند الصوفية: فمن الصوفية الذين ذكروا هذه المراتب والألقاب والوظائف محيي الدين ابن عربي الذي يصفه الصوفية: بأنه الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، فقد قال عن مراتب الأولياء عند الصوفية: (فمنهم الأقطاب ومنهم الأئمة ومنهم الأوتاد ومنهم الأبدال ومنهم النقباء

стр. 906

ومنهم النجباء ومنهم الرجيبيون ومنهم الأفراد، وما فيهم طائفة إلا قد رأيت منهم وعاشرتهم ببلاد المغرب وببلاد الحجاز والشرق. ثانياً: معاني هذه الألفاظ ووظيفة أصحاب كل مرتبة عند الصوفية: لقد وضّح مشايخ الصوفية معاني هذه الألفاظ ووظيفة صاحب كل مرتبة توضيحًا شافيًا لا غموض فيه. ولنبدأ بمعنى كلمة القطب أو الأقطاب ووظائفهم عند الصوفية: القطب: لقد تكلم كثير من مشايخ الصوفية عن معنى القطب عندهم، ومن جملة المشايخ الذين تكلموا عن القطب والأقطاب محيي الدين بن عربي، فقد قال متحدثًا عن الأقطاب: (الأقطاب: جمع قطب، وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في العالم، ويقال الغوث وهو على قلب إسرافيل). وقد تحدث ابن عربي أيضًا عن أسماء القطب وأوصافه، فقال: (إن اسم القطب في كل زمان عبد الله، وعبد الجامع المنعوت بالتخلق والتحقق بمعاني جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى ومجلي النعوث المقدسة ومحالّ المظاهر الإلهية وصاحب الوقت وعين الزمان وصاحب علم سر القدر، وله علم دهر الدهور، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء، لأنه محفوظ في خزائن الغيرة ملتحف بأردية الصون لا يعتريه شبهة في دينه قط، ولا يخطر له خاطر يناقض مقامه، كثير النكاح ورغب محب للنساء يوفي

стр. 907

الطبيعة حقها على الحد المشروع له). وقد أكد ابن عربي أن الأقطاب لم يخل منهم زمان منذ أن خلق الله البشرية، كما زعم أن لكل إقليم أو قرية قطبًا صغيرًا ينوب عن القطب الكبير. وقد تحدث التيجاني عن حقيقة القطبانية في المفهوم الصوفي، فقال: (إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مكلفًا في جميع الوجود جملة وتفصيلاً، حيثما كان الرب إلهًا كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله تعالى. فلا يصل إلى الخلق شيء كائنًا ما كان من الحق إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانية في كل ذرة من ذرات الوجود، فترى الكون أشباحًا لا حركة، وإنما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلاً. ثم صرفه في مراتب الأولياء، فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه فهو المتصرف في جميعها والممد لأربابها، به يرحم الوجود، وبه يبقى الوجود في بقاء الوجود رحمة لكل العباد، وجوده في الوجود حياة لروحه الكلية وتنفس نفسه بعد، يمد الله به العلوية والسفلية، ذاته مرآة مجردة يشهد فيها كل قاصد مقصده). إذا نظرنا في النص السابق نجد أن المتصوفة يعتبرون القطب هو المتصرف الوحيد في هذا الكون لأنه نائب عن الله. ويدّعي محيي الدين بن عربي بأنه اجتمع الأقطاب الذين كانوا في الأمم

стр. 908

السابقة فيما سماه بـ (حضرة برزخية) فيقول تحت عنوان: أقطاب الأمم السابقين: (وأما أقطاب الأمم المكملين في غير هذه الأمة ممن تقدمنا بالزمان فجماعة، ذكرت لي أسماؤهم باللسان العربي لما أشهدتهم ورأيتهم في حضرة برزخية وأنا بمدينة قرطبة في مشهد قدس. ثم ذكر أسماؤهم). وعلى هذا يعتبر المتصوفة القطب مساويًا لله في علمه وصفاته وتصرفه في هذا الكون، وهذا غلو شديد يؤدي بمن يعتقده إلى الخروج كلية عن الإسلام؛ لأن من يعتقد بأن القطب يتصف بهذه الأوصاف المذكورة فقد اتخذه ربًا وإلهًا مع الله، وهذا شرك عظيم. وبالجملة: إذا نظرنا في النصوص السابقة كلها نخرج بنتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن كل هذا الكون وتصريفه بيد القطب، وكأنه الوزير النائب عن الله، فلا يكون شيء في هذا الكون إلا عن طريق القطب الصوفي المزعوم، والذي لا وجود له في الحقيقة، وإنما وجوده في خيال المتصوفة فقط، وليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة. وبهذا نكتفي في مجال القطب، وننتقل إلى المرتبة الثانية من المراتب التي وضعها الصوفية للأولياء وهي مرتبة البدلية: المرتبة الثانية: البدل أو البدلاء: يعتقد المتصوفة أن هناك رجالاً سبعة يقال لهم الأبدان يحفظون هذه الأقاليم السبعة ـ أي القارات التي يعيش فيها هذا العالم ـ، وأن كل بدل مكلف بإقليم واحد يحفظه من كل سوء ويحميه. وإليك نصوصًا من بطون كتبهم:

стр. 909

فقد قال محيي الدين بن عربي متحدثًا عن الأبدال: (أما الأبدال: فهم سبعة رجال من سافر منهم من موضع ترك على صورته جسدًا أي شبحًا يحيى بحياته ويظهر بأعمال أصله). وقال أيضًا في مكان آخر: (اعلم أن ثَم رجالاً سبعة يقال لهم الأبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل بدل إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السموات السبع، ولكل شخص منهم قوة منبعثة من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السموات؛ وهم: إبراهيم الخليل، يليه موسى، يليه هارون، يتلوه إدريس، يتلوه يوسف، يتلوه عيسى، يتلوه آدم ـ سلام الله عليهم أجمعين ـ). وقال صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية في وصف الأبدال: (هم سبعة رجال، فمن سافر منهم عن موضعه ترك جسدًا على صورته حيًا يحيى بحياته، ظاهراً بأعمال أصله بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهو في تلبسه بالأجساد والصور على صورته على قلب إبراهيم ﵇. وقال ناقلاً عن آخر: (البدلاء أربعون، والأمناء سبعة، والخلفاء من الأئمة ثلاثة، والواحد هو القطب، فالقطب عارف بهم جميعًا ومشرف عليهم ولم يعرفه أحد ولا يتشرف عليه وهو إمام الأولياء، فالثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة ويعرفون الأربعين وهم البدلاء، والأربعون يعرفون سائر الأولياء من الأئمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد فإذا نقص واحد، من الأربعين أبدل مكانه من الأولياء).

стр. 910

المرتبة الثالثة: مرتبة الوتد أو الأوتاد: يعتقد الصوفية بأن هناك مرتبة الأولياء تسمى الأوتاد، ويعتقد المتصوفة بأن هؤلاء الأوتاد يحفظون هذا الكون الذي نعيش فيه. قال صاحب معجم مصطلحات الصوفية عن الأوتاد: (الأوتاد هم أربعة رجال منازلهم على منازل الجهات الأربع من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة، ويحفظ الله بهم تلك الجهات لكونهم مجال نظره تعالى، والولي يتنور بصورهم فيكلم الناس في الباطن والظاهر ويخبرهم). (لكل وجهة وتد يشفع يوم القيامة فيمن دخل عليه إبليس من جهته). المرتبة الرابعة: مرتبة الأفراد: وقد تكلم محيي الدين بن عربي عن الأفراد وأطال الحديث عنهم، فقال: (أما الأفراد فهم الخارجون عن دائرة القطب، وهم الذين على بينة من ربهم، وهم في هذه الأمة بمنزلة الأنبياء في الأمم الخالية). وقال في وصفهم أيضًا: الأفراد لهم الأولوية في الأمور: فالإنكار ليس من شأنهم، فإن لهم الأولية في الأمور، فهم ينكر عليهم ولا ينكرون. قال الجنيد: لا يبلغ أحد درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق؛ وذلك لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيرهم، ثم قال: الأفراد هم أصحاب

стр. 911

العلم الباطن. المرتبة الخامسة: مرتبة النقباء: ولقد عرف النقباء صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية فقال: (أما النقباء فهم الذين استخرجوا خبايا النفوس وأشرفوا على الضمائر لتحققهم بالعبودية). إذن، النقباء هم الذين يعرفون ما في الضمائر، ومعنى ذلك هم الذين يعلمون الغيب. المرتبة السادسة: مرتبة النجباء: وقد عرفهم صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية بما يلي: (أما النجباء فهم أربعون شخصًا، مشغولون بحمل أثقال الخلق، فلا يتصرفون في حق أنفسهم بل في حق غيرهم). المرتبة السابعة: مرتبة الأئمة: وقد تحدث محيي الدين بن عربي عن هذا عند المتصوفة فقال: (أما الأئمة فهما إمامان، أحدهما عن يمين القطب ونظره في عالم الملكوت واسمه عبد الرب، والآخر عن يساره ونظره في عالم الملك واسمه عبد الملك، وهو الذي يخلف القطب إذا درج). إذا نظرنا إلى النص السابق نرى بوضوح أن المتصوفة يقصدون بلفظ الأئمة الإمامين اللذين يجلسان عن يمين القطب ويساره، وهذا حسب

стр. 912

زعمهم، وإلا فلا وجود أصلاً للقطب المزعوم فضلاً عن أن يكون له إمامان يجلسان بجنبيه. المرتبة الثامنة: مرتبة المجذوب: هناك درجة أخرى من الدرجات التي وضعها المتصوفة لمن يسمونهم أولياء الله وهي مرتبة المجاذيب. وقد تحدث صاحب عوارف المعارف على هذه المرتبة فقال: المجذوب: هو الذي يبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئًا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق السلوك والمعاملة، وهذا لا يؤهل المشيخة. والخلاصة التي توصلنا إليها من خلال كلامنا عن مراتب الصوفية التي وضعوها للأولياء: هو أن المتصوفة كونوا مملكة بشرية وهمية، وزعموا أن هذه المملكة هي التي تسير هذا الكون بكامله، فلا يقع في هذا الكون أمر من الأمور إلا عن طريق هذه المملكة المزعومة، وأن هذه المملكة لها التصرف المطلق في هذا الكون فهي التي تحفظه من المهالك وعن طريقها يرزق كل ما في هذا الكون. وهذا واضح جدًا في النصوص السابقة التي أوردتها عن أئمة التصوف، وبهذا نصل إلى نتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن هناك بشر شركاء لله في تدبير هذا الكون وتسييره. والحقيقة ـ فيما أعلم ـ أن هذا شرك بالله في قدرته الكاملة، وقد انفرد المتصوفة بمثل هذا القول من بين الفرق والطوائف بل وأصحاب الأديان المختلفة، وذلك لأنه حتى الكفار الذين بعث إليهم الرسول ﷺ لم يكونوا يقولون إن الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله

стр. 913

لها المشاركة مع الله في التصرف في هذا الكون، وإنما كانوا يقولون: إنها وسائط فقط. ولذا نقول: إن المتصوفة فاقوا المشركين الأوائل في الشرك بالله، فإنه ما وجد مثل هذا الاعتقاد في شرك الأمم السابقة ولا في شرك العرب في الجاهلية، وإن وجد شيئًا من هذا النمط فكان في الباطنية الكفرة، فهؤلاء لعلهم استقوا هذه الاعتقادات من الباطنية الأشرار، وسأزيد هذا الموضوع توضيحًا فيما يلي بإيراد حكايات عن أئمة التصوف ثبتت لنا أن المتصوفة يعتقدون بأن مشائخهم لهم التصرف الكامل في هذا الكون. ثانياً: ذكر نماذج من نصوص من بطون كتب الصوفية التي ألفها أئمة جهابذة عندهم تثبث لنا أن المتصوفة بالفعل يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في الكون: سبق معنا بيان مراتب الأولياء ووظائفهم عند المتصوفة، وهنا أورد بعض النصوص من بطون كتبهم لكي نثبت ونؤكد ونوضح أكثر اعتقاد المتصوفة التصرف المطلق للأولياء في هذا الكون والذي هو شرك بالله في قدرته الكاملة، وحتى نقطع الحجة على كل متنطع متصوف يقول مثلاً: إن هذا القول لم يقله المتصوفة وإنما هو مفترى عليهم. فمن هذه الحكايات: أ- ما يقول به يوسف النبهاني في معرض حكاياته لكرامات الأولياء: أن عبد الله بن علوي ابن الأستاذ الأعظم من كراماته أن رجلاً أنشد أبياتًا تتعلق بالبعث والحساب، فتواجد صاحبه وخر مغشيًا عليه، فلما أفاق قال للرجل: أعد الأبيات، فقال الراجل: بشرط أن تضمن لي الجنة، فقال: ليس ذلك إليّ ولكن اطلب ما شئت من المال، فقال الرجل: ما أريد إلا الجنة وإن حصل لنا شيء ما كوهنا، فدعا له بالجنة فحسنت حالة الرجل وانتقل إلى ـ رحمة الله ـ وشيعه السيد

стр. 914

المذكور وحضر دفنه وجلس عند قبره ساعة، فتغير وجهه، ثم ضحك واستبشر فسئل عن ذلك فقال: إنه لما سأله الملكان عن ربه قال: شيخي عبد الله بن علوي فتعبت لذلك فسألاه أيضًا فأجاب بذلك فقالا: مرحبًا بك وبشيخك عبد الله يا علوي. قال بعضهم: هكذا ينبغي أن يكون الشيخ يحفظ مريده حتى يعد. والشاهد في النص أن المتصوفة يعتقدون أن معرفة شيخ الطريقة من الطرق الصوفية تغني عن معرفة الله ورسوله، وأنه كفيل لكي ينجي مريده من عذاب النار ويدخله الجنة، وأن شيخ أي طريقة صوفية يستطيع أن يحفظ مريده حيًا وميتًا، وعلى هذا فلا حاجة للتعب والسهر في تلاوة كتاب الله ومعرفة معانيه ولا في دراسة سنة رسوله محمد ﷺ ، وهذه دعوى صريحة للقضاء على الدين الإسلامي كله وتحويل البشرية إلى عبادة البشر الذين يطلق عليهم المتصوفة أنهم أولياء. ٢ - وقال النبهاني أيضًا: ومنهم الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبيتي، كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله وهو يقول للإمام علي بن أبي طالب: ألبس عبد الوهاب الشعراني طاقيتي هذه وقل له يتصرف في الكون فما دونه مانع. والشاهد في النص ـ كما هو واضح ولا يحتاج إلى شرح وإيضاح ـ هو أن رسول الله ﷺ قال للشعراني: تصرف في هذا الكون وأنه ليس هناك أي مانع يمنعه من التصرف فيه، ومعنى ذلك أن المتصوفة يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في هذا الكون، وهذا شرك بالله تعالى لم يصل إليه المشركون الأوائل الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ . ٣ - وقال أيضًا: ومن جملة القصص المشهورة: (أن الفقيه إسماعيل

стр. 915

الحضرمي ﵁ أنه قال يومًا لخادمه وهو في سفر يقول للشمس تقف حتى يصل إلى منزله ـ وكان في مكان بعيد وقد قرب غروبها ـ فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل: قفي لي، فوقفت حتى بلغ مكانه، ثم قال للخادم: ما تطلق ذلك المحبوس؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت وأظلم الليل في الحال). ثم ذكر بأن بعض المتصوفة قال: (لا يكون الشيخ شيخًا حتى يمحو خطيئة تلميذه من اللوح المحفوظ. وقال آخر منهم منكرًا لهذا القول المذكور: لو كان شيخًا لما غفل عن تلميذه حتى وقع في الخطيئة). والشاهد من النصين السابقين واضح جدًا؛ حيث إن الولي الأول أوقف الشمس عن السير ثم أطلق سراحها، ولم يوقفها بنفسه بل أمر تلميذه أن يقول لها: إن الشيخ يأمرك أن تقفي فوقفت، وهذا اعتقاد تصرف لغير الله في هذا الكون واعتقاد القدرة الكاملة في غير الله، وأما النص الثاني فالشاهد فيه أن المتصوفة يعتقدون بأن الأولياء لهم التصرف الكامل حتى إنهم يستطيعون أن يمحوا الخطايا والذنوب التي وقع فيها أتباعهم من اللوح المحفوظ، ورأى أحد المتصوفة أن وقوع المريد في الذنب يعتبر نقصًا في شيخه وذلك لأنه لو كان شيخًا حقيقة لما وقع مريده في الخطيئة، ومعنى ذلك أن الولي يحفظ مريده من الوقوع في المعاصي ويعصمه، وهذه عقائد فاسدة؛ وذلك لأن فيها دعوى بأن البشر لهم حق التصرف في هذا الكون. وهناك نصوص أخرى تدل كلها صراحة على أن المتصوفة يعتقدون في
следующие страницы →