← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

أبان عويصات المسائل كلها ... وأوضح منها ما يسن ويشرع إذا يتل تفسير الكتاب فقوله ... على كل مقبولٍ وما رد يطلع تنزه عن دنيا فلم تستفزه ... بزخرفها أو في خداعها يخدع وما مد عينًا نحوها إذ تبرجت ... بلى إنه في الهجر للكل مولع لقد نال أسباب السماء بعلمه ... ينادي لمن رام الصعود إلّا ارجعوا قفا أحمدًا قولًا وفعلًا فلو رأى ... شوافعهم ذا الشيخ لم يتشفعوا حوى العلم والعلياء والجود والتقى ... وسار بهاتيك الفضائل مسرع وليدًا حوى تلك الخصال جميعها ... إلى يومنا من درها وهو يرضع ختامٌ نقول إن أفاد نقولها ... وإن يعزها في صدقه الكل أجمع لقد حل في ذي العام مفقد عالمٍ ... به الكرب للإسلام قد حل مفظع أتيناه قصد الدرس نجني فوائدًا ... محررةً في الدرس حين يفرعُ فقيل لنا نجم الهداية قد هوى ... من الأفق قوموا أيها الخلق شيعوا فللحزنٍ للأذقان خرَّ جميعنا ... وسالت لذاك الحزن في الخد أدمع تنهد إبكار وصاح عجائٍّ ... وحوقل أشياخٌ وأدهش رضع حيارى من الأدهاش جلَّ مقالهم ... إلهي بهذا الشيخ لا الخلق تفجع إلهي قضيت الموت فادفع منيَّةً ... ومن شوقنا في رد روحه نطمع فلما تيقنا الممات من الأسى ... عليه قلوب الناس كادت تقطع وقمت أنادي في الطلول وأدمعي ... تروي الثرى إذ منه واراه بلقع سأبكيه في نطقي ودمعي وأنةٍ ... إذا زفرت منها تكسر أضلع أجاوب ورقاء الحمامة في البكا ... ويغلبها صوتي أسًا حين تسجع فلن أنس إذ حفت به جملة الورى ... كبدرٍ به حف الكواكب طلع ترنمت في إمداحه بحياته ... فأطربت في إنشادها اذ أرجع فلهفي إذا حولت تلك مراثيًا ... أطوف بها هل ذاك في الرزء ينفع ولهفي على فقدان شيخ ذوي النهى ... فقد كنت حيرانًا فما ذاك أصنع

стр. 1017

ولهفي فقد قل اصطباري فليتني ... بردت غليلًا إن جزعت فأجزع أعزي محاريب العلى بإمامها ... فناظرها من فقده الدم يدمع أعزي دروس الفقه بعد دروسها ... فمقلتها من حزن، فقده تهمع تنكرت الدنيا ولكن تعرفت ... بطيب ثنا أبقاه في الخلق يسطع وأقلامنا شقت عليه تأسفًا ... على فقد خد الطرس كم فيه ترصع بريدة فأبكي إن فخرك قد ثوى ... بلحدٍ ولن يرجى لبدرك مطلع بريدة للحزن السواد إلّا البسي ... فعنك بذا أمر الملامة يرفع به صرت في الأمصار تاجًا بمفرقٍ ... فعادت تعزيك إذا التاج ينزع جعلتي له الأحداق موضع رجله ... فكيف سمحت أنْ ببطنك يوضع قفوا خبِّرونا هل بنا اليوم مثله ... وهل صار في الماضي بمثله يسمع قفوا خبِّرونا أي شيخ مهذب ... يقوم مقام الشيخ إن ذاك تدعوا قفوا خبِّرونا من يشابه شيخنا ... ومن كان من علم الهدى متضلع قفوا خبِّرونا من يمازح طفلنا ... سواه وجلباب الحيا متدرع أهلنا عليها الترب آهي ولوعتي ... فهل فيكم مثلي فتى يتوجع أهالت عليه الترب في القبر راحتي ... فما راحتي يدري لها اليوم موضع تركنا علومًا في الثرى إذ ثوى به ... وعدنا ببرقٍ خلبٍ حين يلمع لقد مزج البحرين علمًا كذا ندى ... فلهفي ضريح ماء بحريه يبلع لئن نهبت أيدي المنون لجسمه ... فذى سنة ما الموت في ذاك مبدع فهذا طريقٌ كلنا له صائر ... فذاك مضى قدمًا وذا ذاك يتبع تسير قفول العالمين جميعهم ... لذاك وللأرواح في الخلد مجمع وإني لأرجو أن يكون مقامه ... بعدنٍ إذا يبدو به يتشعشع فيا ربِّ حقق ظن عبدك واقبلن ... دعائي لذاك الشيخ فيها يمتع وألحق محبًا قال ذاك بحبه ... فعفوك من ذني وإن جل أوسع لفقدان شيخي ليتني لم أكن ... وإلا ففي لحدٍ ثوى فيه أوضع

стр. 1018

فيا نوم عيني لا تلم بمقلتي ... فعينٌ كعيني بالكرى ليس تهجع ويا صبر فارحل ليس قلبي فارغًا ... أصيب بأحزانٍ وحاشاه يقلع ويا نار شوقي بالفراق تأججي ... وعقربه قولي لها القلب نلسع ويا نفس صبرًا فالتأسي لائقٌ ... بموت الذي في كفه الماء ينبع هو المصطفى زين النبيين أحمدٌ ... شفيع الورى يوم الصحائف ترفع عليه صلاة الله ما هبت الصبا ... وما هل ودق فيه رعدٌ مقعقع كذا الأهل والأصحاب أيضًا وتابعٌ ... مضى على خلف وللأمر طيع وأرخّ لشهرٍ في حبا من محرم ... للعام طاب القبر فيه السميدع وقد رثاه الأخ عثمان بن أحمد بن بشر، وعبد الرحمن بن عبد الكريم بن عودة بن محيميد، وقيل فيه شيء كثير من المديح أضربنا عن ذكرها لضيق الموضع، ولأن غالبها لم يتزن. ثم إنها جاءت التعزية لأخيه وذريته وأقربائه من قبل صاحب الجلالة الملك عبد العزيز، وفي ٢٥ من الشهر المذكور جاء الأمر السامي من قبله بتنصيب أخيه الشيخ عمر بن محمد قاضيًا في القصيم، فتولى الشيخ إمامة المسجد الجامع في بريدة واستمر في القضاء. أما ذرية الشيخ عبد الله فكان له من الذكور محمد فقط، وكان صالحًا ناسكًا، توفى وهو شاب، وله بنات. وممن توفى فيها من الأعيان والدنا السعيد وهذه ترجمته: هو العارف العاقل الناسك السخي الكريم أبو عبد الرحمن عبيد بن عبد المحسين آل عبيد، ولد ﵀ سنة ١٢٦٧ هـ فنشأ في حجر والده -جدي- وكان في قلةٍ من الدنيا، ووافق ذلك حروبًا ومحنًا ومخاوف، وتوفى والده قبل زواجه لأن زواجه تأخر إلى واقعة المليداء، وكان ممن شهد الوقعة فعزم على أنه إذا رجع إلى وطنه سالمًا ليتزوجن، فتزوج وله من العمر أربعون سنة. وكان ﵀ حسن الكتابة، ولجودة خطه كان كاتبًا للأمير حسن بن مهنا

стр. 1019

وقد يسير في رفقة الرجل المدعو الحصان خارص الأمير حسن، ومن زملائه في الكتابة محمد بن عيدان، كان والدنا يحدثنا أنه لم يكن في زمانهما أحسن منهما خطأ، فقدر أنه جاء أعرابي إليهما وجعل يسألهما هل يحسنان الكتابة؟ فازداد عجبهما به وكيف سولت له نفسه أن يبحث في هذا الموضوع حيث لم يدع القوس لباريها والسهم لراميها، فلما رأى الأعرابي أنهما ينكران علمه بالكتابة طلب قلمًا وورقة، ولما أن رأى القلم طلب أن يتولى هو بريه بنفسه، فأخذ سكينًا وبرى القلم مرتين وقطع في الثالثة رأسه -أعني القلم- وقال: أريد أن أكتب لكما فائدة، فكتب هذه الكلمات "الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار الملك الجبار" ثم ناولهما كتابته، فإذا هي آية في الحسن والجودة، وحقرا أنفسهما واستصغراها. وكان والدنا ﵀ جوادًا كريمًا محسنًا إلى الناس، شكورًا لنعم الله تعالى، ولقد أعطاه الله بسطةً في الرزق وسعة من المال في النصف الأخير من عمره، فكان يتمنى أن لو كان ذلك في حياة والده ليواسيه ويوسع عليه، وكان يأكل من كسب يده وعنده ثروة عظيمة، ويبذل الأموال في سبيل الخير والإحسان وصلة الأقارب، وله مقامات في الإحسان. سمع مرة وهو جالس في دكانه رجلين يختصمان فاستمع إلى كلاهما فإذا قد اشترى أحدهما ناقة من صاحبه ولم يجد لها ثمنًا، وقد تبعه صاحبها يقول: ناقتي أو ثمنها وجعل المشتري يسائله بالله أن يصبر حتى يأتيه الله برزقٍ من عنده، فإنه لا يجد في الحال الثمن، فتعلق به صاحبها وأخذ خطامها من يده، فوقف المشتري مقهورًا لأن الناقة لها موضع عنده وما لديه قيمة لها، فقام الوالد وعد قيمتها "وكانت ١٣٠ ريالًا" فرنسيًا وجعلها في كيس وخرج يقول أين المشتري؟ خذ القيمة وادفعها إليه واذهب بناقتك، هذا وما كان يعرف البائع ولا المشتري غير أنه أحب أن يفرج عنه كربته ويبرد حرارة الطلب وحملته الأنفة العربية والمروءة الإنسانية إلى تلك الأريحية، وجادت يمينه أن تقرضه وهو لا يعرف شخصه، وكان يقول: يا ليتني سألته عن اسمه ومن أي جهةٍ كان.

стр. 1020

وكنت أظن أن الله رد عليه قرضه بعد ثلاثة أشهر، ولما دفع الرجل إلى الوالد هدية جزاءً له على إحسانه ومعروفه ردها وأبى أن يقبلها. ولقد أسكن أخاه وأخته في أبيات حسنة وجعل ينفق عليهما، ولما ماتا قبله طلب منا أن لا نضايق الذرية في إخراجهم من البيوت ما داموا محتاجين إلى السكنى، ولما وقعت المسغبة التي قدمنا ذكرها كان إذا خرج من بيته إلى السوق يحمل على رأسه الزبلان فيها التمر والدقيق يوزعه على من مرَّ به من الواقعين على ظهر الأرض من الجوع. وكان يخرج إلى أصحابه وغرمائه فيحمل على دابتين طعامًا وكسوةً ولحمًا وقهوةً وسكرًا يكفي من يخرج إليه ضيافة ويزيد إلى ممر الأسبوع. وأهدى له بعض أصحابه حمل بعير عشبًا طيبًا وجعل في أعلى الحمل جذعًا عظيمًا من الحطب الغضى، وكان يعجبه الشيء الحسن، فلما ورد عليه أعجب به وجعل ذلك الجذع فرجةً لأصحابه، ثم إنه دعا برسول المهدي وكان ابنه فناوله كسوةً لجميع عائلتهم ونصف ذبيحة كبش وقهوة وسكرًا وأرزًا وعشرة ريالات فرنسية، وكان الحمل لا يساوي خمس ذلك الجزاء. وبعث أمير بريدة إلى فلاح يأمره أن يحمل إليه جميع ما لديه من الخضرة فإن عنده مائدة ضخمة، فقام الفلاح وحمل ما لديه على حمار قوي وأمر أكبر أبنائه أن يقصد به قصر الإمارة فتقفاه ابنه وأتى به إلى الوالد يقول هذا هدية من أبي فلان فأخذه الوالد وشدَّ على الحمار ما يطيقه من الحمل أرزاقا وكسوةً، فرجع الفتى إلى أبيه فسأله لما رأى الجزاء: قال يا بني أخزاك الله إلى من ذهبت به إليه؟ فأجابه قائلًا "عمنا عبيد" أما كنت بعثتني إليه؟ فتراجع الأب عندما رأى الأرزاق بين يديه وقال: أتدري يا بني أصبت والله في صنيعك ذلك، فقال له: يا أبت إنك غاوٍ في رأيك تريد بعثه إلى الأمير فلعله يسخطه ويستقله، وانظر الآن ما قابلك به هذا الجواد. ودخل عليه مرةً رجل أشمط عليه سيماء الصلاح وأنا حاضر عنده في وقت المساء فسأله عن اسمه فعرفه الوالد بنفسه فقال: إني كنت البارحة نائمًا في سطح مسجد جامع بريدة فأتاني ملكان جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال لي أحدهما: بشر عبيد بن عبد المحسن بالجنة فقال الملك الآخر بم نال ذلك،

стр. 1021

فأجابه الملك الأول بقوله: "أفلا يكون عبدًا شكورًا" فدعا له الوالد وذكر له أنه قد تكرر رؤية ذلك قبلها، ونسأل الله أن يمن علينا وعليك بفضله. وكنت أشاهد من أعماله وأخلاقه الطيبة ما يرجى له معه الفوز بالجنة والنجاة من النار، فقد لبث عشرين سنة لا يصلي إلا خلف الإمام في الصف الأول فلا تفوته تكبيرة الإحرام، وله عادات مستحسنة: فكان يفطر الصوام في شهر رمضان، ويطعم المعتكفين في العشر الأواخر منه، وقد يضحي بسبع ضحايا لنفسه وأقربائه، وكان مكرمًا لأنجاله وأحسن تربيتهم وقدمهم لتعلم القرآن والسنة، وإذا رأى منهم مجتهدًا فرغ باله وقد كفاهم مؤونة الدنيا، وزوج البالغين، وقام بحجهم فجزاه الله خيرًا، وكان له ذوق في شراء الكتب الدينية وتقديمها لهم ويطالع، وكان مولعًا بتلاوة القرآن ويحب الصوت الحسن وقد يجعل جائزة لمن حفظ من أبنائه القرآن عن ظهر قلب، ويحب الشعر النبطي، ويلهج بالحكمة، وكانت وفاته في آخر رمضان من هذه السنة وخلف أبناء صالحين، فمنهم: الشيخ عبد المحسن وسيأتي ذكر ترجمته، وأما الشيخ عبد الرحمن فقد توفى قبله ومرَّ شيء من ترجمته، ومنهم المؤرخ وغيرهم، وتوفى قبله عبد العزيز، وكان له خمس بنات، مات عن أربع منهن، وغالب ذريته كانوا صالحين. وممن توفى فيها من الأعيان: سادن الكعبة "عبد القادر الشيبي، (١) وهذه ترجمته:

стр. 1022

هو الشيخ عبد القادر بن علي بن محمد الشيبي، ولد سنة ١٢٧١ هـ وتولى سدانة الكعبة سنة ١٣٣٥ هـ كان شهمًا همامًا وديعًا سموحًا له إقبال على الناس، محبًا للخير وجيهًا، وقد باشر عدة وظائف منها: رئاسة مجلس الشيوخ في عهد الملك الشريف الحسين بن علي، وترأس عدة مجالس في حكومة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وكانت له منزلةٌ عالية لدى الملك، ومكث رئيسًا للسدنة ست عشرة سنة إلى أن توفى في اليوم العاشر من شهر رمضان في هذه السنة، وكانت وفاته بمكة المكرمة وعمره ثمانون سنة، ثم تولى بعده السدانة محمد بن محمد صالح بن أحمد بن محمد بن زين العابدين الشيبي، وذلك من الغد، والمترجم هو الذي سلَّ على عنقه سيف الإخوان البدو في واقعة الطائف. وفيها وفاة شاعر النيل أحمد شوقي، كان من أشعر الشعراء في زمانه، وله ديوان شعر. وفيها وفاة الدويش، وهو فيصل بن سلطان الدويش الشهم البطل الغاشم، كان في بادئ أمره من قواد الجيوش السعودية، وكان لا يهاب الموت ويلقي بإخوانه المهاجرين إلى التهلكة. وكان صاحب الجلالة يسيره للغزوات، وقد يسير هو من تلقاء نفسه، نازل سالم بن صباح في واقعة الجهراء وشوهد منه إقدام غير أنه انخدع له، وكذلك أيضًا لما نازل محمد بن طلال في فتح حائل شوهد منه جراءة وشجاعة كسر لأجلها جيش ابن طلال غير أنه انخدع له أيضًا، ولكنه كثير التقلب، شديد الإعجاب بنفسه مع ما فيه من الغشمة والنفاق، غره غلو أهله وقومه فيه لأنهم يرونه "المنجنيق" الذي يبيد الأعداء ويفرق الجموع، ولقد رعب بشراسته وفتكه أهل العراق والكويت، وآخر ذلك ثار على الحكومة فأحاط الله به وصرعه بغيه، فالتجأ إلى أبي حنيك في العراق بعدما خذله الله تعالى، وبعدما أكد ابن سعود على بريطانيا أن تحضره بين يديه أو تسمح له بمطارته، رأت أنه لا بد من ذلك فخدعوه وأخذوه في طائرة ليبعثوا به إلى لندن فيأمن من ابن سعود، وبينما يتطلع إلى لندن إذا به أمام مخيم ابن سعود، فاعتقل في سجن الرياض إلى أن توفى في هذه السنة بعد ثلاث سنين قضاها في السجن.

стр. 1023

ووالله إنه لما يذيب حبة القلب أن يجد المؤرخ نفسه مضطرًا بعامل الإخلاص للتاريخ الذي يوجب على الكاتب أن يسوق الحقائق في ثوبها عاريةً من الكذب فيذكر للقارئ ذلك، والله المستعان. المملكة العربية السعودية علي أثر حادثة ابن رفادة وما صنعه المغرضون رأى أهل الحجاز أن يقدموا طلبًا إلى صاحب الجلالة أن يحول اسم ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها إلى توحيد الكلمة، وأن يحول اسم المملكة الحجازية النجدية إلى اسم المملكة العربية السعودية، وطارت البرقيات من كبراء البلاد ومن أفراد الأمة ومن البلدان والقرى والحضر والبوادي إلى الملك العظيم فأجابهم إلى ما طلبوا، وأصدر مرسومًا ملكيًا برقم ٢٧١٦ أمر فيه بتحويل اسم المملكة القديم إلى هذا الاسم الرائع القوي ابتداءً من يوم الخميس ٢١ جمادى الأولى ١٣٥١ هـ الموافق ٢٢ سبتمبر ١٩٣٢ م، وكان إصدار الأمر قبل الابتداء بأربعة أيام، وما كاد هذا النبأ يصل إلى الأمة حتى استعدت لإقامة مهرجانات استقبالًا ليوم الخميس تعبّر فيه عن سرورها بهذا اليوم التاريخي المجيد الذي نالت فيه رغبتها، وظهرت بمظهر الوحدة أمام الأمم الأخرى، وخطب الخطباء، وكتب الكاتبون، ونظم الشعراء حتى انطلقت المملكة تصيح بالهتاف والتكبير والتصفيق، وتكلم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل في صدر المهرجان بكلمة قال فيها: لا أستطيع أن أعبر لكم عما يخالجني من السرور في هذا اليوم الذي منَّ الله به على هذه الأمة العربية المسلمة بتوحيدها ضمن مملكة واحدة، إن جلالة الملك يشكركم على هذه الغيرة التي أبديتموها والإخلاص الذي أظهرتموه، وقد تفضل جلالة مولاي نزولًا على رأي الأمة فأصدر أمره الكريم بالموافقة على رغباتكم، ثم إنها أطلقت المدافع واختالت البلاد في أجمل الحلي ابتهاجًا بيوم الوحدة، وختمت الحفلات بخطاب ألقاه الأمير سعود بن عبد العزيز في شدة الفرح بهذا الاتحاد.

стр. 1024

الاعتداء على الحجر الأسود ففيها في آخر محرم جاء رجل فارسي من بلاد الأفغان فاقتلع قطعة من الحجر الأسود، وسرق أيضًا قطعة من ستارة الكعبة، وقطعة فضة من مدرج الكعبة الذي بين بئر زمزم وباب بني شيبة. وصفة أخذه لقطعة الحجر، أنه لما أكب عليه ليقبله أخرج من جيبه بارية من المغناطيس فقطع به منه فشعر به حرس المسجد وألقوا القبض عليه، ثم قتل شر قتلة والعياذ بالله، ولما كان في ٢٨ من ربيع الثاني حضر جلالة الملك عبد العزيز من مصيفه الطائف قبل توجهه إلى الرياض فدخل المسجد الحرام وحضر معه رئيس هيئة القضاء الشرعي عبد الله بن حسن، وحضر أيضًا عبد الله بن عبد القادر نيابةً عن أبيه قبل وفاته، وحضر بعض الأعيان، ثم أحضر مدير الشرطة العام مهدي بك تلك القطعة الذي اقتلعها ذلك الفارسي الخاسر، وأحضر المسك والعنبر مركبًا كيماويًا عمله الأخصائيون، فوضع ذلك المركب موضع القطعة ثم أخذها جلالة الملك عبد العزيز بن سعود بيده ووضعها في محلها تيمنًا وأثبتها الأخصائيون إثباتًا محكمًا. وفيها في رمضان نزل غيث عظيم وهطلت أمطار غزيرة، فسالت الأودية منها سيلًا عظيمًا، ومن أعظمها سيلا وادي بني حنيفة فإنه جرى جريًا لم ير مثله في أزمتنا هذه ولا قريب منها بحيث فاض يمينًا وشمالًا حتى دخل بلد السلمية ليلًا لأربع عشر خلت من رمضان، فانزعج أهلها وهربوا خوفًا على أنفسهم، وتلف به أموال كثيرة ومواشٍ، وغرق به سبع نسوة وشيخ كبير. وقد قال الشاب الشيخ محمد بن عبد العزيز آل هليل قصيدة في هذا الموضوع يرثي بها أولئك الغرقى الذين ذهبوا ضحيةً لذلك: كلٌ يزول وكلٌ هالك فان ... إلّا الإله وما لله من ثان قضى وقدر تقديرًا فأتقنه ... سبحانه هو ذو عزٍ وسلطان

стр. 1025

أقول للركب لما سيروا نجبًا ... عيسًا عتاقًا مراسيلًا كظلمان حثوا الركائب كي تطوى لأحزان ... نحو البلاد التي تسقى بفرزان بعد الوصول قفوا نبكي بها زمنًا ... نبكي بدمعٍ من العينين هتان أين البلاد التي شيدت مساكنه ... أين القصور التي قامت بعمران تلك البلاد بأمر الله فرقها ... وادي حنيفة جاء ليلًا بطوفان والناس في غفلةٍ بالليل قد هجعوا ... فصاح صائحهم بصوت يقظان دعوا البلاد ولا تبقوا بها أحدًا ... إن السيول أتت تجري بصوان (١) فالكل قام وذاك الخطب أزعجهم ... وسار أجمعهم شتى لكثبان ومات من غرق ست وواحدةً ... من النساء ومن يدعى ابن عمران وأصبحت بمرور السيل قد خفيت ... تلك البلاد وما أمست لسكان كأنها قط لم تسكن مساكنها ... كأنها قط لم يبن بها بان تالله إن بذا أخي لمعتبرًا ... للعاقلين ومن ليسوا بعميان يا من أصيبوا بهدم الدار مع غرقٍ ... صبرًا بما قدر الرحمن إخواني هذا القضاء قضاه الله في أزلٍ ... قبل الخلائق تقديرًا بإتقان فارضوا بما قدر الجبار واحتسبوا ... إن الرضى بالقضاء حق لديان وبادروا بثناء الله وارتجعوا ... عند المصائب في سرٍ وإعلان لا تأسفن على ما فات من عرضٍ ... فالرب يخلفه فضلًا بإحسان هذي الحياة وربي صفوها كدر ... لا بد زائلةً عن كل إنسان يشقى اللبيب بها ويمسي ذا عطبٍ ... تبًا لها دار أكدارٍ وأحزان إن المصاب الذي يأتي بلا عمل ... يوم المعاد ومن يجزى بحرمان وما أصاب جميع الناس من ضررٍ ... إلّا بظلمهموا وشؤم عصيان

стр. 1026

نستغفر الله قد بانت جراءتنا ... على الإله ولم نسخط لشيطان نحن المسيئون نحن التابعون هوى ... نحن الأولى خلطوا ذنبًا بطغيان ونحن في غفلة عما أريد بنا ... والكل في سكرةٍ ويحا لسكران ولم نراقب إله العرش في عملٍ ... وذا وربك منا ضعف إيمان والله نسأله يمحو معائبنا ... والله نسأله لطفًا بغفران وصل ربي على أزكى الورى شرفًا ... خير البرايا وداعيهم ببرهان والصحب والآل ثم التابعين لهم ... ما غرد الطير فوق الدوح والبان ثم دخلت سنة ١٣٥٢ ه ـ استهلت هذه السنة والعلاقات قد توترت بين المملكة السعودية وبين اليمن، وإذا أمعنا النظر وجدنا يحيى منشأ الخلاف. هذا وقد كان ملوك الإسلام والعرب على ممالكهم، فكان على مصر وأعمالها الملك فؤاد الأول بن إسماعيل الخديوي، وعلى تركيا الغازي مصطفى كمال، وعلى العراق الملك فيصل بن الحسين، وعلى الكويت شيخها أحمد الجابر بن صباح، وعلى البحرين شيخها أحمد بن عيسى بن خليفة، وعلى جمهورية سوريا الأمير محمد العابد، وعلى شرقي الأردن الأمير عبد الله بن الحسين، وعلى نجد والحجاز والإحساء صاحب الجلالة وصقر الجزيرة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ولما أن كان في ٩ محرم منها بعث جلالة الملك برقية إلى الإمام يحيى في شأن وفده وهذا نصها: أدام الله بقاء الأخ، فقد سبق أن أخبرناه باستعدادنا بإرسال المندوبين إلى ناديه، والأن رأينا أن أحسن من ننتدبهم لهذا الغرض، ولهم إلمام بالحالة بين البلدين هم خالد أبو الوليد، وحمد السليمان، وتركي بن ماضي، وهم الآن مستعدون للسفر من جيزان عند ورود جواب الأخ، ونرجوا أن يكون وصولهم إليكم عن طريق الحديدة بالسيارات، ولا شك أنهم سيلقون من سيادة الأخ كل ما يسهل طريق

стр. 1027

وصولهم إليكم، ونحن مع انتظار الجواب، فما جاء لها من جواب حتى ٢٥ محرم، فأرسل صاحب الجلالة السعودية هذه البرقية التالية في ٢٥ محرم: أخبرناكم بتاريخ ٩ الجاري باستعداد مندوبينا للتوجه لطرفكم وانتظرنا جواب سيادتكم، والآن لم نتلق ذلك، والحقيقة أن لا فائدة من التأخير، حيث أن مندوبينا المذكورين لهم أعمال بطرفنا كثيرة والمدة التي يمضونها بعيدين عن أعمالهم تضر بها، فإذا ترون سيادتكم قدومهم الآن لحضرتكم فهم مستعدون كما أخبرناكم، فإذا ترون تأخير قدومهم فلا بأس فبأي وقت تشاءون قدومهم مستعدون، نرجوا الجواب، ثم جاء الجواب من يحيى في ٢٦ منه: سبحان الله كيف يكون منا تأخير جوابنا لأخينا العزيز أو إهمال له إذًا فلا رفعت سوطي إلى يدي، وإنا أجبناكم بتاريخ ١١ الجاري بما لفظه: مرحبًا بوفدكم المكرم وآداب مروره على الحديدة لا يجد منا إلّا الإكرام فكونوا مطمئنين ولكم الفضل بإرخاء العنان لهم ودمتم والسلام: وما كان يحسن من الأخ السكوت وظن الإهمال، بل كان يلزم إعادة برقية على جهة السؤال أنه سبق من حضرتكم إلينا برقية لم يصل جوابنا لنسرع بالإفادة، وأنه حدث معنا في هذا الشهر عارض شق بنا جدًا، وقد من الله تعالى بزواله ولله الحمد على كل حال، وقد أمرنا الآن بالتعقيب الشديد بعد مأموري البرق حتى نعرف من أين كان التأخر والسلام، فأجابه جلالة الملك بما نصه: نشكر حضرة الأخ العزيز على ما أبداه من مكارم الأخلاق التي هو أهله، وظن أخيكم في تأخيركم الجواب فإنه لم يشكل علينا، وإنما رأينا الوقت طال فاغتنمنا الفرصة لسؤالكم عنه، وأما إجابتكم بتاريخ ١١ فإنها لم تصلنا أبدًا وتحققنا من مراكزنا اللاسلكية فعلمنا أنه لم يصلها منكم شيء إلّا في ١ أو ٢٩ ذي الحجة، أما ترحيبكم بالوفد فهذا من سجاياكم الكريمة، ونرجوا الله تعالى أن يتم ما يكون به راحة للإسلام والمسلمين عمومًا، ولكم ولنا خصوصًا، وأما المانع الذي شق بكم فنرجوا الله أن يزيل عنكم كل مكروه، وقد أسفنا لسماعنا ذلك الخبر، ونسأل الله أن يصحبكم السلامة والعافية.

стр. 1028

أما من جهة إرخاء العنان لمندوبينا فمعلوم لدى الأخ أننا ما أرسلناهم إلّا وثوقًا بالله ثم بهم، وهم بأنفسهم حريصون على إصلاح ذات البين وتقريب ما بيننا، ونحن أطلعناهم على الذي جرى وتقرر بيننا وبينكم في السابق واللاحق، وحرصنا على حسن التفاهم، وإن شاء الله ترون منهم ما يسركم ونسمع ما يسر الجميع عن حصول الاتفاق ودوام الصلات الطيبة، وقد أمرناهم بأن يتهيئوا للسفر، وعند مسيرهم سنخبر حضرة الأخ، كما أنهم سيخبرون مأموريكم لا عدمنا بقائكم. هذا جواب ابن سعود ونحن نجزم بصدقه ووفائه وحرصه على السلم، كما نجزم بأن خصمه بضد ذلك. فلما كان في ١٧ ربيع الأول من هذه السنة جلس الوفد في صنعاء وذلك يوم الاثنين، وقد تألف الوفد العربي السعودي من خالد أبي الوليد وحمد السليمان، وتركي بن ماضي، وتألف الوفد اليماني من القاضي عبد الله العمري، والقاضي عبد الكريم المطهر، فانعقدت الجلسة الأولى وحصل السؤال والجواب والمحاورة الطويلة على جهة البسط، وحصلت الجلسة الثانية في يوم الأربعاء ١٩ ربيع الأول، وطال النزاع والكلام، ثم حصلت الجلسة الثالثة في يوم الاثنين الموافق ٢٤ منه، وطال النزاع عن غير شيء، وما تلخص من هذه المفاوضات إلّا أن آل أمرها إلى الفشل، ثم جعل الوفد العربي السعودي يتراجع الكلام مع الإمام يحيى حتى ملَّ وفد ابن سعود، ورفع حمد السليمان لما انتهى الأمر برقية جفرية إلى مكة المكرمة عدد ٥٩ تاريخ ١٤/ ٤/ ١٣٥٢ هـ، الأخ عبد الله السليمان سيدي نرجوكم أن ترفعوا لجلالة الملك بأنهم منعوا سحب برقياتنا إلى جلالته، وقد منعونا عن السفر ولا نعرف تصدهم نحونا، لكن نيتهم رديئة أردنا تعريفك مخترًا لئلا يشتبهوا، ثم بعث جلالة الملك برقية رأسًا إلى يحيى بتاريخ ١١ ربيع الثاني فيها استفصال وبعض معاتبة على طريق الرأفة واللين من جهة منع برقيات وفده، مع أنه ليس عليهم جناية، فتكون الإهانة لأعضاء الوفد وعدم مراجعتهم شيئًا عجيبًا وختمها بقوله: لم

стр. 1029

يبق للسكوت مجال، فاقتضى أن نعرف حقيقة مقاصدكم التي نرجو أن تكون حسنة وفيها عز الإسلام والمسلمين. والثاني: استنقاذ الوفد الذي ليس لإهانته موجب، ولا لانقطاع أخباره موجب أيضًا عافاكم الله، فجاء الجواب من الإمام يحيى بما معناه: إن عذره هو المرض الذي بلغ به الغاية، وقد منَّ الله بالعافية وبقي بقية يسأل الله زوالها، ثم ذكر أنه عند اشتداد المرض كان عبد الله العمري قد طلب حكماء من حكومة مصر، ومن حكومة العراق، فوصلوا وقد كان منهم البحث وشرعوا بالمعالجة لزوال العلة والله هو الشافي، ثم أجاب عن تأخر تلغرافات وفدكم إلى حضرتكم فذلك واقع كان قد رفع إلينا الوفد، وكان منا سؤال القاضي عبد الله العمري فأفاد: أن طائر هواء الحديدة غير صالح، وإنه قد أرسل من يصلحه وذلك صحيحًا، ثم قال في آخر كلامه: أما منع التلغراف إليكم فهذا لا يكون قطعيًا وقد توجه الوفد إلى حضرتكم أمس الخميس وحررنا إلى حضرتكم ما سترونه إن شاء الله، وقد كتبنا الآن إلى الحديدة ليكون عرض طائر هواء الحديدة على الوفد ليعرفوا الحقيقة، وكونوا من صداقتنا على يقين لا يتزلزل ما دمنا على قيد الحياة، فليس بيننا وبين حضرتكم إلا كل جميل ولله الحمد والمنة والسلام عليكم. نعم إنه قد مرض يحيى وبعث إليه فؤاد ملك مصر طبيبين من أطباء الحكومة المصرية، فسارا إلى صنعاء وقاما على الوجه الأكمل، فأجابه جلالة الملك عبد العزيز بهذا الجواب عن برقيته المتقدمة: أخي برقيتكم وصلت وسرنا صحتكم، الحقيقة والله المطلع أن مرضكم مرض لنا لأننا نحب كل شخص من العرب يهمه أمر الإسلام والعرب، أما اعتذاركم من قبل برقيات الوفد فمقبول، وكما قيل "وكل ما يفعل المحبوب محبوب" والوفد خدامكم، والأخ أخوكم، والمصلحة عائدة للجميع، ثم تكلم بكلام لطيف في استجلاب الصداقة والمودة إلى أن قال:

стр. 1030

وأخوكم يعطيكم أمان الله على ذلك ما زال الأمر ما يحوج للدفاع عن النفس والشرف، ثم ختم الجواب بما ابتدأ به. ولما سار الوفد السعودي راجعًا من صنعاء في يوم الخميس الموافق حادي عشر ربيع الثاني عن تشديد منه على الإمام يحيى في طلب الأذن بالعودة لما لم يمكن للوصول إلى نتيجة مرضية للجانبين، ووصل الوفد إلى جيزان كتب الإمام يحيى إلى جلالة الملك بما حاصله أن قال: وآخر ما كان عليه بيننا وبين الوفد المكرم في شأن الأراضي التهامية والعسيرية أن يكون إبقاؤهما على ما هي عليه الآن، وفي مسألة قتلى تنومة أن يكون تأخير الخوض فيها للمراجعة بيننا وبين حضرتكم، وفي شأن الإدريسي جعلناه بوجهنا وذمتنا أن لا نساعده على شقاق ولا نرضى له، فإن حدث منه حادث فيدنا مع يدكم عليه، ولا نراه يحدث نفسه بشقاق فقد عرف قدر نفسه وقدر أصحابه وأعوانه، وهو الآن منقطع بنفسه لا يخوض في شيء ويشكو لقلة المخصص له من حضرتكم فبالله تفضلوا بزيادة ألف ريال شهريًا له، ولعبد الوهاب وعائلاتهم وحاشيتهم فهم ذوو تكاليف ويعتادون كثرة الإنفاق فتفضلوا بتلك الزيادة ولكم الفضل، أما مسألة يام ونجران يا حضرة الملك عافاكم الله فأنتم تعلمون أنهم جزء من اليمن ما له مفصل بل هم مصاصة قبائل اليمن، وأطال بما لا فائدة فيه، فبعث إليه ابن سعود بهذا الجواب في ١٦ ربيع الثاني من هذه السنة: أخي تقدم إليكم قبل هذا برقية عرفناكم فيها أن بوصول الوفد إلى جيزان وإخبارهم لنا بمضمون كتابكم نراجعكم بشأنه، ثم قال بعد ذلك: أخي تفهمون أن الملك لله ليس لأحد، وإن الأمور ليست بالوراثة ولو دامت لغيرك ما اتصلت اليك، إلى أن قال: أخي تعلمون أننا ما نعذر من جهة الله ولا من جهة الأمانة التي برقابنا، ولا من قبل الصداقة التي بيننا وبينكم حتى نقوم بالواجب، فإما أن ندرك المطلوب أو نعذر، وتعلمون أن شرفنا وشرفكم وديننا ما يسعنا إزائهم إلا القيام باللازم على

стр. 1031

أمر واضح وبرهان بّين، أرسلنا وفدنا وأعطيناه التعليمات اللازمة وحصل أمران أحزننا أحدهما وآسفنا الآخر، أما ما أحزننا فهو اختلاف صحتكم نسأل الله العافية لنا ولكم، وأما الذي آسفنا فهو التأخر من عدم الاتفاق، والآن فإن البنيان الذي على غير أساس ولا ثقة ما يصلح لديننا وشرفنا، لا منا ولا منكم، ثم أطنب وأطال في ذكر الأمور التي بها صلاح الطرفين وأفصح عما في ضميره من حبه للائتلاف وبغضه للاختلاف إلى أن قال: وإني أعاهد الله أن لا أتعدى الخطة التي تسيرون عليها، وإن أعاملكم بالمعاملة التي تعاملونا بها، وإني لا أبدأكم بشر إلّا أن يكون دفاع عن الدين والشرف، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم للخير. ثم بعد ذلك تبودلت البرقيات، جاء من يحيى اثنتان وأجاب عليها ابن سعود بخمس وكلها لتعلق في شأن الحدود والرغبة في تسكين الثوائر، واستمرت الحال هائجة مائجة، وسنعود إلى ذلك عن قريب، ونسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويظهر الهدى ودين الحق على الدين كله. وبذلك نختم المجلد الثالث من تاريخنا على يد مؤلفه أثابه الله وسدد أقواله وأفعاله، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجميعن آخر المجلد الثالث ويليه إن شاء الله المجلد الرابع وأوله بيعة ولي العهد سعود

стр. 1032

تذكرةُ أُولي النُّهَى والعِرفَان بأَيَّام اللهِ الواحد الرَّيَان وَذكر حَوَادِث الزَّمَانِ تألِيف فضِيلَة الشّيخ إبراهِيم بن عبيد آلَ عبد المحسن "مِن عُلمَاء أهل القَصِيم" الجُزء الرابع مَكْتَبة الرُشْدِ نَاشِرُونَ

стр. 1033

(ح) مكتبة الرشد، ١٤٢٧ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر آل عبد المحسن، إبراهيم عبيد تذكرة أولى النهى والعرفان بأيام الواحد الديان وذكر حوادث الزمان. / إبراهيم عبيد آل عبد المحسن.- الرياض، ١٤٢٧ هـ ٣٢٠ ص؛ ١٧ * ٢٤ سم ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٨ - ٦٢١ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٤) ١ - التاريخ الإسلامي ٢ - التراجم ديوي ٩٥٣ أ- العنوان ٤٧٩٢/ ١٤٢٧ ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٨ - ٦٢١ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٤) رقم الإيداع: ٤٧٩٢/ ١٤٢٧ جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م مكتبة الرشد - ناشرون الملكة العربية السعودية - الرياض شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز) ص. ب: ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ - هاتف: ٤٥٩٣٤٥١ - فاكس: ٤٥٧٣٣٨١ E-mail: alrushd@alrushdryh.com Website: www.com فروع المكتبة داخل المملكة * الرياض: فرع طريق الملك فهد: هاتف: ٢٠٥١٥٠٠ - فاكس: ٢٠٥٢٣٠١ * فرع مكة المكرمة: شارع الطائف: هاتف: ٥٥٨٥٤٠١ - فاكس: ٥٥٨٣٥٠٦ * فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري: هاتف: ٨٣٤٠٦٠٠ - فاكس: ٨٣٨٣٤٢٧ * فرع جدة: ميدان الطائرة: هاتف: ٦٧٧٦٣٣١ - فاكس: ٦٧٧٦٣٥٤ * فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة: هاتف: ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس: ٣٢٤١٣٥٨ * فرع أبها: شارع الملك فيصل: تلفاكس: ٣٢١٧٣٠٧ * فرع الدمام: شارع الخزان: هاتف: ٨١٥٠٥٦٦ - فاكس: ٨٤١٨٤٧٣ * فرع حائل: هاتف: ٥٣٢٢٢٤٦ - فاكس: ٥٦٦٢٢٤٦ مكاتبنا بالخارج * القاهرة: مدينة نصر: هاتف: ٢٧٤٤٦٠٥ - موبايل: ٠١٠١٦٢٢٦٥٣ * بيروت: بئر حسن: هاتف: ٨٥٨٥٠١/ ٠١ - موبايل: ٥٥٤٣٥٣/ ٠٣ - فا كس: ٨٥٨٥٠٢/ ٠١

стр. 1034

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين ذكر بيعة ولي العهد سعود بن عبد العزيز سنة ١٣٥٢ ه ـ لما رأى بعض أقطاب الحكومة السعودية أن الأفضل لمصلحة حكومتهم أخذ البيعة بولاية العهد للأمير سعود أكبر أنجال جلالة الملك ونائبه في الرياض، دفعًا للقيل والقال، وحذرًا من أن يكون مجال للعبث والفساد والتناحر من أجل العرش، فكروا في هذه الخطوة العائدة بسبيل السلام والأمن وتثبيت قواعد الحكم، وقد لاقت هذه الفكرة قبولًا وارتياحًا، فأقرها مجلس الشورى للحكومة، ورفعها إلى عتبة صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن، فأقرها وكان هذا عن مجلس الوكلاء والشورى ورئاسة القضاء والمحاكم؛ وكان قرارها التاريخي في يوم الخميس الموافق ١٦ محرم من هذه السنة ١١ مايو ١٩٣٣ م، وهذا نصها: لما كان حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود، النجل الأكبر لحضرة صاحب الجلالة قد تحلى بكافة الأوصاف الشرعية الواجب توفرها فيمن يخلف ولي الأمر أمدَّ الله في عمره، وقد اشتهرت عدالته وصفاته الممتازة بين الجميع، فإننا عملًا بالمأثور من المبايعات نبايعه وليًا لعهد المملكة العربية السعودية، ونبايعه على السمع والطاعة على كتاب الله وسنة رسوله، ونسأل الله له الهداية والتوفيق، ونضرع إليه تعالى أن يمد في عمره وعمر والده الملك العادل الموفق خلد الله ملكه، وقد أخذنا هذه البيعة على أنفسنا لسموه وعلقناها بأعناقنا، ونشهد الله على ذلك وهو خير الشاهدين. وقد وقّع عليها رئيس مجلس الوكلاء؛ ومجلس الشورى، وقاضي القضاة، وأعضاء مجلس الوكلاء؛ ومجلس الشورى، ولما اجتمعت الكلمة وأجمعت الحكومة علي بيعة سعود بعث إليهم الأنباء يقول فيها أني أتقدم إلى شعب مملكتنا العربية السعودية بالشكر لها لاجتماع كلمتها على مبايعتي بولاية العهد، وإني أعاهد الله

стр. 1035

على أنني سأقوم بما أوجبه علي من العدل والنصح لهم ولولايتهم ظاهرًا وباطنًا، وأقيمت الحفلات في مدن المملكة العربية السعودية إعلانًا للبيعة، وأطاروا برقيات بذلك إلى الملك وإلى ولي عهده، وابتهجت البلاد ابتهاجًا بهذا الحدث الجيد الذي أثبت الأمن في الحاضر والمستقبل، وقطع كل ما كان يخشى وقوعه في المستقبل. مواعظ جلالة الملك لأبنه سعود ولي عهده لما تمت البيعة لسعود أرسل جلالة الملك إليه هذه البرقية الآتية: الرياض -الابن سعود: لقد احطت علمًا بما ذكرت، أما من قبل ولاية العهد فأرجو من الله أن يوفقك للخير؛ تفهم أننا نحن والناس جميعًا ما نعز أحدًا ولا نذل أحدًا، وإنما المعز والمذل هو الله ؛ ومن التجأ إليه نجا، ومن اعتز بغيره عياذًا بالله وقع وهلك، موقفك اليوم غير موقفك بالأمس، ينبغي أن تعقد نيتك على ثلاثة أمور: أولًا: نية صالحة، وعزم على أن تكون حياتك وأن يكون دينك إعلاء كلمة التوحيد ونصر دين الله، وينبغي أن تتخذ لنفسك أوقاتًا خاصة لعبادة الله والتضرع بين يديه في أوقات فراغك؛ تعبد إلى الله في الرخاء تجده في الشدة، وعليك بالحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون ذلك كله على برهان وبصيرة في الأمر، وصدق في العزيمة، ولا يصلح مع الله إلى الصدق والعمل الخفي الذي بين المرء وربه. ثانيًا: عليك أن تجدّ وتجتهد في النظر في شؤون الذين سيوليك الله أمرهم بالنصح سرًا وعلانية، والعدل في المحب والمبغض، وتحكيم الشريعة في الدقيق والجليل والقيام بخدمتها باطنًا وظاهرًا، وينبغي أن لا تأخذك في الله لومة لائم. ثالثًا: عليك أن تنظر في أمور المسلمين عامة، وفي أمر أسرتك خاصة، اجعل كبيرهم والدًا ومتوسطهم أخًا وصغيرهم ولدًا، وهن نفسك لرضاهم، وامح زلتهم، وأقل عثرته، وانصح لهم، واقض لوازمهم بقدر إمكانك، فإذا فهمت وصيتي هذه ولازمت الصدق والإخلاص في العمل فابشر بالخير.

стр. 1036

أوصيك بعلماء المسلمين خيرًا، احرص على توقيرهم ومجالستهم وأخذ نصائحهم، واحرص على تعلم العلم لأن الناس ليسو بشيء إلا بالله ثم بالعلم ومعرفة العقيدة، احفظ الله يحفظك، هذه مقدمة نصيحتي إليك والباقي يصلك إن شاء الله في غير هذا، سيبايعك الناس في الحجاز يوم الاثنين، وسيقبل البيعة عنك أخوك فيصل، وسيصل إليك هو وأفراد الأسرة لتبليغك بيعة أهل الحجاز، وليبايعوك عن أنفسهم، وأرجو من الله أن يوفقك للخير. الإمضاء عبد العزيز فأجابه سعود بهذه البرقية: جلالة مولاي الملك المعظم أيده الله: جوابًا على برقية مولاي عدد ٢٧٥ المؤرخة ١٨ منه، فإن جميع ما ذكره مولاي لخادمه هو عين الصواب، وإنه لا قوام لديننا ودنيانا إلا بالله ثم به، من اتبعه نجا بنفسه ونجا من ولاه الله عليه، وإنني إن شاء الله سأجتهد وأعتمد ما ذكره مولاي من النصائح الدينية والدنيوية، وأرجو إن كان الله يعلم مني ذلك أن يوفقني لرضاه ثم لرضا جلالتكم، وأن يوفقني لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين وولايتهم، وإن كان يعلم مني ضد ذلك فأسأله تعالى أن يكفي المسلمين شرّي، وأن يرد كيدي وكيد كل كائد على المسلمين إلى نحره، وسأبذل الاجتهاد إن شاء الله في سبيل كلمة التوحيد وتقويم الشريعة المحمدية، والنصح للإسلام والمسلمين ظاهرًا وباطنًا، والنصح لولايتهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة ذلك على كائن من كان، أرجو من الله أن يعيننا على ذلك ويمنحنا التوفيق والسداد، إن النية التي ينطوي عليها خادمكم إن شاء الله هي: أولًا: إعلاء شأن كلمة التوحيد، وتأييد الشريعة الإسلامية، والنصح لولاية المسلمين، وإنزال الناس منازلهم خصوصًا أسرتنا كبيرهم وصغيرهم، كما تفضل به مولاي، كبيرهم أب وأوسطهم أخ وصغيرهم ولد، والعدل بين الرعية، وإني أعاهد الله على ذلك، وإني ما ألبس ثوب عافية دونها، وسأكون إن شاء

стр. 1037

الله مقيلًا لعثرتهم، حليمًا على جاهلهم، وهذا إن شاء الله هو العمدة في الدين والدنيا. ثانيًا: سأتخذ الصدق إن شاء الله والإخلاص والجدّ في العمل، وسأوقّر علماء المسلمين وأجالسهم وآخذ نصائحهم وأحضهم على تعلم العلم والتعليم، هذه العقيدة والتوفيق بيد الله تعالى. ثالثًا: إن ما ذكره مولاي عن موقفي أمس وموقفي اليوم وإن الأمر لا يصلح إلا بالعمل الصالح والخالص لوجه الله، وعبادة الله وحده، والتضرع إليه في الخلوات، والالتجاء إليه وحده فهذا الذي فيه النجاة، إلى أن قال: وإني لا علم بأن الله لم يظهركم إلّا بسبب كلمة التوحيد والعقيدة الصالحة التي بين الإنسان وربه، وأرجو من الله أن يوفقنا لذلك، وإن شاء الله إن صلاحك سيصلحنا، وإن نيتك الطيبة إن شاء الله تعمنا، والأمور التي أوصيتني بها أضعها نصب عيني، وسأبذل جهدي إن شاء الله بما يعود منه المصلحة لديننا والتوفيق بيد الله، وأرجو من مولاي الدعاء لخادمه بالبيت الشريف، وأرجو من الله أن يديم لكافة المسلمين بقاءكم، ولا يرينا فيكم ما نكره، والله يا طويل العمر إني يوم قرأت برقيتكم ما قدرت على إتمامها لتردد عبرتي وضيق صدري، والله أسأل أن يطيل عمركم ويجزيكم عن الإسلام والمسلمين أفضل الجزاء، أوصيت فأبلغت وستظل وصيتك في قلي راسخة إن شاء الله ما حييت؛ أرجو أن يمد الله لنا في حياتك، ذكر مولاي أن البيعة تكون يوم الاثنين في الحجاز وأن الأخ فيصل والعائلة سيقدمون إلينا بالبيعة فحياهم الله، والذي يراه مولاي هو المبارك إن شاء الله، وإني أنتظر ما سيتفضل به على مولاي بعد هذا، وأرجو من الله لا يخلينا منك، وأن يمتعنا وجميع المسلمين بحياتك. الإمضاء الابن سعود ثم إنه بعث إليه جلالة الملك المعظم بخطاب مفصل ينصحه فيه بتقوى الله، والعمل بمكرم الأخلاق، والسعي بالعرب والمسلمين في طرق الخير والفلاح، وينصحه أيضًا بالحزم في أموره، والعدل في أحكامه، والبر بالعلماء، وحفظ العهود

стр. 1038

والمواثيق، والنظر في مصالح المسلمين وولايتهم في السلم والحرب والصلح، والنظر في المعاملة الداخلية والخارجية، وأن يعرف الحكومات وموقفها ونياتها وسياستها، وينصحه بالحذر والتأني في تلقي ما ينقل من الأخبار عن الأفراد والدول، وأخذه بالعقل والأناة، والبعد عن حكم الهوى. فأجابه صاحب السمو ولي العهد بأنه سامع مطيع، وآخذ بنصائحه الثمينة، ويدعو الله أن يوفقه للعمل الصالح. ولما انتهت البيعة من مكة التي أخذها بالنيابة عنه أخوه فيصل توجه بوفد الحجاز إلى الرياض، فأقيمت فيها يوم ١٦ محرم ١٣٥٢ هـ حفلة إعلان البيعة. وفي الساعة الثانية عشر من صباح ذلك اليوم اجتمع في القصر الملكي الأمراء آل سعود والمشايخ والعلماء وأقطاب المملكة، وتصدّر هذا الحفل العظيم الأمير محمد بن عبد الرحمن أخو جلالة الملك، وبجانبه الأمير سعود بن عبد العزيز بن عم الملك وزوج أخته، ثم أمراء آل سعود الأكبر فالأكبر، ثم الأمراء من آل رشيد، وجلس على اليسار المشايخ والعلماء ووفد مجلس الشورى، وتليت برقية الملك وكتابه الملكي اللذان أرسلهما إلى ولي العهد مع وفد البيعة. ثم وقف الشيخ الكبير محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ووعظ الناس وشكر الملك ونصح الأمة باتباع الدين، ثم وقف محمد بن عبد الرحمن، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه ألقى كلمة بليغة أثنى فيها على أخيه الملك وامتدح فعاله في السابق واللاحق ودعا له بالتأييد والنصر وطول العمر، ثم عدد خدماته ومآثره التي اخرها هذا العمل المبارك العظيم، وهو إعلان البيعة بولاية العرش للأمير سعود، ورجا أن يكون وراء ذلك الخير كل الخير لـ آل سعود وأهل نجد والمملكة العربية السعودية، ثم مدَّ إخوته عبد الله وسعود وأحمد ومساعد وسعد ثم الأمراء فيصل ومحمد وخالد وآل الشيخ أجمع، وآل الرشيد، وفي مقدمتهم عبد الله بن متعب، وبعد أن تمت المبايعة شكر ولي العهد أصحاب السمو الأمراء وأعمامه وإخوته وأبناء عمومته، وخصَّ أباه الملك بالدعاء وختم خطابه بقوله إنني لا أدخر وسعًا

стр. 1039

في خدمة هذه الأمة العربية الإسلامية والسير بها في طريق الفلاح والرشاد على ما كان عليه السلف الصالح، وإني أشكر الشعب الحجازي لما أبداه من الحب والإخلاص والثقة، وأرجو الوفد أن يبلغ عني شكري، ثم دعا له الحاضرون والغائبون بالنصر والتمكين. ذكر وفاة ملك العراق لما كان في الساعة الثانية عشرة تزيد خمس دقائق من ليلة الجمعة ١٩ جمادة ١٣٥٢ هـ فاضت روحه، وكان في فندق بلغي من برن سويسرا حيث كان يستشفي على أثر نوبة قلبية لم تمهله؛ فلما كان في صباح الغد قصد رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني وياسين باشا الهاشمي وزير المالية ومعهما وزير الدفاع ووزير المعارف وغيرهم إلى قصر الحريم فقابلوا نجله غازي، وهذه ترجمة الملك المتوفى: هو فيصل بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون بن محسن بن عبد الله بن حسين بن عبد الله بن حسن بن أبي نمي بن بركات بن محمد بن بركات بن حسين بن علي بن عجلان بن رشيد بن أبي نمي بن حسن بن علي بن قتادة، أول الأمراء في مكة، بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد الثائر بن موسى بن عبد الله بن محمد الثائر بن يونس بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، وتقدم ذكر ولادته والتعريف بوالدته، كان فيصل بن الحسين والحق يقال أدهى إخوته وأنبلهم، بل إنه كان أدهى من أبيه وأخيه عبد الله، وكان يمتاز بالبر لأهله والصلة، ولا يزال يعامل شقيقه الملك عليًا لما حل عنده ضيفًا في العراق نفس المعاملة التي كان يعامله بها حينما كان في الحجاز، فلا يتقدم عليه، ولما زار والده الحسين في قبرص جلس متادبًا بين يديه، كما كان يجلس وهو فتى، وكان رزينًا منذ صغره واسع الصدر، جم النشاط، طويل القامة منتصبها، حنطي اللون، أشهل

стр. 1040

العينين براقهما جذاب الملامح، طويل الوجه، ذا لحية صغيرة، وخطها الشيب، ويغلب عليه التواضع، وتزينه المهابة والوقار، يفضل اللين على الشدة، ويحرص على استمالة خصومه، ويأبى أخذهم بالقسوة، ويميل إلى الصبر، ويحب الأسفار وكثرة الحركة والتجول، أضف إلى ذلك جودًا وكرمًا؛ وقد سافر لزيارة أوربا ثماني مرات، وزار أنقرة وحل ضيفًا على الغازي مصطفى كمال، وزار فلسطين ومصر وشرقي الأردن، وكان لما بلغ ست سنين أرسله والده إلى قرية رحاب ليتطبع بطابع البداوة، وينشأ على الكر والفر ويركب الخيل والإبل، فلبث ست سنين ثم بعث إلى مكة، وجيء له بمعلمين، غير أنه لم يطل مقامه فيها بل غادرها إلى الأستانة في رفقة والده بعد إقامته سنتين، ولما تولى والده إمارة مكة عاد إلى الحجاز وظهرت رجولته ومواهبه فأدناه والده وولاه قيادة السرايا، وكلان موفقًا وشجاعًا فأحبته العرب، والعرب تحب الشجاعة، وقد مرَّ بقية ترجمته في كتابنا هذا. ولما توفاه الله تعالى وقابل رجال الدولة المتقدم ذكرهم نجله الأمير غازي وجدوه يذرف منه الدمع سخينًا فعزوه، ثم طلبوا إليه أن يقسم اليمين الدستوري "وهذه اليمين يقسمها الملك أمام مجلس النواب والأعيان للمحافظة على الدستور واستقلال البلاد والإخلاص للوطن" وبعدما أقسمها أعلن رئيس الوزراء تتويجه ملكًا على العراق وأطلقت حينئذ المدافع مائة طلقة وطلقة إيذانًا بجلوس الملك الجديد، ثم أذيع البلاغ الرسمي الآتي: جرى تحليف سمو ولي العهد في الساعة ١٠ من هذا اليوم ١٩ جمادى الأولى ١٣٥٢ هـ و ٨ سبتمبر أيلول ١٩٣٣ م، وفقًا للمادة الحادية والعشرين من القانون الأساسي الدستوري، وأصبح متوجًا ملكًا على العراق باسم الملك غازي الأول بن الملك فيصل الأول، وكانت ولادة غازي في مكة المكرمة حينما كان والده يقود حملة أبها لتأديب السيد محمد بن علي الإدريسي في عسير فسمي غازي تيمنًا بغزو أبيه.

стр. 1041

ذكر الاضطرابات والمشاغبات بين الحكومة اليمنية والحكومة السعودية لقد كان من المعلوم أن الإمام يحيى له أطماع سولت له ضم مستعمرات ليست له، كما أنه أخطأ في إيوائه الأدارسة، وقد بعث إليه ابن سعود جوابًا على برقياته خمس برقيات، قال في الخامسة منها ما نصه: ذكر الأخ من قبل مسألة الإدريسي يطمننا أنه لا يعمل شيئًا ضدنا، أخي نحن ما اشتكينا عليكم من الإدريسي خوفًا من سنانه وعنانه، وهو بحمد الله وقوته أصغر وأقل من ذلك، وقد أخرجه الله من بلاده وقبائله بغدره وكذبه وذلك بثلاثمائة من جنود المسلمين إلى أن تكاملت جنود المسلمين وأجرى الله ما أجرى، ولكن راجعناكم بشأنه لأن المعاهدة التي بيننا وبينكم تنص نصًا صريحًا على وجوب تسليم الإدريسي وأجناسه، وقد تركنا المطالبة به لأمرين: الأول: إكرامًا لكم وإجلالًا. والثاني: مخافة أن يقع شقاق بيننا وبينكم، ونرى أن المصلحة واحدة، أما الآن فقد تبين أن بقاءه في ذلك الطرف مشكل، فالعدو يحسب بقاءه في ذلك لمقاصد تحريك الفتن، والصديق يرى أن ذلك ينافي الصداقة بيننا وبينكم، على أن الإدريسي لم يقصر هذه الأيام في حركاته وإفساداته، فقد أرسل لبعض الأوباش من العبادل بعض دراهم وأشاع بينهم أن مندوبه أحمد الأهدل وصل إليكم وأنكم أجبتموه بوصول الأهدل لناديكم، وأن المراجعة تكون بينكم وبينه، وأنكم أجبتموه بتشجيع الناس على الفتنة، وكذلك إذنًا به من مثيري الفتنة لم ينقطعوا بين مصوع واللحية والحديدة باسم التجارة، ويتصلون به ثم ينشرون في الصحف ما اطلعتم عليه من أكاذيبه وافتراءاته، فماذا تريدون أن يكون موقفنا إزاء هذا؟ هل نقف ونترك الحبل على الغارب، وهذا غير ممكن، أو نجزم أمرنا، فإذا جزمنا أمرنا فكافينا صاحب الفعل الجميل بجميله، وصاحب الشر بشره، انتقض ما قد اجتهدنا فيه نحن،

стр. 1042

وأنتم من حب السكون والعفو، وأنه لا بد أن نجازي كل من يبدي منه أي بادرة شر بنا يحب أن تقتل النفوس وتؤخذ الأموال، فهل يرى الأخ أن هذه طريقة حسنة يؤخذ خاطر الإدريسي لأجله وتقتل النفوس، وأنتم تحضوننا أيضًا على ذلك، ليس من الصواب ولا الإنصاف، وإني لا أكتم الأخ وأعرفه بالصراحة أننا عملنا الحزم والاستعداد للطوارئ في المقاطعة إن شاء الله، وأصدرنا الأوامر أن كل من ظهر منه نقض للعهد بعد العفو أن يعامل كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، فإن كان الأخ يرى هذا فنحن قد عملناه ويعذرنا فيما نجريه، وإن كان يرى الأخ غير هذا وهو المأمول فيه فيجب إبعاد المفسد حتى يستريح المسلم الذي يحب العافية وييأس صاحب الفساد، وهذا ظننا بالأخ، وهذا ما نرى أن العهد والصداقة التي بيننا تقضي به، وقد أحببنا إعلام الأخ بهذا لنعلم رأيه في قطع دابر المفسد، وأن نكون معذورين عند الله ثم عند خلقه بما نجريه على الجاني. ولما بلغ ذلك يحيى أجاب بثلاث برقيات يظهر فيها الجميل، وقال في أثناء الثانية منها: ليس المانع لنا عما أشرتم إليه إلّا نفورنا عن تجزئة اليمن، ومثل هذا المانع منذ عشرين سنة لإكمال معاهدة بيننا وبين الحكومة البريطانية لإرادتها تقرير الحدود في تلك الأراضي الجنوبية، ولا نساعد إلى ذلك، ثم قال كلامًا ما معناه أنه يتأخر الخوض في تلك الأراضي الجنوبية، ويتأخر البت وتكون المراجعة في مدة المعاهدة، هذا وقد وافقنا على أن تبقى الحالة بيننا وبين حضرتكم كما هي عليه لأننا غير متربصين أمر غير غلط الجفر. . الخ. ثم إنها ظهرت جيوش الإمام يحيى في نجران وأخذت شكلًا جديدًا معينًا من إحراق القرى والاعتداء على الأهالي والتوغل في أطراف البلاد، وإعمال السيف والنار في الأبرياء والآمنين. وكذلك حدثت مراسلات عديدة من اليمن إلى بعض رجال القبائل في حدود

стр. 1043

المملكة العربية السعودية من جهة تهامة وعسير للتحريض على الفتنة، والحض على الالتحاق باليمن، وثبت مع ذلك أيضًا وصول بعض الجواسيس والدعاة إلى بعض القبائل لتحريضها على القيام بأعمال الفساد. فلما أضرم يحيى نار الفتنة والحركة واندلعت نيرانها تنذر بالشر والويل، عند ذلك أصدر جلالة الملك عبد العزيز أوامره إلى بعض القوات من جنده بالتوجه إلى الحدود، والمرابطة على مقربة منها، واتخاذ التدابير اللازمة للدفاع عن البلاد عن وقوع مفاجئات أو مباغتات غير منتظرة من وراء الحدود، وعَّين صاحب الجلالة ابن أخيه فيصل بن سعد بن عبد الرحمن وجعله قائدًا عامًا للجند السعودي، وكان قائدًا حربيًا قويًا وثابًا، واسع الحيلة، بارع القيادة، منصور اللواء، يخوض المعارك والحروب بنفسه، ولا يقنع بالدون، فيري الأعداء بطولته وشجاعته التي تذوب أمامها الشجعان المغاوير، ويهزمون أمام هجماته وصدماته، ولا يطيقون الصبر اتجاه سيفه الذي يفلق الهام ويطيح الرؤوس، وقد أبلى في الحرب اليمانية هذه بلاءً حسنًا، وكان تحت قيادته ٧٠٠٠ مقاتل، فعسكر فيصل بن سعد بخميس مشيط، ومكث ستة أشهر، فقام هذا الجيش العرمرم بواجب المحافظة على الحدود، كل هذا لأجل الطمأنينة للرعايا ومنعًا عن اصطدام يقع بين القوات من جهة أخرى، ولما أن وصل الوفد العربي السعودي إلى الرياض قادمًا من صنعاء، وهذا في أواخر جمادى الثانية من هذه السنة أذاعوا ما حصل بينهم وبين الإمام يحيى ومندوبيه، وباحوا بما كانوا عليه من الدسائس السيئة والمماطلة القبيحة، وبلغوها على الحقيقة، وكان من كلام الوفد لصاحب الجلالة: قد رأينا الإمام يحيى غير صافي النية من جهة جلالتكم بصورة غير مأمولة من ملك عربي مسلم نحو بلاد عربية إسلامية مجاورة له، إلى أن قال الوفد: وقد أدهشنا وأيم الحق هذا الشعور العدائي الذي لم نكن نتوقعه من مسلم عربي، وقد عجزنا عن ذلك العداء الكامن بالرغم من أنه من الممكن حمله على محمل العقيدة الزيدية من جهة، والطموح والحسد الشخصي لجلالتكم من جهة أخرى، إن الإمام يحيى

стр. 1044

يكرهنا ويخافنا، ولكنه يحترز من محاربتنا ومجابهتنا وجهًا لوجه، وآخر قولهم أن قالوا أنه يعمل على إفساد القبائل والأهالي التابعين لنا، ويستعمل من أجل ذلك الغرض وسائل عديدة، منها بعض اللاجئين إليه من رعايانا، ومنها دعاة المذهب الزيدي الذين لهم صلات مع أشخاص في بلادنا، ثم إذا اعتقد أن الفرصة سانحة أجهز على قطعة من أملاكنا سواء بالحرب أو بالدسائس أو بالتظاهر بتحكيم جلالتكم، كما حصل له في مسألة العرو والمماطلة والمراوغة والتسويف من الوسائل الفعالة التي يلجأ إليها، غير أن غايته القصوى مرتكزة على انتظار فرصة الفتن الداخلية والاشتباك مع أحد الدول للوصول إلى ما يتمناه من أغراض لا حققها الله، فهذا كلام الوفد بحروفه، ولا ريب أنه كلام يثير السواكن ويبعث الهمم إلى الأخذ بالحزم كل الحزم، لا سيما وقد كان في أول الكلام المعذرة حيث قالوا أن جميع مجهوداتنا معه ضاعت سدى، فكنا كمن حاور عجمان أو نادى صخرة صماء، فهل ترى مع هذا الكلام الذي هو أشد وقعًا من السهام على سويداء القلب، أن يحجم ملك عظيم أزعجت هيبته سكن العمورة عن بث القوات وما لديه لحفظ ملكه، وقمع كل من يريد السوء من شريف أو وضيع. ذكر ما جرى بعد ذلك لما اتخذ ابن سعود التدابير ضد حركات الإمام يحيى العدائية فزع يحيى وخاف خوفًا شديدًا، وبعث إلى ابن سعود جوابًا برقيًا في ٢٠ رجب لما سمع بوصول القوات إلى منطقة الحدود، فقال بلغ إلينا تحشيدكم الجنود لى الحدود ولم نعرف سببًا لذلك، فلم يكن منا غير المحافظة على الصداقة كما أوضحناه لحضرتكم مكررًا، وكل ما يبلغ إليكم مما يخالف ذلك وهو محض الافتراء، فاحذروا الانخداع لمن يريد طمس الإسلام وهلاك الجميع، فلا خير في الشقاق لنا ولكم، والغالب نحن أو أنتم خاسر خاسر والسلام. ولا ريب أن هذا يعتبر من الإمام يحيى خوفًا من سطوة ابن سعود وما لديه من الفتك والتدمير.

стр. 1045

ولم أن جاء هذا الاستفصال من يحيى كان الجواب من ابن سعود أن نعم والباعث لذلك أنه حديث عدة أمر للريبة، فرأينا الواجب يقضي بالاستعداد لها، في كلام طويل، وذكر أنه لا بد من ثلاثة أمور: الأول: الاعتراف بالحدود، والثاني: إعادة الأدارسة، والثالث: مسألة نجران، فإن تم الاتفاق بيننا وبين حضرتكم فذاك ونتفق بعده المعاهدة وإلا فلا، ثم تراجع الكلام بينهما، وقال ابن سعود في جوابه: يعلم الأخ أنه لنا عدة سنوات ونحن وهو نتبادل إرسال الرسل لحل المشاكل، ولم تغن الوفود شيئًا، وتعلمون أن المسألة متعلقة بشخصكم وبشخصنا، ولا يمكن أن تحل عاجلًا وآجلًا إلّا بما نتفق عليه بيننا بأشخاصنا إن شاء الله، وتطويل الأمر ليس منه أي فائدة بل بالعكس فإن التطويل يزيد في تعقيد الأمور ويزيد في المشاكل، والذي نقترحه ونراه الأصلح، ولا نرى سبيلًا لحل المشكل بدونه، وهو البت في المواد الثلاث التي عرفناكم بها، فلا يستقيم الأمر إلّا بذلك، فإن وافق الأخ على ذلك وأعطانا عليه الجواب الذي نثق بالله ثم به، فتقديم الوفد منا أو منكم سهل لتسوية الأحوال في أي مكان يكون، ثم إنها ما زالت المراجعات مستمرة بين الطرفين وكلها برفق ولين، وطلب يحيى من ابن سعود أن يتفضل في منع رؤساء أجناده عن تجاوز الحدود التي فيها محطاتهم وهم فيها، وقال تفضلوا أكدوا على أمير جيزان ليترك التجاوز والتهديد لأهل المخالف، فإنهم غاية من الخوف وهم على وشك النفور، وأطال في الكلام، فأجابه ابن سعود بجواب حسن لائق أكد فيه ثلاثة الأمور المطلوبة منه، وأنه لا يليق إعادة الجنود عن رباطاتهم بعد حشدهم وجميع قواتهم خوفًا من التقلب بعدما يرجعون، وذكر أن جميع رعاياه وأهل أطرافه لا يحبون الفتن، وقال بعد كلام: والحقيقة أنه كما قال رسول الله ﷺ : "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" ثم حصلت مراجعات أقرَّ بها يحيى من كون مسألة الأدارسة والحدود قد انحلتا، فشكره جلالة الملك

стр. 1046

وطلب منه أن تنحل الثالثة، وهذا كان في ٢ رمضان من هذه السنة، ولكن الأمر كان على خلاف ذلك. يحيى يبرم بيد وينقض بالأخرى بينما يحيى يفاوض ابن سعود في السلم، وأنه تم تحديد الحدود إذا جنوده وسعاته يتقدمون في الجبال ويحتلونها، وهذه أنباء أمراء ابن سعود يراجعونه بما صدر من يحيى، فبعث أمير عسير تهامة حمد الشويعر ببرقية بتاريخ ٢٨ شعبان تنبي بخيانة يحيى، وهذا نصها: أنتم اتخذتم الإمام يحيى على صلاح، ونحن نكثر عليكم الكلام أول وثاني، وفي هذا اليوم وصلنا رجالنا الذين أرسلناهم للكشف على حالة بني مالك، فوجدوا آل خالد وآل سلمة محاصرين ربعنا، وقد رهنت القبيلتان المذكورتان عند ولد الإمام يحيى عشرة أنفار وأعطاهم عشرة صناديق مؤونة حربية وأوعدهم بعسكر، وهذا محقق. وأيضًا وردنا كتاب من أمير بني مالك بواسطة أمير فيفاء يؤكد ما ذكر ويطلب منا الفزعة التامة بسرعة، وأنتم منعتمونا عن أدنى حركة، ونحن اعتمدنا أمركم لا فزعنا لربعنا ولا أدخلنا من كان يجيئنا من رعايا الإمام يحيى، أوقفتمونا وخليتم الإمام يلعب بالحدود، وهذا الأمر ما غرنا أخبرناكم يوم فيصل في تربة، ونحن ننخاكم على مسك الحدود لأن الجبال وخيمة، فإذا دخل فيها الشر قعد يحيى كما ذكرنا لكم هذه الحقيقة، واليوم يجب أن تفطنوا للحال إن كانت مراجعة يحيى لكم صحيحة، فهذا أول ما تخابرونه فقد أوقفتنا وأياديه تشتغل بالحرب. وأيضًا ذكر أمير بني مالك أنه وصل عند السادة التابعين ليحيى المحاددين المفسدين من بني مالك ريثة ولا بينهم وبين الريثة المذكورة سوى رمية البندق، وغرض الإمام يحيى من تحريض الجبال لكي نوقع بهم فيكونون أعداءً لنا من جهة، ومن جهة ثانية يريد أن يشغلنا بهم عن نفسه، فنرجو أمركم لنا بالذي ترونه. فلما أن ورد هذا الكلام أسماع ابن سعود بعث جوابه من الغد إلى أمير عسير

стр. 1047

ما ذكرتم كله صحيح، ونحن ليس لنا مقصد ما إلّا كما عرفناكم سابقًا ولاحقًا وهو أننا ما نحب حرب يحيى ولا غيره، وقد كتبنا ليحيى برقية جواب برقيته التي وردتنا اليوم، وكتبنا له برقية بخصوص حادث بني مالك، ولا بد أن القوة التي نزلت من أبها أنها عندكم قريب، ونحن الآن ننتظر برقية يحيى وأنت أعمل الحزم وأخبرنا برأيك في جميع الحالات كلها حتى نكون على بينة وبصيرة. ثم جاءت برقية من حمد الشويعر أمير عسير أيضًا إلى جلالة الملك في ٢٩ شعبان، وهي هذه تقدم لجلالتكم أمس الماضي ما يكفي عن أخبار بني مالك. وبتاريخه وردنا كتاب من أمير بني مالك يذكر أن المفسدين آل خالد وآل سلمة والظلمة مضايقينه بالمركز، وأنه وصل العبادل جنود الإمام يحيى عددهم ألف، وما يتنافر، فلما رأينا الحالة أرسلنا موترين إلى بلغازي وحرضناهم على المفزاع، وأيضًا لأمير بلغازي لإيصالها لربعنا، وبحول الله إن العدو معثور، وأحببنا إشعاركم. ثم بعث أيضًا تعزيزًا لذلك إلى جلالة الملك: نحن ما منعنا عن بعض الأسباب إلّا ملاحظة لخاطركم، وإن شاء الله إن العاقبة لكم، روحنا موترين كما عرفناكم، وبها رجال معهم مؤونة إلى بلغازي وأهل فيفاء يأمرون عليهم بالمفزاع ويحزمونهم على المرجلة، وأخبرناهم إن رأوا منهم صدقًا وقومة فيعطون أمير بلغازي ويصلبونه ويمشونه مع بلغازي ليوصلوه لربعنا، فإن رأوا تراخي وعدم ثقة بهم يراجعوننا حتى نروح من عندنا قوة ونحن نبذل الأسباب لمباشرة المسألة الله يقسم ما كان الأصلح. ثم إنه بعث إليه الملك عبد العزيز الجواب عاجلًا في غرة رمضان وهذا نصه: أمير عسير بارك الله فيكم، ما ورائكم حسوفة، لكن تذكر من طرف العبادل ووصول عسكر من يحيى عددهم ألف ومائتان فهذا تعجبنا منه كثيرًا. أولًا: إن الخبر وردكم من بني مالك، وأنت ذاكر لنا أنكم أرسلتم لجهة العبادل قوة وضبطتموهم، وأيضًا أنهم طلبوا منكم الأمان، إلى أن قال: وإنا قد عرفناكم أن جميع الحدود تجعلون فيها رجالًا طيبيين عليهم عمدة وسيارات ودواب طيبة

стр. 1048

يواصلونكم الأخبار بالدقة بارك الله فيكم، أما الأخبار التي تجيئكم من الناس من الخارج بأنكم تخبروننا بها أو تجعلونها على بالكم فهذا واجب سواء من جاسوس أو من مخبر، وأما العمل الذي يعمل به ويعتمدون عليه الناس والعلم الذي يؤخذ ويكون مدار عمل فهذا يجب أن يكون من طورافكم ورجالكم الذين يعتمدونهم، المقصود أن العمدة على ما يصلكم من طوارفكم والعمدة على ما عرفناكم به سابقًا بأن تكونوا مستعدين حاضرين، وأنتم راقبوا قبائل يحيى من طرف ما ذكرتم، أخيرًا فالعمدة عليه ومنتظرون أخباركم السارة إن شاء الله. ثم بعث جلالة الملك برقية أيضًا إلى أمير عسير حمد الشويعر يحرضه فيها على الاستعداد التام والحزم في الأمور، وهذا نصها: ٩ رمضان تعريفكم لنا من جهة وصول جند يحيى لآل خالد أهمني كثيرًا وأقلق فكري، ليس خوفًا من خطرهم فهم بحول الله معثورين إن شاء الله، لكن قلقي لثلاثة أسباب: الأول: أني ما ظننت أن هذا يصير أبدًا. الثاني: أن كثيرًا من الأخبار التي تجيء في مثل هذه الأمور ما لها صحة. الثالث: بعد ورود برقيتكم هذه وردتنا برقية من فيصل بن سعد بوصول خبر إليه من جابر يبغي هذه المسألة، فأنت ما فيك شك ولا حصل منك تقصير، عليك أن تبلغنا بجميع ما يبلغك، وهذا هو الواجب فيصل حرصناه يرسل من يجيب لنا حقيقة الخبر، ويرسل إنسانًا بصيرًا عند ابن طاسان حتى يعطينا حقيقة الخبر ويسعى في الإصلاح إذا حصل المقصود بارك الله فيك، رأيي أنه إن كان ما فيه مانع تراه فشد وانزل أبو عريش واجعل قوة على الساحل ومعها سيارات وأنت تروا في المسألة لأننا بين طريقين إن كان هذا الأمر قد فعله بحي فنحن قد لزمنا الأمر، ولا بد من الهجوم عليه، ذلك إذا كان حقيقة قد أرسل جنود لبني مالك، لكن أنت اعصب نفسك وأحضر قوتك بلا تعد على الحدود حتى تتضح المسألة تمامًا، وتعرف كيفيتنا بالضبط سواء كانت كذبًا أو حقيقة، لأنه إن هجمنا على يحيى

стр. 1049

بموجب كذب ابن طاسان فهذا يكون خطأ منا ونكثًا للعهود والمواثيق التي بيننا وبينه، ويكون ابتداء الأمر اعتداء منا عليه وفتح شر ما للمسلمين منه صالح، ونحن ما خلصت مراجعتنا معه، فإن كان يحيى فعل المسألة حقيقة فيجب الاستعداد ويكون هجوم المسلمين عليه مرة واحدة في يوم واحد، أنت اجمع عزمك وحزمك مرة واحدة بالسياسة والتروي، لا تخلينا نقع في خطر إما هجوم على غرور أو ترك الحزم، وكلامي هذا ما هو شك في همتك وحزمك، لكن تعرف أن هذا الأمر يهمني، ومن النقص على المسلمين إذا كان حقيقة ولم نفعل، وإذا صار غير حقيقي وفعلناه يكون نقصًا أيضًا فبما أنك باذل نفسك دون المسلمين اهتم للمسألة بالتحقيق وتدبر برقياتي هذا جيدًا والله يوفقك للخير. ثم جاء الجواب من حمد الشويعر برقيًا إلى ابن سعود بتاريخ ١١ رمضان، وهو هذا: تذكر أنك تكدرت وأقلق فكرك ما ذكرناه لكم من وصول جند الإمام يحيى لآل خالد فهذا إن شاء الله مما يعينكم على عدوكم، لأن قصدك الصلاح، وأبشرك أن العاقبة لجلالتكم إن شاء الله، أما الخبر فهذا من ابن طاسان وقد تحققنا من جهات كثيرة ونحن آخذون بالحزم ومنتظرون أمركم بالحركة. وهذا جواب الملك لحمد الشويعر في اليوم المؤرخ: ما ذكرتم كان معلومًا وأنا ممنون من أخبارك، وإني يوم أكثر عليك الكلام فلشيء معلوم أني واثق منك إلى حد النهاية أنك تفدي بما عندك وتحت يدك العزيزة المسلمين، ولا كلفت عليك في هذا الموقف إلّا أبغيك لمثل هذا الموسم، وأثق بالله ثم بك، وإن شاء الله إنك موفق فأنت إن شاء الله تجعل عملك في ثلاثة أمور: أولًا: الوثوق بالله والحزم في الأمور كلها. ثانيًا: مراعاة العدو وحركاته. ثالثًا: تثبيت كل علم يجيئك لا من جهة العدو ولا من جهة الرعية، وأما المنازل ومصلحتها والأمر الذي يصدر العدو وفيه مصلحة فالرأي رأيك ويرى الحاضر ما لا يرى الغائب، وأنت أدرى بالمصلحة، وإن شاء الله أخبارك ما تنقطع عنا يوميًا،

стр. 1050

صار شيء أو ما صار شيء أخبارك ترفعها يوميًا، وبالله ثم بكم كفاية هذه المجاوبات بين الملك وبين أمراءه. وكان عبد العزيز بن سعود يجاوب أيضًا الإمام يحيى بجميع ما بلغه من أمور الخلاف التي تصدر على موظفيه ويعيذه بالله من الشقاق فيجاوبه يحيى باللطف واللين وأنه كذلك. ثم إنه في يوم ١٦ من رمضان جاءت برقية من حمد الشويعر يذكر لجلالة الملك أن في الساعة السادسة ليلًا جاءه كتاب من أمير صامطة، ومن شيخ بني شبيل تحملها سيارة يذكرون له فيها أنه وصلهم نذير باجتماع جنود الإمام يحيى برئاسة ابن الوزير ومحمد بن سعد، وعبد الوهاب الإدريسي، وأنهم قد تواعدوا لمهاجمة صامطة يوم الأربعاء، وأنه قد قبض أمير صامطة على كتاب من حسن الأدريسي بختمه تاريخه ٨ رمضان إلى محمد بن أحمد ساوي وهذا نصه: من الحسن بن علي بن إدريس إلى الشهم الكامل العاقل أخينا محمد بن أحمد ساوي عافاه الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: حال يصلكم هذا خذوا حذركم من السعودي لا يقبض عليكم، واتفقوا مع قبائلكم ومن تعرفونه من جميع أهل الجهة، فالفرج تحقق طبق المطلوب سريعًا انتظروا قريبًا. وهذا جواب ابن سعود لحمد الشويعر على الفور: لم تصلنا برقيتكم إلّا في الساعة الثالثة ليلًا، أخبرنا أي ساعة دفعتموها لمركز اللاسلكي، أنت أخبرتنا بهذا الخبر ولكن لم تخبرنا ماذا ستعمل أنت، الآن مالك إلّا النجدة، أجمع جموعك وانحر صامطة، تحقق الخبر ودبر تدبير الحرب واضبط نفسك عن التعدي، وانظر في الأمر إن كان الأمر حقيقة فما دون الحلق إلّا اليدان، استعن بالله وأخبرنا بجميع حركاتك، فإن كان الأمر ما له حقيقة فأنت صرّ في المكان الذي ترى النزول فيه. ثم جاء خبر برقي أيضًا من حمد الشويعر أمير عسير تهامة إلى جلالة الملك في ١٧ رمضان فيه أنه جاءه كتاب من أمير العارضة يذكر أنه وصل جبل العبادل أربعمائة نفر من جند يحيى زيادة عن الذين أتوا من قبل، وأن قصدهم في هذين اليومين مهاجمة

стр. 1051

صامطة والموسم، حتى إذا مشينا إليهم قطعوا خط الرجعة علينا من القوات التي رتبوها في الجبال كما أخبرناكم سابقًا، ولذلك ننتظر أمركم في الحركة التي ترونها. فجاءه الجواب برقيًا على الفور من صاحب الجلالة إلى حمد الشويعر علمنا برقيتكم وكل عدو إن شاء الله معثور ولا يتأسف غير فاعل السوء، ولا بد اطلعت على برقيتنا إلى يحيى وأنت خذ بالحزم والعزم ولا تفتر همتك، وليس عليك قاصر الجند الذي عندك من نجد ومن عسير كثير ولله الحمد، والجند متواصل من الرياض إلى فيصل، أوله عند فيصل والثاني في بيشة والثالث يمشي من الرياض، وتعرف أن الأمور كلها بالله ثم بالحزم والعزم والهمة القوية، وأنتم أجمعوا جموعكم على الحدود واضبطوا نفوسكم عن التعدي إلا أن هاجمكم أحد فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا تهاجموا أحدًا حتى يبدكم بالهجوم، وأبشر بأن الله خاذل كل عدو. وهذه أيضًا برقية من ابن سلطان في أبو عريش إلى جلالة الملك جاءت في ٢٣ رمضان وردنا خط من أمير العارضة سعيدان بن محمد يفيد أن أهل سلا والمعين مع جند الإمام يحيى هاجموهم في العارضة، ويطلب الإمداد منا وقد أرسلنا خبرًا إلى حمد الشويعر في صامطة وسنمدهم بما يلزم، أحببنا إخباركم بذلك والعدو إن شاء الله معثور. فجاءه الجواب من جلالة الملك إلى ابن سلطان في ٢٣ رمضان: تراجعوا مع الشويعر بما يلزم، وقد أمرنا بزيادة الجند الذي عندكم، ومشى إليكم حالًا قوة من البحر، وقوة ستصلكم قريبًا من أبها، اعملوا الحزم وانظروا في اللازم بغير اعتداء. وهذا نبأ أيضًا من حمد الشويعر إلى جلالة الملك بتاريخ ٢٥ رمضان: لقد أخبرنا جلالتكم بما وقع وقدرة الله على سعيدان في العارضة، كذلك وردنا خط من علي أم يحيى راعي فيفاء يذكر أنه وصل بني مالك أحد عمال يحيى بالعزي ومعه جند ليحيي، أحببنا إعلامكم بذلك، وهذا قليل من كثير مما ورد من أمراء صاحب الجلالة السعودية في تلك الجهات من اعتداءات يحيى وجنوده على الملكة العربية السعودية.

стр. 1052

ذكر تقدم الجيوش السعودية في الحرب اليمنية لما كان يحيى يجهز الجنود التي عاثت في الفساد، ويراجع ابن سعود بالسلم ويتودد، وكثرت الشكايات من الأمراء السعوديين، جهز ابن سعود الجنود وبعث البعوث وأصدر أمره السامي لابنه فيصل أن يتقدم على رأس ثمانمائة سيارة، وجهز ولي العهد سعود بن عبد العزيز يحيوش هائلة كقطع الليل المظلم، أضف إلى ذلك ما كان مع الأمير فيصل بن سعد من الجنود، وما لدى الأمير حمد الشويعر، فزحفت تلك الجيوش نحو الجيش اليمني وأخذت في الوقت نفسه تتقدم حتى احتلت جيوش الأمير فيصل بن عبد العزيز تهامة ولحية والحديدة على البحر الأحمر. وكتب صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى يحيى يصارحه في هذه المرة أنه لا يترك من يستطيع حمل السلاح في ناحية القصيم إلا جهزه وقال ليس ذلك بإرجاف ولكن لما فطرت عليه من الصراحة، وقد كان في الجيش السعودي حماسة وشهامة، ولديهم القوات الهائلة، أما الإمام يحيى فقد كان لديه قوة عسكرية لا بأس بها، ومدافع قد اشتراها من أحد المصانع الإيطالية، وكان جيشه يقدر فيما قيل بخمسة وثلاثين ألف مقاتل مجهزًا تجهيزًا جيدًا، ومدربًا على أيدي ضباط من الترك قد تخرجوا من الكلية العسكرية في الأستانة وظلوا في اليمن بعد انهيار الأمبراطورية التركية مفضلين الحياة فيها، ولكن هذا الجيش الحسن ليس بشيء بجانب الجيوش السعودية، ولما جاءت الجنود السعودية وزحفت القوات الإسلامية التي لا قبل ليحيى بها طوقت اليمن واحتلت نجران وتهامة وميدي والحديدة وغيرها، وانهارت في الحال كل التدابير التي اتخذها يحيى، وأضحت الجنود السعودية قد طوقت اليمن من الشمال والغرب، وجعلت اليمن تتوقع ماذا يحل بها، هذا ولي العهد أقبل من تلك بمجموعة، وهذا فيصل جاء من الجهة الأخرى، وهذه عشرة آلاف مقاتل قد وقفوا على الحدود يدافعون مستعدين بالسلاح الكامل، وهذه سرية قدرها أربعمائة في سيارات، وسرية مثلها، وسرية هاجمت

стр. 1053

وبددت ما أمامها، وسرية قدرها مائتان في زورق من الزوارق البخارية، فقام يحيى يجاوب جلالة الملك ويسأله إيقاف تلك الجنود، فتحصلت المجاوبات بقدر من ثمانية عشر برقية نشر يحيى فيها كمال الصلة والهبة والمواخات، ويجاوبه ابن سعود بأنه على حرص عظيم على السلم وحقن الدماء، ويعاهد الله على ذلك سرًا وجهارًا، ولكنه لا يمكن سلم ولا معاهدة ولا صلح وأنت تسوق الجند من جهات، وكتب الإدريسي توقد الفتنة وتحرض الناس عليها، فإن كان لحضرتكم رغبة في الصلح والسلم فاعملوا عمله أو يرفع الجند منا ومنكم لاماكنه وتتم المراجعة بيننا وبينكم في الحال الذي يصلح للجميع. وفي معرض كلام صاحب الجلالة أن قال وإني أدخلكم على الله ثم أدخلكم عليه ثم أحملكم مسؤولية الحرب أمام الله ثم أمام العالم عن الوقوع في هذا الشر الذي ما نؤمله من حضرتكم، وقد سبق أن تركنا جميع ما يقال ونحن نرى الحقيقة ونكذبها وثوقًا بالله ثم بوعودكم وعهودكم فإن كان المقصد من هذه الحركات نشوب الحرب فقد بلغ الأمر منتهاه، وإن كان القصد السلم فطريق السلم كما عرفناكم والله يحفظكم. فأجاب يحيى بجواب يدل على ضعفه، وكان من جوابه أن قال: وقد انحلت العقدتان الأدارسة والمعاهدة المشتملة على الحدود، ولله الحمد، ولم يبقَ إلا إفادة الأخ من ترك بلاد يام في الحياد. إلى أن قال: وإذا كان الأخ يسعى للسلم ورفع الأحقاد فنحن نهرول إليه هرولة، وتفضلوا بسرعة الإفادة لحل هذه المادة الثالثة. . إلخ. وكان الباعث له على هذا الجواب ما رآه من سطوة القواد السعوديين، ولما جهز اللك عبد العزيز نجله وولي عهده وأمره بالتقدم إلى الحدود اليمانية لاسترجاع البلدان التي احتلها الجيش اليمني أكد عليه بعد الاسترجاع أن يقف انتظارًا لأمره الأخير، وكان هو القائد العام للجيوش السعودية التي سارت من نجد إلى عسير، أما فيصل بن عبد العزيز فهو القائد العام للجيوش والقوات السعودية التي زحفت من

стр. 1054

الحجاز، وناهيك به من عبقري قد صقلته التجارب، وكان جيشه مزودًا بالسلاح الكافي من بطاريات ومدافع جبلية ورشاشات وسيارات مصفحة، وكذا أخذ القائد العظيم فيصل بن سعد يتقدم، كما أن ابن أخي جلالة الملك خالد بن محمد أخذ في قيادته يتقدم إلى نجران. ثم إن جلالة الملك أجاب يحيى لا بعث إليه بالبرقية الأخيرة بالشكر له على حبه للسلم، ولكن كيف يمكن السلم وماذا نقول إذا كان أصحابكم يسيرون جندًا من رزاح على أطراف العبادل، فبهذا يعتبر أن الكلام ضاع وأنكم قد أعلنتم الحرب وبدأتم به، وهذا الذي كان يحذرنا الناس منه، وكانوا يؤكدون لنا أنكم عازمون عليه، وأن الكلام الذي بيننا وبينكم مخادعة، ولكن ديننا وشيمتنا أبت علينا أن نقبل ذلك، وإنما قبلنا عهودكم ورضينا بالله ربًا، وجاء الفعل الأخير مصدقًا لما قاله الناس، ولم يبقَ في اليد حيلة فإن كان الأخ صادقًا في قوله فليمنع جميع الحركات، وليباعد الجند إلى آخر درجة من الحدود، فإن كانت الراجعة ستكون وجندكم يمشي والإدريسي يكتب ويحرك كما رأينا كتبه لأهل المقاطعة فهذا أمر لا يرضاه الله، ولا تقبله النفوس الطيبة، فإن كان الأمر على ما قلتم فالواجب يقضي بالتباعد عن الحدود، وإن كان المقصد إغفالنا وأنتم عازمون على ما عزمتم عليه فلا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل، يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين. ثم جاء الجواب من الإمام يحيى فيه إجابة طلبات جلالة الملك، وأنه سيكتب حالًا، بل كتب إلى ولده سيف الإسلام ومنعه عن كل حركة، ويطلب من جلالة الملك أن يبين وقتًا لاجتماع المندوبين بميدي أو غيره، ويطلب من جلالة الملك العفو العام وأنه سيكون إن شاء الله توقيع المعاهدة بينهما ونشرها في الجرائد، ثم قال وسبحان الله ما أحلى نشرها لدن ذوي الديانة الإسلامية، وأكثر سرورهم واستغرابهم وتعجبهم لذلك، وأطال بلين الخطاب وغاية التلطف، وجعل يراجع ابن سعود في إيقاف العساكر والجنود السعودية وأن أهل كذا ضربتهم المدافع

стр. 1055

وحصل على العساكر قتل، وجاءنا من ولدنا سيف الإسلام كذا فأجابه ابن سعود بكل جميل وقال: في البرقية المؤرخة في ٢٧ رمضان بأن ولي العهد سعودًا قد سار على السيارات قبل وصول برقيتكم الأخيرة بثلاث أيام، وكان قد تجهز الابن فيصل من الحجاز ليسير على الساحل ببعض القوى التي عنده، وإننا تمكنا من تدارك سير الابن فيصل من الحجاز نظرًا للمواصلات البرقية بيننا وبينه، وأرجعناه إلى محله، وأما سعود فنظرًا لعدم وجود المواصلات البرقية بيننا وبينه لم نتمكن من إرجاعه إذ يكون اليوم تقريبًا في بيشة، ثم إنها ما زالت المراجعات والمفاوضات بين ابن سعود وبين يحيى آخر رمضان وطيلة شوال، وكلها تعرب عن كامل المحبة والولاء. ولما أن كان في ٢ ذي القعدة وصل الندوبون المرسلون من قبل يحيى إلى أبها برئاسة عبد الله بن الوزير، وهذه وصية جلالة الملك لوفده لما بعثوا نبأ إليه يخبرونه في ٢ ذي القعدة علمنا باجتماعكم، ونرجو أن يقسم الله ما فيه الخير، وما دام هناك سبيلًا للسلم فلا تدخروا جميع جهودكم في سبيل الوصول إليه مما لم يتعد الأمر الحد، ويكون هناك ما ضرره ممبر من نفعه، وبالله ثم بكم الكفاية وجميع ما عندي أبلغتكم به من قبل، أسأل الله أن يوفقكم للخير، وكان وفد ابن سعود يرأسه فؤاد بك حمزة ثم جلس المندوبون للمفاوضات، وجرى من ابن الوزير المندوب من قبل يحيى تعاظم وحدة وذكر أن الإمام يحيى قد اشترى كذا وكذا من المدافع والرشاشات، وأنه وأنه وتحامق ابن الوزير، وجرى منه فظاظة الأولى بنا تركها واستمرت المفاوضات حتى تاريخ ٢٤ من ذي الحجة. وفي هذه المدة التي اتفق فيها مندوبو الطرفين لتسكين الحرب والنظر في حل المشكلات جعلت تتقدم جنود يحيى وتعيث فسادًا، وكنت أظن أن اختلافه لبعث هذه الوفود ليسكن سورة ابن سعود وجيوشه، وجاءت البرقيات من أمراء الجيوش السعودية تفيد بما ارتكبه جند يحيى، فجاءت برقية من ابن سلطان في أبو عريش إلى جلالة الملك بما نصحه بتاريخ ٧ ذي القعدة وردنا كتاب من راعي فيفاء يفيد أن
следующие страницы →