← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وبلغ السلام المشايخ والإخوان كافة منا عمومًا ومنك خصوصًا ومن لدينا الشيخ عبد الله وعياله وإخوانه يسلمون عليك والسلام. أما مشايخه الذين أخذ عنهم فإنه أخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن ابنه الشيخ العالم العلامة عبد اللطيف ابن عبد الرحمن، وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وناهيك بهؤلاء فضلًا وعلمًا وذكاءً، وأخذ عن الشيخ حمد بن عتيق، وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس، وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وغيرهم، وجدَّ واجتهد حتى علا نجم ذكره في الآفاق، ونصر دين الله من افتراء أهل الشقاق، فيا طوبى له غدا يوم التلاق. ذكر ما جري عليه من الامتحان وثقته بالله الواحد الديان كان له من ذلك حظ وافر ونصيب جزيل، وذلك لأن زمانه وافق اختلاف آل سعود فيما بينهم، واختلاف الكلمة وتشتت البال ومكابدة المخاوف والأهوال، واندلع إذ ذاك فتن تغدو وتروح، وأنياب الشر هناك تبدو وتلوح، فأصبح أهل الدين مخوفين بالزلازل، ومفزعين ومخذولين لا يقر لمؤمن قرار ولا يسترعن طغاة الأشرار سور ولا جدار، فقد حبس المترجم وأوذي في ذات الله ومنع وهدد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال قصيدته الميمية التي تقدم ذكرها، وأنشا قصيدتين في شأن سجنه وأنه لا مبرر لذلك، غير أنه لا بد ولأعدائه من المحاكمة بين يدي الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها ولا يظلم ربك أحدًا. فيا لعباد الله من أقوال الوشاة وأهل الخوض في أعراض العلماء الذين لحومهم مسمومة، وبراءتهم لدى الله ولدى خلقه معلومة، فلا يرتدعون ويفكرون فيما يقولون وأنهم كرأى من الله ومسمع وأن الله هو الثائر لأوليائه لا يكل نصرتهم إلى غيره، ويكفينا حسن العاقبة له، وأن أعداءه لا يزالون في تأخر وتمزيق وانحلال. ومنها تشتت شمل العلماء وطلاب العلم في ولاية آل رشيد، حتى تناءت بهم

стр. 982

البلدان وتفرقوا في كل مكان، وأنبت نظام الدين، وانتشرت دعاة الشياطين، فأنشأ في ذلك قصيدة خرجت عن حرارة الجوى، وباح بما لديه وقال الذين أمنوا بالله ورسوله: "متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" وما زال وإخوانه وأحبابه موبورين حتى أغاث الله خلقه ونصر أولياءه، وأتى بأمر من عنده ونفحةٍ من نفحات لطفه، وذلك بظهور صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. ومنها لما بيته اللصوص المعتدون في الموضع الذي يدعى "طلحا" فنجاه الله من شر هذه المكيدة فقال في ذلك قصيدة عظيمة بعث بها إلى المشايخ الإخوان يخبرهم كما جرى عليه، ويشكر الله على ما من به عليه من دفع الأذى وخلصه من ذلك الشر والبلاء، وهي موجودة بالديوان. ومنها أن الله تعالى أخذ حبيبتيه وسقط الماء في عينيه، فسار إلى دكتور النصارى في البحرين، فلم يفد فيه شيئًا، غير أن لاقى الأهوال والشدائد في ركوب البحر وأمواجه وألم العلاج، وتقدم ذكر ذلك في سنة سفره، أضف إلى ذلك قلة ذات اليد وضيق معيشته في أول نشأته، فكان في كل هذه الأمور صابرًا لله محتسبًا فيما عنده، فلله دره ما أعرفه بربه وأصبره في حال الشراء وأشكره في حال السراء. ولقد امتحن الله النجديين بتصدي العثمانيين لعداوتهم وتأليب العرب وأشراف الحجاز والمصريين عليهم، لئلا يعيدوا ملك العرب وسلطانهم الذي سلبوه منهم، فحاربوهم باسم الإسلام ونشروا الكتب والفتاوى في رميهم بالكفر والابتداع، فلذلك قام هذا الشيخ ورد على كل مفتر وأجلب عليهم وجاهد في الله حق جهاده. ذكر مؤلفاته ﵀ كان ﵀ آية من آيات الله تعالى في إنشاء الشعر وسبكه ووزنه والفصاحة والبلاغة. فمن ذلك رده نظمًا على "زيني دحلان" لما أقذع والعياذ بالله في مسبة أهل هذه الدعوة، وأرخى لسانه في عيب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فرد عليه الشيخ سليمان وشفى وكفى، وكل مؤلفاته كانت في بيان الحق وإبطال الباطل.

стр. 983

ومنها كشف الغياهب، ردَّ فيه على أحمد باشا العظمي لما سلك سبيل أهل الضلال. ومنها الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد. ومنها الضياء الشارق في الرد على جميل الزهاوي في تجازفه وكفره. ومنها تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة. ومنها كتاب تبرئة الشيخين الجليلين من تزوير أهل الكذب والمين. ومنها الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية، وهو كتاب بناه من خمس رسائل لأئمة هذه الدعوة من كبار علماء نجد، ثم أعقبها بقصيدة بليغة عظيمة احتوت على نكت بديعة في العقيدة السلفية، فما رأيت أحسن من موضوعها، ويختم الكتاب بقصيدة ملا عمران وأرجوزة محمد بن أحمد الحفظي الحجازي اليمني، وله كتاب في الرد على بابصيل. ومنها كتاب الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية رد فيه على الكسم، ومنها رده على عبد الكريم البغدادي في حل ذبائح الطب وكفار البوادي. ومنها كشف الأوهام والالتباس عن تشبيه بعض الأغبياء من الناس. ومنها رده على ابن عمرو، وله الجيوش الربانية في كشف الشبه العمرية. وقد رأيت رسالة من تأليفه رد فيها على منكر الساعة التي تدل على الأوقات، وذلك لأن المعترض يدير أنها سحر وأنها من عمل الشيطان، وكان هذا المنكر لها يزعم أنها إذا تليت عليها الآيات القرآنية يبطل عملها آيات من القرآن وينفث فتقف عن الدقات، فتبين أنه يملؤها ببصاقة فتقف، فإذا أزيل البصاق عن آلاتها الدقيقة تسير. ولما كان لكلامه أشد الوقع وأعظم التأثير على المخالفين، بعث اليه علماء أهل الجبيل يسألونه أن ينظر في اعتراض الملاحي على الشيخ صالح بن سالم، فإن كان الحق معه فالرجوع إلى الحق أحق وأولى من التمادي في الباطل، وإن كان الحق معهم فالمطلوب منه المناصرة والمساعدة، ولما أن نظر في حالة الفريقين ورأى حمل الملاحي عليهم وعلى شيخهم كما لا مبرر لفعله رد عليه كما شفى وكفى وبين

стр. 984

وفصل، وذلك لأن الشيخ صالحًا أكبر وأفضل من أن يرمى بأنه أخلد إلى الأرض واتبع هوى الأتراك ومن نحا نحوهم مستجلبًا مودتهم ولاهيًا بلذة العيش وطول الأمل، وقد امتدحه العلماء وأثنوا عليه. فمن ذلك ما قاله الشيخ صالح تشجيعًا له لما بعث المترجم قصيدة لآل فوزان تضمن الرد على أهل الزيغ والتحذير من سلوك سبل الجحيم، فقال الشيخ صالح بن سالم ين بنيان في مدح المترجم والثناء عليه والدعاء له لقيامه في نحور أعداء الله: فالله يجزيك الذي ترضى به ... من جنة المأوى مع الرضوان ويؤيد الإسلام دهرًا طائلًا ... ببقائك فينا يا أخا العرفان ويذل بالمنثور والمنظوم من ... إنشائك أهل الزيغ والطغيان أو ما علمت بأن هذا خير ما ... تلقاه في صحف لدى الميزان وكذا يسرك أن رأيت موسدًا ... تربًا وقد أدرجت في الأكفان فلقد أتى والله كل منافقٍ ... بقوارع زادت على الحسبان قعدوا يصدون العباد عن الذي ... خلقوا له من طاعة الرحمن وسعوا بهدم قواعد ما بعدها ... والله للإسلام من بنيان فجهادهم فرضٌ على كل امرءِ ... لا للكفاية بل على الأعيان هذا ولو قد قلت مختص بكم ... لندور من يسعى بهذا الشان لعذرتمونا عن ملامة لائم ... لمقالتي بالزور والبهتان إذ كان غيركم فإما خائفٌ ... أو عاجز أو من له الوصفان فاجعله ديدنك الذي لا تنتهي ... عن فعله مادمت ذا إمكان واقصد به وجه الإله واخلصن ... متمسكًا بحقيقة التكلان ودع المثبط عنك في قيد الهوى ... ما زال في تخويف ذا الشيطان هذا وأول قولتي وختامها ... هو رفع أيدينا بكل أوان أن لا تزال تذب عن دين الرسو ... ل وعسكر الإيمان والقرآن أما بقية مؤلفاته فمنها:

стр. 985

الجواب المنكي في الرد على الكفكي، كتاب إقامة الحجة والدليل، وإيضاح المحجة والسبيل على ما موه به أهل الكذب والمين من زنادقة البحرين. ومنها كشف الشبهتين عن رسالة يوسف بن شبيب والقصيدتين. ومنها الجواب المستطاب عما أورده الجاهل المرتاب المسمى بمتروك الجواب الفارق بين العمامة والعصائب. ومنها حل الوثاق في إحكام الطلاق، نبذة في الزيارة، وإرشاد الطالب إلى أهم المطالب، منهاج الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع. وكان له رسائل ونصائح وأجوبة، واشتهرت مؤلفاته بين الأمة، وكان شهمًا همامًا مقدامًا مجتهدًا، وما زال يحمل على أعداء الشريعة حتى أدحض حججهم وأرغم أنوفهم، وهتك أستارهم وأظهر أسرارهم وقوض أخبارهم، فهو قامع المبتدعين، وكاشف شبهات المشبهين والمبطلين، لأنه البليغ المصقع، والعالم النحرير البلتع، وأثنى عليه العلماء وباحوا بفضله وتقدمه، قال الشيخ حمود بن حسين الشغدلي: هو الألمعي الندب من فاض علمه ... فأقواله فينا تفوق الدراريا هو الشهم من يسمو المعالي بعدله ... فتلقاه عن داء الهوى متجافيا وذاك سليمان الذي ذاع فضله ... وصار لهذا الدين والله حاميا فلا زال فينا واطأ هامة العداء ... ولا زال محروسًا وللضدِّ راميا فكم من أخي جهل تردى برده ... وأصبح بعد العجب بالقهر عانيا وكم مستفيدٍ يطلب الرشد جاهدًا ... فأبدى له شمس الهدى في الدياجيا فجوزي بالإحسان والعفو والرضا ... على رغم أنف المعتدي والمعاديا وقال أيضًا الشيخ صالح بن سالم لما رأى ردًا له على بعض المعارضين مادحًا للمترجم وكيف أنه قائم على ثغرة المرمى يذود عن حمى الشريعة وأهلها: تصدى له قس الزمان وحبره ... سليمان من ينشي القريض بلا خجل ويرمي أخا الإلحاد في ثغر نحره ... ولا سيما أن فوق السهم وانتضل

стр. 986

وقرر حكم الدار تقرير منصف ... وفصل ما أبداه من مطلق الجمل وأوضح حكم الترك في ذا وكفرهم ... وحكم التولي والموالاة للدول وكم من ردود واضحات فكن بها ... ضنينًا وحاول فهم ما قال واشتغل وكم عارض رمح الضلالة يعتدي ... نكاه بمسلولي من العلم فانجدل فلا زال فينا واطأ هامة العدا ... ومقعده أعلى ذرى الشم والقلل واخوان صدق وافقوه وأوضحوا ... بنثر ونظم بهت ما قاله الأقل وقال الشيخ فوزان بن عبد العزيز في مدحه لما ألف الصواعق المرسلة على الرجل المسمى الكسم وأصحابه: وانظر صواعق علمٍ أحرقت شبهًا ... ملفقات لهم نالوا بها الشللا الجهبذ الفاضل الموهوب تكرمةً ... مردى العداة الذي للحق قد عقلا ومن حمى ملة الإسلام وانتشرت ... منه الردود على الأعدا وما غفلا بالظم حقًا وبالمنثور فاتضحت ... معالم الحق إذ أحيا له سبلا أعني سليمان من سارت فضائله ... مسيرة الشمس في الأقطار إذ فضلا فانظر لحزب الردى حقًا فقد غرقوا ... في بحره وانجلى بالحق ما انسللا وكانت ولادته ﵀ في قرية "السقا" من بلدان أبها سنة ١٢٦٨ هـ، ونشأ بها حتى راهق البلوغ، قال ﵀: وأرضٍ بها نيطت على نمائمي ... تسمى السقا دار الهداة أولى الأمر بلاد بني تمام حيث توطنوا ... وآل يزيدٍ من صميم ذوي الفخر ثم انتقل منها إلى الرياض، والرجل فوق ما قيل فيه دينًا وزهدًا وعلمًا ومعرفة وجهادًا لأعداء الشريعة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ونشهد الله على حبه وندعوا له ونثني عليه ونسأل الله تعالى أن يجبر الإسلام على فقده وأمثاله. وإنها لمصيبةٍ عظمى أن يهلك هذا العالم ولا نجد من يسد ثلمته، وأملنا عظيم في رجال الدين وحماة الشريعة أن يقوموا بواجبهم لينالوا حسن الثواب ويؤدوا واجبًا.

стр. 987

ذكر تلامذته ووفاته أما تلامذته والذين أخذوا العلم عنه فمنهم: الشيخ عبد الله بن العزيز العنقوي، والشيخ عمر بن حسن آل الشيخ، والشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد، والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ إبراهيم بن حسين وغيرهم خلق كثير وجم غفير. كما أنه أخذ عنه سليمان بن حمدان وأكثر الأخذ عنه، وذلك لأنه بعد وفاة مشايخه تصدى للتدريس ونشر العلم، ودعى الله تعالى، وكذا أخذ عنه أبنائه أيضًا صالح وعبد العزيز وعبد الله. ومن عجائب ما روي عنه أنها لما خرجت روحه، شموا من جسده رائحة مسكٍ طيبة لا يعهدون مثلها، وكان زاهدًا في الدنيا، لم يجد خلفه سوى مسكن صغير وأربعة عشر ريالًا، ورؤيت له منامات حسنة، ورثاه غير واحد من العلماء والأدباء، وشيع جنازته خلق كثير وجموع غفيرة، وصلي عليه في جامع الرياض الكبير، وأمَّ الناس في الصلاة عليه الشيخ محمد بن عبد اللطيف، ودفن في مقبرة العود بين قبري الشيخ عبد اللطيف وابنه الشيخ عبد الله، وتأسف الناس لفقده وجعلت الأمة تلهج بالثناء والترحم عليه. قال الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل يرثيه بهذه المرثية: ما بال دمعك يهمي طول أزمان ... وأنت دايم أشجانٍ وأحزان والقلب منك نبا والهم متقد ... كأنه مرجلٌ من فوق نيران تنوح طول الدياجي من أسًا وضنا ... قد طال ما أرقاك نوح ثكلان كم ليلةٍ بتها ترعى النجوم بها ... لم تغتمض قط منك الليل عينان إذ ذاك من ذكر عهد للصبا سلفت ... أيامه عند أهل الرند والبان أمن تذكر غزلان بذي سلمٍ ... حور العيون كياقوتٍ ومرجان لا والإله الذي لم تخف خافية ... عليه علا إخفاء وإعلان

стр. 988

ما إن ذكرت ولم أذكر وما سفحت ... عيناي من ذكر أطلالٍ وجيران بل من تذكر شيخٍ عالم علمٍ ... حبرٌ تقي من الأحبار رباني علامة علمت حقًا فضائله ... بحر العلوم سليمان بن سحمان من فاق في الفهم والتوحيد مع لغةٍ ... والنحو ثم تفاسيرٌ لقرآن وفي الأحاديث والآداب مع سيرٍ ... والنظم والنثر حقًا كل أقران قال العلا فعلى فوق الذرا رتبا ... حتى سما في سما مجدٍ وعرفان لسانه صارمٌ في شعره فلقد ... أعاد في وقته إنشاد حسان يذكر الناس قسًا في خطابته ... وفي بلاغته وضعًا لسحبان وانظر فوائد في البستان الفها ... مثل الفواكه بل أحلى لدى الجاني واقرأ رسائل في التوحيد أرسلها ... برًا وبحرًا وفي سكان بلدان وسل خبيرًا به ينبيك عنه وقل ... لله در سليمان بن سحمان وقد رثاه أيضًا الأديب الفاضل حمد بن محمد بن جاسر. أما صفة الشيخ: فإنه كان أسمر اللون، قصيرًا له لحية كثيفة يعلوها الشيب، متوقد الفهم، حازمًا في الأمور، وقد قدمنا نبذة من قصائده فلا حاجة إلى الإطالة. وقد خلف أولادًا صالحين من أشهرهم: الشيخ صالح بن سليمان، وعبد العزيز. وفيها هلك عبد المحسن بك السعدون وزير داخلية العراق، قتل نفسه والعياذ بالله. وفيها صدر أمر صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل بشراء ماكنة قوية لأضاءة المسجد الحرام، بحيث يستطيع القارئ أن يقرأ كتابه على نور المصابيح الكهربائية في أي موضع شاء في سائر المسجد الحرام لأجل أن تضم إلى الماكنة الأولى الكبيرة، فأحضر ماتورًا آخر كبيرًا بقوة ثلاثة عشر حصانًا ونصف، ووضع مع الماتور السابق ذكره في عين المستودع المعروف، وزيد في تعميم الإضاءة كمصابيح الكهرباء بالمسجد الحرام، فوضع على حطيم حجر إسماعيل ستة شماعدين وعمل على شمعدان منها ثلاثة أغصان، وعلق في كل غصن مصباح كهربائي، ووضع

стр. 989

أيضًا ستة وعشرون اسطوانة في حصاوي المسجد الحرام صنعت بالأسمنت المسلح على قاعدة لطيفة، وعملت على شكل شجرة لطيفة ذات أربعة أغصان، وطول الاسطوانة قدر ثلاثة أمتار، وعلق على كل غصن من الأغصان الأربعة المتفرعة من كل اسطوانة مصباح كهربائي، فصارت تلك الأساطين حال إضاءتها بالكهرباء شبه الثريا، فجاءت على أحسن وضع، واستغنى بذلك عن استعمال اللوكسات. ثم دخلت سنة ١٣٥٠ ه ـ استهلت هذه السنة والشيخ عمر بن محمد بن سليم قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه لا يزال في جدّ ونشاط في التدريس بالمسجد المعروف في بريدة "بمسجد ناصر" فكانت أوقاته عامرة بالذكر والحلق، مترادفة في التعلم غدوة وصباحًا وظهرًا ومساءً ومغربًا وعتمة، وذلك في الحديث والفقه والتوحيد والتاريخ، والنحو والفرائض وحساباتها، كما أن الشيخ العالم عبد العزيز بن إبراهيم العبادي لا تزال مجالسه عامرة، وطلاب العلم يزدحمون بركبهم لاستفراغ منطوقه، ويردون على تلك الموارد التي تروي من الصدى، وكنت إذ ذاك أتردد بينهما، أتعلم ولا أنسى لهما الفضل علي بصفتهما يعلمان بدون مقرر لروايتهما. فأما شيخنا عمر فإنه قليل التفسير، كثير البركة في التعليم، ولا أنسى هيبته في التعليم فأكثر ولا حرج. أما الشيخ عبد العزيز: فإنه لا يكاد يمر به لفظه إلا يقف يفسرها، وكان ضرير البصر لذلك يكب على تعليمه عامة الناس. هذا وقد كان القاضي في بريدة فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، ولكنه كثير التأثر بالمرض، فيستخلف أخاه الشيخ عمر ويستنيبه، ولما أن كان الشيخ عبد الله لا يسأم التدريس ولا يمله، آنس من نفسه نشاطًا وصحةً في شعبان من هذه السنة فجلس للتدريس واستبشر الناس بذلك، ثم اغتنم تلك الفرصة شيخنا عمر فسافر إلى مكة المشرفة للعمرة في رمضان، واستقل سيارتين يصحبه أناس من الإخوان طلاب العلم، ولقد شيعه الأهالي من سائر القصيم وودعوه وداعًا حارًا.

стр. 990

هذا وقد كان أمير بريدة إذ ذاك "مبارك بن مبيريك" الورع الحليم العاقل المتعفف جزاه الله خيرًا، وكان هذا الرجل يستر العورات وينصح للأمة فأعيد في إمارة بريدة للمرة الثانية بعدما عزل عنها الأمير "تركي بن ذعار" ولما أن كان في شوال قدم الشيخ عمر إلى بريدة عائدًا من الحجاز فابتهجت به وجوه الأهالي. وفيها أنشئ في بريدة عاصمة القصيم محطة التلغراف اللاسلكي، فانزعج الناس لذلك وأحدث عند العامة تشويشًا فذهبوا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن سليم يأخذون رأيه فطمنهم وأمرهم بالسكينة فقاموا مقتنعين وقد ذهب كل ما يجدونه في نفوسهم، ولما جاءت به أخبار الأهلة والطلاق والأحداد عرفوا تلك المصالح التي وفرت للأمة شيئًا كثيرًا فنسأل الله البصيرة في أمور ديننا ودنيانا. ذكر ثورة الأدارسة وابن رفادة قد بيَّت أعداء الحكومة السعودية لها نية القيام بثورتين في وقت واحد حتى استوفوا شرائطهما -الأولى كانت في الشمال وهي فتنة ابن رفادة، والثانية في الجنوب وهي فتنة الأدارسة، ولكن من توفيق الله للحكومة السعودية اختلاف الثورتين في الميعاد، فنقل إلى الحكومة في شوال من هذه السنة أن أعداءها بيتوا النية على الثورة، واتخذوا سبيلًا لذلك فأخذ ابن سعود التدابير، وقضى على فتنة ابن رفادة. كان حامد بن سالم بن رفادة من سكان الحجاز وقطن به إلى سنة ١٣٤٧ هـ، ثم قام بفتنة في الوجه فضربته الحكومة السعودية ضربة فرَّ على أثرها إلى الديار المصرية، واتخذ له مسكنًا بالقاهرة، وظل مقيمًا بها حتى غادرها للقيام بهذه الحركة، ولم يكن حامد قد نسي الضربة التي أقصته عن بلاده، ولم يعد كما كان شيخًا لقبيلة "بلي" فأضمر العداء لحكومة بلاده وأخذ يتصل بالعدو أملًا في النهوض بثورة على الحكومة طمعًا في السيادة والانتقام وأطمعهم في الكسب حتى استطاع أن يجمع بضع مئات بمساعدة "محمد بن عبد الرحيم أبي

стр. 991

طقيقة"، وكان هذا الغبي الذي يظن أنه متى ما قام بثورته ضد ابن سعود لبته قبائل الحجاز وثارت معه، فمشى بمن معه من البدو إلى النصب بين السويس والطور وأبقاهم فيه ورجع إلى القاهرة لتصفية أعماله بها. أما الأدارسة فتقريب مسألتهم: أنه لما مات محمد بن علي الإدريسي الذي كان وفق كل التوفيق إلى تأسيس إمارته على قواعد ثابتة، تولى ابنه علي بن محمد الذي لم يكن كأبيه في الأخلاق والصفات، بل كان ضعيفًا فاتر العزيمة بالنسبة إلى أبيه حتى احتل الإمام يحيى الحديدة، ووصل إلى ميدي فثار عليه الأدارسة لئلا ينفلت من أيديهم الملك والسلطان وأخرجوه، فلجأ إلى ابن سعود وما يزال باقيًا عنده فتولى السيد الحسن الإدريسي وأراد أن يكون كأخيه محمد، ولكن لم تكن فيه مؤهلات ذاك وكفاءته فارتبك وفاوض يحيى وإيطاليا والإنكليز، فلم يتم الاتفاق إلا بينه وبين الإنكليز، فمنحهم امتيازًا من جزيرة "فراسان" بشروط مجحفة على البلاد، وتم الاتفاق مع ابن سعود بواسطة مندوبه السيد "مرغني الإدريسي" على بسط الحمية السعودية على تهامة التي يحكمها الإدريسي وذلك في ١٤/ ٤/ ١٣٤٥ هـ، ومن أهم شروطها: ألا يفاوض الحسن مفاوضات سياسية مع أية حكومة كانت، وألا يمنح امتيازًا اقتصاديًا ولا يعلن حربًا أو يبرم صلحًا إلا بعد موافقة ابن سعود، وألا يتنازل عن جزء من أراضي مقاطعته، وقد تقدم، وفي الوقت نفسه تعهد ابن سعود بالدفاع عن ممتلكات الإدريسي، وكان أول عمل لابن سعود مفاوضة بريطانيا في شأن الامتياز، حتى استطاع إلغاءه، ثم بعث بعض رجاله يعينون الحسن في إدارة البلاد، غير أنه شعر بالعجز، وتأخرت البلاد وعصت الرعية حتى اضطر في ١٧ جمادى الأولى من سنة ١٣٤٩ هـ إلى أن يقول لابن سعود في برقيته التي بعثها إليه. تقرر بموافقتنا ورضائنا إسناد إدارة بلادنا وماليتنا إلى عهدة جلالتكم، وقبل ابن سعود التنازل بموجب الأمر الملكي الصادر في ٢٩ جمادى الثانية من السنة المذكورة، وبذلك انتهى أمر الإدريسي وحكومته. ولكن ابن سعود لم ير اعتزاله الحكم مع كرامة الأسرة الإدريسة، فجعل له

стр. 992

مقامًا ممتازًا في بلاده، وجعل أمراءه السعوديين تحت سيادة الحسن صونًا لكرامته، وإعلاء لشأنه، وأخذ يعطيه سنويًا مائتي ألف إلى ٢٥٠ ألف ريال كنفقات إدارة عسير، إلا أن الحسن لم يرضه استقرار بلاده وهدوءه والرخاء والسلم فاغتر بدسائس الأمير "عبد الله بن الحسين الشريف" وأذنا به من أعداء ابن سعود، وبما أنه لم يحسن في عين الأمير عبد الله تصرف أخيه الملك فيصل وظل يستهجن عمله ويعجب كيف سوغ للملك فيصل إبائه وشممه العربي أن يضع يده في اليد التي دكت عرش والده وأقصته عن وطنه، وأزعجه أن تطبق الأمة على حب ابن سعود، فأخذ على نفسه الانفراد وحده بمقاومة ابن سعود، وأخذ يبحث عن أنصار يستخدمهم لغاياته، وها قد حصل على أحزاب يرأسهم "حسين الدباغ"، وبعدما تألف الحزب أسندت الرئاسة إلى طاهر الدباغ وتعهد عبد الله لهم بالمال والعتاد، فنشأ عن ذلك هاتان الثورتان. ولقد سافر إلى اليمن حسين الدباغ وحاول أن يستميل الإمام يحيى فلم يفلح، وحمل الحسن الإدريسي على أن يطلق يديه من ابن سعود ويثور عليه، فاطمأن الحسن ونقض عهوده مع ابن سعود، وأخذ يعمل في الخفاء ليوم الانقلاب المنتظر، واشترى الأسلحة سرًا، ولكن الله خذله لحسن نية ابن سعود وتقواه، وما زال ابن سعود يحفظه الله ويصونه. فلما رأى أمير جيزان ما يريبه رفع إلى صاحب الجلالة بأن جنود الإمام يحيى تقدمت إلى جبل "العرو" التابع للإدريسي، وأخذت الرهائن من أهله، وأن عمال الإمام يرسلون الكتب إلى رؤساء قبائل المقاطعة يدعونهم إلى الطاعة للإمام يحيى، ونقض عهدهم مع جلالة الملك بصورة صريحة. فأبرق جلالة الملك ابن السعود للإمام يحيى يعلمه بذلك ويستبعد أن يكون صدور ذلك عن أمره، وأن ذلك كان بأمره "فلا حول ولا قوة إلا بالله"، فأجاب الإمام: أن أهل جبل العرو هم الذين طلبوا منه احتلال بلادهم لتعليمهم الدين، وأنه إذا كان وقع من ناظرة ساقين أو غيره بعض تجوز، فحلم جلالة الملك أوسع

стр. 993

من ذلك، فعندها بعث جلالة الملك إليه بجواب يقترح عليه عقد مؤتمر من مندوبين من الطرفين لحل المشكل، وبعد مفاوضات طويلة أبدى فيها كل من الطرفين حجته في جبل العرو، ولكنهم لم يحصلوا على نتيجة، وفي النهاية أبرق يحيى إلى جلالة الملك أنها قضية متروكة لجلالته، وأنه يحكم فيها بالذي يراه، فكان جواب جلالة الملك المنع البات عن أن يتنازل عن جبل العرو للإمام يحيى. هذا وقد كان الإمام يحيى من حينما عقدت اتفاقية مكة المكرمة بين حضرة صاحب الجلالة ابن سعود، وبين الحسين الإدريسي سنة ١٣٤٥ هـ لم تكن العلاقات السياسية بين يحيى وابن سعود على ما يرام، فقد خيف من نشوب حرب بينهما، ولما أوفد ابن سعود وفدًا متألفًا من ثلاثة أشخاص، هم سعيد بن عبد العزيز بن مشيط، وعبد الوهاب بن محمد أبو ملحة، وتركي بن محمد بن ماضي، وسافر هذا الوفد إلى صنعاء دارت بين الوفد وبين الإمام يحيى مباحث عديدة خلال سبع عشرة جلسة تجلت عن كون الأدارسة دخلاء وغاصبين، وإن مقاطعتهم في تهامة ليس للإدريسي فيها أي حق من الحقوق، وأن الإدريسي رجل دخيل مغتصب لتلك القطعة، ثم حصلت جلسات بلغت خمسة عشر جلسة على غير طائل، ثم حصلت مراجعات ووثائق عديدة بين ابن سعود وبين يحيى من لدن تلك السنة إلى هذه السنة. هذا ولم يوفق المندوبون إلى بلوغ تسوية يمكن القول بها لتمسك اليمانيين وإصرارهم على البقاء في الأماكن التي احتلوها، وحينما تعقدت الأمور حل ابن سعود مشكلها واجتمع المندوبون من جديد ووقعوا على معاهدة في ثمان مواد صدّقها الإمام يحيى وجلالة الملك، وهذا نصها: بعد البسملة، حسب الأمر من سيادة الإمام الأعظم يحيى بن محمد حميد الدين، وجلالة الملك المعظم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، قد اجتمعنا من طرف الملكين لعقد اتفاقية بين الحكومتين بموجب المواد المبينة أدناه: المادة الأولى: يكون على الدولتين المحافظة على الصداقة وحسن الجوار وتوثيق عرى المحبة، وعدم إدخال الضرر ببلاد كل منهما على الآخر.

стр. 994

المادة الثانية: يكون على كل من الدولتين تسليم المجرمين السياسيين وغير السياسين المحدثين بعد هذه الاتفاقية، كل حكومة عند طلب حكومته له. المادة الثالثة: يكون على كل من الدولتين معاملة رعايا الدولة الأخرى في بلادها في جميع الحقوق طبق الأحكام الشرعية. المادة الرابعة: تكون على كل من الدولتين الضبط والتسليم لرعايا الدولة الأخرى في كل الحقوق الشرعية، فما أشكل ولم ينهه الأمراء ولا العمال فمرجعه إلى الملك والإمام. المادة الخامسة: على كل من الدولتين عدم قبول من يفر عن طاعة دولته كبيرًا أو صغيرًا مستخدمًا أو غير مستخدم وإرجاعه إلى دولته حالًا. المادة السادسة: إذا أحدث أحد من رعايا الحكومتين في بلاد الآخر فعلى المحدث أن يحاكم في المحاكم التي وقع فيها الحادث. المادة السابعة: منع الأمراء والعمال من التداخل بالرعايا كما يحدث القلق ويوقع سوء التفاهم بين الدولتين. المادة الثامنة: إن كل من يسكن من رعايا الطرفين في بلاد الآخر بعد هذه الاتفاقية، وتطلبه حكومته، فإنه يساق إلى حكومته حالًا. هذا ما حصل به التراضي بين المندوبين من طرف سيادة الإمام، ومندوبي جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود على أن يكون العمل بهذه الثمان المواد بعد موافقة ومصادقة الملكين المعظمين عليها وتحرر ما ذكر أعلاه من صورتين بيد كل فريق صورة بتاريخ ٨/ ١٥/ ١٣٥٠ هـ. فجاء تقرير صاحب الجلالة لذلك وأنه مسرور بذلك، ثم جاء الجواب من الإمام يحيى وأنه مقرر لذلك والمواد مرعية من قبل ومن بعد، ولكنه يطلب من صاحب الجلالة بعض المراجعة بينه وبين مندوبي صاحب الجلالة، فجاء الجواب إليه من صاحب الجلالة في ٥ شوال: أن لا بأس بذلك، ولكن لا بد من تأخير إرسال المندوبين إلى وقت الحج، وذلك لأن المندوبين الذين حضروا المفاوضات

стр. 995

الأولى غير نشيطين في الوقت الحاضر، واحد منهم الذي أمرناه في جيزان بدل الشويعر قدر الله عليه وانكسرت رجله، والآن الحمد لله طيب، وابن معمر، وعبد الوهاب أصابهما مرض الحمى وتكلفوا كثيرًا، فإذا وافقتم على تأجيل المسألة فنحن مستعدون لإرسالهم لأي مكان تريدونه مع توسيع النطاق لهم كما طلبتم، وهذا كله راجع لأنظاركم ومنتظرون رأيكم حفظكم الله وأبقاكم. وبهذا يتبين موقف الفريقين وأن الخلاف الآتي مصدره كان من يحيى وإلَّا فقد حافظ ابن سعود على الوفاء وفيها وفاة الحسين بن علي الشريف. وفيها معاهدة ابن سعود وفرنسا، ففي ٢٩ من جمادى الأخرة من هذه السنة حضر مندوب رئيس الجمهورية الفرنسية بالنيابة عن سوريا ولبنان واسم المعتمد "فيفرة" وحضر من جهة ابن سعود نجله فيصل وزير الخارجية، فعقدت المعاهدة في جدة وبلغت ثماني عشرة مادة. كما عقدت معاهدة العراق مع الحكومة السعودية في ٢٠ ذي القعدة من السنة التي قبل هذه، أوفد فيصل الشريف لها "نوري السعيد" وأوفد ابن سعود نجله فيصل بالنيابة عنه، وكانت في عشر مواد، وموضع عقدها في مكة المكرمة. وفيها تم طبع كتاب مختصر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى اختصار للشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد القادر بن عثمان النابلسي، وكانت طباعتها في مطبعة الاعتدال ما عدا الفهارس وكلمة المصحح، وهي من مطبوعات صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أثابه الله تعالى فجاءت على أحسن وضع وأبدع شكل، وكنت أرى أنها لو كانت على وضع المؤلف لكان أحسن، وهذه قد ذيلت بذيل وضعه الشيخ ابن رجب ﵀. ثم دخلت سنة ١٣٥١ ه ـ استهلت هذه السنة وابن رفادة يعد العدة لثورته، ففي أوائل محرم سار إلى النصب واجتمع برفاقه، وسار منه إلى الخضر، ثم إلى درب الزلفة، ثم سلك الطريق

стр. 996

السامي بين البحر والجبال، حتى وصل طابة آخر نقطة في الحدود المصرية، وأرى جنود المخفر المصريين الوثائق الرسمية التي استخرجها له ولرجاله أحد أعوانه بالسويس وهو "محمد رشيد فتوح الكبير"، ونزلوا قرب العقبة ودخلها ابن رفادة وأبو طفيقة لقضاء بعض حوائجهما، ثم غادراها بمن معهما إلى الشريح، ولبثوا بها أيامًا، وهي تبعد عن العقبة أربع ساعات. هذا والأمير عبد الله بن الحسين على اتصال بهم يزودهم بالأرزاق والعتاد، ولما أثقل كاهل الأمير عبد الله بن الحسين بالديون اضطرت بريطانيا أن تتدخل في أمره وتعين له موظفًا خاصًا يقبض رواتبه ويسدد ديونه ويتولى الإنفاق عليه وعلى قصره بحسب ما تسمح ظروف ميزانيته، ولقد حدا بعبد الله بن الحسين غروره إلى أن أعلن بنواياه ضد ابن سعود فطلب من الأستاذ إحسان سامي أستاذ اللغة العربية في جامعة "عليكر" بالهند أن يبلغ ابن سعود كرهه له، وأنه يعتبره عدوه اللدود، وأنه سوف لا يترك فرصة يستطيع بها البطش بابن سعود إلا انتهزها، وقد بلغ الأستاذ المذكور الرسالة إلى ابن سعود في مقال نشره في صحيفة "المقطم" بتاريخ ١٥ ربيع الأول من هذه السنة، ولم يكتف عبد الله بن الحسين بهذا بل قد رأى من مصلحته أن يقنع الخديوي عباس بجدية الأمر لينال منه ما يريد من مال، فأخذ يذيع عن انتصارات ابن رفادة، بينما كان ابن رفادة المسكين ثائرًا في عمله يعد للثورة سرًا ولا يعلم عما يذيعه الأمير عبد الله وحزبه، مما أدى إلى تنبيه الأفكار إلى حركاته. ولما كان في صباح اليوم الرابع عشر من المحرم بلغت المفوضية البريطانية حكومة ابن سعود أن "حامد بن رفادة الأعور" خرج من أراضي سيناء ومن شمال العقبة مع بدو يتراوح عددهم بين ٤٠٠ إلى ٤٥٠ ودخلوا الأراضي الحجازية، وكانت الأنباء قد وصلت الحكومة السعودية كما مرَّ، ولما أبلغتها الحكومة البريطانية بجدة تأكد لديها الخبر واهتمت للأمر وسيرت قوة برية بالسيارات، وقوة بحرية إلى ضبا، كما أمرت قرى الهجر من شمّر وعنزة أن تسير إلى الشمال، وبعثت الحكومة السعودية

стр. 997

سرية من حائل لمرافقة هذه القوات إلى الحدود والانتظار هناك حتى تتلقى أمرًا من ابن سعود بالعمل، ونشرت الصحف بلاغًا من ابن رفادة زعم فيه أن احتل الخريبة وحاصر المويلح وأسر ضباطًا وجنودًا من خفر السواحل، وحاصر ضبا وسيَّر قوة إلى الوجه، وأخرى إلى ينبع فانتشرت هذه الأخبار المكذوبة في البلدان العربية وروجها المغرضون والذين في قلوبهم مرض من الأعداء والمتربصين. ذكرى القضاء على هذه الثورة وإخمادها لما جعل أصحاب الزور والغي ينشرون تلك الأخبار، كانت الظروف تكذبها، إذ ما زال ابن رفادة قابعًا بالشريح قرب العقبة، ثم إنها اهتمت بريطانيا العظمى بهذه الفتنة التي يساعد عليها أمير شرقي الأردن، وخشيت أن تظن الحكومة السعودية أن لها يدًا فيها، فاعلنت أنها أغلقت في أوجه الثوار الأشقياء أبواب الحدود ومنعت دخول الأرزاق والأسلحة والمهمات الحربية إليهم عن طريق شرق الأردن إلى الحجاز، وبعثت دوريات إلى وادي عربة لمراقبة الحدود ووقف كل من يشتبه فيه، فأرسلت باخرة حربية إلى العقبة لمساعدة المندوب السامي بها حتى يستطيع التضييق على ابن رفادة وقطع يد من يريد عونه. ونشر "اللفتننت جنرال" من "السير آرثر جرنيقل لوب" المندوب السامي لشرق الأردن بلاغًا رسميًا يتضمن أنه منع كل المساعدات من طريقها عمن يناوي الحكومة الحجازية، وأنه أمر القوات البريطانية باتخاذ جميع الإجراءات لمساعدة جيش ابن سعود، وأكره الأمير عبد الله بن الحسين على أن يصدر بلاغًا مثله، ولقد شدد على عبد الله بأن يمنع كل شخص من الاقتراب من الحدود، وعين الأمير بالرغم في بلاغه أسماء الأماكن، وأنذر بأن من خاطر بنفسه فسيطلق عليه البوليس النار. ولما رأى صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن أنه لا سبيل إلى هرب ابن رفادة من طريق شرق الأردن ووثق أن ليس للحجاز يد في تدابير ابن

стр. 998

رفادة إلا أن قبائل حرب وجهينة كتبت إلى ابن سعود ترجوه بأن يأذن لها بأن يكون لها شرف القضاء على فتنة ابن رفادة. كما كتبت إليه قبيلة بلي التي يرأسها إبراهيم بن سليمان باشا بن رفادة تستهجن حركة ابن رفادة الأعور الثائر وتتبرأ من عمله وتطلب أن تنتدب لقتاله. كما أن أهل الحجاز أعلنوا التفافهم إلى ابن سعود واخلاصهم له ما طمأنه إلى أنه ليس لأحد من الرعية دخل في هذه الثورة، ثم إنه ألقى القبض على أناس في الحجاز تقع عليهم التهمة في هذا التآمر وحملوا إلى الرياض، ونفي شخصان إلى خارج المملكة وهما: حسونة المغربي وعبد الله صغير. وكان صاحب الجلالة قد بعث إلى بريطانيا العظمى ينبهها عما اتصل به من تصرفات صاحب شرق الأردن، فقامت بريطانية بدورها وحالت بين الأمير عبد الله وبين تدابيره وتحزبه في الخفاء، فعندها أراد ابن سعود أن يدبر الأمر في هدوء وسكينة، وكتم أمور التجهيز وبعث الجيش من عديد النقاط للإحداق بالأشقياء كيلا يفر منهم أحد. وكانت القوة التي بعثها ابن سعود عظيمة مزودة باحدث الآلات والذخائر، وأوعز إلى رجل من قبيلة جهينة "وبلي" أن يكتبوا إلى ابن رفادة بأنهم معه ويطلبوا إليه أن يتقدم إليهم استدراجًا له، فخدع المغفل ومشى من الشريح إلى الحقل إلى البدع فالخريبة فشريم، وأخذ ابن رفادة ينشر في الصحف أنه استطاع أن يضم القبائل الحجازية الساخطة على ابن سعود، وأنه احتل البلدان الشمالية وأسر أمراءها السعوديين، وقتل الجنود الوهابية، وأنه سيد الموقف كله، وغير ذلك مما حسنه له الأمير عبد الله أو نشره عنه، ونشر بلاغًا آخرًا ببعض الجرائد السورية يقول فيه: أن السعوديين زعموا أنهم قتلوه وألقوا برأسه إلى أطفال أهل ضبا واتخذوه كرةً تتلقفها أرجلهم، ثم علق في سوق ضبا في حين أنه حي يرزق وبلاغه شاهد على ذلك مما يكذب مزاعم السعوديين المفترين. والواقع أن السعوديين لم يسبقوا الحوادث قط بالأخبار المخيلة، ولم يذكروا عن

стр. 999

ابن رفادة شيئًا مما زعم، بل كل ما ذكروا أنه اجتاز الحدود إلى الأراضي الحجازية وأن قوات سعودية سارت إليه. هذا ما ذكرته الحكومة السعودية، ولكن الدافعين لابن رفادة أرادوا التهويل ببلاغاته المكذوبة، وبينما هو في شريم يحلم بالجد والسيادة تكاملت القوات السعودية في ضبا وحواليها فشعر ابن رفادة ثم إنه تراجع إلى وادي تريم. ولما بلغ ابن سعود أن ابن رفادة يريد الفرار أصدر أمره برقيًا إلى قواده بأن يسرعوا في المسير خلفه ويطوقوه، وألا يتركوا أحدًا منهم يسلك طريق النجاة، وأعلمهم بالخطة ليسيروا عليها، فوزع القواد والجنود في الطريق المفضية إلى حقل والياع والخريبة وشريم ليكتمل التطويق، كما أمر ابن سعود في خطته المرسومة، وأخذت القوة الباقية في السرعة خلف الهارب الجد، وتتبعت آثاره فوجدته قد انتقل من وادي تريم وعرفت أنه سلك الطريق إلى جبل شار، فأخذت القوات السعودية في ألا يجلف، وباتت الليل في الصحراء وبعثت القائفين ليقصوا الأثر، فأخبروا أنه نازل بسفح جبل شار، فنهضت بالسيارات المسلحة والخيول إلى حيث نزل، فلما كان في ظهر يوم السبت ٢٩ ربيع الأول من هذه السنة أدركت ابن رفادة ومن معه وهم يستعدون للرحيل فأحدقت بهم القوات السعودية وأحاطت بهم وهاجمتهم هجومًا قاسيًا عنيفًا حتى المغرب فقضت عليهم عن آخرهم، وقتل حامد بن رفادة وأبنائه فالح وحماد، وسليمان بن حمد أبو طقيقة، ومحمد بن عبد الرحيم أبو طقيقة، ومسعود الدباغ، وأحد الشرفاء، وأخذ رأس ابن رفادة إلى بلدة ضبا فلعب به الأطفال ثم علق في سوقها الكبير. وكان المسكين لما نشر بلاغه المتقدم المختلق قد اطلع على ما يصير إليه أمره في المستقبل، فقد وقع ما تصور وصار ذلك التخيل أمرًا مشهودًا، وهذا من غرائب المصادفات، فإن القواد ما كانوا يعلمون ببلاغ ابن رفادة، وقد تجلت هذه المعركة عن ثلاثمائة وخمسين قتيلًا، أما من فرَّ من أصحابه فشتتوا في الطريق، غير أن القوات السعودية الممسكة بالطرق تقفوهم وقتلوهم عن آخرهم، ولم ينج واحد منهم وأخمدت الفتنة.

стр. 1000

وهذه الثورات الثلاثة الداخلية، أعني الدويش وثورة ابن رفادة وثورة الأدارسة لقي ابن سعود نصبًا في إخمادها، وقد قضى عليها ونكل بدعاتها، ثم أمر ابن سعود رئيس تحرير جريدة أم القرى: أن يرد في ٢ ربيع الثاني من هذه السنة على مقالة الأمير عبد الله المنشورة في المقطم بقوله: إنه إن كان الشريف عبد الله يرى نفسه العدو اللدود لابن السعود فإن جلالته على العكس من ذلك يرى الشريف عبد الله صديقه الودود، لأن جميع الأعمال التي عملها الشريف عبد الله من أجل ابن سعود كان لها أحسن النتائج لتأييد ابن سعود وتقوية مركزه، فقد سبق للشريف عبد الله أن جهز الشريف شاكر والشريف حمود بقوة لاحتلال تربة والخرمة فكسرت تلك القوة وغنم ما معها، حتى تقوى أهلها على القتال في يوم تربة المشهورة، ولما انتهى الشريف عبد الله ووالده من حرب الترك جمع كل ما كسبه من الترك والألمان، وكل ما أهداه لهم الإنكليز وسار بهم مع اثني عشر ألف مقاتل ليقدمهم هدية في تربة، وكان ابن سعود أرسل إليهم يطلب التآخي والتصادق قبل المعركة، فرفض سيادته ذلك وأبى إلا تقديم تلك الهدايا بنفسه فكانت تلك المعركة، وفر سيادته وغنم ابن سعود كل تلك الذخائر والأموال وتقوى بها إلى أن أنتجت تلك المساعي احتلال الحجاز من قبل جلالته، وآخر هدايا سيادته هو ابن رفادة وأوباشه الذين أخذه الله أخذ عزيزٍ مقتدر، وأن ابن سعود يعترف بهذه الفضائل لسيادة الشريف عبد الله ويرجوا من الله أن يكون ما يأتي به المستقبل كما كان في الماضي وأن يديم الله بقاء سيادته لمثل هذه الهدايا والنتائج. ثم أطلق ابن سعود سراح المبعدين في الرياض من أهل الحجاز وأعادهم إلى بلادهم، بل عين جلّهم في وظائف الدولة. أما نهاية ثورة الأدارسة: فإنه لما علم ابن سعود بأعمال الحسن الإدريسي رفع إليه برقية يحذره مغبة ذلك، وكان بعثها في ٢٨ جمادى الثانية، فأجابه الإدريسي مؤكدًا إخلاصه وولائه، غير أنه ينقم من فهد بن زعير أمير المنطقة وتركي بن

стр. 1001

ماضي مفتش المنطقة لسوء معاملتهما له، ويؤكد الولاء والإخلاص، وظل يراوغ ويعمل في الخفاء لتنفيذ ما اتفق عليه هو وأصحابه، ولما كان في ٥ رجب انقض رجال الإدريسي على ابن زعير أمير المنطقة واعتقلوه في مكان خاص واستأثر الحسن بالحكم في البلاد، ووصلت في تلك الأوانة ساعية من قبل الأمير عبد الله بن الحسين فيها بعض الأرزاق والعتاد مددًا للإدريسي، فلما اتصل الخبر بجلالة الملك ما وسعه إلا أن يجهز قوة من قبله في جيزان، فزحفت القوة ودخلتها عنوةً في ١٨ رجب من هذه السنة، ففرَّ مندوبا حزب الأمير عبد الله وهما علي الدباغ وعبد العزيز اليماني، فأما علي الدباغ فإنه ألقى بنفسه في البحر فغرق، وأما الآخر فقبض عليه وزج في السجن. وبما أن الإمام يحيى طلب من جلالة الملك ابن السعود أن يبعث الوفد المتقدم ذكرهم إلى صنعاء عزم على ذلك، لكن ظهور حوادث ابن رفادة في الشمال أخرَّ إرسال الوفد في بداية هذا العام إلى أن تنجلي تلك الغمامة، ولكن ماذا يصنع بحركة المفسدين الذين اتخذوا بلاد اليمن مقرًا لحركاتهم للقيام بفتنة أخرى في الجنوب في نفس الوقت الذي كانت فتنة الشمال فيه هائجة، وكانت "اللحية" الواقعة بين ميدي والحديدة مركزًا لنشاط هؤلاء المفسدين، فكتب صاحب الجلالة ابن السعود إلى الإمام يحيى كتابا لطيفًا يهنيه بأن الله ﵎ قد دمر أولئك المفسدين وأحاط بهم المسلمون حتى استأصلوهم عن آخرهم وطهروا منهم البلاد، ثم قال: وقد بلغنا أن أناسًا منهم وصلوا إلى بلاد الأخ فأرجو قطعًا لدابر الإفساد في بلاد العرب وإنفاذًا للعهد الذي كان بيننا وبين الأخ مؤخرًا بأن يأمر بإلقاء القبض على الموجودين منهم في بلاده وتسليمهم إلينا، وأن يأمر بمنع دخول الباقين منهم إلى بلاده، إلى آخر ما في الوثيقة، فكان جواب الإمام يحيى بديعًا بسروره بما كان من إخماد الثورة المدفوعة من أعداء الإسلام، ثم أظهر ملقًا من الكلام وقال: لو قدر أن أحدًا منهم وصل إلينا لكان المطلوب من الأخ أن يقول لأخيه قد أجرنا من أجرت.

стр. 1002

ولما ضم ابن سعود بلاد عسير إلى أملاكه امتدت حدود المملكة السعودية إلى شمال اليمن، وما زالت تمتد حدود المملكة السعودية إلى شمال، وقد اضطر يحيى في أول الأمر للقبول بالأمر الواقع فلم يحرك ساكنًا لأنه في الوقت الذي استولى فيه ابن السعود على عسير كان يحيى مشغولًا بخصومته مع الإنكليز على بعض المناطق اليمنية الجنوبية المجاورة لعدن، وقد احتلها الإنكليز بحجة أنها اختارت الحماية الإنكليزية، وأغارت أسرابهم الجوية على اليمن مرارًا وألقت قنابلها على صنعاء. ولما طارت الطائرات البريطانية وألقت قنابلها على صنعاء وألقت وابلًا من القنابل على الضالع وقعطبة وذمار وبريم وتعز ومأوية وآب أحدثت ضررًا كبيرًا، فسببت الحرائق في البلدان، وقتل نحو من ستين شخصًا، مما كان له أسوأ الأثر في النفوس، كان ذلك هو الحامل له على السكون، ولما سكنت الأمور بينه وبين الإنكليز كان أول ما يهمه نفوذ ابن سعود الذي بلغ منطقة نجران التي كان يحيى يدعى أن قسمها الشمالي داخل في أراضيه، وأيضًا رأى أن استيلاء ابن سعود على إمارة الأدارسة أبعد من استيلاء يحيى، لأن يحيى كان يعتقد أنه أولى وأقدر على ضم هذه الأرض إلى أملاكه من ابن سعود، لأن له نفوذًا قويًا على الأدارسة أقوى من نفوذ ابن سعود الذي قصدها من قلب الجزيرة، فما زال يحيى بالإدريسي حتى انقلب على ابن سعود. ولما جهز ابن سعود القوات إلى الإدريسي ورأى أن أمره قد اكتشف بعد أن احتلت جيزان هرب منها إلى صبيا وأمر أتباعه بتخريب طريق السيارات، إلا أن القوات السعودية دخلت جيزان وزحفت إلى الإمام واستولت على صبيا، ففرَّ إلى الجنوب واضطرمت في عسير ثورة خطرة وهوجمت القوات السعودية بشدة، فبادر ابن سعود بإرسال النجدات القوية إلى عسير وخشي أن يكون خلف الإدريسي أحد من الملوك يعينه ويشد أزره، فاستعد للحرب ولكنه أذاع أيضًا بأنه معط الأمان للإدريسي ومن معه من الثوار والقبائل إذا أخلدوا للسكينة، وأمهلهم ستة أيام، وإلا فليأذنوا بحرب لا قبل لهم بها، ثم إنه انتدب الأمير عبد العزيز بن مساعد البطل

стр. 1003

العظيم، وبعث معه قوة عظيمة وجعله الحاكم العام على عسير، وأخرى مع الأمير خالد بن لؤي ولكنه توفى رحمه الله تعالى في الطريق بمرض ألم به، فأسندت أعماله إلى ابنه الأكبر سعد بن خالد، وجعل ابن سعود القيادة العليا للجيوش السعودية في مقاطعة عسير إلى الأمير عبد العزيز بن مساعد، وأخذت القوات السعودية بقيادة سعد تطارد الإدريسي، فاحتلت الضايا وتعشر وبلجرشي، ومضى الإدريسي إلى قبيلة المسارحة وبني شبل ثم العارضة، فطورد فاعتصم بقرية أبي حجر، وتبعد عن أبي عريش ثماني ساعات، وعلمت القوات السعودية بوجود عبد الوهاب الإدريسي أحد الثائرين في وادي المحصم، فزحفت إليه في ١٥ رمضان من هذه السنة وأحاطت برجاله وقوته وأبادتهم ما عدى ستة من الفرسان تمكنوا من الفرار إلى عين دابي في سفح جبال فيفاء فتبعتهم، ولكنهم نجوا وصدر الأمر إلى ابن مساعد أن يتعقب العصاة ويخمد الثورة، فغادر أبها تاركًا فيها نائبًا له، وسمع أن قوة إدريسية في بلحرث أخذت تتضخم، فبادرها وأبادها وأخذ البطل العظيم ابن مساعد يطارد الإدريسي ويضيق عليه الخناق ويبيد رجاله وقواته ويرهقه بالمفاجئات ويثخنه جراحًا حتى كان على الحدود، ولكن ابن مساعد لم يمهله لحظة بل طارده، فاجتازها إلى الأراضي اليمانية. ولما وصل الإدريسي إلى ميدي التجأ إلى الإمام يحيى فطلب ابن سعود من عاهل اليمن تسليم الفارين إليه إنفاذًا للمعاهدة القاضية بذلك، فرجاه يحيى أن يعفو عنهم لما التجأوا إليه بأهليهم وأتباعهم وأن يمنحهم عفوًا شاملًا مطلقًا عن كل ما حدث في هذه الفتنة الشيطانية، سواء كان بين الحكومة والأدارسة أو بينهم وبين الرعية، فأجاب ابن سعود بأن كل من التجأ إليه فله أمان الله على ماله ودمه وأنه قد عفا عن الإدريسي عفوًا شاملًا مطلقًا من جميع ما مضى وحدث، فلما عفى عنهم وأمنهم سأله الإمام يحيى أن يأذن لهم في البقاء لديه وهو كفيل على حسن تصرفهم وعدم قيامهم بأي عمل يعوق أعمال الحكومة في حدود جلالة الملك، فرضي جلالته بهذا المطلب أيضًا زيادة في التقرب وسعيًا لحسن التفاهم، ثم تمادى الإمام في مطالبه من ابن سعود أن يعطف على العائلة الإدريسية وأن يمنّ عليها

стр. 1004

بنفقات تقوم بأودها لأن الخزينة اليمنية لا تتحمل ذلك، فقدر ابن سعود له مبلغ ٢٥٠ ألف ريال شهريًا، ثم كتب يحيى يخبره أن عبد الوهاب الإدريسي سيعود إليه مع كل الفارين، ولن يبقَ مع الحسن إلّا أسرته، فأجابه ابن سعود بأنه ينظر إلى الإمام يحيى نظرته إلى أخ كريم فليعمل ما يريد. هذا وقد أبقاهم يحيى عنده آلة يستعملها عند الحاجة، قابل إخلاص ابن سعود وإحسانه بالمماطلة والمخادعة، ولما انتهت الثورة حرص ابن سعود على حصوله ما كان مؤملًا من الاتفاق وأن يرسل وفدًا لحل المشاكل، فأجابه يحيى بالقبول وأنه يؤمل من جلالته أن يرى الوفد في صنعاء وأن يطلق له العنان لحل كافة الأمور بين الجانبين وبالأخص المسائل العائدة إلى الحدود، فلما أن ذهب هذا الوفد تلقاه بكل مكروه وإساءة. ذكرى ما لقيه وفد ابن سعود من الإهانة لقد كان يحيى من دهاة الرجال ومن أكبر أمراء العرب، بل من سادات ملوكهم، غير أن فيه خصلتين مذمومتين، كان بخيلًا ومخادعًا، وهما وربك صفتان مذمومتان شرعًا وعقلًا، ولما أن سار وفد جلالة الملك ابن سعود إلى صنعاء محفوفًا بالإكرام والاحترام، ما كاد يصل الحدود اليمانية من جهة ميدي حتى شاهد معالم الزينات والفرح تعلنها الحكومة اليمانية رسميًا ابتهاجًا باحتلال نجران، غير ناظرة إلى ما في ذلك العمل من عدم اللياقة والإنصاف، وأنها لعثرة قوية في طريق الصداقة والألفة التي تعمل الحكومة السعودية لغرسها، فلما شاهدوا ذلك وهو احتلال الجنود اليمانية لنجران ما كان هذا برادهم شيئًا عما هم فيه من السعي لتحصيله. وكان هذا الوفد مؤلفًا من: تركي بن ماضي، وخالد بك أبو الوليد القرقني، وحمد السليمان، فلم يقل أعضاء الوفد شيئًا، بل واصلوا السير غير ناظرين إلّا إلى الغاية العليا التي يسعون للحصول عليها، لأنهم كانوا يسعون وراء عمل أعظم وأشرف من هذا، فلما أن قدموا صنعاء لقوا حظًا وافرًا من الإساءة

стр. 1005

المتعمدة، فإنه لم يسبق لذلك مثيل في تاريخ العلاقات السياسية الدولية، ولا في تاريخ دول الإسلام، وقد بانت الضغينة السيئة والأطماع الأشعبية، وعلم الوفد على الحقيقة أن اليمن يستصغر شأن بلاده ويحتقر أمرها، ويظن بها الضعف وعدم القوة، وتحقق عند الوفد أن إمام اليمن يرمي بنظره إلى ما وراء الحدود ويطمع بالاستيلاء على نجران وعسير وتهامة، وخلاصة الأمر صريحًا أنه ينبغي العودة إلى بلاده، فمنع من ذلك وحيل دونه، فعندها أمعن الوفد في إيصال الخبر سرًا إلى جلالة الملك بذلك، هذا ما كان عليه يحيى، فلما علم ابن سعود بذلك سمح يحيى لوفده بالعودة بعد طول الحجر والقهر، فعادوا في السنة الآتية وجرى ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ذكر من توفى فيها من الأعيان ففيها وفاة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وكان خروج روحه في الساعة الثانية من اليوم ١١ من محرم ﵀ وعفا عنه ووقاه عذاب الجحيم، ورفع منازله في جنات النعيم، فلقد والله أصيب به الإسلام وفقده هداة الأنام فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، وهذه ترجمته: هو العالم العابد الزاهد الألمعي العلم، الوفي الزكي، قاضي ناحية القصيم الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليم، أبو محمد، شيخنا الحبر الماهر في العلوم، كان رزينًا مصقعًا سميدعًا، حليمًا عاقلًا، له سعة اطلاع وفراسة، إذا أخذ يقرر التوحيد والفقه قلت لا نظير له في الناس، وإن أخذ في الوعظ والتذكير فإنه بغيره لا يقاس، أو أخذ في التواضع والأدب، فسبحان من خلع عليه أحسن اللباس، يصيح بالخلق إلى اتباع الرسول والتمسك بسنته ودموعه تسكب كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، وكان له وجد وذوق في المعارف الإلهية حتى إنه ليكاد يحبو من مكانه حبوًا إذا جعل يتكلم على معاني العقيدة السلفية لما له من الحظ الأوفر من تلك البضاعة.

стр. 1006

وكان فقيهًا متواضعًا قويًا في أمر الله، له مقدرة على حسم مواد الشر ومعه تواضع ولين عريكة، وينزل الناس منازلهم ويعاملهم على قدر عقولهم. قال مرة لبعض إخوانه: يا فلان تغافل عن شر الناس، إذا سمعت من يغتابك فقل لنفسك مكذبًا لها هذا ليس يريدني ويعنيني، وإذا رميت بحجر فقل لعل ذلك يريد الطيور فأخطأ به إليه، فإنك تستريح. صفته وأخلاقه كان شيخًا كث اللحية يخضب بالحناء، رزينًا أبيض أصبح ممتلئ الجسم، مربوع القامة، طلق المحيا، عاقلًا، مهيبًا من دون بغض محببًا من دون ضعف، عليه شعار البهاء حتى كأنه الشمس بين عينيه، رحيمًا بالضعفاء والمساكين، فأما عقله وسمته فوا الذي خلقه ما رأيت قبله ولا بعده أعقل منه ولا أسمت منه، وإذا مشى في الأسواق والشوارع فلو أنها تدكدكت الجبال من خلفه لما التفت إليها. وكانت ولادته حوالي ١٢٨٧ هـ، فأخذ العلم عن والده الشيخ محمد بن عبد الله، والشيخ محمد بن عمر، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وجدَّ واجتهد حتى نال درجة عالية في العلوم، ودرس في التوحيد والفقه والحديث. فلما كان في صدر ولاية عبد العزيز بن متعب بن رشيد وشرد أهل الدين وشتت شملهم كان المترجم مبعدًا من بريدة إلى البكيرية، ولما أن لبث بها عشر سنين لا يخرج إلّا لزيارة والده الشيخ محمد، عين في قضاء بريدة كما أسلفنا، وكان مسددًا في قضائه وأجوبته، مسددًا في سائر أعماله، وجاء إليه أهالي القصيم لما أن أراد الملك عبد العزيز أن يؤسس محطة اللاسلكي في بريدة مستنكرين لذلك، فلما أن كلموه في الأمر ليأخذوا رأيه فيه قال لهم برفق وحكمة: يا أولادي إياكم والشقاق، فلا خير فيه، يا أولادي إن ابن سعود ملك نسأل الله أن لا يسلطه علينا، فادعوا له واسألوا الله له الهداية، فقاموا من عنده وقد طابت أنفسهم يقولون: إن الشيخ أعلم منا وأتقى منّا لربه، وما كان لهم بعد مقالته التفات.

стр. 1007

ذكر شيء من أجوبته وفوائده اتفق في أيامه أن امرأة عجوزًا في إحدى قرى القصيم رأت في منامها آتيًا أتاها وقال: توبوا إلى ربكم أيها الناس وصوموا من الغد، فلما هبت المرأة من رقدتها آخر الليل صاحت بالجيران ومن حولها من العامة والنساء، وأخبرتهم فصام بعض أهل القرية وأمتنع آخرون، وتحير أناس لم يتسحروا، فقام مطوع القرية وبعث رسولًا إلى الشيخ عبد الله يستفتيه بذلك، وكانت المسافة قدرًا من ميلين، غير أن الرسول استطاع أن يجعلها ١٥ دقيقة، فلما كان بعد طلوع الشمس إذا به يستأذن على الشيخ في بيته مرعوبًا مدهوشًا، فأخبره بالقصة وشكى إليه هذه الواقعة، فتبسم الشيخ ضاحكًا متعجبًا وقال له: يا بني أخبر قومك بأن العبادات قد شرعت على لسان النبي محمد ﷺ ليس عجوزكم هي المشرعة، فأخبرهم أن لا يصوموا، فرجع رسول أهل القرية يسكنهم ويبشرهم وقد وافاه الفلول في منتصف الطريق فأخبرهم هو ورجعوا مطمئنين. وكان كلامه مقبولًا عند الناس جدًا لما له من النية الحسنة، وقد قرر التوحيد في حلق التدريس وذكر الكفرات للمسلم إذا صدرت منه فقال: من دعا الأموات كفر ومن لم يكفر الكافر فهو كافر، فتكلم جاهل من العامة مع من يليه من الحضور فقال إذًا صار التكفير هدم جدر وإلقاء حيطان، فنقل الشيخ كلامه فعرض بذلك في التدريس من الغد وقال: إن هنا أناسًا لا يقرون تكفير الكفار، وإذا لم يكفر الكفار لكفرهم فهل تكفر الجمادات، نسأل الله العافية. وكان يعبر الرؤيا فكان إذا جاءه من يقص عليه رؤياه عبّرها إن كانت حسنة وإن رأى صاحب الرؤيا مهمومًا لا رأى قال: يا سبحان الله إذا لعب الشيطان بأحدهم في منامه لم يعلم به أحد جاء يفضح نفسه.

стр. 1008

وكان إذا أخذ يفسر العبارات في التدريس فربما لبث نصف ساعة يذكر الأدلة وكلام العلماء على ذلك ويطيل ويسهب. وقرأ عليه بعض الطلاب كلام الإمام ابن القيم في إساءة الظن بالله وهو الذي ذكره شيخ الإسلام وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، فأخذ في شرح العبارة وتفسيرها وأطال وأفاد وأجاد وجعلت دموعه تجري على خديه حتى رحمه من حوله ولبث أربعين دقيقة. وقرأ عليه قارئ في فتح المجيد، فلما بلغ ذكر الشفاعة جعل يبكي ويتكلم ويأتي بالعجب العجاب حتى تقدم عن مكانه الذي هو جالس فيه، وكاد أن يصل إلى وسط الحلقة حتى خشي القارئ من أن يصل إليه. وقرأ عليه بعض الإخوان من الطلاب بكتاب الصيب الهطال في الرد على ابن كمال، فقال ﵀ أن الاسم مشتق من الفعل يعني الكتلاني هو مؤلف الكتاب، وكان إذا سمع الجملة تنحنح ثم شرع يتكلم. وقرأ عليه بعض الإخوان من طلاب العلم بمسائل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن فتكلم معربًا عن فضل المؤلف ومكانته في العلم وجعل يثني عليه ويمتدحه ويذكر ما لآل الشيخ من الفضائل والمناقب التي بنوا بها ما تهدم من قواعد الإسلام وإشادة ما اندثر منها وأطال وأسهب. وقرأت عليه في حاشية التوحيد للشيخ عبد الرحمن فلما بلغت رواه وكيع فقال: وكيع هذا هو ابن الجراح بن وكيع عالم كبير، شكى إليه الشافعي سوء حفظه فقال له اترك المعاصي، وأنت يا ولدي إن أردت طلب العلم فاترك المعاصي، اترك المعاصي إن كنت تريد طلب العلم، فإن المعاصي تمنع من تحصيل العلم، وجعل يرددها علي ويحثني على طاعة الله ورسوله فتأثرت لذلك ووجدت لكلامه وقعًا بحيث أني والله لأجد لكلامه موقعًا حتى أنه مثل العافية على الجسم السقيم. ومهما كانت الأحوال والظروف فإن اللسان يعجز عن التعبير عما في الجنان من براعته ونبله ونصحه وإرشاده.

стр. 1009

ودخل عجل في المسجد الجامع حال التدريس فالتفت إليه بعض الطلاب، فأخذ الشيخ عصاه ونعاله وقام موليًا فلحقه التلامذة والإخوان يعتذرون، وإن الوالد من شيمته الصفح عن عثران أبنائه فقال: فاتكم مجلسنا يومكم هذا فالتفتوا إلى هذه البهيمة العجماء ودعوا العلم والمعلم، بقوله توبيخًا وتقريعًا. ذكر ورعه وزهده أما ورعه فحدّث عنه ولا حرج، كان لا يمسك شيئًا في الدنيا غير كفايته، ولم يستقطع من الملوك الأراضي ولم يجمع مالًا لنفسه غير بيته الذي يسكنه، وإذا جاءه مرتبه وعنده شيء من بقية الأول فرق الأول. وجاء إليه أهل هجرة من البدو يطلبون منه أن يجعل لديهم مطوعًا ديانته حقيقة صدقًا، وجعلوا يسألونه ويلحون فقال: يا هؤلاء إن وجدتم ذلك فاطلبوا لنا ولكم الله المستعان. وطلب منه أهل هجرة مطوعًا عينوه، غير أنه لا يعرفه فقال: حتى نسأل عنه شيخه الذي يعرفه، يعني به أخاه عمر. وأتاه رجل يسب وكيلًا وينال من عرضه لأمر لا يعنيه فقال له: كأنك تريد الوكالة لنفسك وتطلبها، فاستحيا الرجل وسكت. وقال مرة لأحد كبار التلامذة أقرأ علينا بالفروع لابن مفلح نقرر ما نعرف منها وما لا نعرفه نكله إلى من يعرفه وهذا منه من باب الهضم لنفسه ورؤيتها بعين الاحتقار وإلا فهو العالم الكبير والبحر الغزير. وكان من سجيته أنه لا يقبل هدية ولا يستجيب لأحد، بل كان يأكل في بيته ويقتصد في معيشته ويمازح إخوانه ويخفض لهم الجناح، وأوذي في ذات الله فصبر وارتفع شأنه وعلت رتبته فما بطر ولا تكبر بل يحب طالب العلم والمستفيد ويقرب الغريب. وكان يأتي بالنجار إذا احتاج إليه ولو لعمل بسيط كإصلاح مفتاح، ورحى ونحو ذلك من الأمور الزهيدة، فيحضر عنده يحادثه، فإذا فرغ أطعمه وسقاه وأعطاه

стр. 1010

أجرته كاملة، فيأسف النجار عند دفعه الأجرة فيقول: هذه أجرتك فهي حقك يا ولدي فإن لم تأخذها لم نأت بك فيما بعد، فيأخذها على مضض، وكان ﵀ وعفا عنه متواضعًا يحمل حوائجه على رأسه. هذا وقد خدمته الليالي والأيام وقدمه الملوك والحكام وبذلت له ما لا يجري على الأوهام، فرد ما زاد على الكفاية، وأبى عليه فضله ودينه أن يكون مكاثرًا، فرحمة الله عليه من إمام عبر الدنيا وما عمرها، وقل والله من كان متصفًا بصفاته من علماء زمانه. ذكر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وحلمه وعفوه وسعة رأيه أما أمره ونهيه فقد كان على بصيرة يدعو إلى الله وما همه منصب ولا يراعي جانب أحد كائنًا من كان، وقد ساعدته الظروف من قبل صاحب الجلالة الملك عبد العزيز، فكان يرفع قدره وينفذ أوامره بسرعة، أضف إلى ذلك أن وافق زمانه في القضاء هدوء وسكينة وقلة مشاغبة، فكان يكفي أهل زمانه القليل أمرًا ونهيًا ولم يظهر في زمانه ما كان قد ظهر فيما بعد من كثرة الحيل وعدم الانقياد، وما ذاك إلّا لحسن نيته وخوفًا من سطوة الوالي. فمن ذلك أنه مر عليه في الدرس أثر خلق الله ألف أمة وتكفل برزق الجميع، فأخذ يتكلم على هذا الأثر ملوحًا على المسافرين إلى بلدان الكفار فقال: خلق الله ألف أمة، ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وتكفل الله برزق الجميع إلى ابن أدم لا يرزق حتى يذهب الكفار ويكون حمارًا لهم، عياذًا بالله، وبكلامه هذا يشنع على الذين يذهبون إلى الكفار ويخدمونهم. ونقل إليه بعض العامة يستعظم تكفير المسلمين، وإن فعلوا ما فعلوا، فلما جلس للتدريس والتف حواليه ما يزيد على أربعمائة ما بين متعلم ومستمع، أخذ يبين وجوب عداوة أعداء الله ويوضح تكفير الكافرين ثم قال: غير أن أناسًا أعمى الله قلوبهم لا يكفرون الكافرين، وإذا لم يكفر من

стр. 1011

كفره الله ورسوله فمن يقع عليه التكفير الكفر هذه الاسطوانة ويضرب بيده عليها أم كفر البهائم، وهؤلاء العمي ليسوا ببعيدين أرفع قدمك لا تطأهم، فخجل المعترض وتاب وقضى مرة على شخص، فلما كان ذات يوم لقيه في الطريق فلما حاذاه قال: أخزاك الله في الدنيا والأخرة كما خيبتني من حقي، فلحظه بعين الرحمة وقال: يا بني الله لا يخزين ولا يخزيك فذهب الرجل قد احترق من الخجل والحياء. وبينما هو يمشي مرة وإلى جانبه أحد أحبابه مرّ من بينهما منافق ولم يسلم، وكان ذلك داعية ضلال، فلما أن ولى الرجل التفت الشيخ إلى من جانبه وقال: الله المستعان والله ما كان مثل هذا الرجل الضال له مؤلفات في ضلالته إلّا كان من الله أن يتلفها الله قبله. وأتى إليه رجل من خاصة إخوانه، وكان في هم وغم وجعل يشكو إليه، فعال قريبه وإساءته إليه ومقاطعته منه لا من قبلك، واعلم يا بني أن الله لا يضيع أحدًا، فإن كان قد خرج من الاجتماع وفقدت مساعدته في النفقة فسيرزقك الله ويغنيك من سعته، فقال من عنده منشرح الصدر وكانت عاقبته حميدة. وجاء إليه بعض إخوانه وقد عزم على الزواج، فطلب منه الوصية فقال: يا بني إذا أتيت أهلك فقل لهم هذه زوجتي قد شق علي مهرها فيجب أن تتحملوا منها ما يصدر منها، وإذا خلوت بزوجتك فأوصها بحشمة أهلك وقل هؤلاء أهلي وأقربائي ويجب عليك إكرامهم، أما إذا كنت مع أهلك على زوجتك أو كنت مع زوجتك على أهلك فإنك لا تسوسهم، ويا بني يومًا ثم يومًا والأجل قريب. فهذه نبذة من مناقبه تدلك على فضله، وكان فوق ما قيل فيه زهدًا وورعًا وتواضعًا. وكان يرضي المجانين والمرأة والطفل على قدر عقولهم، وكم كربةٍ فرجّها برأيه، ومشكلةٍ أوضحها بالحجج والبراهين، فهو طبيب القلوب، ومن فوائده تنجلي الكروب. أما تلامذته الذين أخذوا عنه فخلق كثير، فمنهم: الشيخ عبد الله بن عبد العزيز

стр. 1012

ابن عبدان قاضي الزلفي، والأخ في الله ذو الأصل والتوحيد محمد بن صالح المطوع، وأخذ عنه الشيخ سليمان المشعلي، وأخذ عنه الحافظ فهد العيسى قاضي الشبيكبة، وأخذ عنه عثمان بن حمد بن مضيان قاضي أبو عريش، وأخذ عنه محمد ابن حمد بن مضيان، وأخذ عنه خلق كثير، وسيأتي في ترجمة أخيه عمر ذكر تلامذتها، ومن أشهرهم: الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، ورجل الدين والعلم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عويد. ولما توفاه الله تعالى صلى عليه المسلمون ضحى في جامع بريدة وازدحم الرجال والنساء وأقبلوا كأنهم السيل المنهمر، وقد حضر جنازته خلق كثير، ودفن في المقبرة الجنوبية، وكان الذي تولى إمامة الناس أخوه فضيلة الشيخ عمر، وحزن لموته أهل الإسلام في المشارق والمغارب، وصلى عليه بالنية في أنحاء المملكة العربية. وقد قيل فيه مراثي كثيرة فنذكر منها قليلًا من كثير، فمنها ما رثاه به تلميذه أخونا عبد المحسن بن عبيد، وهي هذه: أعبني جودًا بالدموع الهواطل ... ولا تعدا وعد العذول المماطل فسحًا لدمع العين بالله وابكيا ... بدمع غزيرٍ عاجلٍ غير آجل على شيخنا شمس البلاد وبدرها ... ونجم الهدى السامي جميل الشمائل هو الشيخ عبد الله نجل محمد ... إمامٌ همامٌ فاضلٌ وابن فاضل فوا أسفا من فقده وفراقه ... فمن مثله في الخلق بين القبائل لقد كان طودًا للعلوم وفاضلًا ... فثلمته كبرى لدى كل عاقل فتبًا لعينٍ لا تجود بدمعها ... على مثل شيخ المسلمين الأماثل لقد ريعت الأنام طرًا بموته ... وسالت جفونٌ بالدموع الهواطل وطارت قلوب المسلمين لفقده ... لدى غيّبوا في القبر فرد الفضائل فكلًا ترى يبكي وتهمي دموعه ... لما حل فيهم من عظيم البلابل وصلى عليه المسلمون جميعهم ... بكل ربا نجدٍ بكل المحافل سرى نعشه فوق الأنامل مسرعًا ... تؤم به الأقوام نحو الجنادل

стр. 1013

إلى الله نشكو ما دهى من مصيبة ... وما مسنا من فادحات النوازل فحمدًا على مر القضاء وحلواه ... وشكرًا لمولانا على كل نازل صبرنا وسلمنا له الأمر كله ... على كل حالٍ في الرخا والنوازل لقد عمنا كردبٌ شديدٌ ومفظعٌ ... وقدنا لنا رزء وإحدى البلابل سقى قبره ربي من الروح ديمةً ... مع العفو والرضوان هتان هاطل وألحقه بالسالفين على الهدى ... على الشرعة الغرّاء بأعلى المنازل لقد كان في الدنيا وحيد زمانه ... يقيم منارات الهدى بالدلائل مجالسه طابت فعادةً بحكمةٍ ... مؤيدةً بالله عن كل باطل عليها البهاء والنور كالشمس ساطعًا ... مسددةً محروسةً عن غوائل يقص علينا من رقائق وعظه ... كما الصيب الهطال يهمي بوابل يقرر توحيد العبادة معلنًا ... ويشرحه بين الورى في المحافل ويدعو إلى التوحيد لله مخلصًا ... يريد الجزاء يوم اللقا والتعامل يدين بقال الله قال رسوله ... وقول ذوي التحقيق من كل فاضل على السنة الغراء يسير بعزمة ... ولم يثنه في الله عذل العواذل وما صدَّه خوفٌ من الخلق أو رجا ... لما عندهم من تالد المال عاجل له همةٌ تأبى الدنية والردى ... وتنأى عن الفحشاء وقرب الرذائل كساه إليها مولاه أجمل حلةً ... له هيبةٌ عند الملوك الأماثل لقد كان بكاءٌ وقد كان خائفًا ... وقد كان مأمون الأذى والغوائل مديمًا على بذل النصيحة جهده ... على كل حالٍ في الضحى والأصائل وقد كان في الدنيا لنا خير مؤنسٍ ... يرغب في الأخرى وحسن الشمائل يقص علينا من كلام إلهنا ... ومن سنة المختار أسنى الدلائل يرغبنا قولًا وفعلًا بجهده ... إلى السنة الغراء ورفض الرذائل ويحكي لنا جل الظرائف آثرًا ... عن العلماء العاملين الأماثل إذا قرر التوحيد أطرب من له ... فؤادٌ يسلم نوره كالمشاعل

стр. 1014

له منطقٌ عذبٌ فصيحٌ مهذبٌ ... فسبحان من قد خصه بالفضائل وإن جاء في التزهيد أبكى بقوله ... وزهَّد في الدنيا وإيثار آجل وإن مازح الإخوان تقسم أنه ... له أسوةً بالمصطفى غير ماثل وإن أمَّ في المحراب يتلو كلام من ... تقدس عن مثل وعن كل باطل عرفت يقينًا فضله ومحله ... ورتبته في الفضل بين القبائل له خلقٌ سمحٌ جميلٌ مؤيدٌ ... من الله لا يصغى إلى كل عاذل له سطوةٌ بين الورى بلسانه ... يسدده ربي بسرد الدلائل يعامل أهل الزيغ بالبعد والقلى ... ويرميهم شزرًا بقوس المسائل وما قصده جاهً ولا مدحة الورى ... وما صده ميلٌ إلى كل باطل شمائله جمٌ فلست أعدها ... بكل القرى تسمع بها والقبائل كذا الحضر تلقاها بكل محلةٍ ... كذا البدو ترويها بكل المحافل عليه سلام الله حيًا وميتًا ... ورحمة ربي عاجلًا غير آجل مع العفو والغفران والفوز والرضا ... كذا الروح والريحان يوم التعامل ولما قضى قولي توجهت مالكي ... سميع الدعاء مُسِدي جميع الفضائل يلم لشمل الدين فرعًا أُصله ... ويبقي لنا بدر القرى والقبائل سميَّ أبي حفص فالله دره ... لنا يشرح الغراء بغير تكاسل يحل لإشكال المسائل جاهدًا ... بعزمٍ وحزمٍ مبرزٍ للدلائل لقد كان أستاذًا لنا ومعلمًا ... يعيد دروسًا بالضحى والأصائل ويحمي حما السمحاء عمن أرادها ... بنقصٍ وهضمٍ من خبيثٍ وجاهل أعز به المولى لدين محمدٍ ... وأعلاه في الفردوس أعلى المنازل وسدد إخوانًا لنا طاب خيمهم ... ووفقهم فهم الهدى والمسائل وجنبهم ربي لكلِّ مضلةٍ ... وطهرهم من ساقطات الرذائل وصل إلهي مع سلامٍ مضاعفٍ ... على المصطفى والآل مع كل فاضل بعد الحصى والرمل والقطر كله ... وما شاء ربي دقها والجلائل

стр. 1015

وقال الأديب الذكي صالح بن عبد العزيز العثيمين راثيًا المترجم بهذه القصيدة العظيمة، وهي من أعظم ما قيل فيه: إلى الله في كشف الملمات أفزع ... فليس لذا أرجو سواه وأضرع ففي كل يومٍ للعباد رزيةٍ ... وفي كل عامٍ في خيارنا يشرع وأعظم بهذا الرزء وأي مصيبةٍ ... كهذا سوى أن قيل مات المشفع لقد مات عبد الله نجل محمدٍ ... فتىً نحوه الأعلام للرأس ترفع به انكسفت شمس العلوم فبعده ... فمن نحوه في العلم يرفع أصبع به فقد الناس الدعاة إلى الهدى ... فمن بعده داعٍ إذا قال يسمع به فقدوا فوق المنابر واعظًا ... إذا يبد وعظًا في الخطابة مصقع به فقدوا شيخًا فقيهًا مفقهًا ... سيهجر إقناعٌ ومغني ومقنع به فقدوا من حين تقرأ فروعهم ... تقول له تصنيفها إذ يفرع به فقدوا نحوًا فماضيه قد مضى ... وفي قبره أضحى المضارع يضرع به فقدوا شيخ الفرائض بعده ... فمن ذا سهام الأنصباء يوزع إذا أشكلت طرق الصواب فقوله ... لمسترشد الفتياء في الحق مقنع به صار روض العلم وألحق مزهرًا ... وأرواحنا عن جهلها فيه ترتع ربى في تقى فينًا وحسن عبادةٍ ... وما صده مالٌ وما ضم برقع إذا جئته جنح الدعاء وجدته ... بمحرابه باب المهيمن يقرع تلاوة آيات الكتاب شعاره ... فما انفك عنها غير ماحين يركع يلاقي بترحيبٍ وبشرٍ ورقةٍ ... فلم تلقه إلا لذي الذل يخضع وما نفسه يومًا أراد انتصارها ... ولا عن ذوي الفقر اعتراه الترفع ويمنع أهل الظلم أخذ مظالم ... وعن ظلمهم لله قد كان يمنع وعن ما أتى عن ربنا ورسوله ... مشاغب أهل الزيغ قد كان يدفع فأسيافه في البحث قاطعة الضبا ... وجوهرها حد الصياقل يقطع

стр. 1016

أبان عويصات المسائل كلها ... وأوضح منها ما يسن ويشرع إذا يتل تفسير الكتاب فقوله ... على كل مقبولٍ وما رد يطلع تنزه عن دنيا فلم تستفزه ... بزخرفها أو في خداعها يخدع وما مد عينًا نحوها إذ تبرجت ... بلى إنه في الهجر للكل مولع لقد نال أسباب السماء بعلمه ... ينادي لمن رام الصعود إلّا ارجعوا قفا أحمدًا قولًا وفعلًا فلو رأى ... شوافعهم ذا الشيخ لم يتشفعوا حوى العلم والعلياء والجود والتقى ... وسار بهاتيك الفضائل مسرع وليدًا حوى تلك الخصال جميعها ... إلى يومنا من درها وهو يرضع ختامٌ نقول إن أفاد نقولها ... وإن يعزها في صدقه الكل أجمع لقد حل في ذي العام مفقد عالمٍ ... به الكرب للإسلام قد حل مفظع أتيناه قصد الدرس نجني فوائدًا ... محررةً في الدرس حين يفرعُ فقيل لنا نجم الهداية قد هوى ... من الأفق قوموا أيها الخلق شيعوا فللحزنٍ للأذقان خرَّ جميعنا ... وسالت لذاك الحزن في الخد أدمع تنهد إبكار وصاح عجائٍّ ... وحوقل أشياخٌ وأدهش رضع حيارى من الأدهاش جلَّ مقالهم ... إلهي بهذا الشيخ لا الخلق تفجع إلهي قضيت الموت فادفع منيَّةً ... ومن شوقنا في رد روحه نطمع فلما تيقنا الممات من الأسى ... عليه قلوب الناس كادت تقطع وقمت أنادي في الطلول وأدمعي ... تروي الثرى إذ منه واراه بلقع سأبكيه في نطقي ودمعي وأنةٍ ... إذا زفرت منها تكسر أضلع أجاوب ورقاء الحمامة في البكا ... ويغلبها صوتي أسًا حين تسجع فلن أنس إذ حفت به جملة الورى ... كبدرٍ به حف الكواكب طلع ترنمت في إمداحه بحياته ... فأطربت في إنشادها اذ أرجع فلهفي إذا حولت تلك مراثيًا ... أطوف بها هل ذاك في الرزء ينفع ولهفي على فقدان شيخ ذوي النهى ... فقد كنت حيرانًا فما ذاك أصنع

стр. 1017

ولهفي فقد قل اصطباري فليتني ... بردت غليلًا إن جزعت فأجزع أعزي محاريب العلى بإمامها ... فناظرها من فقده الدم يدمع أعزي دروس الفقه بعد دروسها ... فمقلتها من حزن، فقده تهمع تنكرت الدنيا ولكن تعرفت ... بطيب ثنا أبقاه في الخلق يسطع وأقلامنا شقت عليه تأسفًا ... على فقد خد الطرس كم فيه ترصع بريدة فأبكي إن فخرك قد ثوى ... بلحدٍ ولن يرجى لبدرك مطلع بريدة للحزن السواد إلّا البسي ... فعنك بذا أمر الملامة يرفع به صرت في الأمصار تاجًا بمفرقٍ ... فعادت تعزيك إذا التاج ينزع جعلتي له الأحداق موضع رجله ... فكيف سمحت أنْ ببطنك يوضع قفوا خبِّرونا هل بنا اليوم مثله ... وهل صار في الماضي بمثله يسمع قفوا خبِّرونا أي شيخ مهذب ... يقوم مقام الشيخ إن ذاك تدعوا قفوا خبِّرونا من يشابه شيخنا ... ومن كان من علم الهدى متضلع قفوا خبِّرونا من يمازح طفلنا ... سواه وجلباب الحيا متدرع أهلنا عليها الترب آهي ولوعتي ... فهل فيكم مثلي فتى يتوجع أهالت عليه الترب في القبر راحتي ... فما راحتي يدري لها اليوم موضع تركنا علومًا في الثرى إذ ثوى به ... وعدنا ببرقٍ خلبٍ حين يلمع لقد مزج البحرين علمًا كذا ندى ... فلهفي ضريح ماء بحريه يبلع لئن نهبت أيدي المنون لجسمه ... فذى سنة ما الموت في ذاك مبدع فهذا طريقٌ كلنا له صائر ... فذاك مضى قدمًا وذا ذاك يتبع تسير قفول العالمين جميعهم ... لذاك وللأرواح في الخلد مجمع وإني لأرجو أن يكون مقامه ... بعدنٍ إذا يبدو به يتشعشع فيا ربِّ حقق ظن عبدك واقبلن ... دعائي لذاك الشيخ فيها يمتع وألحق محبًا قال ذاك بحبه ... فعفوك من ذني وإن جل أوسع لفقدان شيخي ليتني لم أكن ... وإلا ففي لحدٍ ثوى فيه أوضع

стр. 1018

فيا نوم عيني لا تلم بمقلتي ... فعينٌ كعيني بالكرى ليس تهجع ويا صبر فارحل ليس قلبي فارغًا ... أصيب بأحزانٍ وحاشاه يقلع ويا نار شوقي بالفراق تأججي ... وعقربه قولي لها القلب نلسع ويا نفس صبرًا فالتأسي لائقٌ ... بموت الذي في كفه الماء ينبع هو المصطفى زين النبيين أحمدٌ ... شفيع الورى يوم الصحائف ترفع عليه صلاة الله ما هبت الصبا ... وما هل ودق فيه رعدٌ مقعقع كذا الأهل والأصحاب أيضًا وتابعٌ ... مضى على خلف وللأمر طيع وأرخّ لشهرٍ في حبا من محرم ... للعام طاب القبر فيه السميدع وقد رثاه الأخ عثمان بن أحمد بن بشر، وعبد الرحمن بن عبد الكريم بن عودة بن محيميد، وقيل فيه شيء كثير من المديح أضربنا عن ذكرها لضيق الموضع، ولأن غالبها لم يتزن. ثم إنها جاءت التعزية لأخيه وذريته وأقربائه من قبل صاحب الجلالة الملك عبد العزيز، وفي ٢٥ من الشهر المذكور جاء الأمر السامي من قبله بتنصيب أخيه الشيخ عمر بن محمد قاضيًا في القصيم، فتولى الشيخ إمامة المسجد الجامع في بريدة واستمر في القضاء. أما ذرية الشيخ عبد الله فكان له من الذكور محمد فقط، وكان صالحًا ناسكًا، توفى وهو شاب، وله بنات. وممن توفى فيها من الأعيان والدنا السعيد وهذه ترجمته: هو العارف العاقل الناسك السخي الكريم أبو عبد الرحمن عبيد بن عبد المحسين آل عبيد، ولد ﵀ سنة ١٢٦٧ هـ فنشأ في حجر والده -جدي- وكان في قلةٍ من الدنيا، ووافق ذلك حروبًا ومحنًا ومخاوف، وتوفى والده قبل زواجه لأن زواجه تأخر إلى واقعة المليداء، وكان ممن شهد الوقعة فعزم على أنه إذا رجع إلى وطنه سالمًا ليتزوجن، فتزوج وله من العمر أربعون سنة. وكان ﵀ حسن الكتابة، ولجودة خطه كان كاتبًا للأمير حسن بن مهنا

стр. 1019

وقد يسير في رفقة الرجل المدعو الحصان خارص الأمير حسن، ومن زملائه في الكتابة محمد بن عيدان، كان والدنا يحدثنا أنه لم يكن في زمانهما أحسن منهما خطأ، فقدر أنه جاء أعرابي إليهما وجعل يسألهما هل يحسنان الكتابة؟ فازداد عجبهما به وكيف سولت له نفسه أن يبحث في هذا الموضوع حيث لم يدع القوس لباريها والسهم لراميها، فلما رأى الأعرابي أنهما ينكران علمه بالكتابة طلب قلمًا وورقة، ولما أن رأى القلم طلب أن يتولى هو بريه بنفسه، فأخذ سكينًا وبرى القلم مرتين وقطع في الثالثة رأسه -أعني القلم- وقال: أريد أن أكتب لكما فائدة، فكتب هذه الكلمات "الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار الملك الجبار" ثم ناولهما كتابته، فإذا هي آية في الحسن والجودة، وحقرا أنفسهما واستصغراها. وكان والدنا ﵀ جوادًا كريمًا محسنًا إلى الناس، شكورًا لنعم الله تعالى، ولقد أعطاه الله بسطةً في الرزق وسعة من المال في النصف الأخير من عمره، فكان يتمنى أن لو كان ذلك في حياة والده ليواسيه ويوسع عليه، وكان يأكل من كسب يده وعنده ثروة عظيمة، ويبذل الأموال في سبيل الخير والإحسان وصلة الأقارب، وله مقامات في الإحسان. سمع مرة وهو جالس في دكانه رجلين يختصمان فاستمع إلى كلاهما فإذا قد اشترى أحدهما ناقة من صاحبه ولم يجد لها ثمنًا، وقد تبعه صاحبها يقول: ناقتي أو ثمنها وجعل المشتري يسائله بالله أن يصبر حتى يأتيه الله برزقٍ من عنده، فإنه لا يجد في الحال الثمن، فتعلق به صاحبها وأخذ خطامها من يده، فوقف المشتري مقهورًا لأن الناقة لها موضع عنده وما لديه قيمة لها، فقام الوالد وعد قيمتها "وكانت ١٣٠ ريالًا" فرنسيًا وجعلها في كيس وخرج يقول أين المشتري؟ خذ القيمة وادفعها إليه واذهب بناقتك، هذا وما كان يعرف البائع ولا المشتري غير أنه أحب أن يفرج عنه كربته ويبرد حرارة الطلب وحملته الأنفة العربية والمروءة الإنسانية إلى تلك الأريحية، وجادت يمينه أن تقرضه وهو لا يعرف شخصه، وكان يقول: يا ليتني سألته عن اسمه ومن أي جهةٍ كان.

стр. 1020

وكنت أظن أن الله رد عليه قرضه بعد ثلاثة أشهر، ولما دفع الرجل إلى الوالد هدية جزاءً له على إحسانه ومعروفه ردها وأبى أن يقبلها. ولقد أسكن أخاه وأخته في أبيات حسنة وجعل ينفق عليهما، ولما ماتا قبله طلب منا أن لا نضايق الذرية في إخراجهم من البيوت ما داموا محتاجين إلى السكنى، ولما وقعت المسغبة التي قدمنا ذكرها كان إذا خرج من بيته إلى السوق يحمل على رأسه الزبلان فيها التمر والدقيق يوزعه على من مرَّ به من الواقعين على ظهر الأرض من الجوع. وكان يخرج إلى أصحابه وغرمائه فيحمل على دابتين طعامًا وكسوةً ولحمًا وقهوةً وسكرًا يكفي من يخرج إليه ضيافة ويزيد إلى ممر الأسبوع. وأهدى له بعض أصحابه حمل بعير عشبًا طيبًا وجعل في أعلى الحمل جذعًا عظيمًا من الحطب الغضى، وكان يعجبه الشيء الحسن، فلما ورد عليه أعجب به وجعل ذلك الجذع فرجةً لأصحابه، ثم إنه دعا برسول المهدي وكان ابنه فناوله كسوةً لجميع عائلتهم ونصف ذبيحة كبش وقهوة وسكرًا وأرزًا وعشرة ريالات فرنسية، وكان الحمل لا يساوي خمس ذلك الجزاء. وبعث أمير بريدة إلى فلاح يأمره أن يحمل إليه جميع ما لديه من الخضرة فإن عنده مائدة ضخمة، فقام الفلاح وحمل ما لديه على حمار قوي وأمر أكبر أبنائه أن يقصد به قصر الإمارة فتقفاه ابنه وأتى به إلى الوالد يقول هذا هدية من أبي فلان فأخذه الوالد وشدَّ على الحمار ما يطيقه من الحمل أرزاقا وكسوةً، فرجع الفتى إلى أبيه فسأله لما رأى الجزاء: قال يا بني أخزاك الله إلى من ذهبت به إليه؟ فأجابه قائلًا "عمنا عبيد" أما كنت بعثتني إليه؟ فتراجع الأب عندما رأى الأرزاق بين يديه وقال: أتدري يا بني أصبت والله في صنيعك ذلك، فقال له: يا أبت إنك غاوٍ في رأيك تريد بعثه إلى الأمير فلعله يسخطه ويستقله، وانظر الآن ما قابلك به هذا الجواد. ودخل عليه مرةً رجل أشمط عليه سيماء الصلاح وأنا حاضر عنده في وقت المساء فسأله عن اسمه فعرفه الوالد بنفسه فقال: إني كنت البارحة نائمًا في سطح مسجد جامع بريدة فأتاني ملكان جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال لي أحدهما: بشر عبيد بن عبد المحسن بالجنة فقال الملك الآخر بم نال ذلك،
следующие страницы →