صامطة والموسم، حتى إذا مشينا إليهم قطعوا خط الرجعة علينا من القوات التي رتبوها في الجبال كما أخبرناكم سابقًا، ولذلك ننتظر أمركم في الحركة التي ترونها.
فجاءه الجواب برقيًا على الفور من صاحب الجلالة إلى حمد الشويعر علمنا برقيتكم وكل عدو إن شاء الله معثور ولا يتأسف غير فاعل السوء، ولا بد اطلعت على برقيتنا إلى يحيى وأنت خذ بالحزم والعزم ولا تفتر همتك، وليس عليك قاصر الجند الذي عندك من نجد ومن عسير كثير ولله الحمد، والجند متواصل من الرياض إلى فيصل، أوله عند فيصل والثاني في بيشة والثالث يمشي من الرياض، وتعرف أن الأمور كلها بالله ثم بالحزم والعزم والهمة القوية، وأنتم أجمعوا جموعكم على الحدود واضبطوا نفوسكم عن التعدي إلا أن هاجمكم أحد فلا حول ولا قوة إلا بالله، لا تهاجموا أحدًا حتى يبدكم بالهجوم، وأبشر بأن الله خاذل كل عدو.
وهذه أيضًا برقية من ابن سلطان في أبو عريش إلى جلالة الملك جاءت في ٢٣ رمضان وردنا خط من أمير العارضة سعيدان بن محمد يفيد أن أهل سلا والمعين مع جند الإمام يحيى هاجموهم في العارضة، ويطلب الإمداد منا وقد أرسلنا خبرًا إلى حمد الشويعر في صامطة وسنمدهم بما يلزم، أحببنا إخباركم بذلك والعدو إن شاء الله معثور.
فجاءه الجواب من جلالة الملك إلى ابن سلطان في ٢٣ رمضان: تراجعوا مع الشويعر بما يلزم، وقد أمرنا بزيادة الجند الذي عندكم، ومشى إليكم حالًا قوة من البحر، وقوة ستصلكم قريبًا من أبها، اعملوا الحزم وانظروا في اللازم بغير اعتداء.
وهذا نبأ أيضًا من حمد الشويعر إلى جلالة الملك بتاريخ ٢٥ رمضان: لقد أخبرنا جلالتكم بما وقع وقدرة الله على سعيدان في العارضة، كذلك وردنا خط من علي أم يحيى راعي فيفاء يذكر أنه وصل بني مالك أحد عمال يحيى بالعزي ومعه جند ليحيي، أحببنا إعلامكم بذلك، وهذا قليل من كثير مما ورد من أمراء صاحب الجلالة السعودية في تلك الجهات من اعتداءات يحيى وجنوده على الملكة العربية السعودية.
стр. 1052
ذكر تقدم الجيوش السعودية في الحرب اليمنية
لما كان يحيى يجهز الجنود التي عاثت في الفساد، ويراجع ابن سعود بالسلم ويتودد، وكثرت الشكايات من الأمراء السعوديين، جهز ابن سعود الجنود وبعث البعوث وأصدر أمره السامي لابنه فيصل أن يتقدم على رأس ثمانمائة سيارة، وجهز ولي العهد سعود بن عبد العزيز يحيوش هائلة كقطع الليل المظلم، أضف إلى ذلك ما كان مع الأمير فيصل بن سعد من الجنود، وما لدى الأمير حمد الشويعر، فزحفت تلك الجيوش نحو الجيش اليمني وأخذت في الوقت نفسه تتقدم حتى احتلت جيوش الأمير فيصل بن عبد العزيز تهامة ولحية والحديدة على البحر الأحمر.
وكتب صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى يحيى يصارحه في هذه المرة أنه لا يترك من يستطيع حمل السلاح في ناحية القصيم إلا جهزه وقال ليس ذلك بإرجاف ولكن لما فطرت عليه من الصراحة، وقد كان في الجيش السعودي حماسة وشهامة، ولديهم القوات الهائلة، أما الإمام يحيى فقد كان لديه قوة عسكرية لا بأس بها، ومدافع قد اشتراها من أحد المصانع الإيطالية، وكان جيشه يقدر فيما قيل بخمسة وثلاثين ألف مقاتل مجهزًا تجهيزًا جيدًا، ومدربًا على أيدي ضباط من الترك قد تخرجوا من الكلية العسكرية في الأستانة وظلوا في اليمن بعد انهيار الأمبراطورية التركية مفضلين الحياة فيها، ولكن هذا الجيش الحسن ليس بشيء بجانب الجيوش السعودية، ولما جاءت الجنود السعودية وزحفت القوات الإسلامية التي لا قبل ليحيى بها طوقت اليمن واحتلت نجران وتهامة وميدي والحديدة وغيرها، وانهارت في الحال كل التدابير التي اتخذها يحيى، وأضحت الجنود السعودية قد طوقت اليمن من الشمال والغرب، وجعلت اليمن تتوقع ماذا يحل بها، هذا ولي العهد أقبل من تلك بمجموعة، وهذا فيصل جاء من الجهة الأخرى، وهذه عشرة آلاف مقاتل قد وقفوا على الحدود يدافعون مستعدين بالسلاح الكامل، وهذه سرية قدرها أربعمائة في سيارات، وسرية مثلها، وسرية هاجمت
стр. 1053
وبددت ما أمامها، وسرية قدرها مائتان في زورق من الزوارق البخارية، فقام يحيى يجاوب جلالة الملك ويسأله إيقاف تلك الجنود، فتحصلت المجاوبات بقدر من ثمانية عشر برقية نشر يحيى فيها كمال الصلة والهبة والمواخات، ويجاوبه ابن سعود بأنه على حرص عظيم على السلم وحقن الدماء، ويعاهد الله على ذلك سرًا وجهارًا، ولكنه لا يمكن سلم ولا معاهدة ولا صلح وأنت تسوق الجند من جهات، وكتب الإدريسي توقد الفتنة وتحرض الناس عليها، فإن كان لحضرتكم رغبة في الصلح والسلم فاعملوا عمله أو يرفع الجند منا ومنكم لاماكنه وتتم المراجعة بيننا وبينكم في الحال الذي يصلح للجميع.
وفي معرض كلام صاحب الجلالة أن قال وإني أدخلكم على الله ثم أدخلكم عليه ثم أحملكم مسؤولية الحرب أمام الله ثم أمام العالم عن الوقوع في هذا الشر الذي ما نؤمله من حضرتكم، وقد سبق أن تركنا جميع ما يقال ونحن نرى الحقيقة ونكذبها وثوقًا بالله ثم بوعودكم وعهودكم فإن كان المقصد من هذه الحركات نشوب الحرب فقد بلغ الأمر منتهاه، وإن كان القصد السلم فطريق السلم كما عرفناكم والله يحفظكم.
فأجاب يحيى بجواب يدل على ضعفه، وكان من جوابه أن قال: وقد انحلت العقدتان الأدارسة والمعاهدة المشتملة على الحدود، ولله الحمد، ولم يبقَ إلا إفادة الأخ من ترك بلاد يام في الحياد.
إلى أن قال: وإذا كان الأخ يسعى للسلم ورفع الأحقاد فنحن نهرول إليه هرولة، وتفضلوا بسرعة الإفادة لحل هذه المادة الثالثة. . إلخ.
وكان الباعث له على هذا الجواب ما رآه من سطوة القواد السعوديين، ولما جهز اللك عبد العزيز نجله وولي عهده وأمره بالتقدم إلى الحدود اليمانية لاسترجاع البلدان التي احتلها الجيش اليمني أكد عليه بعد الاسترجاع أن يقف انتظارًا لأمره الأخير، وكان هو القائد العام للجيوش السعودية التي سارت من نجد إلى عسير، أما فيصل بن عبد العزيز فهو القائد العام للجيوش والقوات السعودية التي زحفت من
стр. 1054
الحجاز، وناهيك به من عبقري قد صقلته التجارب، وكان جيشه مزودًا بالسلاح الكافي من بطاريات ومدافع جبلية ورشاشات وسيارات مصفحة، وكذا أخذ القائد العظيم فيصل بن سعد يتقدم، كما أن ابن أخي جلالة الملك خالد بن محمد أخذ في قيادته يتقدم إلى نجران.
ثم إن جلالة الملك أجاب يحيى لا بعث إليه بالبرقية الأخيرة بالشكر له على حبه للسلم، ولكن كيف يمكن السلم وماذا نقول إذا كان أصحابكم يسيرون جندًا من رزاح على أطراف العبادل، فبهذا يعتبر أن الكلام ضاع وأنكم قد أعلنتم الحرب وبدأتم به، وهذا الذي كان يحذرنا الناس منه، وكانوا يؤكدون لنا أنكم عازمون عليه، وأن الكلام الذي بيننا وبينكم مخادعة، ولكن ديننا وشيمتنا أبت علينا أن نقبل ذلك، وإنما قبلنا عهودكم ورضينا بالله ربًا، وجاء الفعل الأخير مصدقًا لما قاله الناس، ولم يبقَ في اليد حيلة فإن كان الأخ صادقًا في قوله فليمنع جميع الحركات، وليباعد الجند إلى آخر درجة من الحدود، فإن كانت الراجعة ستكون وجندكم يمشي والإدريسي يكتب ويحرك كما رأينا كتبه لأهل المقاطعة فهذا أمر لا يرضاه الله، ولا تقبله النفوس الطيبة، فإن كان الأمر على ما قلتم فالواجب يقضي بالتباعد عن الحدود، وإن كان المقصد إغفالنا وأنتم عازمون على ما عزمتم عليه فلا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل، يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين.
ثم جاء الجواب من الإمام يحيى فيه إجابة طلبات جلالة الملك، وأنه سيكتب حالًا، بل كتب إلى ولده سيف الإسلام ومنعه عن كل حركة، ويطلب من جلالة الملك أن يبين وقتًا لاجتماع المندوبين بميدي أو غيره، ويطلب من جلالة الملك العفو العام وأنه سيكون إن شاء الله توقيع المعاهدة بينهما ونشرها في الجرائد، ثم قال وسبحان الله ما أحلى نشرها لدن ذوي الديانة الإسلامية، وأكثر سرورهم واستغرابهم وتعجبهم لذلك، وأطال بلين الخطاب وغاية التلطف، وجعل يراجع ابن سعود في إيقاف العساكر والجنود السعودية وأن أهل كذا ضربتهم المدافع
стр. 1055
وحصل على العساكر قتل، وجاءنا من ولدنا سيف الإسلام كذا فأجابه ابن سعود بكل جميل وقال: في البرقية المؤرخة في ٢٧ رمضان بأن ولي العهد سعودًا قد سار على السيارات قبل وصول برقيتكم الأخيرة بثلاث أيام، وكان قد تجهز الابن فيصل من الحجاز ليسير على الساحل ببعض القوى التي عنده، وإننا تمكنا من تدارك سير الابن فيصل من الحجاز نظرًا للمواصلات البرقية بيننا وبينه، وأرجعناه إلى محله، وأما سعود فنظرًا لعدم وجود المواصلات البرقية بيننا وبينه لم نتمكن من إرجاعه إذ يكون اليوم تقريبًا في بيشة، ثم إنها ما زالت المراجعات والمفاوضات بين ابن سعود وبين يحيى آخر رمضان وطيلة شوال، وكلها تعرب عن كامل المحبة والولاء.
ولما أن كان في ٢ ذي القعدة وصل الندوبون المرسلون من قبل يحيى إلى أبها برئاسة عبد الله بن الوزير، وهذه وصية جلالة الملك لوفده لما بعثوا نبأ إليه يخبرونه في ٢ ذي القعدة علمنا باجتماعكم، ونرجو أن يقسم الله ما فيه الخير، وما دام هناك سبيلًا للسلم فلا تدخروا جميع جهودكم في سبيل الوصول إليه مما لم يتعد الأمر الحد، ويكون هناك ما ضرره ممبر من نفعه، وبالله ثم بكم الكفاية وجميع ما عندي أبلغتكم به من قبل، أسأل الله أن يوفقكم للخير، وكان وفد ابن سعود يرأسه فؤاد بك حمزة ثم جلس المندوبون للمفاوضات، وجرى من ابن الوزير المندوب من قبل يحيى تعاظم وحدة وذكر أن الإمام يحيى قد اشترى كذا وكذا من المدافع والرشاشات، وأنه وأنه وتحامق ابن الوزير، وجرى منه فظاظة الأولى بنا تركها واستمرت المفاوضات حتى تاريخ ٢٤ من ذي الحجة.
وفي هذه المدة التي اتفق فيها مندوبو الطرفين لتسكين الحرب والنظر في حل المشكلات جعلت تتقدم جنود يحيى وتعيث فسادًا، وكنت أظن أن اختلافه لبعث هذه الوفود ليسكن سورة ابن سعود وجيوشه، وجاءت البرقيات من أمراء الجيوش السعودية تفيد بما ارتكبه جند يحيى، فجاءت برقية من ابن سلطان في أبو عريش إلى جلالة الملك بما نصحه بتاريخ ٧ ذي القعدة وردنا كتاب من راعي فيفاء يفيد أن
стр. 1056
المشايخ وعلى أم يحيى جاءهم طلب من ولد يحيى السيف لمقابلته في صعدة، وأن عمال يحيى في فيفاء قد أخذوا زكاة الحبوب والمواشي وضربوا الجزية على أهلها من ذكر وأنثى، وصغير وكبير، وجعلوا على كل نفر ربع ريال، وأما شيوخ بلغازي فهم الآن عند ناظرة فيفاء المنصوب من قبل يحيى.
وجاء من حمد الشويعر أيضًا في صامطة ما نصه إلى جلالة الملك بتاريخ ٧ ذي القعدة وردتنا الأخبار من فيفاء أن أهلها في أشد ضيق من يحيى وجنده لأنه أنزل عندهم ثلاثة آلاف من الجند، وجعل في كل بيت من بيوتهم أربعة أنفار، وأهل البيوت مكلفون كصرف الجند من طعامهم وشرابهم ولوازمهم، وقد أخذوا على كل رأس من البقر نصف ريال، وريالًا على كل رأس من الأبل، وعلى كل نفس من النفوس من النفوس من ذكر وأنثى، وكبير وصغير ربع ريال، وقد طلبوا المشايخ إلى صعدة ليجبروهم على أن يكتبوا على أنهم لا يريدون ولايتكم، وقد كتبنا كتبًا لهم ما يلزم فأحببنا إحاطة جلالتكم بذلك.
فبعث جلالة الملك جوابًا ليحيى قال فيه: ولذلك وقعت في حيرة من أمرين، إذا راجعنا برقياتكم ووعودكم فيها ومواثيقكم استراح خاطري ورجوت، وإن رأيت الأفعال التي فعلت تأسفت وأمرت بالاستعداد والحزم، والأفعال التي فعلت في أطرافنا لا تخفى عليكم ولا أحب أن أقول أنكم علتم بما فعل ورأيتم أننا بقينا مكتوفي الأيدي حبًا للسلم الذي هو عادتي، وحبًا بالصداقة معكم، ورجاء وفائكم بعهدكم، فالأمر أخي وصل حده من جميع الجهات وحل الأمر وتركه بأيديكم، وأقسم لكم برب السموات والأرض أولًا: أن الحوادث التي جرت في أطرافنا كتمتها على جماعتي، وأعز ما عندي من إخوتي مخافة أنهم إذا اطلعوا. . إلخ.
وقال أيضًا في مجاوبته ليحيى في تاريخ ١٧ ذي الحجة: أخي إن هذا موجب للأسف وقد صار الشك يقينًا وأيد سوء القصد، وأنكم تريدون أعمالكم السابقة، فلا ابن الوزير ولا غيره من كبير أو صغير، لا يمكن أن يحل المشكل
стр. 1057
دون أن ينفذ الطلب الذي طلبناه، وهو فرض علينا إدراكه، ولا يمكننا تركه، فإذا كنتم تحبون الإنصاف والصلح والسلم، وحقن الدماء فلا يكون إلا به، ونحن لم نطلب شططًا، ولم نطلب إلا حقًا تجاوزتم عليه، إن العهود التي بيننا وبينكم نكثت دخلتم حدود بلادنا، واستوليتم عليها، ونقضتم العهد الأول الذي كان بيننا وبينكم أيام قدم إليكم ابن دليم وابن ماضي، ونقضتم معاهدة عرو الذي عاهدتمونا عليها، ثم نقضتم العهد الذي بيننا وبينكم في تحديد الحدود، وعمل المعاهدة لمدة عشرين سنة، ولم يكن لهذه العهود من جواب إلا استيلائكم على فيفاء وبني مالك والعبادل، وتقديم الإدريسي يشتغل بالفساد، وقد أشرفنا على كتاب منه بتاريخ ٧ ذي الحجة ١٣٥٢ هـ لمحمد بن حمود صاحب الحسينية وغيره يحثهم فيه على الفتنة ويهدهم ويوعدهم، إن مطلبنا الذي طلبناه منكم يقره كل منصف يخاف الله تعالى، ثم ذكر مطالبه وهي سحب جنده عن بلاده لأنهم دخلوا عليها بعد العهد، وأن يطلقوا الرهائن ولا يتدخلوا بشؤون بلادنا، وقد أعطيناكم الأمان الذي طلبتموه لهم، وعفونا عنهم ولم نعاتبهم على ما فات منهم، ثانيًا: طلبنا منكم الإنصاف في نجران، أما أن يكون محايدًا بيننا وبينكم، وأن يكون ما بجنوبه لكم وما بشماله لنا مثل بدر وهواده وحبونة وما بينهما، فإن كنتم لا توافقون على حياده، فاقترحنا أن يكون أيديكم من أهل نجران لكم هم وبلدانهم، ومن كان تحت أيدينا من أهل نجران هم وبلادهم لنا، إلى أن قال أما إيقاف العمل بغير شيء ظاهر واضح غير قابل للتأويل، مستعجل فوق العادة ليس بالإمكان لأن الأمر قد فرط، وباب السلم مفتوح إذا عزمتم على إتمام ما كان تقرر بيننا، وقد مضى علينا عدة أشهر والعدوان يتمادى علينا، ولم تجدنا جميع المراجعات فائدة، فلم يكن لنا مندوحة عن الدفاع الذي أمرنا به، أما ابن الوزير فهو تحت أمركم إن أردتم قدومه إلينا يقدم، وهو ولد كريم بين جماعته ورفاقه وأمره إليكم، أما المراجعة بالتعليل والتطويل، فلا فائدة ولا نجاح لها، والمسؤولية أمام الله، ثم أمام الرعية، ثم أمام
стр. 1058
الناس، على من تسبب وماطل عافاكم الله، ثم جاء الجواب من يحيى في ١٩ ذي الحجة بكلام ظاهره الخديعة والملق، وأظهر أنه قادم متعهدًا بعقد المعاهدة عشرين سنة، وإبقاء الحدود كما هي عليه الآن، ورفع الأدارسة كما انتهت المراجعة، وإطلاق رهائن الجبال، وإرجاع الجبال إلى حضرة صاحب الجلالة كل هذا يلتزم به، ثم أخذ يسب المكارمة لولاهم لما كان كذا، ولولاهم لكان كذا وأطال، إلى أن قال وحسب إفادتكم العلية كتبنا للسيد عبد الله بن الوزير ورفقته وصولهم إلينا، وإذا رأيتم وصوله إلى حضرتكم لإكمال العاهدة وإمضاءها فهو الأولى والسلام عليكم.
ولما رأى ابن سعود أعمال يحيى التي كان يدبرها وأن جنوده جادون في تقدمهم غير أنه يسكن خصمه بالخديعة والمكر، عندها أصدر أو امره إلى قواده، واضطر إلى ذلك للدفاع عن مملكته فتقدمت الجيوش السعودية وجعلت توالي الزحف إلى الأمام، فيصل بن سعد تقدم إلى باقم وأطرافها، والأمير خالد بن محمد تقدم إلى نجران وصعدة، والأمير حمد الشويعر تقدم إلى حرض، وأمر نجله فيصل بن عبد العزيز أن يتقدم ويتولى القيادة، وتقدم سمو الأمير محمد بن عبد العزيز زاحفًا بنجدة من نجد وقوة احتياطية لأخيه سعود، ونشرت جريدة أم القرى في يوم السبت الموافق ٨ ذي الحجة مقالة ألقاها جلالة الملك ابن سعود في المأدبة الكبرى التي أقيمت في القصر الملكي بين فيه خطته في هذه الحرب اليمانية، وأنه امتشق الحسام فيها ضرورة، ولولا خشية الأطالة لأتينا به، وهو تفسير لأعمال يحيى التي تقدم ذكرها، وقال في أخره.
فكان جوابه ملقًا وتملصًا ووعودًا، وآخر الأمر أبرق لي بأنه لا يفعل معي إلا ما يفعله الأخ مع أخيه والصديق مع صديقه، وهكذا سلسلة حوادث له معي أخجل من ذكرها إذ لا يعملها إنسان عنده مروءة، ولا يقبل بها رجل ذو شرف وشيمة، لم أترك وسيلة للصلح والسلام إلا فعلتها، ولكني ما رأيت غير المحاولة، لذلك أمرت ولي العهد ليتقدم بجنوده إلى الإمام فيستخلص البلاد التي
стр. 1059
غدر بها يحيى، ويدافع عن بلادنا وكياننا وشرفنا، وأبرقت ليحيى بأننا لا نريد إلا السلم، ولا نريد الحرب، وأن باب السلم لا يزال مفتوحًا متى أراد أن يجنح له وأن ينسحب من بلادنا، ولا يتدخل بشؤوننا، وهذا التدبير لم ألجأ إليه إلا مضطرًا، وبعد أن أعيتني جميع الوسائل، ولا أعذر أمام الله ولا أمام خلقه إذا لم أقم بواجب الدفاع عن مملكتي وبلادي، لنا أكثر من عشرة أشهر ونحن نقابل يحيى ونجادله، وانتشر خير ذلك في سائر الأنحاء فلم يظهر من المسلمين ملوكهم وأمرائهم وأحزابهم من يتقدم لإصلاح ذات البين أو يطلع على حقيقة ما بيننا ويعلم من الصادق ومن الكاذب، ولم يردنا غير برقيات التمني التي لا تنتج شيئًا، هذا أخر كلامه، ومن أراد الاطلاع على المقالة فليراجعها في جريدة أم القرى.
رجوع وفد يحيى
لما امتدت المفاوضات شهرين إلا ثمانية أيام ولم تسفر عن شيء ولم يظهر نتيجة، ولاحظ الوفد السعودي محاولة اليمن التنصل من شروط المعاهدة تارةَ بزعم أن الإمام يحيى لم يوقع عليها بالذات، وأخرى بأنها لم يقصد بها تحديد الحدود أو الاعتراف بالوضع الحاضر في الحجاز، أضف إلى ذلك سوء نوايا الإمام يحيى بتجهيزه في هذه الفترة على الحدود، لم يكن لهذا الاجتماع فائدة فسافر وفد يحيى في ٢٤ ذي الحجة عن أمر يحيى وطلبوا السفر عن طريق ظهران، وحيث أن خط الحرب ممتد على طول خط الجبهة لم يرَ صاحب الجلالة حفظًا لكرامة الوفد وصيانة لحياته أن يسمح لهم عن ذلك الطريق، فاقترح عليهم أن يكون سفرهم إلى الساحل وأن يركبوا إلى موانع الإمام يحيى.
فبعث ابن الوزير برقية إلى جلالة الملك بواسطة فؤاد حمزة ما معناه أنكم استحسنتم أن تكون خطة عودتنا إلى اليمن من جهة القنفذة والبحر، وهذه خطة صعبة بعيدة، ومعنا جملة خيل وذلول يتعذر ركوبها في البحر، ومن البعيد أن لا يكون في وسع مقدرتكم خطة عودتنا هي خطة سفرنا أولًا فلم يكن قبلنا إلا جندكم الذين هم تحت أمركم ونهيكم إقدامًا وإحجامًا، وسمو الأمير سعود
стр. 1060
والأمراء من آل فيصل ومحال أن لا يكون في مقدرة الجميع بلاغ ما تريدون من عودتنا بأحسن حال، فنرجوكم الأسراع بأوامركم الكافية والطريقة واضحة، وأصحابكم معنا، والأمر جلي ليس فيه خفاء عند أحد، مع أن لنا أغراضنا في الاتفاق بسمو الأمير سعود كما سيعرض عليكم إن شاء الله، وليس لنا إرادة إلا في كل خير للجميع والسلام عليكم ورحمة الله.
فأجاب الملك عبد العزيز وفد الإمام يحيى بكل جميل، ولا يخفى ما فيه من الفصاحة التي تسحر العقول، بل هذا لعمر إلهك السحر الحلال وذلك بتاريخ ٢٤ منه.
إن الباعث على ذلك والقصد هي المحافظة على راحتكم ومنع المشقة عليكم في الحالة الراهنة، ولا تخفى عليكم خطة الحرب، وطريقكم الذي تريدون السير معه هو محل المعارك الحربية، ولو كان المقصد الخوف عليكم من جندنا فالجند الحمد لله تحت السمع والطاعة وتحت قيادة أبنائنا كما ذكرتم، ولا خطر عليكم منهم ولكن الذي نحاذره هو أن يكون في الجبال أحد من الهاربين أو أناس أعطوا الأمان في الطريق، وتخشى أن يقع عليكم أي حادث منهم يكدركم ويكدرنا، وأنتم تعرفون أن لكم علينا حقوقًا كثيرة منها أنكم ضيوف أعزاء علينا، ومنها نسبتكم لسيادة الأخ الإمام يحيى، والله المطلع أننا لا نزال نجله ونجل من انتسب اليه، ونأسف كثيرًا لما وقع مما لم يكن يخطر لنا على بال، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، ومنها أن لشرفكم ومقامكم منزلة عالية عندنا وأنا نحافظ على شرفكم ومقامكم وراحتكم، كما نحافظ على شرفنا وراحتنا، ومن أجل ذلك أمرنا فؤاد أن يراجع الولد سعود وإن كان يجد طريقًا سلميًا فتؤمن به راحتكم أن يبذل في ذلك جهده، وكونوا مطمئنين الخاطر أننا سنعمل كل ما يمكن لما يحفظ راحتكم، فإن أردتم طريقة أخرى فإنا مستعدون لأن نحظر لكم أحد الزوارق البخارية التي عندنا، أو نعد مركبًا خاصًا ينقلكم من إحدى الموانئ، فنحن مستعدون لذلك، أما ما معكم من الدواب فنحن نتعهد بإيصالها إلى المحل التي
стр. 1061
تريدون، ولا شك أن درايتكم ومعرفتكم بالأمور تجعلكم لا تشكون في أن كل ما قدمته لكم هو الحرص على راحتكم وشرفكم شفقة مني على ذلك، أما رغبتكم في مقابلة ولدنا سعود فإن كان هناك مصلحة أو أمر جديد فيمكن تعيين وقت لمقابلتكم، ونحن ممنون من كل أمر فيه راحة وإصلاح للجميع، وقد أمرنا فؤاد أن يتراجع مع الولد سعود، وأن يراجعكم في كل ما يؤمن راحتكم ويحفظ المصلحة في ذلك والسلام.
ولما أن تقدمت القوات السعودية وجعلت توالي الزحف على اليمن ما كان إلا القليل، بل لم يمض إلا بضعة أيام حتى استولت على كثير من البلاد اليمانية، وقام يحيى وأبرق إلى جميع الدول الإسلامية يناشدهم الوساطة لإيقاف الحرب، وحل الخلاف، فبادر المؤتمر الإسلامي بانتداب وفد من قبله لحل هذا الخلاف، وانتصر ابن سعود وخدمته الأيام، وقلبت لأعدائه ظهر المجن فعززوا بأنفسهم، وتداعوا بقواتهم، وكان جيش الأمير فيصل بن عبد العزيز الذي زحف به من الحجاز يقدر عدده بستة عشر ألف مقاتل مجهزًا بأقصى ما يستطاع من القوات المستحدثة، وقدمنا عدة جيش الأمير فيصل بن سعد البالغ سبعة آلاف مقاتل مرابطًا على الحدود واستعداد للطورئ، كما أصدر صاحب الجلالة أوامره على نجله سعود بالزحف في ٦ ذي الحجة يقود خمسة آلاف مقاتل، وتقدم الأمير محمد بن عبد العزيز بقوة احتياطية لمساعدة أخيه سعود، وصدرت الأوامر على الأمير خالد بن محمد ابن أخي جلالة الملك أن يزحف يحيش وينضم إلى ولي العهد سعود.
وما زالت الجنود تتوافد على القائدين حتى بلغ جيش ولي العهد ستة وثلاثين ألفًا، أما جيش فيصل بن عبد العزيز فقد بلغ أربعة وثلاثين ألفًا فبذلك بلغ مجموع الجيش سبعين ألف مقاتل.
ولما أن وصل سعود إلى بلاد وادعة، أمر على ابن عمه فيصل بن سعد المرابط في خميس مشيط أن يتقدم بقسم من الجند إلى باقم فتقدم وحاصرها وشدد الحصار
стр. 1062
عليها، وكان فيها قوة من الجيش اليمني وأصدر أمره أيضًا إلى ابن عمه خالد بن محمد أن يسير بقسم آخر من الجند إلى بلد نفعة، وناهيك به من قائد محنك استولى على بعض البلدان وحاز انتصارًا عظيمًا.
ولما زحف إلى بلد نفعة وفيها قوة من قبل يحيى احتلها بعد أن سلمت الجنود اليمنية فأمنهم على أرواحهم، وتقدم الأمير محمد بن عبد العزيز بقوة فاحتل بقواته مدنًا وقرى، ثم أخذت القوات السعودية في تقدمها إلى نجران، وأخرجت الجنود اليمانية منها واحتلتها واستولت على نجران استيلاءً تامًا، وأصدر صاحب الجلالة أو أمره على حمد الشويعر أن يتقدم بقوات إلى حرض، وذلك عن طريق تهامة، كما صدرت الأوامر على صاحب السمو فيصل بن عبد العزيز أن يتقدم بالجنود النظامية وغيرها، فزحف بالبطاريات والمدافع والرشاشات على تهامة عن طريق الساحل، وأن يتولى القيادة في تهامة فتقدم ووالى زحفه حتى استولى على كثير من بلدان الساحل التابعة ليحيى، وهجم على ميدي وأسر كثيرًا من جنود اليمن، وفيها عامل الأمام يحيى على ميدي عبد الله عرشي، وبعد ما احتلها تقدم فاحتل الحديدة، وسنذكر صفة احتلالها في السنة التالية لهذه إن شاء الله تعالى، وبهذا يتحقق معنى كلام الملك الذي باح به في ١٦ محرم من السنة المتقدمة، حيث يقول: "إني والله أحب السلم وأسعى إليه، فإذا ما بليت صبرت حتى إذا لم يبقَ في القوس منزع، وحان وقت الدفاع عن الدين والوطن فعلت:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبٌ ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وهنا لا يكون إلا إحدى الحسنيين، إما السعادة، وإما الشهادة، وكلاهما نعمةً من الله، ونحن نقابل أيهما بصدر رحبة ووجوه باشة وهذه سنة رسول الله وأصحابه من بعده رضوان الله عليهم، والناس معنا ثلاث، إما محب ومساعد، وإما لا محب ولا مساعد، واما معاند فقط.
فأما الأول: فله ما لنا وعليه ما علينا.
وأما الثاني: فنسعى جهدنا في إفهامه الطريق الذي نسير عليه، فإذا اتبعنا فالحمد
стр. 1063
لله وإذا أبى فالأمر لله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦].
وأما الثالث: فهذا ليس له قصد إلا الفساد في الأرض وهذا جزاءه ما جاء في الآية الشريف: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ويذكر المؤرخ فلبي في تاريخ نجد أنه استغرق احتلال الحديدة ومنطقة تهامة الواقعة شمالًا ثلاثة أسابيع، وكان ثلاثة أسابيع أخرى كافية لإضافة اليمن إلى الممتلكات الوهابية، غير أنها صدرت الأوامر على فيصل تلك الأوامر بينما أمر سعود بأن يبقى في المكان الذي اتفق عليه سابقًا كي يكون حدًا بين السعودية واليمن، وذكر أنه في أثناء ذلك سارعت السفن الحربية الإنكليزية والإيطالية والفرنسية إلى الحديدة منتحلة أعذارًا مختلفة، إلا أنها لم تكن تهدف إلى تهنئة القائد الوهابي المنتصر على فوزه، أو جعل مهام السلطة المحتلة أسهل من ذي قبل، وربما كان لهذا الاهتمام المفاجيء باليمن من جانب الدول الكبرى أثر كبير في منع الملك من انتهاج سياسة صريحة، غير أنه أصرَّ على أن يستمر احتلال قواته للمناطق التي استولت عليها إلى أن تجري مفاوضات أخرى في الطائف تحت حمايته وإشرافه، فأعلنت الهدنة للتمكن من البدء في هذه المحادثات، وسنعود إلى آخر القصة عن قريب، وإنه لمن العجب العجاب انتصار الجيوش السعودية في تلك الجبال الصعبة المرتقا المجهولة الطرق، ولقد كان ولي العهد سعود يقود جيش الصحراء المتمركز في أبها ونجران، وكان بطيئًا بسبب طبيعة البلاد الوعرة وضرورة السير مع قوافل التموين التي كانت سيارات نقلها تدلي بالحبال من فوق الصخور العالية في أكثر من مناسبة، ولقد ثارت عاصفة رملية استمرت ثلاثة أيام متوالية، وكان من جرائها أن تعطلت المواصلات اللاسلكية بين القائدين، وكانت هذه الغضبة من الملك ابن سعود لما نفد صبره من عناد جاره، وأرسل إليه الإنذار النهائي، وبما أن أراضي اليمن مخوفة
стр. 1064
ومملوءة بالثوار فإن بعضها لا تخلو من الحمى لا سيما الذين لم يعتادوا طقسها، وطال لبثهم فيها من السعوديين.
ومما أنشد الأديب محمد بن الحسين بن أحمد بن الطيب يذكر بلاد الغربة:
إذا اغترب الحر الكريم بدت له ... ثلاث خصال كلهن صعاب
تفرق أحباب وبذل لهيبةٍ ... وإن مات لم تشقق عليه ثياب
وفيها وقع الوزير عبد الله بن سليمان بن حمدان عن الحكومة السعودية اتفاقية التنقيب عن الذهب في المملكة العربية السعودية والمعادن، وعن الشركة "ولوديهملتن" وذلك بعد أخذ ورد ومساومات، ومن ضمن ذلك منجم المهد، ولكن هذا نفد انتاجه بعد عشرين عامًا، بعد أن ساهم مساهمة متواضعة في واردات الدولة إذ عاد عليها بربح صافي بلغ العشرة ملايين من الدولارات، وفيها عثر العمال بينما هم يحفرون أساس القسم الشمالي لمدرسة العلوم الشرعية في المدينة المنورة الواقعة بقرب باب النساء بعد عمق أربعة أمتار على مصباح زيت قديم، ووجدوا هناك بركة صغيرة ومجاري مياه وقطعًا من قلل الماء.
ونحن نوردها هنا كلمات خالدة عن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن حينما قام خطيبًا في المأدبة الملكية التي أقيمت لتكريم وفود بيت الله مساء يوم الجمعة ٥ ذي الحجة من السنة التي قبل هذه حيث يقول أنا مبشر أدعو لدين الإسلام ونشره بين الأقوام، أنا داعية لعقيدة السلف الصالح، وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وما جاء عن الخلفاء الراشدين.
أنا مسلم وأحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين، وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين ولو على يد عبد حبشي، وإنني لا أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتي ضحية في سبيل ذلك، أنا عربي وأحب عز قومي والتآلف بينهم، وتوحيد كلمتهم، وأبذل في ذلك مجهوداتي، أنا مسالم ومدافع، أنا مسالم للناس وأحب النصيحة قبل كل شيء، لأن الدين النصيحة لله وللرسول ولأئمة المسلمين وعامتهم، أنا مدافع لأنني ما حاولت في وقت من الأوقات أن أعتدي على إخواني
стр. 1065
وأبناء قومي، وكنت في كل وقت أقابل ما يصدر إلى منهم من إساءة أو خطيئة بصدر رحب على أمل أن يرجعوا إلى الصواب، ولكنني إذا رأيت تماديًا في الغي والإساءة اضطر حينئذ للدفاع، أنا عربي ومن خيار الأسر العربية ولست متطفلًا على الرياسة والملك، فلإن آبائي وأجدادي معروفون منذ القدم بالرئاسة والملك، ولست ممن يتكلمون على سواعد الغير في النهوض والقيام، وإنما اتكالي على الله ثم على سواعدنا يتكئ الآخرون ويستندون إلى آخر كلمة.
وفيها وفاة الشيخ عبد الله بن أحمد العجيري تغمده الله برحمته وأسكنه بفضله فردوس جنته، وكان يسمى "راوية نجد" لما قام به من جمال الصوت وحسن الإلقاء، كما اشتهر بقوة الحافظة العجيبة، وبسعة اطلاعه على آداب العرب وأخبارها وعلومها وآثارها، حتى نشرت جريدة أم القرى ترجمة له وسمته "أديب نجد" وكان يختصه الملك عبد العزيز للسفر في معيته لما لديه من العلوم والأخبار، ولقد رثاه الشيخ الأديب محمد بن عبد الله بن عثيمين بمرثية بديعة، وذكر فيها شيئًا من صفات المترجم، ذلك لما كان بينهما من تقارب السن ورابطة الجوار، وتماثل الفضل، ولأنه من خلصاء الشاعر ورواة شعره، وأعز أصدقائه، فقد عاش خدنين تجمعهما أواصر العلم والآدب:
هو الموت ما منه ملادٌ ومهربٌ ... متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نشاهد ذا عين اليقين حقيقةً ... عليه مضى طفلٌ وكهلٌ وأشيب
ولكن على الران القلوب كأننا ... بما قد علمناه يقينًا نكذب
نؤمل آمالًا ونرجو نتاجها ... وعلى الردى مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في الهوى ... وفي علمنا أنا نموت وتخرب
ونسعى لجمع المال حلًا ومأثمًا ... وبالرغم يحويه البعيد وأقرب
نحاسب عنه داخلًا ثم وخارجًا ... وفيم صرفناه ومن أين يكسب
ويسعد فيه وارث متعففُ ... تقى ويشقى فيه آخر يلعب
وأول ما تبدو ندامة مسرفٍ ... إذا اشتد فيه الكرب والروح تجذب
стр. 1066
ويشفق من وضع الكتاب ويمتني ... لو أن رد للدنيا وهيهات تطلب
ويشهد منا كل عضو بفعله ... وليس على الجبار يخفى المغيب
إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي ... عملتم وكلٌ في الكتاب مرتب
وماذا كسبتم في شبالب وصحةٍ ... وفي عمر أنفاسكم فيه تحسب
فيا ليت شعري ما نقول وما الذي ... نجيبٌ به والأمر إذ ذاك أصعب
إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا ... وفي كل يومٍ واعظ الموت يندب
ولله كم غاد حبيبٍ ورائحٍ ... نشيعه للقبر والدمع يسكب
أخٌ أو حميمٌ أو تقيٌّ مهذبٌ ... يواصل في نصح العباد ويدأب
نهيل عليه الترب حتى كأنه ... عدوٌ وفي الأحشاء نارٌ تلهَّب
سقى جدثًا وأرى ابن أحمد وابل ... من العفو رجاس العشيات صيب
وأنزله الغفران والفوز والرضى ... يطاف عليه بالرحيق ويشرب
فقد كان في صدر الجالس بهجة ... به تحدق الأبصار والقلب يرهب
فطورًا تراه منذرًا ومحذرًا ... عواقب ما تجني الذنوب وتجلب
وطورًا بآلاء الإله مذكرًا ... وطورًا إلى دار النعيم يرغب
ولم يشتغل عن ذا ببيع ولا شرا ... نعمٌ في ابتناء المجد للبذل يطرب
فلو كان يفدى بالنفوس وما غلا ... لطبنا نفوسًا بالذي كان يطلب
ولكن إذا تم المدى نفذ القضاء ... وما لامرءٍ عما قضى الله مهرب
أخٌ كان لي نعم المعين على التقى ... به تنجلي عني الهموم وتذهب
فطورًا بأخبار الرسول وصحبه ... وطورًا بآداب تلذ وتعذب
على ذا مضى عمري كذاك وعمره ... صفيين لا نجفو ولا نتعتب
وما الحال إلا مثل ما قال من مضى ... وبالجملة الأمثال للناس تضرب
لكل اجتماع من خليلين فرقةً ... ولو بينهم قد طاب عيشٌ ومشرب
ومن بعد ذا حشرٌ ونشرٌ وموقفٌ ... ويوم به يكسى المذلة مذنب
إذا فرَّ كلّ من أبيه وأمه ... كذا الأم لم تنظر إليه ولا الأب
стр. 1067
وكم ظالمٍ يدمي من العض كفه ... مقالته يا ويلتى أين أذهب
إذا اقتسموا أعماله غرماؤه ... وقيل له هذا بما كنت تكسب
وصك له صكٌ إلى النار بعدما ... يحمل من أوزارهم ويعذب
وكم قائلٍ واحسرتا ليت أننا ... نرد إلى الدنيا ننيب ونرهب
فما نحن في دار المنى غير أننا ... شغفنا بدنيا تضمحل وتذهب
فحثوا مطايا الارتحال وشمّروا ... إلى الله والدار التي ليس تخرب
فما أقرب الآتي وأبعد ما مضى ... وهذا غراب البين في الدار ينعب
وصل إلهي ما همى الودق أو شدا ... على الأيك سجاع الحمام المطرب
على سيد السادات والآل كلهم ... وأصحابه ما لاح في الأفق كوكب
وفي هذه السنة مرض الشيخ العالم العلامة محمد بن عثمان الشاوي، وهو مقيم في مكة المشرفة، فألجأته الأحوال إلى أن يدرس مضطجعًا إجابة لطلب تلامذته وأحبابه، وكان مرضه في فخذه بداء السرطان، فقال في ذلك قصيدة عظيمة شكى إلى ربه حالته وشماله كشف ضره، ولما قال هذه القصيدة سعى الملك عبد العزيز في علاجه وبذل جهودًا جبارة لعلاجه في الملكة العربية السعودية وخارجها، غير أن الله لم يأذن جزاه الله خيرًا، وهذه القصيدة المشار إليها:
أسير الخطايا عند بابك يقرع ... يخاف ويرجو الفضل فالفضل أوسع
مقرٌ بأثقال الذنوب ومكثر ... ويرجوك في غفرانها فهو يطمع
فإنك ذو الإحسان والجود والعطا ... لك المجد والأفضال والمنُّ أجمع
فكم من قبيحٍ قد سترت عن الورى ... وكم من نعيم تترى علينا وتتبع
ومن ذا الذي يرجى سواك ويتقى ... وأنت إله الخلق ما شئت تصنع
فيا من هو القدوس لا ربٌ غيره ... تباركت أنت الله للخلق مرجع
ويا من على العرش استوى فوق خلقه ... تباركت تعطي من تشاء وتمنع
بأسمائك الحسنى وأوصافك العلى ... توسل عبدٌ بائسٌ يتضرع
أعني على الموت المريرة كأسه ... إذا الروح من بين الجوانح تنزع
стр. 1068
وكن مؤنسي في ظلمة القبر عندما ... يركم من فوقي التراب وأودع
وثبت جناني للسؤال وحجتي ... إذا قيل من ربّ ومن كنت تتبع
ومن هول يوم الحشر والكرب نجني ... إذا الرسل والأملاك والناس خشع
ويا سيدي لا تخزني في صحيفتي ... إذا الصحف بين العالمين توزع
وهب لي كتابي باليمين وثقلن ... لميزان عبدٍ في رجائك يطمع
ويا رب خلصني من النار إنها ... لبئس مقرًا للغواة ومرجع
أجرني أجرني يا إلهي فليس لي ... سواك مفرٌ أو ملادٌ ومفزع
ويا سيدي هب لي من الخلد منزلًا ... فإن عطاء شئته ليس يمنع
وإنك تعطي الجزل فضلًا وتغفر الـ ... عظيم وفضل الله أعلى وأوسع
وهب لي شفاءً منك ريي وسيدي ... فمن ذا الذي للضر غيرك يدفع
فأنت الذي ترجى لكشف ملمةٍ ... وتسمع مضطرًا لبابك يقرع
فقد أعيت الأسباب وانقطع الرجا ... سوى منك يا من للخلائق مفزع
إليك إلهي قد رفعت شكايتي ... وأنت بما ألقاه تدري وتسمع
ففرج لنا خطبًا عظيمًا ومعضلًا ... وكربًا يكاد القلب منه يصدع
وماذا على ربي عزيز وفضله ... علينا مدى الأنفاس يهمي ويهمع
فكم منح أعطى وكم محن كفى ... له الحمد والشكران والمن أجمع
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى من في القيامة يشفع
محمد المختار من نسل هاشمٍ ... وآلٍ وأصحابٍ ومن كان يتبع
ولقد كانت هذه القصيدة عظيمة تدل على عظمة منشئها وما لديه من العلم والمعرفة، وقوة الإيمان، ورسوخ العقيدة، ولا ننسى مآثر صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن وما بذله من الأعمال الطيبة التي سيجازيه الله عليها.
وفيها صدرت إرادة الملك عبد العزيز بإحضار ساعة عظيمة ضخمة، فركبت على قاعدة فوق دار الحكومة المسماة بالحميدية، وكان ارتفاعها خمسة عشر مترًا عن سطح دار الحكومة، كما أنه يبلغ ارتفاعها عن سطح أرض الشارع الفاصل
стр. 1069
بين دار الحكومة وبين المسجد الحرام أكثر من خمسة وعشرين مترًا، وصارت بهذا الارتفاع تضاهي منائر المسجد الحرام، وهي ذات وجهتين إحداهما مطلة على المسجد الحرام وشارع المسعى، والأخرى مطلة على محلة أجياد، ويسمع صوت دقات جرسها كل من كان في المسجد الحرام، وشارع المسعى وسكان المدارس التي حول المسجد الحرام وما جاوره، وتضاء مينتها ليلًا بالكهرباء، وقد شدت قاعدتها بالآجر والنورة والحديد وأحكمت إحكامًا متقنًا، ولا شك أن هذه الساعة أول ساعة وجدت بالحجاز بهذه الصفة ضخامةً وضبطًا وقوة وبهاءً، وأصبحت هذه الساعة هي الوحيدة للمسجد الحرام يعتمد عليها في التوقيت، ولما أن أحضرها وزير المالية عبد الله بن سليمان عهد إلى أمين العاصمة إذ ذاك عباس قطان بوضعها في الموضع المذكور.
وفيها جمع العلماء رسالة نصيحة في الحث على طلب العلم، جاءت بعد البسملة: من عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وعمر بن محمد بن سليم، وصالح بن عبد العزيز، ومحمد بن إبراهيم آل عبد اللطيف، إلى كافة المنتسبين لطلب العلم من أهل نجد، وفقهم الله تعالى وهداهم وتولانا وإياهم، ثم ذكروا الآداب التي ينبغي لطالب العلم أن يتأدب بها، وحثوا على التشمير في الطلب والجد والاجتهاد، وكان تحرير كتابتها في ١٧ ذي القعدة من هذه السنة ثم إنه سجل عليها جلالة الملك وصدق في أسفلها بأن ما كتب المشايخ هو الحق ونصح، وأبلغ وألزم من كان أهلًا لطلب العلم أن يطلبه، وأكد في ذلك وختمها بتاريخ ما تقدم، فجزى الله من أعان الإسلام وأهله ولو بشطر كلمة، وسدد إمام المسلمين ومشايخ الإسلام الأئمة الأعلام، وكان لهذه النصيحة أعظم الوقع في القلوب، وفعلًا قد بادر العلماء إلى القيام على الطلاب، ولكنها قد غلبت الفترة والكسل على أكثر النفوس فأوثرت الدنيا على الأخرى، فما كأنها تبصر ولا تسمع وأصبح الخلق في نقص في أمور دينهم، ووقع الوهن وضعفت العزائم والهمم، وحلت مصيبة عمت فأعمت، وعظمت فأصمت، وأصيب المسلمون بنقص العلماء، وكثرة السفهاء وزهد أبناء
стр. 1070
العلماء ببضاعة آبائهم، وقلَّ العلماء، وعدم الاعتناء من المرسومين في هذا الرسم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم، وهذا أمر قضاه الله وقدره، ومن سبر حالة طالب العلم في زمننا هذا فإنه لا بد أن يصده عن الطلب حقيقة، أما جمع الدنيا والسعي في نيل حطامها والانهماك في تحصيلها من كل الجهات فتشغله عما هو في صدده، وأما أن يختطفه الموت فتصاب به الأمة ولا يخلفه غيره، فبذلك انتزع العلم بموت العلماء وزهد بنو الزمان بتلك البضاعة والسير في طريق الإضاعة، وإذا رأيت حالتنا فإنها تؤسف، فقيرنا لا يرحم، وغنينا لا يعطف، وكبيرنا لا يتواضع، وصغيرنا لا يتأدب، ونسيت الحقوق، وأهملت التقاليد الطيبة، وعشقت التقاليد الأجنبية، فعياذًا بالله من السوء.
وفي هذه السنة تعين أحمد سالم الجوهري مديرًا لمعمل كسوة الكعبة المعظمة، فقام بأحسن القيام بها، وكسيت الكعبة في هذه السنة بكسوة في غاية الجمال والإتقان على نفقة الحكومة السعودية، فازداد سرور الجميع بذلك، وحج بالناس جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وحج من أعيان أهل نجد الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، والشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة، وفيها حجتنا للفرض، ولله الحمد والمنة.
ثم دخلت سنة ١٣٥٢ ه ـ
استهلت هذه السنة بانتصار سيد الجزيرة، ففي ٢ محرم الموافق للاثنين قدم الوفد الموفد من جميع الدول الإسلامية بأسباب مناشدة يحيى للوساطة في إيقاف الحرب بينه وبين ابن سعود، فبادر المؤتمر الإسلامي بانتداب وفد مكون من صاحب السماحة أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين، وصاحب الدولة هاشم بك الأتاسي رئيس الوزارة السورية سابقًا، ومحمد علي علوبه باشا وزير الأوقاف المصرية سابقًا، والأمير شكيب أرسلان، يرافق الجميع الأستاذ علي أفندي رشيد سكرتيرًا للوفد، ولما أن قدم هذا الوفد إلى جدة في اليوم
стр. 1071
المذكور استقبل من قبل الحكومة السعودية استقبالًا فائقًا، ووردت برقية في نفس الوقت من الإمام يحيى إلى صاحب الجلالة الملك يطلب فيها إيقاف القتال وأنه على استعداد لقبول شروطه، فوافق جلالة الملك على ذلك بشروط أهمها إخلاء تجران، وتخليه الجبال، وفك الرهائن السجناء، وتسليمه الأدارسة، فتلكأ يحيى، ومضت جنود ابن سعود في تقدمها حتى استولت بقيادة الأمير فيصل على مدينة الحديدة، كما استولت على بلدة الطائف الواقعة جنوب الحديدة التي تعد مرفًا للزرانيق، وكذلك استولت على بيت الفقيه، والزيدية، والقطعية، وقدمت له قبائل الزرانيق الطاعة، فلم يسع الإمام يحيى إلا أن يرضخ في النهاية.
صفة سقوط الحديدة
كان الإمام يحيى عندما بدت المناقشات بينه وبين جلالة الملك عبد العزيز في قضية عسير أرسل إلى الحديدة نجله الأصغر حسينًا ليرابط هناك مع كتائبه، وكان الأمير عليها من قبله رجلًا يدعى سليم بك، كان لديه معرفة وجديرًا بالرجولة، فلما شاء الله الذي لا يرد قضاءه أن تسقط الحديدة، أقبل في أحدى الليالي إلى الحديدة رسول سري يحمل نبأ وفاة الإمام يحيى في صنعاء فانضاف إلى ذلك أن الأمطار قد بللت السلك التلفوني فانقطعت المخابرات بين الحديدة والعاصمة، فأخذ الأمير سليم بك ينصح لحسين بن الإمام يحيى بأن يمشي في كتائبه في الحال إلى صنعاء، فأخذ الشاب نصيحته على القبول لأنه لا يخالف رأيه.
وأيضًا إنه قد سئم حسين الإقامة بمدينة الحديدة، فاغتنم هذه الفرصة وغادر الحديدة حذرًا عما سيتوقع من الاقتحام على ملكهم والاستيلاء على الأموال.
ثم فرَّ الأمير سليم بك بعدما حمل المال، فالتقى في الطريق بزميله أمير ميدي، وكان عبدًا محررًا، وقد صنع كصنعه، فرَّ بالمال معه، فمضيا إلى كمران، وهي جزيرة إنكليزية، وقد أملا أن يستقبلا فيها استقبالًا حسنًا، فتم لهما ذلك، وتمكنا بسهولة من الذهاب إلى عدن على مركب إنكليزي صغير، فلما وصلا إلى عدن اعتقلهما المقيم الإنكليزي فانتزع منهما المال وأودعهما السجن.
стр. 1072
ثم إن الأمير فيصل بن عبد العزيز احتل الحديدة بعدما أخلاها جيش الإمام إخلاء تام قبيل احتلاله بعشرين يومًا، فدخلها فيصل بنفسه من الغد يوم السبت آلة اللاسلكي للاتصال بالمملكة العربية السعودية، وكان قد استصحبها كما استصحب آلات أخرى لذلك، وأنشأ فيها مركز للشرطة والمالية والأوقاف، وموضعأ للمعارف تمهيدًا لجعلها سعودية، بل قد أرسل مدير ماليته لترتيب شؤونها المالية، وأصدر أمره بالاحتفاظ يحميع الموظفين اليمنيين مع زيادة رواتبهم، فكان الفرح والجذل لا يوصف، فلما أدرك الإمام يحيى خطورة الموقف وعبث المقاومة والقتال أقز مطالب جلالة الملك التي اشترطها حيث أخلى الجبال، وفلكَّ الرهائن، وأمر بتسليم الأدارسة، فعندها أمر ابن سعود جيوشه بالاحتفاظ بالأماكن التي احتلتها، وتوقيف القتال في جميع الجهات.
وأرسل الإمام وفده إلى الطائف للدخول في مفاوضات الصلح، وكان ابتدائه في التنفيذ في أوائل صفر، وفي ٢٤ منه سلم عائلات الأدارسة وحاشيتها إلى الأمير فيصل بن عبد العزيز، وكانت نحوًا من ثلاثمائة شخص وعلى رأسهم الحسن الإدريسي، وعبد العزيز الإدريسي، فأكرم الأمير وفادتهم وجرى إخلاء معظم الجبال.
ذكر عقد الاتفاقية وانتصار ابن سعود
فنقول كانت إيطاليا أرادت أن تبحث لها عن منفذ في بلاد العرب، راحت تسلك سياسة نفوذ في اليمن، فتلقاها الإمام يحيى في أول الأمر بكثير من التحفظ، وكان قبل أن يتعاقد مع الإيطاليين حاول أن يفاوض الحاكم الفرنسي في جيبوتي بعقد علاقات تجارية وشراء ذخائر للحرب، والاستعانة بالمهندسين الفرنسيين، وأرباب الصنائع الفرنسية، على أن مسيو باشون للساك الحاكم الفرنسي في جيبوتي رفض أن يعقد مع الإمام يحيى علاقات كهذه جاهلًا ما وراءها من الفوائد، لأنها صحت عزيمة يحيى على فتح ذراعيه للإيطاليين، ومنذ ذلك الحين أخذ هؤلاء
стр. 1073
يبذلون جميع المساعي لإرضاء رغائب اليمنيين، حتى لم يجد الإمام يحيى بدًا من مكافأتهم على الخدم التي أدوها إلى بلاده، فوعدهم بقاطعة عسير، وكان وعده هذا سببًا لما وقع بينه وبين المملكة العربية السعودية، وأيضًا ما حدث بعد ذلك وما جعل الحرب واقعة حتمًا فهو اتفاق يحيى والأدارسة حكام عسير على مساعدتهم للرجوع إلى إمارتهم، والآن فإن إيطاليا قد خسرت بعد الحرب والمعاهدة نفوذهم في اليمن بعدما أنفقوا الملايين لبسط هذا النفوذ، وبعدما هللت إيطاليا واستبشرت بعقد المعاهدة بينها وبين الإمام يحيى، ومنحوا عاقدها السنيور غاسباريني الرتب والأوسمة، مضى بعد عقدها نحو ثماني سنين لم ينالوا من يحيى منالًا، وها قد فقدوا آخر أمل مقاطعة عسير، فانتصار ابن سعود على اليمن قد قضى على آمال إيطاليا في عسير وغير عسير، وكان يحيى قد لجأ إلى إيطاليا لما طوقت بلاده القوات السعودية، وخسر غالبها فجاءت الإمدادات من قبلها مالًا ورجالًا، غير أنها لم تفلح، وذلك لأن الحكومة قابلت إيطاليا بإيقاف تلك الإمدادات وأرشدتها إلى حسن التفاهم بأنها إن كانت الحرب بين العرب فلا دخول لأجني فيها، وإن كانت إيطاليا تريد أن تتدخل كا لا يعنيها فلا بد من اتخاذ تدابير أخرى والسعي لدى الحلفاء كضادتها، فوقفت إيطاليا مكتوفة اليدين، وما كان بوسعها أن تسعى لما يضر بأمرها، وقد انتصر القائد العظيم فيصل بن عبد العزيز الانتصار المؤزر في هذه الحرب حتى دوى ذكره بين الخافقين وطرد الجيوش اليمنية من الأراضي السعودية التي احتلتها، واحتل بلدانًا وترى كثيرة في حرب أدهشت اليمنيين، بل أدهشت العالم فخسروا المال والرجال والعتاد، كما خسروا المدن والقرى.
وكان الأمير محمد بن عبد العزيز في خميس مشيط بما تحت يده من الجنود، ولما أن التقى ابن الوزير بجلالة الملك عبد العزيز شوهد من عاهل الجزيرة شجاعة تتلاشى دونها الأبطال، وترجف لها أفئدة الصناديد من الرجال.
ولما أن كلم ابن الوزير مندوب يحيى وجعل يعدد طلباته، أجاب ابن الوزير بأن جميعها منفذة، وطلب من صاحب الجلالة أن يرد على يحيى مدينة الحديدة
стр. 1074
والتلغراف الذي فيها فأجابه بقوله هي له، وأرد عليه أيضًا ميدي، وبذلك ظهر للعالم عدل ابن سعود، وعجبوا من سماحته ورحابة صدره ومحافظته على كل رعاياه على السواء، وأصبح الناس الذين يكرهون الوهابيين ويعدونهم قساة عتاه قد أبدلوا رأيهم، بعدما شاهدوا من أفعال جلالة الملك تلك الأفعال، فإن انتصاراته قد أثارت العواطف في سوريا والعراق وشرقي الأردن، ولا يبعد أن تجتمع هذه الجماعات العربية في أمرها على طلب حكمه وتفضيله على سواه، بل حصلت الجامعة العربية بعد ذلك وأصبح ابن سعود خطرًا داهمًا قويًا، ولقد كان بإمكانه أن يكتسح مواطن يحمص وأمصاره وافتهت الحال إلى عقد معاهدة شديدة قوية، ولكانت عاسفة فهو المنتصر وهو الفاتح، وباستطاعته أن يفعل ما يشاء وإن يقرر ما يريد.
ومما لا ريب فيه أن الله تعالى نصره بحسن نيته وعفوه وحلمه على من جهل عليه، وبذلك ظهر ابن سعود سياسي بارع شذبته الأيام وصقلته الصعاب والحوادث، وعلمته التجارب، وقد أظهر حقأ أنه قوي وأنه عادل، وأظهر أنه سريع البطش، صادق العفو، وأنه يستطيع ساعة الظفر وعند الثورة أنه يعتدل في موقفه، وأن يقنع كا يعتبر أنه ممكن وأنه ليس فوق الطاقة ولا فوق الإمكان، كما قد ظهر للعالم أجمع ما كان من أمر تعدي على جلالته في مسألة الحدود.
معاهدة الطائف
لما كان في ٦ صفر وقعت معاهدة الطائف بين ابن سعود وبين يحيى، فقام بالنيابة عن ابن سعود نجله خالد بن عبد العزيز، وعن يحيى بالنيابة عنه عبد الله بن الوزير، وقد فوض الملكان لمندوبيهما المذكورين الصلاحية التامة والتفويض المطلق، وسميت هذه المعاهدة معاهدة صداقة إسلامية وأخوة عربية، وهذا نص ما تيسر منها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده، نحن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، بما أنه عقدت بيننا وبين حضرة
стр. 1075
صاحب الجلالة الملك الإمام يحيى بن محمد حميد الدين ملك المملكة اليمانية معاهدة صداقة إسلامية وأخوة عربية لإنهاء حالة الحرب الواقعة لسوء الحظ بيننا وبين جلالته، ولتأسيس علاقات الصداقة الإسلامية بين بلدينا وقعها مندوب مفوض من قبلنا، ومندوب مفوض من قبل جلالته، وكلاهما حائزان على صلاحية تامة متقابلة، وذلك في مدينة جدة في اليوم السادس من شهر صفر سنة ثلاث وخمسين بعد الثلاثمائة والألف، وهي مدرجة مع عهد التحكيم والكتب الملحقة بها فيما يلي معاهدة صداقة إسلامية وأخوة عربية بين المملكة العربية السعودية وبين من جهة المملكة اليمانية، حضرة صاحب الجلالة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية من جهة، وحضرة صاحب الجلالة الإمام يحيى بن محمد حميد الدين ملك اليمن من جهة أخرى، رغبة منهما في إنهاء حالة الحرب التي كانت قائمة لسوء الحظ فيما بينهما وبين حكومتيهما وشعبيهما، ورغبةً في جمع كلمة الأمة الإسلامية العربية ورفع شأنها، وحفظ كرامتها واستقلالها، ونظرًا لضرورة تأسيس علاقات عهدية ثابتة بينهما وبين حكومتيهما وبلاديهما على أساس المنافع المشتركة والمصالح المتبادلة، وحبًا في تثبيت الحدود بين بلاديهما، وإنشاء علاقات حسن الجوار وروابط الصداقة الإسلامية فيما بينهما، وتقوية دعائم السلم والسكينة بين بلاديهما وشعبيهما، ورغبةً في أن يكون عضدًا واحدًا أمام اللمات المفاجئة وبنيانًا متراصًا للمحافظة على سلامة الجزيرة العربية قررا عقد معاهدة صداقة إسلامية وأخوة عربية فيما بينهما، وانتدبا لذلك الغرض مندوبين مفوضَين عنهما وهما: عن حضرة صاحب الجلالة ملك المملكة العربية السعودية حضرة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن عبد العزيز نجل جلالته، ونائب رئيس مجلس الوكلاء، وعن حضرة صاحب الجلالة ملك اليمن السيد عبد الله بن أحمد الوزير، وقد منح جلالة الملكين لمندوبيهما الأنفي الذكر الصلاحية التامة والتفويض المطلق.
وبعد أن اطلع المندوبان المذكوران على أوراق التفويض التي بيد كل منهما فوجداها موافقة للأصول، قرر باسم ملكيهما الاتفاق على المواد الآتية:
стр. 1076
" انتهاء حالة الحرب "
المادة الأولى: تنتهي حالة الحرب القائمة بين المملكة العربية السعودية ومملكة اليمن كجرد التوقيع على هذه المعاهدة، وتنشأ فورًا بين جلالة الملكين وبلاديهما وشعبيهما حالة سلم دائم وصداقة وطيدة، وأخوة إسلامية عربية دائمة لا يمكن الإخلال بها جميعها أو بعضها، ويتعهد الفريقان الساميان المتعاقدان بأن يحلا بروح الود والصداقة جميع المنازعات والاختلافات التي قد تقع بينهما، وبان يسود علاقتهما روح الإخاء الإسلامي العربي في سائر المواقف والحالات، ويشهدان الله على حسن نواياهما ورغبتهما الصادقة في الوفاق والاتفاقات سرًا وعلنًا، ويرجوان منه أن يوفقهما وخلفاءهما وحكومتيهما إلى السير على هذه الخطة القويمة التي فيها رضاء الخالق، وعز قومهما ودينهما، وتبادل احترام الاستقلال والحدود.
المادة الثانية: يعترف كل من الفريقين الساميين المتعاقدين للآخر بالاستقلال كل من المملكتين استقلالًا تامًا مطلقًا، وبملكيته عليها فيعترف حضرة صاحب الجلالة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية لحضرة صاحب الجلالة الإمام يحمص، ولخلفائه الشرعيين باستقلال مملكة اليمن استقلالًا تامًا مطلقًا، وبالملكية على مملكة اليمن، ويعترف حضرة صاحب الجلالة الإمام يحيى بن محمد حمد الدين ملك اليمن لحضرة صاحب الجلالة الإمام عبد العزيز ولخلفائه الشرعيين باستقلال المملكة العربية السعودية استقلالًا تامًا مطلقًا، وبملكيته على المملكة العربية السعودية، ويسقط كل منهما أي حق يدعيه في قسم أو أقسام من بلاد الآخر خارج الحدود القطعية المبينة في صلب هذه المعاهدة، إن جلالة الإمام الملك عبد العزيز يتنازل بهذه المعاهدة عن أي حق يدعيه من حماية أو استقلال أو غيرها في البلاد التي هي كوجب هذه المعاهدة تابعة لليمن من البلاد التي كانت بيد الأدارسة وغيرهما، كما أن جلالة الإمام الملك يحيى يتنازل بهذه المعاهدة عن أي حق يدعيه من حماية أو استقلال أو غيرهما في البلاد التي كانت بيد الأدارسة أو آل عائض أو في نجران وبلاد يام.
стр. 1077
" صلات المتعاقدين "
المادة الثالثة: يتفق الفريقان الساميان المتعاقدان على الطريقة التي تكون بها الصلات والمراجعات بما فيه حفظ مصالح الطرفين، وبما لا ضرر فيه على أيهما على أن لا يكون ما يمنحه أحد الفريقين الساميين المتعاقدين للآخر أقل مما يمنحه لفريق ثالث، ولا يوجب هذا على أي الفريقين أن يمنح الآخر أكثر مما يقابله بمثله.
" خط الحدود "
المادة الرابعة: خط الحدود الذي يفصل بين بلاد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين موضح بالتفسير الكافي فيما يلي، ويعتبر هذا الخط حدًا فاصلًا قطعيًا بين البلاد التي تخضع لكل منهما، يبدأ خط الحدود بين المملكتين اعتبارًا من النقطة الفاصلة بين ميدي والموسم على ساحل البحر الأحمر إلى جبال تهامة في الجهة الشرقية، ثم يرجع شمالًا إلى أن ينتهي إلى الحدود الغربية الشمالية التي بين بني جماعة ومن يقابلهم من جهة الغرب والشمال، ثم ينحرف إلى جهة الشرق إلى أن ينتهي إلى ما بين حدود نفعة ووعار التابعتين لقبيلة وائلة، وبين حدود يام، ثم ينحرف إلى أن يبلغ مضيق مروان وعيبة بن فادة، ثم ينحرف من جهة الشرق إلى أطراف الحدود بين من عد أيام من همدان بن زائد وابلي وغيره وبين يام، فكلما عن يمين الخط المذكور الصاعد من النقطة المذكورة التي على ساحل البحر إلى منتهى الحدود في جميع جهات الجبال المذكورة فهو من المملكة اليمانية، وكلما هو عن يسار الخط المذكور فهو من المملكة العربية السعودية، فما هو من جهة اليمين المذكورة هو ميدي وحرض وبعض قبيلة الحرث والمير وجبال الظاهر وشذا والضيعة وبعض العمادي وجميع بلاد وجبال رازخ، ومنبه مع عرو آل مشيخ، وجميع بلاد وجبال بني جماعة، وسحار الشام يباد وما يليها ومحل مريصفة من سحار الشام وعموم سحار، ونقمة ووعار وعموم وائلة، وكذا الفرع مع عقبة نهوقة وعموم من عدا يام، ووادعة ظهران من همدان بن زيد
стр. 1078
هؤلاء المذكورون وبلادهم بحدودها المعلومة، وكلما هو بين الجهات المذكورة وما يليها مما لم يذكر اسمه مما كان مرتبطًا ارتباطًا فعليًا أو تحت ثبوت يد المملكة اليمانية قبل سنة ١٣٥٢ كل ذلك هو في جهة اليمين، فهو من المملكة اليمانية، وما هو في جهة اليسار المذكورة وهو الموسم ووعلان وأكثر الحرث والخوية والجابري وأكثر العبادل وجميع فيفاء وبني مالك وبني حريص وآل تليد وقحطان وظهران وادعة وجميع وادعة ظهران مع مضيق مروان وعقبة رفادة وما خلفهما من جهة الشرق والشمال من يام ونجران والحضن وتزور وادعة وسائر من هو في نجران من وائلة، وكلما هو تحت عقبة نهوقة إلى أطراف نجران ويام من جهة الشرق، هؤلاء المذكورون وبلادهم بحدودها المعلومة، وكلما هو بين الجهات المذكورة وما يليها مما لم يذكر اسمه مما كان مرتبطًا ارتباطًا فعليًا أو تحت ثبوت يد المملكة العربية السعودية قبل سنة ١٣٥٢ هـ، كل ذلك هو في جهة يسار الخط المذكور فهو من المملكة العربية السعودية.
التحكيم في الحدود وما ذكر من يام ونجران والحضن وزور وادعة وسائر من هو في نجران من وائلة فهو يناء على ما كان من تحكيم جلالة الإمام يحيى لجلالة الملك عبد العزيز بأن جميعها تتبع المملكة العربية السعودية، وحيث أن الحضن وزور وادعة ومن هو من وائل في نجران هم من وائلة، ولم يكن دخولهم في المملكة العربية السعودية إلا لما ذكر فذلك لا يمنعهم ولا يمنع إخوانهم وائلة عن التمتع بالصلات والمواصلات والتعاون المعتاد والمتعارف به، ثم يمتد هذا الخط من نهاية الحدود المذكورة آنفًا بين أطراف قبائل المملكة العربية السعودية الخ.
" عدم تحصين الحدود "
المادة الخامسة: نظرًا لرغبة كل من الفريقين الساميين التعاقدين في دوام السلم والطمأنينة والسكون وعدم إيجاد أي شيء يشوش الأفكار بين المملكتين فإنهما يتعهدان تعهدًا متقابلًا بعدم إحداث أي بناء محصن في مسافة خمسة كيلو مترات في كل جانب من جانبي الحدود في كل المواقع والجهات على طول خط الحدود.
стр. 1079
" سحب الجنود "
المادة السادسة: يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بسحب جنده فورًا عن البلاد التي أصبحت بموجب هذه المعاهدة تابعة للفريق الآخر مع صون الأهلين والجند عن كل ضرر.
" منع الغزو والعدوان "
المادة السابعة: يتعهد الفريقان الساميان المتعاقدان بأن يمنع كل منهما أهالي مملكته عن كل ضرر وعدوان على أهالي المملكة الأخرى في كل جهة وطريق الخ.
ثم كانت المادة الثامنة: في حل المشاكل سلميًا الخ.
ثم كانت المادة التاسعة: في التحالف في دفاع الهجوم: يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن يمنع بكل ما لديه من الوسائل المادية والمعنوية استعمال بلاده قاعدة ومركزًا لأي عمل عدواني، أو شروع فيه أو استعداد له ضد بلاد الفريق الآخر، كما أنه يتعهد باتخاذ التدابر الآتية بمجرد وصول طلب خطي من حكومة الفريق الآخر الخ، ثم ضبطت هذه المادة وأحكمت إحكامًا تامًا، وعلى قياس ذلك بقية المواد التي بلغت عقد العشرين، ولولا الإطالة لأتينا بها كلها.
وفيها بعث حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود إلى رؤساء العلماء، وهم: الشيخ عمر بن محمد بن سليم، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ يطلب منهم قضاة ومرشدين وأئمة مساجد لبلدان اليمن التي استقرت يده عليها، فقام العلماء وألقوا أناسًا فضلاء من أهل العلم وطلابه، وهؤلاء هم:
الشيخ عثمان بن حمد بن مضيان، والشيخ عبد الرحمن بن عقيل صاحب عنيزة، وعبد الله بن عودة آل سعوي، وإبراهيم العمود، وعبد الله بن محمد بن عامر، وصالح بن سليمان بن حميدة، وعلي بن عبد الرحمن بن عطية، وعبد الله بن عبد العزيز بن عقيل، وعبد الرحمن بن طرباق، فذهب هؤلاء وغيرهم كابن سلطان، وابن طاسان للحج، وبعد الحج بعثوا إلى مقر أعمالهم.
стр. 1080
وكان قد شجعهم جلالة الملك لما أن استلموا مرتباتهم، وأخبرهم أن القليل من علمهم كثير لأنهم سيقدمون على أمم جهال فاستقر كل منهم ببلدة، واستمروا في أعمالهم، فكان على قضاء أبو عريش الشيخ عثمان، وعلى جيزان الشيخ ابن عقيل، وعلى قضاء صبيا الشيخ ابن عودة وهكذا، وجعلوا يعلمون ويرشدون وينهون عن الشرك بالله والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، ويوضحون إخلاص العبادة لله وتوحيده، فكان لدعوتهم أثر عظيم يذكر، وأبانوا لأولئك الناس الذين طال عليهم الأمد واندرست فيهم معالم الشريعة لضعف الداعي وقلة الاعتناء بتقاليد الملة، فأصبحوا مبصرين وعن غيهم مرتدعين، وجعلوا يغرسون فيهم بذور الحق، ويدأبون في محق الباطل.
وما أحسن الغاية التي يقصدونها، والخطة التي يسلكونها، والضالة التي ينشدونها، نسأل الله تعالى أن يظهر دينه وينصر حزبه، ويرشد الجاهلين، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، هذا وإني ألفت نظر القارئ إلى ما لهؤلاء الأئمة الأمجاد والسادة الكرام الذين هم كانوا ذخرًا في الأزمات والأهوال والأنكاد، وهم آل سعود الذين طهر الله بهم الأرض من المصائب، ورفع بهم أعلام الهدى، حتى نالت أعلى المراتب، وجدوا في نصرة الدين، وبذلوا مهجهم في الجهاد لكبح المشركين، نسأل الله تعالى أن يجزيهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وأذكرك بالله أيها المسلم ما قام به محمد بن سعود ونجله وحفيده، وما سار به على نهجهم الإمام تركي بن عبد الله ونجله فيصل، وسار على نهجهم أمير المؤمنين وخليفة المهتدين أبو تركي عبد العزيز بن عبد الرحمن الذي ذكرنا بعدله وهدايته ودينه وتوفيقه وآثار آبائه وأجداده، وإنها لمفخرة عالية لهذه المملكة وأهلها أن يقوم من بين ظهرانهم أولئك الأئمة الذين رفع الله قدرهم وأشاد في العالمين ذكرهم، أولئك الأسود الغطارفة الذين بنوا في الدنيا فخرًا لا ينسى، ونسأل الله تعالى أن يوفق أبناءهم ويهديهم لمكارم الأخلاق والتأسي بآبائهم وأجدادهم.
هذا ويعلم الله أني لست متآكلًا ولا مستجلبًا لعطاء، بل كنت أقرّ بالفضل
стр. 1081
لأهله واضح المديح لمن يستحقه، وإني لأشكر الملك الراحل عبد العزيز على ما اتصف به من الفضائل والمكارم، ولله در الشيخ محمد بن عبد الله بن عثيمين، حيث يقول في مرثية الإمام عبد الرحمن بن الإمام فيصل بن تركي تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوحة جنته، وإن كان الأولى بها أن تذكر في ترجمته ذلك بأنه إمام المسلمين وقدوة الموحدين، وسلالة الأمجاد الأكرمين:
تعز وإني والمصاب جليل ... فخل الجموع الجامدات تسيل
رزئنا زمام الفضل والدين والتقى ... نعم نجله الميمون منه بديل
بدور علا هذا هوى لمغيبه ... وذا في سماء المكرمات يجول
فيالك بدرًا أطلع الشمس بعده ... وثجاج مزن أعقبته سيول
دعا عابد الرحمن للفوز ربه ... وجنات عدنِ ظلهن ظليل
مضى طاهر الأعراض والشيم التي ... بجسم العوالي غرةٍ وحجول
مضى كافل الأيتام في كل شتوةٍ ... إذا عمُّ أقطار البلاد محول
مضى هضبة الدنيا التي يلتجي بها ... طريد جنايات جفاه قبيل
ترجع فيه المكرمات حنينها ... كما رددت رجع الحنين عجول
فلا ذخر بعد اليوم للدمع والأسى ... وإن كان لا يشفى بذاك غليل
فلله كم عين تحلب دمعها ... وكم زفرةٍ إثر البكاء وعويل
فلو كان يفدى بالنفوس ولو غلت ... فداه همام أشوس ونبيل
ولو كان من خصم تنمردونه ... رجالٌ بأيديهم قنا ونصول
إذا ما اعتلوا قب الأباطل لم يكن ... لهم أوبة أو يستباح قتيل
ولكن قضاء مبرمٌ يستوي به ... مليكٌ عزيزٌ في الورى وذليل
نؤمل في الدنيا بقاءً وصحةً ... وهذا محال لو صحون عقول
وفي سيد الكونين للناس أسوة ... مصابٌ به كل الأنام ثكول
هو المرء في الدنيا غريبٌ مسافرٌ ... ولا بد من بعد الرحيل نزول
سقى جدثًا وارى المكارم والعلا ... من العفو رجاس السحاب همول
стр. 1082
ملث إذا ما راث حنت عشاره ... وحل عراه أزيبٌ وقبول
إمام الهدى صبرًا عزاء وحسبةً ... فعاقبة الصبر الجميل جميل
فإن يك طود الفضل زعزعه الردى ... وأضحى له تحت الرجام مقيل
ففيك ولا نعدمك من كل فائتٍ ... لنا خلفٌ للمعضلات حمول
فأنت الذي مهدت ذا الملك بعدما ... تلاشى وجثت من قواه أصول
وعادت بك الأيام غضًا شبابها ... وقد مسها بعد العتي قحول
وما مات من كنت الخليفة بعده ... له بك عمرًا آخرًا ستطول
ولولاك أقفرن المعالي ولم يكن ... لها بعده في الغابرين سبيل
فلا زلت في عزٍ أنيقٍ مسلمًا ... وغال الذي يبغي الردى لك غول
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... يدومان ما ساق الغدو أصيل
على سيد السادات نفسي فداؤه ... إمامٌ إلى طرق النجاة دليل
ذكر الاعتداء على ابن سعود بأيد يمانية
قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠].
الحمد لله ناصر عبده ومؤيد حزبه، ومهلك الظالمين بحكمته وعدله، لقد شاء الله وهو الحكم العدل أن يخذل أعداءه في كل موقف من مواقف خزيهم، وأن يحصحص الحق ويعلي كلمته، شاءت قدرته أن يذيق الذين أجمعوا أمرهم عشاء لهتك حرمات الله في أيام الله أمام بيت الله، شاءت قدرته أن يذيقهم جزاء فعلتهم موتًا زؤامًا، وكاسًا علقمًا مصابا.
ففي صباح اليوم العاشر من ذي الحجة يوم عيد الأضحى في الساعة الواحدة عربية سنة ١٣٥٣ هـ، غادر جلالة الملك عبد العزيز منى إلى مكة ليطوف بالبيت طواف الإفاضة قبل أن تتم الساعة الواحدة بدقائق، وقبل أن تشرق الشمس من
стр. 1083
مخبأها، وكانت مكة هادئة صامتة، فكل من فيها قد اندفعوا إلى منى وعرفات، فعل كل حاج من مكة وغيرها، ولما أن وصل إلى المسجد الحرام يوم الجمعة وعيد بيوم الخلائق، فيه خشع منكسر الرؤوس قد استوى ملكهم وعبيدهم في اللباس والتواضع، شرع جلالة الملك في الطواف معه ولي عهده سعود ورجال حاشيتهما وحرسهما الخاص، وثلة من الشرطة بقيادة مفوض شرطة الحرم، وكان الحرس والشرطة تواكب جلالة الملك وولي عهده من الإمام واليمين والخلف والبيت على اليسار، ولا يفصل بين الملك ونجله أحد من الحرس، فعندما انتهى الشوط الرابع أكب الملك على الحجر الأسود يقبله، ثم تقدم في الشوط الخامس، ولما أن حاذى باب الكعبة إذا برجل يخرج من فجوة حجر إسماعيل الشامية منضيًا خنجره وهو يصيح بصوت مرتفع صياحًا منكرًا بكلام غير مفهوم تمامًا، فقابل لدى خروجه أفراد الشرطة الذين يسيرون في مقدمة الموكب الملكي فمسك به أحدهم قاصدًا رده، ولكن المجرم عاجله بطعنة من خنجره فوقع الشرطي الشجاع أحمد بن موسى العسيري على الأرض ودمه يقطر، فأمسك بالمجرم شرطي آخر هو مجدوع بن شبياب، ولكنه أصيب أيضًا بطعنة من خنجر المجرم، فمال إلى جانب رفيقه، وفي هذه اللحظة شوهد رفيق المجرم الأول يتقدم من خلف الموكب، والظاهر أنه خرج من الفجوة الأخرى لحجر إسماعيل، وجاء من جهة الركن اليماني إلى قرب الحجر الأسود، فاستعد رجال الحرس الملكي ببنادقهم، إلا أن جلالة الملك أصدر أمره المطاع في تلك الساعة الرهيبة الحرجة، بأن لا يستعمل الحرس البنادق والرصاص إلا حين الضرورة القصوى، فلما تبين أن المجرم الأول قد طعن شرطيين باسلين، وأن المجرم الثاني على وشك أن يصل إلى سمو ولي العهد، تقدم عبيد الله البرقاوي أحد الحارسين الخصوصيين لجلالة الملك فأطلق بندقيته على المجرم الأول قبل أن يتمكن من ارتكاب جنايات أخرى فخر صريعًا عند مدخل حجر إسماعيل.
أما المجرم الثاني فإنه تقدم مشهرًا خنجره، وكاد أن يطعن سعودًا طعنة نجلاء، وإذا قد بدره الحارس لسموه برمية من بندقيته فأردته قتيلًا في الوقت الذي لامس
стр. 1084
خنجره أسفل الكتف اليسرى للأمير سعود، فلم تحدث لقوة المبادرة سوى خدش بسيط ولله الحمد.
وحينما رأى المجرم الثالث ما حل برفيقيه، وكان قد خرج من مخرج الجرم الثاني، واستدار من جهة الركن اليماني، أطلق رجليه للريح قاصدًا النجاة بنفسه فصرعه رصاص الشرطة والحرس الملكي فسقط على الأرض وهو ينازع، وظل على قيد الحياة ما يقرب من ساعة، تمكن المحققون في أثنائها من معرفة اسمه، وهو علي، ولم يمكن أن يعرف عن الجناة ساعة الحادثة ما يدل على شأنهم إلا أن ملابسهم وخناجرهم تدل على أنهم من الزيود اليمانيين، وتتراوح أعمارهم بين ٣٥ و ٤٥ سنة.
ثم إن جلالة الملك وولي عهده أتما مناسكهما وعادا إلى منى في خير وعافية، وجلسا للوفود والمهنئين، وفي هذه الأثناء قام مدير الأمن العام مهدي بك مدير العسكر وأخطر بالأمر في منى، وحضر على رأس قوة كافية من الشرطة، وشرع في إجراء التحريات والتحقيقات لمعرفة شخصية الجناة والتحقق عن الأسباب الدافعة لهم على ارتكاب هذه الجريمة الشنعاء وسط بيت الله الحرام، وبقرب الكعبة الشريفة في ذلك اليوم العظيم المبارك، وبث عيونه وأرصاده بين حجاج اليمن الذين ثبت أن الجناة منهم، وما كاد الشعب السعودي يعلم أن الجناة من الزيود اليمانيين حتى اشتد غضبه على الجناة المفسدين لولا أن تدارك ابن سعود الأمر بحكمته وأصدر أمره الكريم إلى قواد جنده بالاهتمام بصيانة أرواح الحجاج من الاعتداء، واتخاذ كافة التدابير التي تقضي على كل من يحدث أي تشويش على الحجاج، فكف الناس احترامًا للأمر وطاعة له على مضض، إلا أن السخط بلغ منهم مبلغًا لا حدَّ له وثار الحجاج المصريون يهتفون بحياة الملك ونجله، وتنادوا بالانتقام من المعتدين، لأن الجناة الزيدية ارتكبوا أشنع الجرائم في أقدس مكان، وأرادوا الانتقام على زعيم العرب، وعلى ولي العهد المحبوب، وشاركهم كل الحجاج، فشكرهم جلالة الملك على شعورهم النبيل.
стр. 1085
ولما أن قام مدير الأمن العام مهدي بك في إجراء التحريات والتحقيقات، توصل قبل كل شيء إلى معرفة ثلاثة من الزيود كانوا يقيمون دون سائر جماعتهم الزيود عند امرأة في جبل أبي قبيس، فهاجم دار المرأة وسئلت عن نزلائها فقالت إنهم متغيبون من يوم الوقعة، ولم يحضروا بعد، فقامت القوة وفتشت غرفتهم التي كانوا فيها فعثر على ملابسهم وفيها جوازات باسم ثلاثة أشخاص وهم هؤلاء: النقيب "علي بن علي حزام الحاضري": مستخدم في الجيش اليماني المتوكلي ورقم جوازه ٩٨ تاريخ ١ شوال ١٣٥٣ هـ وهو صادر من مأمور الجوازات ومصدق عليه من عامل صنعاء، و"صالح بن علي الحاضري": شقيق الأول جوازه رقم ٣٤ بتاريخ شوال ١٣٥٣ هـ وحرفة المذكور مزارع، والجواز صادر من مأمور الجوازات ومصدق عليه من عامل صنعاء، و"مسعد بن علي مسعد": من حجير برقم ٦٣ تاريخ ٥ ذي القعدة ١٣٥٣ هـ والجواز صادر من أمير الحج اليماني السيد محمد فخان وصاحبه عسكري في الجيش اليماني المتوكلي.
ولذا عرضت جثث القتلى على المرأة التي كانوا في دارها فعرفت أحدهم اسمه صالحًا، وميزت ملابس الاثنين الآخرين نظرًا لتغير الوجه في الاثنين المذكورين، وذكرت: أن أخت مطوف الشوافع أسكنتهم عندها، ولدى التحقيق مع هذه صادقت على أقوال الأولى، وقد أجرى مدير الشرطة العام التحقيق من جهة أخرى مع شيخ اليمانيين بجدة، فاعترف بأنه أعطى ورقة التصريح للسفر من جدة باسم مبخوت، وذلك بواسطة أخيه علي بن علي مبخوت الفران بجدة، وقد استجلب هذا وحقق معه وعرضت عليه جثث القتلى وصورهم الفوتوغرافية، فعرفهم واحدًا واحدًا، وذكر أن أحدهم مبخوت بن مبخوت الحاضري هو شقيقه بينما الاثنان الآخران هما صالح بن علي وعلي بن الحاضري، وكلاهما شقيقان، وشهد هذا الفران بأنه اجتمع مع أخيه بجدة وبات أخوه عنده ثم حضر معه إلى مكة وبات مع أخيه والاثنين الآخرين من الجناة في جبل أبي قبيس وهو ذهب إلى عرفات، أما الثلاثة فإنهم تأخروا في مكة ولم يحجوا، ولم يجتمع بهم إلا يوم العيد في الطواف،
стр. 1086
وبعد الطواف ذهب هو إلى مقام إبراهيم بينما الثلاثة ذهبوا ومكثوا في داخل حجر إسماعيل، وقد عفى جلالة الملك عن الفران وأطلق سراحه.
ولما سأل الصحفيون جلالة الملك عن هذا الحادث المشؤوم وأثره في نفسه أجاب بقوله: إن الذين أقدموا على هذا العمل قوم ليس فيهم دين يمنعهم، وأنا شخص ليس يهمني إلا إقامة كلمة التوحيد والمحافظة على ما بيدي، والحافظ هو الله، ولما وقع وقدر الله من فضله وعنايته النجاة لم يكن همي غير المحافظة على الحجاج، ومنع تسرب أخبار الحادث إلى خارج الحرم، فأمرت بإغلاق أبواب الحرم ومنع سفك الدماء، وأتممت الطواف وخرجنا عائدين إلى منى.
وقد سأله الصحفيون هل كان يظن بأحد مثل يحيى أو ابنه أحمد؟ فأجاب بأنه لا يأخذ بالإشاعات وأقوال الناس، ثم قال: ووالله إن هذا الحادث الذي وقع في الحرم وقر في نفسي وأنا في عرفات وكأني أشعر به، ولكن قلت في نفسي إن سيكفيني الله هذا الشر، وكنت أحدّث نفسي كيف يمكن القبض على الجاني إذا تغلغل بين الناس، وبعد أن نزلت من عرفات كان الله قد أنساني ذلك الذي وقر في نفسي، ونحن مالنا في شيء من أعمالنا إلا الاعتماد على الله.
ولما سئل عن تأثر أهل مصر من هذا الحادث شكر لهم ثم قال: إنا لنشكر الله على ما أولانا من نعمائه، ثم نشكر وفود بيت الله الحرام والشعب على هذه العواطف النبيلة التي تجلت بمناسبة الحادث، إن الله قد جعل هذا البيت آمنًا للناس، والحجاج هم ضيوف الله وإخواننا، فمن واجبنا أن نعنى براحتهم ليتمكنوا من أداء مناسكهم، وقد من الله علينا بأن ساد الهدوء في جميع أنحاء المملكة، وقد لعب الشيطان في رؤوس بعض الناس فحاولوا تعكير صفو الأمن وتعطيل شعائر الله في بيت الله، ولكن الله الحافظ لدينه قد رد كيدهم في نحرهم فأبطل دسائسهم ووقى المسلمين فتنتهم، وسيلقى المجرمون جزاء ما صنعت أيديهم إن شاء الله تعالى، الناس يبلوننا والله يعيننا عليهم، أنا لا يهمني شخصي ولا أسرتي ولا أولادي، أنا
стр. 1087
لا يهمني إلا نصرة الدين الحنيف، وأن يجعل الله كلمته هي العليا وأن يؤيد المسلمين ويعزهم في الدنيا والآخرة.
أما أولئك الذين في قلوبهم مرض فسيكفينا الله شر ما صنعوا هدانا الله وإياكم إلى السبيل القويم.
وقد دوت أسلاك البرق بخبر ذلك الحادث واشتغلت الصحف على اختلافها وتغاير أجناسها ولغاتها، وتباين مبادئها باستنكار الفعلة نداء لواجب الضمير، نداء لواجب الحق لا أقل ولا أكثر، فانهالت مئات البرقيات على الديوان الملكي بالتهنئة على سلامة جلالة الملك المعظم من تلك المكيدة المدبرة، وباح الشعراء والخطباء بالقصيد والخطب والنشيد، وأحسن ما قيل في الموضوع ما ألقاه الشاعر الزركلي في قصيدة، من أبياتها:
ضل الجناة سبيل النيل من ملكٍ ... لولاه ما صين بيت الله والحرم
عبد العزيز الإمام الحق تكلؤه ... عينٌ من الله لا جندٌ ولا جشم
البغي والكيد مدا حوله شركًا ... فكان في شرك الجانين حتفهم
سلت يد البغي نصلًا دون طعنته ... جبريل يرغي وميكائيل يحتدم
وقى سعود فتى الفتيان خير أب ... فردها طعنة نجلاء تخترم
وقال بابنك إن كان الفداء فدا ... هذي يدي وزنادي القزم لا الضرم
تناول الفاتك الجياش يرفعه ... كالصخر بالزبد الهدار مصطدم
لولا الأناءة ولولا الحلم لانعقدت ... سحابة النقع وانهلت دمًا ديم
وقال الشاعر الفصيح أحمد بن إبراهيم الغزاوي شاعر جلالة الملك:
أبى الله إلا أن يتم ضياءه ... ويرفع للدين الحنيف لواءه
ويحفظ في عبد العزيز وشبله ... على رغم كيد الخائنين بناءه
فإن عظمت يوم الإفاضة كربةٌ ... وخف لها التوحيد يحمي ذماءه
стр. 1088
وروع فيه المسلمون جميعهم ... بثالثةٍ كادت (١) تريق دماءه
فقد لطف الله العزيز بعبده ... وأنفذ في قلب العدو قضاءه
وكمل حج المؤمنين وصانهم ... من الشر واستبقى عليهم هناءه
وراحوا وقد نجى الإله وليه ... يطيلون بالشكر العميم نداءه
وقد وعد الله المطيع بنصره ... وخوَّله أجر التقى وحباءه
ودافع عنه بالكتاب ولم يزل ... يحقق للإسلام فيه رجاءه
وأقسم لو أن الأخاشب زلزلت ... وماد ثبير أو شهدنا انكفاءه
لما كان من تأثيره في قلوبنا ... كرجفة غاو قد فريت حشاءه
فقرت بما استلهمت أركان بيته ... وقد كاد يعدو للقصاص وراءه
ولو أننا نهوي إلى الله سجدًا ... مدى الدهر شكرًا لم نؤد ثناءه
فقد سلمت فيك الجزيرة كلها ... ودين الهدى منذ استجبت دعاءه
وكم حادثٍ يبدو لأول وهلةٍ ... كريهًا ويجد الله فيك صفاءه
إلى أخرها، ولا يمكن استقصاء بقية القصائد، فلو أتينا بها لضاق الوسع، ولا بدع ولا غرو إذ يجري ذلك الاستنكار، ويجري من سكان الجزيرة كمال السرور والهناء بسلامة زعيم العرب وباعث مجدها والساعي في رفعة شأنها.
ذكر تنصل اليمن من الحادث
أما الإمام يحيى فقد أبرق يهنئ بالسلامة مستنكرًا هذا الحادث، ساخطًا على مرتكبيه، مستنزلًا اللعنة على الباغين الملحدين بظلم في الحرم الشريف، وتبرأ من هذا الحادث بكل ما يطيق من البراءة براءة الذئب من دم ولد يعقوب، وأقسم بالله أنه من حين بلغ بالحادث من جلالته لم يستقر له قرار، وجعل ينفض يديه على حد
стр. 1089
تعبيره أن قلبه يتقطع أسًا وكمدًا، وأبرق إلى ابن الوزير الذي كان بمكة حاجًا في هذه السنة يأمره أن يضع نفسه تحت تصرف أخيه الملك ابن سعود، ويمتثل أوامره ويجدّ في البحث حتى يصل إلى الحقيقة، وقامت حكومة اليمن لما علمت بأن المعتدين باسم يمانية، فألفت لجنة خاصة بتحقيقات واسعة النطاق، وأفادت بأن علي بن علي الحاضري كان ضابطًا صغيرًا في الجيش المتوكلي، وقد استأذن تلك السنة لأداء فريضة الحج، أما صالح بن علي الحاضري فقد كان متغيبًا في خارج القطر ثم عاد في تلك السنة وحث أخاه التقدم على الحج، كما أن مبخوت بن مبخوت كان مستخدمًا في الجيش المتوكلي وقد سافر إلى الحج بدون رخصة، فيعد هاربًا وتقع التهمة على صالح بن علي بصفته متغيبًا زمنًا طويلًا، ثم عاد وشوق الاثنين إلى الحج، كما أن محمد راغب وزير خارجية اليمن بعث ببرقية إلى وكيل وزير خارجية المملكة العربية السعودية يقسم فيها بالله ثلاثًا بالبراءة التامة من الحادث والجهل به، كذلك بعث عبد الله بن يحيى جوابًا يقسم فيه بالله أن أباه وأخوته يبرؤون إلى الله من هذا الحادث الذي لا يقدم عليه إلا من فقد إنسانيته.
ومهما كانت الأحوال فإن المجرمين كانوا من أهل اليمن، بل ومن رجال الجيش، ويتطرق إلى الأوهام أنه بتدبير سيف الإسلام أحمد بن يحيى، كذا يذكرون بأنه على اتصال برجال حزب الأحرار الحجازي، أو يكون بتدبير حسين الدباغ الذي بعثه أمير الأردن عبد الله بن الحسين إلى اليمن يسعى بالفساد.
وفيها في ابتداء المحرم سافر مهندس الكهرباء إسماعيل الذبيح لاستلام ماكنة كهرباء أهداها رجل من أهل الهند اسم سر محمد خان نواب بهادر رئيس أعظم بهيكم، أهداها للمسجد الحرام بأدواتها، وكانت ماكنة عظيمة تحتوي على قوة اثنين وخمسين حصانًا، ولها دينامو قوة ٢٢٠ فولت ٣٤ كيلوات تضيء ألف لمبة، فسافر المهندس من مكة إلى الهند وأقام بالهند بضعة أشهر لأجل أن يقف على تركيب أدواتها، وقدم بها في أوائل شهر ذي القعدة من هذه السنة يصحبها ما أهداه أهل الفضل من الهنود من أهالي كانفور، ولكنو، وكراتشي للمسجد الحرام من أسلاك
стр. 1090
ولمبات وثريات، وثمانية كشافات كهرباء قوة كل لمبة ألف وخمسمائة شمعة، ولا شك أن هذا عمل طيب، نسأل الله القبول والإثابة.
ثم دخلت سنة ١٣٥٤ ه ـ
ففيها استقر القضاة والمرشدون والأئمة الذين بعثهم ابن سعود إلى جيزان وأبها ونجران وصبيا وصامطة وأبو عريش وفراسان ومحايل وبارق وفيفاء والبرك وغيرها، وقاموا ينشرون دعوتهم إلى الله ، وينهون عن المنكر الذي وجدوا أهالي تلك المقاطعات عليه من السحر وعبادة الأوثان والسلخ الذي اعتادوه، وكانوا إذا كسف القمر أشعلوا نيرانًا عظيمة ظنًا منهم بأن القمر يضل منازله فيضيئون له، وكانت النساء سافرات الوجوه مع الرجال، مختلطات وممتزجات، فحصل بسبب هذه الخلطة مفاسد كثيرة حتى قام الدعاة بإبطال ذلك.
أما السلخ المذكور فكانوا قد اعتادوا من خرافاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان أنه إذا أوشك المراهق على البلوغ رفع على دكة أو موضع عالٍ لختانه، وسلخ ذكره إلى سرته وما حوالي ذلك بزعمهم لأن لا ينبت الشعر على ذلك الموضع، عادة سلكوها وطريقة ضلوا فيها ما أنزل الله بها من سلطان، فإذا رفع ذلك المختون ودعي إليه الخاتن الذي أعد عدته للسلخ حضر أقرباؤه وعصبته وذو رحمه، فيقوم المسلوخ وقت السلخ قد انتضى سيفه، وكذا سائر أقربائه، ويؤتى بزوجته التي سيعقد له عليها فتجلس أمامه، تقوم الأسرة تشجعه على الصبر وعدم الاستكانة لذلك، ومن عاداتهم أنه لو يجبن أو يبكي أو يتأثر لهذا العمل فإن زوجته لا تقبل زواجه، وقد دأب جلالة الملك الراحل في إزالة هذه البدع حتى قضى عليها، فآخر عمل عمله ضد هذا السلخ أن قطع أيادي من لم ينزجر عن السلخ حتى ارتدعوا عن ذلك، فعياذًا بالله من الجهل وغرور الشيطان، إن الشريعة المحمدية جاءت بمشروعية الختان، وهو أن تؤخذ جلدة الحشفة لا غير، والواجب علينا أن نتقيد بالسنة ونحافظ عليها، وأن لا نلتفت إلى ما اخترعه الأغيار، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].