← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وبعد الطواف ذهب هو إلى مقام إبراهيم بينما الثلاثة ذهبوا ومكثوا في داخل حجر إسماعيل، وقد عفى جلالة الملك عن الفران وأطلق سراحه. ولما سأل الصحفيون جلالة الملك عن هذا الحادث المشؤوم وأثره في نفسه أجاب بقوله: إن الذين أقدموا على هذا العمل قوم ليس فيهم دين يمنعهم، وأنا شخص ليس يهمني إلا إقامة كلمة التوحيد والمحافظة على ما بيدي، والحافظ هو الله، ولما وقع وقدر الله من فضله وعنايته النجاة لم يكن همي غير المحافظة على الحجاج، ومنع تسرب أخبار الحادث إلى خارج الحرم، فأمرت بإغلاق أبواب الحرم ومنع سفك الدماء، وأتممت الطواف وخرجنا عائدين إلى منى. وقد سأله الصحفيون هل كان يظن بأحد مثل يحيى أو ابنه أحمد؟ فأجاب بأنه لا يأخذ بالإشاعات وأقوال الناس، ثم قال: ووالله إن هذا الحادث الذي وقع في الحرم وقر في نفسي وأنا في عرفات وكأني أشعر به، ولكن قلت في نفسي إن سيكفيني الله هذا الشر، وكنت أحدّث نفسي كيف يمكن القبض على الجاني إذا تغلغل بين الناس، وبعد أن نزلت من عرفات كان الله قد أنساني ذلك الذي وقر في نفسي، ونحن مالنا في شيء من أعمالنا إلا الاعتماد على الله. ولما سئل عن تأثر أهل مصر من هذا الحادث شكر لهم ثم قال: إنا لنشكر الله على ما أولانا من نعمائه، ثم نشكر وفود بيت الله الحرام والشعب على هذه العواطف النبيلة التي تجلت بمناسبة الحادث، إن الله قد جعل هذا البيت آمنًا للناس، والحجاج هم ضيوف الله وإخواننا، فمن واجبنا أن نعنى براحتهم ليتمكنوا من أداء مناسكهم، وقد من الله علينا بأن ساد الهدوء في جميع أنحاء المملكة، وقد لعب الشيطان في رؤوس بعض الناس فحاولوا تعكير صفو الأمن وتعطيل شعائر الله في بيت الله، ولكن الله الحافظ لدينه قد رد كيدهم في نحرهم فأبطل دسائسهم ووقى المسلمين فتنتهم، وسيلقى المجرمون جزاء ما صنعت أيديهم إن شاء الله تعالى، الناس يبلوننا والله يعيننا عليهم، أنا لا يهمني شخصي ولا أسرتي ولا أولادي، أنا

стр. 1087

لا يهمني إلا نصرة الدين الحنيف، وأن يجعل الله كلمته هي العليا وأن يؤيد المسلمين ويعزهم في الدنيا والآخرة. أما أولئك الذين في قلوبهم مرض فسيكفينا الله شر ما صنعوا هدانا الله وإياكم إلى السبيل القويم. وقد دوت أسلاك البرق بخبر ذلك الحادث واشتغلت الصحف على اختلافها وتغاير أجناسها ولغاتها، وتباين مبادئها باستنكار الفعلة نداء لواجب الضمير، نداء لواجب الحق لا أقل ولا أكثر، فانهالت مئات البرقيات على الديوان الملكي بالتهنئة على سلامة جلالة الملك المعظم من تلك المكيدة المدبرة، وباح الشعراء والخطباء بالقصيد والخطب والنشيد، وأحسن ما قيل في الموضوع ما ألقاه الشاعر الزركلي في قصيدة، من أبياتها: ضل الجناة سبيل النيل من ملكٍ ... لولاه ما صين بيت الله والحرم عبد العزيز الإمام الحق تكلؤه ... عينٌ من الله لا جندٌ ولا جشم البغي والكيد مدا حوله شركًا ... فكان في شرك الجانين حتفهم سلت يد البغي نصلًا دون طعنته ... جبريل يرغي وميكائيل يحتدم وقى سعود فتى الفتيان خير أب ... فردها طعنة نجلاء تخترم وقال بابنك إن كان الفداء فدا ... هذي يدي وزنادي القزم لا الضرم تناول الفاتك الجياش يرفعه ... كالصخر بالزبد الهدار مصطدم لولا الأناءة ولولا الحلم لانعقدت ... سحابة النقع وانهلت دمًا ديم وقال الشاعر الفصيح أحمد بن إبراهيم الغزاوي شاعر جلالة الملك: أبى الله إلا أن يتم ضياءه ... ويرفع للدين الحنيف لواءه ويحفظ في عبد العزيز وشبله ... على رغم كيد الخائنين بناءه فإن عظمت يوم الإفاضة كربةٌ ... وخف لها التوحيد يحمي ذماءه

стр. 1088

وروع فيه المسلمون جميعهم ... بثالثةٍ كادت (١) تريق دماءه فقد لطف الله العزيز بعبده ... وأنفذ في قلب العدو قضاءه وكمل حج المؤمنين وصانهم ... من الشر واستبقى عليهم هناءه وراحوا وقد نجى الإله وليه ... يطيلون بالشكر العميم نداءه وقد وعد الله المطيع بنصره ... وخوَّله أجر التقى وحباءه ودافع عنه بالكتاب ولم يزل ... يحقق للإسلام فيه رجاءه وأقسم لو أن الأخاشب زلزلت ... وماد ثبير أو شهدنا انكفاءه لما كان من تأثيره في قلوبنا ... كرجفة غاو قد فريت حشاءه فقرت بما استلهمت أركان بيته ... وقد كاد يعدو للقصاص وراءه ولو أننا نهوي إلى الله سجدًا ... مدى الدهر شكرًا لم نؤد ثناءه فقد سلمت فيك الجزيرة كلها ... ودين الهدى منذ استجبت دعاءه وكم حادثٍ يبدو لأول وهلةٍ ... كريهًا ويجد الله فيك صفاءه إلى أخرها، ولا يمكن استقصاء بقية القصائد، فلو أتينا بها لضاق الوسع، ولا بدع ولا غرو إذ يجري ذلك الاستنكار، ويجري من سكان الجزيرة كمال السرور والهناء بسلامة زعيم العرب وباعث مجدها والساعي في رفعة شأنها. ذكر تنصل اليمن من الحادث أما الإمام يحيى فقد أبرق يهنئ بالسلامة مستنكرًا هذا الحادث، ساخطًا على مرتكبيه، مستنزلًا اللعنة على الباغين الملحدين بظلم في الحرم الشريف، وتبرأ من هذا الحادث بكل ما يطيق من البراءة براءة الذئب من دم ولد يعقوب، وأقسم بالله أنه من حين بلغ بالحادث من جلالته لم يستقر له قرار، وجعل ينفض يديه على حد

стр. 1089

تعبيره أن قلبه يتقطع أسًا وكمدًا، وأبرق إلى ابن الوزير الذي كان بمكة حاجًا في هذه السنة يأمره أن يضع نفسه تحت تصرف أخيه الملك ابن سعود، ويمتثل أوامره ويجدّ في البحث حتى يصل إلى الحقيقة، وقامت حكومة اليمن لما علمت بأن المعتدين باسم يمانية، فألفت لجنة خاصة بتحقيقات واسعة النطاق، وأفادت بأن علي بن علي الحاضري كان ضابطًا صغيرًا في الجيش المتوكلي، وقد استأذن تلك السنة لأداء فريضة الحج، أما صالح بن علي الحاضري فقد كان متغيبًا في خارج القطر ثم عاد في تلك السنة وحث أخاه التقدم على الحج، كما أن مبخوت بن مبخوت كان مستخدمًا في الجيش المتوكلي وقد سافر إلى الحج بدون رخصة، فيعد هاربًا وتقع التهمة على صالح بن علي بصفته متغيبًا زمنًا طويلًا، ثم عاد وشوق الاثنين إلى الحج، كما أن محمد راغب وزير خارجية اليمن بعث ببرقية إلى وكيل وزير خارجية المملكة العربية السعودية يقسم فيها بالله ثلاثًا بالبراءة التامة من الحادث والجهل به، كذلك بعث عبد الله بن يحيى جوابًا يقسم فيه بالله أن أباه وأخوته يبرؤون إلى الله من هذا الحادث الذي لا يقدم عليه إلا من فقد إنسانيته. ومهما كانت الأحوال فإن المجرمين كانوا من أهل اليمن، بل ومن رجال الجيش، ويتطرق إلى الأوهام أنه بتدبير سيف الإسلام أحمد بن يحيى، كذا يذكرون بأنه على اتصال برجال حزب الأحرار الحجازي، أو يكون بتدبير حسين الدباغ الذي بعثه أمير الأردن عبد الله بن الحسين إلى اليمن يسعى بالفساد. وفيها في ابتداء المحرم سافر مهندس الكهرباء إسماعيل الذبيح لاستلام ماكنة كهرباء أهداها رجل من أهل الهند اسم سر محمد خان نواب بهادر رئيس أعظم بهيكم، أهداها للمسجد الحرام بأدواتها، وكانت ماكنة عظيمة تحتوي على قوة اثنين وخمسين حصانًا، ولها دينامو قوة ٢٢٠ فولت ٣٤ كيلوات تضيء ألف لمبة، فسافر المهندس من مكة إلى الهند وأقام بالهند بضعة أشهر لأجل أن يقف على تركيب أدواتها، وقدم بها في أوائل شهر ذي القعدة من هذه السنة يصحبها ما أهداه أهل الفضل من الهنود من أهالي كانفور، ولكنو، وكراتشي للمسجد الحرام من أسلاك

стр. 1090

ولمبات وثريات، وثمانية كشافات كهرباء قوة كل لمبة ألف وخمسمائة شمعة، ولا شك أن هذا عمل طيب، نسأل الله القبول والإثابة. ثم دخلت سنة ١٣٥٤ ه ـ ففيها استقر القضاة والمرشدون والأئمة الذين بعثهم ابن سعود إلى جيزان وأبها ونجران وصبيا وصامطة وأبو عريش وفراسان ومحايل وبارق وفيفاء والبرك وغيرها، وقاموا ينشرون دعوتهم إلى الله ، وينهون عن المنكر الذي وجدوا أهالي تلك المقاطعات عليه من السحر وعبادة الأوثان والسلخ الذي اعتادوه، وكانوا إذا كسف القمر أشعلوا نيرانًا عظيمة ظنًا منهم بأن القمر يضل منازله فيضيئون له، وكانت النساء سافرات الوجوه مع الرجال، مختلطات وممتزجات، فحصل بسبب هذه الخلطة مفاسد كثيرة حتى قام الدعاة بإبطال ذلك. أما السلخ المذكور فكانوا قد اعتادوا من خرافاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان أنه إذا أوشك المراهق على البلوغ رفع على دكة أو موضع عالٍ لختانه، وسلخ ذكره إلى سرته وما حوالي ذلك بزعمهم لأن لا ينبت الشعر على ذلك الموضع، عادة سلكوها وطريقة ضلوا فيها ما أنزل الله بها من سلطان، فإذا رفع ذلك المختون ودعي إليه الخاتن الذي أعد عدته للسلخ حضر أقرباؤه وعصبته وذو رحمه، فيقوم المسلوخ وقت السلخ قد انتضى سيفه، وكذا سائر أقربائه، ويؤتى بزوجته التي سيعقد له عليها فتجلس أمامه، تقوم الأسرة تشجعه على الصبر وعدم الاستكانة لذلك، ومن عاداتهم أنه لو يجبن أو يبكي أو يتأثر لهذا العمل فإن زوجته لا تقبل زواجه، وقد دأب جلالة الملك الراحل في إزالة هذه البدع حتى قضى عليها، فآخر عمل عمله ضد هذا السلخ أن قطع أيادي من لم ينزجر عن السلخ حتى ارتدعوا عن ذلك، فعياذًا بالله من الجهل وغرور الشيطان، إن الشريعة المحمدية جاءت بمشروعية الختان، وهو أن تؤخذ جلدة الحشفة لا غير، والواجب علينا أن نتقيد بالسنة ونحافظ عليها، وأن لا نلتفت إلى ما اخترعه الأغيار، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 1091

ذكر إمارة عبد الله بن فيصل في بريدة ١٣٥٤ ه ـ لما كان في هذه السنة عزل جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن عن إمارة بريدة مبارك بن مبيريك، وجعل مكانه عبد الله بن فيصل بن فرحان من آل سعود، وكان شابًا عاقلًا، ولما أن قدم بسياراته إلى المدينة ذهب مبادرًا بالسلام على القاضي عمر بن محمد بن سليم في بيته، وسعى إلى الملأ من الأهالي في بيوتهم، وكان قدومه في منتصف السنة يصحبه أهله، وفي صحبته أخوه الأمير فهد بن فيصل، وكان رجلًا حازمًا مؤازرًا لأخيه، وقد قام لذلك الأمر الأمير الكبير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي أمير ناحية الجبل يؤطد المسألة، واستقر الأمير عبد الله في إمارة بريدة، وكان في مبتدأ الإمارة له تدابير حسنة، وسياسة جميلة، ولبث في الإمارة اثنتي عشرة سنة. وفيها في ٩ رجب وفاة الشيخ محمد بن عثمان الشاوي قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، وهذه ترجمته: هو العالم العلامة الفاضل الزكي البارع في العلم والمعرفة، محمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن سليمان البقمي الأزدي من أزد شنوءة، وقد اشتهر بلقبه، ولد في بلدة البكيرية سنة ١٣١٣ هـ، ونشأ فيها، وفي السنة الثالثة من عمره أصابه الجدري فذهب بصره بسببه، وقرأ القرآن وحفظه وله من العمر ١٤ سنة على يد الشيخ محمد بن علي بن محمود، ثم تلقى مبادئ العلوم على يد الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم في البكيرية، ثم إنه رحل إلى الرياض لطلب العلم، فأخذ عن علماء وقته في الرياض عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله بن راشد، وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس، وعن الشيخ محمد بن عبد اللطيف وغيرهم من آل الشيخ، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ عبد الله بن سليمان آل بليهد. أما الذين أخذوا عنه العلم فمنهم: الشيخ عبد الله بن يوسف الوابل، وأخذ عنه

стр. 1092

الشيخ إبراهيم بن راشد الحديثي، وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن سبيل، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن المقوشي، وأخذ عنه الشيخ محمد بن صالح الخزيم، وأخذ عنه أيضًا الشيخ سليمان بن صالح الخزيم، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الخضيري، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن سليمان السديس، والشيخ إبراهيم بن عبد العزيز الخضيري، وهؤلاء من أبناء وطنه، وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل، وأخذ عنه عدد كثير، وكان ﵀ عالمًا ورعا حسن السيرة، دمث الأخلاق، سخيًا كريمًا ومشهورًا بعلم الأدب، وله في علم العروض اليد الطولى، وله قصائد مشهور، فمنها قصيدته في فتح مكة المشرفة، وتهنئة الفاتح قال في معرض أبياتها: فأم القرى تدعوك قد مسها الضنا ... وقد مرضت من فعل طاغٍ وناكب أتتك تجر الذيل هيفا مليحةً ... معندمة الخدين أجمل كاعب وقد عزفت عن كل بعلٍ وخاطبٍ ... لأجلك يابن الأمجدين الأطائب فهيئ لها مهرًا من البر والتقى ... وطهر حماها من جميع المعائب وحكم بها شرع الإله ودينه ... تنل من إله العرش أسنى المطالب فكن شاكرًا الله ﷻ ... فقير الأيادي شكر مسدى المواهب إلى أن قال: فإنا بحمد الله لا رب غيره ... على المنهج المختار ختم الأطائب فلا ندع غير الله ﷻ ... تقدس عن ندٍ مقولٍ لكاذب وندعو إلى التوحيد سرًا وجهرة ... إلى أن يكون الدين خالي الشوائب ونأمر بالتقوى وننهي عن الردى ... وندعو لحج البيت لا فعل كاذب ومن صد عن ذا أو تمرد واعتدى ... سنسقيه كأسًا من سموم العقارب ونلقمه صخرًا ونشدخ رأسه ... إلى أن يرى للدين أول لاحب وقل للعدى في كل قطرٍ وجانبٍ ... وكل النواحي عجمها والأعارب أنيبوا وإلا فاستعدوا وأجمعوا ... لبيضٍ وفرسانٍ وجرد شوارب

стр. 1093

جنود تريكم في ضيا الشمس ظلمةً ... ترى البيض فيها كالنجوم الثواقب إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب إلى آخرها، ومنها قصيدة في الرد على فتى البطحاء، وتقدم نزر يسير منها، وهي طويلة، وقد قدمنا له أيضًا، وقد تولى القضاء وله من العمر ٢٣ سنة في هجرة سنام المشهورة للعصمة من أعمال العرض، ونقل إلى قضاء الغطغط، وقد حضر عددًا من الفتوحات للحجاز ثم جعل مدرسًا في المعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة مع التدرس في تلك الجهات، وكان من أشهر رجال العلم والدين والأدب والأخلاق الطيبة، ثم تولى القضاء في تربة ثم نقل إلى قضاء شقراء، وبها توفى وله من العمر أربعون سنة، وقد خلف ستة بنين، واهتم لوفاته صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بعد جهود بذلها لعلاجه، وقد رثاه الشيخ محمد بن عبد العزيز، بن هليل بهذه القصيدة: نرضى بما قدر الرحمن مولانا ... وما يكون وما من أمره كان والحمد لله حمد الصابرين على ... أقدار ذي العرش تسليمًا وإيمانًا إلا فأنا له ماض تصرفه ... فينا لعمري إلا إليه رجعانًا قضى وقدر أن الموت دائرةٌ ... كؤوسه في الورى لم تبق إنسانًا فأين عادٌ وكسرى وابن ذي يزن ... ومن يؤآزرهم ومن لهم عانا لم يمنع الموت عنهم حاجبون ولم ... يبقَ البلى لهم صياحًا وإيوانا بل أين صفوة خلق الله قاطبةً ... وأرجح الناس عند الله ميزانا تجرع الكل كأس الموت وانتقلوا ... عن هذه الدار شيبانًا وشبانا فتلك موعظة لأنفس فجعت ... أضحت وقد لقيت همًا وأحزانا على تقي نقي عالمٍ علم ... شيحٌ ذكىٌ حيىٌ حاز عرفانا هو الذي حمدت في الناس سيرته ... محمد شيخنا الشاوي ابن عثمانا أكرم به من فتى ما كان أكرمه ... جودًا ومجدًا وأخلاقًا وإيمانا ساع إلى الذكر والخيرات متبعًا ... داع إلى الله إسرارًا وإعلانا

стр. 1094

لكل ذي ثقةٍ صفت مودته ... ما شابها كدرٌ أو شائنٌ شانا وواصل مع بن الوالدين ولم ... يضمر لإخوانه حقدًا وأضغانا من الدعاة الأولى للدين قد نصروا ... وهدموا من بناء الشرك أوثانا نالوا من الفقه والتوحيد مع أدبٍ ... كانوا وربي لهذا الدين أركان ففاق في الفقه والتوحيد مع أدب ... والحفظ والفهم للمعلوم أقرانا فذكره يغني عن عدي مناقبه ... كفى بذلك عما قلت برهانًا يا لهف نفسي ويا حزناه يا أسفي ... على فتى فاضلٍ أضحى وقد بانا قد كان لي والدًا بالنصح ينصح لي ... حانٍ على رقيق القلب حنانا فعيني رؤيته وسمعي نغمته ... وكفي راحته يبكين فقدانا فما حمام على أيك مرزءةٍ ... مرجعاتٍ بطول الدهر أشجانا يدلكن بالأرض أكبادًا مليعةٍ ... يسبلن دمعًا كسفح المزن هتانا يندبن فرخًا من الأفراخ ذا زغبٍ ... لا يستطيع مع الأطيار طيرانا تخطفته من العقبان جارحةً ... وما به قصدت رحمًا وإحسانا يومًا بأحزن مني حين غيبه ... لحدٌ وسُربلَ بعد النزع أكفانا فالله يسقي ضريحًا حله ديما ... من سحب عفو ويرضى عن رضوانا يا رب أبقٍ لنا أشياخ ملتنا ... للدين والعلم والإسلام أزمانا أعلام حقٍ نجوم المجد ثاقبةً ... أفق الهداية من أنوارهم زانا تنفع بهم طالبًا للعلم مجتهدًا ... وتهدي ذا حيرة وترم شيطانا ثم الصلاة على الهادي بسنته ... والصحب والآل من بدينه دانا والتابعين لهم ما قال قائلنا ... نرضى بما قدر الرحمن مولانا وممن توفى فيها من الأعيان أيضًا الشيخ التقي الأديب الفاضل محمد بن عبد الله آل خنين رحمه الله تعالى وعفا عنه، وكان تقيًا ورعًا زاهدًا، وقد طلبت من أخيه لأمه الشيخ الفاضل راشد بن صالح بن خنين أن يجود علينا بترجمة أخيه عبد الله، فبعث إلي بهذه الترجمة التي سأجعلها على سبك تأليفنا:

стр. 1095

هو الشيخ الورع الزاهد التقي الفاهم النبيه محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن خنين العائذي القحطاني من عبيدة قحطان، ولد في بلد الدلم من الخرج في العام الثامن والعشرين بعد الثلاثمائة والألف تقريبًا، وقرأ القرآن في باكورة عمره، وحفظه عن ظهر قلب، ولما أن كان عمره نحو تسع سنوات توفى والده، فبقي المترجم في حضانة أمه، وبعد مضي فترة من الزمن تزوجت والدته بصالح بن خنين، فوهب الله لها منه راشد بن صالح، وكانت تارئة للقرآن كثيرة الخوف من الله تعالى، مع ما جلبت عليه من السخاء وجودة الرأي فأحسنت تربية ابنها محمد وتوجيهه، وكانت تجود بما تقدر عليه من الإحسان إلى المعلم، وتحرضه على ملاحظة ابنها وتشجيعه، وتحذره من ضربه، وتشترط عليه أن يكون ابنها بجانبه ليهاب ويجتنب العبث، فكان من حسن تلك التربية أن نشأ الابن على حالة جميلة، وهكذا كانت حالتها في تربيتها لابنها راشد، فبقي المترجم بعد حفظه القرآن يتذاكر مع بعض طلبة العلم في وطنه، حتى عين الشيخ العلامة الفقيه عبد الرحمن بن عبد الله بن سالم قاضيًا بالدلم، فدرس عليه في التوحيد، والفقه والحديث، ولازمه كثيرًا حتى نبغ من بين أقرانه، وكان شيخه المذكور يجله ويقدره لما يرى من أكبابه على الطلب وعظمة اجتهاده، ولما يتخايله فيه من الذكاء وحسن السلوك، ثم إنه غادر بلده إلى الرياض فدرس بها على شيخنا علامة الملكة العربية السعودية ومفتيها ورئيس قضاتها الشيخ محمد بن إبراهيم، فقرأ عليه في التوحيد والعقائد والفقه وأصوله، والحديث ومصطلحه، والنحو، وكان من زملائه حال دراسته عليه جماعة من المشايخ من بينهم الشيخ الفاضل عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ عبد الله بن يوسف، والشيخ عبد الله بن عمر بن دهيش وغيرهم. وكان المترجم ﵀ موضع الثقة والتقدير عند شيخه وزملائه لذكائه وتواضعه وحسن خلقه، ولما أن كان في أثناء عام ١٣٥٣ هـ عين قاضيًا لبلد الحريق، فعظم عليه ذلك واشتد خوفه وقلقه، وطال بكاؤه، وذلك لورعه وخوفه، وحاول الخلاص واجتهد في طلب العافية من القضاة، فأصرَّ ولاة أمره على إلزامه بهذه

стр. 1096

الرتبة، وإن كان لها كارهًا عفى الله عنهم، فسافر مكرهًا وقدم على أهله في الدلم البلد المعروف في الخرج، لأنه لم يتمكن من المخالفة، وأقام بين أقاربه ومحبيه محفوفًا بالإكرام والاحتشام، وجعل يواصل الإرشاد والوعظ بالمسجد الأوسط بالدلم، وكان كثيرًا ما يقول: "اللهم رد بي خيرًا" ولما كان في شهر ذي القعدة من تلك السنة عزم على الذهاب إلى بلد الحريق مكرهًا وهو بغاية الخوف، وواعد الجمالة وأعد الأثاث للنقل، وفي صبيحة يوم الجمعة الموافق لليوم الأول من شهر محرم ١٣٥٤، وصلي عليه بعد صلاة الجمعة، وقد خرج مع جنازته الجم الغفير، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته، وكان يقول لوالدته وهو في مرضه ابنك هذا الضعيف سيولى على الآلاف من الرجال والنساء والصبيان، وهذا مما دل على ورعه وشدة تخوفه من تولي القضاء، وخطر منصبه وإني لأرجو أن يكون ممن قال الله فيهم: ولمن خاف مقام ربه جنتان، هذا وقد كانت حالته تحزن وتبعث الأسى والترحم، قال الشيخ راشد: وكنت حال وفاته صغير السن ولكني عند كتابتي لهذه الترجمة أثارت ذكرياته ﵀ شيئًا في نفسي فقلت هذه الأبيات الآتية: كل الخلائق للفناء مصيرهم ... والكل يجزي في المعاد بكسبه ما في الحياة مخلدٌ لوكان ذا ... ما مات أفضل ناصحٍ ومنبه إني أعزي النفس في فقد الذي ... جمع الزهادة والتقى أكرم به طلب العلوم فنالها بتفوقٍ ... وقلى المناصب خشيةً من ربه برح الرياض مفارقًا أقرانه ... والخوف يسكن في قرارة قلبه علم الكريم بصدقه فأجابه ... ومضى محمد راغبًا في قربه رحم الإله محمدًا وأثابه ... بالأمن من غضب الإله وحربه يا رب وامنن بالثبات على الهدى ... واسلك بنا نهج النبي وصحبه وعندما تم لابن سعود القضاء على جميع الثورات رغب أنصار ابن سعود وعلى رأسهم إبراهيم بن معمر الوزير الفوض للملكة العربية السعودية في بغداد أن ينضم تحت لواء ابن سعود الذين شردوا من الحجاز كطاهر الدباغ،

стр. 1097

وعبد الرؤوف الصبان، ومحمد عبد الله صادق، وعبد الحميد الخطيب، ومحمد الطويل، وعبد الوهاب قزاز، وعبد القادر غزاوي، فأصدر صاحب الجلالة مرسومًا ملكيًا رقم ٢٣/ ١٩/١: نحن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية بعد الاعتماد على الله: نظرًا لرغبتنا في أن يكون جميع أبناء شعبنا متكاتفين متعاضدين على ما فيه خدمة وطنهم وأمتهم، ونظرًا لزوال الأسباب التي أوجبت في السابق وضع بعض القيود والتوقيعات ضد أبناء هذه البلاد من رعايانا المقيمين في الخارج من منعهم من العودة إلى البلاد والإقامة فيها، فإننا نأمر بما يأتي: المادة الأولى: تلغى التدابير المتخذة ضد بعض رعايانا الممنوعين من دخول البلاد والأقامة فيها والعودة إليها، ويسمح لمن أراد العودة منهم بالدخول والإقامة إذا قام بالشروط الموضوعة لذلك. المادة الثانية: على من أراد أن يشمله العفو الممنوح بالمادة الأولى أن يراجع الحكومة بذلك رأسًا أو بواسطة ممثليها في الخارج لأجل إتمام المعاملة اللازمة لذلك. المادة الثالثة: على وزيري الداخلية والخارجية إنفاذ مفعول أمرنا هذا. صدر في اليوم ٧ من شهر شوال سنة ١٣٥٣ هـ فبادر بالعودة إلى الحجاز كل من الشيخ محمد الطويل، وعبد الوهاب قزاز، وعبد القادر غزاوي، فشمل ابن سعود رئيس الحزب محمد الطويل بعطفه وأكرم مثواه وعينه ناظرًا لعموم الجمارك، وأقطعه أراضي زراعية واسعة، وعين الثاني رئيسًا لنقابة السيارات، وإنما أصدر جلالة الملك عبد العزيز مرسومًا ملكيًا فيه العفو عنهم، والسماح لهم بدخول المملكة إظهارًا لحلمه ولتمام دهائه، وغوره في السياسة إغاظة للاعداء، ولعل أن يكونوا كولي حميم، وكان قدومهم في هذه السنة فقدموا وذهبوا إلى الرياض لمقابلة الملك، وكانوا على وجل شديد خشية أن ينكل بهم،

стр. 1098

فأكرمهم غاية الإكرام وجعلهم في الوظائف الضخمة قائلًا لهم: عفوت عنكم عن الماضي، فعاهدوا على الإخلاص، وقاموا في الدعاء والمديح والثناء على جلالته، وجعلوا يخطبون أمامه ويعتذرون بكل ما يستطيعونه، وصدقوا معه وأخلصوا وسعدوا. وفيها تم تركيب الماكنة المتقدمة ذكرها، وذلك في آخر شعبان، فأضيء بها المسجد الحرام في ابتداء شهر رمضان، وأصبح مدار المطاف من قوة نورها كان الشمس لم تغب عنه، ووضعت الثريات الكهربائية أمام أبواب المسجد الحرام، وأمام المقامات، ووضع في مقابلة الحجر الأسود كشافة كهربائية بقوة ألف وخمسماية شمعة، وقد ضبط النور الذي في عموم الأروقة والأبواب والمقامات والثريات وإدارة المطاف فبلغ تقدير إضاءته خمسًا وثلاثين ألف شمعة، أما اللمبات فإنها تبلغ ألفًا وثلاثمائة لمبة على اختلاف حجمها وتفاوت قوتها، وزادت الإضاءة في المسجد الحرام قريبًا من عشرين ضعفًا عما هي عليه زمن الدولة العثمانية، بل عما هي عليه من مدة عشرين سنة من حين ركب الكهرباء واللوكس. ذكر عمارة المسجد الحرام ١٣٥٤ ه ـ فيها صدر أمر صاحب الجلالة السعودية الملك عبد العزيز بإحضار عمال يصلحون جميع ما يلزم للمسجد الحرام من عمارة وإصلاح وتجديد كل ما يلزم تجديده من أبواب وطبطاب وغير ذلك، وعهد بهذا الأمر إلى نجله فيصل، وكان ذلك في ١٢ شعبان، فأصلحت الأرض وفرش ما حوالي المطاف بالحجر الصوان والمماشي، ورصفت رصفًا جيدًا متقنًا، وأصلحت الحصاوي وأرضية الأروقة، ورصفت وأزيل كلما كان قد خرب فيما قبل ذلك، ثم نقض جميع ما أسبخ من جص جدر المسجد الحرام، فأصلح وجصصت بالأسمنت والنورة لكي تمنع تسرب الرطوبة إلى الجدر المذكورة، وأصلح العقد الموالي لباب الصفا إصلاحًا تامًا، ورخم عموم المسجد الحرام من داخله وخارج الأبواب، وبيت زمزم، ورممت الشقوق

стр. 1099

الواقعة في بعض قباب المسجد الحرام، وصبغت الأساطين والأبواب، وداخل الأروقة بالصبغ الأسود والأصفر والأحمر العنابي، وأساطين النحاس التي حوالي المطاف صبغت باللون الأخضر، ورأس كل اسطوانة منها ووسطها بلون الذهبي، وكذلك المقامات الأربعة جددت صباغها على حسب ما هي عليه سابقًا، وكذلك أصلح باب بني شيبة ونقشه بالأصبغة المناسبة، وكذلك له صبغ واجهة عموم أبواب المسجد الحرام، وباب بئر زمزم باللون المناسب لها، ثم أصلحت أبواب المسجد الحرام بالخشب القوي وإزالة ما بها كان من العطب والخراب، وكذلك أزيلت الأتربة الواقعة في حصاوي المسجد الحرام، ونظفت وفرشت بالحصباء النقية، فبلغ ما أنفق على هذا العمل الصالح "١٢٤٨٣" ريالًا عربيًا سعوديًا، تفضل بنصف المبلغ المذكور صاحب الجلالة من بذله، والنصف الآخر من أوقاف الحرمين، ولقد كان الأولى أن يكون من مديرية الأوقاف صرف جميع ما يلزم، هذا هو ما جرت به العادة القديمة، ولكن لما حبست الأوقاف التي ترد من أهل الخير وكرماء المسلمين والأجواد الفضلاء المحتسبين من الملوك والسلاطين، وأهل الإحسان في مشارق الأرض ومغاربها، وجارت عليها الأيدي الغاصبة، وحبس ذلك الريع، وأكل وانقطع وروده أصبحت إدارة الأوقاف عاجزة عن القيام بهذه العمارة، واستمر العمل من ١٥ شعبان إلى ٢٤ شوال، فكان على غاية من السرعة، ولا يزال الإصلاح دائمًا ولله الحمد والعمل جاريًا بهمة ونشاط على الدوام، نسأل الله تعالى أن يعمرها بطاعته. وفيها شرع في عمارة مسجدين في جنوبي بريدة قام بعمارة أحدهما قاضي المقاطعة الشيخ عمر بن محمد بن سليم متبرعًا به من نفقته الخاصة، وقام بعمارة المسجد الثاني الواقع عنه غربًا رجل من آل بطين كان محبًا للخير، ويعدّ من ذوي الثروة، وجعل هذا لمسجده ثلاثة بيوت: بيتًا للإمام، والثاني للمؤذن، والثالث لإصلاح بئر المسجد وحنفيات الوضوء، فجزى الله المحسنين خيرًا، وكانا متجاورين وعمارتهما معًا.

стр. 1100

وفاة الأمير عبد الله بن جلوي أمير الأحساء ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الأمير الكبير العظيم الخطير، والعلم السامي الشهير الشجاع القدام، والباسل الهمام، الذي رجفت هيبته القلوب، وكشف بصارمه كياهب الخطوب، أبو فهد عبد الله بن جلوي بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود آل مقرن، ولد في سنة ١٢٨٧ هـ، وكان أحد النقباء الذين اختارهم صاحب الجلالة عبد العزيز في أول ظهوره، فسطى المترجم حينما هجم على الرياض، وشوهد من الأمير عبد الله جراءة وبسالة تضمحل دونها شجاعة الأبطال، وكان هو الذي أمسك عجلان، فأصبح موضع الثقة من ابن سعود بصفته ابن عمه وعضده الأشد في أول أمره، ويعده للنوائب لما له من الصرامة والفتك الشديد، وكان يحصد الرؤوس حصدًا تضرب به الأمثال، حتى أخاف المفسدين وأرعب المجرمين، وأمّن المسافرين، أضف إلى ذلك عدلًا وإنصافًا، وقوة في الدين، وحبًا لأهل الفضل، وناهيك بهذه الأوصاف التي يندر مثلها في سائر العالمين، ولما دخلت بريدة في ولاية ابن سعود للمرة الثانية وأخذ عنها تجربة لما كان أمراء آل مهنا عليه من الخلاف، وكثرة التمرد، جعل عليها عبد الله بن جلوي لما يعرفه عنه من المقدرة والصلاحية التي تؤهله لعلو المناصب، ولما أن قدمها وجد الأهالي يعانون التعب والمشقة لحفظ أموالهم، فمنع النظارة وأعلن للأمة أن من سرق له شيء فليأتي إليه، فهابته الأمة وسكنت المتحركات، وأمنت السبل. ولما استولى صاحب الجلالة على مقاطعة الأحساء والقطيف، ورأى أهل تلك النواحي عتاة قساة نقله من إمارة مقاطعة القصيم وجعله في الإحساء، ورماهم بهذا الأسد في براثنه، وقد خلد في امارة القصيم آثارًا لا تنسى إلى آخر الدهر، فمن ذلك: أن رجلًا سبَّ عنده أهالي القصيم ليتزلف بذلك لديه، فلما قام من عنده بعث اليه رسولًا وقال له: إن الأمير يقسم بالله لأن عاد إلى تلك المسبة

стр. 1101

لأقتلنه، وهو على وسادته في بيته، وكان ﵀ له يد شديدة يضرب بها المثل في طول الجزيرة وعرضها، فلا يذكر اسمه أمام البدوي إلا ويضطرب قلبه خوفًا ووجلًا، وهذا لعمر الله الأمر الذي يستقيم به الملك وترتاع الظلمة، وتهدأ الأحوال، وتستريح به البررة، وتصفد منه الفجرة، فمن يدخن يؤدب، ومن لا يصلي يبسط على الأرض ويضرب بالرطب من عسيب النخل، ومن يختلس أو ينهب فإنه يقطع، وأوامره تنفذ بسرعة ودون محاباة ولا تردد، وقد كان استتباب الأمن في الجزيرة أول مظهر هذا العدل الشديد القوي، فقد يسير المسافر وحده ومعه الأموال على الجمال لا يعرض له في طريقه أحد، ولا يسأله عن شأنه بدوي، بل كان المسافر يمشي وحده بأحمال الذهب والفضة ولا يخشى إلا الله، وقد كان منذ أعوام خلت لا يستطيع أحد أن يسير إلا في عصبة من الرجال ومعهم الحديد والسلاح، ثم لا يوفقون إلى السلامة، وما لم يكن هنا سطوة تخشى على البعد، وتجتنب لأجلها أسباب الريبة، والوتوع في المظالم، فلا بد من وقوع النهب والسلب والقتل، فحيا الله رجال العمل والأخلاص والعدل، الذين يدأبون في سبيل راحة الشعب وأمنه الذين يسعون في بناء مجد أمتهم ويسهرون لمصالحها وإشادة عزها، وما تقدم شعب إلا برجال من أبنائه يؤمنون الخائف، ويردعون الظالم، ويعدلون في القضية، ويحكمون بالسوية، ويتفقدون أحوال الرعية، فلا تحفظ الدماء والأموال والأعراض، وتصلح البلاد ويسود فيها الأمن والطمأنينة إلا بإقامة الحدود وقطع الأكف الأثيمة، وسد أنواه الذين لا يعرفون ما يدخلون فيها ولا ما يخرجون منها، فبذلك يكف عن العدوان وقتل النفوس البريئة وإثكال الأهالي وترميل النساء وإيتام الأطفال، وينقطع دابر الفساد وانتشار الفوضى، وإحداث القلاقل والاضطرابات. ذكر شيء من صرامته وبطشه بالمجرمين لما كانت أمراء بني أمية فيها الشجعان وأهل الصرامة والقوة والمقدرة "كزياد بن

стр. 1102

أبيه" وابنه عبيد الله، والحجاج، وموسى بن نصير، والبطال، فلا ننسى ما لهذا الأمير من الشجاعة والجراءة والأخذ على أيدي العتاه والمفسدين، وإليك بعضها: جاء ذات يوم إلى قصر جلالة الملك في الرياض بضعة رجال من بني مرة يطلبون عيشًا وكسوةً، فكان لهم ما يبغون ثم ارتحلوا فمروا في طريقهم ببعض الأباعر ترعى فساقوها أمامهم نهبًا وقهرًا لأهلها، فشكى أهالي الأباعر إلى جلالة الملك عبد العزيز، فبعث بنجاب يحمل الخبر إلى أمير الحساء عبد الله بن جلوي، فما وصل إليه الخبر حتى تحركت أسباب السعي في إحضارهم والبحث عن الأشقياء اللصوص، فما هو إلى أربعة وعشرون ساعة حتى جاءوا بهم والأباعر المسروقة ومثلوا أمام عبد الله بن جلوي، فكان سؤال وجواب، ثم أمر بهم إلى الساحة، وساحة الإعدام شيء هائل فظيع يركعون فيها المذنب على ركبتيه ثم يرقص أمامه معاون الجلاد ليلهيه عن السيف المرفوع فوق رأسه، ثم يكزه السياف وكزة سريعة يتحرك معها الرأس إلى الإمام فيتقلص عصب الرقبة فيضربها السياف إذ ذاك ضربة واحدة يطيح معها الرأس إلى الأرض، وفي ذلك اليوم لمع سيف الأمن لمعات ثمان في ساحة الهفوف فوقعت على الأرض ثمانية رؤوس من يني مرة. وأتي إليه لص فأخبره أنه رأى كيس أرز قد سقط في موضع كذا، فقال له وما أدراك بأنه أرز؟ قال: حسسته بإبهام رجلي، فأمر به فقطعت رجله التي مسه بها. وسقط حمل بعير على الأرض وتعلقت الحبال به فما تدر أحد الدنو منه خشية أن يسرق فتكون التبعة عليه، وهلك البعير لما لم يكن صاحبه موجودًا. وذهب العمال مرة لخرص الثمار وتزكية المواشي، فلما قربوا من بعض القبائل قام رجل من القبيلة وركب فرسه وجعل يتهدد ويتوعد العمال أن لا يزكوا، فأحجم العمال وكفوا خشية أن يكون ذلك عن ممالاة من القبيلة كلها، فقام إلى العمال قبيلة الرجل وهم العجمان قائلين: اتركوه وجهله وزكوا الأموال فإنه رجل جاهل مسكين، ووقف العجمان يطالبون بالتزكية وليس من العدل أن تؤاخذ بجريمته، فقام العمال بشأنهم وزكوا الأموال ورجعوا يخبرون أمير الإحساء بما صدر

стр. 1103

من الرجل الفارس، فبعث بالحال إليه وأتي به مقيدًا بالحديد، وجاء العجمان على أثره ليشفعوا له، فابى إلا أخذ فرسه منه، ولما سلبها بعث الرجل أسبابًا يستجلبها، وكثرت الشفعاء لدى الأمير فناوله إياه، وبعدما أخذ بلجامها مغنمًا السلامة بعث معه برجل من رجاله وأوعز إليه بأن يشق بطنها ويقتلها. وجاء إليه فلاح يشكو جمالًا بأنه أرسل بعيره وأكل ثمرة إحدى نخله، فدعى به إليه فأنكر ذلك، فقال: سنشق بطن البعير فإن كان البسر فيه فقد خسرته، وإن لم يكن كذلك فسيقوم صاحبك بغرامته، ففعل ووجد ذلك صحيحًا، وكان ثمرة ذلك أن أصبحت القوافل عن حديث هذا البطش الشديد والعدل السريع، تسير ثمانمائة ميل شرقًا وغربًا وثمانمائة ميل جنوبًا وشمالًا في ملك ابن سعود ثم لا يتعرض لها أحد بخير ولا شر، ولقد كان المترجم من أشهر أمراء ابن سعود وأكبرهم همة، وأشدهم تعصبًا للعدل، يجلس في كرسي القضاء والنظر في الجرائم وحده فلا تجلس معه الرحمة ولا المحاباة، فيأمر بالقطع والنطع ولا يبالي، وكان اسمه يرعب الجرمين وذكره يثير الخوف في قلوب العالمين: فمن مثل عهد الله في الناس كلهم ... له سطوةً بين الورى في المشاغب وكان لعمري آية في زمانه ... وذا همةٍ تسمو لعالي المناقب له في التقى حظٌ وفي الحزم سورةٌ ... تظل لها صرعى رقاب الأجانب وأهل الحمى تخشى بوادر بطشه ... فكلًا ترى من حادثات النوائب يقضي زمانًا في المعيشة جاهدًا ... وليس له هم بفعل المعائب يراقب ليثًا حاميًا لعرينه ... ثقيلًا على أهل الخنا ذا مخالب له شيمةٌ تأبى الدنايا وهمةٌ ... تسامى بها فوق النجوم الثواقب فحدّث عن الشهم الهمام فإنه ... بذكر العلا أوصافه بالعجائب لقد أمن الله البلاد بعدله ... وسيفٌ على الفجار عطب المضارب أبى الله أن يرضى عزيزٌ بخطه ... تخوله غير العلا في الطالب لأن كنت يا عبد الإله معظمًا ... بذكر سرى بين الورى والسباسب

стр. 1104

فقد كنت فخرًا للعروبة كلها ... وردمًا عظيمًا هابه كل خائب تغمدك الرحمن منه برحمةً ... وعفو وغفران من الله ساكب ونرجوا لك المن الجزيل برأفةٍ ... تقيك من المولى شديد اللهائب ثم دخلت سنة ١٣٥٥ ه ـ ففيها تمت عمارة مسجد الشيخ عمر بن سليم وعمارة مسجد أبي بطين جزاهما الله خيرًا، وأخذت مدينة بريدة تمتد من جهاتها الأربع وتسير قدمًا تريد أن تشق الطريق لسائر مدن القصيم، وأخذ حزب الأحرار القادمون إلى وطنهم يعرضون آراءهم ويمهدون سبيل تقدم المملكة لدى صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن، ويعملون له بإخلاص، وأصبحوا بعدما كانوا الأعداء الألداء أبناءً كرامًا تحت خدمة مليكهم، فعين صاحب الجلالة طاهر الدباغ مديرًا للمعارف وأسند إليه إدارتها العامة، وأسند مديرية إحصاء النفوس العامة في المملكة إلى محمد عبد الله صادق، وعين عبد الرؤوف الصبان عضوًا في مجلس الشورى، فبث أمير الأردن بكتاب إلى عبد الحميد الخطيب مستنكرًا رجوع طاهر وأصحابه إلى الحجاز، وكيف جرى منهم ذلك، فأجابه الخطيب أن نعم وقد انحل حزب الأحرار وانضم إلى مليكه ابن سعود، لأنه عرف كيف يستميل خصومه، بينما أنكم لم تستطيعوا الاحتفاظ بأصدقائكم. وفيها في يوم الثلاثاء ٧ صفر ولى أهل مصر الملك فاروق بن الملك فؤاد بن عظيم مصر الخديوي إسماعيل، وذلك في موافقة ٢٨ ابريل عام ١٩٣٦ م، وتولى سلطاته الملكية في ٢١ جمادى الأولى من السنة القادمة الموافق ٢٩ يولية ١٣٣٧ هـ، فخلف والده فؤاد الأول على عرش مصر، وهللت مصر لذلك واستبشرت بصفته إذ ذاك فخر شباب مصر وممثل مجدها الطارف والتليد، وصفوة أخيار ملوكها الغر الميامين، ولد فاروق الأول بسراي عابدين بمصر يوم الأربعاء ٢١ جمادى الأولى سنة ١٣٢٨ هـ، وجعل الشعراء المصريون يمتدحونه ويهنؤنه:

стр. 1105

خشعت لفيض جلالك الأبصار ... وزكت بمسكٍ خلالك الأشعار وتوسمت مصر العلا في طلعةٍ ... قد حفها الإجلال والإكبار ملكٌ تغار النيرات إذا بدا ... أسمعت أن النيرات تغار ودت لو اشتملت بفضل ردائه ... هيهات ثوب المجد ليس بعار شتان بين النيرات ومن به ... سبل البطولة والحياة تنار تهدى العيون بضوئهن؟ وضؤه ... تهدى البصائر فيه الأبصار من حسنه اختلس الأصيل جماله ... وببشره تتبسم الأسحار أنعم بما أوتيت واهنأ شاكرًا ... نعم الإله فإنهن غزار لا زلت بالنصر المبين متوجًا ... تحيا بك الأوطان والأوطار وقال أحمد الهاشمي في تلك المناسبة: سبِّح وغرِّد يا حمام الوادي ... وأرفع تهانينا لشبل فؤاد فاروق قد ملك القلوب بأسرها ... وله على كل الأنام أيادي ملك عليه من الجلالة شارةً ... برعاية الله الحفيظ الهادي ملكٌ عظيمٌ قد توطد عرشه ... بسيوف آباء له أجواد فالشعب بين مكبرٍ ومهللٍ ... يدعوا بطول حياته وينادي قل للمليك وقد تسامى نجمه ... بين الكواكب بالسناء البادي لا زلت مرفوع العماد مؤيدًا ... بالنصر والأقبال والأسعاد إلى غير ذلك من التهاني كعادة الناس في المديح إذا أقبلت وعادتهم الذم إذا أدبرت، فالله المستعان. وفيها لا تزال الحرب طاحنة بين إيطاليا والحبشة، وذلك لأنه لما أعلن "موسليني" أيطاليا الحرب على الحبشة نتيجة اشتباك دموي جرى بين القوات الحبشية وكتيبة من قوات الصومال الإيطالية على مقربة من قرية والوال، وقتل في هذه المعركة عشرات من الجند الإيطاليين على الرغم من أنهما عقدتا معاهدة قبل هذا الاشتباك بسبع سنين تعهدتا فيها بإقامة صلح دائم وصداقة أبدية بينهما.

стр. 1106

ولما أعلنت إيطاليا الحرب على الحبشة استصرخ النجاشي "هيلاسلاسي" عصبة الأمم في حسم الخلاف، ومد الغوث لبلاده، ولكنه لما كان في سنة ١٩٣٥ م زحفت إيطاليا على الحبشة وكانت نتيجة القتال أمرًا مفروغًا منه، وتركت الدول الكبرى الحبشة تصارع بمفردها كريمها القوي، وهي تكاد تكون عزلاء، ومع أن الإيطاليين لم يحرزوا انتصارات حاسمة في الألثهر الثلاثة الأولى من القتال، إلا أنه ما وافى شهر مارس سنة ١٩٣٦ م حتى كان الإيطاليون قد قضوا على كل مقاومة حربية جدية من جانب الحبشة، ولاذ في أول مايو الإمبراطور هيلاسلاسي بالفرار إلى انكلترا، وبهروبه انهارت كل مقاومة منظمة، وعمت البلاد الفوضى، واحتلت الجنود الإيطالية أديس أبابا، وفي التاسع من مايو سنة ١٩٣٦ م الموافق ليوم السبت ١٨ صفر من هذه السنة نودي بعمانوئيل ملك إيطاليا امبراطورًا على الحبشة وهذا بعد حرب طاحنة امتدت حوالي ثمانية أشهر، ولقد أيدّ هتلر زميله الإيطالي تأييدًا قويًا خلال هذه الغامرة الاستعمارية، وجاءت الحرب الأهلية الإسبانية في هذا السنة فقربت بين هتلر ورئيس إيطاليا وحددت صفوفهما وأصدر الفوهرر هتلر أمره في ٧ من مارس سنة ١٩٣٦ م باحتلال منطقة الرين وإعادة تحصينها، وأخذ يفكر بعين طامحة إلى ضم النمسا إليه، فلما رأت بريطانيا أعمال هتلر عادت إلى توثيق تحالفها مع فرنسا، ورصدت في هذه الأيام أربعمائة مليون جنيه للتسلح على أن يزداد هذا المبلغ إلى ألف مليون وخمسمائة مليون جنيه، ذلك لأن الدول أخذت تستعد لوقوع حرب عالمية ثانية، ورأت تحت الرماد وميض جمر يوشك أن يكون لها ضرام. وفيها انفجرت ثورة في فلسطين ضد اليهود والانجليز الذين مكنوا اليهود من اتخاذ فلسطين وطنًا قوميًا لهم، وحدد أهل فلسطين أهدافهم في ثلاثة أمور: إلغاء وعد بلفور، ورفض الانتداب البريطاني، واستقلال فلسطين، واستمرت هذه الثورة ثلاث سنين فلم تتوقف إلا عند نشوب الحرب العظمى الثانية، لأن الحكومة الانكليزية لجأت إلى تهدئة الأمور وعقد مؤتمر سمي مؤتمر المائدة الستديرة في لندن يخدرون به أعصاب الفلسطينين.

стр. 1107

عمارة قصر المربع في الرياض لما استراح صاحب الجلالة من إخماد الثورات الداخلية والخارجية رأى -أيده الله- أن يجمع العائلة اللكية في قصر، فانشا المربع في شمال مدينة الرياض، وكان ذلك القصر عظيمًا وساحته واسعة جدًا، وجعل لكل نجل من أنجاله قصرًا مستقلًا، فأصبح المربع يعتبر كمدينة جميلة تحتوي على جوامع ومساكن، وكانت عمارته بالحجارة والطين غير أن تطريزه ممتاز، وقد أحضر لذلك المهندسون والعمال بحيث لا يقل عدد المشتغلين فيه عن تسعمائة عامل، وبعدما فرغ العمل سكنه صاحب الجلالة وأنجاله وحاشيته، وكان المربع إذ ذاك له أبهة ورونق زاهر، وختمت هذه السنة بخير والحمد لله رب العالمين. ثم دخلت سنة ١٣٥٦ ه ـ استهلت هذه السنة والعالم في مشاكل متعددة، فهذه فلسطين قد انفجرت بالثورات والدول الكبرى تتكهن وقوع حروب طاحنة لما رأت مطامع رئيس ألمانيا تتضخم. وفيها أنشأت مدارس حكومية في عواصم المملكة العربية السعودية، وأنشئ في مدينة بريدة مدرسة تأسست فيها إذ ذاك. وفيها كثرت فتن اليهود في فلسطين ومدوا أيديهم على المسجد الأقصى، بل وضعوا عليه الشعار اليهودي، فقام العرب من أهالي فلسطين يحاولون كشف هذه المهمة العظيمة ويصادمون تلك التدابير التي سلبتهم عزهم وفخرهم، وأذاقتهم مرارة الحياة، وأوصلتهم نيرانًا حامية، وبعثوا يصرخون للعالم الإسلامي ويضجون مما هم فيه من الضغط، واستغاثوا بكل من في الوجود ممن تظله راية الرسول محمد ﷺ يطلبون النجدة والمحامات على بيضة الإسلام أن ترض؛ ونشروا في صحفهم مقالات يطالبون بها المسلمين أن يساعدوهم على هذا الفادح الكارث، وصوروا المسجد الأقصى قد وضع عليه الشعار اليهودي.

стр. 1108

أيا أمة الهادي أما تنظرون إلى ما حل بأولى القبلتين، ودهى إخوانكم من الهوان والشين ذلك الهول الذي بلغ القلوب والحناجر، وسكب الدموع من المحاجر، فهل من ناصر لله ولرسوله ولكتابه والمسلمين، أما كان المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وأعظموا الأمر وأكبروا الهول، ويحق لهم ذلك، فلما أسمعوا جلالة الملك عبد العزيز بن سعود ضاق بذلك ذرعأ ولم يجد مندوحة عن الإجابة، وبعث يستشير شعبة ليقف أمام هذا التيار الجارف، ويخمد نيران تلك الفتن المتأججة، وأن يضرب بيد من حديد على أيدي هؤلاء المتمردين على النواميس السماوية، ودعاة السوء والرذيلة الذين يغرسون بذور الكفر والشرك والخبث، ويشقون الطريق أمام الاستعمار والمستعمرين، ولما أن قدم الأمر للشيخ عمر بن سليم بأن يجتمع بأهل العلم والدين والرأي من الملأ والمشايخ وطلاب العلم، عقد لذلك مجلس للمفاوضة في هذا الموضوع والمقصود منه هو أنه هل تجب مساعدة أهل فلسطين والانخراط في صفهم ضد أعداء الله ورسوله اليهود الصهيونيين مدافعين عن الأوطان والإخوان في الدين والعروبة، أم يتركون وشأنهم لأن البلاد ليست سعودية، وكان من بين هؤلاء الحاضرين رئيس البلد فهد بن علي الرشودي وأخوه إبراهيم بن علي، والرجل العظيم الشأن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح، وأمير المقاطعة عبد الله بن فيصل، والشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، والشيخ محمد بن عبد الله بن حسين، والشيخ عبد العزيز الصالح بن سليم، والشيخ عبد الله بن رشيد خطيب الجامع، وعبد الله بن عيسى، وابن جربوع، ومحمد الربدي بن عبد الله، وغير هؤلاء، وتبادلت الآراء والأنظار وكثر الجدال والمناقشات بين من يقول بالناصرة وضدها، وارتفعت الأصوات وعلت الصيحات، وآخر ذلك حصل الاتفاق على أنه إذا أمر الوالي على الرعية بنصرة المسجد الأقصى وحفظه وحفظ حماه لأنه ثالث المسجدين وأولى القبلتين فإنهم يقدمون في نصرته أنفسهم وأموالهم

стр. 1109

طاعة لولي الأمر وامتثالًا لأمر الله تعالى، فوقع على هذا الاتفاق المذكورون ورفع الجواب إلى عتبة صاحب الجلالة والمهابة الملك عبد العزيز، فكان له أحسن الوقع والقبول. ونسأل من بيده أزمة الأمور أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويذل أعداءه الكافرين. وفيها أيضًا ولد مولود في صنعاء نشأ نشأةً عجيبة في خلقه وخلقه واسمه محمد ابن عبد الله، فذهبت الظنون حائمة هناك أنه المهدي الموعود به في آخر الزمان، فالئه أعلم، وقد انقطع خبره بعد ذلك. وفيها قدم على نجد عالم من أهل فارس يقص في المساجد، فاغترت به العامة ومشوا خلفه ووطأوا عقبه، وقد يحضر لقصصه ألف شخص أو يزيدون، وكان يدعى محمد بن عبد العزيز الفارسي، إذا أخذ في الوعظ بدأ بخطبة من مختصر التبصرة، ثم يأخذ في الوعظ والقصص الإسرائيلية، ويخرج عن المقصود ويطيل. وختمت هذه السنة والموظفون في وظائفهم، فكان على رئاسة القضاء في الحجاز الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وعلى قضاء حائل وما يليها الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، وعلى قضاء الرياض عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر، وعلى قضاء البكيرية الشيخ محمد بن مقبل، وقد نقل الشيخ سليمان بن عبد الرحمن العمري من المدينة المنورة إلى بلد الإحساء، وكان على قضاء بريدة فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وعلى قضاء عنيزة الشيخ عبد الله بن مانع، وهكذا الأمراء. ثم دخلت سنة ١٣٥٧ ه ـ ففيها طبعت مطبعة أم القرى كتاب أهوال القبور، وكتاب التخويف من النار، كلاهما للحافظ ابن رجب، وكتاب الزهد لإمام أحمد بن حنبل، وتاريخ ابن لعبون، وقد خدمها بالتعليق عليها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، كما تفضل بترتيب مجموع الرسائل والمسائل لعلماء نجد وجعله أجزاء الأول في التوحيد، والثاني في

стр. 1110

الفقه، والثالث في جملة رسائل لأمة الدعوة، وكان طبعه في مطبعة أم القرى، فجزاه الله خيرًا على هذا العمل الصالح الذي سما به على الأقران، وفاق أبناء الزمان. وفيها خرج صاحب الجلالة والمهابة زعيم العرب وإمام المسلمين وأمير المؤمنين عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل من العاصمة الرياض كوكبه العظيم يصحبه من أنجاله ثلاثون، ومعه جنود عظيمة مسلحون بالسلاح الكافي، وأشاع أنه تجرد لنصرة أهل فلسطين، فبعث نبأ إلى أمير مقاطعة القصيم، وكان الوكيل على تصريف المالية فيها هو محمد بن مرشد، وحقق الأمر على صاحب المالية بأن يسهل طريق السيارات، ويقوم بإصلاح الخط لأن الطريق فيها رمال عظيمة، وتحتاج إلى عمل كثير، فلضيق الوقت وعدم الآلات المستحدثة لم يتمكن المصلحون من إكمالها على الوجه المطلوب، فحصل لذلك تغريز شديد وقدم مقدمة السيارات في وقت الغروب، ولم تتكامل البقية إلا بعد منتصف الليل، ولما بلغ التغيرة الموضع المعروف في شمال البلد من بريدة نصب خيامه فيها فوق تلك الرمال الحمراء، وكان معه من الخيام خمسة آلاف، ومعه من الجنود ثلاثون ألفًا، ومن السيارات ما يزيد عن ألفي سيارة على اختلاف أنواعها، فأقام في بريدة أيامًا ثم زحف بتلك الجنود إلى حائل، ولما أن أراد السير وقوضت الخيام صفت السيارات وهيأت وجلس في وقت الصباح يقسم العطايا والمنح ويدبر تدابيره، وكانت سيارات النقل على حدتها كذلك سيارات الركوب والتلغرافات والبترول والماء وغيرها، وكانت الجنود واقفة تنتظر الأوامر إذ سار في خلال ذلك سيارتان من سيارات أنجاله تقلهما، فسلكت الطريق الأيسر فأمر بأن يردا وأمر بإحضار العصي فجيء بالسائقين فضربا ضربًا شديدًا حتى غشي عليهما، وأمر بنجليه الصغيرين أن يبقيا في بريدة تأديبًا لهما. ولما سار إلى حائل كانت رعود السيارات في جو تلك الصحراء كهيئة الرعد القاصف، وبعد أن وصل إلى حائل ولبث فيها أيامًا قلائل رجع بعد ذلك إلى الرياض نائلًا مطلوبه ومدركًا مقصوده، وكان رجوعه عن غير طريق بريدة. وفي هذه السنة بدى في استخراج البترول في المملكة العربية السعودية بواسطة شركلة الزيت العربية الأمريكية "أرامكو".

стр. 1111

وفيها وقع برد مخشرم له شعب على مدينة بريدة مساء، وكانت سحابته قد أقبلت من الجهة الجنوبية، فجعلت تنساق بإذن الله تعالى إلى جهة الشمال حتى توسطت الجو، فسمع لها وجبة عظيمة، ثم إنها ألقت وابلًا من البرد على تدر بيض الدجاج، غير أن الله وقى بفضله الثمار عن ضرره. وفيها رجع الفارسي المشار إليه في السنة المتقدمة، وقد كان سافر فأعاد الكرة على القصيم واستمر في قصصه، غيى أنه شوش على العامة في العقيدة، وكان ضرره أكبر فبادرت الحكومة إلى سحبه من القصيم نزولًا لرأي الأمة، فغادر القصيم إلى فارس. ثم دخلت سنة ١٣٥٨ ه ـ ففي تلك الآونة جرت ثورة في الكويت وذلك كمالاة الأهالي يريدون بها خلع حاكم الكويت أحمد بن جابر بن صباح، فسعوا ضده لتنظيم حكومة جديدة، واغتنموا فرصة غيابه للنزهة والفرجة ففتحوا الخزائن وعينوا أميرًا وسنوا نظامًا جديدًا، فلما أن علم أمير الكويت بما جرى وأن الأمر قد قضي بليل فزع إلى ابن سعود يطلب منه المناصرة على ما دهمه، وكان يخشى أن يأتي إمداد من العراق لمساعدة الثائرين، لأنه قد لا يؤمن أن يكون ثم مؤاطة، فقام جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن لمساعدة ابن صباح الذي قد تحسن ما بينه وبينه من الجوار، وقد طالما تربى قديمًا بساحتهم فساق قوة كافية سدَّ بها طريق العراق، وأخذ يدأب في قمع الثائرين ضد ابن صباح، ولما قدم بعض المدافع والرشاشات والمصفحات ورأى الأهالي سلاح ابن سعود لم يجدوا بدأ من التسليم، فسكنت الثائرات ودخل الأمير أحمد بن جابر بن صباح البلد ظافر وفاتحًا، ومما هو جدير بالذكر بأن الأمير المشار إليه لم ينكل بأولئك الثائرين، بل عفى عنهم وانطفأت الفتنة بحول الله تعالى وتوفيقه. ذكر وفاة الشيخ العبادي ١٣٥٨ هـ رحمة الله عليه ففيها في عاشر صفر وقت طلوع الفجر منه، وذلك بكرة يوم الجمعة توفى الشيخ وهذه ترجمته:

стр. 1112

هو العالم العلامة اللوذعي الماهر في العلوم والواثق بالله الحي القيوم، شيخنا الشيخ أبو إبراهيم عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد العزيز العبادي ﵀ وعفا عنه، ولد حوالي سنة ١٣١٤ هـ وكان والده كاتبًا فنشأ على العفة والعبادة والزهد والورع، وكان قليل ذات اليد وأمه ابنة الشيخ محمد بن عبد النّه بن سليم، فأخواله آل سليم، وكان ذا عقيدة سلفية يحب أهل الدين ويميل إليهم، ويبغض أهل الشر ويعيبهم، وكان شجاعًا حازمًا له محفوظات كثيرة، وذوق في العلوم، وإدراك ونهمة وهمة عالية تتضاءل عندها همم ذوي الهمم، ولازم الشيخ عمر بن محمد بن سليم فأخذ عنه وتتلمذ له وجعل يدأب في طلب العلم حتى بلغ رتبة تقتصر عنها سورة كل مطاول وتتلاشى دونها وثبة كل مماثل، وناهيك به من حبر يقل مثله بين أهل هذا الزمان، وتجثوا على الركب بين يديه الأقران، وكان صبورًا على حلو الزمان ومره، وله محبة في القلوب، وقبول لدى الخاص والعام، وله مؤهلات بلغته إلى رتب عالية بلغ بها إلى أن كان في النيابة في قضاء بريدة، إذا تغيب القاضي عنها، ولولا حرارة المزاج لقلت فريد زمانه ووحيد وقته، فنسأل الله الكريم المنان ذا الجود والأحسان الذي غمر خلقه بلطفه، وتفضل عليهم بجوده وعطفه أن يتغمده بغفرانه ويسكنه فسيح جنانه، ويؤمنه من نيرانه. ذكر مشايخه الذين أخذ عنهم وتدريساته رحمة الله عليك يا أبا إبراهيم، لقد كنت متأسيًا بالسلف ومتمسكًا بأخلاقهم في الصبر والاحتساب ومكابدة مرارة العيش ومعرفة الدنيا وزوالها والآخرة وبقاءها، فلم تأخذك العزة ولم يلهك زخرف الدنيا وزينتها، طلبت العلم بدون مساعدة في المرتب، وعلّمت إخوانك وما طمحت نفسك إلى وظيفة، بل كنت تطلب العلم لله وتعلمه الناس رجاء مثوبته. أما مشايخه فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وأخذ عن غيره من العلماء، وأخذ أيضًا عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وأكثر الأخذ عنه،

стр. 1113

وتخرج عليه وشرب من عذب زلالهما، وجدّ واجتهد حتى برع في علم التوحيد والأصول والفروع، وكان لا يحقر أحدًا أن يأخذ منه الفائدة، ولو شئت لقلت إنه كان إذا سألته عن مسألة وأنس مني إلمامًا بها يحرج مقامي في المصادر التي عثرت عليها فيها، وكثيرًا ما يبعث السؤال للعلماء كالشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، ويأخذ رأي العلماء في المشاكل ولا يتكبر ولا يتجبر. ولما بلغ من العمر خمسًا وعشرين سنة جلس للتدريس بإجازة من شيخه عمر بن محمد فجعل يعلم في تجويد القرآن ويدرس فيه على طريقة التجويد والضبط، ويعلم في بقية العلوم فازدحم على مجلسه خلق كثير وجم غفير، وجثت التلامذة والأقران والشيوخ أمامه على الركب يقتبسون من فوائده، ويستفرغون منطوقه، وكان لا يسأم التدريس ولا يملّ، مكرمًا للإخوان، ويحب الكتب ويجمعها ويجعل لكل كتاب غلافًا من القماش، ولا يزال يقلب كتبه ويكثر لمسها ويحشمها ولا يثق على كتبه شريفًا ولا وضيعًا، وقد هيا لها دواليب من الخشب، وكانت مجالسه عامرة بالتدريس ليلًا ونهارًا ينتابها الأهالي والأجانب وهذه كيفيتها: جلس للتدريس في بداية الأمر في المسجد الجامع في بريدة بعد صلاة العصر في تجويد القرآن، فكل تلميذ يقرأ ورقة، وغالب التلاميذ يدرسون في القرآن حفظًا، فإذا فرغت حلقة أهل القرآن شرع أناس يدرسون في كتب الحنابلة وغيرهم، ثم جلس بعد ذلك في مسجد آل مشيقح للتدريس، فكان إذا صلى الغداة تحلقت عليه حلقة لأخذ علم النحو ثم حلقة أخرى في علم قسمة المواريث، فإذا ما طلعت الشمس قام يتوضأ ويتناول شراب القهوة في بيته، وكان قد طلب منه الفاضل الجواد عبد العزيز بن حمود بن مشيقح والد الأسرة أن يشرف محله وبيته كل صباح لتناول القهوة في بيته لبعد بيت الشيخ عن المسجد المذكور، ولما لهذا الجواد الكريم من أريحية يده البيضاء التي لا تزال إذ ذاك تفيض على أهل العلم بالإكرام والاحتشام، ولما منحه الله من توفير العلماء وأهل الدين والفضل، غير أن الشيخ يفضل الذهاب إلى بيته لقضاء الحاجة والوضوء، وقد لا يبعد أن هذا الجواد الكريم

стр. 1114

يبعث إلى بيت الشيخ معونة ومساعدة على مؤونة الدنيا فجزاه الله خيرًا على أعماله الطيبة، فإذا كان بعد طلوع الشمس وانتشارها عاد إلى المسجد ثم يجلس يدرس في صائر فنون العلم إلى قريب زوال الشمس، ثم يعود إلى بيته، فإذا ما صلى الظهر في المسجد المذكور جلس للتدريس إلى أذان العصر، وأشهد لرايته مرة أذن مؤذن صلاة العصر، وقد بقي ثلاثة من التلامذة لم يقرءوا، فإذا صلى العصر جلس في المسجد الجامع يدرس إلى أن توارى في الحجاب، وقد تغرب الشمس وقد بقي بقية لم يصل إليهم الدور، ولما كثر الطلاب وبلغ عدد الذين يدرسون في القرآن نهسة وثلاثين جعل لكل تلميذ صحيفة، وكان يتقيد بآخر الصفحات من المصحف العثماني الذي رتب الجزء منه عشر ورقات. أما الكتب التي يدرس بها عليه فإليك بعضها: درسنا عليه كتاب أعلام الموقعين عن رب العالمين، وكتاب حادي الأرواح في صفة الجنة، وكشاف القناع عن متن الإقناع، والروضة الندية لصديق بن حسن القنوجي، ويدرس عليه في المغني لابن قدامة، والشرح الكبير، وشرح المنتهى والمقنع، والفروع والصحاح، والمسانيد، والشروح، والسنن، والمختصرات، ومدارج السالكين، وزاد المستنقع وشروحه، ودليل الطالب وشروحه، وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشرح الطحاوية وغيرها، ويطيل ويفسر الكلام ويشبع وشمهب ويجرح ويعدل ويلهج بذكر الخلاف. ولما علم الله صدق نيته رزقه كتبًا كثيرة وحصل على شيء عجيب منها، وأصبحت ترد عليه من مصر والحجاز، والشام وغيرها، ثم بعدما يصلي الغرب يذهب إلى بيته يتناول العشاء الآخرة، قام للصلاة في المسجد الجامع ثم ينتقل ما ضاء الله ويوتر وينام، فهذه حالته إلى أن لف بأكفانه، وبكاه كل جيرانه وفقدته أناء زمانه، وكان فيه مؤهلات للقضاء والفتيا، وله سعة وقدرة في استجراح مسائل العلم، هذه صفته: كان مربوع القامة، ضرير البصر عيناه نائتان، أبيض اللون، أسود الشعر، في

стр. 1115

لسانه لثة، فكان إذا تكلم جعل يستعين بيده على الكلام ويومئ بها مضمومة الأصابع، شجاعًا متواضعًا متقشفًا، دائم البشر وطلاقة الوجه، وله غيرة وقت الحاجة، وكان ذا معرفة بالتوحيد، عفيفًا متقللًا من الدنيا، سمح العريكة، لين الجانب مع ما منَّ الله به عليه من الصبر على قوارع الدهر والفقر والحاجة، ومات ولم يولد له أولاد، وكان يلهج بالدعاء في خلواته لربه بأن يهب له ذرية طيبة، والله غالب على أمره وحكيم في أفعاله، ولا ريب أن مصيبته ثلم كبير في أهل الإسلام. ذكر تلامذته والآخذين عنه أما تلامذته الذين أخذوا عنه فلا يمكن استيعابهم لكثرتهم، ومنهم من هو أسن منه، ومن هؤلاء من تعلم قبله ومعه، ولكن قد قال العلي العظيم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة: ٤]، وأنا أذكرهم على حسب معرفتي لهم، فممن أخذ عنه: عبد الله بن رشيد الفرج خطيب جامع بريدة ذو الفضل والزهد والورع، وكان فوق ما يقال عنه، وممن أخذ عنه الشيخ صالح بن أحمد الخريصي رئيس محكمة بريدة في الوقت الحاضر، وأخذ عنه سليمان بن عبيد، وأخذ عنه صالح بن عبد الرحمن السكيتي مدرس العلوم الدينية في معهد بريدة العلمي، وأخذ عنه صالح بن إبراهيم البليهي مدرس العلوم الدينية في المعهد نفسه أيضًا، وأخذ عنه ودرس عليه الشيخ محمد بن صالح بن سليم قاضي الخبر في المقاطعة الشرقية، وأخذ عنه سليمان بن حمود بن عبيدان، وكان شابًا قويًا في معلوماته، غير أنه اختطفته المنية في شبابه ﵀، وأخذ عنه علي بن إبراهيم بن صالح المشيقح، وأخذ عنه صالح بن إبراهيم الرسيني، وأخذ عنه صالح بن محمد التويجري قاضي تبوك، وأخذ عنه إبراهيم بن عبد العزيز الجبيلي، وكل هؤلاء أهل للقضاء والفتيا، وأخذ عنه الشاب الناسك الورع محمد بن عبد الله سليم بن خال المترجم، وأخذ عنه محمد بن موسى الحمود، وأخذ عنه علي بن مرشد، وأخذ عنه علي بن عبد الرحمن بن غضية قاضي الأسياح، وأخذ عنه نصيان الحمد، وأخذ عنه عبد الله بن محمد العجاجي، وأخذ عنه عثمان بن عبد الله بن معارك، وكان قد نال درجة القضاء في إحدى الجهات الشمالية، وأخذ عنه حمود

стр. 1116

وصالح ومحمد أنجال عبد العزيز بن حمود بن مشيقح، وأخذ عنه عبد الله بن صالح بن حسين، وأخذ عنه فهد بن عبد العزيز بن سعيد مدير مدرسة رياض الخبراء، وأخذ عنه عبد العزيز بن عبد الله بن غصن وهو الذي كان يختصه لما بين العشائين في مراجعات المسائل من مصادرها، وأخذ عنه محمد بن عبد الرحمن بن فداء، وأخذ عنه حميدان بن عبد العزيز بن حميدان، وأخذ عنه ربيبه محمد بن سليمان بن عبد الرحمن بن سليم، وأخذ عنه غانم بن سدلان، وأخذ عنه محمد بن عبيد بن سلمي، وأخذ عنه محمد بن ناصر الهلالي، وأخذ عنه سليمان بن عتيق، وأخذ عنه سليمان بن عبد الله بن مشيقح، وأخذ عنه صالح بن محمد بن غانم، وأخذ عنه سعد ابن مرزوق العديم، وأخذنا عنه وتعلمنا منه وانتفعنا بعلومه وتقريراته، وجلسنا في حياته للتدريس في في النحو والفرائض بإجازته وكان يختصني لأسراره ويقدمني على سائر الطلاب في الأوقات التي كنت أدرس فيها عليه، ويستشيرني في بعض أموره كقوله لي مرة: إني أكثرت من حفظ متون الفقه الموجزة كالعمدة والمختصر، وأخصر المختصرات، ودليل الطالب، أفلا كتفي بحفظ الإقناع وأترك ما سواه من المختصرات، وناولني مرة كتابًا وقال لي: انظر فيه فإن كان يصلح لي فأحبكه (١) والا فشأنك به، وكان يناصحني كثيرًا فرأى مرة معي جريدة أم القرى فسألني عنها؟ فأخبرته أني أخذتها لأرى صفة الواقعة على الملك في المسجد الحرام لا غير، فنهاني عن النظر في الجرائد لأنه لا طائل تحيها، وأشار علي أن لا أعتني بالجرائد فإنها تصد في الغالب عن العلم الشرير المحمدي، وتضيع الوقت في غير فائدة، وصدق والله في مقالته فإن الوقت من ذهب، فكيف يضيع في الجرائد والمقالات والمجون والمضحكات، فلو عمر الإنسان وقته في تلاوة القرآن ومراجعة الصحاح والسنن والمسانيد والتواريخ التي سلمت من الكذب لكان خيرًا له، وأهدى سبيلا، وانا لنرى غالب المفتونين بالنظر في الصحف والمجلات والجرائد قد اشتغلوا بها عما هو أهم منها، والله ولي التوفيق لا رب غيره ولا إله سواه.

стр. 1117

ذكر محفوظاته وسعة علمه كان قد حفظ القرآن عن ظهر قلب، وحفظ مختصر المقنع، والعمدة، وألفية ابن مالك في النحو والصرف، وملحة الإعراب، ومن الأجرومية والبيقونية والجزرية، ومفردات الذهب، وإذا أخذ يلهج في قراءتها بقوة وشجاعة ونهمة في الحفظ، وجذ واجتهاد فإنه لا يوجد له مثيل، وأقسم بالله ما رأيت قبله ولا بعده إلى موضع هذه الكلمات مثله في الاجتهاد فكان آية من آيات الله في الجد والاجتهاد، وحدّث عن البحر ولا حرج، ذلك بأنه عشق طلب العلم فكان لا يشبع من العلم لفرط نهمته فيه، وشدة رغبته في تلك البضاعة، ولله حكمة في وفاته فإنها من قبض العلم الذي أخبر به الرسول ﷺ . وأما في الإفتاء وبيان الحلال والحرام فقد خسرته أمة الإسلام، فكان إذا ذهب إلى بيته أو جلس فيه فإنه لا يكاد يستريح من كثرة السؤال، ولا تزال النساء ببابه يسألنه عن الحيض والنفاس والصلاة والنجاسة والطهارة، ومن عادته حب الكتب وخدمتها وتقليبها، ولا يثق أحدًا عليها، فكان إذا ناول من يراجع له المسائل يجعل يده أسفل الكتاب، ولا يعير شيئًا من كتبه ولو أدى الأمر إلى أكبر ضرر، ولقد طلبته إعارة كتاب أسبوعًا فابى، فتوسلت إليه بكل حق فأبى وأقسم بالله بعدما طلبته يومين أن لا يعيره ولا ساعتين، وكان يحب البحث ومعرفة الخلاف، ولما سمع عبارة البهوتي في شرح مختصر المقنع وهي قوله: "فلم أتعرض للخلاف طلبًا للاختصار" قال: يا ليته تعرض، ولبث مرة يفسر الترجمة التي في كتاب التوحيد قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبا: ٢٣]، فأطال حتى أتم ثلاثين دقيقة وقيل له إن من التلاميذ من لا يلم بالإطالة في التفسير فلو اختصرت له، فقال: إني أفسر لأفيد نفسي والحاضرين، وقرأ عليه طالب علم في القرآن الكريم، وكان الطالب هذا موسومًا بالصلاح فلا يتمالك من البكاء في القراءة فتحرج لكثرة وقوفه، ولما

стр. 1118

علم بما أوقفه وجعله لا يستمر كان يراعيه ويأخذ له إناءة حتى يخلص وهو يسأل الله الذي رزقه الخشوع أن يمن على من لا يخشع، ومن العجب أن كل من قرأ عليه وأخذ عنه أو غالبهم فإنهم أهل صلاح، وتمسك في الدين، ولهم علم ومعرفة لبركة مساعيه وحسن نيته، وإذا منَّ الله على عبد فليفعل ما شاء من خصال الخير. ذكر مقدمات وفاته رأى بعض الصالحين قبيل وفاته قمرًا مبدرًا توسط السماء ثم غاب فإذا خلفه قمر آخر ضعيف النور، فقصت عليه الرؤيا قبل مرضه فقال: الحمد لله إذا لم يفقد النور، ورأى بعض الصالحين مصباحًا مضيئًا في المسجد الذي كان يدرس فيه، فبينما الناس يمشون في ضيائه إذا انكسرت زجاجته وانطفأ فكان الناس بعده في ظلمة، فأولت بوفاته ﵀، ومن رأى سبقه وتقدمه ونهمته في التدريس وغربته تيقن أن ذلك لا يطابق حالة الزمان، والله المستعان، وكان مرضه خمسة عشر يومًا انحبس فيها عن الخروج، وفي ثالث الأيام علم أن بدنه في انحطاط، وجوفه متألم لأن ألمه في جوفه، وفي اليوم الثامن اصفر وجهه وأكثر لزوم الفراش وجعل يقول: الحمد لله الذي له تمام الإرادة، وكل خلقه فقراء إليه، وفي الثاني عشر جعل يسأل الله حسن الاختيار له، فلما كان في مساء الخميس الموافق ٩ صفر قال لمن حوله بفصاحة ونشاط: إني لا أعلم ما يجري علي ولكن إذا أراد الله الوفاة فلا يغسلني غير فلان لصديق له من أحبابه وخاصته ألا وهو الأخ عبد المحسن بن عبيد، فلما كان السحر من يوم الجمعة ١٠ صفر توفى بداء الغاشية وانتقل إلى رحمة الله مخفًا من الدنيا واستراح من همومها وغمومها، وفجعت به الخليقة وبكته مجالس الذكر، وشقت عليه أقلام الشعراء في المراثي، وصلي عليه في المسجد الجامع في بريدة، ودفن في المقبرة الجنوبية فلاجة، وحضر جنازته خلائق كثيرة، ومما قيل فيه من المراثي ما رثاه به الأخ عبد المحسن بن عبيد الفاضل المشهور:

стр. 1119

إلى الله رب العرش أشكو مصيبتي ... وما حل فينا من عظيم المصائب إلى الله أشكو لا إلى الناس حالتي ... فهب لي اصطبارًا منك يا خير واهب مصابٌ دهى قلبي فهيج عبرتي ... سأبكيه دهري بالدموع السواكب فجعت به فالله يبرد لوعتي ... وينعشني بالصبر أسنى المراتب فآها على عبد العزيز وفقده ... وآها على فقد العلى والمراتب وأها على تلك المجالس والبها ... فمن مثله في الشرق بل في المغارب رزئنا به طرًا فيا عظم فادح ... فأعظم به صدعًا عظيم النوائب فثلمته كبرى لدى كل عاقل ... مصيبته عظمى من أعلى المصائب فمن مثله فينا وأين نظيره ... مديمًا على التعليم أسنى المراتب حريصًا على نفع الورى واهتدائهم ... عزيزًا عليه الميل نحو المعائب يعيد دروسًا زانها الله بالبها ... على عدد الساعات ليس براغب صبورٌ على حلو الزمان ومره ... شكورٌ لفضل الله مسدي المواهب لقد كان يحنو للفقير برقةٍ ... إذا عام في التطلاب صافي المشارب يقر به طورًا وطورًا يحثه ... على السعي في نيل العلى والمكاسب به الغرباء تهتف من كل جانبٍ ... يشجعهم للفقه في كل واجب قضى عمره درسًا وتعليم جاهل ... ونصحًا وإرشارًا لدى كل صاحب مديمًا على بحث الغوامض جهده ... بفكرٍ وفهمٍ مستنير وثاقب لقد كان في علم الفرائض آية ... فسبحان من قد خصه بالمواهب يفكك تركيباتها وحسابها ... له نظر في فقهها والغرائب إذا خاض في أبوابها وعلومها ... وأحكامها يومًا أتى بالعجائب له همةً في النحو ليست لغيره ... له نهمةٌ يدري بها كل طالب له البحث والتقرير للعلم والهدى ... ألذ وأشهى من وصال الحبائب ينافس في كسب العلوم وحفظها ... بعيدٌ عن الفحشا وقرب المعائب فكم من سؤال حله يحوابه ... بفهمٍ دقيقٍ جيد غير عازب

стр. 1120

مجالسه كانت علومًا وحكمةً ... وفقهًا وتحقيقًا لذيذ المشارب فهمته في العلم يدري بها الورى ... فسل منصفًا ينبيك عن ذي المناقب لقد كان منهومًا وقد كان مولعًا ... وقد كان مشغوفًا بنيل المآرب وكان عفيفًا قانعًا متواضعًا ... فما همه تطلاب نيل المناصب ولا رفعةً بين الورى ورياسة ... يريد بها الدنيا ونيل المكاسب له همةٌ تسعى إلى طلب العلى ... ومذهبه والله خير المذاهب مشايخه قومٌ هداة أجلةٌ ... لقد خصهم ربي بخير المواهب يوالون في الرحمن من كان مخلصًا ... يعادون أهل الزيغ من كل ناكب يحبون في ذات الإله ذوي الهدى ... ويهدونهم عن مقحمات المعاطب ويدعونهم بالقول والفعل جهدهم ... إلى الله رب العرش من كل جانب سجيتهم بث النصائح بينهم ... فهم قدوة الساري نجوم الغياهب وهم زينة الدنيا مصابيح ليلها ... مشارقها طرًا كذا والمغارب عليهم سلام الله يترى مضاعفًا ... بعد هتون الغيث بين السحائب ويا معشر الإخوان إن وصيتي ... إليكم بتقوى الله أعلى المطالب عليكم بإخلاص المقاصد جهدكم ... عليكم بدرس العلم أسنى المراتب ولا تبعدوا عن شيخنا ودروسه ... فمشربه والله عذب المشارب وأوصيكم بالصبر وادعوا لشيخكم ... فربي سميعٌ يستجيب لطالب عسى رحمة المولى نعم لذاته ... فهبه الرضا والعفو يا خير واهب عسى جنة الفردوس تجمعنا به ... ويأجرنا فيما دها من مصائب عسى دارنا يوم المعاد وداره ... بدار البقا والخلد أعلى المطالب وصلِّ وسلم دائمًا بتصاعفٍ ... على المصطفى والآل مع كل صاحب صلاةً وتسليمًا يفوق لعدنا ... يفوق لعد القطر من ذي السحائب وهذه مرثية في المتوفى قدس الله روحه أنشأها المحب في الله الأخ نصيان بن حمد آل نصيان، وهي حسنة قوية، قال ﵀:

стр. 1121

أعينيَ جودا بالدموع السواكب ... على من دهانا موته بالمصائب على شيخنا عبد العزيز لفقده ... تبدت كلوم القلب من كل جانب ففي موته منا القلوب تصدعت ... وحارت دموع العين بين الجوانب لقد كان ذا علم وكان مسددًا ... بنحو وقرآن وإرشاد طالب وقد كان شيخًا في العلوم جميعها ... بهمته يسمو لأعلى المراتب إلى مسلك التوحيد قد صار آيةً ... بهطال وبل العلم مثل السحائب فصار لنيل العلم مرقىً وسلمًا ... بتسهيل حل المشكلات الغرائب وصار إمامًا حاذقًا متفننًا ... له القدم الطولى بحل الغرائب إلى الله نشكو ما دهانا بموته ... فلا غيره يرجى لجبر المصائب عليه توكلنا بتسليم أمرنا ... مددنا يدًا نحو السماء بالمطالب فلا نلتجي إلا إليه ولا لنا ... سوى ربنا المعبود جزل المواهب لقد هالنا يوم دهتنا خطوبه ... بموت جليل القدر سامي المناقب فيا ثلمةً هدت من العلم جانبًا ... ويا لوعة الإخوان من كل صاحب ويا فرجة التدريس من بعد أنه ... محافله محفوفةٌ بالمكاتب لفقد إمامٍ كان يبدي دروسها ... ويهدي مخباها إلى كل راغب نعته خطوب الموت من بين أهله ... ومن بين جيران ومن بين صاحب فكم قبله جته المنية بغتةً ... فعضت عليه في حداد القواضب وكم قد دهتنا قبله من رزيةٍ ... نسينا بذكرى موته كل صاعب لقد خمدت تلك الدروس لفقده ... وسفت عليها الريح رمل الكتائب فنبكي عليه لوعةً في قلوبنا ... وفي القلب حرٌ شاعل بالملاهب لقد جدد الأحزان من بعد سليها ... وأجرى دموع العين فوق الحواجب وقد أوجعتنا فرجة الحبر شيخنا ... وناهت رزاياها بهد الجوانب لعشرٍ خلت في طلعة الفجر موته ... سينبيك عن تحريرها خط كاتب بشهر صفر في جمعةٍ من صباحها ... على نعشٍ نحو المقابر ذاهب

стр. 1122

ثمان سنين بعد خمسين قد تلت ... ثلاث مئين بعد ألف لحاسب وعجل في التجهيز من كان غاسلا ... وسجاه ثوبًا بعد شد العصائب ليبكي على التحقيق من كان باكيا ... لأن ذويه ذاهب بعد ذاهب فقد جاء في الأخبار عن سيد الورى ... بأن ذهاب العلم موت الأطائب فيا ربنا يا ملتجانا وجبرنا ... أغث قبره من مدك بالمواهب وأسكنه جنات النعيم تكرمًا ... ونور له في القبر يا خير واهب وأنهله من حوض النبي محمد ... بكاسٍ روي سائغ للمشارب وافرغ علينا الصبر يا خير من دعي ... لجبر قلوب هدمت بالمصائب وابق لنا بحر العلوم إمامنا ... يزيل الصدى جالي ظلام الغياهب وشيخٌ لنا يحكي المهمات كلها ... ولم يثنه في الله شوب الشوائب سمي ابن خطابٍ عفيفٌ وذو تقى ... وحامي حمى السمحاء عن كل ناكب ومن معدن بالعلم قد طاب أصله ... من آل سليم من كرام أطائب وإخواننا من كان للعلم طالبًا ... ومن قرر التوحيد أعلى المذاهب ومن كان في الإسلام يبدي ودادنا ... على القرب أو في شرقها والمغارب وصل على المبعوث من آل هاشمٍ ... محمد المختار من نسل غالب بعد الحصى والرمل والحب والنوى ... وما هل في الغبراء وبل السحائب وما غردت طيرٌ بأغصان دوحةٍ ... وما وقع العصفور فوق الذوائب وما أم بيت الله من كل ناسك ... على نجب تطوي قفار السباسب وأصحابه والتابعين على الهدى ... وأنصار دين الله من كل صاحب وهذه مرثية قلتها في المترجم وبعثت بها إلى بعض أصدقائنا بهذه المقدمة: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإنه لما كان في ١٠ صفر سنة ١٣٥٨ هـ توفى الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي غفر الله لنا وله، فوجل المسلمون لوفاته ومصابه، لما أن أودعوه قبره وأهالوا ترابه وعظمت لفراقه الأحزان، وهاجب له الهموم والأشجان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلما أن

стр. 1123

رأيت مصيبته تجدد بفراته والقلب قد زادت شجونه لشدة احتراته، أبديت هذه الأبيات وإن كنت لست من أهل هذا الشأن ولا ممن يسابق في الميدان، ولكن لعظم ما جرى وما حل بأهل الإسلام ودهى: إلى الله أشكو طارقات النوائب ... ورزء كبير من عظيم المصائب وما قد عرى أهل الديانة والتقى ... فحقٌ على خل دهي بالمعاطب يريق دموع العين سحًا ودائمًا ... ويبكي طويلًا بالدموع السواكب لموت إمامٍ قام لله داعيًا ... شمائله تسمو لعالي المراتب فأعظم بهذا الرزء أي مصيبةٍ ... وخطبٌ دهى بالمزعجات اللوازب تنادي بها السكان في كل مشهدٍ ... وسارت بها الركبان فوق النجائب لموتك يا عبد العزيز مصائبًا ... تهون على أربابها في الأقارب لأن كنت يا عبد العزيز فجعتنا ... وجسمك أضحى في تخوم السباسب وربعك أمسى دائرًا ومعطلًا ... عليه رياحٌ تعتلي بالكتائب فوا أسفًا من فقده وفراقه ... فمن مثله في شرقها والمغارب إمامٌ لشرع الله يبدي مفسرًا ... يحل عويص المشكلات النوادب يدين بقال الله قال رسوله ... فوائده يهدى بها كل طالب يقضي بتدريس العلوم نهاره ... مديمًا عليها في الضيا والغياهب يقرر توحيد الإله بجهده ... ولم يكترث يومًا بكل مشاغب لقد كان حبرًا للأنام ومفتيًا ... تحيط به الطلاب من كل جانب يبين لهم حقًا ويردي لباطل ... فمورده عذبٌ زلال لشارب يعامل أهل الخير بالود والصفا ... ويرجم أعداء الهدى بالثواقب وفي سنة المعصوم أضحى موضحًا ... لتقرير مسنون وتبيان واجب كما فاق في علم الفرائض غيره ... وفي النحو والقرآن قد جاء بالعجائب فمن مثله في الخلق يؤتى لمشكلٍ ... ويجلو ظلامًا من عضال الغياهب وفي كل فن فكره متجول ... يعيد ويبدي غامضات المصاعب

стр. 1124

فسبحان ربي يمنح العلم من يشاء ... مواهبه ليست ترى في التلاعب فوا حر قلبي من فقيد مفارقٍ ... إلى عسكر الأموات أضحى بذاهب مجالسه قد عطلت عرصاتها ... وقد أفلت أنوار تلك الكواكب أرى ثلمه والله ليس يسده ... فئام كثير قد سعوا في المراتب فيا ثلمةً عادت علينا بحسرةٍ ... وعمت مصابًا عجمها والأعارب فيا رب يا مولاي يا خير منجدٍ ... أنله الرضا والعفو يا ذا المواهب وبوءه في الجنات ارفع غبطةً ... تقر له عينٌ بعالي المراتب لأن كان رب العرش عنا أماته ... سقته المنايا من كؤوس المصايب فحمدًا لمولانا على كل حالةٍ ... مقاديره فينا تصيب لهارب وما من بقاء يرتجى لمؤملٍ ... وفينا من الأحبار عالي المناقب وأعني به الحبر الهمام الذي له ... مناقب مجدٍ ساميات المراتب هو الشيخ ذو العرفان نجل محمدٍ ... تفرع من غر كرامٍ أطائب جزاه إله الخلق عنا بفضله ... فقد كان أستاذًا أتى بالرغائب وأرغم أهل الزيغ من كل ملحدٍ ... وكشف أستارًا لغمض المذاهب وصل إلهي كلما هب ناسم ... وما ماض برق من خلال السحائب على المصطفى بل سيد الرسل كلهم ... وآلٍ وأصحاب سموا في المناقب بعد هتون القطر من وابل السماء ... وما حج بيت الله من كل راكب وهذه مرثية أنشأها الشيخ عثمان بن أحمد بن بشر في المترجم وقد أقمنا ما تكسر من أبياتها من غير تصرف لطلب الناظم منا لذلك: إلى الله أشكو لوعتي ومصيبتي ... على فقد أهل العلم من كل ماجد فهذه علامات الدبور بوقتنا ... إذا مات منهم واحد بعد واحد فقد حل مصداق ما قال ربنا ... ففي الوعد قد جاء بنقص الأماجد كذلك ما قد قاله سيد الورى ... بموت رعاة الدين أهل التعاضد كمثل الفتى عبد العزيز أخي الحجا ... تقيٌ نقىٌ طيب العرض زاهد

стр. 1125

يقطع ساعات النهار بدرسه ... ويبديه جهرًا في زوايا المساجد إذا خاض في علم الأصول رأيته ... بصيرًا خبيرًا مرشدًا كل وارد يقرر توحيد العبادة جهرةٌ ... ويبذله لكل باغٍ وقاصد وإن خاض في علم الفرائض خلته ... ففيها عليمًا قد حوى كل شارد وإن خاض في علم الفروع وجدته ... خبيرًا بأقوال الهداة الأماجد ويحكي خلافًا قاله كل عالمٍ ... ويسرده عن واحد بعد واحد وأما علوم النحو فهو مسدد ... يعيد ويبدي مظهرًا للفوائد فيا رب تنفعه بما قد منحته ... يكون له يوم اللقا خير شاهد ويا رب بوءه من الخلد منزلًا ... مع السابقين الأطيبين الأماجد ثم أخذ يدعو للمشايخ، فلولا هم لأظلمت البسيطة، ولولا هم لمادت بأهلها الخ، وهي تبلغ واحدًا وثلاثين بيتًا، تركناها خشية الإطالة. وقال الأخ المحب عمر الوسيدي مرثية في الفقيد جعل لها مقدمة، ثم أتى بها، وهذا نص القصيدة المشار إليها: أتانا كتابٌ من صديقٍ وصادقٍ ... قريبٍ وصاف بالوداد المقارب فلما قرأت الكتاب وجدته ... يعزي بموت من دهى بالمصائب خررت صريعًا باكيًا عظم ما بدا ... ونيران حزني أوقدت باللهائب هو الشيخ عبد العزيز وحبرنا ... إمام الهدى نسل الكرام الأطائب صلالة إبراهيم (١) العبادي ونجله ... فقك جاد نفعًا في الورى كل طالب وقد كان ردء في القضاء لشيخنا ... وتدريس سكان بها وأجانب له مجلسٌ عن رونق الحسن والبها ... يلوح ويزهو زانه كل طالب وفيه من الأحكام در نفيسةٌ ... كروضة مرباع زهت بالجوانب
следующие страницы →